Полный текст (438 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
ما يجزئ من الماء في الوضوء
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب ما يجزئ من الماء في الوضوء.
حدثنا محمد بن كثير حدثنا همام عن قتادة عن صفية بنت شيبة عن عائشة ﵂: (أن النبي ﷺ كان يغتسل بالصاع ويتوضأ بالمد).
قال أبو داود: رواه أبان عن قتادة قال: سمعت صفية].
هذا ثابت في الصحيحين من حديث أنس بلفظ: (كان يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد)، وهذا فيه مشروعية الاقتصاد في الماء.
والمد: ملء كفي الرجل المتوسط اليدين خلقة إذا مد يديه؛ ولهذا تسمى مد، يملؤه ثم يمد يديه، والصاع أربعة أمداد، فالمد حفنة، والصاع أربع حفنات، كل حفنة ملء كفي الرجل المتوسط.
والصاع أربعمائة وثمانون مثقالاً، والمثقال اثنتان وسبعون حبة شعير، هكذا قدرت، فالضابط: أن الصاع أربع حفنات، كل حفنة ملء كفي الرجل المتوسط، (كان النبي ﷺ يتوضأ بالمد، ويغتسل بالصاع، إلى خمسة أمداد).
وجاء: أنه ﵊ توضأ بثلث المد كما سيأتي، واغتسل هو وبعض أزواجه في إناء يسع ثلاثة آصع.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل حدثنا هشيم قال: أخبرنا يزيد بن أبي زياد عن سالم بن أبي الجعد عن جابر ﵁ قال: (كان النبي ﷺ يغتسل بالصاع، ويتوضأ بالمد)].
وهذا الحديث ضعيف؛ لأن يزيد بن أبي زياد هذا ضعيف، لكن الحديث ثابت رواه الشيخان وغيرهما بلفظ: (كان يتوضأ بالمد، ويغتسل بالصاع، إلى خمسة أمداد).
قال في التقريب: يزيد بن أبي زياد ضعيف، كبر فتغير، وصار يتلقن، وكان شيعياً.
فهو ضعيف، لكن الحديث له شواهد في الصحيحين وغيرهما.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا ابن بشار حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن حبيب الأنصاري قال: سمعت عباد بن تميم عن جدته وهي أم عمارة ﵂: (أن النبي ﷺ توضأ، فأتي بإناء فيه ماء قدر ثلثي المد)].
وهذا أقل ما ثبت عن النبي ﷺ أنه توضأ به، ثلثي المد، والمد: ملء كفي الرجل المتوسط، وهذا فيه مشروعية الاقتصاد بالماء، وعدم الإسراف والإكثار، وأنه يتوضأ بالمد وبثلثي المد فإنه مع التبليغ يكفي.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن الصباح البزاز حدثنا شريك عن عبد الله بن عيسى عن عبد الله بن جبر عن أنس ﵁ قال: (كان النبي ﷺ يتوضأ بإناء يسع رطلين، ويغتسل بالصاع).
قال أبو داود: ورواه شعبة قال: حدثني عبد الله بن عبد الله بن جبر سمعت أنساً إلا أنه قال: (يتوضأ بمكوك) ولم يذكر (رطلين)].
والمكوك: هو المد، فكان ﵊ يتوضأ بالمد إلى خمسة أمداد، يعني: يغتسل بخمسة مكاكيك.
قال في ضبط المكوك: بفتح الميم وضم الكاف الأولى وتشديدها، جمعه مكاكيك ومكاكي، ولعل المراد بالمكوك هاهنا: المد، قاله النووي.
وقال ابن الأثير: أراد بالمكوك: المد، وقيل: الصاع، والأول أشبه، وجمعه: المكاكي، بإبدال الياء من الكاف الأخيرة، والمكوك: اسم من المكيال، ويختلف مقداره باختلاف الاصطلاح في البلاد.
انتهى.
قلت: المراد بالمكوك هاهنا: المد لا غير؛ لأنه جاء في حديث آخر مفسراً بالمد.
قال القرطبي: الصحيح: أن المراد به هاهنا المد؛ بدليل الرواية الأخرى.
وقال الشيخ وليد بن عراقي في صحيح ابن حبان في آخر الحديث: قال أبو خيثمة: المكوك: المد.
وزاد النسائي: (كان الرسول ﷺ يتوضأ بمكوك، ويغتسل إلى خمس أمداد)، وفي الحديث الذي رواه مسلم: (كان رسول الله ﷺ يغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد، ويتوضأ بمكوك).
وهذا ثابت في الصحيحين: (كان يتوضأ بالمد، ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد)، والمكوك: هو المد.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال أبو داود: ورواه يحيى بن آدم عن شريك قال: عن ابن جبر بن عتيك قال: ورواه سفيان عن عبد الله بن عيسى قال: حدثني جبر بن عبد الله.
قال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يقول: الصاع: خمسة أرطال.
قال أبو داود: وهو صاع ابن أبي ذئب، وهو صاع النبي ﷺ .
стр. 107
الإسراف في الوضوء
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب: الإسراف في الوضوء.
حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد حدثنا سعيد الجريري عن أبي نعامة: أن عبد الله بن مغفل ﵁ سمع ابنه يقول: اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها، فقال: أي بني! سل الله الجنة، وتعوذ به من النار؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الطهور والدعاء)].
والاعتداء في الدعاء: أن يكون السؤال فيه تعنت، وسؤال ما لا يليق به أن يسأله، والسؤال بإثم أو قطيعة رحم، أو كأن يسأل منازل الأنبياء، هذا من الاعتداء، قال : ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف:٥٥]، وهذا من الاعتداء، وكقوله: اللهم إني أسألك القصر الأبيض إذا دخلت الجنة، هذا أيضاً من الاعتداء؛ ولهذا أنكر عليه عبد الله بن مغفل ﵁، وقال: (سل الله الجنة، واستعذ به من النار)، وإذا دخلت الجنة حصلت على كل خير، فمن دخل الجنة فله الكرامة وله النعيم.
فلا ينبغي للإنسان أن يعتدي فيقول: أسألك كذا وكذا، أو أسألك منازل الأنبياء، هذا اعتداء وعدوان، أو يدعو بإثم أو قطيعة رحم، هذا من العدوان.
وكذلك الاعتداء في الطهور في الإسراف، ومجاوزة الثلاث في غسل الأعضاء، أو الإكثار من صب الماء.
قال في تخريجه: صحيح أخرجه ابن ماجة وأحمد وابن حبان في صحيحه.
وله شواهده من القرآن الكريم، كقوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف:٥٥].
فلا ينبغي للإنسان أن يعتدي، وإنما يسأل الله الجنة، ويستعيذ به من النار، ولا يتجاوز الحد، ولا يدع على غير من ظلمه، ولا يدع بإثم ولا بقطيعة رحم، ولا يسأل شيئاً لا يليق به أن يسأله.
стр. 108
إسباغ الوضوء
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب في إسباغ الوضوء.
حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن سفيان حدثني منصور عن هلال بن يساف عن أبي يحيى عن عبد الله بن عمرو ﵄: (أن رسول الله ﷺ رأى قوماً وأعقابهم تلوح فقال: ويل للأعقاب من النار، أسبغوا الوضوء)].
وهذا فيه الوعيد على من لم يسبغ أعضاء الوضوء.
وجاء في الرواية الأخرى: (أن الصحابة أرهقتهم الصلاة فتأخروا، فجعلوا يسرعون في الوضوء، فجاء إليهم النبي ﷺ ورأى أعقابهم تلوح، فنادى بأعلى صوته: ويل للأعقاب من النار) وفي لفظ: (ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار، أسبغوا الوضوء).
وإسباغ الوضوء يعني: إكماله وإبلاغه، وإيصال الماء إلى الأعضاء من دون إسراف.
وهذا الحديث رواه الشيخان بسند آخر.
قال المنذري في هذا الحديث: وأخرجه مسلم والنسائي وابن ماجة، واتفق البخاري ومسلم على إخراجه عن يوسف بن ماهك عن عبد الله بن عمرو بنحوه.
و (ويل) قيل: إنه وادٍ في جهنم، لكن هذا قول ضعيف، والصواب: أنه شدة العذاب والهلاك، وقيل: إنه وادٍ في جهنم بعيد قعره، خبيث طعمه، هذا جاء لكنه لا يثبت.
ولا شك أنه لا يجوز المسح على النعلين إلا إذا كان على وضوء، وثبت عن علي ﵁: أنه مسح على نعليه وقال: هذا وضوء من لم يحدث.
فإذا كان على وضوء ولم يحدث يجدد الوضوء ويمسح على النعلين.
وهذا الوعيد الذي مر مثل: (ما أسفل من الكعبين ففي النار)، يعني: أنه يعاقب في هذا الموضع، لكن المعلوم أن الإنسان يتألم، كما في الحديث الآخر: (كمثل الجسد الواحد إذا تألم عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى).
فإذا أصيب شيء من جسم الإنسان فإنه يتألم بقية الجسم.
стр. 109
الوضوء في آنية الصفر
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الوضوء في آنية الصفر.
حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد أخبرني صاحب لي عن هشام بن عروة: أن عائشة ﵂ قالت: (كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ في تور من شبه)].
التور: آنية مثل الطست أو أقل من الطست، والشبه: الصفر، سمي (شبه) لأنه يشبه الذهب في البريق واللمعان، والحديث منقطع؛ لأن هشام بن عروة لم يسمع من عائشة، وكذلك فيه رجل مبهم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن العلاء أن إسحاق بن منصور حدثهم عن حماد بن سلمة عن رجل عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ بنحوه].
وهذا متصل؛ لأن هشام بن عروة رواه عن أبيه، لكن بقي فيه رجل مبهم، قيل: إن هذا الرجل المبهم هو شعبة، وعلى هذا فلا إشكال، والحديث متصل.
وهذا يدل على أن جواز الوضوء في إناء النحاس، ومثله الإناء من الزجاج أو من حجر أو من معدن أو من حديد، إلا الذهب والفضة فإنه لا يجوز للمسلم أن يتوضأ بها رجلاً كان أو امرأة، أما المرأة فإنها تتحلى بالذهب والفضة، تتحلى في يديها وفي رجليها وفي أصابعها، وما عدا ذلك فالرجل والمرأة سواء، لا يجوز للرجل والمرأة أن يشربا من آنية الفضة، ولا أن يتوضأ أحدهما بهما، ولا أن يجعلا مكحلاً من ذهب أو فضة، أو نظارة من الذهب أو الفضة، والرجل لا يستعمل الذهب، والمرأة لا بأس أن تستعمل الذهب؛ لأن هذا من باب التحلي.
والمقصود: أنه لا بأس بالوضوء من أي إناء سواء كان من النحاس، كما في هذا الحديث، فإنه ﵊ توضأ في إناء من شبه الصفر، وسمي شبه لأنه يشبه الذهب في اللون، فلا بأس أن يتوضأ الإنسان ويشرب من إناء صفر أو حديد أو معدن أو زجاج أو حجر أو خشب إلا الذهب والفضة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا الحسن بن علي حدثنا أبو الوليد وسهل بن حماد قالا: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن عبد الله بن زيد ﵁ قال: (جاءنا رسول الله ﷺ فأخرجنا له ماءً في تور من صفر فتوضأ)].
والصفر: النحاس، استدل بهذا على أنه لا بأس بالوضوء من إناء النحاس.
قال في تخريجه: أخرجه البخاري وابن ماجة وأحمد.
стр. 110
التسمية على الوضوء
[باب في التسمية على الوضوء.
حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا محمد بن موسى عن يعقوب بن سلمة عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه)].
وهذا الحديث ضعيف؛ لأن يعقوب بن سلمة هذا فيه كلام، ولم يسمع من أبيه، وكذلك أبوه لم يسمع من أبي هريرة، وكذلك الأحاديث التي في التسمية في الوضوء كلها ضعيفة؛ ولهذا ذهب جمهور العلماء إلى أن التسمية مستحبة.
وذهب الإمام أحمد ﵀ إلى وجوب التسمية عند الوضوء، ورأى أن أحاديث التسمية وإن كانت ضعيفة إلا أنها يشد بعضها بعضاً، ويقوي بعضها بعضاً، فتكون من باب الحسن لغيره، وذهب إلى هذا الحافظ ابن كثير ﵀ أيضاً في كتاب الإرشاد، وفي كتاب التفسير، وكذلك الحافظ ابن حجر وابن الصلاح قالوا: إن الأحاديث يقوي بعضها بعضاً، وقالوا: وإن كان كل فرد منها ضعيفاً إلا أنه يقوي بعضها بعضاً؛ ولهذا ذهب الإمام أحمد إلى أن التسمية واجبة مع الذكر، وإذا نسي فلا حرج، لكن مع التذكر يجب عليه أن يسمي.
والجمهور على أن التسمية مستحبة؛ لأن الأحاديث فيها ضعيفة، وهذا الحديث ضعيف؛ لأن يعقوب هذا فيه كلام، ولم يسمع من أبيه، وكذلك أبوه لم يسمع من أبي هريرة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح حدثنا ابن وهب عن الدراوردي قال: وذكر ربيعة: أن تفسير حديث النبي ﷺ : (لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه): أنه الذي يتوضأ ويغتسل ولا ينوي وضوءاً للصلاة ولا غسلاً للجنابة].
وتأويل ربيعة هذا ضعيف مخالف لظاهر الحديث، فقوله: (لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه) فسره ربيعة بأن الذي لا ينوي الوضوء لا وضوء له، والذي لا ينوي الغسل لا غسل له، وهذا صحيح، لكن ليس هذا معنى الحديث، فتفسير التسمية بالنية من ربيعة هذا تفسير ضعيف مخالف لظاهر الحديث، فالحديث فيه التسمية؛ فإنه قال: (لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله) أي: لا وضوء لمن لم يسم.
أما تأويله التسمية بأنها من النية، وأن المعنى: لا وضوء لمن لم ينو الوضوء، ولا غسل لمن لم ينو الغسل، فليس بظاهر، وكونه إذا اغتسل ونوى التبرد ولم ينو الوضوء لا غسل له، وإذا غسل أعضاءه ولو كان مرتين وهو لم ينو الوضوء لا وضوء له، نعم هذا صحيح، ودليله قول النبي ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)، لكن تفسير التسمية بالنية في هذا الحديث ليس بظاهر.
وربيعة المذكور هنا هو ربيعة بن أبي عبد الرحمن، المشهور بربيعة الرأي.
قال في تخريجه: هو ربيعة بن أبي عبد الرحمن فروخ المعروف بـ ربيعة الرأي، وثقه العجلي وأبو حاتم والنسائي، وقال يعقوب بن شيبة: ثقة ثبت، أحد مفتي المدينة.
وقال مصعب بن الزبير: أدرك بعض الصحابة والأكابر من التابعين، وكان صاحب الفتوى في المدينة، وكان يجلس إليه وجوه الناس في المدينة، وكان يحصى في مجلسه أربعون معتماً، قال مطرف: سمعت مالكاً يقول: ذهبت حلاوة الفقه منذ مات ربيعة.
وقال عبد العزيز بن أبي سلمة: يا أهل العراق! تقولون: ربيعة الرأي! والله! ما رأيت أحداً أحفظ للسنة منه.
مات سنة مائة وست وثلاثين في المدينة أو في الأنبار.
وهو الشيخ الإمام ابن مالك ﵀، لكن تأويله هذا ليس بوجيه.
стр. 111
إدخال الرجل يده في الإناء قبل أن يغسلها
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب في الرجل يدخل يده في الإناء قبل أن يغسلها.
حدثنا مسدد حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي رزين بن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا قام أحدكم من الليل فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاث مرات، فإنه لا يدري أين باتت يده)].
وهذا رواه الإمام مسلم في صحيحه، وفيه النهي عن غسل اليد في الإناء من القائم من نوم الليل، والنهي للتنزيه عند الجمهور، وعند غيرهم للتحريم؛ لأن هذا هو الأصل، ولا يصرف عن التحريم إلا بدليل، أما الجمهور فإنهم حملوه على التنزيه، وهذا خاص بالقائم من نوم الليل؛ لقوله: (لا يدري أين باتت يده)؛ لأن البيتوتة إنما تكون في الليل.
أما من استيقظ من نوم النهار وكذلك غير النائم فلا ينهى عنه، لكن يستحب له أن يغسلها ثلاثاً قبل أن يدخلها في الإناء، كما جاء في حديث عمران وغيره عن النبي ﷺ : (أنه غسل يديه ثلاث مرات)، لكن من نوم الليل، فيجب عليه أن يغسلها ثلاثاً على الصحيح، ويحرم أن يدخلها في الإناء قبل غسلها ثلاثاً، وإن كان الجمهور يرون أنه للتنزيه، وأن الأمر للاستحباب.
وإذا غمس يده في الإناء فلا ينجس الماء على الصحيح، وقيل: ينجس.
والصواب: أنه لا ينجس، ولا ينجس إلا إذا تغير أحد أوصافه، فإذا كانت في يده نجاسة وتغير أحد أوصافه ينجس، وإلا فلا ينجس؛ لحديث أبي سعيد عن النبي ﷺ : (إن الماء الطهور لا ينجسه شيء).
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا مسدد حدثنا عيسى بن يونس عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ -يعني: بهذا الحديث- قال: (مرتين أو ثلاثاً) ولم يذكر أبا رزين].
يعني: يغسل يده مرتين أو ثلاثاً، والصواب: أنه يغسلها ثلاثاً.
قال في تخريجه: رواه أحمد، والبخاري في الوضوء باب الاستجمار وتراً، ومسلم في الطهارة، وابن ماجة والترمذي والنسائي.
وكونه يغسلها ثلاثاً ثم يتوضأ هذا يستحب في كل وضوء ثلاثاً، لكن يتأكد عند الاستيقاظ من نوم الليل.
فالغسل هذا مستحب، فقبل أن يتوضأ يغسلها ثلاثاً حتى ولو من غير نوم الليل، لكن في نوم الليل الأفضل أن يغسلها ثلاثاً، يعني: الغسل المطلوب، حتى لو لم يكن يريد أن يغسلهما؛ لأنه قد يحتمل أن يكون فيهما أذى، فلو لم يغسلهما وتوضأ وفيهما بعض الأذى فقد يكون فيهما نجاسة، وقد يكون أصابه دم من بعض الحشرات، قال بعضهم عن أهل الحجاز: إنهم يستجمرون والبلاد حارة، وربما أصابت يده دبره، المقصود: أنه يغسلها ثلاثاً حتى ولو لم يرد؛ لتنظيفها.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح ومحمد بن سلمة المرادي قالا: حدثنا ابن وهب عن معاوية بن صالح عن أبي مريم قال: سمعت أبا هريرة ﵁ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يدخل يده في الإناء حتى يغسلها ثلاث مرات؛ فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده، أو أين كانت تطوف يده)].
والبيتوتة إنما تكون في الليل.
قال في تخريجه: إسناده صحيح.
стр. 112
شرح سنن أبي داود_ كتاب الطهارة [٨]
لقد أمر الله بالطهارة إذا قام العبد المؤمن إلى الصلاة، ومما يدل على أهمية الطهارة والوضوء للصلاة أن كثيراً من الصحابة رووا وضوء النبي ﷺ في أحاديث كثيرة جمة متواترة، ومما رووه في الوضوء صفته وكيفيته وما يجب ويسن فيه.
стр. 113
صفة وضوء النبي ﷺ
стр. 114
شرح حديث عثمان في صفة وضوء النبي ﷺ
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب: صفة وضوء النبي ﷺ .
حدثنا الحسن بن علي الحلواني حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري عن عطاء بن يزيد الليثي عن حمران بن أبان مولى عثمان بن عفان قال: (رأيت عثمان بن عفان ﵁ توضأ فأفرغ على يديه ثلاثاً فغسلهما، ثم تمضمض واستنثر، ثم غسل وجهه ثلاثاً، وغسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاثاً، ثم اليسرى مثل ذلك، ثم مسح رأسه، ثم غسل قدمه اليمنى ثلاثاً، ثم اليسرى مثل ذلك، ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ توضأ مثل وضوئي هذا، ثم قال: من توضأ مثل وضوئي هذا، ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر الله له ما تقدم من ذنبه)].
وهذا فيه: بيان كيفية الوضوء، وأن الغسل يكون ثلاثاً، وإذا كان قام من نوم الليل يغسلهما قبل الوضوء ثلاثاً، سواء كان من الإناء أو من الصنبور أو من غيره، سواء استيقظ من نوم الليل أو لم يستيقظ السنة أن يغسلهما ثلاثاً، وأكمل الوضوء غسل كل عضو ثلاثاً، أولاً: غسل يديه ثلاثاً، ثم تمضمض ثلاثاً، واستنشق ثلاثاً، وغسل وجهه ثلاثاً، وغسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاثاً، واليسرى ثلاثاً، ومسح برأسه وغسل رجله اليمنى ثلاثاً، وغسل رجله اليسرى ثلاثاً.
هذا أكمل الوضوء، وهو التثليث في كل عضو ما عدا الرأس.
ويجوز أن يغسلهما مرتين مرتين: الوجه مرتين، واليد مرتين، وأذنه مرتين، ورجله مرتين.
ويجوز أن يغسلهما مرة: الوجه مرة، واليد مرة، والرجل مرة.
ويجوز أن يكون مخالفاً، فيغسل بعض الأعضاء ثلاثاً، وبعضها مرتين، وبعضها مرة، كل هذا جاءت به السنة.
وفيه: أن المسلم إذا توضأ وصلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه بشيء فإن هذا من أسباب المغفرة، وفي اللفظ الآخر: (إذا توضأ فأسبغ الوضوء، وصلى ركعتين يقبل فيهما بقلبه ووجهه على الله، ولا يحدث نفسه بشيء -من الوساوس- غفر الله له ما تقدم من ذنبه)، والمراد: الصغائر إذا اجتنب الكبائر، أما إذا لم يجتنب الكبائر فإنها تبقى عليه الصغائر والكبائر؛ لقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام مسلم: (الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر).
وفي لفظ: (ما لم تغش الكبائر)، وفي لفظ: (ما لم تغش كبيرة)، وفي لفظ: (ما لم تصب المقتلة).
هذه الركعتان سنة الوضوء، وسنة الوضوء تكون بعد كل وضوء، فإذا صلى مثلاً سنة الضحى دخلت سنة الوضوء فيه، وإذا دخل المسجد وصلى السنة الراتبة أو الظهر أو الفجر دخلت فيها سنة الوضوء.
وإذا صلى صارت سنة الوضوء، ولو ما نوى، فإذا توضأ وصلى وإن نواها سنة راتبة أو الضحى أو استفتاح صلاة الليل دخلت سنة الوضوء فيها.
كذلك الفريضة إذا جاء ودخل في الفريضة دخلت سنة الوضوء في الفريضة.
وهذه الركعتان يستحب صلاتهما حتى ولو كان وقت النهي؛ لأنها سبب، والجمهور يرون أنها لا تفعل صلاة ذوات الأسباب في وقت النهي، ويقولون: إن أحاديث النهي أصح وأكثر، لكن الأرجح أنها تفعل ولو في وقت النهي.
وهذه السنة تعد من إقراره ﷺ ومن قوله، فإنه أقر بلالاً حين قال: (ما توضأت وضوءاً في ليل أو نهارٍ إلا وصليت به ركعتين).
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن المثنى حدثنا الضحاك بن مخلد حدثنا عبد الرحمن بن وردان حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن حدثني حمران قال: رأيت عثمان بن عفان ﵁ توضأ فذكر نحوه، ولم يذكر المضمضة والاستنشاق، وقال فيه: ومسح رأسه ثلاثاً، ثم غسل رجليه ثلاثاً، ثم قال: (رأيت رسول الله ﷺ توضأ هكذا، وقال: من توضأ دون هذا كفاه) ولم يذكر أمر الصلاة].
وهذا الحديث ضعيف؛ في سنده عبد الرحمن بن وردان ضعيف، ولا حجة في زيادته: (ومسح الرأس ثلاثاً)، فإن الرأس لا يثلث، ورواية عبد الرحمن هذه ضعيفة مخالفة لرواية الثقات، والحديث السابق ليس فيه مسح الرأس ثلاثاً، وإنما فيه مرة، وكذلك أيضاً أسقط المضمضة والاستنشاق وهو ثابت في الأحاديث.
وعبد الرحمن بن وردان هذا ضعيف، ولا سيما إذا خالف الثقات، فلا يعمل بروايته في تثليث مسح الرأس؛ فإن الرأس لا يثلث؛ وإنما يمسح مرة واحدة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن داود الإسكندراني حدثنا زياد بن يونس قال: حدثني سعيد بن زياد المؤذن عن عثمان بن عبد الرحمن التيمي قال: سئل ابن أبي مليكة عن الوضوء فقال: (رأيت عثمان بن عفان ﵁ سئل عن الوضوء؛ فدعا بماء، فأتي بميضأة فأصغاها على يده اليمنى، ثم أدخلها في الماء فتمضمض ثلاثاً، واستنثر ثلاثاً، وغسل وجهه ثلاثاً، ثم غسل يده اليمنى ثلاثاً، وغسل يده اليسرى ثلاثاً، ثم أدخل يده فأخذ ماءً فمسح برأسه وأذنيه، فغسل بطونهما وظهورهما مرة واحدة، ثم غسل رجليه، ثم قال: أين السائلون عن الوضوء؟ هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ)].
فهذا الحديث أكمل ما ورد في الوضوء، وذلك أن فيه التثليث في جميع الأعضاء ما عدا الرأس؛ لأنه تمضمض ثلاثاً، واستنشق ثلاثاً، وغسل وجهه ثلاثاً، وغسل يده اليمنى ثلاثاً، وغسل يده اليسرى ثلاثاً، وغسل رجليه ثلاثاً، هذا أكمل ما ورد في الوضوء.
وفيه: أن الرأس لم يثلث، وإنما يمسح مرة واحدة.
وفيه: أن مسح الأذنين تابع للرأس، ولا يحتاج أن يأخذ لهما ماءً جديداً، بل يأخذ ماءً للرأس، ولا يصب الماء على الرأس وإنما يمسح به مسحاً، ثم يمسح أذنيه بالرطوبة الباقية من يديه، يمسح باطنهما وظاهرهما، باطنهما بالسباحتين وظاهرهما مما يلي الرأس بالإبهامين.
وقوله: (فغسل بطونهما وظاهرهما) المراد: المبالغة في المسح، وليس المراد الغسل، وإنما المراد المسح، والغسل يطلق على المسح، والمسح يطلق على الغسل.
وفيه أن الرأس لم يثلث، خلافاً لمن استحب من العلماء تثليث المسح، وهو مروي عن الشافعي ﵀؛ استدلالاً بالحديث: (أن النبي ﷺ توضأ ثلاثاً ثلاثاً) لكن هذا مجمل بينته الأحاديث الصحيحة الأخرى.
وفيه: مشروعية غسل اليدين ثلاثاً قبل الوضوء إلى الكوعين، والكوع: هو العظم المقابل للإبهام، والكرسوع: هو العظم المقابل للخنصر، والرسغ: ما بين الكف والساعد، والساعد: من نهاية الكف إلى المرفق، والمرفق: هو العضد في آخر الساق.
فاليدان تغسلان من رءوس الأصابع حتى يتجاوز المرفقين ويشرع في العضد.
وغسلهما قبل الوضوء ثلاثاً هذا مستحب وليس بواجب، إلا إذا استيقظ من نوم الليل؛ فإنه يتأكد، والجمهور على الاستحباب.
والقول الثاني: الوجوب، وهو قول قوي، يقول النبي ﷺ : (إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده).
والواجب تعميم كل عضو بالغسل مرة واحدة، والمراد بالغسل ما يعمم به الإنسان العضو، فإذا عمم أصل العضو مرة واحدة فهذا يعتبر غسلاً سواء كان بغرفة أو بغرفتين، فيعمم بغرفة وتعتبر مرة، ويجزئ هذا، فإذا تمضمض مرة واستنشق مرة، وغسل وجهه مرة، وغسل يده اليمنى مرة، وغسل يده اليسرى مرة، ومسح برأسه وأذنيه، وغسل رجله اليمنى مرة، وغسل رجله اليسرى مرة فإن هذا الوضوء يجزئ، وإن غسلهما مرتين مرتين فهذا أفضل، وإن غسلهما ثلاثاً ثلاثاً فهذا هو الأفضل والأكمل، وإن غسلهما مخالفاً: فغسل بعض أعضائه ثلاثاً، وبعضها مرتين، وبعضها مرة فلا حرج، كل هذا ثبت عن النبي ﷺ .
قال في تخريجه: حديث صحيح تفرد به أبو داود.
كل الأحاديث في الوضوء ثابتة: حديث حمران عن عثمان، وحديث زيد بن عبد ربه وغيره، كلها صحيحة وثابتة في الصحيحين وفي غيرهما.
فمرة واحدة هذا هو الغسل الواجب، وهو يجزئ، والمرة الثانية مستحبة، والثالثة مستحبة، والأكمل ثلاثاً ثلاثاً، ولا يزيد على ثلاث.
وكون المسح مرة ثابت في الأحاديث الصحيحة، وستأتي الأحاديث التي تنص على أنه واحدة.
[قال أبو داود: أحاديث عثمان الصحاح كلها تدل على مسح الرأس أنه مرة، فإنهم ذكروا الوضوء ثلاثاً، وقالوا فيها: (ومسح رأسه) ولم يذكروا عدداً كما ذكروا في غيره].
وهذا كما قال أبو داود ﵀: الأحاديث الصحيحة كلها ليس فيها: أن الرأس يثلث، وإنما فيها أن الرأس يمسح مرة، وهذا يدل على ضعف رواية عبد الرحمن بن وردان في الحديث السابق الذي فيه ذكر تثليث المسح، وعبد الرحمن بن وردان تكلموا فيه وقالوا: خالف الحفاظ، وفيه ضعف ما ذهب إليه الشافعي ﵀ من تثليث المسح وغيره؛ استدلالاً بالحديث: (أن النبي ﷺ توضأ ثلاثاً ثلاثاً) وهذا مجمل في كل الأعضاء ما عدا الرأس، أما الرأس فلا يثلث، كما في الأحاديث الصحيحة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا إبراهيم بن موسى أخبرنا عيسى حدثنا عبيد الله -يعني: ابن أبي زياد - عن عبد الله بن عبيد بن عمير عن أبي علقمة: (أن عثمان ﵁ دعا بماء، فتوضأ فأفرغ بيده اليمنى على اليسرى، ثم غسلهما إلى الكوعين، قال: ثم مضمض واستنشق ثلاثاً، وذكر الوضوء ثلاثاً، قال: ومسح برأسه، ثم غسل رجليه، وقال: رأيت رسول الله ﷺ توضأ مثل ما رأيتموني توضأ
стр. 115
شرح حديث علي في صفة وضوء النبي ﷺ
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا مسدد قال: حدثنا أبو عوانة عن خالد بن علقمة عن عبد خير قال: (أتانا علي ﵁ وقد صلى، فدعا بطهور فقلنا: ما يصنع بالطهور وقد صلى؟ ما يريد إلا ليعلمنا، فأتي بإناء فيه ماء وطست، فأفرغ من الإناء على يمينه فغسل يديه ثلاثاً، ثم تمضمض واستنثر ثلاثاً، فمضمض ونثر من الكف الذي يأخذ فيه، ثم غسل وجهه ثلاثاً، وغسل يده اليمنى ثلاثاً، وغسل يده الشمال ثلاثاً، ثم جعل يده في الإناء فمسح برأسه مرة واحدة، ثم غسل رجله اليمنى ثلاثاً ورجله اليسرى ثلاثاً، ثم قال: من سره أن يعلم وضوء رسول الله ﷺ فهو هذا)].
وهذا فيه عن عبد خير وهو من أصحاب علي، وفيه النص على أنه مسح رأسه مرة واحدة؛ لأنه قيدها بقوله: (مرة واحدة).
وفيه: المضمضة والاستنشاق من كف واحدة، فإنه مضمض واستنشق واستنثر من كف واحدة، وهذا هو الأفضل، فالأفضل أن يأخذ كفاً من ماء، ثم يتمضمض ويستنشق، فبعض الكف يتمضمضه، وبعضه يستنشقه، ويستنثر بيده الأخرى، يفعل هذا ثلاثاً.
وإن تمضمض بكف واستنشق بكف فلا بأس، لكن الثابت في الأحاديث في وضوء النبي ﷺ : أنه تمضمض واستنشق من كف واحدة.
قال في تخريجه: عبد خير بن يزيد الهمداني أبو عمارة الكوفي مخضرم أدرك الجاهلية.
قال عثمان الدارمي عن يحيى بن معين: ثقة، وقال ابن أبي شيبة عن يحيى جاهلي.
وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة.
قلت: وقال أبو جعفر محمد بن الحسين البغدادي: سألت أحمد بن حنبل عن الثبت في علي ﵁ فذكر عبد خير فيهم.
وقال الخطيب: يقال: اسم عبد خير عبد الرحمن وذكره مسلم في الطبقة الأولى طويلاً، قال عبد الملك بن سلع: قلت لـ عبد خير: كم أتى عليك؟ قال: عشرون ومائة سنة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا الحسن بن علي الحلواني حدثنا الحسين بن علي الجعفي عن زائدة حدثنا خالد بن علقمة الهمداني عن عبد خير قال: (صلى علي ﵁ الغداة، ثم دخل الرحبة فدعا بماء، فأتاه الغلام بإناء فيه ماء وطست، قال: فأخذ الإناء بيده اليمنى، فأفرغ على يده اليسرى وغسل كفيه ثلاثاً، ثم أدخل يده اليمنى في الإناء فمضمض ثلاثاً واستنشق ثلاثاً، ثم ساق قريباً من حديث أبي عوانة -ثم مسح رأسه مقدمه ومؤخره)، ثم ساق الحديث نحوه].
وهذا كما سبق فيه: أنه تمضمض ثلاثاً، وغسل كفيه ثلاثاً، ومسح رأسه مقدمه ومؤخره، ويصح مسحه كيفما فعل، لكن الأفضل جاء في حديث حمران وغيره: (أن النبي ﷺ بدأ بمقدم رأسه، ثم ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه).
فيأخذ كفاً للمضمضة والاستنشاق، ثم يأخذ ماءً ويغسل وجهه.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن المثنى حدثني محمد بن جعفر حدثنا شعبة قال: سمعت مالك بن عرفطة قال: سمعت عبد خير قال: (رأيت علياً ﵁ أتي بكرسي فقعد عليه، ثم أتي بكوز من ماء فغسل يده ثلاثاً، ثم تمضمض مع الاستنشاق بماء واحد) وذكر الحديث].
وفيه: أنه لا بأس بالوضوء للتعليم، فيتوضأ للتعليم وينوي الوضوء ورفع الحدث.
فإذا توضأ للتعليم ونوى به الوضوء ورفع الحدث فإنه يكون وضوءاً، كما ثبت أن النبي ﷺ صلى على المنبر وركع، ثم لما أراد السجود نزل القهقرى وسجد في الأرض، ثم لما قام صعد على المنبر وركع، ولما أراد السجود نزل القهقرى وسجد في الأرض وقال: (إنما فعلت هذا لتعلموا صلاتي) فالصلاة للتعليم أو الوضوء للتعليم ما عليه بأس، وهو عبادة.
وقول المؤلف: (مالك بن عرفطة)، بعضهم قال: إنه خالد بن علقمة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال: حدثنا أبو نعيم قال: حدثنا ربيعة الكناني عن المنهال بن عمرو عن زر بن حبيش أنه سمع علياً وسئل عن وضوء رسول الله ﷺ فذكر الحديث وقال: (ومسح رأسه حتى لما يقطر، وغسل رجليه ثلاثاً ثلاثاً، ثم قال: هكذا كان وضوء رسول الله صلى الله عليه وسل)].
المنهال بن عمرو بعضهم تكلم فيه، فقد تكلم فيه ابن حزم ﵀، لكنه لا بأس به، وفيه زر بن حبيش وهو من أصحاب علي وابن مسعود.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: حديث زر عن علي هذا: فيه المنهال بن عمرو كان ابن حزم يقول: لا يقبل في باقة بقل، ومن روايته حديث البراء الطويل في عذاب القبر، والمنهال قد وثقه يحيى بن معين وغيره، والذي غر ابن حزم شيئان: أحدهما: قول عبد الله بن أحمد عن أبيه، تركه شعبة على عمد.
والثاني: أنه سمع من داره صوت طنبور، وقد صرح شعبة بهذه العلة، فقال العقيلي عن وهيب: قال: سمعت شعبة يقول: أتيت المنهال بن عمرو فسمعت عنده صوت طنبور، فرجعت ولم أسأله، قيل: فهلا سألته فعسى كان لا يعلم به؟ والمنهال بكسر الميم وسكون النون ابن عمرو الأسدي مولاهم الكوفي، قال ابن معين والنسائي: ثقة، وقال العجلي: كوفي ثقة، وتركه شعبة؛ لأنه سمع في منزله صوت طنبور.
وشذ شعبة ﵀ في هذا.
تركه هذا يعني: طعن فيه، وهذا يحتاج إلى سؤال، فإن كان عالماً وأقره فهو طعن فيه، وإن كان لم يعلم، أو غلب على أمره فيكون معذوراً في هذا.
والمقصود: أن الجرح لا بد أن يكون مفسراً، وأن يكون عن علم بهذا، وإلا فالأصل أنه ثقة.
قوله: (حتى لما يقطر) هذه زيادة تشير إلى أن المسح كان مرة واحدة؛ لأنه لو كان ثلاثاً لقطر الماء عن رأسه بعد المسح.
قال صاحب عون المعبود: [لما: بفتح اللام وتشديد الميم بمعنى: لم، وهي على ثلاثة أوجه: أحدهما: أن يختص بالمضارع فتجزمه وتنفيه وتقلبه ماضياً مثل لم، إلا أنها تفارقه في أمور.
وثانيها: أنها تختص بالماضي، فتقتضي جملتين وجدت ثانيتهما عند وجود أولاهما.
وثالثها: أن تكون حرف استثناء، فتدخل على الجملة الإسمية، وهاهنا للوجه الأول].
والمراد الوجه الأول (حتى لم يقطر)، يعني: أنه مرة واحدة.
стр. 116
بيان صفة الوضوء من رواية عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا زياد بن أيوب الطوسي قال: حدثنا عبيد الله بن موسى قال: حدثنا فطر عن أبي فروة عن أبي عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: (رأيت علياً ﵁ توضأ فغسل وجهه ثلاثاً، وغسل ذراعيه ثلاثاً، ومسح برأسه واحدة، ثم قال: هكذا توضأ رسول الله ﷺ ].
هذا الحديث فيه النص على أن مسح الرأس مرة واحدة.
стр. 117
بيان صفة الوضوء من رواية أبي حية عن علي
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا مسدد وأبو توبة قالا: حدثنا أبو الأحوص ح وحدثنا عمرو بن عون قال: أخبرنا أبو الأحوص عن أبي إسحاق عن أبي حية قال: (رأيت علياً ﵁ توضأ فذكر وضوءه كله ثلاثاً ثلاثاً، قال: ثم مسح رأسه، ثم غسل رجليه إلى الكعبين، ثم قال: إنما أحببت أن أريكم طهور رسول الله ﷺ ].
قوله: (أبو حية).
هو أبو حية بن قيس الوادعي الخارفي نسبة إلى خارف، وهي بطن من همدان، نزل الكوفة، واختلف في اسمه، وقال أبو أحمد الحاكم وغيره: لا يعرف اسمه.
وقال أبو زرعة: لا يسمى.
وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: شيخ، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال أبو الوليد بن الفرضي: مجهول، وقال ابن المديني، وقال ابن القطان: وثقه بعضهم، وصحح حديثه ابن السكن وغيره.
يقول في التقريب: قال: مقبول، والحديث له متابعات وشواهد.
стр. 118
بيان صفة الوضوء من رواية ابن عباس عن علي
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا عبد العزيز بن يحيى الحراني قال: حدثنا محمد يعني: ابن سلمة عن محمد بن إسحاق عن محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة عن عبيد الله الخولاني عن ابن عباس ﵄ قال: (دخل عليَّ علي ﵁ يعني: ابن أبي طالب - وقد أهراق الماء، فدعا بوضوء، فأتيناه بتور فيه ماء حتى وضعناه بين يديه، فقال: يا ابن عباس! ألا أريك كيف كان يتوضأ رسول الله ﷺ ؟ قلت: بلى، قال: فأفضى الإناء على يده فغسلها، ثم أدخل يده اليمنى فأفرغ بها على الأخرى، ثم غسل كفيه، ثم تمضمض واستنثر، ثم أدخل يديه في الإناء جميعاً فأخذ بهما حفنة من ماء فضرب بها على وجهه، ثم ألقم إبهاميه ما أقبل من أذنيه، ثم الثانية، ثم الثالثة مثل ذلك، ثم أخذ بكفيه اليمني قبضة من ماء فصبها على ناصيته فتركها تستن على وجهه، ثم غسل ذراعيه إلى المرفقين ثلاثاً ثلاثاً، ثم مسح رأسه وظهور أذنيه، ثم أدخل يديه جميعاً فأخذ حفنة من ماء فضرب بها على رجله وفيها النعل فغسلها بها، ثم الأخرى مثل ذلك، قال: قلت: وفي النعلين، قال: وفي النعلين، قال: قلت: وفي النعلين قال: وفي النعلين)].
هذا الحديث ضعيف، ضعفه البخاري والشافعي وفيه نكارة من وجهين: الوجه الأول: أنه صب الماء على ناصيته بعد غسل يديه ثلاثاً.
الوجه الثاني: أنه غسل رجليه وفيهم النعلان، وهذا فيه إفساد لهما، وقد جاءت النصوص بعدم إضاعة المال، إلا أن يقال: إنهما نعلان لا يضرهما الماء، فلا يؤثر فيهما الماء، لكن المعروف أن النعلين كانتا من جلد؛ فيؤثر عليهما الماء.
قوله: (محمد بن إسحاق) صاحب المغازي، وهو ثقة لكنه مدلس ﵀.
قوله: (ابن ركانة): بضم الراء، محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة القرشي المطلبي، وثقه ابن معين وأبو داود وذكره ابن حبان في الثقات، مات في أول خلافة هشام بن عبد الملك بالمدينة.
قال الخطابي: وأما هذا الحديث فقد تكلم الناس فيه.
قال أبو عيسى: سألت محمد بن إسماعيل عنه فضعفه.
وقال: ما أدري ما هذا، وقد يحتمل - إن ثبت الحديث - أن تكون تلك الحفنة من الماء قد وصلت إلى ظاهر القدم وباطنه، وإن كان في النعل، ويدل على ذلك قوله: ففتلها بها.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال أبو داود: وحديث ابن جريج عن شيبة يشبه حديث علي لأنه قال فيه حجاج بن محمد عن ابن جريج: ومسح برأسه مرة واحدة.
وقال ابن وهب فيه عن ابن جريج: ومسح برأسه ثلاثاً].
حديث (غسل قدميه في نعله) ثبت عن علي وقال: هذا وضوء من لم يحدث.
قال ابن القيم: [فإن البخاري روى في صحيحه حديث ابن عباس ﵄ كما سيأتي، وقال في آخره: (ثم أخذ غرفة من ماء فرش بها على رجله اليمنى حتى غسلها، ثم أخذ غرفة أخرى فغسل بها -يعني: رجله اليسرى- ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ)] وقد حسنه الألباني.
стр. 119
بيان صفة الوضوء من رواية يحيى المازني عن عبد الله بن زيد
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه أنه قال لـ عبد الله بن زيد بن عاصم وهو جد عمرو بن يحيى: هل تستطيع أن تريني كيف كان رسول الله ﷺ يتوضأ؟ فقال عبد الله بن زيد ﵁: نعم، فدعا بوضوء فأفرغ على يديه فغسل يديه، ثم تمضمض واستنثر ثلاثاً، ثم غسل وجهه ثلاثاً، ثم غسل يديه مرتين مرتين إلى المرفقين، ثم مسح رأسه بيديه، فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم رأسه ثم ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه، ثم غسل رجليه].
حديث عبد الله بن زيد ثابت في الصحيحين وغيرهما، وفيه: أنه غسل وجهه ثلاثاً وغسل يديه مرتين مخالفة.
стр. 120
بيان صفة المضمضة والاستنشاق من رواية المازني عن عبد الله بن زيد
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا مسدد قال: حدثنا خالد عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه عن عبد الله بن زيد بن عاصم ﵁ بهذا الحديث وقال: فمضمض واستنشق من كف واحدة يفعل ذلك ثلاثاً.
ثم ذكر نحوه].
فيه المضمضة والاستنشاق من كف واحدة، وأنه كررها ثلاثاً.
стр. 121
بيان مسح الرأس وغسل القدمين من حديث واسع عن عبد الله بن زيد
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح قال: حدثنا ابن وهب عن عمرو بن الحارث أن حبان بن واسع حدثه أن أباه حدثه أنه سمع عبد الله بن زيد بن عاصم ﵁ الله عنه يذكر أنه رأى رسول الله ﷺ فذكر وضوءه، قال: (ومسح رأسه بماء غير فضل يديه، وغسل رجليه حتى أنقاهما)].
فيه: أنه يأخذ ماءً جديداً للرأس غير ماء اليدين، لكن لا يصب الماء على الرأس وإنما يمسح.
стр. 122
بيان صفة الوضوء من رواية عبد الرحمن الحضرمي عن المقداد
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل حدثنا أبو المغيرة حدثنا حريز حدثني عبد الرحمن بن ميسرة الحضرمي قال: سمعت المقدام بن معدي كرب الكندي ﵁ قال: (أتي رسول الله ﷺ بوضوء فتوضأ فغسل كفيه ثلاثاً)].
وَضوء بفتح الواو أفصح، ويعني: بالماء، والفعل يقال بضم الواو، فهو أفصح، وإلا يجوز أن يطلق هذا على هذا، وهذا على هذا.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال: (أتي رسول الله ﷺ بوضوَء فتوضأ فغسل كفيه ثلاثاً، وغسل وجهه ثلاثاً، ثم غسل ذراعيه ثلاثاً ثلاثاً، ثم تمضمض واستنشق ثلاثاً، وغسل وجهه ثلاثاً، ثم غسل ذراعيه ثلاثاً ثلاثاً، ثم مسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما)].
هذا الحديث في سنده حريز وهو متهم برأي الخوارج، وهو من رجال البخاري، أما عبد الرحمن الحضرمي فهو ضعيف، قال فيه الحافظ: مقبول، وقد خالف الثقات هنا، فقوله: (ثم تمضمض واستنشق) بعد غسل اليدين منكر؛ لأنه أتى بكلمة (ثم) التي تفيد الترتيب، وهذا مخالف للأحاديث الصحيحة؛ فيكون شاذاً، فلا حجة فيما رواه عبد الرحمن الحضرمي؛ لأنه مقبول، وقد خالف الثقات، والصواب: أن المضمضة والاستنشاق تكون مع غسل الوجه وقبل غسل اليدين، وهو الذي دل عليه حديث عبد الله بن زيد، وحديث حمران، كلها تذكر المضمضة والاستنشاق مع غسل الوجه، وليس فيها أن المضمضة تكون بعد غسل اليدين، وإنما هذا في رواية أبي داود عن الإمام أحمد بن حنبل من شيوخه.
стр. 123
بيان كيفية مسح الرأس من رواية عبد الرحمن الحضرمي عن المقداد بن معد يكرب
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمود بن خالد ويعقوب بن كعب الأنطاكي لفظه: قالا: حدثنا الوليد بن مسلم عن حريز بن عثمان عن عبد الرحمن بن ميسرة عن المقدام بن معدي كرب ﵁ قال: (رأيت رسول الله ﷺ توضأ، فلما بلغ مسح رأسه وضع كفيه على مقدم رأسه، فأمرهما حتى بلغ القفا، ثم ردهما إلى المكان الذي منه بدأ).
قال محمود: قال: أخبرني حريز].
هذا فيه كيفية مسح الرأس، وهي على هذه الكيفية إذا عمم أجزأه، لكن الأفضل ما جاء في الأحاديث الصحيحة في أنه يبدأ من مقدم رأسه إلى قفاه، ثم يردهما إلى المكان الذي بدأ منه، وهنا فيه أن وضعه هنا كان على قصة رأسه، ثم أمرها، وهذا لا بأس به، لكن الأفضل أن يبدأ بمقدم رأسه، ثم يذهب بهما إلى قفاه، ثم يردهما إلى المكان الذي بدأ منه.
стр. 124
بيان كيفية مسح الأذنين من رواية الحضرمي عن المقداد
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمود بن خالد وهشام بن خالد المعنى قالا: حدثنا الوليد بهذا الإسناد، قال: (ومسح بأذنيه ظاهرهما وباطنهما).
زاد هشام: (وأدخل أصابعه في صماخ أذنيه)].
الوليد بن مسلم مدلس، لكنه صرح هنا بالسماع، وفيه: أن مسح الأذنين ظاهرهما وباطنهما، باطنهما: بالسبابتين في صماخ الأذنين، وظاهرهما: بإبهامه مما يلي الرأس.
وهذا في رواية عبد الرحمن الحضرمي لكنه وافق الأحاديث الصحيحة، ووافق الثقات.
стр. 125
بيان كيفية مسح الرأس من رواية يزيد بن أبي مالك عن معاوية
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا مؤمل بن الفضل الحراني حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا عبد الله بن العلاء حدثنا أبو الأزهر المغيرة بن فروة ويزيد بن أبي مالك: (أن معاوية ﵁ توضأ للناس كما رأى رسول الله ﷺ يتوضأ، فلما بلغ رأسه غرف غرفة من ماء فتلقاها بشماله حتى وضعها على وسط رأسه، حتى قطر الماء أو كاد يقطر، ثم مسح من مقدمه إلى مؤخره، ومن مؤخره إلى مقدمه)].
هذا الحديث صحيح أخرجه أحمد من طريق الوليد بن مسلم.
وفيه: أنه صب الماء على رأسه، حيث أخذ غرفة بيده اليمنى ثم جعلها وسط رأسه حتى قطر الماء، وهذا فيه نكارة؛ لأنه ورد في الأحاديث الصحيحة أن النبي ﷺ مسح رأسه، وليس فيه أنه أخذ الماء وصبه حتى قطر الماء، ثم مسح رأسه، فالرأس لا يغسل وإنما يمسح، فالمغسولات وهي: الوجه، واليدين، والرجلين، والعضو الرابع يمسح.
والوليد بن مسلم مدلس، لكنه صرح بالسماع هنا.
المغيرة بن فروة الثقفي أبو الأزهر الدمشقي، ومنهم من قلبه، وهو مشهور بكنيته، مقبول.
ويزيد بن عبد الرحمن بن أبي مالك الهمداني بالسكون الدمشقي القاضي، صدوق ربما وهم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمود بن خالد حدثنا الوليد بهذا الإسناد قال: (فتوضأ ثلاثاً ثلاثاً، وغسل رجليه بغير عدد)].
لكن العدد ثابت في الأحاديث الأخرى.
стр. 126
بيان صفة الوضوء من رواية عبد الله بن محمد بن عقيل عن الربيع بنت معوذ
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا مسدد حدثنا بشر بن المفضل حدثنا عبد الله بن محمد بن عقيل عن الربيع بنت معوذ بن عفراء ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ يأتينا، فحدثتنا أنه قال: اسكبي لي وضوءاً، فذكرت وضوء رسول الله ﷺ وقالت فيه: فغسل كفيه ثلاثاً، ووضأ وجهه ثلاثاً، ومضمض واستنشق مرة، ووضأ يديه ثلاثاً ثلاثاً، ومسح برأسه مرتين، يبدأ بمؤخر رأسه ثم بمقدمه، وبأذنيه كلتيهما ظهورهما وبطونهما، ووضأ رجليه ثلاثاً ثلاثاً) قال أبو داود: وهذا معنى حديث مسدد].
هذا الحديث ضعيف؛ لأن في سنده عبد الله بن محمد بن عقيل وهو سيئ الحفظ، وفيه نكارة، حيث يقول: مسح برأسه مرتين، فإن كان مقصوده بمرتين أنه بدأ بمقدم رأسه واعتبرها مرة، ثم ردهما المكان الذي بدأ منه مرة فهذا لا يعتبر، وإن كان مقصوده أنه كرر المسح فهذا مخالف للأحاديث الصحيحة، والصواب: أن الرأس لا يمسح إلا مرة واحدة، وليبدأ بمقدم رأسه ثم يردهما إلى المكان الذي رجع منه وتعتبر مرة؛ لأنه حين يرده المرة الأخرى يمسح أطراف الشعر الذي ما أصابه في المسحة الأولى، والمرأة مثل الرجل في هذا، ولا يجب عليها مسح الظفائر.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا إسحاق بن إسماعيل حدثنا سفيان عن ابن عقيل بهذا الحديث، يغير بعض معاني بشر قال فيه: (وتمضمض واستنثر ثلاثاً)].
يعني: غير معنى حديث بشر بن المفضل.
يقول الألباني: الحديث السابق، حديث الربيع أخرجه ابن ماجة في الطهارة، والترمذي وقال: حديث حسن، وحديث عبد الله بن زيد أصح من هذا وأجود إسناداً.
قال الشيخ شاكر في تعليقه على هذا الحديث: وحديث الربيع صحيح، وإنما اقتصر الترمذي على تحسينه ذهاباً منه إلى أنه يعارض حديث عبد الله بن زيد، ولكنهما عن حادثتين مختلفتين، فلا تعارض بينهما حتى يحتاج إلى ترجيح، فكان النبي ﷺ يبدأ بمقدم الرأس، وكان يبدأ بمؤخره، وكل جائز.
стр. 127
بيان كيفية مسح الرأس من رواية عبد الله بن محمد بن عقيل عن الربيع بنت معوذ
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا قتيبة بن سعيد ويزيد بن خالد الهمداني قالا: حدثنا الليث عن ابن عجلان عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن الربيع بنت معوذ بن عفراء ﵂: (أن رسول الله ﷺ توضأ عندها، فمسح الرأس كله من قرن الشعر، كل ناحية لمنصب الشعر، ولا يحرك الشعر عن هيئته)].
هذا الحديث في المسح على أي كيفية، لكن الأفضل أن يبدأ بمقدم رأسه، ثم يردهما إلى المكان الذي بدأ منه كما جاء في الأحاديث، وهذا الحديث فيه عبد الله بن محمد بن عقيل، أما الليث: فهو الليث بن سعد ثقة إمام معروف.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا بكر - يعني: ابن مضر - عن ابن عجلان عن عبد الله بن محمد بن عقيل أن ربيع بنت معوذ بن عفراء ﵂ أخبرته قالت: (رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ قالت: فمسح رأسه، ومسح ما أقبل منه وما أدبر، وصدغيه، وأذنيه، مرة واحدة)].
هذا الحديث ضعيف، في سنده عبد الله بن محمد بن عقيل وهو ضعيف في الحفظ وفيه نكارة مسح الصدغين، والصدغان لا يمسحان.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا مسدد حدثنا عبد الله بن داود عن سفيان بن سعيد عن ابن عقيل عن الربيع ﵂: (أن النبي ﷺ مسح برأسه من فضل ماء كان في يده)].
هذا الحديث ضعيف، ففيه: عبد الله بن محمد بن عقيل قال البخاري: شاذ مخالف للأحاديث الصحيحة، أي: الأحاديث الصحيحة في أنه يمسح رأسه بماء جديد، لا من فضل يده، بل يأخذ ماء ويغسل وجهه، ثم يأخذ ماءً ويغسل يده اليمنى، ثم يأخذ ماءً ويمسح رأسه، وإنما الأذنان يمسحان تبعاً للرأس؛ لأنهما من الرأس.
أما الرأس واليدان فعضوان مستقلان، فيأخذ ماءً جديداً لهما.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا إبراهيم بن سعيد حدثنا وكيع حدثنا الحسن بن صالح عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن الربيع بنت معوذ ﵂: (أن النبي ﷺ توضأ فأدخل إصبعيه في حجري أذنيه)].
قوله: (في حجري أذنيه) يعني: في صماخ الأذنين، المسبحة في الصماخ، والإبهامين يمسح بهما ظاهر أذنيه مما يلي الرأس.
стр. 128
بيان عدد مرات مسح الرأس وكيفيته من رواية طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن عيسى ومسدد قالا: حدثنا عبد الوارث عن ليث عن طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده قال: (رأيت رسول الله ﷺ يمسح رأسه مرة واحدة؛ حتى بلغ القذال وهو أول القفا).
وقال مسدد: مسح رأسه من مقدمه إلى مؤخره، حتى أخرج يديه من تحت أذنيه].
هذا الحديث ضعيف أيضاً؛ لأن في إسناده ليث بن أبي سليم، وكذلك مصرف والد طلحة مجهول، وجده عمرو كذلك، وليس له صحبة، وفيه نكارة، وهو قوله: مسح الرقبة إلى القذال، وقوله: أخرج يديه من تحت أذنيه، فكل هذا فيه نكارة؛ لأنه مخالف للأحاديث الصحيحة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال أبو داود: قال مسدد: فحدثت به يحيى فأنكره.
وقال أبو داود: وسمعت أحمد يقول: إن ابن عيينة زعموا أنه كان ينكره ويقول: إيش هذا طلحة عن أبيه عن جده؟].
قوله: (إيش) كلمة استفهام كأي شيء هذا، يعني: مختصرة منحوتة من أي شيء، وهي مثل: الحوقلة، والبسملة، والحمدلة.
وهي استفهام إنكار، فقوله: (إيش هذا طلحة بن مصرف) يدل على أن هذا فيه نكارة؛ يعني: استنكر ما رواه طلحة بن مصرف من مسح الرقبة.
وهذا الحديث فيه أن أبا داود كان شيخه أحمد بن حنبل.
وقوله: (زعموا) يعني: قالوا، (فزعم) تطلق على مجرد القول، وتطلق على الادعاء الكاذب، فقوله: إيش طلحة؟ يعني: غير معروف طلحة هذا، ومصرف والده غير معروف، فـ طلحة ضعيف، وما رواه فيه نكارة.
стр. 129
بيان الوضوء ثلاثاً من رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا الحسن بن علي حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا عباد بن منصور عن عكرمة بن خالد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄: (رأى رسول الله ﷺ يتوضأ.
فذكر الحديث كله ثلاثاً ثلاثاً، قال: ومسح برأسه وأذنيه مسحة واحدة)].
هذه هي السنة، حيث إن الرأس والأذنين تمسحان مسحة واحدة.
стр. 130
بيان حكم مسح المأقين والأذنين من رواية شهر بن حوشب عن أبي أمامة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد ح وحدثنا مسدد وقتيبة عن حماد بن زيد عن سنان بن ربيعة عن شهر بن حوشب عن أبي أمامة ﵁ ذكر وضوء النبي ﷺ : (كان رسول الله ﷺ يمسح المأقين قال: وقال: الأذنان من الرأس).
قال سليمان بن حرب: يقولها أبو أمامة قال قتيبة: قال حماد: لا أدري هو من قول النبي ﷺ أو من أبي أمامة ﵁ يعني: قصة الأذنين -.
قال قتيبة عن سنان أبي ربيعة.
قال أبو داود: وابن ربيعة كنيته أبو ربيعة].
لا شك أن الأذنين من الرأس، وسواء كان هذا كلام النبي ﷺ أو من كلام أبي أمامة.
والمأقين: ما تحت العينين.
وهذا الحديث أخرجه الترمذي وابن ماجة وأحمد في مسنده.
أما شهر بن حوشب فهذا تكلم فيه وله أوهام، منهم من ضعفه، ومنهم من وثقه، وإذا خالف الثقات فلا عبرة حينئذٍ.
وقال صاحب عون المعبود: المأقين تثنية مأق بالفتح وسكون الهمزة، أي: يدلكهما، في القاموس: موق العين: مجرى الدمع منها أو مقدمها أو مؤخرها.
قوله: (يمسح المأقين) إن كان مقصوده يمسح تبعاً للرأس فلا يكون إشكال، وإن كان المقصود أن الدلك يكون للوجه والمسح يكون للمأقين، فتخصيص المأقين بالمسح ليس له وجه.
وأما قوله: (الأذنان من الرأس)، فهذا حق، وسواء كان هذا من قول النبي ﷺ أو قول أبي أمامة فالأذنان من الرأس تابعان له؛ فلا يؤخذ لهما ماء جديد على الصحيح، بل يمسحان بما بقي في اليد.
قال الخطابي: وقوله: الأذنان من الرأس، فيه بيان أنهما ليستا من الوجه كما ذهب إليه الزهري، وأنه ليس باطنهما من الوجه، وظاهرهما من الرأس، كما ذهب إليه الشعبي، وممن ذهب إلى أنهما من الرأس المسيب وعطاء والحسن وابن سيرين وسعيد بن جبير والنخعي وهو قول الثوري وأصحاب الرأي، ومالك وأحمد بن حنبل وقال الشافعي: هما سنة على حيالهما، ليستا من الوجه ولا من الرأس، وتأول أصحابه الحديث على وجهين: أحدهما: أنهما يمسحان مع الرأس تبعاً له.
والآخر: أنهما يمسحان كما يمسح الرأس، ولا يغسلان كالوجه، وإضافتهما إلى الرأس إضافة تشبيه وتقريب لا إضافة تحقيق، وإنما هو في معنى دون معنى، كقوله: مولى القوم منهم، أي: في حكم النصرة والموالاة دون حكم النسب واستحقاق الإرث، ولو أوصى رجل لبني هاشم لم يعط مواليهم، ومولى اليهودي لا يؤخذ بالجزية، وفائدة الكلام ومعناه عندهم: إبانة الأذن عن الوجه في حكم الغسل، وقطع الشبهة فيهما، لما بينهما من الشبه في الصورة، وذلك أنهما وجدتا في أصل الخلقة بلا شعر، وجعلتا محلاً لحاسة من الحواس، ومعظم الحواس محل الوجه، فقيل: (الأذنان من الرأس) ليعلم أنهما ليستا من الوجه.
والصواب: أنهما من الرأس.
والقول بأنهما مستقلتان، أو أن ظاهرهما أي: ما ظهر من الوجه، وما كان من جهة الرأس من الرأس قول ضعيف، والدليل على هذا: أن النبي ﷺ مسحهما بعد مسح الرأس؛ مما يدل على أنهما من الرأس باطنهما وظاهرهما.
وقال الحافظ: حديث (الأذنان من الرأس) رواه ثمانية أنفس من الصحابة.
فالحديث إذا كان ثابتاً عن النبي ﷺ فلا إشكال فيه، لكن شهر بن حوشب الذي روى هذا الحديث فيه كلام، وإذا خالف الثقات فلا حجة فيما رواه.
стр. 131
الأسئلة
стр. 132
مراد البخاري بقوله في التبويب ولا يمسح على النعلين
السؤال
تبويب البخاري: باب غسل الرجلين في النعلين ولا يمسح على النعلين، كأنه يرد حديث علي هذا فما توجيهكم؟
الجواب
هو رد مذهب الرافضة الذين يرون المسح، لكن حديث علي هذا قال: (هذا وضوء من لم يحدث)، بمعنى: أنه إذا كان على ضوء فلا بأس، وأخرج البخاري هذا الحديث بدون: (هذا وضوء من لم يحدث).
стр. 133
شرح سنن أبي داود_ كتاب الطهارة [٩]
للوضوء أحكام بينتها السنة، فمن ذلك: مشروعية الوضوء مرة مرة، والوضوء مرتين مرتين، والوضوء ثلاثاً ثلاثاً، ومشروعية المضمضة والاستنشاق والاستنثار، ومشروعية تخليل اللحية، وغير ذلك من الأحكام.
стр. 134
الوضوء ثلاثاً ثلاثاً
стр. 135
شرح حديث عبد الله بن عمرو في صفة وضوء النبي
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الوضوء ثلاثاً ثلاثاً.
حدثنا مسدد قال: حدثنا أبو عوانة عن موسى بن أبي عائشة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁ قال: (إن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! كيف الطهور؟ فدعا بماء في الإناء فغسل كفيه ثلاثاً، ثم غسل وجهه ثلاثاً، ثم غسل ذراعيه ثلاثاً، ثم مسح برأسه وأدخل أصبعيه السباحتين في أذنيه، ومسح بإبهاميه على ظاهر أذنيه وبالسباحتين باطن أذنيه، ثم غسل رجليه ثلاثاً ثلاثاً، ثم قال: هكذا الوضوء فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم، أو ظلم وأساء)].
هذه الترجمة معقودة لبيان الوضوء ثلاثاً ثلاثاً، والوضوء ثلاثاً ثلاثاً هو أكثر الوضوء وأكمله، بمعنى: أنه يغسل أعضاء الوضوء كل عضو ثلاثاً ثلاثاً، فيتمضمض ثلاثاً، ويستنشق ثلاثاً، ويغسل وجهه ثلاثاً، ويغسل يده اليمنى ثلاثاً، ويغسل يده اليسرى ثلاثاً، ويغسل رجله اليمنى ثلاثاً، ويغسل رجله اليسرى ثلاثاً، وأما الرأس فإنه لا يكرر بل يمسح مرة واحدة، فهذا هو أكثر ما ورد عن النبي ﷺ .
وثبت عنه ﵊ أنه توضأ مرتين مرتين، أي: يغسل كل عضو مرتين، وثبت أنه توضأ مرة مرة، فكل عضو يغسله مرة، وثبت أنه توضأ مخالفاً فيغسل بعض الأعضاء مرة، وبعضها مرتين، وبعضها ثلاثاً، وهذا كله ثابت عن النبي ﷺ ، فهناك أربع صور في الوضوء: ثلاثاً ثلاثاً، ومرتين مرتين، ومرة مرة، ومخالفة، فلا يزيد على ثلاث.
وهذا الحديث فيه قوله: (فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء).
وكلمة: (أو نقص) وهم من بعض الرواة، قيل: إنه وهم من أبي عوانة؛ لأن النقص من ثلاثٍ لا بأس به كما سبق، وإنما الممنوع الزيادة، كما ثبت في الأحاديث الصحيحة: من حديث عبد الله بن زيد، وحديث حمران مولى عثمان وغيرهما.
وقال الألباني عن هذا الحديث: حسن صحيح دون قوله: (أو نقص) فإنه شاذ، والحديث أخرجه النسائي وابن ماجة.
стр. 136
الوضوء مرتين
стр. 137
شرح حديث أبي هريرة: (أن رسول الله توضأ مرتين مرتين)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الوضوء مرتين.
حدثنا محمد بن العلاء قال: حدثنا زيد -يعني: ابن الحباب - قال: حدثنا عبد الرحمن بن ثوبان قال: حدثنا عبد الله بن الفضل الهاشمي عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁: (أن النبي ﷺ توضأ مرتين مرتين)].
هذا الحديث ثابت في الصحيحين، أي: أنه غسل كل عضو مرتين مرتين، والمراد بالمرة تعميم العضو بالماء، فإن هذا يعتبر مرة سواء كان بغرفة أو بغرفتين، إذ لا عبرة بالغرفات، وإنما العبرة بتعميم العضو، فإذا عمم وجهه بالماء من شعر الرأس إلى ما انحدر من اللحيين والذقن طولاً، ومن الأذن إلى الأذن عرضاً، فهذه تعتبر مرة واحدة، وكذلك إذا عمم غسل يده من رءوس الأصابع حتى يشرع في العضد، فهذه تعتبر مرة واحدة.
стр. 138
شرح حديث ابن عباس في صفة وضوء رسول الله
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال: حدثنا محمد بن بشر قال: حدثنا هشام بن سعد قال: حدثنا زيد عن عطاء بن يسار قال: قال لنا ابن عباس ﵄: (أتحبون أن أريكم كيف كان رسول الله ﷺ يتوضأ؟ فدعا بإناء فيه ماء فاغترف غرفة بيده اليمنى، فتمضمض واستنشق، ثم أخذ أخرى فجمع بها يديه، ثم غسل وجهه، ثم أخذ أخرى فغسل بها يده اليمنى، ثم أخذ أخرى فغسل بها يده اليسرى، ثم قبض قبضة من الماء، ثم نفض يده، ثم مسح بها رأسه وأذنيه، ثم قبض قبضة أخرى من الماء فرش على رجله اليمنى وفيها النعل، ثم مسحها بيديه: يد فوق القدم ويد تحت النعل، ثم صنع باليسرى مثل ذلك)].
هذا الحديث فيه بعض الوهم، فقوله: (فأخذ غرفة فرش بها رجله) في رواية البخاري: (فرش بها رجله فغسلها).
قوله: (وفيها النعل) يحتمل أنه توضأ وهو على طهارة، فيكون هذا وضوء من لم يحدث، ولهذا رش بها نعليه كما ثبت عن علي ﵁.
وكذلك قوله: (ثم مسحها بيديه: يد فوق القدم ويد تحت النعل) هذا أيضاً قيل: إنه من أوهام هشام بن سعد؛ لأنه إن وضع يده تحت النعل للوث يده، فالمراد إذاً وضع يد فوق القدم ويد تحت القدم.
والمقصود أن وضوء النبي ﷺ ثابت في الأحاديث الصحيحة.
قال: وأما قوله: (تحت النعل) فشاذ، وراويها هشام بن سعد لا يحتج بما انفرد به، فكيف إذا خالف؟! وأجاب الجمهور عن هذا الحديث بأنه حديث ضعيف، ولو صح فهذا مخالف لسائر الروايات.
والحافظ يقول: لعله أراد التجوز، ومقصوده تحت النعل، يعني: تحت القدم، لكن هذا فيه بعد.
стр. 139
الوضوء مرة مرة
стр. 140
شرح حديث ابن عباس: (ألا أخبركم بوضوء رسول الله ؟)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الوضوء مرة مرة.
حدثنا مسدد قال: حدثنا يحيى عن سفيان قال: حدثني زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس ﵄ قال: (ألا أخبركم بوضوء رسول الله ﷺ ؟ فتوضأ مرة مرة)].
هذا الحديث ثابت في الصحيح: (أن النبي ﷺ توضأ مرة مرة)، وهذا أقل الواجب، فأقل الواجب أن يتوضأ الإنسان مرة مرة، بمعنى: أنه يغسل كل عضو مرة يعممها بالماء.
стр. 141
الفرق بين المضمضة والاستنشاق
стр. 142
شرح حديث فصل رسول الله المضمضة والاستنشاق
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب في الفرق بين المضمضة والاستنشاق.
حدثنا حميد بن مسعدة قال: حدثنا معتمر قال: سمعت ليثاً يذكر عن طلحة عن أبيه عن جده ﵁ قال: (دخلت -يعني: على النبي ﷺ وهو يتوضأ والماء يسيل من وجهه ولحيته على صدره، فرأيته يفصل بين المضمضة والاستنشاق)].
هذا الحديث ضعيف، في سنده ليث بن أبي سليم وهو ضعيف متكلم فيه.
وفيه أيضاً مصرف والد طلحة هو مجهول، وما دل عليه الحديث من الفصل بين المضمضة والاستنشاق ضعيف، والمعروف في الأحاديث الصحيحة من حديث عبد الله بن زيد، وحديث حمران عدم الفصل بين المضمضة والاستنشاق، بل كان يأخذ غرفة واحدة من كف واحدة يتمضمض منه ويستنشق، ولا يفصل بينهما.
стр. 143
حكم الاستنثار
стр. 144
شرح حديث: (إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ثم لينثر)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب في الاستنثار.
حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: (إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ثم لينثر)].
هذا الحديث لا بأس بسنده، وفيه مشروعية الاستنثار، فقيل: إنه للوجوب؛ لأن الأوامر أصلها للوجوب، ومعنى الاستنثار: هو أن يخرج الماء الذي في أنفه، والاستنشاق: أن يجذب الماء بأنفه، والمضمضة والاستنشاق فيهما خلاف في وجوبهما، فقيل: إنهما واجبتان في الوضوء والغسل.
وقيل: واجبتان في الوضوء دون الغسل.
وقيل: يجب الاستنشاق ولا تجب المضمضة، والصواب: وجوبهما؛ لهذا الحديث وغيره، والاستنثار واجب أيضاً، فيجب أن يستنشق ويستنثر.
стр. 145
شرح حديث: (استنثروا مرتين بالغتين، أو ثلاثاً)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا إبراهيم بن موسى قال: حدثنا وكيع قال: حدثنا ابن أبي ذئب عن قارظ عن أبي غطفان عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (استنثروا مرتين بالغتين أو ثلاثاً)].
هذا الحديث فيه أبو غطفان وهو ضعيف.
وفيه الأمر بالاستنثار مرتين وهذا ليس بواجب، وإنما الواجب مرة؛ لأن النبي ﷺ توضأ مرة مرة، فيكون الأمر بقوله: (استنثروا مرتين بالغتين) من باب التنظيف، لكن الواجب مرة، والحديث أخرجه ابن ماجة.
وإني أعجب ممن قال عن هذا الحديث صحيح؛ إذ كيف يكون صحيحاً وفيه الأمر بالاستنثار مرتين، وأن الواجب مرة.
следующие страницы →