Полный текст (438 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
شرح حديث المغيرة في مسح رسول الله على ظهر الخفين
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: كيف المسح.
حدثنا محمد بن الصباح البزاز حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد قال: ذكره أبي عن عروة بن الزبير عن المغيرة بن شعبة ﵁: (أن رسول الله ﷺ كان يمسح على الخفين)، وقال غير محمد: مسح على ظهر الخفين].
هذا هو المعروف في الأحاديث، وهو أن يكون المسح على ظهر الخفين.
قال الألباني عن هذا الحديث: حسن صحيح.
стр. 177
شرح حديث علي (لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن العلاء حدثنا حفص -يعني ابن غياث - عن الأعمش عن أبي إسحاق عن عبد خير عن علي ﵁ قال: (لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت رسول الله ﷺ يمسح على ظاهر خفيه)].
الحديث لا بأس بسنده، وفيه أن علياً ﵁ قال: (لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه)؛ لأن أسفل الخف هو الذي يباشر المشي على الأرض، لكن عند التأمل يجد الإنسان أن ما فعله النبي ﷺ موافق للعقل؛ لأن العقل الصحيح يوافق النقل الصريح؛ لأنه إذا مسح أسفل الخف اتسخت يده واحتاج إلى غسلها.
стр. 178
إسناد آخر لحديث علي: (لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن رافع حدثنا يحيى بن آدم قال: حدثنا يزيد بن عبد العزيز عن الأعمش بإسناده بهذا الحديث، قال: (ما كنت أرى باطن القدمين إلا أحق بالغسل حتى رأيت رسول الله ﷺ يمسح على ظهر خفيه)].
هذا فيه دليل على أن النبي ﷺ إنما كان يمسح على ظاهر خفيه، وهذه هي كيفية المسح الذي بوب له أبو داود بقوله: [باب كيفية المسح]، وهي أن يمسح على الخف من الأصابع إلى أول الساق.
стр. 179
إسناد آخر لحديث علي: (لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن العلاء حدثنا حفص بن غياث عن الأعمش بهذا الحديث، قال: (لو كان الدين بالرأي لكان باطن القدمين أحق بالمسح من ظاهرهما، وقد مسح النبي ﷺ على ظهر خفيه).
ورواه وكيع عن الأعمش بإسناده، قال: (كنت أرى أن باطن القدمين أحق بالمسح من ظاهرهما حتى رأيت رسول الله ﷺ يمسح ظاهرهما).
قال وكيع: يعني: الخفين.
ورواه عيسى بن يونس عن الأعمش كما رواه وكيع، ورواه أبو السوداء عن ابن عبد خير عن أبيه قال: (رأيت علياً توضأ فغسل ظاهر قدميه، وقال: لولا أني رأيت رسول الله ﷺ يفعله) وساق الحديث].
عبد خير المذكور مخضرم، وهو تابعي.
стр. 180
شرح حديث المغيرة (وضأت النبي في غزوة تبوك فمسح أعلى الخفين وأسفلهما)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا موسى بن مروان ومحمود بن خالد الدمشقي -المعنى- قالا: حدثنا الوليد، قال محمود: أخبرنا ثور بن يزيد عن رجاء بن حيوة عن كاتب المغيرة بن شعبة عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: (وضأت النبي ﷺ في غزوة تبوك فمسح أعلى الخفين وأسفلهما).
قال أبو داود: وبلغني أنه لم يسمع ثور هذا الحديث من رجاء بن حيوة].
هذا الحديث ضعيف؛ لأن فيه عدة علل: الأولى: تدليس الوليد بن مسلم.
الثانية: أن ثور بن يزيد لم يسمع من رجاء.
الثالثة: أن الحديث مرسل.
الرابعة: أن كاتب المغيرة مجهول.
فلا عبرة بما دل عليه هذا الحديث من مسح أسفل الخف وأعلاه؛ لمخالفته الأحاديث الصحيحة.
стр. 181
شرح سنن أبي داود_ كتاب الطهارة [١١]
من الأحكام والمسائل المتعلقة بالوضوء: حكم نضح الفرج بعد الوضوء، وفضل الدعاء بعد الوضوء، وأن الأصل في وضوئه ﷺ أنه كان يتوضأ لكل صلاة، وأحياناً يصلي الصلوات بوضوء واحد، وحكم الشك في خروج شيء حال الصلاة.
стр. 182
حكم الانتضاح
стр. 183
شرح حديث: (كان رسول الله ﷺ إذا بال يتوضأ وينتضح)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: في الانتضاح.
حدثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان -هو الثوري - عن منصور عن مجاهد عن سفيان بن الحكم الثقفي -أو الحكم بن سفيان الثقفي - قال: (كان رسول الله ﷺ إذا بال يتوضأ وينتضح).
قال أبو داود: وافق سفيان جماعة على هذا الإسناد، وقال بعضهم: الحكم أو ابن الحكم].
هذه الترجمة معقودة لبيان الانتضاح، والمراد بالانتضاح الاستنجاء، وقيل: المراد به رش ما حول الفرج من الثياب لقطع الوساوس التي ترد على الإنسان؛ حتى لا يشك، فإذا أحس ببلل يعتبره من هذا الماء الذي نضح به فرجه، وهذا الحديث فيه مقال عند أهل العلم، فمن العلماء من صححه، ومنهم من لم يصححه وقال: إن فيه اضطراباً في تسمية الحكم بن سفيان أو سفيان بن الحكم، فلا يشرع الانتضاح؛ لأن في صحة الحديث نظراً.
ومن صححه احتج به على أنه يشرع لمن كان عنده بعض الخواطر أو الوساوس إذا استنجى أن يرش ما حول الفرج بالماء؛ حتى يقطع الوساوس، وأما من لم يكن عنده وساوس فلا حاجة إلى ذلك.
والحديث أخرجه النسائي وابن ماجة وأحمد.
стр. 184
شرح حديث نضح رسول الله فرجه بعد بوله
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا إسحق بن إسماعيل حدثنا سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن رجل من ثقيف عن أبيه قال: (رأيت رسول الله ﷺ بال ثم نضح فرجه)].
هذا الحديث فيه رجل مبهم، فهو ضعيف، وفيه أنه ﷺ بال ثم نضح فرجه، أي: الثوب.
стр. 185
شرح حديث: (نضح رسول الله فرجه بعد بوله ووضوئه)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا نصر بن المهاجر حدثنا معاوية بن عمرو حدثنا زائدة عن منصور عن مجاهد عن الحكم -أو ابن الحكم - عن أبيه: (أن النبي الله ﷺ بال ثم توضأ ونضح فرجه)].
في صحة هذا الحديث نظر، والأقرب أنه لا يستحب النضح، وذلك لأن النبي ﷺ لم يكن عنده وساوس، إلا إن قيل: إن هذا من باب التشريع لمن حصل له شيء من ذلك، وعلى كل حال فالمبتلى بالوساوس الذي يخيل إليه أن في ثوبه بللاً إن نضحه بالماء فلا بأس بذلك، وهو من باب قطع الوساوس، وهذا بغض النظر عن صحة الحديث.
وهذا الحديث أخرجه النسائي في الطهارة، وابن ماجة في الطهارة، وأخرج ابن ماجة والترمذي عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (جاءني جبريل فقال يا محمد: إذا توضأت فانتضح).
وذكر الترمذي أن في الباب عن أبي الحكم بن سفيان وغيره، وقال: وقال بعضهم: سفيان بن الحكم أو الحكم بن سفيان، واضطربوا في هذا الحديث.
وقال بعضهم: إن الحديث حسن.
وذكر الشيخ شاكر في شرح الترمذي أن الصحيح هو الحكم بن سفيان، وأنه ليست له صحبة كما في الإصابة، فالحديث منقطع، والحديث عند الترمذي وابن ماجة من حديث الحسن بن علي الهاشمي عن عبد الرحمن الأعرج عن أبي هريرة ﵁، وحديث الهاشمي هذا ضعيف.
فكل الأحاديث الدالة على الانتضاح في صحتها نظر.
стр. 186
ما يقول الرجل إذا توضأ
стр. 187
شرح حديث عقبة بن عامر في فضل الدعاء عقب الوضوء
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: ما يقول الرجل إذا توضأ.
حدثنا أحمد بن سعيد الهمداني حدثنا ابن وهب سمعت معاوية -يعني ابن صالح - يحدث عن أبي عثمان عن جبير بن نفير عن عقبة بن عامر ﵁ قال: (كنا مع رسول الله ﷺ خدام أنفسنا نتناوب الرعاية رعاية إبلنا، فكانت علي رعاية الإبل، فروحتها بالعشي، فأدركت رسول الله ﷺ يخطب الناس، فسمعته يقول: ما منكم من أحد يتوضأ فيحسن الوضوء، ثم يقوم فيركع ركعتين يقبل عليهما بقلبه ووجهه إلا قد أوجب.
فقلت: بخ بخ، ما أجود هذه! فقال رجل من بين يدي: التي قبلها -يا عقبة - أجود منها، فنظرت فإذا هو عمر بن الخطاب ﵁، قلت: ما هي يا أبا حفص؟ قال: إنه قال آنفاً قبل أن تجيء: ما منكم من أحد يتوضأ فيحسن الوضوء، ثم يقول حين يفرغ من وضوئه: أشهد أن لا إله إلا الله لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء).
قال معاوية: وحدثني ربيعة بن يزيد عن أبي إدريس عن عقبة بن عامر].
وهذا الحديث صحيح، وهو في صحيح مسلم بزيادة: (أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له)، وفيه أن الصحابة كانوا يخدمون أنفسهم؛ لأنهم لم تفتح عليهم الدنيا.
وأما نحن فعندنا اليوم خدام، وقد وجدت الشرور مع الخدم والخادمات، ووجدت بلاءات ومصائب الآن، حتى سمعنا أن كثيراً من الناس يتذمرون، فهناك من يقول: إنه ولد له ولد يشبه الخادم أو يشبه قائد السيارة، وذلك بسبب الاختلاط بهؤلاء الخدم والخادمات، وهناك من يخلو بالخادمة، وقد اتصلت بي امرأة بالهاتف تقول: إنها تدرس في المساء وتترك الخادمة مع زوجها.
فالصحابة رضوان الله عليهم كانوا خدام أنفسهم، كما قال عقبة ﵁، وكانوا يتناوبون رعاية الإبل، وكان عقبة في يوم هو صاحب النوبة، فجاء فسمع النبي ﷺ يحدث بهذا الحديث: [(من توضأ فأحسن الوضوء، ثم صلى ركعتين يقبل فيهما بقلبه وجهه؛ إلا قد أوجب)] أي: أوجب الله له الجنة.
ففي الحديث أن من أسباب دخول الجنة أن يحسن المرء الوضوء، ثم يصلي ركعتين يقبل عليهما بوجهه وقلبه، بباطنه وظاهره، وفي اللفظ الآخر: (لا يحدث بهما نفسه بشيء) أي: أنه يتوضأ، ويصلي الركعتين من دون وساوس، مع كونه مقبل الوجه والقلب، فلا ترد الوساوس عليه، فهو خاشع في باطنه وظاهره.
فلما سمع ذلك عقبة ﵁ قال: (بخ بخ) أي: هذا شيء عظيم.
وأعجبه أن هذا شيء عظيم في عمل يسير.
فقال: (يخ بخ؛ ما أجود هذه!) فقال له رجل: (التي قبلها أجود منها)، فالتفت فإذا هو عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، فذكر له أن النبي ﷺ قال: (ما منكم من أحد يتوضأ فيحسن الوضوء -وفي لفظ: فيبلغ الوضوء- ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء).
وهذا الحديث رواه مسلم في صحيحه، وفيه فضل هذا الذكر بعد الوضوء، وأنه يشرع للمسلم هذا الذكر، وأنه من أسباب دخول الجنة، وهو شهادة لله تعالى بالوحدانية، ولنبيه ﷺ بالرسالة، وذلك بعد الوضوء.
وزاد الترمذي في سند لا بأس به: (اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين) وهذا ثابت، وزاد النسائي: (يقول: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك) لكن هذه الرواية ضعيفة في سندها مجهول، وهذا هو ذكر كفارة المجلس، وجاء -أيضاً- رفع البصر إلى السماء كما سيذكره المؤلف، وفي سنده مجهول ضعيف.
وعلى كل حال فإنه ليس هناك أذكار ثابتة عن رسول الله في الوضوء إلا التسمية عند البدء في الوضوء، والتشهد في آخره، وما يذكره بعضهم من أن النبي ﷺ كان إذا غسل وجهه قال: (اللهم بيض وجهي يوم تسود الوجوه، وإذا غسل يده قال: اللهم أعطني كتابي بيميني) كل هذا لا يثبت عن النبي ﷺ .
стр. 188
إسناد آخر لحديث عقبة بن عامر في فضل الدعاء عقب الوضوء
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا الحسين بن عيسى حدثنا عبد الله بن يزيد المقرئ عن حيوة بن شريح عن أبي عقيل عن ابن عمه عن عقبة بن عامر الجهني ﵁ عن النبي ﷺ نحوه، ولم يذكر أمر الرعاية، قال عند قوله: (فأحسن الوضوء ثم رفع بصره إلى السماء، فقال) وساق الحديث بمعنى حديث معاوية].
هذا الحديث ضعيف فيه مبهم، فلا يصح دليلاً على رفع البصر إلى السماء بعد الانتهاء من الوضوء.
стр. 189
الرجل يصلي الصلوات بوضوء واحد
стр. 190
شرح حديث: (كان النبي يتوضأ لكل صلاة، وكنا نصلي الصلوات بوضوء واحد)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: الرجل يصلي الصلوات بوضوء واحد.
حدثنا محمد بن عيسى حدثنا شريك عن عمرو بن عامر البجلي، قال محمد بن عيسى -هو أبو أسد بن عمرو - قال: (سألت أنس بن مالك ﵁ عن الوضوء، فقال: كان النبي ﷺ يتوضأ لكل صلاة، وكنا نصلي الصلوات بوضوء واحد)].
هذا الحديث متفق على صحته، وقد رواه الشيخان، وفيه جواز الصلوات المتعددة بوضوء واحد، وكان النبي ﷺ يتوضأ لكل صلاة طلباً للأفضل، وصلى الصلوات الخمس بوضوء واحد يوم الفتح ﵊.
فصلاة الرجل الصلوات الخمس بوضوء واحد لا حرج فيها، وعلى هذا عامة العلماء، وحكي عن بعض العلماء أنه يجب الوضوء لكل صلاة وإن لم يكن محدثاً، قال النووي: ولا أظن هذا يثبت عن حد، ولعل مقصودهم استحباب تجديد الوضوء، فقد ثبت أن النبي ﷺ صلى الصلوات بوضوء واحد، وكان النبي يتوضأ لكل صلاة، وذلك لفضيلة الوضوء، ومسألة تجديد الوضوء روي فيها حديث ضعيف عند أبي داود والبيهقي: (من توضأ على طهر كتب الله له عشر حسنات) ولكن إن طال الفصل بين الصلوات وتوضأ ليجدد النشاط فذلك حسن.
стр. 191
شرح حديث: (صلى رسول الله يوم الفتح خمس صلوات بوضوء واحد)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن سفيان حدثني علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه ﵁ قال: (صلى رسول الله ﷺ يوم الفتح خمس صلوات بوضوء واحد، ومسح على خفيه، فقال له عمر ﵁: إني رأيتك صنعت اليوم شيئاً لم تكن تصنعه! قال: عمداً صنعته)].
هذا الحديث رواه الإمام مسلم، وفيه أن النبي ﷺ جمع الصلوات بوضوء واحد، فلو جمع خمس صلوات أو ست صلوات بوضوء واحد فلا حرج.
стр. 192
تفريق الوضوء
стр. 193
شرح حديث أنس في أمر رسول الله رجلاً ترك في رجله لمعة بإحسان الوضوء
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: تفريق الوضوء.
حدثنا هارون بن معروف حدثنا ابن وهب عن جرير بن حازم أنه سمع قتادة بن دعامة حدثنا أنس ﵁: (أن رجلاً جاء إلى رسول ﷺ وقد توضأ وترك على قدمه مثل موضع الظفر، فقال له رسول الله ﷺ : ارجع فأحسن وضوءك).
قال أبو داود: هذا الحديث ليس بمعروف عن جرير بن حازم، ولم يروه إلا ابن وهب وحده، وقد روي عن معقل بن عبيد الله الجزري عن أبي الزبير عن جابر ﵁ عن عمر ﵁ عن النبي ﷺ نحوه، قال: (ارجع فأحسن وضوءك)].
حديث أنس هذا أخرجه ابن ماجة، وقال فيه أبو داود: تفرد به ابن وهب، واعتبر هذا التفرد ضعفاً، لكن حديث عمر الذي بعده رواه مسلم.
وقد اختلف العلماء في معنى قوله: (أحسن وضوءك) وذلك: أن هذا الرجل ترك لمعة لم يصبها الماء، فقال له النبي ﷺ : (ارجع فأحسن وضوءك)، فقال بعضهم: الحديث دليل على عدم وجوب الموالاة؛ لأن النبي ﷺ لم يقل: ارجع فأعد الوضوء.
بل قال: (ارجع فأحسن وضوءك)، ومراده: اغسل موضع اللمعة فقط.
فدل على أن الموالاة بين أعضاء الوضوء ليست واجبة، وإلى هذا ذهب أبو حنيفة وجماعة.
وقال آخرون: بل هو دليل على وجوب الموالاة؛ لأنه لم يقل: اذهب فاغسل الموضع الذي تركته، وإنما قال: [(ارجع فأحسن وضوءك)] فدل على أن المراد هو إعادة الوضوء، وهذا هو الأقرب، ويدل على ذلك الحديث الذي بعده، وهو صريح في الأمر بإعادة الوضوء.
والحديث دليل على وجوب الموالاة بين أعضاء الوضوء، فلا يفرق بين الأعضاء، كأن يتوضأ فيغسل وجهه ويديه ثم يتركهما حتى يجفا، ثم يكمل وضوءه، ولهذا أمر النبي ﷺ هذا الرجل بأن يحسن الوضوء، وفي الحديث الآخر أنه أمره أن يعيد الوضوء.
وللعلماء في وجوب الموالاة أقوال: فمنهم من قال: إن الموالاة تجب.
ومنهم من قال: لا تجب، ومنهم من قال: تجب إذا لم يجف العضو الذي قبله، والبخاري ﵀ بوب لذلك فقال: [باب التفريق في الوضوء والغسل] وذكر أثر ابن عمر أنه غسل يديه بعد أن جفت قدماه، وظاهره أنه لا يرى وجوب الموالاة، والصواب وجوب الموالاة بين أعضاء الوضوء.
стр. 194
شرح حديث أمر النبي تارك قدر اللمعة من قدمه بإعادة الوضوء والصلاة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد أخبرنا يونس وحميد عن الحسن عن النبي ﷺ بمعنى قتادة.
حدثنا حيوة بن شريح حدثنا بقية عن بجير -هو ابن سعد - عن خالد عن بعض أصحاب النبي ﷺ : (أن النبي ﷺ رأى رجلاً يصلي وفي ظهر قدمه لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء، فأمره النبي ﷺ أن يعيد الوضوء والصلاة)].
هذا الحديث فيه كلام لأهل العلم، قال المنذري: إن الحديث فيه مقال.
وهو أن بقية بن الوليد مدلس وقد عنعن، وكذلك أعله ابن حزم بالرواية عن مجهول، إذ فيه: عن بعض أصحاب النبي ﷺ ، وأجاب ابن القيم ﵀ عن العلتين فقال: أما العلة الأولى -وهي تدليس بقية بن الوليد - فقد صرح بالسماع كما عند أحمد، وفي رواية الحاكم في المستدرك، فزال ما يشكل من تدليسه، وأما جهالة الصحابي فإن الصحابة كلهم عدول، وهذا معروف عند جميع العلماء حتى ابن حزم.
وبهذا يصح الحديث، ويكون فيه دليل على وجوب الموالاة؛ لأن النبي ﷺ أمر هذا الرجل أن يعيد الوضوء والصلاة؛ لأنه ترك لمعة في قدمه وقد طال تركها، ولو كانت الموالاة غير واجبة لأمره بأن يغسل اللمعة في رجله دون أن يعيد الوضوء، فكونه أمر بإعادة الوضوء دليل على أن الموالاة واجبة بين أعضاء الوضوء، فإن جف العضو الأول قبل الثاني أعاد الوضوء، إلا إذا كانت الريح شديدة، وهذا القول هو الصواب.
стр. 195
الشك في الحدث
стр. 196
شرح حديث: (شكي إلى النبي الرجل يجد الشيء في الصلاة)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: إذا شك في الحدث.
حدثنا قتيبة بن سعيد ومحمد بن أحمد بن أبي بن خلف قالا: حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن سعيد بن المسيب وعباد بن تميم عن عمه ﵁ قال: (شكي إلى النبي ﷺ الرجل يجد الشيء في الصلاة حتى يخيل إليه، فقال: لا ينفتل حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً).
حدثنا موسى بن إسماعيل قال حدثنا حماد قال أخبرنا سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إذا كان أحدكم في الصلاة فوجد حركة في دبره أحدث أو لم يحدث فأشكل عليه فلا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً)].
هذا الباب عقده المؤلف ﵀ فيمن شك في الحدث ماذا يعمل، وذكر الحديث الأول -وقد رواه الشيخان- أنه شكي إلى النبي ﷺ أن الرجل يجد في بطنه شيئاً، وهذا كناية عن الحدث، فقال: [(لا ينفتل حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً)] أي: لا يخرج من الصلاة حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً، أي: حتى يسمع صوت الحدث، وهو الضراط، أو يجد ريحاً، وهو شم الفساء، والمراد أن يتيقن الحدث، ومثل الأول إذا وجد رطوبة في دبره.
وهذا الحديث حديث عظيم، وهو أصل من أصول الإسلام، وقاعدة من قواعد الفقه، وهذه القاعدة هي أن الأشياء يحكم ببقائها على أصلها حتى يتيقن خلاف ذلك، وأن الشك لا عبرة به، فمن شك في الحدث فإنه لا يخرج من صلاته بالشك؛ لأن الطهارة متيقنة والحدث مشكوك، فيبقى على الطهارة حتى يتيقن الحدث، ولهذا قال: [(حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً)] أي: حتى يعلم الحدث، وكذلك أيضاً إن تيقن الحدث وشك في الطهارة، فإنه يبقى على الأصل، فيكون محدثاً حتى يتيقن أنه توضأ، وبهذا القول تقطع الوساوس التي ترد على الإنسان، فكثير من الناس يخيل إليه أنه أحدث، ويخيل إليه أنه خرج من ذكره شيء وهو قد تيقن الطهارة، فلا يخرج بهذا الشك حتى يتيقن يقيناً أنه أحدث، وقد عبر عن ذلك النبي ﷺ بقوله: (حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً)، أي: أن يسمع صوت الحدث، أو يجد ريح الحدث.
стр. 197
الوضوء من القبلة
стр. 198
شرح حديث عائشة في أن النبي قبلها ولم يتوضأ
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: الوضوء من القبلة.
حدثنا محمد بن بشار حدثنا يحيى وعبد الرحمن قالا: حدثنا سفيان عن أبي روق عن إبراهيم التيمي عن عائشة ﵂: (أن النبي ﷺ قبلها ولم يتوضأ).
قال أبو داود: كذا رواه الفريابي وغيره.
قال أبو داود: وهو مرسل، إبراهيم التيمي لم يسمع من عائشة شيئاً.
قال أبو داود: مات إبراهيم التيمي ولم يبلغ أربعين، وكان يكنى أبا أسماء].
هذا الحديث في بيان حكم القبلة، والقبلة تكون بالفم، فإذا قبل الرجل زوجته فهل ينتقض وضوؤه؟ ومثله إذا مس الرجل المرأة باليد بدون حائل فهل ينتقض الوضوء أو لا ينتقض؟ هذه المسألة خلافية بين أهل العلم، وهذا الحديث فيه أن النبي ﷺ قبل عائشة ولم يتوضأ، لكن الحديث ضعيف؛ لأنه منقطع؛ لأن إبراهيم التيمي لم يسمع من عائشة، فيكون الحديث مرسلاً، والمرسل عند أهل العلم يطلق على ما سقط منه الصحابي، ويطلق على ما سقط من سنده واحد، فالمنقطع يسمى مرسلاً عند بعض أهل الحديث، وهذا الحديث وإن كان ضعيفاً إلا أن له شاهداً في الحديث الذي بعده، وأحاديث أخرى كثيرة تجبر هذا الضعف، وتدل على أن مس المرأة بدون حائل وتقبيلها لا ينقض الوضوء، وهذا هو الصواب من أقوال أهل العلم سواء أكان بشهوة أو بغير شهوة، إلا إذا خرج منه شيء كأن يخرج المذي من ذكره، فإن خرج فقد انتقض وضوؤه وبطل، وأما إذا لم يخرج المذي فلا ينتقض وضوؤه.
ومس المرأة فيه ثلاثة أقوال لأهل العلم: الأول: أن مس المرأة لا ينقض الوضوء مطلقاً.
الثاني: أنه ينقض مطلقاً، وهذا مذهب الشافعية وجماعة، سواء أكان بشهوة أم بغير شهوة.
الثالث: أن مس المرأة بشهوة ينقض الوضوء، ومسها بغير شهوة لا ينقض الوضوء، وهذا هو مذهب الحنابلة، ولهذا ذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ في نواقض الوضوء الثمانية مس المرأة بشهوة، واستدل بعضهم على هذا القول بقوله تعالى: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء:٤٣] فقالوا: إن المراد بالملامسة هنا الجماع، فالمس واللمس يراد بهما الجماع، وبذلك تكون الآية شاملة للحدثين الأصغر والأكبر، حيث يقول تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة:٦]، فقوله تعالى: ((أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ)) هذا هو الحدث الأصغر، وقوله تعالى: ((أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ)) هذا هو الحدث الأكبر.
والصواب أن مس المرأة لا ينقض الوضوء مطلقاً، والشافعية يشددون في هذا ويقولون: إن مس المرأة مطلقاً ينقض الوضوء، ولهذا يقول بعض المتأخرين: ليحرص الإنسان إذا توضأ وهو في المسجد الحرام ألا تمس يده يد امرأة؛ حتى لا ينتقض وضوؤه؛ لأن الوضوء شرط في صحة الطواف والصلاة.
وهذا متعذر في هذا الزمن لشدة الزحام في الأبواب وأثناء الطواف، وهذا فيه حرج على الناس.
стр. 199
شرح حديث عائشة في أن النبي قبل امرأة من نسائه ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا وكيع حدثنا الأعمش عن حبيب عن عروة عن عائشة ﵂: (أن النبي ﷺ قبل امرأة من نسائه ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ، قال عروة: فقلت لها: من هي إلا أنت؟ فضحكت).
قال أبو داود: هكذا رواه زائدة وعبد الحميد الحماني عن سليمان الأعمش].
هذا الحديث يشهد للحديث السابق، واختلف في عروة هذا هل هو عروة بن الزبير أو عروة المزني؟ وكذلك اختلف في سماع حبيب من عروة، فذهب الأئمة سعيد القطان ويحيى بن معين والثوري والبخاري إلى أنه لم يسمع من عائشة، فيكون الحديث منقطعاً، وذهب ابن عبد البر وأبو داود إلى أنه سمع منها.
وهذا الضعف ينجبر بالروايات الأخرى، فقد جاءت أحاديث كثيرة تدل على أن مس المرأة لا ينقض الوضوء، وهي تجبر هذا الضعف، فمرسل مع مرسل يشد بعضهما بعضاً.
стр. 200
شرح حديث عائشة: (أن النبي قبل امرأة من نسائه ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ) من طريق ثانية
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا إبراهيم بن مخلد الطالقاني، حدثنا عبد الرحمن بن مغراء حدثنا الأعمش حدثنا أصحاب لنا عن عروة المزني عن عائشة ﵂ بهذا الحديث].
هذا الحديث من رواية عبد الرحمن بن مغراء وهو ضعيف.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال يحيى بن سعيد القطان لرجل: احكِ عني أن هذين -يعني: حديث الأعمش هذا عن حبيب، وحديثه بهذا الإسناد في المستحاضة أنها تتوضأ لكل صلاة- قال يحيى: احكِ عني أنهما شبه لا شيء].
يعني: أن هذين الحديثين ضعيفان، وهما حديث الأعمش في: (أن النبي ﷺ قبل امرأة ولم يتوضأ)، وحديث المستحاضة الذي فيه: (الوضوء لكل صلاة).
وقصده بذلك أنه يضعف هذا الحديث.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وروي عن الثوري قال: ما حدثنا حبيب إلا عن عروة المزني -يعني: لم يحدثهم عن عروة بن الزبير بشيء].
أي: أن الثوري ويحيى بن سعيد القطان وجماعة كلهم يرون أن هذا الحديث ما روى عن عروة بن الزبير وإنما روى عن عروة المزني.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد روى حمزة الزيات عن حبيب عن عروة بن الزبير عن عائشة ﵂ حديثاً صحيحاً].
أي: أن أبا داود يختار أنه سمع من عروة بن الزبير، ويقول: قد روى حمزة الزيات عن حبيب عن عروة بن الزبير حديثاً صحيحاً، فـ أبو داود يثبت رواية حبيب عن عروة بن الزبير، وسفيان الثوري ويحيى بن سعيد ويحيى بن معين والبخاري يرون أنه ما سمع من عروة بن الزبير، وإنما سمع من عروة المزني.
وعلى كل حال فالأئمة كـ الثوري والبخاري وجماعة يرون أن حبيب بن أبي ثابت ما سمع من عروة بن الزبير فيكون السند منقطعاً، لكنه يجبر بالروايات المتعددة، وأبو داود وابن عبد البر يريان أنه سمع فيكون متصلاً.
стр. 201
شرح سنن أبي داود_ كتاب الطهارة [١٢]
من الأحكام الخاصة بالوضوء: حكم الوضوء من مس الذكر، والوضوء من أكل لحوم الإبل، وكذلك لحوم الغنم، وكذلك حكم الوضوء من أكل ما مسته النار.
стр. 202
حكم الوضوء من مس الذكر
стр. 203
شرح حديث: (من مس ذكره فليتوضأ)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب: الوضوء من مس الذكر.
حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن عبد الله بن أبي بكر أنه سمع عروة يقول: دخلت على مروان بن الحكم فذكرنا ما يكون منه الوضوء، فقال مروان: ومن مس الذكر، فقال عروة: ما علمت ذلك، فقال مروان: أخبرتني بسرة بنت صفوان ﵂ أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من مس ذكره فليتوضأ)].
حديث بسرة بنت صفوان هذا فيه الوضوء من مس الذكر، وهو حديث لا بأس بسنده، رواه أصحاب السنن: مالك والشافعي وأحمد والدارقطني وجماعة، قال البخاري: هو أصح شيء في هذا الباب.
والحديث فيه أن من مس ذكره فليتوضأ، يعني: إن مسه بدون حائل، كأن مسه بيده بباطن الكف أو ظاهره.
وهو أصح من حديث طلق بن علي الذي فيه: (أن النبي ﷺ سئل عن مس الذكر فقال: هو بضعة منك)، وقد ذكر العلامة ابن القيم ﵀ وغيره: أن حديث بسرة مقدم على حديث طلق؛ لأنه أصح من حديث طلق، ولأنه ناقل عن الأصل، وحديث طلق مبق على الأصل، والشريعة ناقلة، فحديث طلق إما أنه منسوخ بحديث بسرة، أو أن حديث بسرة أرجح وأصح، فهو مقدم عليه من جهة الصحة، ومن جهة التأخر أيضاً.
стр. 204
ما جاء في عدم الوضوء من مس الذكر
стр. 205
شرح حديث طلق بن علي في عدم الوضوء من مس الذكر
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب: الرخصة في ذلك.
حدثنا مسدد حدثنا ملازم بن عمرو الحنفي حدثنا عبد الله بن بدر عن قيس بن طلق عن أبيه ﵁ قال: (قدمنا على نبي الله ﷺ فجاء رجل كأنه بدوي فقال: يا نبي الله! ما ترى في مس الرجل ذكره بعدما يتوضأ؟ فقال ﷺ : هل هو إلا مضغة منه أو بضعة منه)].
يعني: إنه لا ينقض الوضوء، لكن الحديث هذا قاله النبي ﷺ عندما سئل قديماً في أول الهجرة، إذ أن طلقاً قدم على النبي ﷺ في أول هجرته وكان بمسجده في السنة الأولى، وأما حديث بسرة فهو متأخر؛ ولهذا قال جمع من أهل العلم: إنه منسوخ بحديث بسرة.
وقال آخرون: إن حديث بسرة أصح وأرجح فيقدم، ويؤيد هذا أن حديث بسرة ناقل عن الأصل، وحديث طلق مبق على الأصل، والناقل مقدم على المبقي؛ لأن الشريعة ناقلة وليست مبقية على الأصل، فيكون الأرجح، ويكون العمل على هذا هو الصواب، وهو الذي عليه الفتوى: أن مس الذكر ينقض الوضوء إذا كان بظاهر الكف أو باطنه بدون حائل، وأما إذا مسه برجله أو بمرفقه أو بذراعه فلا يؤثر.
فمن العلماء من عمل بحديث بسرة، ومنهم من عمل بحديث طلق وقال: إنه لا ينقض مطلقاً، ومنهم من فصل وقال: إذا مسه بشهوة انتقض وضوؤه، وإذا مسه بغير شهوة لم ينتقض، وذهب إلى هذا شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
فإن قيل: وهل تدخل المرأة في هذا؟ قلنا: الصواب أنه عام، فقد جاء في بعض الروايات: (من مس الذكر) مطلقاً، صغيراً أو كبيراً إذا كان بدون حائل وكان المس بالكف، والكف إلى الرسغ بالباطن أو الظاهر.
أما قول من قال بالتفصيل وأن حديث بسرة يحمل على الشهوة فلابد من دليل على هذا التفصيل.
واختار الشيخ محمد بن عثيمين ﵀ قول شيخ الإسلام ابن تيمية أنه بشهوة، والصواب القول الأول الذي عليه الجماهير وهو أنه ينقض مطلقاً بشهوة أو بغير شهوة إذا مس اللحم ببطن الكف أو ظاهره.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [رواه هشام بن حسان وسفيان الثوري وشعبة وابن عيينة وجرير الرازي عن محمد بن جابر عن قيس بن طلق.
حدثنا مسدد حدثنا محمد بن جابر عن قيس بن طلق عن أبيه ﵁ بإسناده ومعناه، وقال: (في الصلاة)].
قوله: (في الصلاة) أي: ما ترى رجلاً مس ذكره في الصلاة، والحاصل أن عبد الله بن بدر رواه عن قيس بلفظ: ما ترى في مس الرجل ذكره بعدما يتوضأ، ولم يذكر فيه لفظ (في الصلاة).
وروى مسدد وهشام بن حسان والثوري وشعبة وابن عيينة وجرير الرازي هؤلاء كلهم عن محمد بن جابر عن قيس بن طلق عن أبيه بلفظ (في الصلاة) أي: يمس الرجل حال كونه في الصلاة.
قال الخطابي: (إنهم تأولوا خبر طلق أيضاً على أنه أراد به المس ودونه الحائل، واستدلوا على ذلك برواية الثوري وشعبة وابن عيينة أنه سأله عن مسه في الصلاة، والمصلى لا يمس فرجه من غير حائل بينه وبينه قلت: ولا يخفى بعد هذا التأويل).
وقال الشيخ شمس الدين ابن القيم: (نقض الوضوء من مس الذكر فيه حديث بسرة، قال الدارقطني: قد صح سماع عروة من بسرة هذا الحديث، وبسرة هذه من الصحابيات الفضليات، قال مالك: أتدرون من بسرة بنت صفوان؟ هي جدة عبد الملك بن مروان، لأمه فاعرفوها.
وقال مصعب الزبيري: هي بنت صفوان بن نوفل من المبايعات، وو ورقة بن نوفل عمها، وقد ظلم من تكلم في بسرة وتعدى، وفي الموطأ في حديثها من رواية ابن بكير: (إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ وضوءه للصلاة)، وفيه حديث أبي هريرة يرفعه: (إذا أفضى أحدكم بيده إلى ذكره ليس بينه وبينه شيء فليتوضأ)).
يعني: أنه قد جاءت أحاديث كثيرة تؤيد حديث بسرة: وهو أنه إذا أفضى بيده من غيره حائل فليتوضأ.
ثم قال ابن القيم بعد ذلك: وفي الباب حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده يرفعه: (أيما رجل مس فرجه فليتوضأ، وأيما امرأة مست فرجها فلتتوضأ).
قال الحازمي: هذا إسناد صحيح؛ لأن الحافظ ابن راهويه رواه في مسنده: حدثنا بقية بن الوليد حدثنا الزبيدي حدثنا عمرو فذكره.
وبقية ثقة في نفسه، وإذا روى عن المعروفين فمحتج به، وقد احتج به مسلم ومن بعده من أصحاب الصحيح).
وقال: وأما حديث طلق فقد رجِّح حديث بسرة وغيره عليه من وجوه: أحدها: ضعفه -أي: ضعف حديث طلق-.
والثاني: أن طلقاً قد اختلف عنه، فروي عنه: (هل هو إلا بضعة منك؟) يعني: اختلاف الحديث هل: بضعة أو مضغة؟ يدل على اضطرابه.
الثالث: أن حديث طلق لو صح لكان حديث أبي هريرة ومن معه مقدماً عليه؛ لأن طلقاً قدم المدينة وهم يبنون المسجد فذكر الحديث وفيه قصة مس الذكر، وأبو هريرة أسلم عام خيبر بعد ذلك بست سنين، وإنما يؤخذ بالأحدث فالأحدث من أمره ﷺ .
الرابع أن حديث طلق مبق على الأصل، وحديث بسرة ناقل، والناقل مقدم؛ لأن أحكام الشارع ناقلة عما كانوا عليه.
الخامس: أن رواة النقل أكثر وأحاديثه أشهر، فإنه من رواية بسرة وأم حبيبة وأبي هريرة وأبي أيوب وزيد بن خالد ﵃.
السادس: أنه قد ثبت الفرق بين الذكر وسائر الجسد في النظر والحس، فثبت عن رسول الله ﷺ : (أنه نهى أن يمس الرجل ذكره بيمينه)).
стр. 206
الوضوء من لحوم الإبل
стр. 207
شرح حديث: (سئل رسول الله عن الوضوء من لحوم الإبل فقال: توضئوا منها)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب: الوضوء من لحوم الإبل.
حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن عبد الله بن عبد الله الرازي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب ﵁ قال: (سئل رسول الله ﷺ عن الوضوء من لحوم الإبل، فقال: توضأوا منها.
وسئل عن لحوم الغنم، فقال: لا توضئوا منها.
وسئل عن الصلاة في مبارك الإبل، فقال: لا تصلوا في مبارك الإبل؛ فإنها من الشياطين.
وسئل عن الصلاة في مرابض الغنم، فقال: صلوا فيها؛ فإنها بركة)].
هذا الحديث أخرجه الترمذي وابن ماجة وأحمد وابن خزيمة.
وهذا الباب معقود للوضوء من أكل لحوم الإبل، وفيه حديث البراء أن النبي ﷺ : (سئل عن الوضوء من لحم الإبل، فقال: توضئوا من لحوم الإبل.
وسئل عن الوضوء من لحوم الغنم؟ فقال: لا تتوضئوا من لحوم الغنم).
وفي حديث جابر بن سمرة ﵁: (توضئوا من لحوم الإبل ولا تتوضئوا من لحوم الغنم)، وهما حديثان صحيحان كما قال الإمام أحمد ﵀.
ولهذا ذهب الإمام أحمد ﵀ وجماعة من أهل الحديث إلى وجوب الوضوء من أكل لحوم الإبل، وقد ذهب إلى هذا ابن خزيمة ﵀، وابن المنذر وطائفة من أهل الحديث، وذهب الجمهور والأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأبي حنيفة إلى أنه لا يجب الوضوء من أكل لحوم الإبل.
واستدلوا بحديث جابر: (كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ عدم الوضوء مما مست النار)، ولكن حديث جابر ﵁ هذا عام، وحديث البراء خاص، والقاعدة عند أهل العلم: أن الخاص يقدم على العام.
ولهذا عدل الإمام ابن القيم ﵀ عن الاحتجاج بحديث جابر على عدم وجوب الوضوء من أكل لحم الإبل، وقال: إن هذا عام وهذا خاص، وكانوا في أول الإسلام يتوضئون من أكل كل شيء مسته النار: إذا شرب مرقاً مسته النار، أو أكل سويقاً أو طعاماً توضأ، ثم نسخ ذلك أو بقي على الاستحباب، وأما لحوم الإبل ففيها دليل خاص، ولأن الوضوء من أكل لحوم الإبل عام يشمل النيئ والمطبوخ والمشوي بخلاف عدم الوضوء مما مسته النار.
ولهذا قال النووي ﵀: إن القول بالوضوء من أكل لحم الإبل أصح دليلاً، وإن كان الجمهور على خلافه.
وقال: ليس عندي إشكال في حديث جابر بن سمرة: (توضئوا من لحوم الإبل، ولا تتوضأوا من لحوم الغنم)، وحديث البراء: (أنه لما سئل أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم، وقيل: أنتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: لا)، فالوضوء من أكل لحوم الغنم عام يدخل فيه حديث جابر: (كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ عدم الوضوء مما مست النار).
واختلف العلماء كما سيأتي في الوضوء مما مست النار هل هو منسوخ أو بقي على الاستحباب؟ والراجح: أنه بقي الاستحباب.
ودل حديث جابر أيضاً على النهي عن الصلاة في مبارك الإبل، وأنها لا تصح الصلاة؛ لأن النهي للفساد.
والعلة في النهي أنها مأوى للشياطين، وهو المكان الذي تقيم فيه عند المراح، وتقيم فيه المدة الطويلة، وأما المكان العارض الذي يكون فيه البعير ثم يذهب فهذا لا يعتبر مبركاً؛ لأن المبرك: هو المكان الذي يطيل فيه الجلوس، ويكون فيه المراح.
وأما مكان الغنم فلا بأس بالصلاة فيه.
وفيه دليل على طهارة أبوال ما يؤكل لحمه؛ لأن النبي ﷺ أباح الصلاة في مبارك الغم، ولا تخلو مباركها من البعر والبول، لكنها طاهرة في أصح أقوال العلماء، فجميع ما يؤكل لحمه طاهر حتى الفضلات كالأرواث والأبوال.
وذهب الشافعية إلى أن أبوال ما يؤكل لحمه نجسة.
وذهب آخرون من أهل العلم إلى أن جميع الأبوال طاهرة ما عدا بول الآدمي وعذرته، والصواب: القول الأول، وهو الذي تجرى عليه النصوص، فأما ما يؤكل لحمه فروثه ومنيه طاهر، وأما ما لا يؤكل لحمه كالأسد والنمر والكلب والثعلب وغيرها، ففضلاتها نجسة؛ لأنها ليست طاهرة كالآدمي، أما ما يؤكل لحمه فإنه طاهر حتى فضلاته خلافاً للشافعية الذين يقولون: إن أبوال الإبل والبقر والغنم نجسة، واستدلوا بالأحاديث التي فيها العموم في النهي عن البول ووجوب تنقية البول، لكن يقال: هذه عامة وهذه خاصة، والدليل على طهارة أبوال الإبل: أن النبي ﷺ أمر العرنيين لما اجتووا المدينة أن يلحقوا بإبل الصدقة ويشربوا من أبوالها وألبانها، ولم يقل لهم: اغسلوا أفواهكم فإنها نجسة، ففعلوا وشربوا من أبوالها وألبانها حتى صحوا، فلو كانت نجسة لأمرهم أن يغسلوا أفواههم، وهذا ثابت في الصحيحين، وهذا هو الصواب الذي لا إشكال فيه: أن بول ما يؤكل لحمه وروثه ومنيه وجميع فضلاته طاهرة، وأما ما لا يؤكل لحمه فهو نجس من الحيوانات ومن الآدمي.
ومن الأدلة على طهارتها: أن النبي ﷺ رخص في الصلاة في مبارك الغنم، ومن المعلوم أن مبارك الغنم لابد فيها من الروث والبول، ولم يقل: توقوا أو افرشوا شيئاً حائلاً بينكم وبين الأرض، مما دل على أنها طاهرة.
هذا في مبارك الإبل والغنم الباقية على حالها، وأما إذا كانت مبارك الإبل مهجورة حيث نقلت الإبل إلى موقع آخر فالأقرب والله أعلم أنه انتقل حكمها، كما لو نقل المسجد إلى مكان آخر فإن حكم المسجد ينتقل، والعلة كما بين النبي أنها من الشياطين؛ لما فيها من الشيطنة والعتو والتمرد، وقد تأتي إلى الإنسان وهو يصلي وتؤذيه مثلاً، فالبعير إذا اعتاد على مكان فإنه لا يغير مكانه، ولهذا نهي المصلون عن الإيطان كإيطان البعير، كأن يصلي في مكان ولا يغيره.
فالمقصود: أن النبي ﷺ نهى عن الصلاة في مبارك الإبل، والنهي يقتضي الفساد، وهي من إحدى الأماكن التي تمنع الصلاة فيها، وهي: المزبلة، والمجزرة، والمقبرة، ومبارك الإبل.
وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره الحكمة في الوضوء من لحم الإبل، فقال: إن النبي ﷺ أخبر أن هذه من الشياطين، والشيطان مخلوق من نار، والنار تطفأ بالماء، فلهذا وجب الوضوء من أكل لحم الإبل.
وعلى كل حال فهذا استنباطه وإلا فإن النبي ﷺ أمر بالوضوء من أكل لحوم الإبل، ونهى عن الصلاة في مبارك الإبل وقال: إنها من الشياطين.
أو هي من الشيطنة، وسواء كانت هذه هي الحكمة أو غيرها، فنحن عبيد مأمورون بأن نقول: سمعنا وأطعنا إذا أمر الله على لسان نبيه ﷺ بشيء أو نهانا عن شيء.
стр. 208
الوضوء من مس اللحم النيئ وغسله
стр. 209
شرح حديث أبي سعيد في سلخ النبي لجلد الشاة ثم ذهابه إلى الصلاة من غير وضوء
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب: الوضوء من مس اللحم النيئ وغسله.
حدثنا محمد بن العلاء وأيوب بن محمد الرقي وعمرو بن عثمان الحمصي المعنى، قالوا: حدثنا مروان بن معاوية أخبرنا هلال بن ميمون الجهني عن عطاء بن يزيد الليثي، قال هلال: لا أعلمه إلا عن أبي سعيد، وقال أيوب وعمرو: وأراه عن أبي سعيد ﵁: (أن النبي ﷺ مر بغلام يسلخ شاة فقال له رسول الله ﷺ : تنح حتى أريك، فأدخل يده بين الجلد واللحم فدحس بها حتى توارت إلى الإبط، ثم مضى فصلى للناس ولم يتوضأ).
زاد عمرو في حديثه -يعني: لم يمس ماء-، وقال: عن هلال بن ميمون الرملي.
قال أبو داود رواه عبد الواحد بن زياد وأبو معاوية عن هلال عن عطاء عن النبي ﷺ مرسلاً، لم يذكر أبا سعيد].
هذا الحديث فيه هلال بن ميمون الجهني، قال أبو المغيرة: تكلم فيه بعضهم.
وفيه أنه لا يجب الوضوء من مس اللحم النيئ أو المطبوخ، ولا حتى غسل يده، بل يستحب فقط؛ لئلا يكون فيها شيء من الدهونة، وكذلك لو شرب مرقاً أو لبناً فلا يجب الوضوء من ذلك حتى لو كان مرق إبل أو لبنها؛ لأن الوجوب الوارد في الحديث خص الأكل من لحمها لا غيره.
واختلف العلماء: هل يجب الوضوء من جميع أجزاء اللحم، أو من اللحم خاصة وهو ما يسمى بالهبر؟ فذهب الحنابلة وجماعة إلى أنه لا يجب الوضوء إلا من اللحم فقط، وأما لو أكل من لحم الرأس أو الكرش أو المصران أو الكبد أو العصب فلا يجب الوضوء.
والقول الثاني: أنه يجب الوضوء من جميع أجزاء اللحم، سواء أكان اللحم الأحمر، أو الكرش، أو لحم الرأس، أو المصران أو غيره، وهذا هو الصواب؛ لأن الله حرم لحم الخنزير بقوله: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ﴾ [البقرة:١٧٣]، فقال: (ولحم الخنزير) ولم يقل أحد: إنه يجوز أكل غير اللحم في الخنزير، كأكل لحم الرأس أو العصب أو الكبد، بل هو عام في جميع أجزائه، فكذلك الوضوء من أكل لحم الإبل الصواب أنه عام.
وأما إذا شرب لبن الإبل أو مرقها وليس فيه لحم فلا يوجب الوضوء، وكذلك أيضاً إذا مس اللحم، أو ذبح الذبيحة، أو قطع اللحم، أو مس اللحم النيئ أو المطبوخ أو غسله، فلا يوجب الوضوء، وإنما يجب الوضوء من الأكل فقط.
وفي الحديث أيضاً: حسن خلق النبي ﷺ حيث علم هذا الغلام، وقال له: (تنحّ حتى أعلمك، ثم أدخل يده بين الجلد واللحم).
وهلال بن ميمون الجهني أو الهذلي أبو علي الفلسطيني روى عن سعيد بن المسيب ويعلى بن شداد وجماعة، وعنه ثور بن يزيد وأبو معاوية ووكيع، وثقه ابن معين، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال أبو حاتم: ليس بقوي، يكتب حديثه.
والصحيح أنه مختلف فيه، والأقرب أنه لا بأس بحاله.
وما دل عليه الحديث من أنه لا يجب الوضوء من غسل اللحم سواء كان نيئاً أو مطبوخاً أو مسه هو صحيح.
وإذا كان في يد شخص دماً فإنه يغسل الدم ولا يجب عليه الوضوء.
والدم نوعان: مسفوح، وهذا نجس، والمسفوح هو الذي يخرج حينما تذبح الذبيحة ويسفح منها، وأما الدم الذي يبقى في العروق أو اللحم فهو طاهر؛ لأن الله تعالى قال: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام:١٤٥]، والدم المسفوح يكون عند الذبح.
الغنم يعني: لما فيها من السكينة والدعة، بخلاف الإبل فإن فيها قوة وقسوة، ولهذا تؤثر الغنم على الرعاة، وتؤثر الإبل على الرعاة، قال النبي ﷺ : (الفخر والخيلاء في أصحاب الإبل، والسكينة والدعة في أصحاب الغنم)، وأنت تجد الذين يرعون الإبل فيهم الخيلاء والفخر، بخلاف أهل الغنم فإن فيهم الدعة والسكينة والهدوء؛ لأن ملابسة الشيء تؤثر في ملابسها، وهؤلاء لابسوا الإبل فأثرت فيهم؛ لأن الإبل فيها قوة وشيطنة، فأثرت عليهم بالفخر والخيلاء، والغنم فيها دعة وسكينة فأثرت على أصحابها بالتواضع والهدوء.
стр. 210
ترك الوضوء من مس الميتة
стр. 211
شرح حديث تناول رسول الله الجدي الأسك الميت
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب: ترك الوضوء من مس الميتة.
حدثنا عبد الله بن مسلمة حدثنا سليمان -يعني: ابن بلال - عن جعفر عن أبيه عن جابر ﵁: (أن رسول الله ﷺ مر بالسوق داخلاً من بعض العالية والناس كنفتيه، فمر بجدي أسك ميت فتناوله فأخذ بإذنه، ثم قال: أيكم يحب أن هذا له؟) وساق الحديث].
هذا الحديث رواه الإمام مسلم في صحيحه، وتمامه: (أن النبي ﷺ مر بجدي) والجدي: هو ولد المعز الصغير، إذ يقال له جدي ذكر إذا مضى عليه أربعة أشهر أو قريباً منها، وأما إذا كانت أنثى فتسمى سخلة أو عناقاً.
قال: (مر النبي ﷺ بجدي أسك) يعني: صغير الأذن، أو مقطوع الأذن، (ميت فأخذ بأذنه فقال للصحابة: أيكم يحب أن يكون له هذا بدرهم؟ فقالوا: يا رسول الله! ما نحب أنه لنا بشيء، وماذا نصنع به؟! فقال: أتحبون أن يكون لكم هذا؟ قالوا: والله! لا نريده، إنه لو كان حياً لكان معيباً)، أي: لو كان حياً لكان به عيب وهو أنه صغير الأذن، فقال النبي ﷺ : (للدنيا أهون عند الله من هذا عليكم)، مما يدل على أن الدنيا لا تساوي عند الله شيئاً.
وفي حديث آخر: (لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء)، فالدنيا لا تساوي شيئاً عند الله، ولهذا يأكل منها البر والفاجر، وفيها اختلاط وامتزاج الأبرار بالفجار، والأخيار بالأشرار، والمؤمنون بالكفار، بخلاف الآخرة ففيها يحصل التميز والانفصال، فيتميز المؤمنون من الكفار، والأشرار من الأخيار، وأما هذه الدنيا فهي دار اختبار، ودار امتزاج واختلاط الخبيث بالطيب، والمؤمن بالكافر؛ فلهذا ليس لها عند الله قيمة، وهي هينة على الله، فهي أهون على الله من هوان هذا التيس الميت مقطوع الأذن على الناس.
والحديث فيه دليل على أن مس النجاسة اليابسة لا يؤثر على الإنسان، ولا يوجب غسل اليد ولا الوضوء.
والنجاسة نوعان: غضة ويابسة، فإذا كانت يابسة فلا يؤثر مسها على اليد، ولا يوجب الوضوء ولا غسل اليد، أما إذا كانت رطبة فلابد من غسل اليد، ولا يوجب فيها الوضوء كما يظن بعض الناس؛ لأنك لم تفعل ناقضاً من نواقض الوضوء، ومثله ما لو مس إنسان بيده يد كلب يابس فليس عليه شيء، أما إن كانت يده رطبة أو الكلب رطب فعليه أن يغسل يده.
стр. 212
ترك الوضوء مما مست النار
стр. 213
شرح حديث ابن عباس في أكل رسول الله كتف شاة وصلاته بدون وضوء بعده
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب: في ترك الوضوء مما مست النار.
حدثنا عبد الله بن مسلمة حدثنا مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس ﵄: (أن رسول الله ﷺ أكل كتف شاة ثم صلى ولم يتوضأ)].
هذا الحديث أخرجه الشيخان: البخاري ومسلم رحمهما الله.
وفيه دليل على أنه لا يجب الوضوء من أكل لحوم الغنم، وإنما يجب الوضوء من أكل لحوم الإبل.
وفيه ترك الوضوء مما مست النار، وكانوا في أول الإسلام يتوضئون من أكل أي شيء مسته النار، سواء كان لحماً، أو طعاماً، أو شرب سويقاً، ثم نسخ ذلك، ولهذا فلما أكل النبي كتف شاة صلى ولم يتوضأ، وفي الحديث الآخر: (أنه ﵊ دعي إلى الصلاة وهو يجتز من لحم شاة بالسكين، فقام وترك السكين على اللحم ولم يتوضأ)، وجاء في الحديث الآخر ما يدل على الاستحباب، وفعل النبي ﷺ هذا يدل على الجواز، لكن إذا توضأ فهو أفضل وإن لم يتوضأ فلا حرج.
стр. 214
شرح حديث المغيرة في ترك الوضوء مما مست النار
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا عثمان بن أبي شيبة ومحمد بن سليمان الأنباري المعنى، قالا: حدثنا وكيع عن مسعر عن أبي صخرة جامع بن شداد عن المغيرة بن عبد الله عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: (ضفت النبي ﷺ ذات ليلة، فأمر بجنب فشوي، وأخذ الشفرة فجعل يحز لي بها منه، قال: فجاء بلال فآذنه بالصلاة، قال: فألقى الشفرة وقال: ماله تربت يداه؟! وقام يصلي).
زاد الأنباري: (وكان شاربي وفى فقصه لي على سواك) أو قال: (أقصه لك على سواك)].
هذا الحديث فيه دليل على أنه لا يجب الوضوء من أكل لحم الغنم سواء كان مطبوخاً أو مشوياً، وإنما يجب الوضوء في أكل لحوم الإبل خاصة.
وفيه: جواز القطع بالسكين خلافاً لمن كره ذلك.
وفيه: أن بلال آذنه بالصلاة فقام وترك الأكل، فاحتج به بعض العلماء على أن الإمام مستثنى من الحديث الآخر: (إذا حضرت الصلاة وقدم العشاء فابدءوا بالعشاء)، قالوا: فالحديث هذا عام، وحديث الباب خاص، فيدل على أن الإمام مستثنى وعليه أن يقوم؛ لأن النبي ﷺ قام وترك الطعام، وكأنه كان محتاجاً إليه؛ ولهذا قال: (ماله تربت يداه؟!) أي: ما له استعجل؟ فهذا خاص بالإمام، وأما غير الإمام فإذا قدم العشاء فيبدأ بالعشاء كما في الحديث الآخر: (إذا حضرت الصلاة وقدم العشاء فابدءوا بالعشاء).
وجمع الخطابي ﵀ بينهما فقال: إن هذا الحديث فيه دليل على أن الإنسان إذا قدم له الطعام وكان متماسكاً ولا تزعجه الحاجة إلى الأكل، ولا يؤثر عليه في الإتيان بالصلاة بحقوقها ومكملاتها فإنه لا بأس، وأما إذا كان صائماً واشتد عليه الجوع فإنه يقدم العشاء.
وقول الخطابي له وجاهة، يعني: إذا كانت نفسه تتوق إلى الطعام وتتعلق به ويحصل له تشوش، فعليه أن يأخذ نهمته ثم يذهب إلى الصلاة، حتى ولو فاتته الجماعة، يقول: فهذا عذر من الأعذار في ترك الجماعة، فهذا إذا قدم له العشاء، لكن لا ينبغي له إذا سمع الأذان أن يطلب تقديم العشاء؛ لأن هذا تعمد لترك الصلاة، وذلك لا يجوز.
وفي الحديث أيضاً: أن النبي ﷺ قص شاربه على السواك، حيث طال شعر شاربه فوضع السواك ثم قصه عليه، ووضع السواك حتى لا يصيب المقص شيئاً من الجلد، فجعل السواك وقاية، ثم قص ما زاد فوق السواك من الشعر.
وفيه: مشروعية قص الشارب.
وفيه: المبادرة إلى ذلك.
وفيه: حسن خلق النبي ﷺ ؛ حيث إن النبي قص شاربه ولم يوكل ذلك إلى أحد من أصحابه.
وجاء عند مسلم من حديث أنس: (أن النبي ﷺ وقّت في قص الشارب وحلق العانة وتقليم الأظفار ونتف الإبط ألا يترك ذلك فوق أربعين ليلة)، أما المغيرة فطال شاربه؛ لأنه انشغل عنه بالجهاد وأعماله الأخرى، فلما رآه النبي ﷺ قصه ولم تلهه المبادرة في وضع السواك عليه؛ حتى يكون وقاية له، فاجتمع فيه الأمران: كونه يأمن أن يصيب القص شيئاً من الجلد، وأن يقص ما زاد وما طال فوق السواك.
وأما طريقة ذلك فهي أن يضع السواك على الشفه، والشعر فوق السواك، ثم يقص ما كان فوق السواك، وأبقى بقية وهو ما تحت السواك.
وينكر على الشخص إذا أطال شاربه فوق أربعين ليلة؛ للوعيد في ذلك، حيث جاء في الحديث قوله: (من لم يأخذ من شاربه فليس منا)، وقوله: (احفوا الشوارب، وأرخوا اللحى؛ خالفوا المشركين).
قوله: (وكان شاربي) ظاهره يعود إلى المغيرة راوي الحديث، وأما بلال فمجيئه عارض.
لكن قد جاء الحديث من رواية الترمذي في الشمائل بلفظ: (وكان شاربه) أي: كان شارب بلال قد طال، وهذا هو ظاهر هذه الرواية، فينظر كيف يأتي الجمع بين الروايتين، وأيهما أصح: شاربه أو شاربي؟ وفيه: أن النبي ﷺ بادر بامتثال الأمر وقام إلى الصلاة.
والحديث أخرجه الترمذي وابن ماجة وأحمد والنسائي في الكبرى.
стр. 215
شرح حديث ابن عباس في صلاة رسول الله بعد أكله من كتف دون وضوء
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا مسدد حدثنا أبو الأحوص حدثنا سماك عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: (أكل رسول الله ﷺ كتفاً ثم مسح يده بمسح كان تحته، ثم قام فصلى)].
هذا فيه دليل على أنه لا يجب الوضوء من أكل لحم الغنم.
وفيه: جواز مسح اليد بعد الطعام، وأنه لا يجب الغسل وإنما يستحب، فإذا مسح بالمنديل كفى، وإن غسلها فهو أكمل وأفضل.
والحديث أصله في الصحيحين: (أن النبي ﷺ أكل كتفاً ثم قام فصلى ولم يتوضأ).
وقوله في حديث المغيرة السابق: (تربت يداه) يعني: لصقت يداه بالتراب من شدة الفقر، وهذا هو الأصل، لكن هذه من الكلمات التي تجري على اللسان ولا يراد بها معناها، ومن ذلك قوله ﵊: (فاظفر بذات الدين تربت يداك)، فهو من باب الحث على الشيء أو تأكيد الشيء، وليس المقصود الدعاء عليه.
ومثل ذلك ما جاء في الحديث: (عقرى حلقى، أحابستنا هي؟) وذلك لما أمر النبي ﷺ بالرحيل من حجة الوداع، فقالوا: إن صفية حاضت، قال: (عقرى حلقى أحابستنا هي؟! قالوا: إنها أفاضت، قال: أيسروا إذن).
فقوله: (عقرى) أصلها دعاء بالعقر، و (حلقى) بالحلق، ولكن ليس هذا المراد بها هنا، وإنما هذه كلمات أصبحت تجري على اللسان من غير قصد، فهي على عادة العرب.
следующие страницы →