← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 37015

شرح سنن أبي داود - الراجحي

عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

Полный текст (438 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

شرح حديث: (إن هذه ليست بالحيضة) قال المؤلف ﵀: [حدثنا ابن أبي عقيل ومحمد بن سلمة المصريان قالا: أخبرنا ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير وعمرة عن عائشة ﵂ قالت: (إن أم حبيبة بنت جحش ﵂ ختنة رسول الله ﷺ وتحت عبد الرحمن بن عوف استحيضت سبع سنين، فاستفتت رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : إن هذه ليست بالحيضة، ولكن هذا عرق، فاغتسلي وصلي)]. وهذا الحديث أخرجه الشيخان والنسائي وابن ماجة، وقوله: ختنة رسول الله ﷺ الأختان: هم أقارب زوجة الرجل، يقال لهم: أختاناً، وأقارب الزوج يقال لهم: أحماء، والجميع يسمون أصهاراً. والمعنى: أن أم حبيبة بنت جحش ختنة رسول الله ﷺ ، أي: قريبة من زوجته؛ لأنها أخت زوجته، فهي أخت زينب، وقد كانت أم حبيبة ﵂ معتادة، ويحتمل أنها مميزة؛ لأن النبي ﷺ قال لها: (إن هذه ليست بالحيضة، ولكن هذا عرق فاغتسلي وصلي). والأصل: أن العادة مقدمة إذا كانت معروفة للمرأة، فإن كانت المرأة لا تعرف العادة ونسيتها فإنها تعمل بالتمييز، فإذا كان الدم أسود ثخيناً له رائحة جلست، وإذا كان أصفر أو أحمر رقيقاً فإن هذا دم الاستحاضة. قال المؤلف ﵀: [قال أبو داود: زاد سالأوزاعي في هذا الحديث عن الزهري عن عروة وعمرة عن عائشة ﵂ قالت: (استحيضت أم حبيبة بنت جحش ﵂ -وهي تحت عبد الرحمن بن عوف ﵁ سبع سنين فأمرها النبي ﷺ قال: إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي)].

стр. 317

الكلام على بعض روايات الحديث قال المؤلف ﵀: [قال أبو داود: ولم يذكر هذا الكلام أحد من أصحاب الزهري غير الأوزاعي، ورواه عن الزهري عمرو بن الحارث والليث ويونس وابن أبي ذئب ومعمر وإبراهيم بن سعد وسليمان بن كثير وابن إسحاق وسفيان بن عيينة ولم يذكروا هذا الكلام]. يعني: أنه ذكر تسعة عن الزهري بخلاف رواية الأوزاعي، فـ الأوزاعي خالف تسعة من تلاميذ الزهري، وهم: عمرو بن الحارث والليث ويونس وابن أبي ذئب ومعمر وإبراهيم بن سعد وسليمان بن كثير وابن إسحاق وسفيان بن عيينة، فكلهم خالفوا الأوزاعي ولم يذكروا هذ الكلام، أي: جملة: (إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي الدم وصلي) ولم يذكرها إلا الأوزاعي من تلاميذ الزهري. قال المؤلف ﵀: [قال أبو داود: وإنما هذا لفظ حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂]. يعني: وليس من لفظ حديث الزهري عن عروة، وإنما هذا لفظ حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، والمؤلف يريد بهذا ترجيح رواية الأكثرين. وبيان أن الأوزاعي خالف تلاميذ الزهري على طريقة المتقدمين في تقديم رواية الأكثر على رواية الأقل. وأما المتأخرون فإنهم يقولون: إن الزيادة من الثقة مقبولة، كالحافظ ابن حجر والعراقي والخطيب البغدادي، وهو أول من تكلم في هذا، فيقبلون رواية الثقة إذا كانت روايته غير منافية لرواية الأكثر، فإنها مقبولة، ولهذا يقول العراقي: واحكم بقول ثقة في الأظهر. وقال الحافظ ابن حجر في النخبة: وزيادة راويهما -أي: الصحيح والحسن- زيادة مقبولة ما لم تقع منافية لمن هو أوثق، وأما المتقدمون كـ النسائي وأبي داود وجماعة فإنهم يقدمون رواية الأكثر، فلهذا المؤلف ﵀ قدم رواية الأكثر وقال: إن هذه الرواية انفرد بها الأوزاعي عن الزهري، وخالف فيها تسعة من أصحاب الزهري. قال المؤلف ﵀: [قال أبو داود: وزاد ابن عيينة فيه أيضاً: (أمرها أن تدع الصلاة أيام أقرائها)، وهو وهم من ابن عيينة]. يعني: زاد سفيان بن عيينة أيضاً في هذا الحديث: (أمرها أن تدع الصلاة أيام أقرائها)، يعني: أيام حيضها. وفيه دليل لمن قال: إن الأقراء هي الحيض، ولكن قال المؤلف: إن هذه الزيادة: (أمرها أن تدع الصلاة أيام أقرائها)، وهم من ابن عيينة؛ لأنه انفرد بها. قال المؤلف ﵀: [وحديث محمد بن عمرو عن الزهري فيه شيء، ويقرب من الذي زاد الأوزاعي في حديثه]. يعني: حديث محمد بن عمرو عن الزهري فيه وهم، وهو الحديث الذي سيأتي، ويقرب من زيادة الأوزاعي في حديثه، فكما أن الأوزاعي زاد: (فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي)، ووهم فيها فكذلك أيضاً حديث محمد بن عمرو عن الزهري فيه شيء من الوهم. وعلى هذا تكون زيادة ابن عيينة وزيادة الأوزاعي وحديث محمد بن عمرو وهم، وكل منهم تفرد بما لم يذكره أحد سواه، فتكون ضعيفة، وهذا على طريقة المتقدمين، فوهم الأوزاعي في زيادته، ووهم ابن عيينة، ووهم محمد بن عمرو.

стр. 318

صفة دم الحيض قال المؤلف ﵀: [حدثنا محمد بن المثنى قال: أخبرنا محمد بن أبي عدي عن محمد يعني: ابن عمرو قال: حدثني ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن فاطمة بنت أبي حبيش ﵂: (أنها كانت تستحاض فقال لها النبي ﷺ : إذا كان دم الحيضة فإنه دم أسود يعرف، فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر فتوضئي وصلي فإنما هو عرق)]. وهذا الحديث أخرجه النسائي بإسناد حسن كمال قال المنذري، وفيه: بيان الفرق بين دم الحيض ودم الاستحاضة، فدم الحيض دم أسود يعرف، ويعرف تروى بالوجهان: يعرَف، بفتح الراء على البناء للمجهول، أي: تعرفه النساء، وروي يعرِف بالكسر، أي: له عرف ورائحة، وفيه: أن النبي ﷺ فصل الحكم، فقال: (إذا كان دم الحيض فإنه أسود يعرف، فإذا كان ذلك)، وهذا الخطاب للمرأة، يعني: في وقت زمن الحيض، (فأمسكي عليك الصلاة، فإذا كان الآخر، فتوضئي)، أي: فهو دم الاستحاضة (فتوضئي وصلي فإنما هو عرق) أي: دم عرق، وقد كانت مميزة. ففيه العمل بالتمييز. ويحتمل: أنها معتادة، ولكن الأظهر: أنها مميزة، فدل على أن: المرأة إذا كانت مميزة ولم تعلم عادتها فإنها تعمل بالتمييز. وهذا الحديث سبق أن المؤلف ﵀ قال: إنه فيه شيء من الوهم؛ لأنه تفرد به محمد بن عمرو عن الزهري. قال المؤلف ﵀: [قال أبو داود: وقال ابن المثنى: حدثنا به ابن أبي عدي من كتابه هكذا، ثم حدثنا به بعد حفظاً قال: حدثنا محمد بن عمرو عن الزهري عن عروة عن عائشة ﵂ (أن فاطمة كانت تستحاض) فذكر معناه]. أي: أن ابن أبي عدي حدث به مرة من كتابة، وحدث به مرة أخرى من حفظه. فلما حدث به من كتابة قال محمد بن أبي عدي: عن محمد يعني: ابن عمرو قال: حدثني ابن شهاب، ولما حدث به من حفظة قال: حدثنا محمد بن عمرو عن الزهري عن عروة عن عائشة فذكره من كتابه عن عروة عن فاطمة بنت أبي حبيش، وجعله من حفظه من مسند عائشة: ولهذا تكلم العلماء في هذا الحديث. وذكر ابن القيم ﵀: أن ابن القطان قال: إن الحديث منقطع؛ لأنه انفرد به محمد بن عمرو عن الزهري عن عروة، ورواه عن محمد بن عمرو محمد بن أبي عدي مرتين: إحداهما من كتابة، والثانية من حفظه. والمؤلف ﵀ رد هذا الحديث أيضاً. وقال ابن القيم ﵀: إن الحديث متصل. فقد حدث به محمد بن عمرو من كتابة منقطعاً، وحدث به من حفظه متصلاً، فزاد عائشة، وهذا فيه نظر، ورد ابن حزم هذا الحديث. والمقصود: أن هذا الحديث فيه كلام، فالمؤلف يرى أن فيه وهماً، وقال ابن القطان: إن فيه انقطاعاً، وابن القيم يرى أن الحديث لا بأس به، وأن عروة بن الزبير يمكن أن يرويه عن فاطمة ويرويه عن عائشة، ولا محذور في هذا، ولا يعتبر هذا وهماً، وقال المؤلف ﵀: إن فيه وهماً من وهم الأوزاعي؛ لأن محمد بن عمرو تفرد فيه عن الزهري بما لم يذكره سواه.

стр. 319

ما جاء عن الصحابة والسلف في ترك الصلاة أيام الحيض قال المؤلف ﵀: [قال أبو داود: وروى أنس بن سيرين عن ابن عباس ﵄ في المستحاضة قال: (إذا رأت الدم البحراني فلا تصلي، وإذا رأت الطهر ولو ساعة فلتغتسل وتصلي)]. والدم البحراني يعني: الدم الكثيف الغليظ الواسع يخرج من قعر الرحم، نسبة إلى البحر لكثرته وسعته، والبحر هو: التوسع والانبساط في الشيء، ومنه: قول النبي ﷺ لما ركب فرساً عالياً وكان يقال: إنه يتأخر في المشي، فأسرع: (إن وجدناه لبحراً)، يعني: واسع الجري، فقال هنا: إذا رأت الدم الكثير الغليظ فلا تصلي، وإذا رأت الطهر ولو ساعة فلتغتسل وتصلي. قال المؤلف ﵀: [وقال مكحول: إن النساء لا تخفى عليهن الحيضة، إن دمها أسود غليظ، فإذا ذهب ذلك وصارت صفرة رقيقة فإنها مستحاضة، فلتغتسل ولتصلي]. أي أن النساء لا تخفى عليهن الحيضة، بل يعرفنه بالتمييز، فدم الحيض دم أسود غليظ، منتن كريه الرائحة، فإذا ذهب هذا الدم الغليظ المنتن وجاء الدم الأصفر الرقيق فإنها تغتسل وتصلي. قال المؤلف ﵀: [قال أبو داود: وروى حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد عن القعقاع بن حكيم عن سعيد بن المسيب في المستحاضة: (إذا أقبلت الحيضة تركت الصلاة، وإذا أدبرت اغتسلت وصلت)]. وإقبالها يكون بالعادة إن كان لها عادة، فإن لم يكن لها عادة بالتمييز، فإذا أدبرت اغتسلت وصلت. قال المؤلف ﵀: [وروى سمي وغيره عن سعيد بن المسيب (تجلس أيام أقرائها)]. يعني: أيام حيضها. قال المؤلف ﵀: [وكذلك رواه حماد بن سلمة عن يحيى بن سعيد]. يعني: كما سبق، أنها تجلس في أيام عادتها. قال المؤلف ﵀: [قال أبو داود: وروى يونس عن الحسن: (الحائض إذا مد بها الدم تمسك بعد حيضتها يوماً أو يومين فهي مستحاضة)]. يعني: إذا استمر بها الدم بعد انقضاء مدته المعلومة، فإنها تمسك عن الصلاة يوماً أو يومين، ثم بعد ذلك هي مستحاضة. قال المؤلف ﵀: [وقال التيمي عن قتادة: إذا زاد على أيام حيضها خمسة أيام فلتصل، قال التيمي: فجعلت أنقص حتى بلغت يومين]. يعني: أنقص الأيام التي زادت على أيام حيضها. قال المؤلف ﵀: [فجعلت أنقص حتى بلغت يومين فقال: إذا كان يومين فهو من حيضها، وسئل ابن سيرين عنه فقال: النساء أعلم بذلك]. يعني: النساء تعرف هذا، وقوله: إنها تجلس بعده يوماً أو يومين ليس بوجيه، وإنما تجلس أيام أقرائها كما سبق. ولا تزيد يوماً أو يومين إلا إذا كان فيه وصف دم العادة، وأما إذا انتهى الدم الغليظ فلا تجلس يوماً أو يومين، فقول الحسن تجلس يوماً أو يومين إذا مد بها الحيض ليس بجيد، وكذلك قول التيمي: فجعلت أنقص حتى بلغت يومين، وأما قول ابن سيرين: النساء أعلم، فهو أصح من قول الحسن، والمؤلف ﵀ أكثر النقول عن السلف؛ لأن باب الاستحاضة باب عويص. والمستحاضة لها ثلاث حالات: أحدها: أن يكون لها عادة معلومة من الشهر، فتجلس فيها، ثم تغتسل وتصلي. الثانية: ألا يكون لها عادة، كأن تكون مبتدئة أو لها عادة ونسيتها فتعمل على التمييز، فتجلس إذا كان الدم أسود أو ثخيناً أو منتناً أو أحمر شديد الحمرة، فإذا ذهب اغتسلت وصلت. الثالثة: ألا يكون لها تمييز ولا عادة، وهذه تسمى متحيرة، فتحيض في علم الله ستة أيام أو سبعة أيام ثم تغتسل وتصلي. وهذا على حسب عادة نسائها، ممن يشابهنها سمناً وخلقة من نسائها وأبناء جنسها، فإن كن يجلسن سبعة أيام جلست سبعاً، وأن كن يجلسن ستة جلست ستاً.

стр. 320

حديث حمنة بنت جحش في الاستحاضة قال المؤلف ﵀: [حدثنا زهير بن حرب وغيره قالا: حدثنا عبد الملك بن عمرو حدثنا زهير بن محمد عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن إبراهيم بن محمد بن طلحة عن عمه عمران بن طلحة عن أمه حمنة بنت جحش ﵂ قالت: كنت أستحاض حيضة كثيرة شديدة، فأتيت رسول الله ﷺ أستفتيه وأخبره، فوجدته في بيت أختي زينب بنت جحش ﵂ فقلت: (يا رسول الله! إني امرأة أستحاض حيضة كثيرة شديدة فما ترى فيها؟ قد منعتني الصلاة والصوم؟ فقال: أنعت لك الكرسف فإنه يذهب الدم، قالت: هو أكثر من ذلك. قال: فاتخذي ثوباً، فقالت: هو أكثر من ذلك، إنما أثج ثجاً. قال رسول الله ﷺ : سآمرك بأمرين أيهما فعلت أجزأ عنك من الآخر، فإن قويت عليهما فأنت أعلم. قال لها: إنما هذه ركضة من ركضات الشيطان فتحيضي ستة أيام أو سبعة أيام في علم الله تعالى، ثم اغتسلي، حتى إذا رأيت أنك قد طهرت واستنقأت فصلي ثلاثاً وعشرين ليلة أو أربعاً وعشرين ليلة وأيامها، وصومي، فإن ذلك يجزئك، وكذلك فافعلي في كل شهر كما تحيض النساء وكما يطهرن، ميقات حيضهن وطهرهن، فإن قويت على أن تؤخري الظهر وتعجلي العصر فتغتسلين وتجمعين بين الصلاتين الظهر والعصر، وتؤخرين المغرب وتعجلين العشاء ثم تغتسلين وتجمعين بين الصلاتين فافعلي، وتغتسلين مع الفجر فافعلي، وصومي إن قدرت على ذلك، قال رسول الله ﷺ : وهذا أعجب الأمرين إلي). قال أبو داود: ورواه عمرو بن ثابت عن ابن عقيل]. وحديث حمنة هذا حديث مشهور، وحمنة بنت جحش كانت تحت طلحة بن عبيد الله، وأم حبيبة تحت عبد الرحمن بن عوف، وزينب أم المؤمنين، وكل بنات جحش مستحاضات الثلاث. وهذا الحديث فيه: بيان أن المتحيرة تتحير في علم الله؛ لأن ظاهرها أنها متحيرة، فتتحير في علم الله ستة أيام أو سبعة أيام. والحديث فيه: عبد الله بن محمد بن عقيل، اختلف في توثيقه وضبطه، وهو عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب، قيل: في حفظه بعض الشيء، والراجح: أنه ثقة مقبول إذا وافق الثقات، والحديث رواه الترمذي وغيره، وهذا الحديث مما وافق فيه الثقات، وكما قال ابن القيم ﵀: مداره على ابن عقيل، وهو عبد الله بن محمد بن عقيل، وهو ثقة صدوق، لم يتكلم فيه بجرح أصلاً، وكان الإمام أحمد وعبد الله بن الزبير الحميدي وإسحاق بن راهويه يحتجون بحديثه، وكان الترمذي يصحح له، وإنما يخشى من حفظه إذا اضطرب على الثقات أو خالفهم، أما إذا لم يخالف الثقات ولم ينفرد فيما ينكر عليه فهو حجة. وقال البخاري في هذا الحديث: هو حديث حسن، وقال الإمام أحمد: هو حديث صحيح، وأما ابن خزيمة فإنه أعله، وقال: لا يصح؛ لأن ابن جريج لم يسمعه من ابن عقيل، فالحديث مداره على عبد الله بن محمد بن عقيل، في حفظه بعض الشيء، ولكن إذا وافق الثقات فلا إشكال فيه، وإنما الأشكال إذا خالف الثقات، وهو هنا قد وافق الثقات، وهو ثقة صدوق، وفيه: أن حمنة ﵂ قالت: (يا رسول الله! إني أستحاض حيضة كثيرة شديدة فما ترى فيها؟ قد منعتني الصلاة والصوم، فقال النبي ﷺ : أنعت لك الكرسف)، يعني: أصف لك الكرسف، وهو القطن تحتشي به، قال: (فإنه يذهب الدم)، أي: يخفف الدم (فقالت: هو أكثر من ذلك، قال: فاتخذي ثوباً. فقالت: هو أكثر من ذلك، إنما أثج ثجاً. فقال: رسول الله ﷺ : سآمرك بأمرين أيهما فعلت أجزأ عنك من الآخر، فإن قويت عليهما فأنت أعلم. قال لها: إنما هذه ركضة من ركضات الشيطان) والركضة: ضرب الأرض بالرجل حال المشي. والمراد: أن الشيطان ركض، أو: وجد طريقاً إلى التلبيس عليها في أمر دينها وصلاتها، حتى أنساها حاجتها. فهي ركضة من ركضات الشيطان. والأصل أن يحمل على الحقيقة. وبعضهم تأوله بأن المراد: أن الشيطان قد وجد طريقة إلى التلبيس عليها، أي: أنه ليس ركضاً حسياً. والصواب: أن الأصل الحقيقة. الشيطان له مدخل للإنسان، فالشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم. والنبي ﷺ ذكر لها أمرين، فقال: (سآمرك بأمرين أيهما فعلت أجزأ عنك من الآخر، فإن قويت عليهما فأنت أعلم. قال لها: إنما هذه ركضة من ركضات الشيطان فتحيضي ستة أيام أو سبعة أيام في علم الله تعالى، ثم اغتسلي، حتى إذا رأيت أنك قد طهرت واستنقأت فصلي ثلاثاً وعشرين ليلة أو أربعاً وعشرين ليلة وأيامها). وهذا هو الأمر الأول أنها تتوضأ لكل صلاة، وتصلي كل صلاة في وقتها. وتتحيض في علم الله ستة أيام أو سبعة أيام على حسب عادة نسائها، ومن يوافقها سناً من نسائها؛ لأنها متحيرة؛ وليس لها تمييز ولا عادة فهي متحيرة. فأمرها النبي ﷺ أن تتحير في علم الله ستة أيام أو سبعة أيام على عادة نسائها، فتجلس من الشهر ستة أيام أو سبعة أيام، ثم تصلي بقية الشهر وتصوم ثلاثاً وعشرين أو أربعاً وعشرين يوماً من الشهر. وهذه الستة الأيام أو السبعة تجلسها على عادة نسائها إن عرفت أول مجيء الحيض لها، وإلا جلست من أول كل شهر هلالي، ثم بعد ذلك تتحفظ وتتلجم وتصلي، وتفعل هذا في كل شهر. ولذلك قال لها النبي: (وكذلك فافعلي كل شهر كما تحيض النساء، وكما يطهرن، ميقات حيضهن) والأمر الثاني قال: (فإن قويت على أن تؤخري الظهر وتعجلي العصر فتغتسلين وتجمعين بين الصلاتين الظهر والعصر، وتؤخرين المغرب وتعجلين العشاء ثم تغتسلين وتجمعين بين الصلاتين فافعلي، وتغتسلين مع الفجر). أي: أنها تجمع جمعاً صورياً. وتغتسل في كل يوم ثلاث مرات. فتجمع الظهر والعصر وتغتسل لهما، وتجمع المغرب والعشاء وتغتسل لهما، وتغتسل للفجر. فالأمر الأول: أنها تتحيض ستة أيام أو سبعة أيام ثم تغتسل، وتتوضأ لكل صلاة. والأمر الثاني: أنها تغتسل في كل يوم ثلاث مرات، وتجمع جمعاً صورياً. فتؤخر الظهر إلى آخر وقتها وتعجل العصر في أول وقتها وتغتسل لهما وتصليهما معاً. وتؤخر المغرب إلى آخر وقتها وتعجل العشاء في أول وقتها وتغتسل لهما وتصليهما معاً. وتغتسل للفجر. قال النبي ﷺ : (وهذا أعجب الأمرين إلي). يعني: الاغتسال ثلاث مرات. وهذا من باب الاستحباب. قال المؤلف ﵀: [قال أبو داود: ورواه عمرو بن ثابت عن ابن عقيل فقال: فقالت حمنة: فقلت: (هذا أعجب الأمرين إلي)، فلم يجعله قول النبي ﷺ ، وجعله كلام حمنة]. ففي رواية عمرو بن ثابت قوله: (هذا أعجب الأمرين إلي)، لم يجعله من قول النبي ﷺ ، وإنما جعله من كلام حمنة. وأما الرواية الأولى: فإنها رواية زهير بن محمد وعبد الله بن عقيل وفيها: أن قوله: (هذا أعجب الأمرين إلي) من كلام النبي. قال المؤلف ﵀: [قال أبو داود: كان عمرو بن ثابت رافضياً، رجل سوء، ولكنه كان صدوقاً في الحديث]. فقول أبي داود: كان عمرو بن ثابت رافضياً، يعني: فلا يعول على قوله: قالت حمنة: (هذا أعجب الأمرين إلي). والصواب أنه من كلام النبي ﷺ ؛ لأن الصواب رواية زهير بن محمد عن ابن عقيل. وقد رفع هذه الجملة إلى النبي ﷺ . فالصواب: أنه من كلام النبي ﷺ . وقول أبي داود: أن عمرو بن ثابت كان رافضياً ذكره عن يحيى بن معين. قال المؤلف ﵀: [قال أبو داود: سمعت أحمد يقول: حديث ابن عقيل في نفسي منه شيء]. وذلك لأن ابن عقيل فيه كلام، ففي حفظه بعض الشيء. ونقل عن الإمام أحمد خلاف ذلك أيضاً، فقد روى عنه: أنه لا بأس به. كما نقل ذلك ابن القيم ﵀. فقد قال: كان الإمام أحمد وعبد الله بن الزبير الحميدي وإسحاق يحتجون بحديثه. وقال الإمام أحمد: هو حديث صحيح. وفي هذه الرواية قال: في نفسي منه شيء، وذلك من جهة حفظه؛ لأن في حفظه بعض الشيء. ولهذا قال الترمذي: حديث حمنة حسن صحيح.

стр. 321

شرح سنن أبي داود_ كتاب الطهارة [١٩] إن دم الاستحاضة يختلف عن دم الحيض، ولذلك كانت أحكامه تختلف عن حكم دم الحيض، فالمستحاضة تصلي وتصوم بخلاف الحائض فإنها تترك الصلاة والصوم حتى ينقضي حيضها ثم تقضي الصوم.

стр. 322

ما جاء فيمن روى أن المستحاضة تغتسل لكل صلاة

стр. 323

شرح الأحاديث الواردة في استحاضة أم حبيبة بنت جحش قال المؤلف ﵀: [باب: من روى أن المستحاضة تغتسل لكل صلاة. حدثنا ابن أبي عقيل ومحمد بن سلمة المرادي قالا: حدثنا ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير وعمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ قالت: (إن أم حبيبة بنت جحش ﵂ ختنة رسول الله ﷺ وتحت عبد الرحمن بن عوف استحيضت سبع سنين، فاستفتت رسول الله ﷺ في ذلك، فقال رسول الله ﷺ : إن هذه ليست بالحيضة، ولكن هذا عرق فاغتسلي وصلي. قالت عائشة ﵂: فكانت تغتسل في مركن في حجرة أختها زينب بنت جحش حتى تعلو حمرة الدم الماء)]. وهذا الحديث أخرجه الشيخان والنسائي وابن ماجة. وفيه: أن النبي ﷺ قال: (إن هذه ليست بالحيضة، ولكن هذا عرق فاغتسلي وصلي). قالت عائشة: فكانت تغتسل في حجرة أختها زينب وكانت بنات جحش كلهن مستحاضات - أم حبيبة وكانت تحت عبد الرحمن بن عوف، وحمنة وكانت تحت طلحة بن عبيد الله، وزينب أم المؤمنين- فكانت تجلس في مركن. والمركن: يشبه الإناء الذي يغسل فيها الثياب، ويشبه الطست. والحكمة من كونها تجلس فيه: أنها إذا علت حمرة الدم الماء عرفت أنه دم استحاضة، فتخرج منه وتغتسل. وليس معناه: أنها تغتسل في هذا المكان الذي فيه الماء. وأما إذا لم تعلو حمرة الدم الماء فتعرف أنه دم حيض ولم يذكر هنا أنها تغتسل لكل صلاة، وسيأتي في الحديث الذي بعده. قال المؤلف ﵀: [حدثنا أحمد بن صالح حدثنا عنبسة حدثنا يونس عن ابن شهاب أخبرتني عمرة بنت عبد الرحمن عن أم حبيبة ﵂ بهذا الحديث، قالت عائشة ﵂: فكانت تغتسل لكل صلاة]. وهذا هو الشاهد للترجمة بقوله: باب: ما روي أنها تغتسل لكل صلاة. ففي الحديث: أنها كانت تغتسل لكل صلاة. ولكن هذا اجتهاد منها. ولم يأمرها به النبي ﷺ ، وإنما الواجب عليها أن تغتسل مرة واحدة عند انقطاع دم الحيض، فإذا انقطع دم الحيض اغتسلت. أو إذا كان لها تمييز أو انتهت العادة فإنها تغتسل مرة واحدة. هذا هو الواجب عليها. وأما اغتسالها لكل صلاة فقد فعلته هي تطوعاً، ولم يأمرها به النبي ﷺ ، والذي أمرها به هو أنها تغتسل عند انقطاع دم الحيض. وأما كونها تغتسل لكل صلاة فهذا اجتهاد منها، وليس بواجب. وعنبسة هذا الأقرب أنه عنبسة بن خالد. وما جاء في بعض الروايات من الأمر بالغسل لكل صلاة فهو محمول على الاستحباب كما سيأتي. قال المؤلف ﵀: [حدثنا يزيد بن خالد بن عبد الله بن موهب الهمداني حدثني الليث بن سعد عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة ﵂ بهذا الحديث. قال فيه: فكانت تغتسل لكل صلاة]. وهذا الإسناد لا بأس به. وفيه: أنها هي التي كانت تغتسل لكل صلاة. ففيه دليل على: أن المستحاضة تغتسل لكل صلاة، وهذا من باب الاستحباب. فإن أحبت هي من نفسها فعلته، وإلا فليس بواجب عليها أن تغتسل لكل صلاة؛ لأن فيه مشقة عليها. قال المؤلف ﵀: [قال أبو داود: رواه القاسم بن مبرور عن يونس عن ابن شهاب عن عمرة عن عائشة ﵂ عن أم حبيبة بنت جحش ﵂] يعني: جعل يزيد عروة مكان مكان عمرة، والقاسم بن مبرور جعل عمرة مكان عروة، فقال: عن عمرة عن عائشة، فقد اختلفا في عروة وعمرة وكلاهما ثقة، وعنبسة جعله عن الزهري. والقاسم جعله من مسند أم حبيبة لا من مسند عائشة، فهذا هو وجه كون المؤلف ذكر الاختلاف في هذا وبينه. قال المؤلف ﵀: [وكذلك رواه معمر عن الزهري عن عمرة عن عائشة ﵂، وربما قال معمر: عن عمرة عن أم حبيبة ﵂، بمعناه]. يعني: أن معمراً ربما حذف عائشة ﵂. قال المؤلف ﵀: [وكذلك رواه إبراهيم بن سعد وابن عيينة عن الزهري عن عمرة عن عائشة ﵂]. يعني: جعله من مسند الزهري عن عمرة عن عائشة. وروايته الأولى عن عروة عن عائشة. قال المؤلف ﵀: [وقال ابن عيينة في حديثه: ولم يقل: إن النبي ﷺ أمرها أن تغتسل لكل صلاة]. أي: قال سفيان بن عيينة في حديثه: ولم يقل -أي: الزهري - إن النبي ﷺ أمرها أن تغتسل. وعنبسة بن خالد هو أبو عثمان مولى بني أمية عن عمه يونس وابن جريج، وعنه: ابن وهب وأحمد بن صالح. وقال: صدوق. قال أبو داود: هو أحب إلينا من الليث. وقال أبو حاتم: كان على خراج مصر، وكان يعلق النساء بثديهن. قال ابن القطان: كفى هذا في تجريحه. قال النسوي سمعت يحيى بن بكير يقول: إنما يحدث عن عنبسة مجنون أحمق، لم يكن موضعاً للكتابة عنه. كذا في الميزان والتهذيب. قال ابن يونس: توفي سنة ثمان وتسعين ومائة، قاله البخاري. وعلى كل حال يحتاج هذا الكلام إلى توثيق. يعني: هذا اختلاف في توثيقه، ويحتاج إلى مراجعة خلاف النقاد. قال المؤلف ﵀: [وذكر أبو داود ﵀ قال حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن جعفر عن عراك عن عروة عن عائشة أنها قالت: (إن أم حبيبة سألت النبي ﷺ الله عليه وسلم، عن الدم؟ فقالت عائشة: فرأيت مركنها ملآن دماً، فقال رسول الله ﷺ : امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك ثم اغتسلي). قال أبو داود: ورواه قتيبة بين أضعاف حديث جعفر بن ربيعة في آخرها. رواه علي بن عياش ويونس بن محمد عن الليث فقالا: جعفر بن ربيعة]. قال المؤلف ﵀: [حدثنا محمد بن إسحاق المسيبي حدثنى أبي عن ابن أبي ذئب عن ابن شهاب عن عروة وعمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة: (أن أم حبيبة ﵂ استحيضت سبع سنين، فأمرها رسول الله ﷺ أن تغتسل فكانت تغتسل لكل صلاة). وكذلك رواه الأوزاعي أيضاً. قالت عائشة: فكانت تغتسل لكل صلاة]. وهذا هو الصواب، أنها هي التي كانت تغتسل، ولم يأمرها النبي ﷺ بذلك. قال المؤلف ﵀: [حدثنا هناد بن السري عن عبدة عن ابن إسحاق عن الزهري عن عروة عن عائشة: (أن أم حبيبة بنت جحش ﵂ استحيضت في عهد رسول الله ﷺ ، فأمرها بالغسل لكل صلاة). وساق الحديث]. وهذا ضعيف؛ لأن في إسناده محمد بن إسحاق وهو مدلس، وقد عنعن ولم يصرح بالتحديث. وفيه: أن النبي هو الذي أمرها بالغسل لكل صلاة. وهذا ضعيف. والصواب: ما سبق من أنها هي التي كانت تغتسل. وأما هذا الحديث الذي فيه: أن النبي هو الذي أمرها بالغسل لكل صلاة فمن رواية محمد بن إسحاق، وهو ثقة، ولكنه مدلس. فلهذا لا حجة في ما دل عليه: من أن النبي هو الذي أمرها بالغسل. وإنما هي التي كانت تغتسل كما دلت عليه الروايات السابقة الكثيرة.

стр. 324

شرح الأحاديث الواردة في استحاضة زينب بنت جحش قال المؤلف ﵀: [قال أبو داود: ورواه أبو الوليد الطيالسي ولم أسمعه منه عن سليمان بن كثير عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: (استحيضت زينب بنت جحش فقال لها النبي ﷺ : اغتسلي لكل صلاة). وساق الحديث]. وهذا منقطع، كما قال: إن بينه وبين أبي الوليد واسطة. وفيه: أن النبي أمرها بالاغتسال. وهذا غير صحيح؛ لأنه لم يصح الأمر بالغسل، وإنما هي التي كانت تغتسل. ولم يسمع المؤلف هذا الحديث من أبي الوليد الطيالسي مع كونه من تلامذته. وقد قال المؤلف: إن بينهما واسطة، ولم يذكرها. فالحديث منقطع ضعيف. والثابت أنها هي التي كانت تغتسل، كما في الأحاديث الصحيحة. قال المحقق في الحاشية: [وليست كل امرأة مستحاضة يجب عليها الاغتسال لكل صلاة، وإنما هي فيمن تبتلى وهي لا تميز دمها، أو كانت لها أيام فنسيتها، فهي لا تعرف موضعها ولا عادتها ولا وقت انقطاع الدم عنها]. وهذه هي المتحيرة، ولكن لا يجب عليها الغسل. وأما الغسل لكل صلاة فمستحب، إذا فعلته من نفسها. ولم يأمر به النبي ﷺ ، ولو ثبت الأمر منه فهو محمول على الاستحباب؛ لأن النبي لم يأمر المستحاضات بالغسل لكل صلاة؛ لأن فيه مشقة. قال المؤلف ﵀: [قال أبو داود: ورواه عبد الصمد عن سليمان بن كثير قال: (توضئي لكل صلاة). قال أبو داود: وهذا وهم من عبد الصمد، والقول فيه قول أبي الوليد]. وهذا هو الصواب. ولكن أبو داود وجماعة يجعلون رواية عبد الصمد عن سليمان بن كثير: (توضئي لكل صلاة)، وهماً؛ لأنه انفرد بها. وأما رواية أبي الوليد الطيالسي عن سليمان بن كثير التي فيها الغسل لكل صلاة المنقطعة فيصححها أبو داود؛ لأنه يوثق الواسطة بينه وبين أبي الوليد، ويرجح قول أبي الوليد على قول عبد الصمد؛ لأنه أقوى في الحفظ. والصواب: أن عبد الصمد لم يهم؛ لموافقته النصوص التي فيها الأمر بالوضوء فقط. وإن كان أبو الوليد أقوى حفظاً.

стр. 325

شرح الأحاديث الواردة في اغتسال المستحاضة لكل صلاة قال المؤلف ﵀: [حدثنا عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج أبو معمر حدثنا عبد الوارث عن الحسين عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة قال: أخبرتني زينب بنت أبي سلمة: (أن امرأة كانت تهرق الدم، وكانت تحت عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله ﷺ أمرها أن تغتسل عند كل صلاة وتصلي)]. وحديث أبي سلمة هذا إسناده: حسن، وليس فيه علة. وقال ابن القيم ﵀: أعل ابن القطان هذا الحديث بأنه مرسل؛ لأن زينب بنت أبي سلمة ربيبة النبي ﷺ معدودة في التابعيات. فيكون الحديث مرسلاً، والمرسل ضعيف. قال ابن القيم: وهذا التعليل تعليل فاسد، فإنها معروفة الرواية عن النبي ﷺ وعن أمها وعن أم حبيبة، فلا يكون مرسلاً، وإنما هو حسن. وقد اعتمد هذا الشارح، وعلى هذا فيكون النبي هو الذي أمرها أن تغتسل، فيكون الأمر محمولاً على الاستحباب، جمعاً بين الروايتين. قال المؤلف ﵀: [وأخبرني أن أم بكر أخبرته أن عائشة قالت: إن رسول الله ﷺ قال: (في المرأة ترى ما يريبها بعد الطهر إنما هي أو قال: إنما هو عرق، أو قال: عروق)]. يعني: دم استحاضة. فلا تترك له الصلاة، لأنه دم عرق، يعني: دم يخرج من انفجار العروق، ولا يخرج من الرحم. وعلى هذا فإذا رأت المستحاضة هذا الدم بعد الطهر، فإنها تغتسل وتتلجم وتتحفظ وتصلي. قال المؤلف ﵀: [قال أبو داود: في حديث ابن عقيل: الأمران جميعاً. وقال: (إن قويت فاغتسلي لكل صلاة، وإلا فاجمعي)]. أي: بين الصلاتين. يعني: بغسل واحد. قال: [كما قال القاسم في حديثه]. وهذا الغسل من باب الاستحباب وحديث القاسم سيأتي في الباب الذي بعده. قال: [وقد روي هذا القول عن سعيد بن جبير عن علي وابن عباس ﵃]. أي: أنها تغتسل لكل صلاة، أو تجمع بين الصلاتين بغسل واحد.

стр. 326

ما جاء فيمن قال تجمع بين الصلاتين وتغتسل لهما غسلاً

стр. 327

شرح حديث: (استحيضت امرأة على عهد رسول الله) قال المؤلف ﵀: [باب من قال تجمع بين الصلاتين وتغتسل لهما غسلاً]. قال المؤلف ﵀: [حدثنا عبيد الله بن معاذ حدثني أبي عن شعبة عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة قالت: (استحيضت امرأة على عهد رسول الله ﷺ ، فأمرت أن تعجل العصر وتؤخر الظهر وتغتسل لهما غسلاً، وأن تؤخر المغرب وتعجل العشاء وتغتسل لهما غسلا، وتغتسل لصلاة الصبح غسلاً) فقلت لـ عبد الرحمن: عن النبي ﷺ ؟ فقال: لا أحدثك بشيء إلا عن النبي ﷺ ]. وهذا الأمر على سبيل الاستحباب لا الوجوب، بدليل قوله في حديث حمنة لما ذكر الغسل والوضوء في كل صلاة: (وهو أعجب الأمرين إلي) فهذا القول منه يدل على: أنه ليس للوجوب. فيكون الغسل هذا من باب الاستحباب، وأما كونها تجمع بين الصلاتين فلأن الاستحاضة نوع من المرض، فتجمع إذا كان يشق عليها أن تصلي كل صلاة في وقتها. وأما الغسل فهو مستحب. وإذا اغتسلت فهو أفضل وأقوى، وهو يزيد النشاط والقوة، وإلا فالوضوء يكفيها، وتغتسل إذا انتهى دم الحيض أو انقطع دم الحيض، أو انتهت أيام عادتها أو التمييز. والحديث أخرجه النسائي. وقوله: يقول -أي: شعبة - لـ عبد الرحمن: عن النبي ﷺ ؟ يعني: هذا الحديث. قال: لا أحدثك بشيء إلا عن النبي ﷺ . فقوله: بشيء متعلقة بأحدثك. ففيها تقديم وتأخير، يعني: أن الحديث مرفوع. وأن الآمر لها النبي ﷺ ، ولكنه محمول على الاستحباب. وفي بعض النسخ: (لا أحدث عن النبي ﷺ بشيء). والأقرب الاستثناء، وأنه لابد منه.

стр. 328

شرح حديث عائشة: (أن سهلة بنت سهيل استحيضت) قال المؤلف ﵀: [حدثنا عبد العزيز بن يحيى حدثنا محمد -يعني: ابن سلمة - عن محمد بن إسحاق عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة: (أن سهلة بنت سهيل استحيضت، فأتت النبي ﷺ فأمرها أن تغتسل عند كل صلاة. فلما جهدها ذلك أمرها أن تجمع بين الظهر والعصر بغسل، والمغرب والعشاء بغسل، وتغتسل للصبح)]. وهذا السند فيه محمد بن إسحاق، وهو مدلس، وقد عنعن، ولو صح فإن الأمر بالغسل محمول على الاستحباب. قال المؤلف ﵀: [قال أبو داود: ورواه ابن عيينة عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه: أن امرأة استحيضت فسألت النبي ﷺ فأمرها بمعناه]. وهذا فيه متابعة من ابن عيينة لـ محمد بن إسحاق، فـ محمد بن إسحاق مدلس فيشده متابعة ابن عيينة له، ويكون الأمر ثابتاً عن النبي ﷺ ، ويكون الأمر للاستحباب ليس للوجوب.

стр. 329

شرح حديث أسماء بنت عميس في استحاضة فاطمة بنت أبي حبيش قال المؤلف ﵀: [حدثنا وهب بن بقية قال: أخبرنا خالد عن وسهيل -يعني: ابن أبي صالح - عن الزهري عن عروة بن الزبير عن أسماء بنت عميس قالت: قلت: (يا رسول الله! إن فاطمة بنت أبي حبيش استحيضت منذ كذا وكذا فلم تصل، فقال رسول الله ﷺ : سبحان الله! إن هذا من الشيطان، لتجلس في مركن فإذا رأت صفرة فوق الماء فلتغتسل للظهر والعصر غسلاً واحداً، وتغتسل للمغرب والعشاء غسلاً واحداً، وتغتسل للفجر غسلاً واحداً، وتتوضأ فيما بين ذلك)]. وهذا الحديث قال المنذري: إسناده حسن، وفيه: أن النبي ﷺ أمرها بالغسل، ولكنه محمول على الاستحباب. وقوله: (لتجلس في مركن فإذا رأت صفرة فوق الماء)، يعني: إذا رأت صفرة فوق الماء الذي تقعد فيه فلتغتسل، وفائدة القعود لتميز دم الاستحاضة من غيره، فإنه إذا علا الدم الأصفر فوق الماء فهي مستحاضة، وإن لم يعلو على الماء فهو حيض، وأما الغسل فيكون خارج المركن، والمركن هو: الإناء الواسع الذي يغسل فيه الثياب، ويسمى عندنا الآن الطست، واللجان. [قال أبو داود: رواه مجاهد عن ابن عباس: (لما اشتد عليها الغسل، أمرها أن تجمع بين الصلاتين)]. يعني: لما اشتد عليها الغسل لكل الصلاة، وقد سبق أنها هي التي فعلت هذا بنفسها، ولم يأمرها به النبي ﷺ ، وقوله: (لما اشتد عليها الغسل أمرها أن تجمع بين الصلاتين)، هذه رواية ابن عباس. [قال: أبو داود: ورواه إبراهيم عن ابن عباس وهو قول إبراهيم النخعي وعبد الله بن شداد]. لأن الاستحاضة نوع من المرض فتجمع بن الصلاتين، وهذا هو الصواب: أنها تجمع. وإذا لم تصل المرأة وهي في دم الاستحاضة، فإنها تقضي الصلاة، فإن قيل: إن النبي ﷺ لم يأمر فاطمة هنا بالإعادة؛ وهو دم استحاضة، قيل: هذا مسكوت.

стр. 330

ما جاء فيمن قال تغتسل المستحاضة من طهر إلى طهر قال المؤلف ﵀: [باب: من قال: تغتسل من طهر إلى طهر. حدثنا محمد بن جعفر بن زياد وحدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا شريك عن أبي اليقظان عن عدي بن ثابت عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ : (في المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها ثم تغتسل وتصلي، والوضوء عند كل صلاة)]. والاغتسال من طهر إلى طهر هو الواجب، وهو الذي عليه الجمهور، وهو الصواب: أنها لا يجب عليها أن تغتسل إلا من طهر إلى طهر، والغسل عند كل صلاة محمول على الاستحباب، وهذا الحديث أخرجه الترمذي وابن ماجة، وهو ضعيف؛ لأن في سنده شريك القاضي، وهو سيئ الحفظ، وفي سنده أيضاً أبو اليقظان لا يحتج بحديثه، وجد عدي بن ثابت مجهول، ففيه ثلاث علل: شريك القاضي فإنه لما تولى القضاء ساء حفظه، وأبو اليقظان لا يحتج بحديثه، وجد عدي بن ثابت مجهول عن أبيه عن جده، ولكن الحديث له شواهد كثيرة، تدل على أن: المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها ثم تغتسل وتتوضأ لكل صلاة، وما دل عليه الحديث ثابت في أنها تدع الصلاة أيام أقرائها، يعني: الحيض، ثم تغتسل، يعني: بعد الطهر وتصلي. قال المؤلف ﵀: [قال أبو داود: زاد عثمان: (وتصوم وتصلي)]. الشيخ: يعني: الرواية الأولى: (تغتسل وتصلي)، وهنا زاد عثمان: (وتصوم وتصلي) وعثمان هو ابن أبي شيبة. قال المؤلف ﵀: [حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا وكيع عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن عروة عن عائشة قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش ﵂ إلى النبي ﷺ فذكر خبرها وقال: (ثم اغتسلي، ثم توضئي لكل صلاة وصلي)]. وهذا الحديث فيه عنعنة حبيب بن أبي ثابت وعنعنة الأعمش أيضاً، والأعمش وحبيب بن ثابت كلاهما مدلسان -كما سيبين المؤلف ﵀ وفي هذا قال: (ثم اغتسلي، ثم توضئي لكل صلاة)، فالوضوء لكل صلاة هو الذي ذهب إليه كثير من العلماء، وبعض العلماء يرى: أنها لا تتوضأ؛ لأن هذا دم مستمر. قال المؤلف ﵀: [حدثنا أحمد بن سنان القطان الواسطي حدثنا يزيد عن أيوب بن أبي مسكين عن الحجاج عن أم كلثوم عن عائشة في المستحاضة: تغتسل -تعني: مرة واحدة- ثم توضأ إلى أيام أقرائها]. وهذا هو الواجب عليها، أنها تغتسل مرة واحدة عند انتهاء مدة الحيض، ثم تتوضأ حتى يأتيها الحيض مرة أخرى. قال المؤلف ﵀: [حدثنا أحمد بن سنان القطان الواسطي حدثنا يزيد عن أيوب أبي العلاء عن ابن شبرمة عن امرأة مسروق عن عائشة عن النبي ﷺ مثله]. يعني: أنها تغتسل مرة واحدة، ثم تتوضأ إلى أيام أقرائها. قال المؤلف ﵀: [قال أبو داود: وحديث عدي بن ثابت والأعمش عن حبيب وأيوب أبي العلاء كلها ضعيفة لا تصح]. يعني: الأحاديث التي سبقت، فالحديث الأول: حديث عدي بن ثابت عن أبيه عن جده في المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها، والثاني: حديث الأعمش، وهو حديث عثمان بن أبي شيبة عن وكيع عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت كذلك، والثالث: حديث أيوب بن أبي مسكين عن الحجاج وهذه الأحاديث الثلاثة التي سبقت كلها ضعيفة، فأما الأول: فكما سبق أن فيه ثلاث علل، وأما الثاني: ففيه عنعنة الأعمش وعنعنة حبيب، وأما الثالث: ففيه الحجاج، وكأنه الحجاج بن أرطأة. فأما الحديث الأول فقد قصد المؤلف ﵀ أن يضعف القول بالوضوء لكل صلاة، وأنها لا يجب عليها الوضوء لكل صلاة وحديث عدي له شواهد. وأيوب بن أبي مسكين صدوق له أوهام. قال المؤلف ﵀: [ودل على ضعف حديث الأعمش عن حبيب هذا الحديث]. وحديث الأعمش هو الثاني من أحاديث الباب، وهو عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت. قال: [أوقفه حفص بن غياث عن الأعمش]. يعني: أن حفص بن غياث رواه عن الأعمش وأوقفه على عائشة، وأنكر أن يكون مرفوعاً. قال: [وأنكر حفص بن غياث أن يكون حديث حبيب مرفوعاً]. بل جعله موقوفاً على عائشة. قال: [وأوقفه أيضاً أسباط عن الأعمش موقوفاً عن عائشة]. وأيوب بن أبي المسكين هو التميمي أبو العلاء الواسطي، روى عن: قتادة وسعيد المقبري، وروى عنه: هشيم وإسحاق بن يوسف الأزرق ويزيد بن حرام، ووثقه أحمد والنسائي، وقال أبو حاتم: لا بأس به، ولا يحتج به، وقد ضعفه المؤلف. قال المؤلف ﵀: [قال أبو داود: ورواه ابن داود عن الأعمش مرفوعاً أوله، وأنكر أن يكون فيه الوضوء عند كل صلاة]. أي: رواه ابن داود عن الأعمش مرفوعاً أوله وآخره ليس بمرفوع، وهو قوله: (والوضوء لكل صلاة). قال: [ودل على ضعف حديث حبيب هذا أن رواية الزهري عن عروة عن عائشة قالت: فكانت تغتسل لكل صلاة، في حديث المستحاضة]. وهذا هو الحديث الثاني، حديث الأعمش وحبيب بن أبي ثابت وقد خالفته رواية الزهري، ففي رواية حبيب بن أبي ثابت أمرها النبي أن تغتسل، فقال: (ثم اغتسلي لكل صلاة)، وفي رواية الزهري: أن الغسل من فعلها هي، وأنها هي التي كانت تغتسل لكل صلاة، وهذا يدل على ضعفه، والمؤلف قصده من هذا أن يضعف رواية: (والوضوء لكل صلاة) وجعلها شاذة وغير ثابتة. قال المؤلف ﵀: [وروى أبو اليقظان عن عدي بن ثابت عن أبيه عن علي وعمار مولى بني هاشم عن ابن عباس]. وفي الأول أنه رفعه إلى النبي ﷺ . قال المؤلف ﵀: [وروى عبد الملك بن ميسرة وبيان والمغيرة وفراس ومجالد عن الشعبي حديث قمير عن عائشة: (توضئي لكل صلاة)]. ومجالد هذا ضعيف وقمير هي امرأة مسروق، وهي مقبولة عن عائشة، وهذا موقوف على عائشة، وليس مرفوعاً إلى النبي ﷺ . قال المؤلف ﵀: [ورواية داود وعاصم عن الشعبي عن قمير عن عائشة: (تغتسل كل يوم مرة). وروى هشام بن عروة عن أبيه: (المستحاضة تتوضأ لكل صلاة)، وهذه الأحاديث كلها ضعيفة]. وقد قصد المؤلف ﵀: أن يضعف الوضوء لكل صلاة. قال المؤلف ﵀: [وهذه الأحاديث كلها ضعيفة إلا حديث قمير، وحديث عمار مولى بني هاشم، وحديث هشام بن عروة عن أبيه، والمعروف عن ابن عباس الغسل]. وهكذا المؤلف ﵀ ضعف هذه الآثار، وقال: كلها ضعيفة، إلا حديث قمير فمقبول، وحديث عمار مولى بني هاشم، الذي قال فيه: وروى أبو اليقظان عن عدي بن ثابت عن أبيه عن علي وعمار مولى بني هاشم عن ابن عباس، وكذلك حديث هشام بن عروة، قال: والمعروف عن ابن عباس الغسل. والمؤلف ﵀ يريد بهذا أن يضعف رواية الوضوء، وأن كل ما في الباب من الروايات ضعيفة إلا ثلاثة آثار، أثر قمير وأثر عمار وأثر هشام بن عروة، وقمير امرأة مسروق مقبولة. فالمؤلف ﵀ يرى أن رواية الوضوء لكل صلاة غير ثابتة، وعلى هذا يجوز للمرأة المستحاضة أن تصلي الصلاتين بوضوء واحد، ولو كان الدم ينزل عليها، إلا إذا أحدثت بغير الدم، مثل الريح أو بشيء آخر؛ لأن هذا حدث مستقل، ومثلها أيضاً من به سلس البول، أو حدث دائم، فهذا لا يوجب الوضوء، وإنما يوجب الوضوء حدث آخر، وأما هذا فلا لأنه مستديم ولا حيلة فيه، وفيه مشقة، والوضوء لكل صلاة ليس ثابتاً. والقول المشهور عن جمهور العلماء: أنه يجب عليها الوضوء لكل صلاة، عملاً بهذا الحديث، وقد قال النسائي في حديث: (تتوضأ لكل صلاة)، أن هذا انفرد به حماد بن زيد، وهو ثقة، والذي عليه الفتوى الآن وعليه الجماهير: أنها تت

стр. 331

ما جاء فيمن قال المستحاضة تغتسل من ظهر إلى ظهر قال المؤلف ﵀: [باب من قال: المستحاضة تغتسل من ظهر إلى ظهر]. من ظهر بالظاء المعجمة، والفرق بينها وبين الترجمة السابقة: أن الترجمة السابقة: من طهر إلى طهر، وهذه من ظهر إلى ظهر، وفيها خلاف أيضاً في الترجمة: هل هي بالطهر؟ بعضهم رواها بالطهر، وبعضهم رواها بالظهر. قال المؤلف ﵀: [حدثنا القعنبي عن مالك عن سمي مولى أبي بكر أن القعقاع وزيد بن أسلم أرسلاه إلى سعيد بن المسيب يسأله: كيف تغتسل المستحاضة؟ فقال: تغتسل من ظهر إلى ظهر، وتتوضأ لكل صلاة، فإن غلبها الدم استثفرت بثوب]. وهذا من مراسيل سعيد بن المسيب، وفيه: أنها تغتسل من ظهر إلى ظهر، يعني: كل يوم مرة، وتتوضأ لكل صلاة، ولكن هذه الترجمة فيها كلام للشراح ولغيرهم، فبعضهم قال: إن قوله: من ظهر إلى ظهر خطأ، والصواب: أنها من طهر إلى طهر. قال المؤلف ﵀: [قال أبو داود: وروي عن ابن عمر وأنس بن مالك: تغتسل من ظهر إلى ظهر. وكذلك روى داود وعاصم عن الشعبي عن امرأته عن قمير عن عائشة إلا أن داود قال: كل يوم، وفي حديث عاصم: عند الظهر، وهو قول سالم بن عبد الله والحسن وعطاء]. يعني: كلهم يرون أنها تغتسل مرة واحدة، من ظهر إلى ظهر. قال: [قال أبو داود: قال مالك: إني لأظن حديث ابن المسيب من ظهر إلى ظهر قال فيه: إنما هو من طهر إلى طهر، ولكن الوهم دخل فيه، فقلبها الناس فقالوا: من ظهر إلى ظهر، ورواه مسور بن عبد الملك بن سعيد بن عبد الرحمن بن يربوع قال فيه: من طهر إلى طهر، فقلبها الناس: من ظهر إلى ظهر]. وهذا هو الأقرب، فالأقرب أنه لا يجب إلا من طهر إلى طهر، وأنه لا يجب عليها أن تغتسل كل يوم، وهذا هو الذي تدل عليه الأحاديث، أن النبي ﷺ أمرها أن تغتسل عند الطهر، وأما هذا فمن مراسيل سعيد بن المسيب، وقد دخل فيه الوهم.

стр. 332

ما جاء في غسل المستحاضة كل يوم قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب من قال تغتسل كل يوم مرة ولم يقل عند الظهر مرة. حدثنا أحمد بن حنبل أخبرنا عبد الله بن نمير عن محمد بن أبي إسماعيل - وهو محمد بن راشد - عن معقل الخثعمي عن علي ﵁ قال: المستحاضة إذا انقضى حيضها اغتسلت كل يوم واتخذت صوفة فيها سمن أو زيت]. وهذا الحديث ضعيف لأنَّ فيه معقل الخثعمي، وهو أيضاً موقوف على علي، ولهذا قال المنذري: غريب. والفرق بين هذه الترجمة والترجمة السابقة تحديد الوقت، فالترجمة السابقة أنها تغتسل من الظهر إلى الظهر، أي: تغتسل كل يوم قبل الظهر، وهذا الترجمة فيها أن الوقت غير محدد، فتغتسل كل يوم مرة، سواءً كان الظهر أو العصر أو المغرب أو العشاء أو الفجر. وقوله: واتخذت صوفة يعني: تتخذ المستحاضة صوفة مدهونة بالسمن أو الزيت تتلجم به في فرجها؛ لتقطع جريان الدم، وتسترخي تشنج العروق الذي هو سبب لسيلان الدم، لكن هذا ضعيف، والصواب كما سبق أنها لا تغتسل إلا مرة واحدة عند الطهر، أيْ: إذا طهرت من الحيضة. ومحمد بن أبي إسماعيل وثقه ابن حبان، وعلى كل حال ابن حبان متساهل ﵀.

стр. 333

ما جاء في غسل المستحاضة بين أيام عادتها قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب من قال تغتسل بين الأيام. حدثنا القعنبي أخبرنا عبد العزيز - يعني ابن محمد - عن محمد بن عثمان: أنه سأل القاسم بن محمد عن المستحاضة قال: تدع الصلاة أيام أقرائها، ثم تغتسل فتصلي ثم تغتسل في الأيام]. وهذا موقوف على القاسم بن محمد بن أبي بكر، وهو قول له، ولا يظهر توجيهه، أيْ: هذا القول ليس له وجه أنها تغتسل في الأيام، وإنما الواجب كما سبق أن تغتسل مرة واحدة عند الطهر.

стр. 334

ما جاء في وضوء المستحاضة لكل صلاة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب من قال توضأ لكل صلاة. حدثنا محمد بن المثنى أخبرنا ابن أبي عدي عن محمد - يعني ابن عمرو - قال: حدثني ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن فاطمة بنت أبي حبيش ﵂: أنها كانت تستحاض، فقال لها النبي ﷺ : (إذا كان دم الحيض فإنه دم أسود يعرف، فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر فتوضئي وصلي)]. قال أبو داود: قال ابن المثنى: وحدثنا به ابن أبي عدي حفظاً، فقال: عن عروة عن عائشة ﵂، أن فاطمة]. وهذا الحديث ليس فيه إنها تتوضأ لكل صلاة. وفي السند الأول حدث ابن أبي عدي من كتابه فقال عن محمد حدثني ابن شهاب عن عروة عن فاطمة. وفي السند الثاني قال: عن عروة عن عائشة. فالحديث الأول جعله من مسند فاطمة لما حدث به من كتابه، ولما حدث من حفظه قال عن عروة عن عائشة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال أبو داود: وروي عن العلاء بن المسيب وشعبة عن الحكم عن أبي جعفر قال العلاء عن النبي ﷺ وأوقفه شعبة على أبي جعفر: توضأ لكل صلاة]. هذا الحديث قال فيه أبو داود: وروي عن العلاء - بالبناء للمجهول - وشعبة فكلاهما رويا هذا الحديث عن الحكم عن أبي جعفر، فهو مرفوع في رواية العلاء، وأما في رواية شعبة فهو موقوف على أبي جعفر. والأقرب أنها مرفوعة وأنها ثابتة، وأنه يجب على المستحاضة أن تتوضأ لكل صلاة.

стр. 335

ما جاء في وضوء المستحاضة عند الحدث قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب من لم يذكر الوضوء إلا عند الحدث. حدثنا زياد بن أيوب أخبرنا هشيم أخبرنا أبو بشر عن عكرمة قال (إن أم حبيبة بنت جحش ﵂ استحيضت فأمرها النبي ﷺ أن تنتظر أيام أقرائها ثم تغتسل وتصلي، فإن رأت شيئاً من ذلك توضأت وصلت)]. والحديث ضعيف لأنه مرسل ومنقطع؛ لأن عكرمة لم يسمع من أم حبيبة، وعلى هذا فالمراد بقوله: (فإن رأت شيئاً من ذلك توضأت وصلت) أيْ: رأت غير الدم؛ لأنه لا يجب الوضوء من الدم الخارج؛ لأن الدم لا يفارقها. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا عبد الملك بن شعيب حدثني عبد الله بن وهب حدثني الليث عن ربيعة أنه كان لا يرى على المستحاضة وضوءاً عند كل صلاة إلا أن يصيبها حدث غير الدم فتوضأ]. قول ربيعة يوافقه بعض العلماء من أنها ليس عليها وضوء إلا أن يصيبها حدث غير الدم؛ لأن الدم مستمر. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال أبو داود: هذا قول مالك - يعني ابن أنس]. أي: هذا قول مالك بن أنس، وقول الخطابي وقول ربيعة شاذان، وليس عليه العمل، وبعض العلماء تكلم فيما قاله الخطابي فقال: فيه نظر؛ لأن، مالك بن أنس وافق على هذا.

стр. 336

ما جاء فيما إذا رأت الحائض الصفرة والكدرة بعد الطهر قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب في المرأة ترى الصفرة والكدرة بعد الطهر:]. فهذه الأحاديث وهذه الأبواب مرتبط بعضها ببعض، ولا ينفصل بعضها عن بعض. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا موسى بن إسماعيل أخبرنا حماد عن قتادة عن أم الهذيل عن أم عطية ﵂ وكانت بايعت النبي ﷺ قالت: كنا لا نعد الكدرة والصفرة بعد الطهر شيئاً]. وهذا الحديث أخرجه البخاري والنسائي، لكن بدون قولها: (بعد الطهر)، وهذا الحديث صحيح وهو المعتمد، وفيه دليل على أن المرأة إذا رأت الطهر، ثم رأت بعده الكدرة أو الصفرة فإنها لا تعدها شيئاً، بل تتلجم وتتحفظ وتصوم وتصلي، فإذا رأت القصة البيضاء أو الجفاف، ثم بعد ذلك جاءها الكدرة والصفرة فلا بأس، لكن الكدرة والصفرة في زمن العادة تعتبر من الحيض، ولهذا يقول العلماء: والصفرة والكدرة في زمن العادة حيض، لكن بعد العادة وانتهائها فلا تعتبر حيضاً. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا مسدد أخبرنا إسماعيل أخبرنا أيوب عن محمد بن سيرين عن أم عطية بمثله].

стр. 337

اختلاف الفقهاء في الصفرة والكدرة بعد الطهر والنقاء وهذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم، روي عن علي ﵁ أنه قال: ليس ذلك بمحيض، ولا تمتنع عن الصلاة وهذا هو الصواب. وروي عن سعيد بن المسيب أنها إذا رأت ذلك اغتسلت وصلت. وعن أبي حنيفة إذا رأت بعد الحيض وبعد انقطاع الدم صفرة أو كدرة يوماً أو يومين ما لم يجاوز العشر فهو من حيضها. وكذلك أيضاً المشهور عن الشافعي أنها إذا رأت الصفرة أو الكدرة بعد انقطاع دم العادة ما لم تجاوز خمسة عشر يوماً، فإنها حيض، وهذا هو الصواب لدلالة الحديث عليه.

стр. 338

ما جاء في جماع المستحاضة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب المستحاضة يغشاها زوجها حدثنا إبراهيم بن خالد أخبرنا معلى بن منصور عن علي بن مسهر عن الشيباني عن عكرمة قال: كانت أم حبيبة تستحاض فكان زوجها يغشاها]. وهذا هو الباب الأخير الذي يتعلق بأحكام المستحاضة. ومعنى يغشاها أي: يجامعها، وذلك لأن الاستحاضة دم فساد كالبول والغائط، والحديث مرسل منقطع لأنَّ عكرمة لم يسمع من أم حبيبة كما قال المنذري. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال أبو داود: قال يحيى بن معين: معلى ثقة، وكان أحمد بن حنبل لا يروي عنه؛ لأنه كان ينظر في الرأي]. أيْ: أنَّه كان يعمل بالاجتهاد والنظر ويترك النصوص فاعتبره أحمد قدحاً، ولم يعتبره غيره قادحاً، ويقال لأهل الكوفة والأحناف بأنهم أهل الرأي، ومن كبار أهل الرأي سفيان الثوري وهو إمام جليل حافظ، وهو يعادل شعبة، لكن الإمام أحمد ﵀ لا يروي عنه؛ لأنه لا يعمل بالنصوص وإنما يعمل بالرأي. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا أحمد بن أبي سريج الرازي أخبرنا عبد الله بن الجهم أخبرنا عمرو بن أبي قيس عن عاصم عن عكرمة عن حمنة بنت جحش ﵂: أنها كانت مستحاضة وكان زوجها يجامعها]. وهذا الحديث منقطع أيضاً، لأن عكرمة لم يسمع من حمنة كما قال المنذري، وكون زوجها يجامعها؛ لأنها كانت تصلي، وكما قال بعضهم لما سئل: هل يغشاها زوجها، قال: نعم؛ لأنَّ الصلاة أعظم، لكن هذه الأحاديث التي ذكرها المؤلف كلها منقطعة، لكن الحكم هذا معروف، لأن النبي أمرها بالغسل للصلاة، فإذا كانت تصلي فلا مانع من جماعها، والله تعالى يقول: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة:٢٢٢]، ودم المستحاضة ليس بمحيض. وأبو داود ﵀ له عناية بأحاديث الاستحاضة وبيانها والآثار المنقطعة وغيرها، وهو يشبه البخاري في هذا؛ لأن البخاري يذكر الأحاديث المعلقة في الترجمة وأبو داود يذكرها بعد الحديث.

стр. 339

شرح سنن أبي داود_ كتاب الطهارة [٢٠] لقد ثبت بالدليل أن مدة النفاس أربعون يوماً، ومن قال أن أكثره خمسون يوماً أو ستون يوماً ليس لهم دليل على ذلك، وعلى النساء أن يسألن عن أمر دينهن ولا يستحيين من ذلك.

стр. 340

أحكام النفاس

стр. 341

مدة النفاس قال الإمام أبي داود رحمه الله تعالى: [باب ما جاء في وقت النفساء: حدثنا أحمد بن يونس أخبرنا زهير أخبرنا علي بن عبد الأعلى عن أبي سهل عن مسة عن أم سلمة ﵂ قالت: كانت النفساء على عهد رسول الله ﷺ تقعد بعد نفاسها أربعين يوماً أو أربعين ليلة، وكنا نطلي على وجوهنا الورس، تعني من الكلف]. فهذا الحديث يدل على مدة النفاس، وفي سنده مسة وهي أم بسة، قال فيها في التقريب: مقبولة الأزدية الثالثة، قال الحافظ في البلوغ: الحديث رواه الخمسة إلا النسائي وصححه الحاكم، وقال الخطابي حديث مسة أثنى عليه البخاري، وقال النووي في المجموع: إنه حديث حسن، ثم قال بعد ذلك: الحديث جيد، وقال ابن القيم ﵀: روى عنها، أي مسة: أبو سهل كثير بن زيد والحكم بن عتيبة ومحمد بن عبد الله العرزمي وزيد بن علي بن الحسين. وقال الحاكم عن هذا الحديث صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي، فالحديث حسن، وهو دليل على أن النفساء تجلس أربعين يوماً، فإن استمر الدم بعدها فهو دم فساد، فتغتسل بعد الأربعين وتصلي وتصوم، إلا إذا وافق عادتها قبل النفاس فإنها تجلس عادتها. والنفاس: جمع نفس، بفتح الفاء المعجمة، ودم النفاس دم حيض، احتبس في وقت الحمل، لكن لو انقطع الدم لعشرة أيام أو خمسة أيام أو أقل أو أكثر فإنها حينها تغتسل وتصلي، وقد ذكر الفقهاء شيئاً نادراً فقالوا: لو ولدت بدون دم فما الحكم؟ فالمقصود أن دم النفاس نهايته أربعين يوماً كما دل عليه هذا الحديث وهو حديث حسن، ولو انقطع قبل ذلك فإنها تغتسل وتصوم وتصلي، فإن عاد الدم في الأربعين، فإنها تجلس عادتها. قال بعض العلماء: أكثر مدة النفاس خمسين يوماً، وقال بعضهم: ستين يوماً، والصواب ما دل عليه الحديث أن أكثر مدة النفاس أربعين يوماً. وقولها: (كنا نطلي على وجوهنا الورس) الورس: نبت أصفر يكون في اليمن، وورس الثوب، أو التوريس يعني: صبغه، (بالكلف) يعني: من أجل الكلف، وهو لون يعلو الوجه من السواد إلى الحمرة، أو تكون حمرة وكدرة تعلو الوجه. والحديث أخرجه الترمذي وابن ماجة. فإن قيل: ما حكم دم المرأة النفاس بعد الأربعين يوما؟ دم النفاس إن وافق عادتها بعد الأربعين اليوم فهو حيض، وإلا فهو دم استحاضة فتتلجم وتتحفظ وتصوم وتصلي.

стр. 342

حكم قضاء الحائض والنفساء الصلاة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا الحسن بن يحيى أخبرنا محمد بن حاتم - يعني حبي - أخبرنا عبد الله بن المبارك عن يونس بن نافع عن كثير بن زياد قال: حدثتني الأزدية - يعني مسة - قالت: حججت فدخلت على أم سلمة ﵂ فقلت: يا أم المؤمنين! إن سمرة بن جندب ﵁ يأمر النساء يقضين صلاة المحيض، فقالت: لا يقضين، كانت المرأة من نساء النبي ﷺ تقعد في النفاس أربعين ليلة لا يأمرها النبي ﷺ بقضاء صلاة النفاس. قال محمد يعني ابن حاتم: واسمها مسة تكنى أم بسة. قال أبو داود: كثير بن زياد كنيته أبو سهل]. الصواب أن النفساء والحائض لا يقضيان الصلاة، وهذا بإجماع أهل العلم خالف في ذلك الخوارج، وقالوا: إنها تقضي الصلاة وهذا باطل. ولهذا لما جاءت امرأة تستفتي عائشة ﵂ ولم تحسن السؤال، فقالت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقالت: كنا على عهد رسول الله نؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة، والخوارج يرون أنه لا فرق بين الصلاة وبين الصوم؛ لأنهم لا يعملون بالسنة.

стр. 343

أحكام الحيض قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الاغتسال من الحيض: حدثنا محمد بن عمرو الرازي حدثنا سلمة - يعني ابن الفضل - أخبرنا محمد - يعني ابن إسحاق - عن سليمان بن سحيم عن أمية بنت أبي الصلت عن امرأة من بني غفار قد سماها لي قالت: (أردفني رسول الله ﷺ على حقيبة رحله، قالت: فوالله لم يزل رسول الله ﷺ إلى الصبح فأناخ ونزلت عن حقيبة رحله فإذا بها دم مني، وكانت أول حيضة حضتها، قالت: فتقبضت إلى الناقة واستحييت، فلما رأى رسول الله ﷺ ما بي ورأى الدم قال: ما لك لعلك نفست؟ قلت: نعم، قال: فأصلحي من نفسك ثم خذي إناء من ماء فاطرحي فيه ملحاً، ثم اغسلي ما أصاب الحقيبة من الدم، ثم عودي لمركبك، قالت: فلما فتح رسول الله ﷺ خيبر رضخ لنا من الفيء، قالت: وكانت لا تطهر من حيضة إلا جعلت في طهورها ملحاً، وأوصت به أن يجعل في غسلها حين ماتت)]. وهذا الحديث ضعيف، لأنَّ في سنده محمد بن إسحاق وهو مدلس وقد عنعن، وفي سنده أيضاً أمية بنت أبي الصلت وهي مجهولة لا تعرف.

стр. 344

حكم ركوب المرأة وحدها في سيارة الأجرة وأما قوله: (عن امرأة من بني غفار) فلا تضر جهالتها؛ لأنها صحابية، قيل: إنها امرأة أبي ذر واسمها ليلى، لكن هذا الحديث لا يصح، وقد يقال: إن في متنه نكارة، وهو أنَّ النبي ﷺ أردفها خلفه، فهو دليل على جواز إركاب المرأة وإردافها خلف الرجل على الدابة مع الركب المسافرين، وأنه لا يعتبر خلوة، لكنه لا يصح، وهذا بخلاف إركاب المرأة وحدها في السيارة، فإن فيه خلوة؛ لأن سائق السيارة يذهب بها إلى حيث شاء، لكن إن كان معهما رجل أو امرأة تؤمن فتنتهما؛ فإنها تزول بذلك الخلوة، أما سفر المرأة وهي على البعير مع المسافرين، وهم عن يمينها وعن شمالها وعن خلفها فلا يكون ذلك خلوة. ولو صح لكان فيه أن الملح إذا وضع مع الماء فإنه يزيل الدم، وقد يزيله، وكذلك إذا وضع في البالوعة، فإنه يشقق الصفا والحجر حتى يبتلع الماء ويدخل فيه، والملح ليس طعاماً.

стр. 345

كيفية الغسل من الحيض قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا عثمان بن أبي شيبة أخبرنا سلام بن سليم عن إبراهيم بن مهاجر عن صفية بنت شيبة عن عائشة ﵂ قالت: دخلت أسماء ﵂ على رسول الله ﷺ فقالت: (يا رسول الله! كيف تغتسل إحدانا إذا طهرت من المحيض؟ قال: تأخذ سدرها وماءها فتوضأ ثم تغسل رأسها وتدلكه حتى يبلغ الماء أصول شعرها، ثم تفيض على جسدها ثم تأخذ فرصتها فتطهر بها، قالت: يا رسول الله! كيف أتطهر بها؟ قالت عائشة ﵂: فعرفت الذي يكني عنه رسول الله ﷺ ، فقلت لها: تتبعين آثار الدم)]. هذا الحديث أخرجه الشيخان والنسائي وابن ماجة وفيه بيان كيفية اغتسال المرأة من الحيض. وقوله ﷺ : (تأخذ سدرها وماءها فتوضأ ثم تغسل رأسها)، استعمال السدر من باب النظافة، وإلا فالماء كاف؛ فالسدر وسيلة تنظيف، ومثله استعمال الصابون. وقوله: (حتى يبلغ الماء أصول شعرها)، يعني: حتى يبلغ الماء البشرة. وقوله: (ثم تفيض على جسدها، ثم تأخذ خرقة تتطهر بها) يعني: تأخذ قطعة من القطن وتطليها بالمسك، وتتبع بها أثر الدم لإزالة ما يكون من الروائح، وهذا من باب النظافة وإلا فالواجب هو الغسل. قوله: (تغسل رأسها وتدلكه حتى يبلغ الماء أصول شعرها) المهم أنَّ الماء يبلغ أصول الشعر، ومعلوم أن نقض شعر المرأة لغسل الجنابة والحيض هو من باب الاستحباب، ولا يلزم نقض الشعر. والخرقة: قطعة من القماش أو من القطن مطلية بالمسك، ولما لم تعرف أسماء كيف تطهر بالخرقة، وتتبع بها أثر الدم، قالت لها عائشة: تتبعي أثر الدم في الخرقة المطلية بالمسك. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا مسدد بن مسرهد أخبرنا أبو عوانة عن إبراهيم بن مهاجر عن صفية بنت شيبة عن عائشة ﵂: أنها ذكرت نساء الأنصار فأثنت عليهن وقالت لهن معروفاً. وقالت: دخلت امرأة منهن على رسول الله ﷺ ، فذكر معناه، إلا أنه قال: (فرصة ممسكة). قال مسدد كان أبو عوانة يقول: فرصة، وكان أبو الأحوص يقول: قرصة]. إبراهيم بن مهاجر هو ابن جابر البجلي، صدوق لين الحفظ، قال فيه ابن القطان: ليس بالقوي، وقال أحمد: لا بأس به. وقوله ﷺ : (قِرصة أو فِرصة) أيْ: قطعة من القماش، والقرصة هي التي تؤخذ بطرف الأصبعين، يقال: قرصة ويقال فرصة، أي: قطعة من الصوف، أو من القطن، أو من القماش، يكون فيها شيء من الطيب يتتبع بها أثر الدم.

стр. 346

عدم الحياء في الدين قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا عبيد الله بن معاذ أخبرنا أبي أخبرنا شعبة عن إبراهيم - يعني ابن مهاجر - عن صفية بنت شيبة عن عائشة ﵂، أن أسماء ﵂ سألت النبي ﷺ بمعناه قال: (فرصة ممسكة، فقالت كيف أتطهر بها؟ قال: سبحان الله! تطهري بها، واستتَرَ بثوب، وزاد: وسألته عن الغسل من الجنابة، قال: تأخذين ماءك فتطهرين أحسن الطهور وأبلغه، ثم تصبين على رأسك الماء، ثم تدلكينه حتى يبلغ شئون رأسك، ثم تفيضين عليك الماء). وقالت عائشة ﵂: نعم النساء نساء الأنصار، لم يكن يمنعهن الحياء أن يسألن عن الدين وأن يتفقهن فيه]. وكذلك ينبغي ألا يمنع الحياءُ أو الكبرُ الإنسانَ من التفقه في دينه والسؤال عما أشكل عليه، ولذلك بوب البخاري ﵀ وقال: باب لا ينال العلم مستح ولا مستكبر، فالمستحي لا ينال العلم بل يبقى على جهله، وكذلك الذي يتكبر ولا يجلس مع طلبة العلم، أو يشمخ بأنفه ولا يسأل أهل العلم، ومن لم يذل لطلب العلم، تجرع مرارة الجهل طول الحياة، ولا ينال العلم مستح ولا مستكبر. ولهذا أثنت عائشة ﵂ على نساء الأنصار، فقالت: نعم النساء نساء الأنصار، لم يكن يمنعهن الحياء أن يسألن عن الدين وأن يتفقهن فيه. صفية بنت شيبة قيل: إن لها رؤية، وقيل: إنها صحابية، وقيل: ليست صحابية، وهذا الحديث فيه: أن هذا من باب الكمال، وهو أن تأخذ فرصة ممسكة وتتطهر بها، وفيه: أنها تصب على رأسها الماء، وتدلكه حتى تبلغ شئون رأسها حتى تبلل، أما نقض الشعر فلا يجوز، لكن يستحب لها أن تنقض شعرها؛ لأن مدة النفاس تطول بخلاف الجنابة. والحديث كما سبق أخرجه الشيخان.

стр. 347

شرح سنن أبي داود_ كتاب الطهارة [٢١] إن من يسر الدين وسماحته أنه من لم يجد الماء فليتيمم، والتيمم ضربة واحدة للوجه والكفين، كما في حديث عمار بن ياسر.

стр. 348

ما جاء في التيمم

стр. 349

سبب نزول آية التيمم قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب التيمم: حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي أخبرنا أبو معاوية ح وحدثنا عثمان بن أبي شيبة أخبرنا عبدة - المعنى واحد - عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: (بعث رسول الله ﷺ أسيد بن حضير ﵁ وأناساً معه في طلب قلادة أضلتها عائشة ﵂، فحضرت الصلاة فصلوا بغير وضوء، فأتوا النبي ﷺ فذكروا ذلك له، فأنزلت آية التيمم). زاد ابن نفيل فقال لها أسيد ﵁: (يرحمك الله ما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل الله للمسلمين ولك فيه فرجاً)].

стр. 350

تعريف التيمم لغة واصطلاحاً التيمم في اللغة: هو القصد, وفي الشرع: القصد إلى الصعيد لمسح الوجه واليدين بينة استباحة الصلاة وغيرها مما يشرع له الوضوء. والتيمم ثابت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، وهو خصيصة خص الله تعالى به هذه الأمة، كما قال النبي ﷺ : (أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي، وذكر منها: وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيما رجل أدركته الصلاة فليصل)، وهذا الحديث أخرجه الشيخان والنسائي وابن ماجة. والنبي ﷺ كان يريد أن يرتحل، ولكنه أقام لأجل التماس قلادة عائشة فبعث رجالاً يطلبونه ويبحثون عنه. وفيه: دليل على أن الإمام يراعي الرعية ويلاحظ حوائجهم، وفيه: أن المال لا يضاع؛ لأن المال عصب الحياة، وتقوم به مصالح الدنيا والآخرة، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء:٥]، ولهذا فقد أقام النبي ﷺ لالتماس عقد عائشة، وأرسل رجالاً يطلبونه فلم يجدوه، وحضرت الصلاة فصلوا بغير وضوء، وذلك قبل أن يشرع التيمم، وأقرهم النبي ﷺ ، فدل هذا على أن من فقد الماء والتراب فإنه يصلي على حسب حاله، وصلاته صحيحه في أصح أقوال أهل العلم؛ لأن النبي ﷺ لم يأمرهم بإعادة الصلاة وقد صلوا بغير ماء ولا تيمم. فمن لم يجد الماء ولا التراب، فإنه يصلي وصلاته صحيحه، كالمحبوس في مكان ليس فيه تراب ولا ماء، والمصلوب على الخشبة، والمريض في المستشفى ليس عنده أحد ويخشى خروج الوقت فإنه يصلي على حسب حاله؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦]. ثم إنَّ الصحابة الذين بحثوا عن العقد لم يجدوه، ثم بعد ذلك لما أقاموا البعير وجدوا العقد تحته، فدل على أن النبي ﷺ لا يعلم الغيب، ولو كان يعلم الغيب ما أرسل جماعة يبحثون عنه وهو تحت البعير. وفيه أن أسيد قال: (يرحمك الله ما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل الله للمسلين ولك فيه فرجاً) وفي لفظ البخاري: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر، ففيه دليل على جواز القول لشخص: هذا من بركتك، أي: من البركة التي جعلها الله فيك، خاصة إذا كان شخصية مباركة، مثل آل أبي بكر فإنهم مباركون، أو مثلما يقول بعضهم: كلك بركة، أي: إذا كان الشخص معروف، وكان فيه خير ينفع الناس بشفاعته أو بماله أو ببدنه أو بتوجيهه.

стр. 351

الراجح في كيفية التيمم وأحاديث التيمم كلها تدور على حديث عمار وأنه ضربة واحدة للوجه والكفين. أما ما ورد في التيمم من أنه ضربتان كما سيأتي، وأنه تمسح بإحدهما اليدان إلى الآباط أو المرافق فهذا محمول على أنه اجتهاد من الصحابة، أو أن ذلك كان في أول الأمر، ثم نسخ بحديث عمار وأمثاله الدال على أن التيمم ضربة واحدة للوجه والكفين. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا أحمد بن صالح أخبرنا عبد الله بن وهب حدثني يونس عن ابن شهاب قال: إن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة حدثه عن عمار بن ياسر ﵁: (أنه كان يحدث أنهم تمسحوا وهم مع رسول الله ﷺ بالصعيد لصلاة الفجر، فضربوا بأكفهم الصعيد ثم مسحوا بوجوههم مسحة واحدة، ثم عادوا فضربوا بأكفهم الصعيد مرة أخرى، فمسحوا بأيديهم كلها إلى المناكب والآباط، من بطون أيديهم)]. هذا الحديث أصله في الصحيحين كما سبق في حديث عمار، أما كونهم مسحوا أيديهم إلى المناكب والآباط، وكونهم أيضاً ضربوا ضربتين ضربة للوجه وضربة للكفين، فهذا محمول على أنه من اجتهادهم، وقياسهم في أول الأمر، فلما بين لهم النبي ﷺ كيفية التيمم عملوا بها. أو أنه مسوخ بحديث عمار في الصحيحين أن التيمم ضربة واحدة تمسح بها الوجه والكفين فقط، أما الصحابة الذين صلوا بغير وضوء، فالصواب أنه لا يجب عليهم إعادة الصلاة، وقال بعض أهل العلم: تجب عليهم إعادة الصلاة مرة أخرى. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا سليمان بن داود المهري وعبد الملك بن شعيب عن ابن وهب نحو هذا الحديث قال: قام المسلمون فضربوا بأكفهم التراب، ولم يقبضوا من التراب شيئاً، فذكر نحوه ولم يذكر المناكب والآباط. قال ابن الليث: إلى ما فوق المرفقين]. هذا حديث منقطع؛ لأن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة لم يدرك عمار بن ياسر، لكن أخرجه النسائي وابن ماجة مختصراً من حديث عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن أبيه عن عمار، فهو حديث موصول. وعلى هذا فيكون لو صح حديث الضربتين فإنه من فعلهم. وكذلك أيضاً قول ابن الليث: إلى ما فوق المرفقين. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن أحمد بن أبي خلف ومحمد بن يحيى النيسابوري في آخرين قالوا: أخبرنا يعقوب أخبرنا أبي عن صالح عن ابن شهاب حدثني عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن عمار بن ياسر ﵃: (أن رسول الله ﷺ عرس بأولات الجيش ومعه عائشة ﵂، فانقطع عقد لها من جزع ظفار: فحبس الناس ابتغاء عقدها ذلك حتى أضاء الفجر وليس مع الناس ماء، فتغيظ عليها أبو بكر ﵁ وقال: حبستِ الناس وليس معهم ماء، فأنزل الله تعالى ذكره على رسوله ﷺ رخصة التطهر بالصعيد الطيب، فقام المسلمون مع رسول الله ﷺ ، فضربوا بأيديهم إلى الأرض، ثم رفعوا أيديهم ولم يقبضوا من التراب شيئاً، فمسحوا بها وجوههم وأيديهم إلى المناكب ومن بطون أيديهم إلى الآباط). زاد ابن يحيى في حديثه: قال ابن شهاب في حديثه: ولا يعتبر بهذا الناس]. وهذا الحديث ثابت وأصله في الصحيحين بدون زيادة مسح إلى المناكب والآباط. والتعريس هو نزول المسافر آخر الليل للاستراحة، والعقد الذي لـ عائشة من جزع ظفار، وهو خرز فيه سواد وبياض، وظفار بلدة في سواحل اليمن تأتي منها هذه الخرزات. وفي هذا الحديث أن الله تعالى أنزل آية التيمم في هذه القصة، والتيمم التطهر بالصعيد، فقام المسلمون مع رسول الله ﷺ فضربوا بأيديهم إلى الأرض ثم رفعوا أيديهم ولم يأخذوا من التراب شيئاً؛ لأن المقصود ما يعلق باليدين من التراب، أما كونهم مسحوا وجوههم وأيديهم إلى المناكب وإلى الآباط من بطون الأيدي، فهذا كما سبق إما من اجتهادهم، ثم بين لهم النبي ﷺ ، أو أنه منسوخ، ولهذا قال ابن يحيى قال ابن شهاب في حديثه: لا يعتبر بهذا الناس، أيْ: لا يعتبرون بهذا الحديث ولا يأخذون به، ولم يذهب أحد إلى أنَّ التيمم إلى الآباط والمناكب؛ فلا يعمل بالتيمم إلى الآباط والمناكب.

стр. 352

تعريف الحديث المضطرب قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال أبو داود: وكذلك رواه ابن إسحاق، قال فيه عن ابن عباس ﵄: وذكر ضربتين كما ذكر يونس، ورواه معمر عن الزهري ضربتين. وقال مالك عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن أبيه عن عمار. وكذلك قال أبو أويس عن الزهري. وشك فيه ابن عيينة قال مرة: عن عبيد الله عن أبيه، أو عن عبيد الله عن ابن عباس ﵄، مرة قال: عن أبيه، ومرة قال: عن ابن عباس، اضطرب ابن عيينة فيه وفي سماعه من الزهري ولم يذكر أحد منهم في هذا الحديث الضربتين إلا من سميت]. والحديث المضطرب في اصطلاح المحدثين: هو الذي يروى على أوجه مختلفة متقاربة من راو واحد مرتين أو أكثر، أو من راويين أو من رواة، قد يقع الاضطراب تارة في الإسناد وتارة في المتن، ويقع في الإسناد والمتن معاً من راو واحد أو من راويين أو جماعة. والاضطراب موجب لضعف الحديث، لإشعاره بعدم الضبط، ولهذا اضطرب ابن عيينة فمرة قال: عن عبيد الله بن عبد الله عن أبيه عن عمار، ومرة قال: عن عبيد الله عن ابن عباس. قال أبو داود: اضطرب ابن عيينة فيه وفي سماعه من الزهري، فدل على أن حديث الضربتين لا يصح عن النبي ﷺ وكذلك المسح إلى المناكب والآباط، ولو صح فهو محمول على أن هذا من فعلهم، ولم يأمرهم به النبي ﷺ .

стр. 353

ما جاء في مناقشة أبي موسى لعبد الله بن مسعود في التيمم قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن سليمان الأنباري أخبرنا أبو معاوية الضرير عن الأعمش عن شقيق قال: كنت جالساً بين عبد الله وأبي موسى ﵄، فقال أبو موسى: يا أبا عبد الرحمن! أرأيت لو أن رجلاً أجنب فلم يجد الماء شهراً أما كان يتيمم؟ قال: لا، وإن لم يجد الماء شهراً. فقال أبو موسى ﵁: فكيف تصنعون بهذه الآية التي في سورة المائدة: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء:٤٣]؟ فقال عبد الله: لو رخص لهم في هذا لأوشكوا إذا برد عليهم الماء أن يتيمموا بالصعيد. فقال له أبو موسى: وإنما كرهتم هذا لهذا؟ قال: نعم، فقال له أبو موسى: ألم تسمع قول عمار لـ عمر ﵄: (بعثني رسول الله ﷺ في حاجة فأجنبت، فلم أجد الماء فتمرغت في الصعيد كما تتمرغ الدابة، ثم أتيت النبي ﷺ فذكرت ذلك له فقال: إنما كان يكفيك أن تصنع هكذا، فضرب بيده على الأرض فنفضها، ثم ضرب بشماله على يمينه وبيمينه على شماله على الكفين ثم مسح وجهه، فقال له عبد الله: أفلم تر عمر لم يقنع بقول عمار)]. وهذا الحديث أخرجه الشيخان والنسائي، وهذه القصة التي حصلت بين عبد الله بن مسعود وأبي موسى الأشعري ﵄ في الصحيحين، وفيها أن أبا موسى ﵁ يرى أن الإنسان إذا لم يجد الماء فإنه يتيمم، وأن عبد الله بن مسعود يرى أنه لا يتيمم وإن لم يجد الماء شهراً، وهذا من العجائب فـ عبد الله بن مسعود من كبار الصحابة وفضلائهم وخفيت عليه هذه الآية ولم يتذكرها، وهي قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء:٤٣]، مع أن أبا موسى ذكره بها فقال: فكيف تصنعون بهذه الآية؟ التي في سورة المائدة: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء:٤٣]، فقال عبد الله: لو رخص لهم في هذا لأوشكوا إذا برد عليهم الماء أن يتيمموا بالصعيد. أي: لو رخص للناس حصل تساهل، فلو برد الماء تيمموا، ولهذا قال أبو موسى: إنما كرهتم هذا لهذا، قال: نعم، ثم ذكره بحديث عمار أيضاً، فقال له أبو موسى: ألم تسمع قول عمار لـ عمر: بعثني رسول الله ﷺ لحاجة فأجنبت فلم أجد الماء، فتمرغت في الصعيد كما تتمرغ الدابة وهذا قياس من عمار للتيمم على غسل الجنابة أي: كما أن الجنب يعمم جسده بالماء، ظن عمار ﵁ أنه يجب تعميم البدن أيضاً بالتراب، فلهذا نزع ثيابه وتمرغ كما تتمرغ الدابة. أما عمر فإنه جلس ولم يتيمم ولم يصل، ثم قال عمار: (ثم أتيت النبي ﷺ فذكرت ذلك له فقال: إنما يكفيك أن تصنع هكذا، فضرب بيديه الأرض ثم مسح وجهه وكفيه)، وهذا هو الأصل في التيمم، لكن مع ذلك قال عبد الله بن مسعود: ألم تر عمر لم يقنع بقول عمار؟! ولا زال الأمر مشكلاً على عبد الله بن مسعود ﵁، وهذا يدل على أن العالم الكبير قد يشكل عليه بعض المسائل، وقد يخفى عليه بعض العلم، وهو دليل على أن العالم ليس معصوماً، فقد يخطئ وقد يغلط، وإذا أخطأ العالم أو غيره فلا حجة في قوله، فالحجة في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . وهذه الرواية فيها: أنه ضرب بشماله على يمينه وبيمينه على شماله ثم مسح وجهه، وفيها: أنه أخر مسح الوجه، لكن حرف (ثم) فيه نظر، والمعروف في حديث عمار وفي الأحاديث الأخرى تقديم مسح الوجه على الكفين، والترتيب في بعض الروايات: (فمسح وجهه ثم مسح يديه) فيحتمل أن هذه اللفظة وهم من بعض الرواة؛ لأن ثم تفيد الترتيب، والمعروف في الأحاديث الصحيحة تقديم مسح الوجه على الكفين. وهذا الحديث فيه دليل على أن التيمم ضربة واحدة للوجه والكفين، وفيه أنه يقتصر على الكفين، والكفان إلى الرسغ وهو مفصل ما بين الكف والساعد، وهذه هي اليد إذا أطلقت فهي التي تقطع في السرقة، أما مسح المرفقين إلى الآباط أو إلى المنكبين فهذا لم يصح عن النبي ﷺ ، وإنما فعله بعض الصحابة اجتهاداً منهم، وفي سنده اضطراب، وكذلك ما جاء في الضربتين فإنَّ فيه اضطراب، فلا يصح. وباطن الكف وظاهره يطلق عليهما كف.

стр. 354

ما جاء في مناقشة عمر بن الخطاب لعمار بن ياسر في التيمم قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن كثير العبدي أخبرنا سفيان عن سلمة بن كهيل عن أبي مالك عن عبد الرحمن بن أبزى قال: (كنت عند عمر ﵁، فجاءه رجل فقال: إنا نكون بالمكان الشهر والشهرين، فقال عمر ﵁: أما أنا فلم أكن أصلي حتى أجد الماء. قال: فقال عمار ﵁: يا أمير المؤمنين! أما تذكر إذ كنت أنا وأنت في الإبل فأصابتنا جنابة، فأما أنا فتمعكت، فأتينا النبي ﷺ ، فذكرت ذلك له، فقال: إنما كان يكفيك أن تقول هكذا، وضرب بيديه إلى الأرض، ثم نفخهما ثم مسح بهما وجهه ويديه إلى نصف الذراع. قال عمر ﵁: يا عمار! اتق الله، فقال: يا أمير المؤمنين! إن شئت والله لم أذكره أبداً، فقال عمر ﵁: كلا والله لنولينك من ذلك ما توليت)]. وهذا الحديث أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي وابن ماجة مختصراً ومطولاً، لكن بدون إلى نصف الذراع، وإنما فيه مسح وجهه وكفيه، وهذه القصة التي حصلت مع عمار وعمر كالقصة التي حصلت مع عبد الله بن مسعود وأبي موسى الأشعري، وأشكل الأمر على عمر بن الخطاب ﵁ مع جلالة قدره وفضله وطول باعه في العلم والفضل ولكن الكمال لله . وقوله ﷺ : (إنما كان يكفيك أن تقول هكذا، وضرب بيديه الأرض ثم نفخهما)، أي: نفخهما لتخفيف الغبار؛ لأنه ليس المقصود التلطيخ بالغبار، إنما المقصود الامتثال، ولا بد أن يمسح بيديه وجهه وكفيه، لقوله ﷺ : (ثم مسح بهما وجهه ويديه). وقوله: (إلى نصف الذراع) هذه الزيادة ليست في الصحيحين، ولكن عمر نسي وذكره عمار ولم يتذكر واستمر على نسيانه؛ ولهذا قال له: يا عمار اتق الله، فقال: يا أمير المؤمنين إن شئت والله لا أذكره أبداً. وفي الصحيح: (إن شئت تركته ولا أحدث به الناس) وفيه دلالة على طاعة ولي الأمر؛ لأن عمر هو ولي الأمر وهو أمير المؤمنين، وفيه دليل على طاعة ولي الأمر في غير معصية الله وليس في هذا كتمان العلم؛ لأن هذه السنة ثابتة وقد حدث بها عمار وحدث بها غيره. فقال: يا أمير المؤمنين إن شئت والله لم أذكره، أي: أتركه ولم أحدث به؛ لأن طاعتك واجبه، وأصل تبليغ هذه السنة قد حصل، ولكن عمر لم يوافقه على الكتمان، فقال عمر: كلا والله، وفي رواية قال: نوليك من ذلك ما توليت، أي: نرد إليك وننسب إليك ما رضيت به لنفسك ما دام وأنت متثبت من هذا الشيء، فهذا موكول إليك، وأنت مسئول عنه. وعمر نسي واستمر في نسيانه بينما عمار حفظ ولم ينس، ففيه دليل على أن من حفظ حجة على من لم يحفظ، وأن من تذكر مقدم على من نسي، ومن جهل شيئاً من العلم، فإنه يقدم عليه من بلغه هذا العلم. وفيه دليل على أن التيمم من الجنابة ضربة واحدة للوجه والكفين، وأن التيمم للحدث الأكبر وللحدث الأصغر واحد وهو ضربة واحدة يمسح بها وجهه وكفيه، لقوله: (ثم مسح بهما وجهه ويديه)، والواو قد تكون للترتيب، لكن الوجه مقدم، وجاء في بعض الروايات أنه مسح وجهه ثم يديه، والله تعالى يقول: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ [النساء:٤٣]، وقدم الوجه على اليدين.

стр. 355

شرح حديث عمار في صفة التيمم قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن بشار أخبرنا محمد -يعني: ابن جعفر - أخبرنا شعبة عن سلمة عن ذر عن ابن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه عن عمار بهذه القصة، فقال: (إنما كان يكفيك، وضرب النبي ﷺ بيده إلى الأرض، ثم نفخ فيها ومسح بها وجهه وكفيه، شك سلمة قال: لا أدري فيه (إلى المرفقين) يعني أو (إلى الكفين))]. والصواب: إلى الكفين، كما بينت الأحاديث أنه إلى الكفين. وفيه هنا: ابن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه، فمرة يروي عن عمار ومرة يروي عن أبيه، فيروي عن عمار في الحديث الأول، وهنا يروي عن أبيه، ولا محظور في ذلك، فله شيخان: أبوه، وعمار.
следующие страницы →