← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 37015

شرح سنن أبي داود - الراجحي

عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

Полный текст (438 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

شرح حديث تناول رسول الله الجدي الأسك الميت قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب: ترك الوضوء من مس الميتة. حدثنا عبد الله بن مسلمة حدثنا سليمان -يعني: ابن بلال - عن جعفر عن أبيه عن جابر ﵁: (أن رسول الله ﷺ مر بالسوق داخلاً من بعض العالية والناس كنفتيه، فمر بجدي أسك ميت فتناوله فأخذ بإذنه، ثم قال: أيكم يحب أن هذا له؟) وساق الحديث]. هذا الحديث رواه الإمام مسلم في صحيحه، وتمامه: (أن النبي ﷺ مر بجدي) والجدي: هو ولد المعز الصغير، إذ يقال له جدي ذكر إذا مضى عليه أربعة أشهر أو قريباً منها، وأما إذا كانت أنثى فتسمى سخلة أو عناقاً. قال: (مر النبي ﷺ بجدي أسك) يعني: صغير الأذن، أو مقطوع الأذن، (ميت فأخذ بأذنه فقال للصحابة: أيكم يحب أن يكون له هذا بدرهم؟ فقالوا: يا رسول الله! ما نحب أنه لنا بشيء، وماذا نصنع به؟! فقال: أتحبون أن يكون لكم هذا؟ قالوا: والله! لا نريده، إنه لو كان حياً لكان معيباً)، أي: لو كان حياً لكان به عيب وهو أنه صغير الأذن، فقال النبي ﷺ : (للدنيا أهون عند الله من هذا عليكم)، مما يدل على أن الدنيا لا تساوي عند الله شيئاً. وفي حديث آخر: (لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء)، فالدنيا لا تساوي شيئاً عند الله، ولهذا يأكل منها البر والفاجر، وفيها اختلاط وامتزاج الأبرار بالفجار، والأخيار بالأشرار، والمؤمنون بالكفار، بخلاف الآخرة ففيها يحصل التميز والانفصال، فيتميز المؤمنون من الكفار، والأشرار من الأخيار، وأما هذه الدنيا فهي دار اختبار، ودار امتزاج واختلاط الخبيث بالطيب، والمؤمن بالكافر؛ فلهذا ليس لها عند الله قيمة، وهي هينة على الله، فهي أهون على الله من هوان هذا التيس الميت مقطوع الأذن على الناس. والحديث فيه دليل على أن مس النجاسة اليابسة لا يؤثر على الإنسان، ولا يوجب غسل اليد ولا الوضوء. والنجاسة نوعان: غضة ويابسة، فإذا كانت يابسة فلا يؤثر مسها على اليد، ولا يوجب الوضوء ولا غسل اليد، أما إذا كانت رطبة فلابد من غسل اليد، ولا يوجب فيها الوضوء كما يظن بعض الناس؛ لأنك لم تفعل ناقضاً من نواقض الوضوء، ومثله ما لو مس إنسان بيده يد كلب يابس فليس عليه شيء، أما إن كانت يده رطبة أو الكلب رطب فعليه أن يغسل يده.

стр. 212

ترك الوضوء مما مست النار

стр. 213

شرح حديث ابن عباس في أكل رسول الله كتف شاة وصلاته بدون وضوء بعده قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب: في ترك الوضوء مما مست النار. حدثنا عبد الله بن مسلمة حدثنا مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس ﵄: (أن رسول الله ﷺ أكل كتف شاة ثم صلى ولم يتوضأ)]. هذا الحديث أخرجه الشيخان: البخاري ومسلم رحمهما الله. وفيه دليل على أنه لا يجب الوضوء من أكل لحوم الغنم، وإنما يجب الوضوء من أكل لحوم الإبل. وفيه ترك الوضوء مما مست النار، وكانوا في أول الإسلام يتوضئون من أكل أي شيء مسته النار، سواء كان لحماً، أو طعاماً، أو شرب سويقاً، ثم نسخ ذلك، ولهذا فلما أكل النبي كتف شاة صلى ولم يتوضأ، وفي الحديث الآخر: (أنه ﵊ دعي إلى الصلاة وهو يجتز من لحم شاة بالسكين، فقام وترك السكين على اللحم ولم يتوضأ)، وجاء في الحديث الآخر ما يدل على الاستحباب، وفعل النبي ﷺ هذا يدل على الجواز، لكن إذا توضأ فهو أفضل وإن لم يتوضأ فلا حرج.

стр. 214

شرح حديث المغيرة في ترك الوضوء مما مست النار قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا عثمان بن أبي شيبة ومحمد بن سليمان الأنباري المعنى، قالا: حدثنا وكيع عن مسعر عن أبي صخرة جامع بن شداد عن المغيرة بن عبد الله عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: (ضفت النبي ﷺ ذات ليلة، فأمر بجنب فشوي، وأخذ الشفرة فجعل يحز لي بها منه، قال: فجاء بلال فآذنه بالصلاة، قال: فألقى الشفرة وقال: ماله تربت يداه؟! وقام يصلي). زاد الأنباري: (وكان شاربي وفى فقصه لي على سواك) أو قال: (أقصه لك على سواك)]. هذا الحديث فيه دليل على أنه لا يجب الوضوء من أكل لحم الغنم سواء كان مطبوخاً أو مشوياً، وإنما يجب الوضوء في أكل لحوم الإبل خاصة. وفيه: جواز القطع بالسكين خلافاً لمن كره ذلك. وفيه: أن بلال آذنه بالصلاة فقام وترك الأكل، فاحتج به بعض العلماء على أن الإمام مستثنى من الحديث الآخر: (إذا حضرت الصلاة وقدم العشاء فابدءوا بالعشاء)، قالوا: فالحديث هذا عام، وحديث الباب خاص، فيدل على أن الإمام مستثنى وعليه أن يقوم؛ لأن النبي ﷺ قام وترك الطعام، وكأنه كان محتاجاً إليه؛ ولهذا قال: (ماله تربت يداه؟!) أي: ما له استعجل؟ فهذا خاص بالإمام، وأما غير الإمام فإذا قدم العشاء فيبدأ بالعشاء كما في الحديث الآخر: (إذا حضرت الصلاة وقدم العشاء فابدءوا بالعشاء). وجمع الخطابي ﵀ بينهما فقال: إن هذا الحديث فيه دليل على أن الإنسان إذا قدم له الطعام وكان متماسكاً ولا تزعجه الحاجة إلى الأكل، ولا يؤثر عليه في الإتيان بالصلاة بحقوقها ومكملاتها فإنه لا بأس، وأما إذا كان صائماً واشتد عليه الجوع فإنه يقدم العشاء. وقول الخطابي له وجاهة، يعني: إذا كانت نفسه تتوق إلى الطعام وتتعلق به ويحصل له تشوش، فعليه أن يأخذ نهمته ثم يذهب إلى الصلاة، حتى ولو فاتته الجماعة، يقول: فهذا عذر من الأعذار في ترك الجماعة، فهذا إذا قدم له العشاء، لكن لا ينبغي له إذا سمع الأذان أن يطلب تقديم العشاء؛ لأن هذا تعمد لترك الصلاة، وذلك لا يجوز. وفي الحديث أيضاً: أن النبي ﷺ قص شاربه على السواك، حيث طال شعر شاربه فوضع السواك ثم قصه عليه، ووضع السواك حتى لا يصيب المقص شيئاً من الجلد، فجعل السواك وقاية، ثم قص ما زاد فوق السواك من الشعر. وفيه: مشروعية قص الشارب. وفيه: المبادرة إلى ذلك. وفيه: حسن خلق النبي ﷺ ؛ حيث إن النبي قص شاربه ولم يوكل ذلك إلى أحد من أصحابه. وجاء عند مسلم من حديث أنس: (أن النبي ﷺ وقّت في قص الشارب وحلق العانة وتقليم الأظفار ونتف الإبط ألا يترك ذلك فوق أربعين ليلة)، أما المغيرة فطال شاربه؛ لأنه انشغل عنه بالجهاد وأعماله الأخرى، فلما رآه النبي ﷺ قصه ولم تلهه المبادرة في وضع السواك عليه؛ حتى يكون وقاية له، فاجتمع فيه الأمران: كونه يأمن أن يصيب القص شيئاً من الجلد، وأن يقص ما زاد وما طال فوق السواك. وأما طريقة ذلك فهي أن يضع السواك على الشفه، والشعر فوق السواك، ثم يقص ما كان فوق السواك، وأبقى بقية وهو ما تحت السواك. وينكر على الشخص إذا أطال شاربه فوق أربعين ليلة؛ للوعيد في ذلك، حيث جاء في الحديث قوله: (من لم يأخذ من شاربه فليس منا)، وقوله: (احفوا الشوارب، وأرخوا اللحى؛ خالفوا المشركين). قوله: (وكان شاربي) ظاهره يعود إلى المغيرة راوي الحديث، وأما بلال فمجيئه عارض. لكن قد جاء الحديث من رواية الترمذي في الشمائل بلفظ: (وكان شاربه) أي: كان شارب بلال قد طال، وهذا هو ظاهر هذه الرواية، فينظر كيف يأتي الجمع بين الروايتين، وأيهما أصح: شاربه أو شاربي؟ وفيه: أن النبي ﷺ بادر بامتثال الأمر وقام إلى الصلاة. والحديث أخرجه الترمذي وابن ماجة وأحمد والنسائي في الكبرى.

стр. 215

شرح حديث ابن عباس في صلاة رسول الله بعد أكله من كتف دون وضوء قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا مسدد حدثنا أبو الأحوص حدثنا سماك عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: (أكل رسول الله ﷺ كتفاً ثم مسح يده بمسح كان تحته، ثم قام فصلى)]. هذا فيه دليل على أنه لا يجب الوضوء من أكل لحم الغنم. وفيه: جواز مسح اليد بعد الطعام، وأنه لا يجب الغسل وإنما يستحب، فإذا مسح بالمنديل كفى، وإن غسلها فهو أكمل وأفضل. والحديث أصله في الصحيحين: (أن النبي ﷺ أكل كتفاً ثم قام فصلى ولم يتوضأ). وقوله في حديث المغيرة السابق: (تربت يداه) يعني: لصقت يداه بالتراب من شدة الفقر، وهذا هو الأصل، لكن هذه من الكلمات التي تجري على اللسان ولا يراد بها معناها، ومن ذلك قوله ﵊: (فاظفر بذات الدين تربت يداك)، فهو من باب الحث على الشيء أو تأكيد الشيء، وليس المقصود الدعاء عليه. ومثل ذلك ما جاء في الحديث: (عقرى حلقى، أحابستنا هي؟) وذلك لما أمر النبي ﷺ بالرحيل من حجة الوداع، فقالوا: إن صفية حاضت، قال: (عقرى حلقى أحابستنا هي؟! قالوا: إنها أفاضت، قال: أيسروا إذن). فقوله: (عقرى) أصلها دعاء بالعقر، و (حلقى) بالحلق، ولكن ليس هذا المراد بها هنا، وإنما هذه كلمات أصبحت تجري على اللسان من غير قصد، فهي على عادة العرب.

стр. 216

شرح حديث ابن عباس: (أن رسول الله انتهش من كتف ثم صلى ولم يتوضأ) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا حفص بن عمر النمري، حدثنا همام عن قتادة عن يحيى بن يعمر عن ابن عباس ﵄: (أن رسول الله ﷺ انتهش من كتف ثم صلى ولم يتوضأ)]. وهذا كما سبق في الصحيحين، ويدل على عدم الوضوء من لحم الغنم.

стр. 217

شرح حديث جابر في صلاة رسول الله بعد أكله الخبز واللحم قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا إبراهيم بن الحسن الخثعمي حدثنا حجاج قال ابن جريج: أخبرني محمد بن المنكدر قال: سمعت جابر بن عبد الله ﵄ يقول: (قربت للنبي ﷺ خبزاً ولحماً، فأكل ثم دعا بوضوء فتوضأ به، ثم صلى الظهر، ثم دعا بفضل طعامه فأكل، ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأ)]. الحديث فيه أنه توضأ لصلاة الظهر ولم يتوضأ لصلاة العصر وقد أكل طعاماً، فدل على التوسعة في أن الإنسان مخير إذا أكل طعاماً أو شيئاً مسته النار أو لحم غنم فهو مخير بين الوضوء كما فعل النبي ﷺ في صلاة الظهر، وبين عدم الوضوء. ويدل عليه حديث: (لما سئل أنتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: إن شئت. قيل: أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم).

стр. 218

شرح حديث: (كان آخر الأمرين من رسول الله ترك الوضوء مما غيرت النار) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا موسى بن سهل أبو عمران الرملي حدثنا علي بن عياش حدثنا شعيب بن أبي حمزة عن محمد بن المنكدر عن جابر ﵁ قال: (كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما غيرت النار)]. هذا الحديث هو الذي احتج به الجمهور على أن لحم الإبل لا ينقض الوضوء، لكنه حديث عام، وحديث الوضوء من لحم الإبل خاص. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهذا اختصار من الحديث الأول.

стр. 219

شرح حديث عبد الله بن الحارث في صلاة رسول الله بعد مضغه بضعة لحم قال المؤلف ﵀: [حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح حدثنا عبد الملك بن أبي كريمة قال ابن السرح: ابن أبي كريمة من خيار المسلمين. قال: حدثني عبيد بن ثمامة المرادي قال: قدم علينا مصر عبد الله بن الحارث بن جزء ﵁ من أصحاب رسول الله ﷺ ، فسمعته يحدث في مسجد مصر قال: (لقد رأيتني سابع سبعة أو سادس ستة مع رسول الله ﷺ في دار رجل، فمر بلال ﵁ فناداه بالصلاة فخرجنا، فمررنا برجل وبرمته على النار، فقال له رسول الله ﷺ : أطابت برمتك؟ قال نعم بأبي أنت وأمي! فتناول منها بضعة فلم يزل يعلكها حتى أحرم بالصلاة، وأنا أنظر إليه)]. هذا الحديث قال فيه الألباني: حديث ضعيف. أما أحمد بن عمرو بن السرح فهو ثقة. وعبد الملك بن أبي كريمة صدوق صالح. قال ابن السرح: ابن أبي كريمة من خيار المسلمين. وعبيد بن ثمامة مقبول، أي: إذا توبع وإلا فضعيف. ويقال: عتبة، وبه جزم ابن يونس، ورجح هذا صاحب بذل المجهود. وهذا الحديث له شاهد عند ابن ماجة وابن حبان في صحيحه، فيرتقي من درجة الضعيف إلى درجة الحسن لغيره. وقوله: (بأبي أنت وأمي) يعني: أفديك بأبي وأمي. وفي الحديث دليل على أن من أكل من لحم غير الإبل فلا يجب عليه الوضوء، والحديث وإن كان فيه ضعف لكن له شاهد يرتقي به إلى درجة الحسن، وكونه ﷺ تناول من البضعة جبراً للخاطر ففيه حسن خلق النبي ﷺ ، وأنه لا بأس للإنسان إذا أكل لحماً أو طعاماً أن يصلي ولو لم يتمضمض، ولم يغسل يده، لكن كونه يغسل يده ويتمضمض حتى يزول ما في فمه من فضلات الطعام فهو أفضل، وفعل النبي ﷺ إنما هو لبيان الجواز.

стр. 220

ما جاء في التشديد في الوضوء مما مست النار

стр. 221

شرح حديث: (الوضوء مما أنضجت النار) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب: التشديد في ذلك. حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن شعبة حدثني أبو بكر بن حفص عن الأغر عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (الوضوء مما أنضجت النار). حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا أبان عن يحيى -يعني ابن أبي كثير - عن أبي سلمة أن أبا سفيان بن سعيد بن المغيرة حدثه: (أنه دخل على أم حبيبة ﵂ فسقته قدحاً من سويق، فدعا بماء فمضمض، قالت: يا ابن أختي! ألا توضأ؟ إن النبي ﷺ قال: توضئوا مما غيرت النار، أو قال: مما مست النار). قال أبو داود: في حديث الزهري: يا ابن أخي!]. هذا الأثر محمول على أن أم حبيبة ﵂ لم تبلغها رخصة عدم الوضوء، وهو حديث جابر: (كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ عدم الوضوء مما مست النار)، ويظهر أنها أمرت بعد وفاة النبي ﷺ ]. أما حديث أبي هريرة فهذا كان أولاً، ثم نسخ. وحديث أبي هريرة هذا أخرجه أحمد ومسلم في كتاب الحيض من طريق إبراهيم بن قارظ عن أبي هريرة بلفظ: (توضئوا مما مست النار)، والنسائي وقد أخرجه النسائي وأحمد جميعاً عن أبي سفيان. وقد أجاب بعض العلماء على حديث أم حبيبة بجوابين: الأول: أنه منسوخ بحديث جابر. الثاني: أن المراد بالوضوء غسل الفم والكفين. قال النووي: ثم إن هذا الخلاف الذي حكيناه كان في الصدر الأول، ثم أجمع العلماء بعد ذلك على أنه لا يجب الوضوء من أكل ما مسته النار. واعترض الشوكاني على الجواب الأول: بأن الجواب الأول إنما يتم بعد تسليم أن فعله ﷺ يعارض القول الخاص وينسخه، والمتقرر في الأصول خلافه. وقال النووي عن حديث أم حبيبة: (هذا بعد وفاة النبي ﷺ وأنه لم يبلغها النهي). والظاهر من كلام أم حبيبة أنها أوجبت، إذ قالت: (ألا تتوضأ؟ فإن رسول الله ﷺ أمرنا بالوضوء مما غيرت النار)، والأمر للوجوب. أما قول أبي داود في حديث الزهري: يا ابن أخي، فهو وهم؛ لأن أم حبيبة خالة أبو سفيان، ويمكن أن يكون محمولاً على المجاز.

стр. 222

شرح سنن أبي داود_ كتاب الطهارة [١٣] تستحب المضمضة من شرب اللبن؛ لأن له دسماً، ولا بأس بترك ذلك. واختلف الفقهاء في النوم هو ناقض للوضوء أو لا، وفي خروج الدم كذلك، وخروج المذي ناقض للوضوء بالإجماع.

стр. 223

الوضوء من شرب اللبن

стр. 224

شرح حديث: (توضئوا مما غيرت النار) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب: الوضوء من اللبن. حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا الليث عن عقيل عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس ﵄: (أن النبي ﷺ شرب لبناً فدعا بماء فتمضمض، ثم قال: إن له دسماً)]. هذا الحديث رواه الشيخان والترمذي والنسائي، وفيه دليل على استحباب المضمضة من شرب اللبن. ولقد بين النبي ﷺ العلة فقال: (إن له دسماً)، فيستحب للمسلم إذا شرب لبناً أن يتمضمض إن أراد الصلاة؛ حتى يذهب الدسم وتزول البقايا التي في الفم.

стр. 225

الرخصة في ترك الوضوء والمضمضة من شرب اللبن

стр. 226

شرح حديث شرب رسول الله اللبن وصلاته بعده بغير وضوء ولا مضمضة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب: الرخصة في ذلك. حدثنا عثمان بن أبي شيبة عن زيد بن الحباب عن مطيع بن راشد عن توبة العنبري أنه سمع أنس بن مالك ﵁: (أن رسول الله ﷺ شرب لبناً فلم يمضمض ولم يتوضأ، وصلى). قال زيد: دلني شعبة على هذا الشيخ]. شعبة دله عليه؛ لأنه ثقة عنده. وهذا فيه دليل على جواز ترك المضمضة من شرب اللبن، وأنه ليس بأمر حتم ولا بواجب، وإنما هو مستحب، فإن تمضمض فحسن، وإن ترك فلا حرج، ولا يعتبر هذا الحديث ناسخ للحديث السابق كما زعمه بعضهم، بل فعله ﵊ يحمل على الاستحباب، وتركه يحمل على الجواز أحياناً.

стр. 227

الوضوء من الدم

стр. 228

شرح حديث جابر في قصة رمي الذي كان يحرسهم في صلاتهد قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب: الوضوء من الدم. حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع حدثنا ابن المبارك عن محمد بن إسحاق حدثني صدقة بن يسار عن عقيل بن جابر عن جابر ﵁ قال: (خرجنا مع رسول الله ﷺ -يعني في غزوة ذات الرقاع- فأصاب رجل امرأة رجل من المشركين، فحلف ألا أنتهي حتى أهريق دماً في أصحاب محمد ﷺ ، فخرج يتبع أثر النبي ﷺ ، فنزل النبي ﷺ منزلاً فقال: من رجل يكلؤنا؟ فانتدب رجل من المهاجرين ورجل من الأنصار، فقال: كونا بفم الشعب، قال: فلما خرج الرجلان إلى فم الشعب اضطجع المهاجري وقام الأنصاري يصلي، وأتى الرجل فلما رأى شخصه عرف أنه ربيئة للقوم، فرماه بسهم فوضعه فيه، فنزعه حتى رماه بثلاثة أسهم، ثم ركع وسجد، ثم انتبه صاحبه، فلما عرف أنهم قد نذروا به هرب، فلما رأى المهاجري ما بالأنصاري من الدماء قال: سبحان الله! ألا أنبهتني أول ما رمى، قال: كنت في سورة أقرؤها فلم أحب أن أقطعها!)]. الحديث من رواية صدقة بن يسار عن عقيل بن جابر، وعقيل بن جابر مجهول، ولم يرو عنه إلا صدقة بن يسار، ورواه محمد بن إسحاق في المغازي، ورواه أيضاً أحمد والدارقطني، وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم. وليس في هذا الحديث دلالة على الوضوء من الدم على فرض صحته، وإنما فيه الاستمرار في الصلاة، والإنسان إذا خرج منه دم أثناء صلاته وكان مستمراً فإنه يستمر في صلاته، ويكون حكمه حكم المستحاضة التي لا ينقطع عنها دمها؛ لأنه لو قطع الصلاة فلن يفيده ذلك؛ لأن الدماء مستمرة، وكذا الإنسان إذا كان به جرح سيال فإنه يستمر في صلاته، وكذا من فيه سلسل البول، ولأن الاستمرار في الصلاة غير ابتدائها، لأنه قبل أن يبتدئ الصلاة سيعالج هذه الدماء حتى ينقطع الدم عنه، ولهذا استمر عمر ﵁ في صلاته لما طعن وجرحه يثعب دماً، وإن كان قد أناب عبد الرحمن بن عوف في الصلاة، إلا أن ظاهره أنه استمر في صلاته، ويمكن التعليل أيضاً بأن الجراحات التي تصيب الغزاة والمجاهدين في الأسفار والغزوات معفو عنها من أجل المشقة، إذ قد لا يتمكن من غسلها، وليس هناك دليل واضح على نجاسة الدم، لكن جاء في قصة المستحاضة أن النبي ﷺ قال: (اغسلي عنك الدم وتوضئي وصلي)، فخصه بعضهم بالدم الخارج من الفرج، أما كون الوضوء من الدم واجباً فليس هناك دليل واضح على ذلك، وينبغي التفريق بين كون الدم نجساً أو غير نجس، وبين هل هو ناقض أم لا؟ فالدم المسفوح الذي يخرج من الذبيحة نجس لقوله تعالى: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام:١٤٥]، وكذلك الدم الذي يخرج من الفرج كدم الاستحاضة، وقد نقل النووي الإجماع على ذلك، أما خروج الدم هل هو من نواقض الوضوء؟ فبعض العلماء كالحافظ ابن حجر وغيره يرى أن خروج الشيء الفاحش النجس كالدماء وغيرها من النواقض، وليس هناك دليل واضح يدل على الوجوب، لكن إن توضأ الشخص فهو مستحب؛ إذ فيه الخروج من خلاف من أوجب، لاسيما إذا كان الدم كثيراً. وفيه: دليل على مشروعية فعل الأسباب، فإن النبي ﷺ قال: (من يكلؤنا)، وهو رسول الله، وهو سيد المتوكلين، ومع ذلك قال: (من يكلؤنا) أي: من يحفظنا؟ أو من يحرسنا؟ فانتدب المهاجري والأنصاري.

стр. 229

الوضوء من النوم

стр. 230

شرح حديث ابن عمر: (في رقدتهم لانتظار الصلاة) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب في الوضوء من النوم. حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل حدثنا عبد الرزاق أنبأنا -وفي رواية- حدثنا ابن جريج أخبرني نافع حدثني عبد الله بن عمر ﵄: (أن رسول الله ﷺ شُغل عنها ليلة فأخرها حتى رقدنا في المسجد، ثم استيقظنا ثم رقدنا، ثم استيقظنا ثم رقدنا، ثم خرج علينا فقال: ليس أحد ينتظر الصلاة غيركم)]. هذا الحديث رواه الشيخان. وقوله: (رقدنا ثم استيقظنا) يعني: نعسنا، فالمراد برقدنا النعاس، وفيه دليل على أن النعاس لا ينقض الوضوء، وكذلك خفقان الرأس، وإنما الذي ينقضه النوم المستغرق الذي يزول معه الإحساس، كما في حديث صفوان بن عسال: (أمرنا أن لا ننزع أخفافنا ثلاثة أيام إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم)، فقوله: (ولكن من غائط وبول ونوم) يعني: النوم المستغرق، وهذا هو الجمع بين الحديثين، فهذا الحديث فيه النوم والمراد به النعاس، وحديث صفوان فيه النوم والمراد به النوم المستغرق الذي يزول معه الإحساس. وقال الألباني عن حديث ابن عمر: حديث حسن. وقد صححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم. كذلك أيضاً أخرجه محمد بن إسحاق في المغازي.

стр. 231

شرح حديث: (كان أصحاب رسول الله ينتظرون العشاء الآخرة حتى تخفق رءوسهم) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا شاذ بن فياض حدثنا هشام الدستوائي عن قتادة عن أنس ﵁ قال: (كان أصحاب رسول الله ﷺ ينتظرون العشاء الآخرة حتى تخفق رءوسهم ثم يصلون ولا يتوضئون)]. وهذا يبين الحديث السابق وأن المراد بالنوم هو خفقان الرأس والنعاس. وهذا الحديث رواه مسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وزاد فيه شعبة عن قتادة قال: كنا نخفق على عهد رسول الله ﷺ ، ورواه ابن أبي عروبة عن قتادة بلفظ آخر. حدثنا موسى بن إسماعيل وداود بن شبيب، قالا: حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت البناني أن أنس بن مالك ﵁ قال: (أقيمت صلاة العشاء فقام رجل فقال: يا رسول الله! إن لي حاجة، فقام يناجيه حتى نعس القوم أو بعض القوم، ثم صلى بهم ولم يذكر وضوءاً)]. هذا الحديث رواه مسلم، ولم يذكر وضوءاً، ورواه أيضاً الشيخان عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس، وفيه: أن الصحابة كانوا ينعسون وهم ينتظرون الصلاة فيصلون ولا يتوضئون، وأقرهم النبي ﷺ على ذلك، مما دل على أن النعاس لا يوجب الوضوء، بل لا يوجب الوضوء إلا النوم المستغرق الذي يزول معه الإحساس. وفيه: جواز مناجاة الواحد إذا كان عنده جماعة، والمناجاة يعني: التكلم معه بخفاء وإسرار، وإنما المنهي أن يتناجى اثنان ويكون معهم ثالث فيتركونه، أو يتناجى ثلاثة معهم رابع وهكذا، وأما إذا تناجى اثنان وهناك اثنان أو ثلاثة أو أربعة فلا حرج، والعلة في المناجاة المنهي عنها أن ذلك الأمر يحزنه، كما جاء في الحديث: (إذا تناجى اثنان ومعهم ثالث فإن ذلك يحزنه) ولأنه قد يتصور أنهم يتكلمون فيه. وفيه: أنه إذا أقيمت الصلاة وأطال الفصل فلا تعاد الإقامة، ولهذا أقيمت الصلاة وناجى النبي ﷺ هذا الرجل، ثم صلى ولم يعد الإقامة، وهذا الرجل قيل: إنه رجل له شأن في الإسلام، والله أعلم. وفيه: حسن خلق النبي ﷺ لمناجاة هذا الرجل. وفيه: تقديم المهمات والأمور المهمة، وأن هذا لا يؤثر ولو كان بعد إقامة الصلاة.

стр. 232

شرح حديث ابن عباس في الوضوء من النوم حال الاضطجاع قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا يحيى بن معين وهناد بن السري وعثمان بن أبي شيبة عن عبد السلام بن حرب، وهذا لفظ حديث يحيى: عن أبي خالد الدالاني عن قتادة عن أبي العالية عن ابن عباس ﵄: (أن رسول الله ﷺ كان يسجد وينام وينفخ ثم يقوم فيصلي ولا يتوضأ، فقلت له: صليت ولم تتوضأ وقد نمت، فقال: إنما الوضوء على من نام مضطجعاً)]. هذا الحديث أوله ثابت في الصحيحين أن النبي ﷺ كان ينام وينفخ ويصلي ولا يتوضأ؛ لأن نومه ﷺ لا ينقض وضوءه، ولهذا قال ﵊: (إنما تنام عيناي ولا ينام قلبي). وهذا من خصائصه ﵊. أما قوله: (إنما الوضوء على من كان مضطجعاً) هذه لفظة منكرة؛ لأنها من طريق أبي خالد الدالاني، وأبو خالد الدالاني هذا ضعيف يروي المناكير، وهذه اللفظة منكرة، والمنكر: هو مخالفة الضعيف للثقات. والبخاري لما روى هذا الحديث عن ابن عباس لم يذكر هذه اللفظة؛ لأنها منكرة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [زاد عثمان وهناد: فإنه إذا اضطجع استرخت مفاصله. قال أبو داود: قوله: (الوضوء على من نام مضطجعاً) هو حديث منكر لم يروه إلا يزيد أبو خالد الدالاني عن قتادة، وروى أوله جماعة عن ابن عباس ﵄ ولم يذكروا شيئاً من هذا]. وهذا الحديث فيه تدليس قتادة، وفيه ضعف أبي خالد الدالاني ومخالفة الثقات. أما عبد السلام بن حرب فهو ثقة حافظ له مناكير، وهذا من مناكيره. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال: كان النبي ﷺ محفوظاً. وقالت عائشة ﵂: قال النبي ﷺ : (تنام عيناي ولا ينام قلبي)، وقال شعبة: إنما سمع قتادة من أبي العالية أربعة أحاديث: حديث يونس بن متى، وحديث ابن عمر ﵄ في الصلاة، وحديث: القضاة ثلاثة، وحديث ابن عباس ﵄: حدثني رجال مرضيون منهم عمر، وأرضاهم عندي عمر ﵃]. يعني: أن شعبة إنما روى عنه قتادة عن أبي العالية أربعة أحاديث وهذا الحديث ليس منها: (إنما الوضوء على من كان مضطجعاً)، فيكون منقطعاً غير ثابت. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وذكرت حديث يزيد الدالاني لـ أحمد بن حنبل فانتهرني استعظاماً له]. أي: لأنه منكر، وكأنه يقول له: لا تذكر هذا الحديث على أنه صحيح، إنما هو ضعيف. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فقال: ما لـ يزيد الدالاني يدخل على أصحاب قتادة؟ ولم يعبأ بالحديث]. قوله: (ولم يعبأ بالحديث) يعني: بزيادة (الوضوء على من كان مضطجعاً). وقوله: (يدخل على أصحاب قتادة) يعني: على شيوخه، فدل على أن هذه اللفظة منكرة لا يعول عليها. وأخذ بعضهم بهذا وقال: إن الوضوء لا يجب إلا على من كان مضطجعاً، والنوم فيه خلاف طويل، فقال بعضهم: الوضوء مطلقاً لا ينقض، وبعضهم قال: ينقض مطلقاً حتى النعاس، وبعضهم قال: لا ينقض الوضوء إلا إذا كان راكعاً أو ساجداً، وبعضهم يقول: إذا كان مضطجعاً. والصواب: أن النوم المستغرق الذي يزول معه الإحساس هو الذي ينقض الوضوء، وأما النعاس وخفقان الرأس فهذا لا يؤثر، وبهذا تجتمع الأدلة كما في حديث صفوان بن عسال: (ولكن من غائط وبول ونوم) قال: فالنوم ينقض الوضوء، والأحاديث الصحيحة تذكر أن الصحابة كانوا يجلسون وتخفق رءوسهم وهم ينتظرون الصلاة، ثم يقومون للصلاة ولا يتوضئون، فدل على أنه يجمع بين الحديثين بهذا. وإذا كانت في النوم رؤيا فهو مستغرق.

стр. 233

شرح حديث: (العينان وكاء السه، فمن نام فليتوضأ) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا حيوة بن شريح الحمصي في آخرين قالوا: حدثنا بقية عن الوضين بن عطاء عن محفوظ بن علقمة عن عبد الرحمن بن عائذ عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (وكاء السه العينان فمن نام فليتوضأ)]. هذا الحديث رواه ابن ماجة، والسه: الدبر، والوكاء: هو الرباط، والمعنى: أن العينين رباط للحدث ورباط للدبر، فمن كان مستيقظاً فإنه يعلم بخروج الحدث ويمنع نفسه، وأما إذا نام فإن الحدث يخرج وهو لا يشعر. والحديث فيه بقية بن الوليد وهو كثير التدليس، وفيه الوضين بن عطاء وهو متكلم فيه، فقد وثقه أحمد وابن معين وضعفه بعضهم. قال ابن حجر ﵀ في التلخيص الحبير: وحسن المنذري وابن الصلاح والنووي حديث علي هذا. والحديث أخرجه ابن ماجة والبيهقي من طريق بقية به، وأحمد والدارقطني. وقال: وهم -يقصد من ذكر عبد الرحمن بن عائذ من الصحابة- قال: ووهم من من ذكره من الصحابة. والحديث أخرجه ابن ماجة والبيهقي من طريق بقية وأحمد والدارقطني، وحسن المنذري وابن الصلاح والنووي حديث علي هذا، وقال أبو زرعة: لم يسمع من علي، وقال ابن حجر في التلخيص: وفي هذا النفي نظر؛ لأنه يروي عن عمر كما جزم به البخاري. ومعنى قوله: (وكاء السه العينان، فمن نام فليتوضأ) أي: أن الإنسان إذا كان مستيقظاً فإنه سيعلم بخروج الحدث، وسيمنع نفسه من ذلك، وأما إذا كان نائماً فإن الحدث سيخرج منه، فالاستغراق في النوم ناقض للوضوء.

стр. 234

ما جاء فيمن يطأ الأذى برجله

стр. 235

شرح حديث: (كنا لا نتوضأ من موطئ) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في الرجل يطأ الأذى برجله. حدثنا هناد بن السري وإبراهيم بن أبي معاوية عن أبي معاوية ح وحدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثني شريك وجرير وابن إدريس عن الأعمش عن شقيق قال: قال عبد الله: (كنا لا نتوضأ من موطئ، ولا نكف شعراً ولا ثوباً)]. هذا الحديث أخرجه ابن ماجة والبيهقي وابن خزيمة، وقال: هذا الخبر له علة لم يسمعه الأعمش من شقيق. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي. وقال الألباني: حديث صحيح. وقد ذكر أبو داود الاختلاف في هذا السند هل هو بصيغة التحديث أم بصيغة العنعنة؟ قال ﵀: قال إبراهيم بن أبي معاوية فيه: عن الأعمش عن شقيق عن مسروق، أو حدثه عنه قال: قال عبد الله، وقال هناد عن شقيق أو حدثه عنه قال: قال عبد الله. وهذا اختلاف فإذا ثبت أن الأعمش لم يسمع من شقيق صار وطأ الأذى بالرجل فيه تفصيل: فإن وطأ نجاسة رطبة فلابد من غسل رجله، وأما إذا وطأ نجاسة يابسة فلا يضره ذلك، ولا يجب عليه الوضوء. وقوله: (ولا نكف شعراً ولا ثوباً) هذا ثابت في صحيح مسلم، والمعنى: أن المسلم إذا سجد فإنه يسجد على شعره وثوبه ولا يكفهما؛ لحديث: (نهيت أن أقرأ القرآن راكعاً أو ساجداً، وألا أكف شعراً ولا ثوباً) رواه مسلم في صحيحه. فإذا مشى في الأرض فالأصل فيها الطهارة إلا إذا علم أنها متنجسة فيغسل رجله ولا يعيد الوضوء، قوله: (كنا لا نتوضأ من موطأ ولا نكف شعراً ولا ثوباً) الوطء لا يتوضأ منه، وإنما تغسل الرجل إذا وطئت نجاسة رطبة، وإن وطئت يابسة فلا تغسل. وأبو معاوية هو محمد بن خازم، ذكر الحافظ ﵀ في التقريب بأنه ثقة أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يهم في حديث غيره. وهو في الأعمش من أوثق الناس وأحفظهم لحديثه. وكف الثياب معلوم مثل من يشمر ذراعه أو ذراعيه، لأن النبي نهى أن يكف المصلي ثيابه وشعره، وقد رأى ابن عباس رجلاً معصوب الشعر فحل شعره، وأنكر عليه ذلك. وعقد الشعر معناه منعه من إصابة الأرض، ففي حالة الركوع يتركه، إلا إذا كان ينسدل في حالة السجود فيصيب من حوله فلا يتركه، وكذلك إذا كان يمنعه من أن يباشر الأرض بجبهته.

стр. 236

ما جاء فيمن أحدث في الصلاة

стр. 237

شرح حديث: (إذا فسا أحدكم في الصلاة فلينصرف) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب فيمن يحدث في الصلاة. حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير بن عبد الحميد عن عاصم الأحول عن عيسى بن حطان عن مسلم بن سلام عن علي بن طلق ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا فسا أحدكم في الصلاة فلينصرف فليتوضأ وليعد الصلاة)]. هذا الحديث فيه أن خروج الريح يبطل الصلاة والوضوء، وعليه أن يعيد الوضوء والصلاة. والحديث صححه أحمد والترمذي والنسائي والدارمي وابن حبان من طريق عاصم الأحول. وقال أبو عيسى: حديث علي بن طلق حديث حسن. وقال الشيخ أحمد شاكر: إسناده صحيح. قلت: هذا الحديث لا بأس به، وهو أصح من حديث عائشة الذي فيه: (إذا خرج من أحدكم مذي أو دم أو قلس فلينصرف وليتوضأ، وليبن على صلاته ولا يتكلم)، فهو حديث ضعيف، وقد أخذ به بعض العلماء كـ مالك وأبي حنيفة وغيرهما وقالوا: إذا أحدث الإنسان وهو في الصلاة فإنه ينصرف ويتوضأ ولا يتكلم، وليبنِ على صلاته السابقة. وقد ذكرنا أن حديث عائشة حديث ضعيف فلا يعارض حديث علي بن طلق؛ لأنه حديث صحيح، وعليه العمل، وهذا إذا كان في الصلاة، وإن كان خارج الصلاة بطل الوضوء وعليه أن يتوضأ من جديد. ومثله إذا كان يطوف وخرج منه الحدث فإنه يبطل الطواف، وعليه أن يتوضأ ويعيد الطواف من جديد، وهذا هو الصواب وهو الذي عليه الفتوى، وعليه جمهور العلماء. وبعض العلماء يرى الطهارة ليست شرطاً للطواف، وهو ظاهر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وجماعة، وقال الإمام أبو حنيفة وغير إنه يجبره بجمع، والصواب الذي عليه الجمهور وهو أن الطواف من غير طهارة باطل.

стр. 238

ما جاء في المذي

стр. 239

شرح حديث علي في المذي قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في المذي. حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا عبيدة بن حميد الحذاء عن الركين بن الربيع عن حصين بن قبيصة عن علي ﵁ قال: (كنت رجلاً مذاء فجعلت أغتسل حتى تشقق ظهري، فذكرت ذلك للنبي ﷺ أو ذكر له فقال رسول الله ﷺ : لا تفعل، إذا رأيت المذي فاغسل ذكرك وتوضأ وضوءك للصلاة، فإذا فضخت الماء فاغتسل)]. هذا الباب فيه بيان حكم المذي، والمذي: هو ماء أبيض رقيق لزج يخرج عند الملاعبة وعند اشتداد الشهوة وتذكر الجماع، وقد لا يحس الإنسان بخروجه، فلهذا جاء الشرع بتخفيف حكمه، فنجاسته نجاسة مخففة. وحديث علي ﵁ هذا أخرجه النسائي، وأخرجه الشيخان من حديث محمد بن علي وهو: ابن الحنفية عن أبيه بنحوه مختصراً، وفيه دليل على أن خروج المذي لا يوجب الغسل، وإنما يوجب الوضوء، وهذا هو الصواب الذي عليه الجماهير خلافاً لمن قال: إنه يوجب الغسل، وهو قول شاذ. وفي هذا الحديث: أن علياً ﵁ قال: كنت رجلاً مذاء، ومذاء صيغة مبالغة، أي: أنه كان كثير المذي، قال: فجعلت أغتسل حتى تشقق ظهري، أي: أصابه تشقق بسبب كثرة الاغتسال في الشتاء، فبين له النبي ﷺ أنه لا يوجب الغسل وإنما يوجب الوضوء، ولهذا قال الرسول ﷺ : (لا تفعل، إذا رأيت المذي فاغسل ذكرك وتوضأ وضوءك للصلاة)، فدل هذا على أن المذي إنما يوجب الوضوء لا الغسل، وهو يدل على وجوب غسل الذكر كله من المذي، فقد قال له: (فاغسل ذكرك) وتأوله بعضهم أن المراد غسل ما أصابه المذي، والصواب أن المراد غسل جميع الذكر، وهذا بخلاف البول فإنه يغسل رأس الذكر فقط، وأما المذي فإنه يغسل الذكر كله، وكذا يغسل أنثييه من المذي، فقد جاء في بعض الروايات: (اغسل ذكرك وأنثييك)، ولعل الحكمة في ذلك والله أعلم: أن غسل الذكر والأنثيين يتقلصان بسبب الماء. قوله: (فإذا فضخت الماء فاغتسل) أي: إذا صببته بشدة فاغتسل، والمراد بالماء هنا المني، فهذا يدل على أن المني يوجب الغسل، وهو الذي يخرج بقوة وبلذة، وأما إذا خرج بغير شهوة كما يخرج من المريض فحكمه حكم البول، فقد يصاب الإنسان بمرض يسمى الإبردة، فإذا أصيب بهذا المرض خرج منه المني من غير شهوة، وهذا لا يوجب الغسل وإنما يوجب الوضوء، فالذي يوجب الغسل هو الذي يخرج دفقاً بلذة وبقوة؛ بسبب الشهوة. وكذلك إذا خرج منه المني في النوم ولو لم يذكر احتلاماً فإنه يجب عليه الغسل؛ لقول النبي ﷺ : (إنما الماء من الماء)، وهذا الحديث حكمه باقٍ في خروج المني في النوم، فإذا رأى المني في ثوبه أو فخذيه فإن عليه أن يغتسل ولو لم يذكر احتلاماً. وأما إذا احتلم في النوم ولم يجد بللاً في ثوبه فلا يجب الغسل؛ لأنه العبرة بخروج المني، وأما في اليقظة فإنه يجب عليه الغسل بخروج المني، وبالجماع ولو لم يخرج المني كما سيأتي في الأحاديث. وإذا خرج منه المني بعد الغسل فبعض العلماء يقولون: إنه لا غسل عليه، لكن ينبغي للإنسان ألا يعجل وألا يبادر بالاغتسال حتى يتأكد من خروج المني، ولو اغتسل بعد أن يقضي حاجته من البول فهذا يكون أولى.

стр. 240

إسناد آخر لحديث علي في المذي قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن أبي النضر عن سليمان بن يسار عن المقداد بن الأسود: (أن علي بن أبي طالب ﵁ أمره أن يسأل له رسول الله ﷺ عن الرجل إذا دنا من أهله فخرج منه المذي ماذا عليه؟ فإن عندي ابنته وأنا أستحيي أن أسأله، قال المقداد: فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال: إذا وجد أحدكم ذلك فلينضح فرجه، وليتوضأ وضوءه للصلاة)]. في هذا الحديث أن علياً أمر المقداد أن يسأل له، وفي حديث آخر أنه أمر عماراً بذلك، وفي رواية أخرى أنه سأل بنفسه، وقد جمع ابن حبان بين هذه الأحاديث: بأن علياً أمر عماراً أن يسأل، ثم أمر المقداد، ثم سأل بنفسه، وهذا الحافظ ﵀ يقول: إنه جمع بيّن إلا أن قوله في بعض الروايات إنه استحى من السؤال بنفسه لا ينافي قوله إنه سأله بنفسه، فهذا يحمل على المجاز، أي: يحمل قوله: سأله بنفسه أنه هو الآمر، ومن أمر فكأنما سأل. وهذا الحديث فيه أن المذي فيه الوضوء وليس فيه غسل، وأن المني يوجب الغسل، ولهذا قال: (إذا وجد أحدكم ذلك فلينضح فرجه، وليتوضأ وضوءه للصلاة)، والمراد بالنضح هنا تمام الغسل لا الرش. وقوله: (إذا دنا من أهله فخرج منه المذي) أي: ماذا عليه أن يفعل؟ والمذي هو ما يخرج من الإنسان عند اشتداد الشهوة. وهذا الحديث أخرجه النسائي وابن ماجة، وهو منقطع؛ لأن سليمان بن يسار لم يسمع من المقداد بن الأسود، لكن يشهد له ما قبله. قال الشارح: وقد رواه بكير بن الأشج عن سليمان بن يسار عن ابن عباس في قصة علي والمقداد موصولاً. أي: من رواية أخرى. وأما هذه الرواية فهي منقطعة. وسليمان بن يسار المدني هو أحد الفقهاء السبعة، روى عن زيد بن ثابت وعائشة وأبي هريرة وميمونة مولاته. وأما روايته عن المقداد فالظاهر أنها منقطعة، لكن الحديث شاهد لما قبله، وروي موصولاً من طريق أخرى كما رواه بكير بن الأشج عن سليمان بن يسار عن ابن عباس، وهي موصولة، وهو يشهد لما قبله، ويدل على أن المذي يوجب غسل الفرج والوضوء فقط دون الغسل. والمراد بالنضح ليس مجرد الرش كما ينضح بول الصبي الذي لم يأكل الطعام بالماء، فنجاسته مخففة، فإذا أصاب الثوب يكفيه الرش، لكن خروج المذي من الذكر فيه الغسل ولا يكفي الرش. وعلى كل حال فإن هذه الرواية ثابتة من طريق أخرى، ويشهد لها الحديث الذي قبله.

стр. 241

شرح حديث علي في غسل الذكر والخصيتين قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا أحمد بن يونس حدثنا زهير عن هشام بن عروة عن عروة أن علي بن أبي طالب قال للمقداد، وذكر نحو هذا، قال: فسأله المقداد، فقال رسول الله ﷺ : ليغسل ذكره وأنثييه. قال أبو داود: ورواه الثوري وجماعة عن هشام عن أبيه عن المقداد عن علي ﵁ عن النبي ﷺ . حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي قال: حدثنا أبي عن هشام بن عروة عن أبيه عن حديث حدثه عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قلت للمقداد ﵁ فذكر معناه. قال أبو داود: رواه المفضل بن فضالة وجماعة والثوري وابن عيينة عن هشام عن أبيه عن علي بن أبي طالب، ورواه ابن إسحاق عن هشام بن عروة عن أبيه عن المقداد عن النبي ﷺ ولم يذكر أنثييه]. هذا الحديث ذكر فيه المؤلف ﵀ هذه الروايات المعلقة؛ ليبين الاختلاف في رواية غسل الذكر والأنثيين، ولهذا اختلف العلماء في غسل الأنثيين تبعاً لثبوت هذه الرواية أو عدم ثبوتها، ولكن الحديث الأول وهو حديث هشام بن عروة عن عروة فيه غسل الذكر والأنثيين، والمراد بالأنثيين الخصيتين، فهي ثابتة من رواية عروة بن الزبير عن علي، وعروة معاصر لـ علي ﵁، وكان ابن عشرين سنة لما ذهب علي إلى الكوفة. وكذلك غسل الأنثيين ثابت من رواية أبي عوانة الإسفرائيني في صحيحه من حديث سليمان بن حيان عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن عبيدة السلماني عن علي بن أبي طالب ﵁، ذكر ذلك العلامة ابن القيم ﵀، وفيه يغسل ذكره وأنثيية، فتثبت رواية الغسل وعليه فيجب غسل الذكر والأنثيين -أي: الخصيتين- من المذي، وكأن الحكمة والله أعلم حتى يتقلص الإحليل وهذا خاص بالمذي، وأما البول فلا تغسل الأنثيان وإنما يغسل رأس الذكر فقط. وقد أراد المؤلف أن رواية غسل الأنثيين غير واردة من وجه صحيح؛ لأن حديث زهير عن هشام بن عروة فيه انقطاع؛ فـ زهير لم يسمع منه، وأما رواية عروة فثابتة، وكذلك رواية أبي عوانة الإسفرائيني ثابتة ذكرها ابن القيم ﵀، فرواية أبي عوانة عن علي ثابتة. لكن رواية زهير عن هشام إن كانت ثابتة فتكون كل من الروايتين تعضد الأخرى، وإن لم تثبت كان المنقطع يعضد المتصل. قال في الحاشية: وإسناد هذا الحديث واضح. وهذا كأنه يرى سماع زهير وهو زهير بن حرب بن شداد الحرشي بفتح المهملتين بعدهما معجمة مولاهم أبو خيثمة النسائي الحافظ، روى عن جماعة منهم ابن عيينة وحفص بن غياث، روى عنه البخاري ومسلم وغيرهما. ولم يذكر روايته عن هشام فيحتاج إلى تأمل. والصواب أن عروة سمع من علي بن أبي طالب، فقد كان ابن عشرين عاماً عندما ذهب معه إلى الكوفة.

стр. 242

شرح حديث سهل بن حنيف في نضح المذي بالماء قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا مسدد قال: حدثنا إسماعيل -يعني ابن إبراهيم - أخبرنا محمد بن إسحاق حدثني سعيد بن عبيد بن السباق عن أبيه عن سهل بن حنيف قال: (كنت ألقى من المذي شدة، وكنت أكثر من الاغتسال، فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: إنما يجزيك من ذلك الوضوء، قلت: يا رسول الله! فكيف بما يصيب ثوبي منه؟ قال: يكفيك بأن تأخذ كفاً من ماء فتنضح بها من ثوبك حيث ترى أنه أصابه)]. هذا الحديث أخرجه الترمذي وابن ماجة وفيه أن المذي يوجب الوضوء ولا يوجب الغسل، ولهذا قال: (إنما يجزيك من ذلك الوضوء). وفيه أن المذي إذا أصاب الثوب فإنه يكفيه النضح وهو الرش بدون غسل؛ لأن نجاسته مخففة كبول الغلام الذي لم يأكل الطعام، وهذا من فضل الله تعالى وإحسانه؛ لأن الإنسان قد يبتلى به كثيراً ولاسيما الشاب، فالله تعالى خفف في حكمه بأن جعل نجاسته مخففة يكفيها الرش مثل بول الغلام الرضيع، وأما بول الجارية فلابد من غسله، ولهذا قال: (يكفيك أن تأخذ كفاً من ماء فتنضح بها من ثوبك)، تنضح: بمعنى ترش، (حيث ترى) أي تبصر فيه، أو حيث ترى -بالضم- أي: تظن. والنضح بالنسبة للذكر المراد به الغسل، وبالنسبة لما أصابه من الثوب فالمراد به الرش، فالنضح يأتي لهذا ولهذا. والمذي المعروف عنه أنه نجس، ونجاسته مخففة، ولا يجب فيه الغسل بل الوضوء. والمني الذي هو أصل الإنسان طاهر.

стр. 243

شرح حديث عبد الله بن سعد الأنصاري في غسل الذكر والخصيتين من المذي قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا إبراهيم بن موسى أخبرنا عبد الله بن وهب حدثنا معاوية -يعني ابن صالح - عن العلاء بن الحارث عن حرام بن حكيم]. حرام بن حكيم بالحاء والراء المهملتين المفتوحتين هو الأنصاري العبدلي، وأما المهاجرون ففيهم حزام بالزاي، وهو حزام بن حكيم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [عن حرام بن حكيم عن عمه عبد الله بن سعد الأنصاري قال: (سألت رسول الله ﷺ عما يوجب الغسل، وعن الماء يكون بعد الماء، فقال: المذي، وكل فحل يمذي، فتغسل من ذلك فرجك وأنثييك، وتوضأ وضوءك للصلاة)]. وهذا الحديث أخرجه الترمذي وابن ماجة وهو حديث لا بأس بسنده، وفيه دليل بين على غسل الذكر والأنثيين، وعلى أن المذي يوجب الوضوء ولا يوجب الغسل، وأن المذي يكون عقب البول متصلاً به. ومذى يمذي مثل مضى يمضي، ومن الرباعي أَمذى يُمذي. وكل فحل يمذي، وهذا عام في جميع الفحول.

стр. 244

شرح حديث عبد الله بن سعد في استمتاع الرجل من امرأته الحائض قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا هارون بن محمد بن بكار حدثنا مروان -يعني ابن محمد - حدثنا الهيثم بن حميد حدثنا العلاء بن الحارث عن حرام بن حكيم عن عمه: (أنه سأل رسول الله ﷺ ما يحل لي من امرأتي وهي حائض؟ قال: لك ما فوق الإزار، وذكر مؤاكلة الحائض أيضاً)، وساق الحديث]. هذا الحديث فيه دليل على جواز استمتاع الرجل من امرأته الحائض بما فوق السرة؛ لقوله: (لك ما فوق الإزار)، والإزار يكون من السرة إلى الركبة، وقد دل هذا الحديث على أنه يستمتع بما فوق السرة وهذا هو الأفضل، وأن يأمرها أن تضع إزاراً إذا أراد أن يستمتع بها، ولكن لا بأس في الاستمتاع بما تحت الإزار أيضاً بشرط اجتناب الفرج، ويدل على هذا حديث أنس عند مسلم: (اصنعوا كل شيء إلا النكاح) أي: إلا الجماع، فدل على أن قوله: (لك ما فوق الإزار) محمول على الاستحباب، فالأفضل أن يباشر ما فوق الإزار وأن يأمرها أن تضع إزاراً من السرة إلى الركبة، هذا هو الأفضل، ولكن لا بأس بالاستمتاع بما تحت الإزار مع اجتناب الجماع. ويدل هذا الحديث على مؤاكلة الحائض، وفيه الرد على اليهود الذين لا يؤاكلون الحائض ولا يجالسونها ولا يجامعونها، بل يهجرونها في البيوت، فقال النبي ﷺ : (اصنعوا كل شيء إلا النكاح). ولما قال رسول الله ﷺ ذلك سأله بعض الصحابة: أفلا نجامعها؟ فسكت النبي ﷺ حتى ظن أنه غضب عليه، والسائل هو أسيد بن حضير ثم جاءه بعد ذلك بلبن فسقاه، فعلم أنه لم يغضب عليه. والحديث أخرجه غيره مطولاً عن معاوية يعني: ابن صالح عن العلاء بن الحارث عن حرام بن حكيم عن عمه عبد الله بن ثابت أنه سأل رسول الله ﷺ عما يوجب الغسل، وعن الماء يكون بعد الماء، وعن الصلاة في البيت؟ وكأن الشيخ اختصره، أو من ساق الحديث اختصره، وذكر أن رواية هذا الحديث ثابتة، وأن رواية حرام بن حكيم عن عمه ثابتة، فذكر الآن ما يتعلق بالاستمتاع من الحائض، ولم يذكر حكم الماء من الماء؛ اكتفاء بذكره الحديث السابق. لكن في الحديث الذي بعده كذلك ذكر الاستمتاع، وكأن المؤلف ﵀ أدخل حديث الاستمتاع، ووجه المناسبة أنه عند الاستمتاع تشتد الشهوة ويخرج المذي، فلهذا ذكره. وحديث عبد الله بن سعد فيه الأمر بالاستمتاع من الحائض بما فوق الإزار، وحديث معاذ الذي سيأتي فيه أن التعفف عن ذلك أفضل، وصرح المؤلف بأن حديث معاذ ضعيف.

стр. 245

شرح حديث معاذ في جواز إتيان الحائض فيما فوق الإزار قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا هشام بن عبد الملك اليزني حدثنا بقية بن الوليد عن سعد الأغطش وهو ابن عبد الله عن عبد الرحمن بن عائذ الأزدي قال هشام: وهو ابن قرط أمير حمص، عن معاذ بن جبل قال: (سألت رسول الله ﷺ عما يحل للرجل من امرأته وهي حائض؟ قال: فقال: ما فوق الإزار، والتعفف عن ذلك أفضل). قال أبو داود: وليس هو -يعني الحديث- بالقوي]. هذا الحديث ضعيف وقد ضعفه أبو داود ﵀، وفيه أربع علل إحداها: عنعنة بقية بن الوليد وهو مدلس. والثانية: ضعف سعد الأغطش. والثالثة: الانقطاع فإن عبد الرحمن بن عائذ لم يسمع من معاذ. والرابعة: في متنه نكارة، وهي زيادة قوله: (والتعفف من ذلك أفضل)، وثبت أن النبي ﷺ كان يستمتع بما فوق الإزار، وكان إذا أراد أن يستمتع من أهله أمرها بأن تضع الإزار فيستمتع بها، فكيف يكون التعفف أفضل، وهو فعل النبي ﷺ ، فهذا الحديث ضعيف.

стр. 246

شرح سنن أبي داود_ كتاب الطهارة [١٤] لقد بين الإسلام كل ما يحتاجه المسلم في حياته، ومن ذلك حث الجنب إذا أراد أن ينام أو يأكل أو يشرب على الوضوء إن كان يريد تأخير الغسل، ومن أراد أن يعاود جماع أهله فقد حثه أيضاً على الوضوء لما له من أثر على نشاطه.

стр. 247

ما جاء في الإكسال

стр. 248

شرح حديث: (الماء من الماء) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب في الإكسال. حدثنا أحمد بن صالح حدثنا ابن وهب أخبرني عمرو -يعني ابن الحارث - عن ابن شهاب حدثني بعض من أرضى أن سهل بن سعد الساعدي أخبره أن أبي بن كعب أخبره (أن رسول الله ﷺ إنما جعل ذلك رخصة للناس في أول الإسلام لقلة الثياب، ثم أمر بالغسل ونهى عن ذلك). قال أبو داود: يعني الماء من الماء]. الإكسال معناه: الضعف والفتور، وهو: أن يجامع فلا ينزل فمن جامع وغيب الحشفة في الفرج وجب عليه الغسل ولو لم ينزل، وكان في أول الإسلام إذا جامع الإنسان ولم ينزل، غسل ذكره وتوضأ وضوءه للصلاة، ثم نسخ ذلك، وأوجب الله الغسل بالجماع. وهذا الحديث فيه مجهول، لأنه قال: حدثني بعض من أرضى أن سهل بن سعد، فهذا مبهم لا بد من تسميته؛ لأنه قد يرضاه هو ولا يرضاه غيره، لعلة قادحة فيه، ولكن له شواهد في الصحيحين وغيرهما في أن الإنسان إذا جامع ولم ينزل فإنه يجب عليه الغسل. وأبي بن كعب أخبر أن رسول الله ﷺ إنما جعل عدم الاغتسال من الجماع بغير إنزال رخصة للناس في أول الإسلام؛ لقلة الثياب، ثم أمر بالغسل ونهى عن ذلك، هذا ثابت بالأحاديث الصحيحة، وإن كان هذا الحديث فيه انقطاع. وقوله: (الماء من الماء) الماء الأول ماء الغسل، والماء الثاني ماء المني، أي: لا يجب الغسل إلا إذا خرج المني، وهذا كان في أول الإسلام ثم نسخ وبقي حكم ذلك في النائم فلا يجب عليه الغسل إلا إذا رأى المني. قوله: (حدثني بعض من أرضى)، قال ابن حبان: تتبعت طرق هذا الخبر على أن أجد أحداً رواه عن سهل بن سعد فلم أجد في الدنيا أحداً إلا أبا حازم، فيشبه أن يكون الرجل الذي قال الزهري: حدثني بعض من أرضى عن سهل بن سعد هو أبو حازم. وعلى هذا فيكون الحديث متصلاً، لكن هو بهذا السند منقطع. وسيأتي في الحديث الذي بعده، أن قليلاً من الصحابة والتابعين ذهبوا إلى أنه لا غسل إلا من الإنزال. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن مهران البزاز الرازي حدثنا مبشر الحلبي عن محمد أبي غسان عن أبي حازم، عن سهل بن سعد قال: حدثني أبي بن كعب: (أن الفتيا التي كانوا يفتون أن الماء من الماء كانت رخصة رخصها رسول الله ﷺ في بدء الإسلام ثم أمر بالاغتسال بعد)]. هذا الحديث فيه ذكر أبو حازم الساقط في الحديث السابق، الذي يروي عن سهل بن سعد. وهذا الحديث أخرجه الترمذي وابن ماجة، وقال الترمذي: حسن صحيح. وسهل بن سعد يقول: حدثني أبي بن كعب: (أن الفتيا التي كانوا يفتون أن الماء من الماء كانت رخصة رخصها رسول الله ﷺ في بدء الإسلام ثم أمر بالاغتسال بعد) والذين يفتون بذلك جماعة من الصحابة منهم: علي وعثمان والزبير وطلحة وأبو أيوب، كما أخرج الشيخان في صحيحيهما (أن هؤلاء الصحابة كانوا يفتون أن الماء من الماء) يعني: أنه لا يجب الغسل إلا من خروج المني، فإذا جامع ولم ينزل فلا يجب الغسل، وهذا كان رخصة في أول الإسلام رخصها رسول الله ﷺ ثم أمر بالاغتسال بعد ذلك، وهذا صريح بأن هذا الحكم منسوخ، وهو ثابت في الصحيحين وفي غيرهما.

стр. 249

شرح حديث التقاء الختانين قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا مسلم بن إبراهيم الفراهيدي، حدثنا هشام وشعبة عن قتادة عن الحسن عن أبي رافع عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (إذا قعد بين شعبها الأربع وألزق الختان بالختان فقد وجب الغسل)]. هذا الحديث رواه الشيخان بدون لفظ: (وألزق الختان بالختان)، والمراد بشعبها الأربع هي: اليدان والرجلان هذا هو الأقرب، وقيل: الرجلان والفخذان وقيل: الفخذان والختان. ففي رواية البخاري (إذا قعد بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل) وفي لفظ: (وإن لم ينزل) جهدها يعني: شدها بحركته وإن لم ينزل، وهذا الحديث فيه دليل على أنه يجب الغسل بمجرد الإيلاج فإذا أولج الذكر في الفرج، ومس الختان الختان؛ فإنه يجب الغسل. والمراد من قوله: (ألزق الختان بالختان) أي: ألزق ختان الرجل بختان المرأة، والمراد تلاقي موضع القطع من الذكر مع موضعه من فرج الأنثى، وذلك لا يكون إلا إذا كان الذكر في الفرج، وليس المراد حصول مس الحشفة وهي رأس الذكر في الفرج، فلا يلاقي الختان الختان إلا إذا غيب الحشفة. وقد أجمع العلماء على أنه لو وضع ذكره على ختانها ولم يغيب الحشفة لم يجب الغسل لا عليه ولا عليها، وإنما يجب الغسل بتغييب الحشفة في الفرج أو قدرها إذا كانت مقطوعة فإذا غيب الحشفة وهي رأس الذكر في الفرج فحينئذ يلتقي الختان بالختان؛ لأن الختان في المرأة في أعلى الفرج، فإذا غيب الحشفة في الفرج التقى الختان بالختان وليس المراد مس الختان بالختان. فدل على أن قوله: (إنما الماء من الماء) منسوخ، وبقي حكم الماء من الماء في الاحتلام، فإن المحتلم لا يغتسل حتى يخرج منه الماء وهو المني، فإذا احتلم ولم يخرج منه شيء فلا غسل عليه، بخلاف المجامع فإنه إذا أولج ومس الختان الختان وغيب الحشفة في الفرج، فإنه يجب عليه الغسل.

стр. 250

شرح حديث أبي سعيد في كون الماء من الماء قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا أحمد بن صالح حدثنا ابن وهب أخبرني عمرو عن ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: (الماء من الماء). وكان أبو سلمة يفعل ذلك]. هذا الحديث منسوخ بحديث: (إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جاهدها فقد وجب الغسل) أخرجه الشيخان، وفي لفظ لـ مسلم: وإن لم ينزل)، لكن بقي حكم هذا في النوم فلا يجب الغسل إلا إذا أخرج الماء وهو المني، هذا هو الصواب، وقد بقي بعض الصحابة، وبعض التابعين على المذهب الأول، وكأنه لم يبلغهم النسخ، ولهذا قال الشارح: واعلم أن قليلاً من الصحابة والتابعين ذهبوا إلى أنه لا غسل إلا من الإنزال وهو مذهب داود الظاهري، وهو قول ضعيف مرجوح. والصواب الذي عليه الجماهير أنه يجب الغسل بمجرد التقاء الختانين بعد غيبوبة الحشفة في الفرج وهذا لا ينبغي العدول عنه، وأحاديث الباب كلها تدل على ذلك. كذلك إذا قطعت الحشفة ثم غيب مقدارها في الفرج وجب الغسل.
следующие страницы →