← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 37015

شرح سنن أبي داود - الراجحي

عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

Полный текст (438 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

حكم الرجل يستاك بسواك غيره

стр. 72

شرح حديث: (كان رسول الله يستن وعنده رجلان) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب في الرجل يستاك بسواك غيره. حدثنا محمد بن عيسى أخبرنا عنبسة بن عبد الواحد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: (كان رسول الله ﷺ يستن وعنده رجلان أحدهما أكبر من الآخر، فأوحى الله إليه في فضل السواك أن كبر، أعط السواك أكبرهما)]. هذا فيه تقديم الأكبر في السواك، وفيه فضل السواك، فالداخل الذي معه طعام أو شراب أو سواك يعطي الأكبر ثم الأكبر وقيل: من على يمينه؛ لما ثبت في الصحيح: (أن النبي ﷺ كان جالساً وعن يمينه ابن عباس وعن يساره أشياخ، فأتي بشراب لبن فقال النبي ﷺ للغلام وهو ابن عباس: أتأذن أن أعطي الأشياخ وكانوا عن يساره، قال: لا والله يا رسول الله لا أوثر بنصيبي منك أحداً، فتله النبي ﷺ في يده). أيضاً في الكلام يقدم الأكبر كما في قصة عبد الرحمن بن سهل لما قتل أخوه وجاء معه ابنا عمه وأراد الأصغر منهما أن يتكلم، فقال النبي ﷺ : (كبر كبر). وفي السواك إذا أراد أن يدفعه إلى أحد يعطيه الأكبر، وكذلك الطعام والشراب يعطيه الأكبر، ثم إذا بقي فضل فالأكبر يعطي من على يمينه. نعم. وكذلك البخور يعطى الأكبر ثم هو يعطيه من على يمينه. قال المنذري: وأخرج مسلم الحديث بمعناه من حديث ابن عمر مسنداً، وأخرجه البخاري تعليقاً. قال المصنف رحمه الله تعالى: [قال أحمد بن حزم -هو ابن حزم -: قال لنا أبو سعيد -هو ابن الأعرابي -: هذا مما تفرد به أهل المدينة].

стр. 73

ما جاء في غسل السواك

стр. 74

شرح حديث عائشة: (كان نبي الله يستاك فيعطيني السواك لأغسله) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب غسل السواك. حدثنا محمد بن بشار أخبرنا محمد بن عبد الله الأنصاري أخبرنا عنبسة بن سعيد الكوفي الحاسب أخبرنا كثير عن عائشة أنها قالت: (كان نبي الله ﷺ يستاك فيعطيني السواك لأغسله فأبدأ به فأستاك، ثم أغسله وأدفعه إليه)]. أي: أنها كانت تعطيه السواك ليستاك به حتى تنال البركة من النبي ﷺ ، وهذا خاص بالنبي ﷺ لا يخص به غيره، فإذا أعطاها السواك استاكت به ثم غسلته ثم دفعته إليه، وفيه غسل السواك للتنظيف، وإذا أراد أن يستاك به اثنان يغسل حتى لا يكون هناك نفرة للثاني، فإذا غسل أخذه الثاني من باب النظافة وإلا فلو لم يغسله فلا حرج. أخرجه البغوي في مشكاة المصابيح. وقال ابن حجر: عنبسة بن سعيد الكوفي الحاسب ثقة، وكثير مقبول، والمقبول إذا توبع يكون حسناً لغيره.

стр. 75

السواك من الفطرة

стр. 76

شرح حديث: (عشر من الفطرة) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب السواك من الفطرة حدثنا يحيى بن معين أخبرنا وكيع عن زكريا بن أبي زائدة عن مصعب بن شيبة عن طلق بن حبيب عن ابن الزبير عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : (عشر من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، والاستنشاق بالماء، وقص الأظفار، وغسل البراجم، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء - يعني الاستنجاء بالماء -. قال زكريا: قال مصعب: ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة)]. قوله: (عشر من الفطرة) يعني: من الدين، جاء بها الإسلام، وهذه العشر منها ما هو واجب ومنها ما هو مستحب، فإعفاء اللحية واجب، وكذلك قص الشارب ونتف الإبط وحلق العانة كل هذه مؤقتة لا يجوز تأخيرها عن الوقت المحدد لها، كما في صحيح مسلم (أنه وقت في هذه الأشياء ألا تزيد عن أربعين يوماً) تأخيرها مكروه كراهة شديدة، فلا تؤخر حلق العانة ونتف الإبط، وقص الشارب، وقص الأظفار كذلك، وأما السواك فهو مستحب. قوله: (وغسل البراجم) يعني المفاصل. قال زكريا: (ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة) والمضمضة فرض في الوضوء وفي الغسل على الصحيح، والنسيان كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه:١١٥]. والحديث أخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة وأحمد في مسنده.

стр. 77

شرح حديث: (إن من الفطرة المضمضة والاستنشاق) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا موسى بن إسماعيل وداود بن شبيب قالا: أخبرنا حماد عن علي بن زيد عن سلمة بن محمد بن عمار بن ياسر، قال موسى: عن أبيه، وقال داود: عن عمار بن ياسر أن رسول الله ﷺ قال: (إن من الفطرة المضمضة والاستنشاق، فذكر نحوه ولم يذكر إعفاء اللحية، وزاد: والختان، قال: والانتضاح، ولم يذكر انتقاص الماء، يعني: الاستنجاء)]. أخرجه ابن ماجة وأحمد من طريق حماد عن علي بن زيد، وفيه علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف وسلمة بن محمد بن عمار بن ياسر مجهول. فيكون فيه ضعيف ومجهول، لكن الحديث معناه صحيح، كما سبق في الحديث السابق أن ذكرت هذه الأشياء ومنها: المضمضة والاستنشاق وهما فرضان معروفان، والاستنجاء كذلك معروف.

стр. 78

أسانيد أخرى لحديث: (عشر من الفطرة) [قال أبو داود: وروي نحوه عن ابن عباس وقال: خمس كلها في الرأس، وذكر فيه الفرق ولم يذكر إعفاء اللحية]. والفرق يعني: فرق الرأس، إذا كان للإنسان شعر يفرقه فرقتين في الوسط. [قال أبو داود: وروي نحو حديث حماد عن طلق بن حبيب ومجاهد وعن بكر بن عبد الله المزني قولهم ولم يذكروا إعفاء اللحية]. يعني: من قوله. قال: [وفي حديث محمد بن عبد الله بن أبي مريم عن أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ فيه: (وإعفاء اللحية). وعن إبراهيم النخعي نحوه وذكر إعفاء اللحية والختان].

стр. 79

ما جاء في السواك لمن قام من الليل

стр. 80

شرح حديث: (كان إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب السواك لمن قام من الليل. حدثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان عن منصور وحصين عن أبي وائل عن حذيفة قال: (إن رسول الله ﷺ كان إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك)]. هذا حديث صحيح رواه مسلم، وفيه: (أن النبي ﷺ كان إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك) يعني: يدلك فاه بالسواك، وفيه مشروعية الشواص بالسواك عند الصلاة سواء كان في قيام الليل أو غيره، وفيه مشروعية الاستياك عند القيام من الليل؛ لما فيه من النظافة ولما فيه من رضا الرب ، ولأن الإنسان عند الاستيقاظ من النوم يتغير فمه، فيستحب للمسلم إذا تغيرت رائحة فمه أن ينظفه بالسواك، كذلك عند الصلاة مشروع له أن يستاك؛ وذلك لقول النبي ﷺ في الحديث: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة).

стр. 81

شرح حديث: (كان يوضع له وضوؤه وسواكه) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا موسى بن إسماعيل قال: حدثنا حماد أخبرنا بهز بن حكيم عن زرارة بن أوفى عن سعد بن هشام عن عائشة: (أن النبي ﷺ كان يوضع له وضوءه وسواكه، فإذا قام من الليل تخلى ثم استاك)]. (وضوءه) بالفتح وهو الماء، هذا الحديث يدل على ما دل عليه الحديث السابق، باب السواك عند القيام من الليل، وفي سنده بهز بن حكيم وهو صدوق، فيكون الحديث حسناً.

стр. 82

شرح حديث مداومته على الاستياك حال القيام من النوم قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن كثير قال: أخبرنا همام عن علي بن زيد عن أم محمد عن عائشة: (أن النبي ﷺ كان لا يرقد من ليل ولا نهار فيستيقظ إلا تسوك قبل أن يتوضأ)]. هذا الحديث ضعيف؛ لأن فيه علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف، وفيه أم محمد وهي مجهولة. ولا شك أن السواك مشروع في كل وقت.

стр. 83

شرح حديث ابن عباس: (بت ليلة عند النبي فلما استيقظ من منامه أتى طهوره) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن عيسى أخبرنا هشيم أخبرنا حصين عن حبيب بن أبي ثابت عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه عن جده عبد الله بن عباس ﵄ قال: (بت ليلة عند النبي ﷺ فلما استيقظ من منامه أتى طهوره فأخذ السواك فاستاك، ثم تلا هذه الآيات: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران:١٩٠] حتى قارب أن يختم السورة أو ختمها، ثم توضأ فأتى مصلاه فصلى ركعتين، ثم رجع إلى فراشه فنام ما شاء الله ثم استيقظ ففعل مثل ذلك، ثم رجع إلى فراشه فنام، ثم استيقظ ففعل مثل ذلك، كل ذلك يستاك ويصلي ركعتين، ثم أوتر)]. هذا الحديث رواه مسلم مطولاً، وفيه: أن النبي ﷺ كان إذا استيقظ استاك ثم توضأ، وقرأ الآيات من خواتيم سورة آل عمران: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران:١٩٠] إلى آخر السورة، فيشرع في قراءتها عند الاستيقاظ من النوم. [قال أبو داود: رواه محمد بن فضيل الضبي عن حصين قال: (فتسوك وتوضأ وهو يقول: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [آل عمران:١٩٠] حتى ختم السورة)]. والحديث رواه الشيخان أيضاً، وفيه شرعية السواك عند الوضوء وعند الصلاة وعند الاستيقاظ من النوم.

стр. 84

شرح حديث عائشة في أن رسول الله كان إذا دخل بيته يبدأ بالسواك قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي حدثنا عيسى حدثنا مسعر عن المقدام بن شريح عن أبيه قال: قلت لـ عائشة ﵂: (بأي شيء كان يبدأ رسول الله ﷺ إذا دخل بيته؟ قالت: بالسواك)]. فيه مشروعية السواك عند دخول البيت، والسواك مشروع في كل وقت، ويتأكد عند دخول البيت وعند الوضوء وعند الصلاة وعند تغير رائحة الفم، وفي الحديث: (السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب). والحديث أخرجه مسلم وأبو داود وابن ماجة مختصراً.

стр. 85

(شرح سنن أبي داود_كتاب الطهارة [٥]) للشيخ: (عبد العزيز بن عبد الله الراجحي) (عدد القراء ٥٠٩)

стр. 86

شرح سنن أبي داود_ كتاب الطهارة [٦] ذكر الشارع الحكيم جواز الوضوء والاغتسال من ماء البحر، وبين أنه الطهور ماؤه الحل ميتته، كما بين الشارع حكم الوضوء بفضل الغير من الماء ووضوء الرجال مع النساء في إناء واحد، كما نهى عن إتيان الصلاة لمن كان يدافعه الأخبثان.

стр. 87

ما جاء في الوضوء بفضل المرأة

стр. 88

شرح حديث عائشة: (كنت أغتسل أنا ورسول الله من إناء واحد ونحن جنبان) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الوضوء بفضل المرأة. حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن سفيان حدثني منصور عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت: (كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد ونحن جنبان)]. وهذا رواه النسائي ومسلم، وفيه دليل على أنه لا بأس بالوضوء من فضل المرأة. وفيه: جواز اغتسال الرجل وزوجته جميعاً من إناء واحد، ويشمل ما إذا توضأت أو اغتسلت وبقي في الإناء شيء ثم توضأ بعدها، وهو دليل على أنه لا بأس بفضل وضوء المرأة. وأما الحديث الآخر الذي سيأتي أن النبي ﷺ نهى عن فضل وضوء المرأة فهو محمول على التنزيه على الصحيح.

стр. 89

شرح حديث أم صبية: (اختلفت يدي ويد رسول الله في الوضوء من إناء واحد) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي حدثنا وكيع عن أسامة بن زيد عن ابن خربوذ عن أم صبية الجهنية قالت: (اختلفت يدي ويد رسول الله ﷺ في الوضوء من إناء واحد)]. أخرجه ابن ماجة. والذي قبله قال: أخرجه البخاري والنسائي وأحمد ومسلم. وأم صبية الجهنية لم يبين المؤلف ﵀ هل بينها وبين النبي ﷺ محرمية؟ والحديث محمول على أنه كان بينها وبين النبي ﷺ محرمية من جهة الرضاعة ومن جهة الصهر، أو أن هذا كان قبل الحجاب؛ لأنه لا يمكن أن تتوضأ وهي كاشفة أمام النبي ﷺ إلا إذا كان بينهما محرمية؛ لأن هذا يقتضي أن تبدي وجهها ويديها ورجليها. فإما أن يكون قبل الحجاب، أو أن النبي ﷺ بينه وبينها محرمية من جهة الرضاع أو الصهر. هنا قال: وفيها -يعني: النسخة الهندية التي بين أيدينا- ورد هذا الحديث عن عائشة ﵂ بدلاً من الاقتصار على أم صبية في هذا الكتاب، قال: حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي حدثنا وكيع بن الجراح عن أسامة بن زيد عن ابن خربوذ، عن أم صبية الجهنية عن عائشة ﵂ قالت وسندت الرواية إلى رسول الله ﷺ بالوضوء من إناء واحد.

стр. 90

شرح حديث: (كان الرجال والنساء يتوضئون في زمان رسول الله من الإناء الواحد جميعاً) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك ح وحدثنا مسدد قال: حدثنا حماد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر ﵄ قال: (كان الرجال والنساء يتوضئون في زمان رسول الله ﷺ -قال مسدد - من الإناء الواحد جميعاً)]. وهذا كان قبل الحجاب، أما بعد الحجاب فكان يختص بالمحارم والزوجات. والمراد بالوضوء: غسل الأطراف، واستعمال الماء في الأعضاء الأربعة: الوجه، واليدين، والرأس، والرجلين، هذا الوضوء، أما الاستنجاء فمعروف أن كل واحد يستنجي على حدة. وقوله: (يغترفون من الإناء جميعاً) فيه دليل على أنه لا بأس بالوضوء من فضل المرأة؛ لأنه بعد اغترافها يكون فضلاً.

стр. 91

شرح حديث ابن عمر: (كنا نتوضأ نحن والنساء على عهد رسول الله) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا مسدد قال: حدثنا يحيى عن عبيد الله: حدثني نافع عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: (كنا نتوضأ نحن والنساء على عهد رسول الله ﷺ من إناء واحد ندلي فيه أيدينا)]. قوله: (ندلي فيه أيدينا) يعني: إذا أدلت المرأة يدها ثم أدلى يده بعدها صار فضلاً، ففضل المرأة يشمل ما إذا كان يغترف من الإناء وتغترف هي وما إذا توضأت ثم توضأ بعدها مما بقي في الإناء. والحديث السابق أخرجه البخاري والنسائي وابن ماجة وابن خزيمة وأحمد، وهذا الحديث أخرجه أحمد وابن خزيمة.

стр. 92

النهي عن اغتسال الرجل بفضل المرأة والمرأة بفضل الرجل

стр. 93

شرح حديث: (نهى رسول الله أن تغتسل المرأة بفضل الرجل) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب النهي عن ذلك. حدثنا أحمد بن يونس حدثنا زهير عن داود بن عبد الله ح وحدثنا مسدد حدثنا أبو عوانة عن داود بن عبد الله عن حميد الحميري قال: لقيت رجلاً صحب النبي ﷺ أربع سنين كما صحبه أبو هريرة ﵁ قال: (نهى رسول الله ﷺ أن تغتسل المرأة بفضل الرجل أو يغتسل الرجل بفضل المرأة) زاد مسدد: (وليغترفاً جميعاً)]. أخرجه النسائي وأورده ابن حجر في الفتح، وقال: رجاله ثقات، ولم أقف لمن أعله على حجة قوية، ودعوى البيهقي: أنه في معنى المرسل مردودة؛ لأن إبهام الصحابي لا يضر، وقد صرح التابعي بأنه لقيه، ثم قال: وتحمل أحاديث النهي على ما تساقط من الأعضاء، والجواز على ما بقي من الماء، وبذلك جمع الخطابي، أو يحمل النهي على التنزيه جمعاً بين الأدلة. والحديث فيه النهي عن الوضوء بفضل المرأة، لكنه محمول على التنزيه؛ بدليل الأحاديث السابقة، ومنها: (أن النبي ﷺ كان يغتسل هو وبعض أزواجه من إناء واحد يغترفان جميعاً)؛ ولما سيأتي: (أن النبي ﷺ توضأ بفضل طهور ميمونة). فأحاديث النهي تحمل على التنزيه، والذي صرفها عن التحريم إلى التنزيه الأحاديث التي فيها: (أن النبي ﷺ توضأ بفضل طهور ميمونة)، وحديث: (أن النبي ﷺ كان يغتسل هو وبعض أزواجه يغترفان جميعاً) هذا هو الصواب. وذهب الجمهور إلى أن النهي منسوخ بأحاديث الجواز، لكن الصواب أنه لا يصار إلى النسخ إلا إذا تعذر الجمع، فإذا أمكن الجمع فإنه مقدم؛ لأن فيه عملاً بالأحاديث من الجانبين. أما إذا لم يمكن الجمع فإنه يصار إلى النسخ إذا عرف التاريخ، وهنا أمكن الجمع، فيحمل النهي على التنزيه، فإن وجد غير فضل طهور المرأة فإن الأولى والأفضل أن يتوضأ بغيره، وإن لم يجد غيره زالت الكراهية، والكراهة كراهة تنزيه، ولو توضأ بفضل طهور المرأة مع وجود غيره فلا حرج. والرسول ﷺ فعله، وفعله يقتضي صرف النهي من التحريم إلى التنزيه.

стр. 94

شرح حديث: (نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا ابن بشار حدثنا أبو داود -يعني: الطيالسي - حدثنا شعبة عن عاصم عن أبي حاجب عن الحكم بن عمرو -وهو الأقرع ﵁: (أن النبي ﷺ نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة)]. قال أخرجه النسائي والترمذي وابن ماجة وأحمد، وقال الكندي: قال في شرح السنة: لم يصحح محمد بن إسماعيل حديث الحكم بن عمرو، وإن ثبت فمنسوخ. قال الخطابي: وجه الجمع بين الحديثين -إن ثبت حديث الأقرع -: أن النهي إنما وقع عن التطهر بفضل ما تستعمله المرأة من الماء، وهو ما سال وفضل عن أعضائها عند التطهر به، دون الفضل الذي تسؤره في الإناء. لكن إن صح الحديث فهو محمول على التنزيه. قال الترمذي في كتاب العلل: سألت أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري عن هذا الحديث -يعني: حديث أبي حاجب عن الحكم بن عمرو - فقال: ليس بصحيح. قال: وحديث عبد الله بن سرجس في هذا الباب الصحيح أنه موقوف، ومن رفعه فهو خطأ. تم كلامه. وحديث عبد الله بن سرجس رواه أبو عبيد في كتاب الطهور فقال: حدثنا علي بن معبد عن عبيد الله بن عمرو عن معمر عن عاصم بن سليمان عن عبد الله بن سرجس ﵁ أنه قال: أترون هذا الشيخ؟ يعني: نفسه، فإنه قد رأى نبيكم ﷺ وأكل معه، قال عاصم: فسمعته يقول: لا بأس بأن يغتسل الرجل والمرأة من الجنابة من الإناء الواحد، فإن خلت به فلا تقربه، فهذا هو الذي رجحه البخاري. وحديث النهي عن الاغتسال بفضل وضوء الرجل والمرأة أخرجه ابن ماجة ولفظه عن عبد الله بن سرجس قال: (نهى رسول الله ﷺ أن يغتسل الرجل بفضل وضوء المرأة، والمرأة من فضل وضوء الرجل، ولكن يشرعان جميعاً). وقوله: (نهى أن يغتسل الرجل بفضل المرأة والمرأة بفضل الرجل)، كأنه رواه بالمعنى، وعلى كل حال كأن البخاري لم يصحح الحديث، لكن حديث عبد الله بن سرجس وكذا حديث ميمونة: (أن النبي توضأ بفضل ميمونة) يجعل النهي محمولاً على التنزيه، وتركه أولى إن وجد غيره. والحكم بن عمرو الغفاري ويقال له: الحكم بن الأقرع صحابي نزل البصرة ومات بمرو. وأبو حاجب هو سوادة بن عاصم العنزي بالنون والزاي أبو حاجب البصري صدوق، يقال: إن مسلماً أخرج له. وهذا الحديث -وعلى كل حال- سواء صح أو لم يصح فحديث عبد الله بن سرجس يكفي في حمل النهى على التنزيه.

стр. 95

الوضوء بماء البحر

стр. 96

شرح حديث: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الوضوء بماء البحر. حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن صفوان بن سليم عن سعيد بن سلمة من آل ابن الأزرق قال: إن المغيرة بن أبي بردة -وهو من بني عبد الدار- أخبره: أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: (سأل رجل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء فإن توضأنا به عطشنا أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال رسول الله ﷺ : هو الطهور ماؤه الحل ميتته)]. وهذا الحديث رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة، وسأل الترمذي البخاري ﵀ فقال: إنه صحيح، وهو دليل على طهورية ماء البحر وحل ميتته، ومياه البحار والأنهار الأصل فيها الطهارة، وكذلك مياه الأمطار والغدران والثلوج إذا ذابت كلها طاهرة، والبحر طهور ماؤه وحل ميتته. والنبي ﷺ زاد السائل عن سؤاله وفيه دليل على أن المفتي إذا سأله سائل ورأى أنه يحتاج إلى شيء ملابس لسؤاله فإنه يفتيه به ويزيده خيراً؛ فالسائل سأل النبي ﷺ عن الوضوء بماء البحر، فقال: (هو الطهور ماؤه)، ولما كان الإنسان الذي يركب البحر قد يحتاج إلى معرفة حكم أكل ميتته بين له النبي ﷺ ذلك فقال: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته)، هذا من الزيادة على السؤال؛ فإنه سأله عن طهورية ماء البحر أو حكم الوضوء بماء البحر فأفتاه بأن ماء البحر طهور، وزاده خيراً فأخبره أن ميتته حلال، وفي الحديث الآخر: (أحل لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان: فالجراد والسمك) وهو دليل على أن ما يموت في البحر هو حلال، قال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة:٩٦].

стр. 97

الوضوء بالنبيذ

стр. 98

شرح حديث ابن مسعود في الوضوء بالنبيذ قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الوضوء بالنبيذ. حدثنا هناد وسليمان بن داود العتكي قالا: حدثنا شريك عن أبي فزارة عن أبي زيد عن عبد الله بن مسعود ﵁: أن النبي ﷺ قال له ليلة الجن: (ما في إداوتك؟ قال: نبيذ. قال: تمرة طيبة وماء طهور)]. وفي رواية الترمذي: (فتوضأ منه)، وفي رواية أحمد: (فتوضأ منه وصلى به). والنبيذ يطلق على عصير العنب وغيره؛ كأن يجعل في الماء زبيباً فيكون نبيذاً، أو يجعل فيه تمراً فيكون نبيذاً، أو يجعل فيه شعيراً ونحو ذلك، وهذا الحديث فيه: أن النبي ﷺ قال لـ ابن مسعود: (تمرة طيبة وماء طهور)، وفي رواية الترمذي: (فتوضأ منه)، وفي رواية أحمد: (فتوضأ منه وصلى به). لكن هذا الحديث ضعيف فيه علل متعددة، منها: أن شريكاً سيئ الحفظ، ساء حفظه لما تولى القضاء. ومنها: الاختلاف في أبي فزارة؛ اختلف في اسمه. ومنها: جهالة أبي زيد. والعلة الرابعة: أن ابن مسعود لم يحضر ليلة الجن، فلا يحتج به بما دل عليه من الوضوء بالنبيذ؛ لأن النبيذ ليس ماءً مطلقاً، فلا يقال له: ماء، والله تعالى قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [النساء:٤٣] فهو ماء مقيد وليس ماءً مطلقاً، فماء النبيذ وماء الزعفران وماء المرق لا يقال له: ماء، ولو قال إنسان لإنسان: ائتني بماء ثم جاءه بزعفران أو جاءه بمرق أو جاءه بنبيذ لم يكن منفذاً لطلبه، وعلى ذلك فلا يصح الوضوء بالنبيذ؛ لأنه ليس ماءً مطلقاً لهذه العلل فالحديث غير صحيح، وإنما يتوضأ بالماء المطلق، أما الماء الذي يعصر من الأشجار فلا يسمى ماءً، بل هو ماء مقيد: عصير برتقال أو يجعل في الماء تمر فيسمى نبيذاً، أو أن يجعل فيه زبيب فيكون نبيذاً، أو يجعل فيه زعفران أو حبر فلا يسمى ماءً، فالمرق أو عصير البرتقال أو عصير التفاح لا يتوضأ به؛ لأن هذا ليس ماء مطلق، وإنما هو ماء مقيد. وهذا الحديث ليس بصحيح. قال في تخريجه: أخرجه الترمذي وابن ماجة وأحمد. وقال في الزوائد: مدار الحديث على أبي زيد وهو مجهول عند أهل الحديث، كما ذكره الترمذي وغيره، وضعف إسناده أحمد شاكر والألباني رحمهما الله تعالى. فالحديث ليس بصحيح لعدة علل: جهالة أبي زيد، وضعف شريك، وكذلك الاختلاف في أبي فزارة، وكذلك في كون ابن مسعود لم يحضر ليلة الجن، كما سيأتي في الرواية بعد هذه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال سليمان بن داود: عن أبي زيد أو زيد، كذا قال شريك، ولم يذكر هناد ليلة الجن. حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا وهيب عن داود عن عامر عن علقمة قال: قلت لـ عبد الله بن مسعود ﵁: من كان منكم مع رسول الله ﷺ ليلة الجن؟ فقال: ما كان معه منا أحد]. وهذا يدل على أن قوله في الحديث السابق: إن ابن مسعود كان مع النبي ﷺ ليلة الجن ليس بصحيح؛ لأنه ﵊ ما كان معه أحد، وإنما ابن مسعود وغيره لما سار الجن ذهب بهم النبي ﷺ وأراهم آثارهم وآثار نيرانهم.

стр. 99

شرح الآثار الواردة في تحريم الوضوء بالنبيذ قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن بشار حدثنا عبد الرحمن حدثنا بشر بن منصور عن ابن جريج عن عطاء قال: إنه كره الوضوء باللبن والنبيذ، وقال: إن التيمم أعجب إلي منه]. اللبن والنبيذ ليسا بماء، فلا يتوضأ بهما، فإذا لم يجد إلا لبناً أو نبيذاً تيمم؛ لأنه ليس ماءً مطلقاً، ولعل الكراهة كراهة تحريم فلا يجوز الوضوء بهما. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن بشار حدثنا عبد الرحمن حدثنا أبو خلدة قال: سألت أبا العالية عن رجل أصابته جنابة وليس عنده ماء وعنده نبيذ أيغتسل به؟ قال: لا]. يعني: لا يغتسل به؛ لأنه ليس ماءً. والكراهة هنا تحمل على كراهة التحريم وأنه ممنوع لا يتوضأ به.

стр. 100

صلاة الرجل وهو حاقن أو حاقل

стр. 101

شرح حديث: (إذا أراد أحدكم أن يذهب الخلاء وقامت الصلاة فليبدأ بالخلاء) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب أيصلي الرجل وهو حاقن؟ حدثنا أحمد بن يونس حدثنا زهير حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن الأرقم ﵁: أنه خرج حاجاً أو معتمراً ومعه الناس وهو يؤمهم، فلما كان ذات يوم أقام الصلاة صلاة الصبح، ثم قال: ليتقدم أحدكم وذهب الخلاء، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إذا أراد أحدكم أن يذهب الخلاء وقامت الصلاة فليبدأ بالخلاء). قال أبو داود: روى وهيب بن خالد وشعيب بن إسحاق وأبو ضمرة هذا الحديث عن هشام بن عروة عن أبيه عن رجل حدثه عن عبد الله بن أرقم، والأكثر الذين رووه عن هشام قالوا كما قال زهير]. يعني: أن هذا الحديث بعضهم زاد فيه رجلاً، وبعضهم رواه عن عبد الله بن الأرقم، فيحتمل أنه روي عنه بواسطة وبدون واسطة. قال في تخريجه: قال المنذري: أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجة. والحديث فيه دليل على تقديم الخلاء على الصلاة، والخلاء: أصله الفضاء والصحراء، والمراد: قضاء الحاجة، فإذا كان الإنسان يريد أن يقضي حاجته من بول أو غائط بأن كان حاقناً أو حاقلاً فيقدم ذلك على الصلاة، والحاقن هو: الذي يدافع البول، والحاقل هو: الذي يدافع الغائط، فإذا حضرت الصلاة وهو يدافعه الأخبثان فإن عليه أن يقدم قضاء الحاجة على الصلاة؛ زاد في حديث مسلم: (لا صلاة بحضرة الطعام ولا وهو يدافعه الأخبثان). والمؤلف ﵀ ما جزم بالحكم، وإنما قال: باب: أيصلي الرجل وهو حاقن؟ والمسألة فيها اختلاف بين أهل العلم: هل تصح صلاة من صلى وهو حاقن أو لا تصح؟ فالجمهور على أنها تصح مع الكراهة. وذهب الظاهرية إلى أنها لا تصح، وقالوا: إن النهي والنفي بقول: لا صلاة، ولا يصل الرجل، هو للتحريم، والجمهور يرون أن النهي للتنزيه. وقال بعضهم: إذا ضاق الوقت فله أن يصلي على حاله، وقال آخرون: لا يصلي حتى ولو ضاق الوقت، بل عليه أن يقضي حاجته، وكذلك إذا كان بحضرة الطعام ونفسه تتوق إليه فيأكل ثم يصلي ويتطهر ولو بعد خروج الوقت. وذهب الظاهرية إلى أنها لا تصح صلاة الحاقن والحاقل، وقالوا: إنه لا صلاة بحضرة الطعام، وهذا نفي لوجود الصحة، فقوله: (لا صلاة) نفي للصحة، يعني: لا تصح الصلاة ولا وجود للصلاة الشرعية. والجمهور على أن النفي نفي للكمال. وأما المريض الذي يحتاج إلى قضاء الحاجة باستمرار فإذا كان يتشوش فالحكم واحد ينتظر؛ لأن الحكمة من النهي هي أن يتفرغ للصلاة، ولا تجوز صلاته وقلبه مشوش، لكن إذا كانت المدافعة يسيرة فأرجو ألا يكون عليه حرج في المدافعة، أما إذا كانت المدافعة شديدة فلا ينبغي، بل ينبغي أن يستفرغ ثم يصلي.

стр. 102

شرح حديث: (لا يصلى بحضرة الطعام ولا وهو يدافعه الأخبثان) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل وحدثنا مسدد ومحمد بن عيسى المعنى قالوا: حدثنا يحيى بن سعيد عن أبي حزرة حدثنا عبد الله بن محمد -قال ابن عيسى في حديثه: ابن أبي بكر ثم اتفقوا- أخو القاسم بن محمد قال: كنا عند عائشة ﵂ فجيء بطعامها فقام القاسم يصلي، فقالت ﵂: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا يصلى بحضرة الطعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان)]. وفي رواية مسلم: (لا صلاة بحضرة الطعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان). وقوله: (لا يصلى بحضرة الطعام) لا يصلى أو لا يصلي، محتمل، يعني: لا يصلي الرجل، أو لا يصلى، فرواية: (لا يصلى) نفي، مثل رواية: (لا صلاة بحضرة الطعام)، وإن كانت: (لا يصلي) -يعني: الرجل- فتكون للنهي، ويكون النهي للتحريم عند الظاهرية، فعندهم أن النفي نفي لوجود الصلاة، فقوله: (لا صلاة) أي: لا صلاة شرعية، ولا وجود للصلاة، ولا تصح الصلاة عند حضرة الطعام. والجمهور على أن النهي للتنزيه، والنفي نفي الكمال، يعني: لا صلاة كاملة بحضرة الطعام. وعلى كل حال لا شك أن الأولى هو أن يستفرغ الإنسان. أما صلاة من يدافعه الأخبثان أو من كان بحضرة الطعام فهي إما باطلة وإما مكروهة، لكن إذا كانت مدافعة يسيرة ليست شديدة فأرجو ألا يكون حرج، وأما إذا كانت المدافعة شديدة فلا ينبغي، وهذا عذر في ترك الجماعة، ولو فاتته الجماعة، فمن كان بحضرة طعام ونفسه تتوق إليه فيقدم الطعام فهو أحق، وهذا عذر، وقد كان ابن عمر يتعشى وهو يسمع قراءة الإمام، وهذا من فقهه ﵁. وكذلك إذا كان يدافعه الأخبثان هذا عذر في ترك الجماعة، فيستفرغ لو فرط في الجماعة؛ لأنه إذا صلى في هذه الحالة يكون قلبه مشوشاً، فإذا استفرغ أقبل على صلاته، فهذا من الأعذار في ترك الجماعة، فمن كان يدافعه الأخبثان ومن كان بحضرة طعام يشتهيه ونفسه تتوق إليه هذا معذور في ترك الجماعة. أما إذا كان لا تتوق نفسه إليه فالأمر في هذا واسع، وإذا قدم الطعام فإنه يأخذ نهمته ولو بعد الأذان، لكن لا ينبغي للإنسان أن يعتاد تقديم الطعام بعد الأذان، فإذا سمع النداء قال: هاتوا الطعام، فإن هذا معناه التعمد لترك الجماعة، لكن إذا قدم بدون طلب وكان بحاجة، فيأخذ نهمته. فإذا كان الإنسان جائعاً ونفسه تتوق وحضر الطعام فإنه في هذه الحالة يقدم الطعام ولو فاتته الجماعة، ويكون هذا عذراً له، كما أن من أكل كراثاً أو ثوماً أو بصلاً فهذا عذر له في ترك الجماعة، وليس له أن يأتي المسجد، ولا أن يصلي مع الناس وله رائحة كريهة، ويكون هذا عذر في ترك الجماعة، لكن إذا تعمد أكل الكراث والثوم والبصل لترك الجماعة صار آثماً، لكن لو أكل بدون تعمد أو أكل محتاجاً لعلاج فهذا عذر، وكذلك الطعام إذا كان نفسه تتوق إليه عذر، وكذلك إذا كان يدافعه الأخبثان. أما إذا كانت المدافعة ليست شديدة فأرجو ألا يكون حرج، وبكل حال فالصلاة إما مكروهة وإما باطلة، إما مكروهة مع الصحة وهو قول الجمهور، وإما باطلة كما يراه الظاهرية، والقول: ببطلانها قول قوي. وأما الجمعة فوقتها واسع، يستطيع الإنسان أن يتهيأ لها قبل ذلك، فيحاول بقدر الإمكان أن يتقدم. لكن لو اضطر إلى هذا بأن دافعه الأخبثان أو أصابه إسهال فهذا عذر له ولو فاتته الجمعة أو الجماعة، فإذا أحس في بطنه شيئاً يخرج وهذا عذر له.

стр. 103

شرح حديث: (ثلاث لا يحل لأحد أن يفعلهن) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن عيسى قال: حدثنا ابن عياش عن حبيب بن صالح عن يزيد بن شريح الحضرمي عن أبي حي المؤذن عن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ثلاث لا يحل لأحد أن يفعلهن: لا يؤم رجل قوماً فيخص نفسه بالدعاء دونهم، فإن فعل فقد خانهم، ولا ينظر في قعر بيت قبل أن يستأذن فإن فعل فقد دخل، ولا يصلي وهو حقن حتى يتخفف)]. قال المنذري: أخرجه الترمذي وابن ماجة. وقال الألباني: أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن، قلت: في إسناده اضطراب وجهالة، وقال ابن خزيمة في الطرف الأول منه: إنه موضوع، وأما بقية الحديث فله شواهد. يعني: في سنده اضطراب، وأما قوله: (لا يصل وهو حاقن) فهذا له شواهد كما سبق. وقوله في النهي عن النظر في بيت بغير إذنهم: (لا ينظر في قعر بيت قبل أن يستأذن) يعني: ليس له أن ينظر في بيت إلا بإذنهم، وهذا جاء النهي عنه في حديث آخر، وهو قوله ﷺ : (لو اطلع أحد على بيتك فخذفته بحصاة ففقأت عينه ما كان عليك من جناح)، وهذا حديث ثابت. وقوله: (فقد دخل) يعني: من اطلع من غير إذن فقد دخل، يعني: حكمه حكم من دخل البيت. وقوله: (من أم قوماً بغير إذنهم ثم خص نفسه بالدعاء فقد خانهم) يعني: في الدعاء الذي يؤمَّن عليه، كدعاء القنوت وغيره، أما الدعاء الخاص كالدعاء بين السجدتين في التشهد فهذا يخص نفسه به كما هو معروف، لكن فيما يؤمن عليه الناس مما يجهر فيه الإمام ويؤمن عليه الناس فلا يخص نفسه به، وعلى كل حال النهي عن نظر الإنسان في بيت غيره هذا جاءت له شواهد في غيره من الأحاديث إلا قوله: (فقد دخل). وكذلك أيضاً النهي عن الصلاة وهو حاقن. وقوله: (ثلاث) مبتدأ نكرة، والنكرة لا يجوز الابتداء بها إلا إذا أفادت، ولهذا يقول ابن مالك: ولا يجوز الابتداء بالنكره ما لم تفد كعند زيد نمره

стр. 104

شرح حديث (لا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يصلي وهو حقن) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمود بن خالد السلمي حدثنا أحمد بن علي حدثنا ثور عن يزيد بن شريح الحضرمي عن أبي حي المؤذن عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (لا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يصلي وهو حقن حتى يتخفف) ثم ساق نحوه على هذا اللفظ قال: (ولا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يؤم قوماً إلا بإذنهم، ولا يختص نفسه بدعوة دونهم، فإن فعل فقد خانهم)]. قوله: (وهو حقن) يعني: وهو حاقن، والحاقن هو الذي يدافعه البول، فليس له أن يصلي وهو حقن كما سبق الخلاف. وقوله: (ولا يؤم قوماً وهم له كارهون) يعني: إذا كانوا يكرهونه بحق، أما إذا كانوا يكرهونه بغير حق فكراهتهم له بغير حق لا تؤثر، فإن كانوا فساقاً أو عصاة ويكرهونه لاستقامته فكراهتهم ليست بحق، وأما إذا كانوا يكرهونه بحق فهذا هو الذي لا ينبغي. وكذلك إذا خص نفسه بالدعاء، هذا إن ثبت هذا الحديث؛ فإنه كما سبق فيه اضطراب. يعني: إذا كان يخص نفسه بدعوة لنفسه دون المأمومين وهم يؤمنون، وأما النهي عن الصلاة وهو حقن، والنهي عن الاطلاع على بيت قوم دون إذنهم فهذا له شواهد. [قال أبو داود: هذا من سنن أهل الشام لم يشركهم فيها أحد]. لم يشركهم يعني: الرواة الشاميون.

стр. 105

شرح سنن أبي داود_ كتاب الطهارة [٧] بين النبي ﷺ هديين من فعله وقوله يتعلق بهما وضوء المؤمن: الهدي الأول: الاقتصاد في الوضوء، وعدم التبذير بالماء. الهدي الثاني: غسل الكفين ثلاثاً عند الشروع في الوضوء، وهذا أمر إرشادي يتعلق بالنظافة والطهارة قد تتبين لنا حكمته وقد لا تتبين، فعلى المسلم السمع والطاعة.

стр. 106

ما يجزئ من الماء في الوضوء قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب ما يجزئ من الماء في الوضوء. حدثنا محمد بن كثير حدثنا همام عن قتادة عن صفية بنت شيبة عن عائشة ﵂: (أن النبي ﷺ كان يغتسل بالصاع ويتوضأ بالمد). قال أبو داود: رواه أبان عن قتادة قال: سمعت صفية]. هذا ثابت في الصحيحين من حديث أنس بلفظ: (كان يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد)، وهذا فيه مشروعية الاقتصاد في الماء. والمد: ملء كفي الرجل المتوسط اليدين خلقة إذا مد يديه؛ ولهذا تسمى مد، يملؤه ثم يمد يديه، والصاع أربعة أمداد، فالمد حفنة، والصاع أربع حفنات، كل حفنة ملء كفي الرجل المتوسط. والصاع أربعمائة وثمانون مثقالاً، والمثقال اثنتان وسبعون حبة شعير، هكذا قدرت، فالضابط: أن الصاع أربع حفنات، كل حفنة ملء كفي الرجل المتوسط، (كان النبي ﷺ يتوضأ بالمد، ويغتسل بالصاع، إلى خمسة أمداد). وجاء: أنه ﵊ توضأ بثلث المد كما سيأتي، واغتسل هو وبعض أزواجه في إناء يسع ثلاثة آصع. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل حدثنا هشيم قال: أخبرنا يزيد بن أبي زياد عن سالم بن أبي الجعد عن جابر ﵁ قال: (كان النبي ﷺ يغتسل بالصاع، ويتوضأ بالمد)]. وهذا الحديث ضعيف؛ لأن يزيد بن أبي زياد هذا ضعيف، لكن الحديث ثابت رواه الشيخان وغيرهما بلفظ: (كان يتوضأ بالمد، ويغتسل بالصاع، إلى خمسة أمداد). قال في التقريب: يزيد بن أبي زياد ضعيف، كبر فتغير، وصار يتلقن، وكان شيعياً. فهو ضعيف، لكن الحديث له شواهد في الصحيحين وغيرهما. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا ابن بشار حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن حبيب الأنصاري قال: سمعت عباد بن تميم عن جدته وهي أم عمارة ﵂: (أن النبي ﷺ توضأ، فأتي بإناء فيه ماء قدر ثلثي المد)]. وهذا أقل ما ثبت عن النبي ﷺ أنه توضأ به، ثلثي المد، والمد: ملء كفي الرجل المتوسط، وهذا فيه مشروعية الاقتصاد بالماء، وعدم الإسراف والإكثار، وأنه يتوضأ بالمد وبثلثي المد فإنه مع التبليغ يكفي. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن الصباح البزاز حدثنا شريك عن عبد الله بن عيسى عن عبد الله بن جبر عن أنس ﵁ قال: (كان النبي ﷺ يتوضأ بإناء يسع رطلين، ويغتسل بالصاع). قال أبو داود: ورواه شعبة قال: حدثني عبد الله بن عبد الله بن جبر سمعت أنساً إلا أنه قال: (يتوضأ بمكوك) ولم يذكر (رطلين)]. والمكوك: هو المد، فكان ﵊ يتوضأ بالمد إلى خمسة أمداد، يعني: يغتسل بخمسة مكاكيك. قال في ضبط المكوك: بفتح الميم وضم الكاف الأولى وتشديدها، جمعه مكاكيك ومكاكي، ولعل المراد بالمكوك هاهنا: المد، قاله النووي. وقال ابن الأثير: أراد بالمكوك: المد، وقيل: الصاع، والأول أشبه، وجمعه: المكاكي، بإبدال الياء من الكاف الأخيرة، والمكوك: اسم من المكيال، ويختلف مقداره باختلاف الاصطلاح في البلاد. انتهى. قلت: المراد بالمكوك هاهنا: المد لا غير؛ لأنه جاء في حديث آخر مفسراً بالمد. قال القرطبي: الصحيح: أن المراد به هاهنا المد؛ بدليل الرواية الأخرى. وقال الشيخ وليد بن عراقي في صحيح ابن حبان في آخر الحديث: قال أبو خيثمة: المكوك: المد. وزاد النسائي: (كان الرسول ﷺ يتوضأ بمكوك، ويغتسل إلى خمس أمداد)، وفي الحديث الذي رواه مسلم: (كان رسول الله ﷺ يغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد، ويتوضأ بمكوك). وهذا ثابت في الصحيحين: (كان يتوضأ بالمد، ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد)، والمكوك: هو المد. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال أبو داود: ورواه يحيى بن آدم عن شريك قال: عن ابن جبر بن عتيك قال: ورواه سفيان عن عبد الله بن عيسى قال: حدثني جبر بن عبد الله. قال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يقول: الصاع: خمسة أرطال. قال أبو داود: وهو صاع ابن أبي ذئب، وهو صاع النبي ﷺ .

стр. 107

الإسراف في الوضوء قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب: الإسراف في الوضوء. حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد حدثنا سعيد الجريري عن أبي نعامة: أن عبد الله بن مغفل ﵁ سمع ابنه يقول: اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها، فقال: أي بني! سل الله الجنة، وتعوذ به من النار؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الطهور والدعاء)]. والاعتداء في الدعاء: أن يكون السؤال فيه تعنت، وسؤال ما لا يليق به أن يسأله، والسؤال بإثم أو قطيعة رحم، أو كأن يسأل منازل الأنبياء، هذا من الاعتداء، قال : ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف:٥٥]، وهذا من الاعتداء، وكقوله: اللهم إني أسألك القصر الأبيض إذا دخلت الجنة، هذا أيضاً من الاعتداء؛ ولهذا أنكر عليه عبد الله بن مغفل ﵁، وقال: (سل الله الجنة، واستعذ به من النار)، وإذا دخلت الجنة حصلت على كل خير، فمن دخل الجنة فله الكرامة وله النعيم. فلا ينبغي للإنسان أن يعتدي فيقول: أسألك كذا وكذا، أو أسألك منازل الأنبياء، هذا اعتداء وعدوان، أو يدعو بإثم أو قطيعة رحم، هذا من العدوان. وكذلك الاعتداء في الطهور في الإسراف، ومجاوزة الثلاث في غسل الأعضاء، أو الإكثار من صب الماء. قال في تخريجه: صحيح أخرجه ابن ماجة وأحمد وابن حبان في صحيحه. وله شواهده من القرآن الكريم، كقوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف:٥٥]. فلا ينبغي للإنسان أن يعتدي، وإنما يسأل الله الجنة، ويستعيذ به من النار، ولا يتجاوز الحد، ولا يدع على غير من ظلمه، ولا يدع بإثم ولا بقطيعة رحم، ولا يسأل شيئاً لا يليق به أن يسأله.

стр. 108

إسباغ الوضوء قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب في إسباغ الوضوء. حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن سفيان حدثني منصور عن هلال بن يساف عن أبي يحيى عن عبد الله بن عمرو ﵄: (أن رسول الله ﷺ رأى قوماً وأعقابهم تلوح فقال: ويل للأعقاب من النار، أسبغوا الوضوء)]. وهذا فيه الوعيد على من لم يسبغ أعضاء الوضوء. وجاء في الرواية الأخرى: (أن الصحابة أرهقتهم الصلاة فتأخروا، فجعلوا يسرعون في الوضوء، فجاء إليهم النبي ﷺ ورأى أعقابهم تلوح، فنادى بأعلى صوته: ويل للأعقاب من النار) وفي لفظ: (ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار، أسبغوا الوضوء). وإسباغ الوضوء يعني: إكماله وإبلاغه، وإيصال الماء إلى الأعضاء من دون إسراف. وهذا الحديث رواه الشيخان بسند آخر. قال المنذري في هذا الحديث: وأخرجه مسلم والنسائي وابن ماجة، واتفق البخاري ومسلم على إخراجه عن يوسف بن ماهك عن عبد الله بن عمرو بنحوه. و (ويل) قيل: إنه وادٍ في جهنم، لكن هذا قول ضعيف، والصواب: أنه شدة العذاب والهلاك، وقيل: إنه وادٍ في جهنم بعيد قعره، خبيث طعمه، هذا جاء لكنه لا يثبت. ولا شك أنه لا يجوز المسح على النعلين إلا إذا كان على وضوء، وثبت عن علي ﵁: أنه مسح على نعليه وقال: هذا وضوء من لم يحدث. فإذا كان على وضوء ولم يحدث يجدد الوضوء ويمسح على النعلين. وهذا الوعيد الذي مر مثل: (ما أسفل من الكعبين ففي النار)، يعني: أنه يعاقب في هذا الموضع، لكن المعلوم أن الإنسان يتألم، كما في الحديث الآخر: (كمثل الجسد الواحد إذا تألم عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى). فإذا أصيب شيء من جسم الإنسان فإنه يتألم بقية الجسم.

стр. 109

الوضوء في آنية الصفر قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الوضوء في آنية الصفر. حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد أخبرني صاحب لي عن هشام بن عروة: أن عائشة ﵂ قالت: (كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ في تور من شبه)]. التور: آنية مثل الطست أو أقل من الطست، والشبه: الصفر، سمي (شبه) لأنه يشبه الذهب في البريق واللمعان، والحديث منقطع؛ لأن هشام بن عروة لم يسمع من عائشة، وكذلك فيه رجل مبهم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن العلاء أن إسحاق بن منصور حدثهم عن حماد بن سلمة عن رجل عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ بنحوه]. وهذا متصل؛ لأن هشام بن عروة رواه عن أبيه، لكن بقي فيه رجل مبهم، قيل: إن هذا الرجل المبهم هو شعبة، وعلى هذا فلا إشكال، والحديث متصل. وهذا يدل على أن جواز الوضوء في إناء النحاس، ومثله الإناء من الزجاج أو من حجر أو من معدن أو من حديد، إلا الذهب والفضة فإنه لا يجوز للمسلم أن يتوضأ بها رجلاً كان أو امرأة، أما المرأة فإنها تتحلى بالذهب والفضة، تتحلى في يديها وفي رجليها وفي أصابعها، وما عدا ذلك فالرجل والمرأة سواء، لا يجوز للرجل والمرأة أن يشربا من آنية الفضة، ولا أن يتوضأ أحدهما بهما، ولا أن يجعلا مكحلاً من ذهب أو فضة، أو نظارة من الذهب أو الفضة، والرجل لا يستعمل الذهب، والمرأة لا بأس أن تستعمل الذهب؛ لأن هذا من باب التحلي. والمقصود: أنه لا بأس بالوضوء من أي إناء سواء كان من النحاس، كما في هذا الحديث، فإنه ﵊ توضأ في إناء من شبه الصفر، وسمي شبه لأنه يشبه الذهب في اللون، فلا بأس أن يتوضأ الإنسان ويشرب من إناء صفر أو حديد أو معدن أو زجاج أو حجر أو خشب إلا الذهب والفضة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا الحسن بن علي حدثنا أبو الوليد وسهل بن حماد قالا: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن عبد الله بن زيد ﵁ قال: (جاءنا رسول الله ﷺ فأخرجنا له ماءً في تور من صفر فتوضأ)]. والصفر: النحاس، استدل بهذا على أنه لا بأس بالوضوء من إناء النحاس. قال في تخريجه: أخرجه البخاري وابن ماجة وأحمد.

стр. 110

التسمية على الوضوء [باب في التسمية على الوضوء. حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا محمد بن موسى عن يعقوب بن سلمة عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه)]. وهذا الحديث ضعيف؛ لأن يعقوب بن سلمة هذا فيه كلام، ولم يسمع من أبيه، وكذلك أبوه لم يسمع من أبي هريرة، وكذلك الأحاديث التي في التسمية في الوضوء كلها ضعيفة؛ ولهذا ذهب جمهور العلماء إلى أن التسمية مستحبة. وذهب الإمام أحمد ﵀ إلى وجوب التسمية عند الوضوء، ورأى أن أحاديث التسمية وإن كانت ضعيفة إلا أنها يشد بعضها بعضاً، ويقوي بعضها بعضاً، فتكون من باب الحسن لغيره، وذهب إلى هذا الحافظ ابن كثير ﵀ أيضاً في كتاب الإرشاد، وفي كتاب التفسير، وكذلك الحافظ ابن حجر وابن الصلاح قالوا: إن الأحاديث يقوي بعضها بعضاً، وقالوا: وإن كان كل فرد منها ضعيفاً إلا أنه يقوي بعضها بعضاً؛ ولهذا ذهب الإمام أحمد إلى أن التسمية واجبة مع الذكر، وإذا نسي فلا حرج، لكن مع التذكر يجب عليه أن يسمي. والجمهور على أن التسمية مستحبة؛ لأن الأحاديث فيها ضعيفة، وهذا الحديث ضعيف؛ لأن يعقوب هذا فيه كلام، ولم يسمع من أبيه، وكذلك أبوه لم يسمع من أبي هريرة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح حدثنا ابن وهب عن الدراوردي قال: وذكر ربيعة: أن تفسير حديث النبي ﷺ : (لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه): أنه الذي يتوضأ ويغتسل ولا ينوي وضوءاً للصلاة ولا غسلاً للجنابة]. وتأويل ربيعة هذا ضعيف مخالف لظاهر الحديث، فقوله: (لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه) فسره ربيعة بأن الذي لا ينوي الوضوء لا وضوء له، والذي لا ينوي الغسل لا غسل له، وهذا صحيح، لكن ليس هذا معنى الحديث، فتفسير التسمية بالنية من ربيعة هذا تفسير ضعيف مخالف لظاهر الحديث، فالحديث فيه التسمية؛ فإنه قال: (لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله) أي: لا وضوء لمن لم يسم. أما تأويله التسمية بأنها من النية، وأن المعنى: لا وضوء لمن لم ينو الوضوء، ولا غسل لمن لم ينو الغسل، فليس بظاهر، وكونه إذا اغتسل ونوى التبرد ولم ينو الوضوء لا غسل له، وإذا غسل أعضاءه ولو كان مرتين وهو لم ينو الوضوء لا وضوء له، نعم هذا صحيح، ودليله قول النبي ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)، لكن تفسير التسمية بالنية في هذا الحديث ليس بظاهر. وربيعة المذكور هنا هو ربيعة بن أبي عبد الرحمن، المشهور بربيعة الرأي. قال في تخريجه: هو ربيعة بن أبي عبد الرحمن فروخ المعروف بـ ربيعة الرأي، وثقه العجلي وأبو حاتم والنسائي، وقال يعقوب بن شيبة: ثقة ثبت، أحد مفتي المدينة. وقال مصعب بن الزبير: أدرك بعض الصحابة والأكابر من التابعين، وكان صاحب الفتوى في المدينة، وكان يجلس إليه وجوه الناس في المدينة، وكان يحصى في مجلسه أربعون معتماً، قال مطرف: سمعت مالكاً يقول: ذهبت حلاوة الفقه منذ مات ربيعة. وقال عبد العزيز بن أبي سلمة: يا أهل العراق! تقولون: ربيعة الرأي! والله! ما رأيت أحداً أحفظ للسنة منه. مات سنة مائة وست وثلاثين في المدينة أو في الأنبار. وهو الشيخ الإمام ابن مالك ﵀، لكن تأويله هذا ليس بوجيه.
следующие страницы →