Полный текст (265 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
الأسئلة
стр. 177
سبب العمل للهداية وقد سبقت في علم الله
السؤال
إذا كان الله جل وعلا قد أراد الهداية وشاءها، فلماذا يعمل العباد بالدعوة إلى الله مع أن الله يعلم أن هذا الإنسان سوف يهديه، وأن هذا سوف يضله؟
الجواب
الصحابة استشكلوا هذا، وقالوا: (يا رسول الله! ما يكدح الناس فيه ويعملون؟ هل في شيء مستقبل مستأنف أو في شيء فرغ منه؟ قال: في شي فرغ منه، ثم قال النبي ﷺ : اعملوا فكل ميسر لما خلق له، أما أهل السعادة فسييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فسييسرون لعمل أهل الشقاوة، ثم قرأ قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل:٥ - ١٠]).
فهذا مغيب عنك والقدر إلى الله، وهو ليس من شئونك، أنت عبد مأمور، أما القدر فهو إلى الله فلا تنظر إليه، وعليك أن تجتهد في أداء الواجبات وترك المحرمات، وامتثل أوامر الله واجتنب نواهيه، وخل القدر، فالقدر من شئون الله وليس من شئونك.
стр. 178
المراد بإقامة الحجة
السؤال
من المعلوم أن من شروط التكفير إقامة الحجة، فما المراد بها؟ وهل كون الإنسان يفهم القرآن ويقرأه تكون الحجة عليه قائمة؟
الجواب
المراد ببلوغ الحجة: أن يعلم أن هذا حجة على هذا الشيء، فإنه تقوم عليه الحجة ولا يشترط فهمها، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥]، فقد بعث الرسول، وقامت الحجة على من بلغته نبوة النبي ﷺ ، قال سبحانه: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام:١٩]، فمن بلغه القرآن فقد قامت عليه الحجة، قال سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة:١١٥] ولم يقل: حتى يتبين، فإذا بينت له الحجة وظهرت له، وعلم أن هذا حجة على هذا الشيء؛ فقد قامت عليه الحجة ولو لم يفهمها، قال الله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:١٧١]، فالكفار قامت عليهم الحجة، ومع ذلك فقد شبههم الله بالغنم التي ينعق لها الراعي، فلا تسمع إلا نعيقه.
فإن علموا الحجة بأن بلغهم القرآن وبلغتهم السنة فقد قامت عليهم الحجة ولا يشترط أن يفهموها.
стр. 179
إنما الأعمال بالخواتيم
السؤال
قول النبي ﷺ : (اعملوا فكل ميسر لما خلق له) فمن كان مكتوباً عليه أنه من أهل النار، لكنه يعمل بعمل أهل الجنة ومات على هذا، هل هناك تعارض بينه وبين الحديث؟
الجواب
لابد أن يصير الإنسان إلى القدر كما سمعتم الأحاديث، ولابد أن يسبق عليه الكتاب، فإذا كتب الله أنه من أهل الجنة فلابد أن يموت على عمل من عمل أهل الجنة، ويسبق عليه الكتاب، وإذا كان مكتوباً من أهل النار فلابد أن يموت على الكفر والعياذ بالله، وهذا من شئون الله وليس إليك، وما عليك أنت إلا أن تجتهد في أداء ما أوجب الله عليك وترك ما حرم الله عليك.
стр. 180
حكم الزيادة في ركعات الصلاة
السؤال
رجل صلى إماماً في جماعة، وقام إلى خامسة، ونبهه المأمومون ولم يرجع، لكنهم تابعوه إلا رجلاً واحداً جلس حتى سلم الإمام، فما حكم صلاة المأمومين الذين فتحوا على الإمام وتابعوه في الخامسة؟ وكذلك حكم صلاة الرجل الذي جلس ولم يتابع الإمام؟
الجواب
إذا قام الإمام إلى خامسة في الرباعية، أو قام إلى رابعة في الثلاثية كالمغرب، أو قام إلى ثالثة في الثنائية كالفجر والجمعة؛ فإن على المأمومين أن ينبهوه ويقولوا: سبحان الله! سبحان الله! فإذا نبهه ثقتان وجب عليه أن يرجع إلى قولهما؛ لأن النبي ﷺ لما نبهه ذو اليدين لم يرجع إلى قوله حتى سئل الصحابة، وقال: (حق ما يقول ذو اليدين؟ قالوا: نعم).
فإذا نبهه ثقتان وجب عليه أن يرجع، إلا أن يتيقن صواب نفسه، فإن تيقن أنه مصيب فلا يرجع عملاً باعتقاده، ثم المأمومون لهم أحوال أيضاً، فمن كان متيقناً أن هذه خامسة فلا يجوز له أن يتابع الإمام، بل يجلس حتى يسلم فيسلم معه.
ومن كان شاكاً فعليه أن يتابع الإمام، والمتيقن أنها خامسة لا يجوز له متابعة الإمام، فالمأموم له يقينه والإمام له يقينه، وقد يكون الإمام متيقناً أنها رابعة وأنت متيقن أنها خامسة، فالمأموم له يقينه وأنت لك يقينك، فأنت تجلس والمأموم يقوم، ومن كان شاكاً لا يدري فإنه يتابع الإمام، ومن كان عنده يقين أنها خامسة فلا يتابع الإمام في الخامسة، فإن تابعه عالماً متعمداً بطلت صلاته، أما إذا تابعه جاهلاً يظن أنه يجب متابعته فصلاته صحيحة.
стр. 181
الموافاة وتعليل الاستثناء بها
السؤال
نقل عن شيخ الإسلام ﵀ أنه قال: وأما الموافاة فما علمت أحداً من السلف علل بها الاستثناء، ولكن كثيراً من المتأخرين يعلل بها من أصحاب الحديث من أصحاب أحمد ومالك والشافعي ﵏ وغيرهم؟
الجواب
الموافاة تعني: حين يوافي الإنسان ربه، أي: يهلل بالموافاة، فلا يدري ما يوافي لسانه به ربه، أي: ما يلاقي به ربه.
стр. 182
حكم الاستدلال بالأحاديث الضعيفة في أمور العقيدة
السؤال
هل يجوز الاستدلال بالأحاديث الضعيفة في أمور العقيدة مع علم المستدل بضعفها؟
الجواب
لا يجوز الاستدلال بالأحاديث الضعيفة ولا العمل بها لا في العقيدة ولا في الأعمال، فالأحاديث الضعيفة لا يعمل بها إلا إذا لم يشتد ضعفها ووجد لها متابع أو شاهد فإنه يتقوى ويرتقي إلى درجة الحسن لغيره.
أما إذا اشتد ضعفه، كأن يكون فيه متهم بالكذب أو كذاب أو وضاع فهذا لا تفيده المتابعات ولا الشواهد، وإنما شرط الأحاديث الضعيفة أن يعمل بها إذا لم يشتد ضعفها، كأن يكون فيها مدلس أو فيها انقطاع أو سيئ الحفظ، فهذا إن وجد له متابع أو شاهد فإنه يرتقي إلى درجة الحسن لغيره فيعمل به.
стр. 183
حكم قول: (وما كان من شر فمن نفسي والشيطان)
السؤال
إذا كان الخير والشر من الله جل وعلا؛ فهل يصح ما يقوله بعض الناس: ما أصبت من حسنة فمن الله وما كان من خطأ فمن نفسي والشيطان؟
الجواب
هذا مثلما سبق، فقد أضاف الخير إلى الله وأضاف الشر إلى نفسه.
وهذا من باب التأدب مع الله والتنزيه له سبحانه، فلا يضاف إليه الشر وإن كان هو خالق الخير والشر ، كما قال النبي ﷺ : (والشر ليس إليك).
يعني: الشر المحض الذي لا حكمة في إيجاده وتقديره، أو أن الشر لا يضاف إليك مفرداً.
стр. 184
حبوط العمل يعد كفراً
السؤال
ما معنى حبوط العمل في ترك صلاة العصر، علماً أن الله جل وعلا قال للصحابة: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات:٢]، والحبوط هنا كما فسره المفسرون ليس كفراً؟
الجواب
الحبوط كفر، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة:٥].
قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٢١٧]، وهذا دليل واضح في أن ترك الصلاة تكاسلاً وتهاوناً كفر وردة، نعوذ بالله.
стр. 185
الدعاء يرد القضاء
السؤال
هل الدعاء يرد القضاء؟
الجواب
الدعاء سبب من الأسباب وهو من القضاء، ولا يرد القدر إلا الدعاء، فالدعاء من الأسباب التي قدرها الله، فهو من القضاء وهو مما قدره الله.
стр. 186
من نواقض الإسلام
السؤال
من أقام الصلاة وأتى بمكفرات كحكمه بالقوانين الوضعية، فهل يعد هذا الحاكم كافراً يخرج عليه؟
الجواب
لا يجوز الخروج على ولي الأمر إلا بشروط، قال النبي ﷺ : (إلا أن تروا كفراً بوحاً عندكم من الله فيه برهان).
فيكون الكفر موصوف بثلاثة أوصاف: كفر بواح، وعندكم فيه من الله برهان، وكذلك لا بد من القدرة على الخروج، ولابد من وجود البديل لهذا الحاكم؛ فإذا وجدت الشروط بأن كفر كفراً بواحاً لا شبهة فيه ولا لبس، أما إذا كان فيه إشكال فلا، ووجد البديل، أما أن يكون الحاكم كافر، ويؤتى بكافر بدله أو تأتي حكومة كافرة وبدلها حكومة كافرة.
فما حصل المقصود، فلا بد من القدرة أيضاً، فإذا وجدت الشروط، كأن يكون فعل كفراً موصوفاً بثلاثة أوصاف: الشرط الأول: أن يكون كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان.
والشرط الثاني: وجود البديل المسلم.
والشرط الثالث: القدرة؛ فعند ذلك وجب الخروج عليه.
стр. 187
الفرق بين عذاب المؤمن والكافر في النار
السؤال
ما الدليل على أن المؤمن يدخل النار برجليه؟
الجواب
الدليل أن النصوص فرقت بين الكافر وغيره، فالكافر كما قال الله: ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة:٣٢].
وأخبر الله أن المؤمن يدخل النار، لكن الكافر تصلاه وتغمره النار من جميع الجهات، أما المؤمن فلا تأكل النار مواضع السجود منه، بل تلهبه النار على حسب عمله.
стр. 188
شرح عقيدة السلف وأصحاب الحديث للصابوني [١٢]
إن أصحاب رسول الله ضحوا بالغالي والنفيس من أجل دين الله، ولن تشهد الدنيا جيلاً كجيلهم، ولقد كافأهم الله وهم في الدنيا، فقد أطلع الله نبيه بأن بعضهم من أهل الجنة وأمره أن يخبرهم بذلك.
стр. 189
المبشرون بالجنة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فأما الذين شهد لهم رسول الله ﷺ من أصحابه بأعيانهم بأنهم من أهل الجنة فإن أصحاب الحديث يشهدون لهم بذلك تصديقاً منهم للرسول ﷺ فيما ذكره ووعده لهم؛ فإنه ﷺ لم يشهد لهم بها إلا بعد أن عرف ذلك، والله تعالى أطلع رسوله ﷺ على ما شاء من غيبه وبيان ذلك في قوله : ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن:٢٦ - ٢٧].
وقد بشر ﷺ عشرة من أصحابه بالجنة وهم: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد وسعيد وأبو عبيدة بن الجراح، وكذلك قال لـ ثابت بن قيس بن شماس ﵁: (إنه من أهل الجنة.
قال أنس بن مالك: فلقد كان يمشي بين أظهرنا ونحن نقول: إنه من أهل الجنة)].
من عقيدة أهل السنة والجماعة: أنهم يشهدون لمن شهد له النبي ﷺ بالجنة، كالعشرة المبشرين بالجنة وثابت بن قيس بن شماس؛ فإن النبي ﷺ قال له: (أنت من أهل الجنة).
وكان خطيب النبي ﷺ ، وكان يرفع صوته في حضرة النبي ﷺ ؛ لأن الخطيب يحتاج إلى رفع الصوت، فلما نزل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات:٢]، خاف ﵁، وجلس في بيته يبكي خشية أن يحبط عمله، فسأل عنه النبي ﷺ فأرسل إليه، فقال للرسول: إنه من أهل النار؛ لأنه يرفع صوته فوق صوت النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ : (أخبروه أنه من أهل الجنة وليس من أهل النار).
وهذه شهادة من النبي ﷺ شهد له بها.
وكذلك الحسن والحسين فقد شهد لهما النبي ﷺ بأنهما سيدا شباب أهل الجنة، وكذلك عكاشة بن محصن، وعبد الله بن عمر، وبلال بن رباح فقد سمع قرع نعليه في الجنة، وعبد الله بن سلام وجماعة شهد لهم النبي ﷺ ، والعشرة المبشرون بالجنة الذين عدهم المؤلف ﵀ كلهم يشهد لهم بالجنة، وهذه عقيدة أهل السنة والجماعة، فمن شهد له النبي ﷺ بالجنة فإنا نشهد له بالجنة، وكذلك أهل بيعة الرضوان، قال ﷺ : (لن يلج النار أحد بايع تحت الشجرة) وكانوا ألفاً وأربعمائة.
وأهل بدر كذلك، فقد قال النبي ﷺ : (وما يدريك يا عمر لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم).
أما من لم يشهد له النبي ﷺ بالجنة فإنا نشهد له بالعموم، فنشهد لجميع المؤمنين بالجنة من باب العموم، لكننا لا نشهد بالخصوص إلا لمن شهد له النبي ﷺ ، واليهود والنصارى والوثنيون في النار، والمنافقون في الدرك الأسفل من النار، لكن فلان ابن فلان بعينه لا نشهد له بالجنة إلا لمن شهد له الرسول، وفلان ابن فلان بعينه لا نشهد له بالنار إلا إذا علمنا أنه مات على الكفر، وقامت عليه الحجة، وهذه عقيدة أهل السنة، فـ أبو لهب مثلاً شهدت نصوص القرآن بأنه في النار وأبو جهل كذلك، وما عدا ذلك فإننا نشهد للمؤمنين على وجه العموم بالجنة، ونشهد للكفار بالنار، لكن أهل السنة والجماعة يرجون للمحسن الثواب والعفو عن المسيئ، فإذا رأوا إنساناً مستقيماً على طاعة الله يؤدي ما أوجب الله عليه، وينتهي عما حرم الله عليه، فإنهم يرجون له خيراً، ويرجون أن يغفر الله له ويدخله الجنة، لكن لا يشهدون له بالجنة.
والمسيئ الذي يعمل المعاصي والكبائر يخافون عليه من النار، ولا يشهدون عليه بالنار؛ ولهذا قال المؤلف ﵀: فأما الذين شهد لهم رسول الله ﷺ من أصحابه بأعيانهم بأنهم من أهل الجنة، فإن أصحاب الحديث يشهدون لهم بذلك تصديقاً للرسول ﵊ فيما ذكره ووعده لهم؛ فإنه ﷺ لم يشهد لهم بها إلا بعد أن عرف ذلك، وقد أطلع الله تعالى رسوله على ما شاء من غيبه، وبيان ذلك في قوله : ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن:٢٦ - ٢٧].
والنبي ﷺ ينزل عليه الوحي، فإذا شهد لأحد بالجنة؛ فإن هذا من الغيب الذي أطلعه الله عليه، قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤].
وقد بشر رسول الله ﷺ عشرة من أصحابه بالجنة وهم: أبو بكر، وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وأبو عبيدة بن الجراح، فهؤلاء يقال لهم: العشرة المبشرون بالجنة.
وكذلك قال لـ ثابت بن قيس بن شماس: (أنت من أهل الجنة).
لما جلس في بيته يبكي، وقال: إنه من أهل النار، قال أنس بن مالك ﵁: فلقد كان يمشي بين أظهرنا ونحن نقول: إنه في الجنة ومن أهل الجنة.
стр. 190
أفضلية الصحابة بعضهم على بعض
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويشهدون ويعتقدون: أن أفضل أصحاب رسول الله ﷺ أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، وأنهم الخلفاء الراشدون الذين ذكر رسول الله ﵌ خلافتهم بقوله فيما رواه سعيد بن جمهان عن سفينة: (الخلافة بعدي ثلاثون سنة).
وبعد انقضاء أيامهم عاد الأمر إلى الملك العضوض على ما أخبر عنه الرسول ﵌].
يعتقد أهل السنة وأهل الحديث ويشهدون: أن أفضل أصحاب رسول الله ﷺ أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، ويشهدون أنهم هم الخلفاء الراشدون، وترتيبهم في الفضيلة كترتيبهم في الخلافة، فأفضلهم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، وهذا هو الذي عليه الجماهير، وروي عن الإمام أبي حنيفة: أن علياً أفضل من عثمان ولكن روي عنه أنه رجع ووافق الجمهور، وتفضيل علي على عثمان مسألة سهلة خفيفة، لكن تقديم علي على عثمان في الخلافة أمر منكر؛ ولهذا قال كثير من السلف: من قدم علياً على عثمان في الخلافة فهو أضل من حمار أهله، وقد أزرى بالمهاجرين والأنصار.
أي: احتقر رأيهم؛ لأن المهاجرين والأنصار أجمعوا على تقديم عثمان في الخلافة، فتقديم علي على عثمان في الخلافة أمر منكر شنيع باطل، أما تقديم علي على عثمان في الفضيلة فهذا سهل، وقد قال به بعض أهل السنة، وروي عن الإمام أبي حنيفة، ولكن روي أنه رجع ووافق الجمهور، وهم الخلفاء الراشدون وخلافتهم خلافة نبوة، ولهذا قال النبي ﷺ في حديث سفينة: (الخلافة بعدي ثلاثون سنة).
وهو حديث حسن لا بأس به.
ثم قال: أمسك خلافة أبي بكر سنتان، وخلافة عمر عشر سنوات، وخلافة عثمان ثنتا عشرة سنة، وخلافة علي ست سنوات، وهذا الترتيب، فتكون الجميع ثلاثون سنة، لكن هذا فيه جبر؛ فإن خلافة أبي بكر سنتان وثلاثة أشهر، وخلافة عمر عشر سنوات ونصف، وخلافة عثمان ثنتي عشرة سنة، وخلافة علي خمس سنين وأشهر، ثم بقي من الثلاثين السنة ستة أشهر وهي التي تولى فيها الحسن بن علي ﵁، وتنازل فيها لـ معاوية فتمت الخلافة ثلاثون سنة بنهاية الستة الأشهر التي تنازل فيها الحسن بن علي لـ معاوية، وانتهت الخلافة الراشدة وبدأ الملك، وأول ملوك المسلمين هو معاوية بن أبي سفيان ﵁، ولهذا قال المؤلف: وبعد انقضاء أيامهم عاد الأمر إلى الملك العضوض على ما أخبر عنه رسول الله ﷺ ، لكن معاوية صحابي جليل، وخلافته وإن لم تكن كخلافة الخلفاء الراشدين إلا أنه ملك عادل وصحابي جليل.
стр. 191
القول في خلافة أبي بكر ﵁
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويشهد أصحاب الحديث بأن خلافة أبي بكر ﵁ بعد وفاة رسول الله ﵌ باختيار الصحابة واتفاقهم عليه، وقولهم قاطبة: رضيه رسول الله ﷺ لديننا فرضيناه لدنيانا].
يعني: أنه استخلفه في إقامة الصلوات المفروضات بالناس أيام مرضه وهي الدين، فرضيناه خليفة للرسول ﷺ علينا في أمور دنيانا.
وقولهم: قدمه رسول الله ﷺ فمن ذا الذي يؤخره، وأرادوا أنه ﷺ قدمك في الصلاة بنا أيام مرضه، فصلينا وراءك بأمره فمن ذا الذي يؤخرك بعد تقديمه إياك، وكان رسول الله ﷺ يتكلم في شأن أبي بكر ﵁ في حال حياته فيما يبين للصحابة أنه أحق الناس بالخلافة بعده، فلذلك اتفقوا عليه واجتمعوا، فانتفعوا بمكانه وارتفعوا وارتفقوا، حتى قال أبو هريرة ﵁: والله الذي لا إله إلا هو لولا أن أبا بكر استخلف لما عبد الله.
ولما قيل له: مه يا أبا هريرة! قام بحجة صحة قوله، فصدقوه فيه وأقروا به].
أهل الحديث وأهل السنة والجماعة يثبتون خلافة أبي بكر ﵁ بعد وفاة رسول الله ﷺ ، وأنه الخليفة الأول خلافاً للرافضة الذين يقولون: الخليفة الأول هو علي ﵁، وأن أبا بكر اغتصب الخلافة منه، وكذلك عمر وعثمان، وهذا قول باطل، والذي عليه أهل السنة والجماعة وأهل الحديث أن أبا بكر هو الخليفة الأول، وثبتت الخلافة لـ أبي بكر باختيار الصحابة وانتخابهم، فهذا هو الأرجح.
وقال بعض العلماء: ثبتت خلافة أبي بكر بالنص واستدلوا بأدلة منها: (أن النبي ﷺ لما جاءته امرأة وقال لها: ائتني في وقت كذا، أي: في وقت لاحق.
فقالت: أرأيت إن جئت ولم أجدك، تعني الموت.
فقال: إن لم تجديني فأتي أبا بكر).
قالوا: وهذا دليل على أنه الخليفة، وكذلك أيضاً روي في هذا منامات، وكذلك أيضاً تقديم النبي ﷺ له في أيام مرضه في الصلاة، وكذلك قوله: (لو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً).
فبعض العلماء قال: إن خلافته ثبتت بالنص، والذين قالوا بالنص على قولين: منهم من قال: ثبتت بالنص الجلي، ومنهم من قال: ثبتت بالنص الخفي.
وقال آخرون: إنما ثبتت بالانتخاب والاختيار، وهذا هو الأرجح، فإنها ثبتت باختيار الصحابة وانتخابهم، واستدلوا بهذه الأدلة على أنه هو الخليفة، واستدلوا بكون النبي ﷺ قدمه للصلاة، فهذا دليل على أنه هو الأحق بالخلافة.
وكذلك أيضاً: لما أراد النبي ﷺ أن يكتب كتاباً واختلفوا عنده، قال: (قوموا، ثم قال: يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر).
يعني: يأبى الله تقديراً وقضاءً، والمسلمون اختياراً وانتخاباً إلا أبا بكر، والصواب أن الخلافة ثبتت لـ أبي بكر بالاختيار والانتخاب من أهل الحل والعقد، واستدلوا: بإرشاد النبي ﷺ إلى اختياره.
وبعض أهل العلم قال: إن هذه الأدلة نص في خلافته، والصواب أنها ثبتت بالاختيار والانتخاب، ولهذا قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويثبت أصحاب الحديث خلافة أبي بكر ﵁ بعد وفاة الرسول ﷺ باختيار الصحابة واتفاقهم عليه، وقولهم قاطبة: رضيه رسول الله ﷺ لديننا؛ فرضيناه لدنيانا]، يعني: أنه استخلفه في إقامة الصلوات المفروضات بالناس أيام مرضه وهي الدين، فرضيناه خليفة لرسول الله ﷺ في أمور دنيانا، وقولهم: (قدمك رسول الله ﷺ فمن ذا الذي يؤخرك؟! أرادوا أنه قدمه في الصلاة أيام مرضه، فصلينا وراءه بأمره، فمن ذا الذي يؤخرك بعد تقديمه إياك؟ وكان رسول الله ﷺ يتكلم في شأن أبي بكر في حال حياته، مما يبين للصحابة أنه أحق الناس بالخلافة بعده.
فلذلك اتفقوا عليه واجتمعوا فانتفعوا بمكانه، وارتفعوا به وارتقوا وعزوا وعلوا بسببه، حتى قال أبو هريرة ﵁: والله الذي لا إله إلا هو! لولا أن أبا بكر استخلف لما عبد الله، ولما قيل له: مه يا أبا هريرة؟! ما تقول؟ قام بحجة صحة قوله، فصدقوه فيه وأقروا به.
وذلك أن النبي ﷺ لما توفي ارتدت قبائل العرب؛ فمنهم من عبد الأوثان، ومنهم من أنكر نبوة النبي ﷺ ، ومنهم من منع الزكاة، فقاتلهم أبو بكر ﵁، وأشكل هذا على بعض الصحابة ومنهم عمر إذ قال: كيف تقاتل من قال: لا إله إلا الله؟! فقال أبو بكر ﵁: والله! لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، والله! لو منعوني عقالاً -وفي رواية: عناقاً- كانوا يؤدونه إلى النبي ﷺ لقاتلتهم عليه.
فأجمع وعزم على قتالهم؛ حتى شرح الله صدر عمر، وصدر من كان عنده إشكال، فأجمعوا على قتالهم فكان في قتالهم خير عظيم، فرجع الناس إلى دين الله بعد أن خرجوا منه، فلهذا قال أبو هريرة ﵁: لولا أن أبا بكر استخلف لما عبد الله؛ لأن أكثر العرب ارتدوا فقاتلهم الصديق والصحابة حتى رجعوا إلى الإسلام.
стр. 192
استخلاف أبي بكر لعمر ﵄
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم خلافة عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه باستخلاف أبي بكر ﵁ إياه، واتفاق الصحابة عليه بعده، وإنجاز الله سبحانه -بمكانه في إعلاء الإسلام وإعظام شأنه- وعده] أهل السنة والجماعة يثبتون ويعتقدون أن الخليفة بعد أبي بكر هو: عمر ﵁، فقد ثبت له الخلافة.
بالعهد من أبي بكر ﵁ إليه، واتفاق الصحابة بعده عليه، ولهذا أنجز الله سبحانه وعده بإعلاء الإسلام وإعظام شأنه، فالخليفة الثاني هو عمر خلافاً للرافضة الذين يقولون: إن أبا بكر وعمر مغتضبان للخلافة، ويقولون عن الصحابة إنهم كفرة ارتدوا بعد وفاة النبي ﷺ ، وأخفوا النصوص التي فيها أن الخليفة بعده علي، وينكرون خلافة أبي بكر وعمر وعثمان ويقولون: إنهم ظلمة وفسقة وكفرة، فولاية هؤلاء الثلاثة زور وبهتان وظلم، وإلا فالخليفة الأول هو علي، وهذا منصوص عليه.
هكذا يقول الرافضة، وهذا من أبطل الباطل.
стр. 193
خلافة عثمان ﵁ بإجماع الصحابة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم خلافة عثمان ﵁ بإجماع أهل الشورى، وإجماع الأصحاب كافة، ورضاهم به حتى جعل الأمر إليه].
والخليفة الثالث هو عثمان ثبتت له الخلافة باختيار المهاجرين والأنصار جميعاً، وأجمعوا عليه إجماعاً.
стр. 194
ثبوت خلافة علي بالمبايعة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم خلافة علي ﵁ ببيعة الصحابة إياه، حين عرفه ورآه كل منهم ﵃ أحق الخلق وأولاهم في ذلك الوقت بالخلافة، ولم يستجيزوا عصيانه وخلافه].
والخليفة الرابع هو علي ﵁، ثبتت له الخلافة بمبايعة أكثر أهل الحل والعقد، وامتنع عن البيعة معاوية وأهل الشام، لا لأن معاوية يطلب الخلافة؛ بل لأنه يطالب بدم عثمان ﵁.
وخلاصة الأمر فقد ثبتت الخلافة لـ أبي بكر بإجماع الصحابة، وثبتت لـ عمر بولاية العهد من أبي بكر واتفاق الصحابة عليه، وثبتت لـ عثمان بإجماع المهاجرين والأنصار، وثبتت لـ علي بمبايعة أكثر أهل الحل والعقد دون معاوية وأهل الشام.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فكان هؤلاء الأربعة الخلفاء الراشدين الذين نصر الله بهم الدين، وقهر وقسر بمكانهم الملحدين، وقوى بمكانهم الإسلام، ورفع في أيامهم للحق الأعلام، ونور بضيائهم ونورهم وبهائهم الظلام، وحقق بخلافتهم وعده السابق في قوله : ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ﴾ [النور:٥٥] الآية.
وفي قوله: ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:٢٩] إلى قوله: ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح:٢٩]، فهؤلاء الأربعة الخلفاء الراشدون خلافتهم راشدة، وهم أفضل الناس، وترتيبهم في الفضيلة كترتيبهم في الخلافة، فأفضلهم أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، وخلافتهم خلافة نبوة، وقد نصر الله بهم الدين، وقهر وقسر بمكانهم الملحدين، وقوى بمكانهم الإسلام، ورفع في أيامهم للحق الأعلام، ونور الله بضيائهم وبهائهم الظلام، وتحقق في خلافتهم وعده في قوله : ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور:٥٥]، وقد حصل هذا، فقد استخلفهم في الأرض، ومكن لهم الدين وبدلهم من بعد خوفهم أمناً.
قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:٢٩]، إلى قوله: ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح:٢٩]، هذه الآية فيها وصف للصحابة، ولهذا استنبط الإمام مالك ﵀ من قوله تعالى: (ليغيظ بهم الكفار) أن من أغاظه الصحابة فإنه يكون كافراً بنص القرآن؛ لأن الله قال: (ليغيظ بهم الكفار).
стр. 195
الفوز لمن أحب الصحابة، والهلاك لمن أبغضهم
قا المؤلف رحمه الله تعالى: [فمن أحبهم، وتولاهم، ودعا لهم، ورعى حقوقهم، وعرف فضلهم فهذا من الفائزين، ومن أبغضهم، وسبهم، ونسبهم إلى ما تنسبهم إليه الروافض والخوارج -لعنهم الله- فقد هلك في الهالكين].
(من أحبهم وتولاهم ودعا لهم ورعى حقوقهم وعرف فضلهم) فهو من أهل السنة والجماعة من الفائزين ومن أهل الحق.
(ومن أبغضهم وسبهم) وكفرهم فهو من الهالكين -نسأل الله العافية- لأن الله زكاهم ووعدهم بالجنة فمن كفرهم أو فسقهم فقد كفر؛ لأنه مكذب لله، ومن كذب الله فقد كفر.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال رسول الله ﵌: (لا تسبوا أصحابي فمن سبهم فعليه لعنة الله)].
هذا الحديث كما يقول المحقق مركب من حديثين: فالجملة الأولى: (لا تسبوا أصحابي) فهي جزء من حديث صحيح، أما الجملة الثانية: (فمن سبهم فعليه لعنة الله) فهي جزء من حديث.
وفي اللفظ الآخر: (لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده! لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه).
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال: (من أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن سبهم فعليه لعنة الله)].
هذا الحديث ذكر المحقق أنه ضعيف، ويحتمل أن المؤلف ذكره؛ لأن له شواهد.
стр. 196
الصلاة خلف الإمام البر والفاجر والجهاد معه والدعاء له
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويرى أصحاب الحديث الجمعة والعيدين وغيرهما من الصلوات خلف كل إمام براً كان أو فاجراً، ويرون جهاد الكفرة معهم وإن كانوا جورة فجرة، ويرون الدعاء لهم بالإصلاح والتوفيق والصلاح وبسط العدل في الرعية، ولا يرون الخروج عليهم بالسيف، وإن رأوا منهم العدول عن العدل إلى الجور والحيف، ويرون قتال الفئة الباغية حتى ترجع إلى طاعة الإمام العدل].
عقيدة أهل السنة والجماعة في ولاة الأمر من المؤمنين: عدم الخروج عليهم، ويرون جواز صلاة الجمعة والعيدين خلفهم، ويرون الجهاد والحج معهم ولو كانوا فساقاً، ولو ارتكبوا الكبائر، ما داموا مسلمين؛ لأن هذه المعاصي التي يفعلها ولاة الأمر مثل: شرب الخمر، أو الظلم، أو قتله بغير حق، أو أخذ مالاً بغير حق، فإن هذه المعاصي تعتبر من الظلم والفسق، فلا يجوز الخروج عليهم بمثلها؛ لأن الخروج يؤدي إلى مفسدة أكبر، وقواعد الشريعة تدل على أنه إذا وجدت مفسدتان ولا يمكن تركهما جميعاً، فترتكب المفسدة الصغرى لدفع الكبرى، وإذا وجدت مصلحتان كبرى وصغرى ولا يمكن فعلهما جميعاً نترك الصغرى ونأتي بالكبرى، فهذه المسألة تتماشى مع قواعد الشرع بهذه الكيفية.
فولي الأمر إذا فسق أو عصى فإن ذلك يعتبر مفسدة كبرى، لكن الخروج عليه يؤدي إلى مفسدة أكبر، وهي إراقة الدماء، وانقسام الناس إلى فريقين، واختلال الأمن، واختلال المعيشة، وتدهور الاقتصاد، والزراعة والتجارة والتعليم، وتربص الأعداء بهم الدوائر، وتأتي بفتن لا أول لها ولا آخر تقضي على الأخضر واليابس، فهذه مفاسد عظيمة فلا نرتكبها، بل على الرعية أن يصبروا على جور الولاة، فإن في هذا مصلحة كبيرة، والنصيحة مبذولة من قبل العلماء والدعاة وأهل الحل والعقد، فإن قبل الولاة فالحمد لله، وإن لم يقبلوا فقد أدى الناس ما عليهم، ولا يجوز الخروج على ولاة الأمور في مثل هذا الحال.
وولاة الأمور ما سلطوا على الناس إلا بسبب ذنوبهم ومعاصيهم، فعليهم أن يتوبوا إلى الله، فقد يكون جور الولاة تأديباً للفسقة، وامتحاناً وابتلاء للصالحين، ورفعاً لدرجاتهم، مثل المصائب والنكبات، والأمراض والأسقام، يكفر الله بها السيئات، فإذا أراد الناس أن يصلح الله لهم ولاة أمورهم فليصلحوا أحوالهم، وليتوبوا إلى ربهم، ولهذا قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ويرى أصحاب الحديث وأهل السنة الجمعة والعيدين وغيرهما من الصلاة خلف كل إمام براً كان أو فاجراً) والمراد بالإمام: إمام المسلمين، وولي أمرهم، ويقوم مقامه رئيس الدولة أو الجمهورية أو الملك أو الأمير.
(براً كان أو فاجراً) أي: تقياً كان أو عاصياً.
ومعنى قوله: (ويرون جهاد الكفرة معه، وإن كانوا جورة فجرة) أي: إذا أراد ولي الأمر أن يقاتل الكفار وعقد راية فعلى الناس أن يقاتلوا معه ولو كان فاجراً، أو جائراً أو ظالماً.
فمن عقيدة أهل السنة والجماعة جهاد الكفرة مع ولاة الأمور وإن كانوا جورة فجرة، أي: جائرين، ظالمين وعاصين.
والحج والجهاد فرضان يتعلقان بالسفر، ولابد ممن يقوم بهما ويقاتل العدو، وهذا يحصل بالإمام الفاجر، كما يحصل بالإمام البر، ولهذا فإن عقيدة أهل السنة والجماعة أنهم يجاهدون ويصلون خلف الإمام ولو كان جائراً ظالماً، ما دام أنه لم يكفر.
وقوله: (ويرون الدعاء لهم بالصلاح والتوفيق، وبسط العدل في الرعية) فأهل السنة والجماعة يدعون لهم، ولهذا جاء عن الفضيل بن عياض أنه قال: لو أن لي دعوة صالحة لصرفتها للسلطان، لأن بصلاحه تصلح الرعية.
فيرون الدعاء لهم بالإصلاح، لأنهم إذا صلحوا صلحت الرعية.
قوله: (ولا يرون الخروج عليهم بالسيف) أي: لا يجوز الخروج عليهم بالسيف، والذين يخرجون على ولاة الأمور بالسيف هم أهل البدع.
قوله: (وإن رأوا منهم العدول عن العدل إلى الجور والحيف) أي: أهل السنة والجماعة لا يخرجون على ولي الأمر بالسيف، ولو كانوا يرون أنهم عدلوا عن الحق، ومالوا وجاروا، فإن عليهم أن يصبروا على ذلك، والذين يرون الخروج على ولاة الأمور هم أهل البدع كالخوارج، فالخوارج يخرجون على ولاة الأمور بالمعاصي؛ لأنهم يرون أن الإنسان إذا فعل معصية كبيرة فقد كفر، وحل دمه وماله، وهو مخلد في النار.
وكذلك المعتزلة يرون الخروج على ولي الأمر بالمعاصي، وهذا أصل من أصولهم، وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فستروا تحت الأمر بالمعروف إلزام الناس باجتهاداتهم، وستروا تحت النهي عن المنكر الخروج على ولاة الأمور بالمعاصي.
وكذلك الرافضة يرون الخروج على ولي الأمر؛ لأنها لا تصح الإمامة إلا للإمام المعصوم عندهم، وهو أحد الأئمة الاثنا عشر.
والخلاصة: أن الخروج على ولاة الأمور بالمعاصي هو مذهب أهل البدع، كالخوارج والمعتزلة والروافض، أما أهل السنة فلا يخرجون على ولي الأمر، ولو ارتكب الكبائر بشرب الخمر، أو قتل أحداً بغير حق، أو أخذ ماله بغير حق، أو لم يوزع المال توزيعاً عادلاً، فلا يجوز الخروج عليه، بل الواجب الصبر، وبذل النصيحة.
وقوله: (ويرون قتال الفئة الباغية حتى ترجع إلى طاعة الإمام العدل).
الفئة الباغية: هي جماعة من الناس يخرجون على ولي الأمر وتكون لهم شوكة، فهؤلاء إذا خرجوا للقتال فعلى ولي الأمر أن يرسل لهم من يناقشهم ويبحث معهم عن سبب خروجهم، فإن كان سبب خروجهم هو إنتشار المعاصي في البلاد وجب عليه أن يغير المعاصي حتى يرجعوا، فإن رجعوا وإلا قاتلهم، والناس يقاتلون معه؛ لأن هؤلاء أرادوا أن يشقوا عصا الطاعة ويفرقوا كلمة المسلمين.
стр. 197
موقف أهل السنة والجماعة مما شجر بين الصحابة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويرون الكف عما شجر بين أصحاب رسول الله ﵌، وتطهير الألسنة عن ذكر ما يتضمن عيباً لهم ونقصاً فيهم، ويرون الترحم على جميعهم والموالاة لكافتهم، وكذلك يرون تعظيم قدر أزواجه ﵅، والدعاء لهن، ومعرفة فضلهن، والإقرار بأنهن أمهات المؤمنين].
هذه عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة وأزواج النبي ﷺ ، فموقفهم من الصحابة أنهم يرون الترحم عليهم والترضي عنهم، وذكر محاسنهم وفضائلهم والكف عما شجر بينهم من الاختلاف والنزاع، وتطهير الألسنة عن ذكر ما يتضمن عيباً لهم ونقصاً فيهم، كالخلافات والحروب التي وقعت بينهم، فلا يجوز ذكرها ولا كتابتها ولا تسجيلها في أشرطة، ولهذا فإن أشرطة طارق السويدان التي نشرت معايب الصحابة، يجب إتلافها وعدم سماعها؛ لأن هذا فيه نشر لعيوب الصحابة وهذا من أبطل الباطل، ويجب اعتقاد أن الصحابة خير الناس وأفضلهم، وما كان ولم يكن أحد مثلهم، وهم أفضل الناس بعد الأنبياء، اختارهم الله لصحبة نبيه، وهم الذين نقلوا إلينا القرآن والسنة، وحملوا إلينا الدين والشريعة، فتجريحهم تجريح للقرآن والسنة.
أما ما شجر بينهم من الخلافات والنزاع فهذا كما ذكر القاضي ابن العربي في كتاب العواصم والقواصم وهو كتاب جيد، وكما بين شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في العقيدة الواسطية أن الخلافات التي وقعت بين الصحابة، منها ما هو كذب لا أساس له من الصحة، ومنها ما له أصل، لكن زيد فيه أو نقص منه، ومنها ما هو صحيح، والصحابة ما بين مجتهد مصيب له أجران، وما بين مجتهد مخطئ له أجر.
والذنوب المحققة، هناك أسباب للمغفرة منها التوبة، فمن تاب تاب الله عليه، ومنها أن يكون حصلت له مصائب كفر بها عنه، أو كفر عنه بحسنات عظيمة، أو بشفاعة النبي ﷺ والذين هم أولى الناس بها، هذا في الذنوب المحققة فكيف بغيرها.
فإطلاق الألسنة والكتابة وتسجيل معايب الصحابة من طريقة أهل البدع، أما طريقة أهل السنة والجماعة فهم يترضون عن الصحابة ولا يذكرون مساوئهم، ويعتقدون أن لهم من الحسنات العظيمة ما يغطي ما صدر عنهم من الهفوات، كجهادهم مع النبي ﷺ وصحبتهم له، وتبليغهم دين الله إلى مشارق الأرض ومغاربها.
فيجب الكف عما شجر بين أصحاب النبي ﷺ ، وقوله: (ويرون الترحم على جميعهم والموالاة لكافتهم) أي: نواليهم ونترضى عنهم.
وقوله: (وكذلك يرون تعظيم قدر أزواج النبي ﷺ والدعاء لهن، ومعرفة فضلهن، والإقرار بأنهن أمهات المؤمنين)، وأنهن زوجاته في الجنة، ومن قذف عائشة بما برأها الله منه فهو كافر.
стр. 198
شرح عقيدة السلف وأصحاب الحديث للصابوني [١٣]
يعتقد أهل السنة أن أحداً لا تجب له الجنة وإن كان عمله حسناً، إلا أن يتفضل الله عليه فيدخله الجنة بمنه وفضله، والمهتدي من هداه الله، ويعتقدون أن الله أجّل لكل مخلوق أجلاً من الإنس والجن وغيرهما، ولا تموت نفس إلا بإذن الله كتاباً مؤجلاً، ويعتقدون أن في الدنيا سحراً وسحرة، إلا أنهم لا يضرون أحداً إلا بإذن الله.
стр. 199
دخول الجنة بفضل الله ورحمته دون غيرها
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويعتقدون ويشهدون أن أحداً لا تجب له الجنة، وإن كان عمله حسناً وعبادته أخلص العبادات، وطاعته أزكى الطاعات، وطريقه مرتضى، إلا أن يتفضل الله عليه فيوجبها له بمنه وفضله، إذ عمل الخير الذي عمله لم يتيسر له إلا بتيسير الله عز اسمه، فلو لم ييسره له لم يتيسر، ولو لم يهده لفعله لم يهتد له أبداً، قال الله : ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور:٢١] وفي آيات سواها، وقال مخبراً عن أهل الجنة: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف:٤٣]، وفي آيات سواها].
يعتقد أهل السنة والجماعة ويشهدون أن دخول المؤمنين الجنة برحمة الله وفضله، وأن أحداًَ لا تجب له الجنة، وإن كان عمله حسناً، وعبادته أخلص العبادات، وطاعته أزكى الطاعات، وطريقه مرتضى، إلا أن يتفضل الله عليه فيوجبها له بمنه وفضله، ولهذا قال النبي ﷺ : (لن يدخل أحدكم الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله بفضل منه ورحمة)، فدخول الجنة برحمة الله حتى الرسول ﵊، لكن هذه الرحمة لها سبب وهو العمل الصالح والتوحيد والإيمان، فمن جاء بالسبب نالته الرحمة، ومن لم يأت به لم تنله الرحمة، وهذا ما جاءت به النصوص قال الله تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٣٢]، وقال: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧]، فالله حرم الجنة على الكافرين؛ لأنهم ليسوا من أهل رحمته، فقد يئسوا منها، وأما المؤمنون فهم من أهل رحمته ويدخلهم الله الجنة بسبب أعمالهم، والله تعالى هو الذي من على الإنسان بالعمل، ولولا أن الله وفقه للعمل لما عمل، وهو الذي خلق الإنسان ورباه بنعمه، وأعطاه السمع والبصر والفؤاد، ومن عليه بالإسلام، وهداه، وهذا فضل من الله، قال : ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور:٢١].
وقال مخبراً عن أهل الجنة: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف:٤٣]، فالهداية من الله.
стр. 200
لكل مخلوق أجل
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويعتقدون ويشهدون أن الله أجل لكل مخلوق أجلاً، وأن نفساً لن تموت إلا بإذن الله كتاباً مؤجلاً، وإذا انقضى أجل المرء فليس إلا الموت، وليس له عنه فوت، قال الله : ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف:٣٤].
وقال: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ [آل عمران:١٤٥].
ويشهدون أن من مات أو قتل فقد انقضى أجله المسمى له، قال الله : ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ [آل عمران:١٥٤]، وقال تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء:٧٨]].
ويعتقد أهل السنة وأهل الحديث ويشهدون أن الله أجل لكل مخلوق أجلاً، وأن نفساً لن تموت إلا بإذن الله كتاباً مؤجلاً، فلن يموت أحد حتى ينقضي أجله، ويستوفي رزقه، ولهذا جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال: (إن روح القدس نفث في روعي-أي: في قلبي- أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها)، وثبت في الحديث الصحيح الذي رواه الشيخان من حديث عبد الله بن مسعود في قصة خلق الإنسان في بطن أمه أنه يأتيه الملك بعد أن يكون أربعين يوماً نطفة، ثم أربعين يوماً علقة، ثم أربعين يوماً مضغة، وهي مائة وعشرون يوماً أي: (أربعة أشهر)، فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد، وجاء في اللفظ الآخر: يا رب! ما الرزق؟ فيكتب، يا رب! ما الأجل؟ ما الشقاء؟ وما السعادة؟ وهكذا، فلن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها الذي قدره الله لها، وإذا انقضى أجل المرء فليس له إلا الموت، قال الله : ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف:٣٤]، وقال : ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المنافقون:١١]، وقال سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ [آل عمران:١٤٥]، وهذا عام لكل ميت، سواء مات بسبب أو بغير سبب مات مثلاً لأنه قتل، أو مات بالسم، أو لأنه تردى من جبل، أو صدم، أو مات بمرض، أو مات على فراشه، فلم يمت في هذه الأسباب إلا لأنه قد انقضى أجله، ولهذا قال المؤلف: (ويشهدون أن من مات أو قتل فقد انقضى أجله المسمى)، وهذا خلافاً للمعتزلة الذين يقولون: إن المقتول قطع عليه أجله، فلو لم يقتل لاستمر في الحياة، فالمقتول عند المعتزلة له أجلان، أجل طويل وأجل قصير، فإذا قتل قطع عليه أجله الطويل، فهذا الكلام من أبطل الباطل؛ لأن الله قدر له أن يموت بهذا السبب، ولهذا قال الله عن المنافقين: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ [آل عمران:١٥٤]، وذلك لما قتل من قتل في غزوة أحد من المسلمين، قالوا: لو أنهم لم يذهبوا لما قتلوا، فقال الله : ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ [آل عمران:١٥٤] أي: لو كنتم في بيوتكم وجاء الأجل فلابد أن تخرجوا للقتال؛ حتى توافوا آجالكم.
وقال تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء:٧٨] أي: ولو كان الإنسان في بروج مشيدة، وأخذ بجميع الاحتياطات، فإذا جاءه فلابد أن يموت.
стр. 201
الاعتقاد بوجود الشياطين ووسوستهم
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويتيقنون أن الله سبحانه خلق الشياطين يوسوسون للآدميين ويعتدون استزلالهم، ويقصدون استنزالهم، ويترصدون لهم، قال الله : ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام:١٢١]، وأن الله تعالى يسلطهم على من يشاء، ويعصم من كيدهم ومكرهم من يشاء، قال الله : ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا * إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ [الإسراء:٦٤ - ٦٥].
وقال: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ [النحل:٩٩ - ١٠٠] الآية].
يعتقد أهل السنة وأهل الحديث أن الله خالق كل شيء، خالق الشياطين وخالق الملائكة، وخالق الآدميين، وخالق الحيوانات والدواب، كما قال سبحانه: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد:١٦].
وخلق الشياطين لحكمة، والشيطان: هو من لم يؤمن، فكل كافر من الجن يسمى شيطاناً، ومن آمن من الجن لا يسمى شيطاناً، ومن حكمة خلق الشياطين أنهم يوسوسون لبني آدم، ابتلاءً وامتحاناً ليتبين الصادق من الكاذب، والمؤمن من الكافر، والمجاهد لنفسه من غير المجاهد لها، خلقهم ليغووا بني آدم، ويزينوا لهم المعاصي ويحسنونها، ويترصدوا لهم، كما قال الله تعالى عن أبيهم إبليس: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص:٨٢]، وقال في آية الأعراف: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف:١٧]، وقال في آية أخرى: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر:٣٩]، فقال الله : ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر:٤٢].
فأهل السنة والجماعة يؤمنون بأن الشياطين خلقهم الله وسلطهم على بني آدم لحكمة بالغة؛ ليتبين الصادق من الكاذب، ولينقسم الناس إلى مؤمن وكافر، قال الله : ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام:١٢١].
وأن الله يسلطهم على من يشاء ويعصم من كيدهم ومكرهم من يشاء، قال الله خطاباً لإبليس: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا * إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ [الإسراء:٦٤ - ٦٥].
وقال في الآية الأخرى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل:٩٩ - ١٠٠]، فهذا ابتلاء وامتحان من الله لعباده في هذه الحياة قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك:٢].
стр. 202
الاعتقاد بوجود السحر والسحرة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويشهدون أن في الدنيا سحراً وسحرة، إلا أنهم لا يضرون أحداً إلا بإذن الله ، قال تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٠٢]، ومن سحر منهم واستعمل السحر واعتقد أنه يضر أو ينفع بغير إذن الله تعالى فقد كفر بالله ﷻ .
وإذا وصف ما يُكفر به استتيب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه، وإذا وصف ما ليس بكفر أو تكلم بما لا يفهم نهي عنه، فإن عاد عزر، وإن قال: السحر ليس بحرام، وأنا أعتقد إباحته، وجب قتله؛ لأنه استباح ما أجمع المسلمون على تحريمه].
يشهد أهل السنة وأهل الحديث ويعتقدون أن في الدنيا سحراً وسحرة، إلا أنهم لا يضرون أحداً إلا بإذن الله، خلافاً للمعتزلة الذين أنكروا السحر والسحرة، وقالوا: لو كان هناك سحرة وتجري على أيديهم الخوارق لالتبس الأمر في الأنبياء، فأنكروا خوارق السحرة، وأنكروا كرامات الأولياء؛ لأنها تلتبس بمعجزات الأنبياء، وهذا باطل فالسحر والسحرة موجودون، والله تعالى أخبر في القرآن الكريم بوجودهم، فقال تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة:١٠٢] إلى أن قال: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٠٢]، فالسحر والسحرة موجودون لكنهم لا يضرون أحداً إلا بإذن الله الكوني القدري، ومن تعلم السحر أو علمه أو فعله فقد كفر.
والسحر في اللغة: عبارة عنما خفي سببه ولطف مأخذه.
وفي الشرع: عبارة عن عزائم ورقى وعقد وأدوية وتمائم تؤثر في القلوب والأبدان فتمرض وتقتل وتفرق بين المرء وزوجه.
والسحر نوعان: النوع الأول: سحر يتصل صاحبه بالشياطين، وحكم صاحبه أنه كافر؛ لأن الساحر الذي يتصل بالشياطين يعقد معهم عقد، يلتزم الساحر بمقتضى هذا العقد أن يكفر بالله بأن يتقرب إلى الشيطان بالشركيات التي يريدها، كأن يطلب منه أن يلطخ المصحف بالنجاسة، أو يسجد له أو يتقرب إليه بما يريد، وبمقتضى ذلك فإن الشيطان يستجيب لمطالب الساحر، فيخبره عن بعض المغيبات الموجودة في البلد، وإذا أمره أن يلطم شخصاً لطمه أو أن يقتل شخصاً قتله.
إذاً: هناك عقد بين الساحر وبين الشيطان الجني، بمقتضى هذا العقد تكون بينهما خدمة متبادلة، وهذا النوع من السحر كفر.
والنوع الثاني: سحر لا يتصل صاحبه بالشياطين، لكنه يستعمل الأدوية ويعالج الناس ويضرهم ويأكل أموالهم بالباطل، فتجده يتخذ العلاج مهنة وهو ليس من أهلها، فكل من جاءه يشكو يقول له: عندي علاجك، ويأتي بأنواع من الأعشاب والأدوية فيقول له: هذا تدهن به، وهذا اشربه، وهذا اغتسل به وهكذا، فيأكل أموال الناس بالباطل وقد يضرهم بهذه الأدوية، فهذا حكمه أنه إذا استحل أكل أموال الناس بالباطل فقد كفر، وإن لم يستحلها فإنه مرتكب لكبيرة من كبائر الذنوب، أما الساحر الذي يتصل بالشياطين فإنه كافر ويجب قتله، وإذا قتل فإنه يكون كافراً في أصح قولي العلماء، وعلى هذا فلا يغسل، ولا يصلى عليه، ولا يدفن مع المسلمين في مقابرهم.
وقيل: إن قتله حد لمنع شره وفساده، والصواب: أنه يقتل كفراً؛ لأنه كافر بالله ، وفي الحديث: (حد الساحر ضربة بالسيف).
روي موقوفاً ومقطوعاً.
وقد ثبت أن عمر بن الخطاب ﵁ كتب إلى عماله أن يقتلوا كل ساحر وساحرة قال الراوي: فقتلنا ثلاث سواحر.
وصح عن حفصة أم المؤمنين أنها أمرت بقتل جارية لها سحرتها، فقتلت.
أما الساحر الذي لا يتصل بالشياطين فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل؛ لأنه يؤذي الناس ويأكل أموالهم بالباطل ويضرهم.
ولا يجوز الإتيان إلى السحرة، ولا سؤالهم ولا العلاج عندهم؛ لأن الإتيان إليهم رفع لمعنوياتهم وفي الحديث: (من أتى عرافاً فسأله عن شيء فلن تقبل له صلاة أربعين يوماً).
وفي الحديث الآخر: (من أتى كاهناً أو عرافاً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ .
وفي الحديث أيضاً: (ليس منا من سحر أو سحر له، أو تكهن أو تكهن له، أو تطير أو تطير له)، والمريض سواء كان مرضه بالسحر أو بغيره، فإنه يعالج مرضه بالطرق المشروعة لا الممنوعة، أما النشرة: وهي حل السحر عن المسحور، فإن لها حالتان: الحالة الأولى: حلها بسحر مثله فهذا حرام لا يجوز، وفي الحديث: (لا يحل السحر إلا ساحر).
الحالة الثانية: حل السحر بأدوية وعقاقير طبية، أو برقية شرعية: كآيات من القرآن أو أحاديث نبوية أو أدعية شرعية أو أدعية.
فمثال النشرة الجائزة ما روي عن بعض السلف: أنه يُقرأ في إناءٍ فيه ماء سبع آيات في السحر منها خمس آيات في سورة الأعراف وهي: ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانقَلَبُوا صَاغِرِينَ * وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف:١١٨ - ١٢٢].
وآية في سورة طه: ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه:٦٩].
وآيتان في سورة يونس: ﴿قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ * وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ [يونس:٨١ - ٨٢].
فتقرأ هذه الآيات في إناء فيه ماء وتصب على رأس المسحور فيشفى بإذن لله، ويسن أيضاً قراءة آية الكرسي والإخلاص والمعوذتين: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق:١] و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس:١]، وكذلك التعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، ويدعو بدعاء النبي ﷺ (اللهم! رب الناس أذهب الباس، واشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاءً لا يغادر سقماً)، وكذلك يعالج بالعقاقير والأدوية.
فالساحر إذا سحر أو استعمل السحر واعتقد أنه يضر أو ينفع فإنه يكفر، ولو لم يعتقد أنه يضر وينفع، هذا هو الصواب، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة:١٠٢]، وكذلك إذا تعلم السحر أو علمه؛ لأن الساحر الذي يتصل بالشياطين لابد أن يفعل الشرك.
قوله: (وإذا وصف ما يكفر به استتيب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه) هذه مسألة خلافية بين أهل العلم، هل يستتاب الساحر أو لا يستتاب؟! لأهل العلم فيها قولان أصحهما: أنه لا يستتاب الساحر؛ بل يقتل دفعاً لشره وفساده.
وقوله: (وإن وصف ما ليس بكفر أو تكلم بما لا يفهم نهي عنه، فإن عاد عزر، وإن قال: السحر ليس بحرام وأنا أعتقد إباحته وجب قتله؛ لأنه استباح ما أجمع المسلمون على تحريمه)، فوجب قتله لأنه كافر، نسأل الله السلامة والعافية.
стр. 203
الأسئلة
стр. 204
الفرق بين الجن والشياطين
السؤال
هناك من يقول: إن الشياطين غير الجن، فالشياطين لا يؤمنون أبداً وهم ذرية إبليس، وأما الجن ففيهم المؤمن وفيهم الفاسق، ومنهم من يدخل في الإسلام، فما صحة هذا القول، أفتونا مأجورين؟
الجواب
الجن هم ذرية إبليس، لكن من أسلم منهم لا يسمى كافراً، والكافر يسمى شيطاناً، قال الشاعر: وسل أبا الجن اللعين فقل له أتعرف الخلاق أم أنت ذا نكران؟! فإبليس أبو الجن كفر ولم يسلم فهو شيطان.
стр. 205
حكم قول: (قدس الله روحه)
السؤال
ما حكم من قال لأحد العلماء بعد وفاته: قدس الله روحه؟
الجواب
قدس الله روحه بمعنى طهر الله روحه بغفران ذنوبه فهذا دعاء له بالمغفرة.
وهو جائز.
стр. 206
بيان موقف المعتزلة والأشاعرة من الصحابة ﵃
السؤال
ما هو موقف المعتزلة والأشاعرة من الصحابة ﵃؟
الجواب
لا أعرف لهم قولاً خاصاً في الصحابة، إنما المعروف عن الخوارج أنهم ينصبون العداوة لأهل البيت، والروافض يغلون في أهل البيت، ويعبدونهم من دون الله، ويكفرون الصحابة، والنواصب بالعكس فهم كالخوارج ينصبون العداوة لأهل البيت، ويكفرون من خالفهم في الرأي من الصحابة، ولهذا كفروا علياً وعثمان.
стр. 207
بيان حكم قول: إن أمر الله وقضاءه بين الكاف والنون
السؤال
ما صحة عبارة: إن أمر الله وقضاءه بين الكاف والنون؟
الجواب
هذه العبارة ليست صحيحة، والعبارة الصحيحة هي كما قال الله: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢]، فالله تعالى يخلق بالكلام، فإذا أراد أن يخلق شيئاً قال له: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢]، فهو يخلق بكلمة (كن) وليس بين الكاف والنون.
стр. 208
خلافة الحسن بن علي ﵄
السؤال
هل الحسن بن علي ﵁ خامس الخلفاء الراشدين؟
الجواب
لا، الحسن بن علي ﵁ بويع له بالخلافة ستة أشهر، ثم تنازل لـ معاوية بن أبي سفيان ﵁، حقناً لدماء المسلمين، وصدق فيه قول النبي ﷺ : (إن ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين)، فكانت ولايته ستة أشهر مكملة لخلافة الخلفاء الراشدين وهي ثلاثون سنة.
стр. 209
حكم سب الله تعالى أو رسوله أو الصحابة
السؤال
ما حكم سب الله، أو سب الرسول ﵊، أو سب الصحابة؟
الجواب
من سب الله أو سب الرسول ﵊ أو سب دين الإسلام فإنه كافر بإجماع المسلمين، فيقتل من غير استتابة؛ وإن ادعى التوبة فلا تقبل توبته على الصحيح في أصح قولي العلماء وهذا هو الصواب، حتى لا يتجرأ الناس على مثل هذا الكفر الغليظ، وهذا في أحكام الدنيا، أما ما بينه وبين الله فإن تاب توبة نصوحاً فالله يقبل توبة الصادقين، وإن كان كاذباً فلا يقبلها الله.
أما سب الصحابة ففيه تفصيل، إن كفّرهم أو فسقهم، فهذا كفر وردة؛ لأنه مكذب لله، لأن الله زكاهم وأعد لهم ووعدهم بالجنة، ومن كذب الله كفر.
أما إذا كان السب ليس تكفيراً، كأن يصفهم بالبخل أو الجبن مثلاً أو يسب الواحد والاثنين غير الخلفاء الراشدين فهذا فسق وليس بكفر.
стр. 210
حكم قول: (أنا داخل على الله ثم عليك)
السؤال
ما صحة عبارة: أنا داخل على الله ثم عليك؟
الجواب
لا أعلم لهذا نصاً، ومعناها استجارة، كأنه يستجير به، أي: أستجير بالله ثم بك، فإذا كان يستجيره بشيء يقدر عليه فهذا من الأسباب، كأن تقول للشخص: أعذني من شر أولادك أو من شر زوجتك، فالاستعاذة بالحي الحاضر فيما يقدر عليه لا بأس به، كذلك الاستجارة بالحي الحاضر فيما يقدر عليه، كقول القائل: أجرني من هذا العدو، فهذا لا بأس به.
أما الاستجارة بالميت أو بالغائب أو بالحي الحاضر فيما لا يقدر عليه إلا الله فهذا شرك، وكذلك إذا استعان بحي حاضر فيما يقدر عليه وأسبابه ظاهرة أو دعا حياً حاضراً كأن يقول: يا فلان! أقرضني أو أعني على مصلحتي، أو أعني في بناء مزرعتي، أو أعني على إصلاح سيارتي، فهذا ليس بشرك، أما من دعا ميتاً أو غائباً أو حياً حاضراً فيما لا يقدر عليه إلا الله فإن دعاءه يكون شركاً.
وكذلك الاستعاذة فإذا استعاذ بحي حاضر فيما يقدر عليه فهذا لا بأس به.
وكذلك الاستغاثة فإذا استغاث الغريق بسباح فلا بأس، أما إذا استغاث أو دعا ميتاً أو غائباً أو حياً حاضراً فيما لا يقدر عليه إلا الله فهذا شرك.
стр. 211
حكم الاستعانة بالجن المسلمين
السؤال
ما حكم الاستعانة بالجن المسلمين؟
الجواب
لا ينبغي للمسلم أن يستعين بالجن المسلمين؛ لأنه لا يعلم أحوالهم ولا يراهم، فإنهم قد يقولون له بأنهم مسلمون وهم منافقون، والجن أضعف عقولاً من الإنس، فإذا كان الإنس يكذبون وينافقون، فالجن يكذبون وينافقون، ولا ينبغي للمسلم أن يتمادى مع الجن كما يحصل من بعض القراء الذين يقرءون على المصروع، فيتكلمون مع الجني ساعتين أو ثلاث ساعات، ويطلبون منهم كذا، ويسألونهم عن أخبار كذا، فهذا لا ينبغي التمادي معه؛ لأنه فاسق معتد، والفاسق لا يصدق ولا يقبل خبره.
فلا ينبغي للإنسان أن يستعين بالجن؛ لأنهم قد يجرونه إلى ما لا تحمد عقباه كالشرك بالله.
стр. 212
حكم الرافضي المظهر فسقه والمخفي لذلك
السؤال
هناك بعض الرافضة يصلون معنا جماعة في مصلى العمل، فيضعون أشياء على الأرض يسجدون عليها ويسبلون أيديهم، ويصفقون على أفخاذهم عند السلام، فكيف يعامل هؤلاء؟
الجواب
الواجب تبليغ ولاة الأمور عنهم ولا يقرون على هذا، فإذا تستروا ولم يظهروا شعائرهم ولم يعترفوا بمذهب الرفض فإنهم يتركون؛ فإن حكمهم حكم من أظهر الإسلام، فيعاملون معاملة المسلمين، كما كان النبي ﷺ يعامل المنافقين معاملة المسلمين، مثل: عبد الله بن أبي وغيره.
أما إذا أظهروا فسقهم ورفضهم، فيبلغ عنهم إلى المسئول في الدائرة، ويرفع أمرهم إلى ولاة الأمور، ويمنعون من إظهار شعائر الرافضة.
стр. 213
حكم الاعتماد على الجن
السؤال
يقول أحد المعالجين: إنه معه جني مسلم يساعده في العلاج، علماً بأن هذا الرجل يخبرنا ببعض الأمور المغيبة مثل أن هذا متزوج وهذا تملك، وهذا يدرس وغيره، فهل هذا يعتبر كاهن أم ماذا يطلق عليه؟
الجواب
لا ينبغي للقارئ ولا للراقي ولا لغيره أن يعتمد على كلام الجن؛ لأن الجن لا نعلم أحوالهم ولا يصدقون في أقوالهم، ولا في أخبارهم؛ لأن هذا الجني فاسق؛ لأنه اعتدى على هذا المصروع، فكيف يصدقه في خبره؟! ولا ينبغي للقارئ ولا لغيره التمادي مع الجن في مثل هذا، إنما يأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر، يقرأ عليه ويأمره بالخروج من الإنسان وعدم العدوان عليه، أما التمادي معه والجلوس ساعتين وثلاث وسؤاله عن المغيبات وعن كذا فهذا لا ينبغي؛ لأنه قد يجره إلى ما لا يحمد عقباه، وقد حصل هذا من بعض القراء ومن غيرهم فتغيرت أحوالهم وصاروا يصدقون الجن، وحصلت منهم أفعالاً منكرة، نسأل الله السلامة والعافية.
стр. 214
حكم الحكم على أحد بالجنة أو النار
السؤال
من اعتقاد أهل السنة لا يشهدون لأحد بجنة ولا بنار ولكن في الحديث: (أن جنازة مرت فقال الصحابة ﵃: وجبت) إلى آخر الحديث، فكيف الجمع بينهما؟
الجواب
هذا الحديث أخذ به بعض أهل العلم فقالوا: إنه إذا شهد للإنسان عدلان ثقتان من أهل الخير والصلاح بالجنة وجبت له أخذاً بهذا الحديث، والصواب الذي عليه الجماهير: أنه لا يشهد لأحد بالجنة إلا الأنبياء أو من شهدت له النصوص.
стр. 215
حكم من قدم علياً على عثمان في الخلافة
السؤال
ما حكم من قدم علياً ﵁ على عثمان ﵁ في الخلافة؟
الجواب
من قدم علياً على عثمان في الخلافة فهو أضل من حمار أهله، لأنه احتقر المهاجرين والأنصار؛ فإنهم قد أجمعوا على تولية عثمان ﵁ وعلى بيعته بالخلافة، أما تقديم علي على عثمان في الفضيلة فهذه مسألة خفيفة وسهلة، وقد روي عن الإمام أبي حنيفة هذا القول، وروي عنه أنه رجع إلى قول الجمهور.
следующие страницы →