Полный текст (438 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
احتلام نساء النبي ﵊
السؤال
هل نساء النبي ﷺ لا يحتلمن لأنه من الشيطان؟
الجواب
ليس هذا ببعيد، لكن حتى غير نساء النبي قد لا يحتلمن، فاحتلام النساء قليل؛ ولهذا أنكرت ذلك أم سلمة وعائشة.
стр. 282
شرح سنن أبي داود_ كتاب الطهارة [١٦]
غسل الجنابة واجب على المسلم تعبداً لله وامتثالاً لأمره، وقد علمنا النبي ﷺ كيفية الغسل وما الذي يجب فيه وما يستحب.
стр. 283
المقدار الذي يجزئ في الغسل
стр. 284
شرح حديث اغتسال رسول الله من الفرق للجنابة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب مقدار الماء الذي يجزئ به الغسل.
حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي عن مالك عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة ﵂: (أن رسول الله ﷺ كان يغتسل من إناء واحد هو الفرق من الجنابة).
قال أبو داود: قال معمر عن الزهري في هذا الحديث، قالت: (كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد، فيه قدر الفرق).
قال أبو داود: وروى ابن عيينة نحو حديث مالك.
قال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يقول: الفرق ستة عشر رطلاً، وسمعته يقول: صاع ابن أبي ذئب خمسة أرطال وثلث.
قال: فمن قال: ثمانية أرطال؟ قال: ليس ذلك بمحفوظ.
قال: وسمعت أحمد يقول: من أعطى في صدقة الفطر برطلنا هذا خمسة أرطال وثلثاً فقد أوفى.
قيل: الصيحاني ثقيل؟ قال: الصيحاني أطيب.
قال: لا أدري].
هذ الترجمة في بيان مقدار الماء الذي يجزئ في الغسل، وذكر فيه حديث عائشة أن النبي ﷺ كان يغتسل من إناء هو الفرق، والفرق مكيال مقدار ثلاثة آصع، هذا أصح ما قيل فيه.
وفي رواية الزهري قالت عائشة: (كنت أغتسل أنا ورسول الله من إناء واحد فيه قدر الفرق) يعني: -مقدار الآصع- وفي اللفظ الآخر: (تختلف أيدينا)، وفي اللفظ الآخر: (حتى أقول: دع لي، ويقول: دعي لي) وفيه دليل على جواز اغتسال الرجل وزوجته من إناء واحد، وأنه لا بأس أن ينظر الرجل إلى عورة امرأته وتنظر إلى عورته؛ لأنها حل له وهو حل لها، وأما حديث: (ما رأيت منه ولا رأى مني) يعني: العورة فهو حديث ضعيف لا يقاوم الأحاديث الصحيحة.
وفي هذا الحديث أن أبا داود سأل الإمام أحمد ﵀ عن الفرق؟ فقال: ستة عشر رطلاً، وهو ثلاثة آصع، بصاع النبي ﷺ ؛ لأن الصاع خمسة أرطال وثلث؛ ولهذا قال أبو داود: سمعت أحمد يقول: صاع ابن أبي ذئب خمسة أرطال وثلث، فيكون الفرق ستة عشر رطلاً، وهو ثلاثة آصع، فسأل أبو داود الإمام أحمد عمن قال: ثمانية أرطال؟ فقال: ليس ذلك بمحفوظ، وهذا هو ما ذهب إليه الأحناف، فقد ذهبوا إلى أن الصاع ثمانية أرطال، ولم ير هذا أحمد وقال: ليس ذلك بمحفوظ.
قال أبو داود: وسمعت أحمد يقول: من أعطى في صدقة الفطر برطلنا هذا خمسة أرطال وثلثاً فقد أوفى، يعني: أن الصاع في الماء وفي صدقة الفطر خمسة أرطال وثلث.
وقوله: الصيحاني ثقيل، الصيحاني تمر معروف في المدينة.
وقوله: الصيحاني أطيب.
قال: لا أدري.
هذه اللفظة فيها اختلاف، والأصل أن الصاع أربعة أمدد، والمد ملء كفي الرجل المتوسط، والصاع أربع حفنات كل حفنة ملء كفي الرجل المتوسط الذي ليست يداه كبيرتين ولا صغيرتين، وهذا هو صاع النبي ﷺ .
وأبو حنيفة ذهب إلى أن الصاع ثمانية أرطال، وكان أبو يوسف الصاحب الأول يذهب إلى قول أبي حنيفة، ثم بعد أن ذهب إلى الحجاز وأروه الصاع النبوي ذهب إلى أن الصاع خمسة أرطال وثلث، وترك قول أبي حنيفة، وقد روى البيهقي عن الحسين بن الوليد القرشي قال: قدم علينا أبو يوسف من الحج، فقال: إني أريد أن أفتح لكم باباً من العلم أهمني، ففحصت عنه فقدمت المدينة فسألتهم عن الصاع، فقالوا: صاعنا هذا صاع رسول الله ﷺ ، فقلت لهم: ما حجتكم في ذلك؟ قالوا: نأتيك بالحجة غداً، فلما أصبحت أتاني نحو خمسين شيخاً من أبناء المهاجرين والأنصار مع كل رجل منهم الصاع تحت ردائه، كل رجل منهم يخبر عن أبيه وأهل بيته أن هذا صاع رسول الله ﷺ ، وكلها سواء، خمسة أرطال وثلث، فرأيت أمراً قوياً فتركت قول أبي حنيفة في الصاع، وأخذت بقول أهل المدينة.
والمراد هنا بيان أن النبي ﷺ كان يغتسل في الغالب بالصاع، ويتوضأ بالمد، وربما توضأ بثلثي المد، وربما اغتسل بأقل من الصاع، وكان يغتسل هو وزوجته بثلاث آصع في الغالب، وقد يزيد يسيراً، وليس المراد التحديد، وقد ذكر الشارح كلاماً جيداً في هذا، قال: واعلم أنه ليس الغسل بالصاع أو الفرق للتحديد والتقدير، بل كان رسول الله ﷺ ربما اقتصر على الصاع، وربما زاد عليه، والقدر المجزئ من الغسل ما يحصل به تعميم البدن على الوجه المعتبر سواء كان صاعاً أو أقل أو أكثر ما لم يبلغ في النقصان إلى مقدار لا يسمى مستعمله مغتسلاً، أو إلى مقدار في الزيادة يدخل فاعله في حد الإسراف.
إذاً: ليس هناك تحديد، لكن النبي ﷺ كان يغتسل بالصاع، فإذا اغتسل الإنسان بالصاع أو أكثر فلا حرج، أو أقل فلا حرج، المهم أن يعمم البدن على الوجه المعتاد وعلى الوجه المعتبر، فإذا عمم بدنه بالماء سواء كان صاعاً أو أقل أو أكثر فلا حرج ما لم يبلغ في النقصان إلى مقدار لا يسمى مستعمله مغتسلاً، فلو أتى بمد أو بنص مد واغتسل به فهذا لا يصل إلى حد يسمى صاحبه مغتسلاً، بل هذا مسح، وليس المقصود أن يمسح بدنه، بل المقصود أن يغسل بدنه ويعمه بالماء.
وهذا الحديث أخرجه الشيخان وله ألفاظ.
стр. 285
الغسل من الجنابة
стр. 286
شرح الأحاديث الواردة في صفة غسل الجنابة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في الغسل من الجنابة.
حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي قال: حدثنا زهير قال: حدثنا أبو إسحاق قال: حدثني سليمان بن صرد عن جبير بن مطعم ﵁: (أنهم ذكروا عند رسول الله ﷺ الغسل من الجنابة، فقال رسول الله ﷺ : أما أنا فأفيض على رأسي ثلاثاً وأشار بيديه كلتيهما)].
هذا الباب معقود لبيان كيفية الاغتسال، وذكر في حديث جبير بن مطعم ﵁، والحديث أخرجه الشيخان والنسائي وابن ماجة.
وفيه استحباب إفاضة الماء على الرأس ثلاثاً، ولهذا قال النبي ﷺ : (أما أنا فأفيض على رأسي ثلاثاً وأشار بيده كلتيهما)، ولم يذكر بقية الغسل؛ لأنه جاء في الأحاديث الأخرى، وإنما فيه بيان إفاضة الماء على الرأس ثلاثاً، وهذا هو المستحب، والواجب في الغسل إيصال الماء إلى أصول الشعر، لكن كونه يفيض الماء على رأسه ثلاثاً فهذا مستحب، وهو الأفضل.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن المثنى حدثنا أبو عاصم عن حنظلة عن القاسم عن عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة دعا بشيء من نحو الحلاب، فأخذ بكفيه، فبدأ بشق رأسه الأيمن ثم الأيسر، ثم أخذ بكفيه فقال بهما على رأسه)].
هذا الحديث أخرجه الشيخان والنسائي، وفيه استحباب البداءة بالميامن في التطهر، ولهذا قال: (فبدأ بشق رأسه الأيمن).
وفيه أنه أخذ بكفيه فقال بهما على رأسه.
وقوله: (من نحو الحلاب) ذكر الخطابي أن الحلاب إناء يسع قدر حلب الناقة.
والبخاري ﵀ في صحيحه تأول هذا على استعمال الطيب في الطهور، قال الخطابي: هذا من البخاري وهم، وليس الحلاب من الطيب في شيء، وإنما هو ما فسرت لك.
وفي هذا الحديث أنه بدأ بشقه الأيمن، وهذا هو الأفضل، ولم يذكر بقية الغسل، فيؤخذ من الأحاديث الأخرى.
وفيه استحباب البداءة بالميامن، يبدأ بشقه الأيمن، وإن لم يبدأ فلا حرج، وإذا عمم بدنه بالماء كفى سواء بدأ بالأيمن أو بالأيسر، لكن الأفضل أن يبدأ بالشق الأيمن من الرأس وكذلك أيضاً يبدأ بشقه الأيمن من الجسد.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا يعقوب بن إبراهيم قال: حدثنا عبد الرحمن -يعني ابن مهدي - عن زائدة بن قدامة عن صدقة قال: حدثنا جميع بن عمير أحد بني تيم الله بن ثعلبة قال: (دخلت مع أمي وخالتي على عائشة ﵂، فسألتها إحداهما: كيف كنتم تصنعون عند الغسل؟ فقالت عائشة ﵂: كان رسول الله ﷺ يتوضأ وضوءه للصلاة ثم يفيض على رأسه ثلاث مرار، ونحن نفيض على رءوسنا خمساً من أجل الظفر)].
هذا الحديث أخرجه النسائي وابن ماجة، وفي سنده جميع بن عمير، قال بعضهم: لا يحتج بحديثه، وقال في التقريب: صدوق يخطئ ويتشيع.
وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما أن النبي ﷺ توضأ وضوءه للصلاة، ثم أفاض بالماء على رأسه ثلاث مرار، لكن المستنكر هنا قوله: (ونحن نفيض على رءوسنا خمساً من أجل الظفر)، ففيه أن عائشة خالفت فعل النبي ﷺ ، فالنبي ﷺ كان يفيض على رأسه ثلاثاً، وهي تفيض على رأسها خمساً من أجل الظَّفْر وهو شد الشعر أو من أجل الظُفُرْ وهي الخصلة من الشعر، وهو معارض لحديث أم سلمة الآتي: (يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات من ماء ثم تفيضين على سائر جسدك)، وهذا هو المعتمد، ولعل هذا من أوهام جميع بن عمير، ففي ترجمته: جميع بن عمير التميمي: أبو الأسود كوفي شيعي.
عن عائشة وابن عمرو وعوام بن حوشب والأعمش، قال البخاري: فيه نظر.
قال ابن أبي حاتم: صادق الحديث.
البخاري لطيف العبارة في التجريح، فإذا قال: فيه نظر، فمعناه: لا يحتج به، فلعل قوله: (ونحن نفيض على رءوسنا خمساً من أجل الظفر) من أوهام جميع، ولا يمكن أن عائشة تخالف فعل النبي ﷺ ، ولاسيما أن النبي ﷺ قال في حديث أم سلمة الآتي: (يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات).
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا سليمان بن حرب الواشحي ح وحدثنا مسدد قالا: أخبرنا حماد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: _ (كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة -قال سليمان: يبدأ فيفرغ بيمينه على شماله، وقال مسدد: غسل يديه يصب الإناء على يده اليمنى، ثم اتفقا- فيغسل فرجه -وقال مسدد: يفرغ على شماله- وربما كنّت عن الفرج ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يدخل يده في الإناء فيخلل شعره حتى إذا رأى أنه قد أصاب البشرة أو أنقى البشرة أفرغ على رأسه ثلاثاً، فإذا فضل فضلة صبها عليه)].
هذا الحديث أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي، وفيه أن النبي ﷺ كان يبدأ أولاً بغسل فرجه وما حوله، ثم يفيض بيمينه على شماله، فيغسل يده.
وقوله: وربما كنّت عن الفرج، الكناية هي أن يعبر عن الشيء بما يفيد المعنى بعبارة ليس فيها ما يستنكرها الإنسان، فيعبر عن الشيء الذي يستحى منه بلفظ يفهم منه المعنى.
وقد جاء في الحديث الآخر: أنه كان يضرب بيده الأرض أو الحائط مرتين أو ثلاثاً لإزالة ما علق بها من الرائحة، وكانت الجدران من طين، فإذا ضرب يده في الجدار علق به الطين ثم صب عليه الماء فتزول الرائحة، والآن لا يجد الإنسان التراب لا في الجدار ولا في الأرض، ولكن يغني عن ذلك الصابون أو ما ينوب عنه، وإذا لم يجد صابوناً وصب عليه الماء يكفي، لكن من باب النظافة إذا أصاب شيئاً من الصابون أو ضرب يده بالأرض أو الحائط كما فعل النبي ﷺ لإزالة الرائحة فهو أفضل.
وفيه أن النبي ﷺ كان يبدأ فيغسل فرجه وما حوله، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم بعد ذلك يخلل شعره ويصب على رأسه ثلاثاً، وهذا هو الأفضل، والواجب إيصال الماء إلى أصول الشعر ولو مرة واحدة، فإذا فضلت فضلة صبها عليه.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عمرو بن علي الباهلي حدثنا محمد بن أبي عدي حدثنا سعيد عن أبي معشر عن النخعي عن الأسود عن عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يغتسل من الجنابة بدأ بكفيه فغسلهما، ثم غسل مرافغه، وأفاض عليه الماء، فإذا أنقاهما أهوى بهما إلى حائط، ثم يستقبل الوضوء، ويفيض الماء على رأسه)].
هذا الحديث فيه اختصار، وفيه بيان كيفية الغسل من الجنابة، وهو أنه يبدأ بكفيه -كما جاء في عدة أحاديث- فيغسلهما ثلاثاً، وقد جاء في حديث عائشة وفي حديث ميمونة أن المسلم إذا أراد أن يغتسل من الجنابة يبدأ بغسل كفيه، وقبل ذلك يجب عليه أن ينوي، فإن انغمس في الماء ناوياً التبرد لا يرتفع عنه الحدث؛ لقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) فلا بد من النية، ثم يسمي، والتسمية في الوضوء وفي الغسل مستحبة عند جمهور العلماء، وأوجبها طائفة من أهل العلم، وهم الحنابلة وجماعة، قالوا: والأحاديث وإن كانت ضعيفة إلا أنه يشد بعضها بعضاً، فتكون من باب الحسن لغيره، وقد ساق الحافظ ابن كثير ﵀ الآثار في آية الوضوء التي جاءت في سورة المائدة، وهي كثيرة وقال: إنه يشد بعضها بعضاً.
قوله: (ثم غسل مرافغه) المراد بالمرافغ: المغابن والآباط وأصول الفخذين، وهو كناية عن غسل الفرج، وكنت عائشة ﵂ عن غسل الفرج بغسل المرافغ كما جاء في بعض الروايات: (إذا التقى الرفغان وجب الغسل)، يريد التقاء الختانين، فكنى عنه بالتقاء أصول الفخذين، ذكر هذا في النهاية وفي غيره.
وفيه أنه إذا استنجى يغسل يده بعد ذلك، وقد جاء هذا أيضاً في أحاديث وفيها أنه ﵊ كان إذا استنجى ضرب بيده الحائط، لتنقية اليد مما علق بها من الرائحة، وإذا غسلها بالصابون فإنه ينوب مناب الحائط؛ لأن الحائط في ذلك الزمان من طين فيعلق الطين ويغسله أما الآن فالحائط أملس، وكذلك الأرض ملساء، فينوب عنه الصابون، وإن اكتفى بالماء كفى، وليس الصابون بلازم، لكن هذا من باب النظافة، ثم يتوضأ، ثم يفيض الماء على رأسه.
ومتن هذا الحديث فيه اختصار وتقديم وتأخير، ولعل ذلك من بعض الرواة والله تعالى أعلم.
وفي سند هذا الحديث سعيد بن أبي عروبة قال في التقريب: ثقة حافظ له تصانيف كثير التدليس واختلط، وكان من أثبت الناس في قتادة أهـ.
ومحمد بن أبي عدي روى عنه بعد الاختلاط؛ ولهذا نجد في هذا الحديث بعض المخالفة للأحاديث الأخرى.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا الحسن بن شوكر قال: حدثنا هشيم عن عروة الهمداني قال: حدثنا
стр. 287
شرح حديث: (كانت الصلاة خمسين والغسل من الجنابة سبع مرار)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا قتيبة بن سعيد قال: أخبرنا أيوب بن جابر عن عبد الله بن عصم عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: (كانت الصلاة خمسين والغسل من الجنابة سبع مرار، وغسل البول من الثوب سبع مرار، فلم يزل رسول الله ﷺ يسأل حتى جعلت الصلاة خمساً والغسل من الجنابة مرة، وغسل البول من الثوب مرة)].
وهذا الحديث أيضاً ضعيف؛ لأن فيه ضعيفين: أيوب بن جابر وعبد الله بن عصم، كلاهما ضعيف، فلا حجة فيه فيما دل عليه من غسل الجنابة سبع مرار، وغسل البول أيضاً سبع مرار، ومن النكارة في الحديث قوله: لم يزل النبي ﷺ يسأل ربه - يعني ليلة المعراج - حتى جعلت الصلاة خمساً، والغسل من الجنابة مرة، وغسل البول من الثوب مرة، فهذا مخالف للأحاديث الصحيحة؛ فإن النبي ﷺ سأل في ليلة المعراج تخفيف الصلاة، فحسب ولم يرد في الأحاديث الصحيحة ذكر غسل الجنابة ولا غسل البول، كما أن المحفوظ أنه ﵊ لما اغتسل من الجنابة أفاض على جسده ثلاثاً، ولم يرد غسل البول وإنما يكون بغلبة الظن، أي: حتى يغلب على الظن أنه قد طهر.
ولو صح هذا الحديث فإنه منسوخ كما دل عليه آخر الحديث، أما الصلاة فإنها فرضت خمسين ثم نسخت إلى خمس قبل التمكن من الفعل، وبعض الأحناف ذكر أن النجاسة تغسل ثلاثاً، وجاء في الحديث أيضاً: أمرنا بغسل الأنجاس سبعاً لكنه حديث ضعيف، والصواب أنه ليس هناك تحديد، وقد ذكر بعضهم أن النجاسة ضربان: مرئية وغير مرئية، فما كان منها مرئية فطهارتها بأن تزول عينها فإذا زالت عينها ثم زادها غسلة بعد ذلك زالت النجاسة وبذلك تكون طاهرة، أما غير المرئية فطهارتها أن يغسلها حتى يغلب على ظنه أنها قد طهرت, أما هذا الحديث فهو ضعيف، وليس بحجة.
стр. 288
شرح حديث: (إن تحت كل شعرة جنابة)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا نصر بن علي قال: حدثني حارث بن وجيه قال: أخبرنا مالك بن دينار عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن تحت كل شعرة جنابة فاغسلوا الشعر وأنقوا البشر).
قال أبو داود: الحارث بن وجيه حديثه منكر وهو ضعيف].
وهذا الحديث أخرجه قد الترمذي وابن ماجة وهو ضعيف بل منكر كما قال المؤلف لضعف الحارث بن وجيه، فلا حجة فيه، لقوله: إن تحت كل شعرة جنابة؛ لأنه يقتضي نقض القرون والضفائر خلافاً للجمهور وقد أخذ بهذا الحديث إبراهيم النخعي، وقال إنه يجب نقض القرون والضفائر، والصواب أنه لا يجب، بل يكفيه إيصال الماء إلى أصول الشعر وإن لم ينقض شعره، كما هو قول عامة أهل العلم، وكما جاء في حديث أم سلمة بعد الباب، أنه لا يجب النقض، وإنما الواجب إدخال الماء إلى أصول الشعر ولو لم ينقض، وأما هذا الحديث: (إن تحت كل شعرة جنابة فاغسلوا الشعر وأنقوا البشر)، فهو ضعيف.
стр. 289
شرح حديث: (من ترك موضع شعرة من جنابة لم يغسلها فعل به كذا وكذا من النار)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا موسى بن إسماعيل قال: أخبرنا حماد أخبرنا عطاء بن السائب عن زاذان عن علي ﵁ قال: أن رسول الله ﷺ قال: (من ترك موضع شعرة من جنابة لم يغسلها فعل به كذا وكذا من النار، قال علي ﵁: فمن ثم عاديت رأسي ثلاثاً وكان يجز شعره، ﵁].
وهذا أخرجه ابن ماجة وهو ضعيف أيضاً؛ لأن فيه عطاء بن السائب، وقد اختلط في آخر عمره فمن روى عنه قبل الاختلاط فروايته صحيحه كـ البخاري، فهو ممن روى عنه قبل الاختلاط، أما من روى عنه بعد الاختلاط فهو غير مقبول، وممن روى عنه بعد الاختلاط حماد بن سلمة، فهو كحديث أبي هريرة السابق في ضعفه، فلا يدل على وجوب غسل البشرة التي تحت الشعر الكثيف، بل يكتفي بغسل ظاهر الشعر؛ لأنه بمثابة البشرة، أما الشعر الخفيف فيجب غسله وغسل البشرة التي تحته.
وقد دل حديث أم سلمة الآتي على أنه لا ينقض شعر الرأس المشدود، بل تحثي على رأسها ثلاث حثيات، لكن أيضاً دل الحديث على أن النقض أفضل.
أما جز الشعر وهو حلقه بالنسبة للرجل فلا بأس به، وهو مباح، وقال بعضهم: مكروه، وقد ثبت أن النبي ﷺ رأى صبياً حلق بعض رأسه، فقال: (أحلقه كله أو اتركه كله)، فلا بأس في حلق شعر الرأس، فإذا كان في إبقاء الشعر تشبه ببعض أهل البدع فلا يبقيه، لكن لو أبقاه إتباعاً للسنة فهذا حسن، ولهذا قال الإمام أحمد ﵀ إن إبقاء الشعر سنة، ولو نقوى عليه لاتخذناه، لكن له كلفة ومشقة، بل يحتاج إلى غسل ودهن وتسريح ففيه مشقة، ومن كان يقوى على هذا فهو حسن.
стр. 290
الوضوء بعد الغسل
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الوضوء بعد الغسل: حدثنا عبد الله محمد النفيلي قال: أخبرنا زهير قال: أخبرنا أبو إسحاق عن الأسود عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يغتسل ويصلي الركعتين وصلاة الغداة ولا أراه يحدث وضوءاً بعد الغسل].
أخرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح، والنسائي وابن ماجة وأحمد جميعاً من طريق أبي إسحاق به.
فالحديث ظاهره أن لا بأس بسنده، فـ أبو إسحاق السبيعي تدليسه قليل، والحديث دليل على أنه لا يتوضأ بعد الغسل، وفيه اكتفاء النبي ﷺ بوضوئه قبل الغسل، هكذا عادته ﵊، كان يستنجي ثم يتوضأ، ثم يصب الماء على رأسه، ثم يغسل شقه الأيمن ثم يغسل شقه الأيسر، وعلى هذا فلا يتوضأ بعد الغسل، إلا إذا أحدث في أثناء الغسل بأن مس فرجه أو خرج منه ريح أو بول، فلا بد من الوضوء، أما إذا استنجى أولاً ثم توضأ فلا يعيد الغسل بعد ذلك.
وقد يذكر البعض بأنه إذا اغتسل كفاه عن الوضوء وقد ذهب بعض العلماء إلى أنه إذا نوى رفع الحدثين دخل الأصغر في الأكبر، لكن المعروف من غسل النبي ﷺ أنه كان يتوضأ أولاً، ولا يكتفي بالغسل، وهذا هو الغسل الكامل، وفيه يستنجي ثم يتوضأ، ثم يفيض الماء على رأسه ثلاثاً، ثم يغسل شقه الأيمن ثم يغسل شقه الأيسر، وهو المشهور من فعله ﵊.
أما الغسل فهو أن ينوي ثم يسمي ثم يعمم بدنه بالماء، لكن الأكمل هو الغسل الكامل، وهو الذي كان يفعله ﵊.
ثم يصلي ركعتين، يعني ركعتي الفجر، وصلاة الغداة صلاة الفجر.
стр. 291
ما جاء في نقض المرأة شعرها عند الغسل
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب المرأة هل تنقض شعرها عند الغسل: حدثنا زهير بن حرب وابن السرح قالا: أخبرنا سفيان بن عيينة عن أيوب بن موسى عن سعيد بن أبي سعيد عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة ﵂ عن أم سلمة ﵂ قالت: إن امرأة من المسلمين وقال زهير: إنها قالت: يا رسول الله! إني امرأة أشد ضفر رأسي أفأنقضه للجنابة؟ قال: (إنما يكفيك أن تحفني عليه ثلاثاً، - وقال زهير: تحثي عليه ثلاث حثيات من ماء، ثم تفيضي على سائر جسدك فإذا أنت قد طهرت -)].
وهذا الحديث أخرجه مسلم، والترمذي، وابن ماجة، وهو دليل على أن المرأة لا تنقض شعرها في غسل الجنابة، ولهذا قالت: إني امرأة أحب ضفر رأسي، والضفر فوق الظهر، وهي العمائم، تسمى العمائم وتسمى القرون، وتسمى (الجزائل) عند بعض العامة، أفأنقضه للجنابة، قال: لا، إنما يكفيك أن تحفني عليه ثلاثاً، في الرواية الأخرى: وقال زهير: تحثي عليه ثلاث حثيات من ماء، فإذا صبت الماء على رأسها وروت أصول الشعر كفى، من دون حاجة إلى النقض، ثم تفيض على سائر الجسد.
وفي وراية: أفأنقضه للجنابة والحيضة، قال: لا، فدل على أنه لا يجب النقض، لا لغسل الجنابة ولا للحيض، لكن نقضه لغسل الحيض أفضل؛ لأن الحيض مدته تطول وكذلك النفاس، وقد تتجمع فيه أوساخ، بخلاف الجنابة، فإنها تتكرر في اليوم، فيكون في النقض مشقة، والمشقة تجلب التيسير، كلما حصلت مشقة كانت سبباً للتخفيف.
وقد اختلف العلماء في هذه المسألة فمنهم من أوجب نقض الشعر للجنابة وللحيض، ومنهم من لم يوجبها، لا للجنابة ولا للحيض، ومنهم من أوجب النقض في الحيض دون الجنابة، ومنهم ابن القيم ﵀، فقد اختار أنه يجب على المرأة أن تنقض شعرها في الحيض، دون الجنابة فقال: إن حديث أم سلمة يدل على أنه ليس على المرأة أن تنقض شعر لغسل الجنابة، وهذا اتفاق من أهل العلم، ثم تكلم في غسل الحيض، فقال: إن المنصوص عن أحمد أنها تنقضه، فنقل كلاماً وخلص إلى أنه يجب على المرأة أن تنقض شعرها في غسل الحيض دون الجنابة، والصواب أنه لا يجب النقض لا في الحيض ولا في الجنابة، ولكن الأفضل أن تنقض شعرها لغسل الحيض والنفاس، لأن مدتها تطول وقد تتجمع الأوساخ، بخلاف الجنابة.
وقد ذكرنا أن في بعض الروايات الحديث زيادة (والحيضة) ومعلوم أن الزيادة إذا كانت مخالفة وانفرد بها بعض الرواة دون الآخرين يرى بعض العلم التشابه في هذه الحالة.
ابن القيم ﵀ يقول: حديث أم سلمة على الصحيح فيه الاقتصار على ذكر الجنابة دون الحيض، وليس لفظ الحيضة فيه محفوظ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح قال: حدثنا ابن نافع - يعني الصائغ - عن أسامة عن المقبري عن أم سلمة ﵂ قالت: أن امرأة جاءت إلى أم سلمة بهذا الحديث، قالت فسألت لها النبي ﷺ بمعناه قال فيه: (واغمزي قرونك عند كل حفنة)].
اغمزي أي: أبصري والقرون الضفائر وسماها بعضهم العمائم، وسماها بعضهم الجدائل، فإذا غمزتها وروتها بماء كفى من دون نقض.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال: أخبرنا يحيى بن أبي بكير قال: أخبرنا إبراهيم بن نافع عن الحسن بن مسلم عن صفية بنت شيبة عن عائشة ﵂ قالت: كانت إحدانا إذا أصابتها جنابة أخذت ثلاث حفنات هكذا تعني بكفيها جميعاً، فتصب على رأسها وأخذت بيد واحدة فصبتها على هذا الشق، والأخرى على الشق الآخر].
وهذا الحديث روى البخاري قريباً منه، وفيه أن أزواج النبي ﷺ لا ينقضن ضفائر رؤوسهن عند الاغتسال من الجنابة، وإنما تأخذ الواحدة منهن ثلاث حفنات فتصبها على رأسها، فدل على أن النقض ليس بواجب.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا نصر بن علي قال: أخبرنا عبد الله بن داود عن عمر بن سويد عن عائشة بنت طلحة عن عائشة ﵂ قالت: كنا نغتسل وعلينا الضماد ونحن مع رسول الله ﷺ محلات ومحرمات].
الحديث ظاهره أن إسناده لا بأس به فلعله حسن.
نصر بن علي ثبت، وعبد الله بن داود وابن عامر ثقة عابد، وعمر بن سويد بن غيلان ثقة وعائشة بنت طلحة ثقة.
ورد في الحديث الضماد، والضماد ما يوضع على الشعر مما يلبده من طيب، أو صمغ أو خطم، والحديث دال على أنه لا يجوز إزالة الضماد، وأن المرأة إذا كان على رأسها ضماد فإنها تصب الماء على رأسها فدل على جواز الاغتسال وعلى رأسها ضماد من طيب وخطمي، وأنه لا يجوز نقض الضفائر، بل يكتفى بصب الماء على الرأس وإيصاله إلى أصول الشعر محلات ومحرمات، سواء كانت المرأة محلة أو محرمة.
ومن جنس الضماد أيضاً الحناء.
كما أن الضماد قد يكون من قماش، وقد يكون من غيره، لكن ليس المراد القماش هنا، وإنما المراد الخطم والحناء مثلاً وما أشبه ذلك.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن عوف قال: قرأت في أصل إسماعيل بن عياش قال ابن عوف: وأخبرنا محمد بن إسماعيل عن أبيه قال: حدثني ضمضم بن زرعة عن شريح بن عبيد قال: أفتاني جبير بن نفير عن الغسل من الجنابة أن ثوبان ﵁، حدثهم أنهم استفتوا النبي ﷺ عن ذلك فقال: (أما الرجل فلينشر رأسه فليغسله حتى يبلغ أصول الشعر، وأما المرأة فلا عليها أن لا تنقضه لتغرف على رأسها ثلاث غرفات بكفيها).
وهذا الحديث في إسناده محمد بن إسماعيل بن عياش وأبوه إسماعيل بن عياش وفيهما مقال، لكن محمد بن إسماعيل بن عياش في راويته عن الشاميين وهم أهل بلده تكون روايته جيدة، أما روايته عن الحجازيين فهي ضعيفه، فإذا روى عن أهل بلده فالرواية جيدة، ولهذا قال ابن القيم ﵀، هذا إسناد شامل، وحديث إسماعيل بن عياش عن الشاميين صحيح، وعلى كل حال فالحديث فيه كلام.
وهناك ملحوظة إسنادية في الحديث ففي قوله: قرأت في أصل إسماعيل بن عياش، تكون طريقة التحمل وجادة كذا روى ابن عوف، ثم قال: قال ابن عوف: وأخبرنا محمد بن إسماعيل عن أبيه، كأنه قرأ في أصل إسماعيل وسمعه من محمد بن إسماعيل، ومحمد بن إسماعيل فيه كلام.
وفي الحديث أن الرجل ينشر رأسه فيغسله حتى يبلغ أصول الشعر، ومعناه أنه يصب الماء على رأسه وهو التفريغ، ثم يغسل شعر رأسه حتى يبلغ أصول الشعر، وأما المرأة فأنها لا تنقضه بل تصبه على رأسها ثلاث غرفات بكفيها، وهذا موافق للأحاديث الأخرى.
كما أن قوله عن محمد بن إسماعيل عن أبيه، قال أبو حاتم لم يسمع من أبيه شيئاً، حملوه على أن يحدث فحدث، وفي إسناده أيضاً ضمضم بن زرعة وهو صدوق يهم وقد ضعفه أبو حاتم.
وشريح بن عبيد، ثقة وكان يرسل كثيراً وقد وثقه النسائي وغيره.
وبناءً على هذا فيكون الحديث منقطعاً لأنه لم يسمع من أبيه، لكن ما دل عليه من أنه لا يجب نقض الشعر موافق للأحاديث الصحيحة السابقة فالمرأة، لا تنقض شعرها، والرجل كذلك إذا كان له شعر، وإنما يصب الماء عليه.
قوله: فلينشر رأسه، أي: يفرغ ما يحتاج تفريغ، حتى يبلغ الماء أصول الشعر، ولا يجب عليه أن يحلق رأسه.
стр. 292
ما جاء في الجنب يغسل رأسه بالخطمي
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في الجنب يغسل رأسه بالخطمي: حدثنا محمد بن جعفر بن زياد: قال: أخبرنا شريك عن قيس بن وهب عن رجل من بني سواءة بن عامر عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ : أنه كان يغسل رأسه بالخطمي وهو جنب يجتزىء بذلك ولا يصب عليه الماء].
والحديث بهذا السند ضعيف؛ لأن فيه رجلاً مبهماً وهو مجهول، قال: رجل من بني سوادة، روى عنه قيس بن وهب، والمؤلف ذكره ولم يتكلم عليه لأنه معروف عند أهل الحديث، ومعرفة الحديث الضعيف علم، كما أن معرفة الصحيح علم، وقد يذكر أهل العلم الحديث الضعيف من أجل أن يُبحث عنه فلعل الباحثين يجدوا له متابعة وشواهداً، وهو لو صح فهو محمول على أنه غسل رأسه أولاً بالماء كما ورد في الأحاديث الصحيحة.
وقد يُسأل هل كل ما سكت عنه أبو داود فهو صالح بناءً على قوله ذكرت فيه الحسن وما يقاربه، وما سكت عنه فهو صالح؟ والجواب أن هذا هو الغالب، لكن قد يسكت أحياناً عن الحديث ويكون من غير الغالب فالقاعدة ليست مطردة فقد ذكر هذا الحديث، وهو ضعيف فيه مجهول.
ولعله اكتفى بأنه معروف عند أهل الحديث، وأهل هذا الشأن، يريد قوله عن رجل من بني سواءة معروف، فإذا قرأه من له إلمام بالحديث عرف أنه ضعيف لوجود المبهم.
والخطمي شيء يوضع على الرأس، مثل الأشتان، وهو من جنس الضماد وقد مثل الصمغ وما أشبهه.
стр. 293
ما جاء فيما يفيض بين الرجل والمرأة من الماء
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب فيما يفيض بين الرجل والمرأة من الماء: حدثنا محمد بن رافع قال: أخبرنا يحيى بن آدم قال: أخبرنا شريك عن قيس بن وهب عن رجل من بني سواءة بن عامر عن عائشة ﵂ فيما يفيض بين الرجل والمرأة من الماء قالت: كان رسول الله ﷺ يأخذ كفاً من ماءٍ يصب علي الماء، ثم يأخذ كفاً من ماء ثم يصبه عليه].
وسند هذا الحديث كسند الحديث السابق، فيه رجل مجهول، وهو من بني سواءه الذي أبهمه قيس بن وهب فهو ضعيف في هذا السند، وقوله فيما يفيض بين الرجل والمرأة من الماء يعني: من المني، قال: كان يأخذ كفاً من ماء، فيصبه على الماء، يعني يصبه على المني لتطهيره، والمعروف في الأحاديث الصحيحة أن المني طاهر يحك يابسه ويغسل رطبه من باب النظافة، كما ثبت عن عائشة ﵂ قالت: كنت أغسل المني في ثوب النبي ﷺ فيخرج إلى الصلاة وإني أرى أثر بقع الماء على ثوبه، وفي الحديث الآخر، كنت أفركه يابساً بظفري، فالمني طاهر يفرك يابسه ويغسل رطبه من باب النظافة، وإما المذي فهو نجس يغسل، وأما هذا الحديث فهو ضعيف فلا حجة فيه، ولا ما دل عليه من غسلها المني، ومن شواهد ضعفه أن فيه أن النبي ﷺ هو الذي يغسل، وأنه كان يأخذ كفاً من ماء فيصبه عليه، وهو طاهر فهو أصل الإنسان، والمعروف أن عائشة هي التي كانت تنظفه، فتغسل رطبه وتحك يابسه.
стр. 294
شرح سنن أبي داود_ كتاب الطهارة [١٧]
لقد خالف الإسلام اليهود الذين كانوا إذا حاضت المرأة فيهم اعتزلوها فلم يؤاكلوها ولم يساكنوها ولم يشاربوها، فجاء الإسلام وأمر بمؤاكلة الحائض والنفساء ومساكنتها بل وأجاز مباشرتها في غير الفرج.
стр. 295
حرمة وطء الحائض وجواز مؤاكلتها ومباشرتها في غير محل الوطء
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في مؤاكلة الحائض ومجامعتها: حدثنا موسى بن إسماعيل قال: أخبرنا حماد قال: أخبرنا ثابت البناني عن أنس بن مالك ﵁ قال: إن اليهود كانت إذا حاضت منهم المرأة أخرجوها من البيت، ولم يؤاكلوها ولم يشاربوها ولم يجامعوها في البيت، فسئل رسول الله ﷺ عن ذلك، فأنزل الله تعالى ذكره: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة:٢٢٢]، إلى آخر الآية، فقال رسول الله ﷺ : (جامعوهن في البيوت، واصنعوا كل شيء غير النكاح، فقالت اليهود: ما يريد هذا الرجل أن يدع شيئاً من أمرنا إلا خالفنا فيه، فجاء أسيد بن حضير وعباد بن بشر ﵄ إلى النبي ﷺ فقالا: يا رسول الله! إن اليهود تقول كذا وكذا أفلا ننكحهن في المحيض؟ فتمعر وجه رسول الله ﷺ حتى ظننا أن قد وجد عليهما، فخرجا فاستقبلتهما هدية من لبن إلى رسول الله ﷺ فبعث في آثارهما فسقاهما فظننا أنه لم يجد عليهما)].
هذا الحديث أخرجه مسلم ﵀ والترمذي والنسائي وابن ماجة، وحماد هو ابن سلمة وهو شيخ موسى بن إسماعيل وهو أثبت الناس في الرواية، وهذا الباب ذكره المؤلف ﵀ ليبين حكم مؤاكلة الحائض، ومباشرتها، والأكل معها والشرب معها، وأن هذا لا بأس به كما دلت عليه الأحاديث.
وفي هذا الحديث أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة اعتزلوها، وجعلوها في غرفة مستقلة، ولم يؤاكلوها، ولم يشاربوها، فسئل النبي ﷺ عن ذلك، فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة:٢٢٢]، فلم يأمر الله إلا اعتزالها في المحيض يعني في محل الحيض وهو الجماع، فقال رسول الله ﷺ : (جامعوهن في البيوت)، أي: اجتمعوا معهن، واجلسوا معهن، وآكلوهن وشاربوهن مخالفة لليهود، قال: (جامعوهن في البيوت واصنعوا كل شيء إلا النكاح) والمراد بالنكاح الجماع، والنكاح يطلق على العقد ويطلق على الوطء، والمراد هنا الوطء، فلما قال النبي ﷺ ذلك، قالت اليهود: ما يريد هذا الرجل -أي: النبي ﷺ أن يدع شيئاً من أمرنا إلا خالفنا فيه، فمخالفة اليهود مقصودة للشارع، ولهذا جاء في الحديث الآخر: (إن اليهود لا يصلون في نعالهم فصلوا في نعالكم)، (إن اليهود لا يصبغون فخالفوهم).
стр. 296
مخالفة اليهود مقصودة شرعاً
اعلم أن مخالفة اليهود مقصودة للشارع، ومن ذلك أن اليهود كانوا من تشددهم يعتزلون المرأة إذا حاضت، يهجرونها فيجعلونها في غرفة مستقلة لا تؤآكل ولا تشارب، ولا تمس ولا تطبخ ولا تغسل، والحائض ومعلوم أن بدنها طاهر وعرقها طاهر ولعابها طاهر وثيابها طاهرة، إنما النجاسة في الدم، فلا حرج أن يؤكل معها، ويشرب معها، وتصنع الطعام، وتغسل الثياب، فكل شيء من يدها لا بأس به إلا أن زوجها لا يجامعها؛ لأن الجماع منهي عنه، خلافاً للمباشرة إذ لا بأس بها، وقد سبق في الأحاديث أن النبي ﷺ كان إذا شربت عائشة من إناء وضع فمه في المكان الذي وضعت فمها فيه، وأنها تتعرق العظم وهو عرموش اللحم، فيأخذه النبي ﷺ فيضع فاه مكان فمها.
وفي هذا مخالفة لليهود قبحهم الله، ولما قال النبي ﷺ هذا، جاء أسيد بن حضير وعباد بن بشر إلى النبي ﷺ فقالا: يا رسول الله! إن اليهود تقول كذا وكذا، أفلا ننكحهن في المحيض؟ -يعني أفلا نجامعهن- فتمعر وجه رسول الله ﷺ -أي: تغير وجهه ﵊؛ لأن الله قال: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة:٢٢٢]- قال: حتى ظننا أن قد وجد عليهما، -أي: فظنوا أنه غضب عليهما، فوجد بمعنى غضب- فخرجا فاستقبلتهما هدية من لبن إلى رسول الله ﷺ فبعث في آثارهما فسقاهما، فظننا أنه لم يجد عليهما، -وكأنه لما قاما من عنده جاءت هدية من لبن في وقت قيامهما من عند النبي ﷺ فأرسل إليهما فجاءا فسقاهما من اللبن فعلم الصحابة أنه لم يغضب عليهما.
стр. 297
كرامات بعض الصحابة
وأسيد بن حضير وعباد بن بشر هما اللذان حصلت لهما الكرامة وأضاء لهما سوطهما لما خرجا من عند النبي ﷺ في ليلة مظلمة، فلما افترقا أضاء لكل واحد منهما السوط حتى وصل إلى أهله وهذا من كرامات الأولياء.
وكما حصل لبعض الصحابة كـ الطفيل بن عمرو لما أرسله النبي ﷺ إلى قومه، سأله أن يدعو الله أن يجعل له آية أي: علامة، ليعلموا بها صدقه فلما جاءهم أضاء لهم مثل السراج في جبهته، فقال يا رب! في غير هذا الموضع، فكانت في سوطه، فأسلم قومه.
وإن كانت موجودة في الصحابة ولكنها ليست كثيرة، إنما كثرت في التابعين.
وفي الحديث جواز الاستمتاع من الزوجة الحائض في غير الوطئ، مؤآكلة ومجالسة ومباشرة في غير الحرث، وفي هذا الحديث الغضب إذا انتهكت محارم الله.
стр. 298
مؤانسة الأهل عموماً وخصوصاً الحائض
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا مسدد قال: حدثنا عبد الله بن داود عن مسعر عن المقدام بن شريح عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: كنت أتعرق العظم وأنا حائض فأعطيه النبي ﷺ فيضع فمه في الموضع الذي فيه وضعته، وأشرب الشراب فأناوله فيضع فمه في الموضع الذي كنت أشرب منه].
وهذا الحديث أيضاً أخرجه مسلم ﵀، والنسائي، وابن ماجة، وتعرق العظم، تتبع اللحم فيه، وفي اللفظ تعرق العظم، وهو العظم الذي فيه بقية من لحم، والمعنى: أن عائشة كانت تأخذ العظم فيه شيء من اللحم فتعرش منه، ثم تعطيه للنبي ﷺ ، فيضع فاه مكان فمها، وهذا من حسن خلقه ﵊ ومؤانسته لأهله، وفيه دليل على أن فم الحائض طاهر، وكذلك عرقها وثيابها ولذلك كان النبي ﷺ ينام مع الحائض ويضاجعها، وفيه أن النجاسة مختصة في الدم.
بل قال ﵊: (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي)، وهذا أقرب إلى القبول والاستجابة والتآلف، من التعذيب والشدة والغلظة، فيما عدا اليسير منه لمعالجة بعض المخالفات مع النصيحة باللين الذي لا يؤدي إلى الطلاق، والمعنى كونه يعاشرها ويحسن عشرته معها هذا أقرب إلى المودة وأقرب إلى الاحتفاظ بالحال، بخلاف ما إذا عبس وأغلظ فإن هذا قد يؤدي إلى الطلاق.
стр. 299
طهارة بدن الحائض وثيابها
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن كثير قال: أخبرنا سفيان عن منصور بن عبد الرحمن عن صفية عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يضع رأسه في حجري فيقرأ وأنا حائض].
وهذا أخرجه الشيخان، والنسائي، وابن ماجة، وفيه طهارة بدن الحائض، وثيابها، وأن النجاسة مختصة بالدم، ولهذا كان النبي ﷺ يضع رأسه في حجر عائشة ويقرأ القرآن وهي حائض ولا حرج في ذلك.
стр. 300
جواز المرور من المسجد للحائض
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في الحائض تناول من المسجد: حدثنا مسدد بن مسرهد قال: أخبرنا أبو معاوية عن الأعمش عن ثابت بن عبيد عن القاسم عن عائشة ﵂ قالت: قال لي رسول الله ﷺ : (ناوليني الخمرة من المسجد، قلت إني حائض، فقال رسول الله ﷺ : إن حيضتك ليست في يدك)].
وهذا الحديث أخرجه مسلم أيضاً، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، من حديث عبد الله البري، والخمرة سجادة من حصير صغيرة بقدر الوجه والكفين، سميت خمرة؛ لأنها تخمر وجه المصلي عن الأرض، وفيه دليل على أن الحائض يجوز لها أن تمر من المسجد لحاجة ويستدل لجواز ذلك للجنب بقوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء:٤٣]، فالجنب يجوز له أن يمر في المسجد، لكن لا يجوز له المكث وكذلك الحائض تمر مروراً، أما المكث فلا، إلا إذا توضأ الجنب، فإنه ورد عن الصحابة ما يدل على أنه لا بأس بذلك لأنها حينئذ تخف الجنابة، كما سبق.
والنبي ﷺ قال في هذا الحديث لـ عائشة: (ناوليني الخمرة - يعني السجادة - فقالت: إني حائض فقال النبي ﷺ : إن حيضتك ليست في يدك)، فبين لها ﵊ أنه لا بأس بالمرور.
وفيه أنه عند القيض فلا بأس أن يصلي المرء على ما يمنع أذى حرارة الأرض أو برودتها وحصاها من سجادةٍ أو شيءٍ آخر لكن إذا كانت الأرض مفروشة فلا داعي لمثل ذلك.
стр. 301
وجوب قضاء الصوم للحائض دون الصلاة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في الحائض لا تقضي الصلاة: حدثنا موسى بن إسماعيل قال: أخبرنا وهيب قال: أخبرنا أيوب عن أبي قلابة عن معاذة قالت: إن امرأة سألت عائشة ﵂ أتقضي الحائض الصلاة؟ فقالت أحرورية أنت؟ لقد كنا نحيض عند رسول الله ﷺ فلا نقضي ولا نؤمر بالقضاء].
وهذا الحديث أخرجه الشيخان، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، وفيه دليل على أن الحائض لا تقضي الصلاة، ولكنها تقضي الصوم، وهذا من حكمة الله تعالى ورحمته بالمرأة، فإن الحيض يتكرر في كل شهر مرة، فلو كلفت بقضاء الصلاة لشق عليها ذلك، أما الصوم فإنه لا يكون إلا في السنة مرة، فلهذا تؤمر بقضاء الصوم، وفي اللفظ الآخر أن عائشة قالت لها: كنا نحيض على عهد النبي ﷺ فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة كما سيأتي في الحديث الذي بعده.
وقولها: أحرورية أنت، أي: هل أنت من الخوارج الذين سكنوا بلدة حرورى، وهي بلدة في العراق تجمع فيها الخوارج، فسموا حرورية، لسكناهم هذه البلدة ولما أنها لم تحسن السؤال، ظنت عائشة ﵂ أنها معترضة، - أي: تعترض على الشرع - فقالت لها: أحرورية أنت، وكان سؤالها في اللفظ الآخر: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة، فقالت: أحرورية أنت، تريد أتعترضين قالت: لست بحرورية ولكني أسأل.
стр. 302
القول في الخوارج وآرائهم
ومعلوم أن الخوارج مبتدعة وهم الذين خرجوا في زمن علي ﵁ ومثلهم غلاة السبئية الذين ينتسبون لـ عبد الله بن سبأ اليهودي الحميري الذي دخل في الإسلام نفاقاً لإفساد دين الإسلام، وكان علي ﵁ خد لهم الأخاديد في لأرض وأضرمها ناراً، ثم ألقاهم فيها من شدة غضبه وغيضه عليهم، قال: لما رأيت الأمر أمراً منكراً أججت ناري ودعوت قنبرا ومن أصولهم أنهم يعملون بالقرآن ولا يعملون بالسنة بزعمهم، ولما كان هذا الحكم، وهو أن الحائض لا تقضي الصلاة بالسنة فلا يعملون به.
وقد اختلف فيهم فالجمهور على أنهم مبتدعة، وكان عليه الصحابة حيث عاملوهم معاملة المبتدعة؛ لأنهم متأولون، كما استدل الجمهور بقول علي ﵁، لما سئل عنهم أكفار هم؟ قال: من الكفر فروا.
والقول الثاني: أنهم كفار، ويروى عن الإمام أحمد وهو ظاهر الأحاديث الكثيرة أن النبي ﷺ قال: (يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية)، وفي لفظ: (يمرقون من الدين ثم لا يعودون إليه)، وفي اللفظ الآخر: (لئن لقيتهم لأقتلنهم قتل عاد)، شبههم بعاد وهم قوم كفار، وفي اللفظ الآخر: (فمن لقيهم فليقتلهم، فإن في قتلهم أجر لمن قتلهم عند الله)، وهذه النصوص تدل على كفرهم.
стр. 303
ما يجب على الحائض إن حاضت بعد دخول وقت الصلاة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا الحسن بن عمرو قال: أخبرنا سفيان - يعني ابن عبد الملك - عن ابن المبارك عن معمر عن أيوب عن معاذة العدوية عن عائشة ﵂ بهذا الحديث، وزاد فيه: فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة].
فيه أن الله سامح المرأة الحائض من قضاء الصلاة لمشقة ذلك عليها بخلاف الصوم، فإنه لا يكون إلا في العام مرة، فلهذا تؤمر به، واختلف العلماء في الصلاة التي دخل وقتها، وهي طاهر ثم حاضت، هل تقضيها أو لا تقضيها، فقال كثير من الفقهاء الحنابلة وغيرهم تقضيها، وقال آخرون: لا تقضيها، فإن قضت احتياطاً فهو حسن.
стр. 304
أقوال أهل العلم فيما يجب على من جامع زوجته وهي حائض
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في إتيان الحائض: حدثنا مسدد قال: أخبرنا يحيى عن شعبة قال: حدثني الحكم عن عبد الحميد بن عبد الرحمن عن مقسم عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ في الذي يأتي امرأته وهي حائض قال: (يتصدق بدينار أو نصف دينار).
قال أبو داود هكذا الرواية الصحيحة قال: دينار أو نصف دينار، وربما لم يرفع شعبة].
وهذا السند لا بأس به، وهو سند جيد، والحديث روي موصولاً وموقوفاً ورواه الحاكم وابن القطان موصولاً وهما ثقتان، ومن العلماء من قدم الموقوف وهم الجمهور وقد أعلوه بالاضطراب في سنده وفي متنه، وقالوا إن هذا الحديث لا يعمل به؛ لأنه مضطرب سنداً ومتناً، كما سيذكر المؤلف ﵀ روايات في هذا الحديث بعده، وقالوا: ليس عليه شيء إذا جامع امرأته وإنما عليه أن يستغفر الله، وقالوا: إن الذمة بريئة إلا أن تقوم الحجة بشغلها، وهذا الحديث فيه اضطراب في السند، واضطراب في المتن، أما في السند فقد روي موصولاً وموقوفاً، وأما في المتن فقد روي دينار وروي نصف دينار، كما روي يتصدق بدينار فإن لم يجد فبنصف دينار، وروي التفرقة بين أن يجامع مع جري الدم أو بعد انقطاع الدم، وروي أيضاً يتصدق بخمسي دينار، وروي بنصف دينار، وروي إذا كان دماً أحمراً فدينار، وإن كان دماً أصفراً فنصف دينار، وروي إن كان الدم عبيطاً فيتصدق بدينار، وإن كان كدرة فنصف دينار.
ولذلك قالوا: ليس عليه شيء إذا جامع زوجته وإنما يستغفر الله؛ لأن هذا الحديث لا يصح.
وقال آخرون: الصواب أن هذا الحديث ثابت فقد روي موصولاً وموقوفاً فـ الحاكم وابن القطان رووه موصولاً وهما ثقتان، ورواه بعضهم موقوفاً، فيقدم مرة وهو موصولاً على مرات موقوفاً، إذا كان الواصل ثقة؛ لأن الواصل معه زيادة علم، خفيت على من قطع، وكذلك من رفع معه زيادة علم خفيت على من وقف.
وعلى هذا فإنه يعمل بهذا الحديث فيكون على من جامع زوجته وهي حائض التوبة والاستغفار وعليه كفارة دينار أو نصف دينار، والدينار مثقال من الذهب، وهو يعادل أربعة أسباع الجنيه السعودي، فإذا كان الجنيه السعودي صرفه مثلاً سبع مائه، فعلى من جامع أربعمائة أو مائتين، وإذا كان صرف الجنيه سبعين ريالاً يكون عليه أربعين ريالاً، أو عشرين ريالاً يتصدق بها بالخيار، وأما كونه مخيراً فهذا لا بأس به، ففي كفارة اليمين تخيير، وفي كفارة الأذى في الحج تخيير: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة:١٩٦]، وأبو داود ﵀ رجح تفسيرها، قال أبو داود: هكذا الرواية الصحيحة، وصححه ابن القيم ﵀، وقال: إن عبد الحميد بن زيد الخطاب أخرج له صاحب الصحيح ووثقه النسائي، وهو حديث لا بأس بسنده.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عبد السلام بن مطهر قال: أخبرنا جعفر يعني ابن سليمان عن علي بن الحكم البناني عن أبي الحسن الجزري عن مقسم عن ابن عباس ﵄ قال: إذا أصابها في أول الدم فدينار، وإذا أصابها في انقطاع الدم فنصف دينار.
قال أبو داود: وكذلك قال ابن جريج عن عبد الكريم عن مقسم.
حدثنا محمد بن الصباح البزاز قال: أخبرنا شريك عن خصيف عن مقسم عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ قال: (إذا وقع الرجل بأهله وهي حائض فليتصدق بنصف دينار).
قال أبو داود: وكذا قال علي بن بديمة عن مقسم عن النبي ﷺ مرسلاً، وروى الأوزاعي عن يزيد بن أبي مالك عن عبد الحميد بن عبد الرحمن عن النبي ﷺ قال: (أمره أن يتصدق بخمسي دينار)، وهذا معضل].
الشيخ: وإنما كان معضلاً لسقوط راويين في الإسناد فيكون ضعيفاً، وكذلك الأول حديث محمد بن الصباح عن شريك عن خصيف، وخصيف هذا ضعيف قيل عنه: صدوق في الحفظ، خلط بآخره.
وقال الحافظ في ترجمة خصيف: هو ابن عبد الرحمن الجزري صدوق سيء الحفظ خلط بآخره.
وهو الراوي لأحاديث الحج أن النبي ﷺ لبى في مصلاه وهو ضعيف، والصواب أنه لبى بعدما ركب راحلته.
والرواية الثانية عن علي بن بديمة معضلة فكل هذه الروايات ضعيفة.
وكذلك ما قبله الذي رواه ابن سليمان عن علي بن الحكم البناني قال عنه بعضهم: ثقة ضعفه الأزدي بلا حجة وقال آخرون: حديثه لين وهو راوي التفصيل في الفرق بين أول الدم وآخره فيكون الحديث ضعيفاً، كل هذه ضعيفة كونه يتصدق بنصف دينار أو بخمسي دينار لا تخلو من مصائب، والصواب ما دل عليه الحديث الأول وهو حديث ابن عباس في حديث عبد الحميد بن عبد الرحمن قال الحافظ عنه في التقريب: ثقة مقبول أنه تصدق بدينار أو بنصف دينار، أما هذه الروايات فهي لا تخلو من مقالة في سندها ومتنها وكل ذلك ضعيف.
стр. 305
جواز مباشرة الحائض من خلف الإزار
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في الرجل يصيب منها ما دون الجماع: حدثنا يزيد بن خالد بن عبد الله بن موهب الرملي قال: حدثنا الليث بن سعد عن ابن شهاب عن حبيب مولى عروة عن ندبة مولاة ميمونة عن ميمونة ﵂ قالت: إن رسول الله ﷺ كان يباشر المرأة من نسائه وهي حائض إذا كان عليها إزار إلى أنصاف الفخذين أو الركبتين تحتجز به].
الشيخ: وهذا الحديث أخرجه النسائي كما سبق، والحديث في سنده ندبة ويقال: ندبه والراوي عنه حبيب مولى عروة وفيه كلام، ولكن الحديث له شواهد ومتابعات يرتقي بها إلى درجة الاحتجاج كما قال العلامة ابن القيم ﵀، وسيأتي بعده من الأحاديث ما يشهد له، وهو يدل على أنه لا بأس بمباشرة الحائض فيما دون الفرج، وكونه من وراء الإزار أفضل وأبعد عن الخطر، لكن لو نزع الإزار فلا بأس وفي حديث أنس عند مسلم (يصنع كل شيء إلا النكاح)، أي: الجماع.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا مسلم بن إبراهيم قال: أخبرنا شعبة عن منصور عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يأمر إحدانا إذا كانت حائضاً أن تتزر ثم يضاجعها زوجها، وقال مرة (يباشره)].
الشيخ: وهذا الحديث أخرجه الشيخان، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، وهو يشهد للحديث الذي قبله، ويدل على أنه لا بأس بمباشرة الحائض من وراء إزار وأن هذا الأفضل.
стр. 306
جواز المبيت مع الحائض في ثوب واحد
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا مسدد قال: أخبرنا يحيى عن جابر بن صبح قال: سمعت خلاساً الهجري قال: سمعت عائشة ﵂ تقول: كنت أنا ورسول الله ﷺ نبيت في الشعار الواحد وأنا حائض طامث فإن أصابه مني شيء غسل مكانه ولم يعده ثم صلى فيه، وإن أصاب تعني ثوبه منه شيء غسل مكانه ولم يعده ثم صلى فيه].
الشيخ: وهذا الحديث سنده حسن لا بأس به، قد وأخرجه النسائي كما سبق، والشعار هو الثوب الذي يلي الجسد، وفيه دليل على جواز مباشرة الحائض والاضطجاع معها في الثوب الواحد وهو الشعار.
وفيه أن الإنسان إذا أصابه شيء من الدم يغسل ثوبه أو جسده ولا يتجاوز مكانه ولا يتكلف، كما يفعل بعض العامة إذا أصابه شيء من بعض النجاسة كالبول غسل الثوب كله، أو إذا أصاب جسمه شيء اغتسل، هذا من التكلف الذي لا وجه له، إنما يغسل مكان النجاسة فقط، فإن كان متوضئاً وأصابته نجاسه جاز أن يغسل مكان النجاسة والوضوء أحسن.
وقولها: لم يعده، أي: لم يجاوز موضع الدم.
والطامث هي الحائض.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عبد الله بن مسلمة قال: أخبرنا عبد الله يعني ابن عمر بن غانم عن عبد الرحمن يعني ابن زياد عن عمارة بن غراب قال: إن عمة له حدثته أنها سألت عائشة ﵂ قالت: إحدانا تحيض وليس لها ولزوجها إلا فراش واحد، قالت: أخبرك بما صنع رسول الله ﷺ ؟ دخل فمضى إلى مسجده، قال أبو داود: - تعني مسجد بيته - فلم ينصرف حتى غلبتني عيني وأوجعه البرد فقال: (ادني مني، فقلت: إني حائض فقال: وإن اكشفي عن فخذيك)].
الشيخ: وإن، أي: وإن كنت حائض.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [(فقال: وإن اكشفي عن فخذيك فكشفت فخذي، فوضع خده وصدره على فخذي، وحنيت عليه حتى دفىء ونام)].
الشيخ: هذا الحديث فيه علل، وآفات متعددة، ومن العجب سكوت أبي داود عليه، وهو ﵀ قال: ما سكت عنه فهو حسن، فـ عبد الله بن عمر بن غانم هذا ضعيف، وعبد الرحمن بن زياد ضعيف أيضاً، وعمارة بن غراب أيضاً ضعيف، وعمته مجهولة أيضاً كل هؤلاء لا يحتج بحديثهم فتلك أربع علل، ويزاد عليها النكارة في المتن أيضاً، وهو أن وضع الرأس على الفخذين ليس فيه دفئ، وإنما الدفئ أن يضع رأسه على ثوبٍ أو شيءٍ يكون حائلاً بينه وبين اللحم.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا سعيد بن عبد الجبار قال: أخبرنا عبد العزيز - يعني ابن محمد - عن أبي اليمان عن أم ذرة عن عائشة ﵂ أنها قالت: كنت إذا حضت نزلت عن المثال على الحصير فلم نقرب رسول الله ﷺ ولم ندن منه حتى نطهر].
الشيخ: عن المثال يعني: عن الفراش والحديث في سنده أبو اليمان وهو ليس بمشهور وفي سنده أم ذرة ويقال: درة بالدال أو الذال وهي مجهولة فيسقط الاحتجاج بهذا الحديث، ومع ذلك أيضاً سكت عليه أبو داود ﵀، ولو استقام سنده وصح فهو شاذ، لا يعمل بشذوذه ومخالفته للأحاديث الصحيحة التي تدل على أن النبي ﷺ يباشر الحائض ويلمسها ويشرب من موضع فمها ويتعرق العظم من موضع فمها، وقد جاء في حديث أنس: (تصنع كل شيء إلا النكاح)، أي الجماع كما سبق.
وهذا فيه أنها تقول: (لم نقرب الرسول ﷺ ولم ندن منه حتى نطهر)، فهو شاذ إذا صح سنده لكن لا يصح.
стр. 307
استحباب وضع الثوب على فرج الحائض عند مضاجعتها
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا موسى بن إسماعيل قال: أخبرنا حماد عن أيوب عن عكرمة عن بعض أزواج النبي ﷺ قالت: إن النبي ﷺ كان إذا أراد من الحائض شيئاً ألقى على فرجها ثوباً].
الشيخ: وهذا الحديث لا بأس به، قال الحافظ في الفتح سنده قوي، وهذا كونه يلقي على فرجها ثوباً من باب الحيطة ويستحب أن يشد الزرائر خشية أن يلمس الفرج، وإلا فيجوز له المباشرة من دون إزار على الصحيح، كما دلت على ذلك الأحاديث الأخرى كحديث أنس: (اصنعوا كل شيء إلا النكاح)، ولم يذكر الإزار.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال: أخبرنا جرير عن الشيباني عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يأمرنا في فوح حيضتنا أن نتزر ثم يباشرنا وأيكم يملك إربه كما كان رسول الله ﷺ يملك إربه].
الشيخ: قولهها في فوح حيضتها: أي في أوله ومعظمه، والإرب: المراد العضو، وروي يملك إربة يعني العضو، وروي: يملك إربه، يعني حاجته، للوطء والمعنى أن النبي ﷺ كان أملك الناس لأمره، فلا يخشى عليه ما يخشى على غيره من أن يحوم حول الحمى، ومع ذلك كان يباشر فوق الإزار تشجيعاً للأمة، فالإزار أفضل وأولى.
وقد اختلف العلماء في مسألة المباشرة من فوق السرة وتحت الركبة، أما المباشرة بالجماع فهذا حرام بالاتفاق، أما كونه يباشر فيما فوق السرة وتحت الركبة فهذا جائز بالاتفاق، وأما المباشرة فيما بين السرة والركبة من وراء إزار فهذا أيضاً جائز، بالاتفاق وأما بدون إزار فهذا فيه خلاف، والصواب أنه لا بأس به لحديث أنس المتقدم: (اصنعوا كل شيء إلا النكاح).
стр. 308
شرح سنن أبي داود_ كتاب الطهارة [١٨]
لقد بين الإسلام كل شيء ومن ذلك أن المرأة التي تصيبها الاستحاضة عليها أن تدع الصلاة في عدة الأيام التي كانت تحيضها، فإن لم تكن لها عادة فبالتمييز حيث إن دم الحيض أسود غليظ منتن فإذا رأته تركت الصلاة فإذا ذهب اغتسلت واستثفرت وصلت، وإن لم تكن مميزة تحيضت في علم الله ستة أو سبعة أيام من الشهر ثم تغتسل وتصلي وتصوم.
стр. 309
المرأة تستحاض ومن قال: تدع الصلاة في عدة الأيام التي كانت تحيض
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في المرأة تستحاض ومن قال: تدع الصلاة في عدة الأيام التي كانت تحيض: حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن نافع عن سليمان بن يسار عن أم سلمة زوج النبي ﷺ قالت: إن امرأة كانت تهراق الدماء على عهد رسول الله ﷺ ، فاستفتت لها أم سلمة ﵂ رسول الله ﷺ فقال: (لتنظر عدة الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها فلتترك الصلاة قدر ذلك من الشهر فإذا خلفت ذلك فلتغتسل، ثم لتستثفر بثوب ثم لتصل فيه)].
وهذا الحديث سنده جيد لولا ما يخشى من أن سليمان بن يسار لم يسمع من أم سلمة ﵂ لأن الأحاديث التي تلت هذا الحديث فيها أن سليمان بن يسار جعل بينه وبين أم سلمة واسطة.
وابن المنذر يقول: إسناده حسن.
ومعلوم أن سليمان بن يسار مولى ميمونة المدني وهو معدود من الفقهاء السبعة، وقد روى عن زيد بن ثابت وعائشة وأبي هريرة ومولاته ميمونة وأرسل للجماعة، روى عنه قتادة والزهري وعمرو بن شعيب، قال أبو زرعة، ثقة مأمون.
[أما أم سلمة فقد كانت ثقة عالمة رفيعة فقهية.
فلا إشكال في توثيقه لكن الكلام في سماعه من أم سلمة ومع ذلك فالحديث له شواهد، ولهذا حسنه المنذري فقال: إسناده حسن وفيه دليل على أن المستحاضة تجلس عدد الأيام التي كانت تحيضها قبل مرور الدم، فإذا انقضت هذه الأيام اغتسلت ثم استترت بثوبين، أو تتحفظ فقد وجدت الآن حفائظ، وتتوضأ لكل صلاة وتصلي.
وفيه دليل على أن العادة مقدمة على التمييز، فالمستحاضة تعمل بعادتها أولاً، فإن لم يكن لها عادة ونسيت العادة عملت بالتمييز، فإن لم يكن لها تمييز، جلست في أول كل شهر هلالي ستة أيام أو سبعة أيام على حسب عادة النساء كما دلت على ذلك الأحاديث، ولهذا قال النبي ﷺ [لتنظر عدة الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها، فلتترك الصلاة قدر ذلك]، وهذا دليل على أنها تعمل بالعادة، وأن العادة مقدمة، فإذا كانت يصيبها الدم من أول كل شهر سبعة أيام ثم استمر الدم عليها وأطبق فإنها تجلس السبعة الأيام التي كانت تجلسها قبل استمرار الدم.
وإذا كانت تجلسها من منتصف الشهر تجلسها من منتصف الشهر وهكذا، أما إذا لم يكن لها عادة ونسيت العادة تعمل بالتمييز كما سيأتي، فدم الحيض معروف أسود منتن غليظ، فالأيام التي يكون فيها غليظ منتن لا تصلي، والأيام التي يكون فيها أحمر رقيق تصلي.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا قتيبة بن سعيد ويزيد بن خالد بن يزيد بن عبد الله بن موهب قالا: حدثنا الليث عن نافع عن سليمان بن يسار: أن رجلاً أخبره عن أم سلمة ﵂، أن امرأة كانت تهراق الدم فذكر معناه قال: فإذا خلفت ذلك وحضرت الصلاة فلتغتسل، بمعناه].
وهذا الحديث أخرجه النسائي، وابن ماجة، وفي هذه الرواية مجهول مبهم وذلك في قوله أن رجلاً أخبر عن أم سلمة، فـ سليمان بن يسار راوي الحديث السابق جعل بينه وبين أم سلمة رجل.
فتكون هذه الرواية ضعيفة.
стр. 310
لا يجب الغسل على الحائض إلا بعد دخول وقت الصلاة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عبد الله بن مسلمة قال: حدثنا أنس - يعني ابن عياض - عن عبيد الله عن نافع عن سليمان بن يسار عن رجل من الأنصار: أن امرأة كانت تهراق، الدماء فذكر معنى حديث الليث قال: فإذا خلفتهن وحضرت الصلاة فلتغتسل، وساق الحديث بمعناه].
وهذا فيه قوله: عن رجل من الأنصار، والصحابة كلهم عدول، فإذا كان المقصود أنه صحابي فكلهم عدول، وإن كان رجلاً من الأنصار من غير الصحابة فيكون فيه مجهول.
وفيه أن الغسل لا يجب إلا إذا حان وقت الصلاة، وأنه لا يجب عليها أن تغتسل قبل وقت الصلاة، وهو الصحيح فلا يكون الغسل واجباً على الفور.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا يعقوب بن إبراهيم قال: أخبرنا عبد الرحمن بن مهدي قال: أخبرنا صخر بن جويرية عن نافع بإسناد الليث ومعناه قال: فلتترك الصلاة قدر ذلك، ثم إذا حضرت الصلاة فلتغتسل، ولتستذفر بثوب ثم تصلي].
وهذا كسابقه فما دل عليه.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا موسى بن إسماعيل قال: أخبرنا وهيب قال: أخبرنا أيوب عن سليمان بن يسار عن أم سلمة ﵂ بهذه القصة قال فيه: تدع الصلاة وتغتسل فيما سوى ذلك وتستذفر بثوب وتصلي].
قال أبو داود: وسمى المرأة التي كانت استحيضت حماد بن زيد عن أيوب في هذا الحديث قال: فاطمة بنت أبي حبيش].
وقد صرح في غير أبي داود أنها فاطمة بنت أبي حبيش وأنها كانت قد استحيضت فأمرها أن ترجع إلى عادتها.
стр. 311
المستحاضة تتوضأ لكل صلاة إذا ذهبت عادتها
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا قتيبة بن سعيد قال: أخبرنا الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن جعفر عن عراك عن عروة عن عائشة أنها قالت: إن أم حبيبة سألت النبي ﷺ عن الدم، فقالت عائشة ﵂، فرأيت مركنها ملآن دماً، فقال لها رسول الله ﷺ : (امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك ثم اغتسلي).
قال أبو داود: ورواه قتيبة].
الحديث أخرجه مسلم، والنسائي، وهذا يشهد لحديث أم سلمة السابق، وأنها تجلس قدر عادتها ثم تغتسل، والمركن إناء واسع تغسل فيه الثياب، وهو ما يشبه ما يسمى اليوم بحوض الغسيل أو إدانة وهي لفظة فارسية وقوله: ملآن على وزن عطشان لا ينقلب على وزن فعلان، وفيه دليل على أن المرأة الحائض المستحاضة تجلس عدد الأيام التي كانت تحيضها قبل ذلك ثم تغتسل، ثم تتلجم وتتحفظ بثوب وتصلي، وتتوضأ في وقت كل صلاة.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [قال أبو داود: ورواه قتيبة: بين أضعاف حديث جعفر بن ربيعة في آخرها، ورواه علي بن عياش ويونس بن محمد عن الليث فقالا جعفر بن ربيعة].
قوله: بين أضعاف الأضعاف هي الأثناء ويريد في أثناء الحديث، والمعنى أن قتيبة روى هذا الحديث بلفظ جعفر فقط من غير نسبة لأبيه.
стр. 312
أقوال العلماء في تفسير القرء وما انبنى عليه
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عيسى بن حماد قال: أخبرنا الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن بكير بن عبد الله عن المنذر بن المغيرة عن عروة بن الزبير قال: إن فاطمة بنت أبي حبيش حدثته أنها سألت رسول الله ﷺ فشكت إليه الدم، فقال لها رسول الله ﷺ : (إنما ذلك عرق، فانظري إذا أتى قرؤك فلا تصلي، فإذا مر قرؤك فتطهري ثم صلي ما بين القرء إلى القرء)].
وهذا الحديث في إسناده المنذر بن المغيرة وهو مجهول.
قال أبو حاتم: مجهول ليس بمشهور وذكره ابن حبان في الثقات.
ومع ذلك فالحديث له شواهد ومنها ما سبق، وفيه دليل على أن المستحاضة تجلس أيام عادتها ثم تتلجم وتصلي، وفيه دليل على أن دم الاستحاضة دم عرق وهو يسمى نزف وفيه أن المرأة تصلي من القرء إلى القرء، والقرء يطلق على الطهر ويطلق على الحيض، وقد اختلف العلماء هل المراد بالقرء الطهر، أو الحيض.
قال الله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة:٢٢٨]، فمن قال: إن القروء الحيض، قال المرأة تعتبر في الحيض إذا كانت تحيض ثلاثة حيض، ومن قال: إن المراد به الطهر قال: تحتجز ثلاثة أطهار ذهب إلى الأول الحنابلة وذهب إلى الثاني الشافعية والجماعة.
والصواب أن المراد به الحيض، وهو الذي تدل عليه النصوص، وتدل عليه اللغة أيضاً، وهو يطلق على الطهر، ولكن المراد به هنا الحيض، ثلاثة قروء: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة:٢٢٨]، أي: ثلاث حيضات، ولهذا في هذا الحديث إنما ذلك عرق يعني دم الاستحاضة، فانظري فإذا أتى قرؤك فلا تصلي، يريد الحيض، ولو كان المراد به الطهر لم يقل: فلا تصلي، فقوله: إذا أتى قرؤك أي: وقت حيضك فلا تصلي، فإذا مر قرؤك فتطهري ثم صلي، فما بين القرء إلى القرء، ما بين الحيض إلى الحيض، وبهذا يتضح أن المراد به الحيض.
فهذا الحديث، وحديث سليمان بن يسار يشد بعضهما بعضاً، فيكونا حجة.
فحديث سليمان بن يسار فيه انقطاع وهذا فيه جهالة فيشد بعضهما الآخر ويشهد لهما أيضاً حديث مسلم السابق من حديث عائشة.
стр. 313
الحائض تعمل بالعادة وهو مقدم على التمييز
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا يوسف بن موسى قال: أخبرنا جرير عن سهيل - يعني ابن أبي صالح - عن الزهري عن عروة بن الزبير قال: حدثتني فاطمة بنت أبي حبيش أنها أمرت أسماء أو أسماء حدثتني أنها أمرتها فاطمة بنت أبي حبيش أن تسأل رسول الله ﷺ ، فأمرها أن تقعد الأيام التي كانت تقعد ثم تغتسل].
هذا الحديث لا بأس بسنده فهو حسن كما قال المنذري، وفيه أن النبي ﷺ أمرها أن تقعد الأيام التي كانت تقعد ثم تغتسل، واستدل به بعضهم على أن الاعتبار للعادة لا للتمييز واستدلوا بحديث فاطمة بنت أبي حبيش، وحديث عائشة السابق في قصة أم حبيبة، كل منهما فيه دليل على أنها تعمل بالعادة، فالعادة مقدمة على التمييز، ولهذا قال: أمرها أن تقعد الأيام التي كانت تقعد، قبل أن يأتيها الدم.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [قال أبو داود: ورواه قتادة عن عروة بن الزبير عن زينب بنت أم سلمة أن أم حبيبة بنت جحش استحيضت فأمرها النبي ﷺ أن تدع الصلاة أيام أقرائها ثم تغتسل وتصلي].
والحديث فيه قتادة وهو مدلس وقد عنعن.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [قال أبو داود: لم يسمع قتادة من عروة شيئاً].
وبتدليس قتادة يكون الحديث منقطعاً، ولكن يشهد له ما سبق من أحاديث، وهو أنها تعمل بالعادة، فتجلس أيام عادتها ثم تغتسل وتصلي.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وزاد ابن عيينة في حديث الزهري عن عمرة عن عائشة ﵂ قالت: إن أم حبيبة ﵂ كانت تستحاض فسألت النبي ﷺ فأمرها أن تدع الصلاة أيام أقرائها.
قال أبو داود: وهذا وهم من ابن عيينة ليس هذا في حديث الحفاظ عن الزهري إلا ما ذكر سهيل بن أبي صالح].
ذكر هنا أن ابن عيينة زاد في حديث الزهري عن عمرة عن عائشة، وأن هذا وهم من ابن عيينة فليس في حديث الحفاظ عن الزهري إذاً ابن عيينة فقد وهم في قوله: عن عمرة عن عائشة، وإنما هو عن سهيل بن أبي صالح كما في الحديث الأول.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقد روى الحميدي هذا الحديث عن ابن عيينة لم يذكر فيه: تدع الصلاة أيام أقرائها.
وروت قمير بنت عمرو زوج مسروق عن عائشة ﵂].
قمير بفتح القاف، امرأة مسروق وهنا سكت عنها وفيها جهالة وقد قال العجلي: بأنها تابعية ثقة وهو متساهل في هذا ﵀.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وروت قمير بنت عمرو زوج مسروق عن عائشة ﵂: (المستحاضة تترك الصلاة أيام أقرائها ثم تغتسل).
وقال عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه: إن النبي ﷺ أمرها أن تترك الصلاة قدر أقرائها.
وروى أبو بشر جعفر بن أبي وحشية عن عكرمة عن النبي ﷺ قال: إن أم حبيبة بنت جحش استحيضت فذكر مثله.
وروى شريك عن أبي اليقظان عن عدي بن ثابت عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال: (المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها ثم تغتسل وتصلي).
وروى العلاء بن المسيب عن الحكم عن أبي جعفر قال: إن سودة استحيضت فأمرها النبي ﷺ إذا مضت أيامها اغتسلت وصلت.
وروى سعيد بن جبير عن علي وابن عباس ﵃: (المستحاضة تجلس أيام قرئها).
وكذلك رواه عمار مولى بني هاشم وطلق بن حبيب عن ابن عباس ﵄، وكذلك رواه معقل الخثعمي عن علي ﵁، وكذلك روى الشعبي عن قمير امرأة مسروق عن عائشة ﵂.
قال أبو داود: وهو قول الحسن وسعيد بن المسيب وعطاء ومكحول وإبراهيم وسالم والقاسم: أن المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها].
وكل هذه الآثار والمراسيل التي ذكرها المؤلف تدل على ما دلت عليه الأحاديث من أن: المستحاضة تجلس أيام عادتها، وتعمل بعادتها ثم تغتسل وتتلجم وتصلي.
فالمؤلف ﵀ أتى بهذه الآثار والمراسيل كلها لتؤيد ما دلت عليه الأحاديث وتقويها.
وذكر أيضاً ﵀: أن هذا القول وهو: أنها تجلس أيام عادتها ثم تغتسل، قول الحسن وسعيد بن المسيب وعطاء ومكحول وإبراهيم وسالم والقاسم.
فكل هؤلاء العلماء ذهبوا إلى ما دلت عليه الأحاديث من أن: المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها.
يعني: أيام حيضها، ثم تغتسل وتتلجم وتصلي.
стр. 314
ما جاء فيمن روى أن الحيضة إذا أدبرت لا تدع الصلاة
قال المؤلف ﵀: [حدثنا أحمد بن يونس وعبد الله بن محمد النفيلي قالا: حدثنا زهير حدثنا هشام بن عروة عن عروة عن عائشة ﵂ قالت: (إن فاطمة بنت أبي حبيش ﵂ جاءت رسول الله ﷺ فقالت: إني امرأة أستحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة؟ قال: إنما ذلك عرق وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم صلي)].
وهذا أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي وابن ماجة.
وفيه: أن فاطمة قالت: (يا رسول الله! إني امرأة أستحاض فلا أطهر -يعني: يستمر الدم معها، وظنت أنها لا تطهر- أفأدع الصلاة؟ قال: إنما ذلك عرق وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، فإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم صلي).
فقوله: (أقبلت الحيضة)، احتج به بعضهم على أن المراد به: العمل بالتمييز.
ويحتمل أن المراد: ردها إلى العادة، كما دلت الأحاديث السابقة من أنها تعمل بالعادة ولا شك أن العادة مقدمة، فإن لم تعلم العادة عملت بالتمييز.
فيحتمل أن المراد: ردها إلى العادة، أو: إلى الحالة التي تكون للحيض، من قوة الدم في اللون.
وهو محتمل.
وعلى كل حال فالعادة مقدمة، فإذا كان لها عادة عملت بها، كما دلت على ذلك الأحاديث السابقة، مثل: حديث أم سلمة وحديث عائشة وغيرهما من أنها تعمل بالعادة، فإذا لم يكن لها عادة عملت بالتمييز.
قال المؤلف ﵀: [حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي عن مالك عن هشام بإسناد زهير ومعناه قال: (فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، فإذا ذهب قدرها فاغسلي الدم عنك وصلي)].
وهذا هو الحديث السابق بسند زهير، وفيه أنه قال: (فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، فإذا ذهب قدرها فاغسلي الدم عنك وصلي)، وفي الحديث الأول: (فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، فإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي)، فقوله: (فإذا ذهب قدرها فاغسلي الدم عنك وصلي)، أي: إذا ذهب قدرها من الأيام، أو قدرها من العادة، وهذه الرواية ترجح أن المراد بها العادة، ولا شك أن العادة مقدمة.
стр. 315
ما جاء فيمن قال: إذا أقبلت الحيضة تدع الصلاة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب إذا أقبلت الحيضة تدع الصلاة.
حدثنا موسى بن إسماعيل قال: حدثنا أبو عقيل عن بهية قالت: (سمعت امرأة تسأل عائشة ﵂ عن امرأة فسد حيضها وأهريقت دماً، فأمرني رسول الله ﷺ أن آمرها فلتنظر قدر ما كانت تحيض في كل شهر وحيضها مستقيم، فلتعتد بقدر ذلك من الأيام، ثم لتدع الصلاة فيهن أو بقدرهن، ثم لتغتسل ثم لتستثفر بثوب ثم لتصلي)].
هذا الحديث ذكره المؤلف ﵀ في إقبال الحيضة، وقد استدل به على أن المرأة إذا أقبلت الحيضة تدع الصلاة، وإقبال الحيضة يحتمل إقبالها بالتمييز؛ لأنها تعرف بالتمييز، أو إقبالها بالعادة التي كانت تعرفها من الشهر وعدد الأيام التي تعرفها وتعرف مكانها من الشهر، وهذا الحديث سنده ضعيف؛ لأن فيه أبا عقيل وهو ضعيف، وكذلك بهية ضعيفة، وأما المرأة التي تسأل عائشة ﵂ فلا يضر جهالتها؛ لأن بهية قد سمعت الحديث من عائشة وقد قالت: سمعت عائشة، فلم تنقل عن المرأة المجهولة وإنما نقلت عن عائشة ومعنى الحديث: صحيح، وقد دل على معناه الأحاديث الصحيحة، فقد دلت على أن المرأة تجلس أيام عادتها إذا كان لها عادة تعرفها في الشهر، فإن لم يكن لها عادة عملت بالتمييز، والحديث وإن كان ضعيفاً لكن له شواهد ترتقي به إلى درجة الحسن، فالحديث حسن بشواهده، وهو دليل على أن المرأة إذا كان لها عادة فإنها تجلس قدر عادتها ثم تغتسل، وتستثفر بثوب ثم تصلي، فإن لم يكن لها عادة عملت بالتمييز.
стр. 316
شرح حديث: (إن هذه ليست بالحيضة)
قال المؤلف ﵀: [حدثنا ابن أبي عقيل ومحمد بن سلمة المصريان قالا: أخبرنا ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير وعمرة عن عائشة ﵂ قالت: (إن أم حبيبة بنت جحش ﵂ ختنة رسول الله ﷺ وتحت عبد الرحمن بن عوف استحيضت سبع سنين، فاستفتت رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : إن هذه ليست بالحيضة، ولكن هذا عرق، فاغتسلي وصلي)].
وهذا الحديث أخرجه الشيخان والنسائي وابن ماجة، وقوله: ختنة رسول الله ﷺ الأختان: هم أقارب زوجة الرجل، يقال لهم: أختاناً، وأقارب الزوج يقال لهم: أحماء، والجميع يسمون أصهاراً.
والمعنى: أن أم حبيبة بنت جحش ختنة رسول الله ﷺ ، أي: قريبة من زوجته؛ لأنها أخت زوجته، فهي أخت زينب، وقد كانت أم حبيبة ﵂ معتادة، ويحتمل أنها مميزة؛ لأن النبي ﷺ قال لها: (إن هذه ليست بالحيضة، ولكن هذا عرق فاغتسلي وصلي).
والأصل: أن العادة مقدمة إذا كانت معروفة للمرأة، فإن كانت المرأة لا تعرف العادة ونسيتها فإنها تعمل بالتمييز، فإذا كان الدم أسود ثخيناً له رائحة جلست، وإذا كان أصفر أو أحمر رقيقاً فإن هذا دم الاستحاضة.
قال المؤلف ﵀: [قال أبو داود: زاد سالأوزاعي في هذا الحديث عن الزهري عن عروة وعمرة عن عائشة ﵂ قالت: (استحيضت أم حبيبة بنت جحش ﵂ -وهي تحت عبد الرحمن بن عوف ﵁ سبع سنين فأمرها النبي ﷺ قال: إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي)].
стр. 317
الكلام على بعض روايات الحديث
قال المؤلف ﵀: [قال أبو داود: ولم يذكر هذا الكلام أحد من أصحاب الزهري غير الأوزاعي، ورواه عن الزهري عمرو بن الحارث والليث ويونس وابن أبي ذئب ومعمر وإبراهيم بن سعد وسليمان بن كثير وابن إسحاق وسفيان بن عيينة ولم يذكروا هذا الكلام].
يعني: أنه ذكر تسعة عن الزهري بخلاف رواية الأوزاعي، فـ الأوزاعي خالف تسعة من تلاميذ الزهري، وهم: عمرو بن الحارث والليث ويونس وابن أبي ذئب ومعمر وإبراهيم بن سعد وسليمان بن كثير وابن إسحاق وسفيان بن عيينة، فكلهم خالفوا الأوزاعي ولم يذكروا هذ الكلام، أي: جملة: (إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي الدم وصلي) ولم يذكرها إلا الأوزاعي من تلاميذ الزهري.
قال المؤلف ﵀: [قال أبو داود: وإنما هذا لفظ حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂].
يعني: وليس من لفظ حديث الزهري عن عروة، وإنما هذا لفظ حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، والمؤلف يريد بهذا ترجيح رواية الأكثرين.
وبيان أن الأوزاعي خالف تلاميذ الزهري على طريقة المتقدمين في تقديم رواية الأكثر على رواية الأقل.
وأما المتأخرون فإنهم يقولون: إن الزيادة من الثقة مقبولة، كالحافظ ابن حجر والعراقي والخطيب البغدادي، وهو أول من تكلم في هذا، فيقبلون رواية الثقة إذا كانت روايته غير منافية لرواية الأكثر، فإنها مقبولة، ولهذا يقول العراقي: واحكم بقول ثقة في الأظهر.
وقال الحافظ ابن حجر في النخبة: وزيادة راويهما -أي: الصحيح والحسن- زيادة مقبولة ما لم تقع منافية لمن هو أوثق، وأما المتقدمون كـ النسائي وأبي داود وجماعة فإنهم يقدمون رواية الأكثر، فلهذا المؤلف ﵀ قدم رواية الأكثر وقال: إن هذه الرواية انفرد بها الأوزاعي عن الزهري، وخالف فيها تسعة من أصحاب الزهري.
قال المؤلف ﵀: [قال أبو داود: وزاد ابن عيينة فيه أيضاً: (أمرها أن تدع الصلاة أيام أقرائها)، وهو وهم من ابن عيينة].
يعني: زاد سفيان بن عيينة أيضاً في هذا الحديث: (أمرها أن تدع الصلاة أيام أقرائها)، يعني: أيام حيضها.
وفيه دليل لمن قال: إن الأقراء هي الحيض، ولكن قال المؤلف: إن هذه الزيادة: (أمرها أن تدع الصلاة أيام أقرائها)، وهم من ابن عيينة؛ لأنه انفرد بها.
قال المؤلف ﵀: [وحديث محمد بن عمرو عن الزهري فيه شيء، ويقرب من الذي زاد الأوزاعي في حديثه].
يعني: حديث محمد بن عمرو عن الزهري فيه وهم، وهو الحديث الذي سيأتي، ويقرب من زيادة الأوزاعي في حديثه، فكما أن الأوزاعي زاد: (فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي)، ووهم فيها فكذلك أيضاً حديث محمد بن عمرو عن الزهري فيه شيء من الوهم.
وعلى هذا تكون زيادة ابن عيينة وزيادة الأوزاعي وحديث محمد بن عمرو وهم، وكل منهم تفرد بما لم يذكره أحد سواه، فتكون ضعيفة، وهذا على طريقة المتقدمين، فوهم الأوزاعي في زيادته، ووهم ابن عيينة، ووهم محمد بن عمرو.
стр. 318
صفة دم الحيض
قال المؤلف ﵀: [حدثنا محمد بن المثنى قال: أخبرنا محمد بن أبي عدي عن محمد يعني: ابن عمرو قال: حدثني ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن فاطمة بنت أبي حبيش ﵂: (أنها كانت تستحاض فقال لها النبي ﷺ : إذا كان دم الحيضة فإنه دم أسود يعرف، فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر فتوضئي وصلي فإنما هو عرق)].
وهذا الحديث أخرجه النسائي بإسناد حسن كمال قال المنذري، وفيه: بيان الفرق بين دم الحيض ودم الاستحاضة، فدم الحيض دم أسود يعرف، ويعرف تروى بالوجهان: يعرَف، بفتح الراء على البناء للمجهول، أي: تعرفه النساء، وروي يعرِف بالكسر، أي: له عرف ورائحة، وفيه: أن النبي ﷺ فصل الحكم، فقال: (إذا كان دم الحيض فإنه أسود يعرف، فإذا كان ذلك)، وهذا الخطاب للمرأة، يعني: في وقت زمن الحيض، (فأمسكي عليك الصلاة، فإذا كان الآخر، فتوضئي)، أي: فهو دم الاستحاضة (فتوضئي وصلي فإنما هو عرق) أي: دم عرق، وقد كانت مميزة.
ففيه العمل بالتمييز.
ويحتمل: أنها معتادة، ولكن الأظهر: أنها مميزة، فدل على أن: المرأة إذا كانت مميزة ولم تعلم عادتها فإنها تعمل بالتمييز.
وهذا الحديث سبق أن المؤلف ﵀ قال: إنه فيه شيء من الوهم؛ لأنه تفرد به محمد بن عمرو عن الزهري.
قال المؤلف ﵀: [قال أبو داود: وقال ابن المثنى: حدثنا به ابن أبي عدي من كتابه هكذا، ثم حدثنا به بعد حفظاً قال: حدثنا محمد بن عمرو عن الزهري عن عروة عن عائشة ﵂ (أن فاطمة كانت تستحاض) فذكر معناه].
أي: أن ابن أبي عدي حدث به مرة من كتابة، وحدث به مرة أخرى من حفظه.
فلما حدث به من كتابة قال محمد بن أبي عدي: عن محمد يعني: ابن عمرو قال: حدثني ابن شهاب، ولما حدث به من حفظة قال: حدثنا محمد بن عمرو عن الزهري عن عروة عن عائشة فذكره من كتابه عن عروة عن فاطمة بنت أبي حبيش، وجعله من حفظه من مسند عائشة: ولهذا تكلم العلماء في هذا الحديث.
وذكر ابن القيم ﵀: أن ابن القطان قال: إن الحديث منقطع؛ لأنه انفرد به محمد بن عمرو عن الزهري عن عروة، ورواه عن محمد بن عمرو محمد بن أبي عدي مرتين: إحداهما من كتابة، والثانية من حفظه.
والمؤلف ﵀ رد هذا الحديث أيضاً.
وقال ابن القيم ﵀: إن الحديث متصل.
فقد حدث به محمد بن عمرو من كتابة منقطعاً، وحدث به من حفظه متصلاً، فزاد عائشة، وهذا فيه نظر، ورد ابن حزم هذا الحديث.
والمقصود: أن هذا الحديث فيه كلام، فالمؤلف يرى أن فيه وهماً، وقال ابن القطان: إن فيه انقطاعاً، وابن القيم يرى أن الحديث لا بأس به، وأن عروة بن الزبير يمكن أن يرويه عن فاطمة ويرويه عن عائشة، ولا محذور في هذا، ولا يعتبر هذا وهماً، وقال المؤلف ﵀: إن فيه وهماً من وهم الأوزاعي؛ لأن محمد بن عمرو تفرد فيه عن الزهري بما لم يذكره سواه.
стр. 319
ما جاء عن الصحابة والسلف في ترك الصلاة أيام الحيض
قال المؤلف ﵀: [قال أبو داود: وروى أنس بن سيرين عن ابن عباس ﵄ في المستحاضة قال: (إذا رأت الدم البحراني فلا تصلي، وإذا رأت الطهر ولو ساعة فلتغتسل وتصلي)].
والدم البحراني يعني: الدم الكثيف الغليظ الواسع يخرج من قعر الرحم، نسبة إلى البحر لكثرته وسعته، والبحر هو: التوسع والانبساط في الشيء، ومنه: قول النبي ﷺ لما ركب فرساً عالياً وكان يقال: إنه يتأخر في المشي، فأسرع: (إن وجدناه لبحراً)، يعني: واسع الجري، فقال هنا: إذا رأت الدم الكثير الغليظ فلا تصلي، وإذا رأت الطهر ولو ساعة فلتغتسل وتصلي.
قال المؤلف ﵀: [وقال مكحول: إن النساء لا تخفى عليهن الحيضة، إن دمها أسود غليظ، فإذا ذهب ذلك وصارت صفرة رقيقة فإنها مستحاضة، فلتغتسل ولتصلي].
أي أن النساء لا تخفى عليهن الحيضة، بل يعرفنه بالتمييز، فدم الحيض دم أسود غليظ، منتن كريه الرائحة، فإذا ذهب هذا الدم الغليظ المنتن وجاء الدم الأصفر الرقيق فإنها تغتسل وتصلي.
قال المؤلف ﵀: [قال أبو داود: وروى حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد عن القعقاع بن حكيم عن سعيد بن المسيب في المستحاضة: (إذا أقبلت الحيضة تركت الصلاة، وإذا أدبرت اغتسلت وصلت)].
وإقبالها يكون بالعادة إن كان لها عادة، فإن لم يكن لها عادة بالتمييز، فإذا أدبرت اغتسلت وصلت.
قال المؤلف ﵀: [وروى سمي وغيره عن سعيد بن المسيب (تجلس أيام أقرائها)].
يعني: أيام حيضها.
قال المؤلف ﵀: [وكذلك رواه حماد بن سلمة عن يحيى بن سعيد].
يعني: كما سبق، أنها تجلس في أيام عادتها.
قال المؤلف ﵀: [قال أبو داود: وروى يونس عن الحسن: (الحائض إذا مد بها الدم تمسك بعد حيضتها يوماً أو يومين فهي مستحاضة)].
يعني: إذا استمر بها الدم بعد انقضاء مدته المعلومة، فإنها تمسك عن الصلاة يوماً أو يومين، ثم بعد ذلك هي مستحاضة.
قال المؤلف ﵀: [وقال التيمي عن قتادة: إذا زاد على أيام حيضها خمسة أيام فلتصل، قال التيمي: فجعلت أنقص حتى بلغت يومين].
يعني: أنقص الأيام التي زادت على أيام حيضها.
قال المؤلف ﵀: [فجعلت أنقص حتى بلغت يومين فقال: إذا كان يومين فهو من حيضها، وسئل ابن سيرين عنه فقال: النساء أعلم بذلك].
يعني: النساء تعرف هذا، وقوله: إنها تجلس بعده يوماً أو يومين ليس بوجيه، وإنما تجلس أيام أقرائها كما سبق.
ولا تزيد يوماً أو يومين إلا إذا كان فيه وصف دم العادة، وأما إذا انتهى الدم الغليظ فلا تجلس يوماً أو يومين، فقول الحسن تجلس يوماً أو يومين إذا مد بها الحيض ليس بجيد، وكذلك قول التيمي: فجعلت أنقص حتى بلغت يومين، وأما قول ابن سيرين: النساء أعلم، فهو أصح من قول الحسن، والمؤلف ﵀ أكثر النقول عن السلف؛ لأن باب الاستحاضة باب عويص.
والمستحاضة لها ثلاث حالات: أحدها: أن يكون لها عادة معلومة من الشهر، فتجلس فيها، ثم تغتسل وتصلي.
الثانية: ألا يكون لها عادة، كأن تكون مبتدئة أو لها عادة ونسيتها فتعمل على التمييز، فتجلس إذا كان الدم أسود أو ثخيناً أو منتناً أو أحمر شديد الحمرة، فإذا ذهب اغتسلت وصلت.
الثالثة: ألا يكون لها تمييز ولا عادة، وهذه تسمى متحيرة، فتحيض في علم الله ستة أيام أو سبعة أيام ثم تغتسل وتصلي.
وهذا على حسب عادة نسائها، ممن يشابهنها سمناً وخلقة من نسائها وأبناء جنسها، فإن كن يجلسن سبعة أيام جلست سبعاً، وأن كن يجلسن ستة جلست ستاً.
стр. 320
حديث حمنة بنت جحش في الاستحاضة
قال المؤلف ﵀: [حدثنا زهير بن حرب وغيره قالا: حدثنا عبد الملك بن عمرو حدثنا زهير بن محمد عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن إبراهيم بن محمد بن طلحة عن عمه عمران بن طلحة عن أمه حمنة بنت جحش ﵂ قالت: كنت أستحاض حيضة كثيرة شديدة، فأتيت رسول الله ﷺ أستفتيه وأخبره، فوجدته في بيت أختي زينب بنت جحش ﵂ فقلت: (يا رسول الله! إني امرأة أستحاض حيضة كثيرة شديدة فما ترى فيها؟ قد منعتني الصلاة والصوم؟ فقال: أنعت لك الكرسف فإنه يذهب الدم، قالت: هو أكثر من ذلك.
قال: فاتخذي ثوباً، فقالت: هو أكثر من ذلك، إنما أثج ثجاً.
قال رسول الله ﷺ : سآمرك بأمرين أيهما فعلت أجزأ عنك من الآخر، فإن قويت عليهما فأنت أعلم.
قال لها: إنما هذه ركضة من ركضات الشيطان فتحيضي ستة أيام أو سبعة أيام في علم الله تعالى، ثم اغتسلي، حتى إذا رأيت أنك قد طهرت واستنقأت فصلي ثلاثاً وعشرين ليلة أو أربعاً وعشرين ليلة وأيامها، وصومي، فإن ذلك يجزئك، وكذلك فافعلي في كل شهر كما تحيض النساء وكما يطهرن، ميقات حيضهن وطهرهن، فإن قويت على أن تؤخري الظهر وتعجلي العصر فتغتسلين وتجمعين بين الصلاتين الظهر والعصر، وتؤخرين المغرب وتعجلين العشاء ثم تغتسلين وتجمعين بين الصلاتين فافعلي، وتغتسلين مع الفجر فافعلي، وصومي إن قدرت على ذلك، قال رسول الله ﷺ : وهذا أعجب الأمرين إلي).
قال أبو داود: ورواه عمرو بن ثابت عن ابن عقيل].
وحديث حمنة هذا حديث مشهور، وحمنة بنت جحش كانت تحت طلحة بن عبيد الله، وأم حبيبة تحت عبد الرحمن بن عوف، وزينب أم المؤمنين، وكل بنات جحش مستحاضات الثلاث.
وهذا الحديث فيه: بيان أن المتحيرة تتحير في علم الله؛ لأن ظاهرها أنها متحيرة، فتتحير في علم الله ستة أيام أو سبعة أيام.
والحديث فيه: عبد الله بن محمد بن عقيل، اختلف في توثيقه وضبطه، وهو عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب، قيل: في حفظه بعض الشيء، والراجح: أنه ثقة مقبول إذا وافق الثقات، والحديث رواه الترمذي وغيره، وهذا الحديث مما وافق فيه الثقات، وكما قال ابن القيم ﵀: مداره على ابن عقيل، وهو عبد الله بن محمد بن عقيل، وهو ثقة صدوق، لم يتكلم فيه بجرح أصلاً، وكان الإمام أحمد وعبد الله بن الزبير الحميدي وإسحاق بن راهويه يحتجون بحديثه، وكان الترمذي يصحح له، وإنما يخشى من حفظه إذا اضطرب على الثقات أو خالفهم، أما إذا لم يخالف الثقات ولم ينفرد فيما ينكر عليه فهو حجة.
وقال البخاري في هذا الحديث: هو حديث حسن، وقال الإمام أحمد: هو حديث صحيح، وأما ابن خزيمة فإنه أعله، وقال: لا يصح؛ لأن ابن جريج لم يسمعه من ابن عقيل، فالحديث مداره على عبد الله بن محمد بن عقيل، في حفظه بعض الشيء، ولكن إذا وافق الثقات فلا إشكال فيه، وإنما الأشكال إذا خالف الثقات، وهو هنا قد وافق الثقات، وهو ثقة صدوق، وفيه: أن حمنة ﵂ قالت: (يا رسول الله! إني أستحاض حيضة كثيرة شديدة فما ترى فيها؟ قد منعتني الصلاة والصوم، فقال النبي ﷺ : أنعت لك الكرسف)، يعني: أصف لك الكرسف، وهو القطن تحتشي به، قال: (فإنه يذهب الدم)، أي: يخفف الدم (فقالت: هو أكثر من ذلك، قال: فاتخذي ثوباً.
فقالت: هو أكثر من ذلك، إنما أثج ثجاً.
فقال: رسول الله ﷺ : سآمرك بأمرين أيهما فعلت أجزأ عنك من الآخر، فإن قويت عليهما فأنت أعلم.
قال لها: إنما هذه ركضة من ركضات الشيطان) والركضة: ضرب الأرض بالرجل حال المشي.
والمراد: أن الشيطان ركض، أو: وجد طريقاً إلى التلبيس عليها في أمر دينها وصلاتها، حتى أنساها حاجتها.
فهي ركضة من ركضات الشيطان.
والأصل أن يحمل على الحقيقة.
وبعضهم تأوله بأن المراد: أن الشيطان قد وجد طريقة إلى التلبيس عليها، أي: أنه ليس ركضاً حسياً.
والصواب: أن الأصل الحقيقة.
الشيطان له مدخل للإنسان، فالشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم.
والنبي ﷺ ذكر لها أمرين، فقال: (سآمرك بأمرين أيهما فعلت أجزأ عنك من الآخر، فإن قويت عليهما فأنت أعلم.
قال لها: إنما هذه ركضة من ركضات الشيطان فتحيضي ستة أيام أو سبعة أيام في علم الله تعالى، ثم اغتسلي، حتى إذا رأيت أنك قد طهرت واستنقأت فصلي ثلاثاً وعشرين ليلة أو أربعاً وعشرين ليلة وأيامها).
وهذا هو الأمر الأول أنها تتوضأ لكل صلاة، وتصلي كل صلاة في وقتها.
وتتحيض في علم الله ستة أيام أو سبعة أيام على حسب عادة نسائها، ومن يوافقها سناً من نسائها؛ لأنها متحيرة؛ وليس لها تمييز ولا عادة فهي متحيرة.
فأمرها النبي ﷺ أن تتحير في علم الله ستة أيام أو سبعة أيام على عادة نسائها، فتجلس من الشهر ستة أيام أو سبعة أيام، ثم تصلي بقية الشهر وتصوم ثلاثاً وعشرين أو أربعاً وعشرين يوماً من الشهر.
وهذه الستة الأيام أو السبعة تجلسها على عادة نسائها إن عرفت أول مجيء الحيض لها، وإلا جلست من أول كل شهر هلالي، ثم بعد ذلك تتحفظ وتتلجم وتصلي، وتفعل هذا في كل شهر.
ولذلك قال لها النبي: (وكذلك فافعلي كل شهر كما تحيض النساء، وكما يطهرن، ميقات حيضهن) والأمر الثاني قال: (فإن قويت على أن تؤخري الظهر وتعجلي العصر فتغتسلين وتجمعين بين الصلاتين الظهر والعصر، وتؤخرين المغرب وتعجلين العشاء ثم تغتسلين وتجمعين بين الصلاتين فافعلي، وتغتسلين مع الفجر).
أي: أنها تجمع جمعاً صورياً.
وتغتسل في كل يوم ثلاث مرات.
فتجمع الظهر والعصر وتغتسل لهما، وتجمع المغرب والعشاء وتغتسل لهما، وتغتسل للفجر.
فالأمر الأول: أنها تتحيض ستة أيام أو سبعة أيام ثم تغتسل، وتتوضأ لكل صلاة.
والأمر الثاني: أنها تغتسل في كل يوم ثلاث مرات، وتجمع جمعاً صورياً.
فتؤخر الظهر إلى آخر وقتها وتعجل العصر في أول وقتها وتغتسل لهما وتصليهما معاً.
وتؤخر المغرب إلى آخر وقتها وتعجل العشاء في أول وقتها وتغتسل لهما وتصليهما معاً.
وتغتسل للفجر.
قال النبي ﷺ : (وهذا أعجب الأمرين إلي).
يعني: الاغتسال ثلاث مرات.
وهذا من باب الاستحباب.
قال المؤلف ﵀: [قال أبو داود: ورواه عمرو بن ثابت عن ابن عقيل فقال: فقالت حمنة: فقلت: (هذا أعجب الأمرين إلي)، فلم يجعله قول النبي ﷺ ، وجعله كلام حمنة].
ففي رواية عمرو بن ثابت قوله: (هذا أعجب الأمرين إلي)، لم يجعله من قول النبي ﷺ ، وإنما جعله من كلام حمنة.
وأما الرواية الأولى: فإنها رواية زهير بن محمد وعبد الله بن عقيل وفيها: أن قوله: (هذا أعجب الأمرين إلي) من كلام النبي.
قال المؤلف ﵀: [قال أبو داود: كان عمرو بن ثابت رافضياً، رجل سوء، ولكنه كان صدوقاً في الحديث].
فقول أبي داود: كان عمرو بن ثابت رافضياً، يعني: فلا يعول على قوله: قالت حمنة: (هذا أعجب الأمرين إلي).
والصواب أنه من كلام النبي ﷺ ؛ لأن الصواب رواية زهير بن محمد عن ابن عقيل.
وقد رفع هذه الجملة إلى النبي ﷺ .
فالصواب: أنه من كلام النبي ﷺ .
وقول أبي داود: أن عمرو بن ثابت كان رافضياً ذكره عن يحيى بن معين.
قال المؤلف ﵀: [قال أبو داود: سمعت أحمد يقول: حديث ابن عقيل في نفسي منه شيء].
وذلك لأن ابن عقيل فيه كلام، ففي حفظه بعض الشيء.
ونقل عن الإمام أحمد خلاف ذلك أيضاً، فقد روى عنه: أنه لا بأس به.
كما نقل ذلك ابن القيم ﵀.
فقد قال: كان الإمام أحمد وعبد الله بن الزبير الحميدي وإسحاق يحتجون بحديثه.
وقال الإمام أحمد: هو حديث صحيح.
وفي هذه الرواية قال: في نفسي منه شيء، وذلك من جهة حفظه؛ لأن في حفظه بعض الشيء.
ولهذا قال الترمذي: حديث حمنة حسن صحيح.
следующие страницы →