Полный текст (438 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
الراجح في كيفية التيمم
وأحاديث التيمم كلها تدور على حديث عمار وأنه ضربة واحدة للوجه والكفين.
أما ما ورد في التيمم من أنه ضربتان كما سيأتي، وأنه تمسح بإحدهما اليدان إلى الآباط أو المرافق فهذا محمول على أنه اجتهاد من الصحابة، أو أن ذلك كان في أول الأمر، ثم نسخ بحديث عمار وأمثاله الدال على أن التيمم ضربة واحدة للوجه والكفين.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا أحمد بن صالح أخبرنا عبد الله بن وهب حدثني يونس عن ابن شهاب قال: إن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة حدثه عن عمار بن ياسر ﵁: (أنه كان يحدث أنهم تمسحوا وهم مع رسول الله ﷺ بالصعيد لصلاة الفجر، فضربوا بأكفهم الصعيد ثم مسحوا بوجوههم مسحة واحدة، ثم عادوا فضربوا بأكفهم الصعيد مرة أخرى، فمسحوا بأيديهم كلها إلى المناكب والآباط، من بطون أيديهم)].
هذا الحديث أصله في الصحيحين كما سبق في حديث عمار، أما كونهم مسحوا أيديهم إلى المناكب والآباط، وكونهم أيضاً ضربوا ضربتين ضربة للوجه وضربة للكفين، فهذا محمول على أنه من اجتهادهم، وقياسهم في أول الأمر، فلما بين لهم النبي ﷺ كيفية التيمم عملوا بها.
أو أنه مسوخ بحديث عمار في الصحيحين أن التيمم ضربة واحدة تمسح بها الوجه والكفين فقط، أما الصحابة الذين صلوا بغير وضوء، فالصواب أنه لا يجب عليهم إعادة الصلاة، وقال بعض أهل العلم: تجب عليهم إعادة الصلاة مرة أخرى.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا سليمان بن داود المهري وعبد الملك بن شعيب عن ابن وهب نحو هذا الحديث قال: قام المسلمون فضربوا بأكفهم التراب، ولم يقبضوا من التراب شيئاً، فذكر نحوه ولم يذكر المناكب والآباط.
قال ابن الليث: إلى ما فوق المرفقين].
هذا حديث منقطع؛ لأن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة لم يدرك عمار بن ياسر، لكن أخرجه النسائي وابن ماجة مختصراً من حديث عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن أبيه عن عمار، فهو حديث موصول.
وعلى هذا فيكون لو صح حديث الضربتين فإنه من فعلهم.
وكذلك أيضاً قول ابن الليث: إلى ما فوق المرفقين.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن أحمد بن أبي خلف ومحمد بن يحيى النيسابوري في آخرين قالوا: أخبرنا يعقوب أخبرنا أبي عن صالح عن ابن شهاب حدثني عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن عمار بن ياسر ﵃: (أن رسول الله ﷺ عرس بأولات الجيش ومعه عائشة ﵂، فانقطع عقد لها من جزع ظفار: فحبس الناس ابتغاء عقدها ذلك حتى أضاء الفجر وليس مع الناس ماء، فتغيظ عليها أبو بكر ﵁ وقال: حبستِ الناس وليس معهم ماء، فأنزل الله تعالى ذكره على رسوله ﷺ رخصة التطهر بالصعيد الطيب، فقام المسلمون مع رسول الله ﷺ ، فضربوا بأيديهم إلى الأرض، ثم رفعوا أيديهم ولم يقبضوا من التراب شيئاً، فمسحوا بها وجوههم وأيديهم إلى المناكب ومن بطون أيديهم إلى الآباط).
زاد ابن يحيى في حديثه: قال ابن شهاب في حديثه: ولا يعتبر بهذا الناس].
وهذا الحديث ثابت وأصله في الصحيحين بدون زيادة مسح إلى المناكب والآباط.
والتعريس هو نزول المسافر آخر الليل للاستراحة، والعقد الذي لـ عائشة من جزع ظفار، وهو خرز فيه سواد وبياض، وظفار بلدة في سواحل اليمن تأتي منها هذه الخرزات.
وفي هذا الحديث أن الله تعالى أنزل آية التيمم في هذه القصة، والتيمم التطهر بالصعيد، فقام المسلمون مع رسول الله ﷺ فضربوا بأيديهم إلى الأرض ثم رفعوا أيديهم ولم يأخذوا من التراب شيئاً؛ لأن المقصود ما يعلق باليدين من التراب، أما كونهم مسحوا وجوههم وأيديهم إلى المناكب وإلى الآباط من بطون الأيدي، فهذا كما سبق إما من اجتهادهم، ثم بين لهم النبي ﷺ ، أو أنه منسوخ، ولهذا قال ابن يحيى قال ابن شهاب في حديثه: لا يعتبر بهذا الناس، أيْ: لا يعتبرون بهذا الحديث ولا يأخذون به، ولم يذهب أحد إلى أنَّ التيمم إلى الآباط والمناكب؛ فلا يعمل بالتيمم إلى الآباط والمناكب.
стр. 352
تعريف الحديث المضطرب
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال أبو داود: وكذلك رواه ابن إسحاق، قال فيه عن ابن عباس ﵄: وذكر ضربتين كما ذكر يونس، ورواه معمر عن الزهري ضربتين.
وقال مالك عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن أبيه عن عمار.
وكذلك قال أبو أويس عن الزهري.
وشك فيه ابن عيينة قال مرة: عن عبيد الله عن أبيه، أو عن عبيد الله عن ابن عباس ﵄، مرة قال: عن أبيه، ومرة قال: عن ابن عباس، اضطرب ابن عيينة فيه وفي سماعه من الزهري ولم يذكر أحد منهم في هذا الحديث الضربتين إلا من سميت].
والحديث المضطرب في اصطلاح المحدثين: هو الذي يروى على أوجه مختلفة متقاربة من راو واحد مرتين أو أكثر، أو من راويين أو من رواة، قد يقع الاضطراب تارة في الإسناد وتارة في المتن، ويقع في الإسناد والمتن معاً من راو واحد أو من راويين أو جماعة.
والاضطراب موجب لضعف الحديث، لإشعاره بعدم الضبط، ولهذا اضطرب ابن عيينة فمرة قال: عن عبيد الله بن عبد الله عن أبيه عن عمار، ومرة قال: عن عبيد الله عن ابن عباس.
قال أبو داود: اضطرب ابن عيينة فيه وفي سماعه من الزهري، فدل على أن حديث الضربتين لا يصح عن النبي ﷺ وكذلك المسح إلى المناكب والآباط، ولو صح فهو محمول على أن هذا من فعلهم، ولم يأمرهم به النبي ﷺ .
стр. 353
ما جاء في مناقشة أبي موسى لعبد الله بن مسعود في التيمم
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن سليمان الأنباري أخبرنا أبو معاوية الضرير عن الأعمش عن شقيق قال: كنت جالساً بين عبد الله وأبي موسى ﵄، فقال أبو موسى: يا أبا عبد الرحمن! أرأيت لو أن رجلاً أجنب فلم يجد الماء شهراً أما كان يتيمم؟ قال: لا، وإن لم يجد الماء شهراً.
فقال أبو موسى ﵁: فكيف تصنعون بهذه الآية التي في سورة المائدة: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء:٤٣]؟ فقال عبد الله: لو رخص لهم في هذا لأوشكوا إذا برد عليهم الماء أن يتيمموا بالصعيد.
فقال له أبو موسى: وإنما كرهتم هذا لهذا؟ قال: نعم، فقال له أبو موسى: ألم تسمع قول عمار لـ عمر ﵄: (بعثني رسول الله ﷺ في حاجة فأجنبت، فلم أجد الماء فتمرغت في الصعيد كما تتمرغ الدابة، ثم أتيت النبي ﷺ فذكرت ذلك له فقال: إنما كان يكفيك أن تصنع هكذا، فضرب بيده على الأرض فنفضها، ثم ضرب بشماله على يمينه وبيمينه على شماله على الكفين ثم مسح وجهه، فقال له عبد الله: أفلم تر عمر لم يقنع بقول عمار)].
وهذا الحديث أخرجه الشيخان والنسائي، وهذه القصة التي حصلت بين عبد الله بن مسعود وأبي موسى الأشعري ﵄ في الصحيحين، وفيها أن أبا موسى ﵁ يرى أن الإنسان إذا لم يجد الماء فإنه يتيمم، وأن عبد الله بن مسعود يرى أنه لا يتيمم وإن لم يجد الماء شهراً، وهذا من العجائب فـ عبد الله بن مسعود من كبار الصحابة وفضلائهم وخفيت عليه هذه الآية ولم يتذكرها، وهي قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء:٤٣]، مع أن أبا موسى ذكره بها فقال: فكيف تصنعون بهذه الآية؟ التي في سورة المائدة: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء:٤٣]، فقال عبد الله: لو رخص لهم في هذا لأوشكوا إذا برد عليهم الماء أن يتيمموا بالصعيد.
أي: لو رخص للناس حصل تساهل، فلو برد الماء تيمموا، ولهذا قال أبو موسى: إنما كرهتم هذا لهذا، قال: نعم، ثم ذكره بحديث عمار أيضاً، فقال له أبو موسى: ألم تسمع قول عمار لـ عمر: بعثني رسول الله ﷺ لحاجة فأجنبت فلم أجد الماء، فتمرغت في الصعيد كما تتمرغ الدابة وهذا قياس من عمار للتيمم على غسل الجنابة أي: كما أن الجنب يعمم جسده بالماء، ظن عمار ﵁ أنه يجب تعميم البدن أيضاً بالتراب، فلهذا نزع ثيابه وتمرغ كما تتمرغ الدابة.
أما عمر فإنه جلس ولم يتيمم ولم يصل، ثم قال عمار: (ثم أتيت النبي ﷺ فذكرت ذلك له فقال: إنما يكفيك أن تصنع هكذا، فضرب بيديه الأرض ثم مسح وجهه وكفيه)، وهذا هو الأصل في التيمم، لكن مع ذلك قال عبد الله بن مسعود: ألم تر عمر لم يقنع بقول عمار؟! ولا زال الأمر مشكلاً على عبد الله بن مسعود ﵁، وهذا يدل على أن العالم الكبير قد يشكل عليه بعض المسائل، وقد يخفى عليه بعض العلم، وهو دليل على أن العالم ليس معصوماً، فقد يخطئ وقد يغلط، وإذا أخطأ العالم أو غيره فلا حجة في قوله، فالحجة في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
وهذه الرواية فيها: أنه ضرب بشماله على يمينه وبيمينه على شماله ثم مسح وجهه، وفيها: أنه أخر مسح الوجه، لكن حرف (ثم) فيه نظر، والمعروف في حديث عمار وفي الأحاديث الأخرى تقديم مسح الوجه على الكفين، والترتيب في بعض الروايات: (فمسح وجهه ثم مسح يديه) فيحتمل أن هذه اللفظة وهم من بعض الرواة؛ لأن ثم تفيد الترتيب، والمعروف في الأحاديث الصحيحة تقديم مسح الوجه على الكفين.
وهذا الحديث فيه دليل على أن التيمم ضربة واحدة للوجه والكفين، وفيه أنه يقتصر على الكفين، والكفان إلى الرسغ وهو مفصل ما بين الكف والساعد، وهذه هي اليد إذا أطلقت فهي التي تقطع في السرقة، أما مسح المرفقين إلى الآباط أو إلى المنكبين فهذا لم يصح عن النبي ﷺ ، وإنما فعله بعض الصحابة اجتهاداً منهم، وفي سنده اضطراب، وكذلك ما جاء في الضربتين فإنَّ فيه اضطراب، فلا يصح.
وباطن الكف وظاهره يطلق عليهما كف.
стр. 354
ما جاء في مناقشة عمر بن الخطاب لعمار بن ياسر في التيمم
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن كثير العبدي أخبرنا سفيان عن سلمة بن كهيل عن أبي مالك عن عبد الرحمن بن أبزى قال: (كنت عند عمر ﵁، فجاءه رجل فقال: إنا نكون بالمكان الشهر والشهرين، فقال عمر ﵁: أما أنا فلم أكن أصلي حتى أجد الماء.
قال: فقال عمار ﵁: يا أمير المؤمنين! أما تذكر إذ كنت أنا وأنت في الإبل فأصابتنا جنابة، فأما أنا فتمعكت، فأتينا النبي ﷺ ، فذكرت ذلك له، فقال: إنما كان يكفيك أن تقول هكذا، وضرب بيديه إلى الأرض، ثم نفخهما ثم مسح بهما وجهه ويديه إلى نصف الذراع.
قال عمر ﵁: يا عمار! اتق الله، فقال: يا أمير المؤمنين! إن شئت والله لم أذكره أبداً، فقال عمر ﵁: كلا والله لنولينك من ذلك ما توليت)].
وهذا الحديث أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي وابن ماجة مختصراً ومطولاً، لكن بدون إلى نصف الذراع، وإنما فيه مسح وجهه وكفيه، وهذه القصة التي حصلت مع عمار وعمر كالقصة التي حصلت مع عبد الله بن مسعود وأبي موسى الأشعري، وأشكل الأمر على عمر بن الخطاب ﵁ مع جلالة قدره وفضله وطول باعه في العلم والفضل ولكن الكمال لله .
وقوله ﷺ : (إنما كان يكفيك أن تقول هكذا، وضرب بيديه الأرض ثم نفخهما)، أي: نفخهما لتخفيف الغبار؛ لأنه ليس المقصود التلطيخ بالغبار، إنما المقصود الامتثال، ولا بد أن يمسح بيديه وجهه وكفيه، لقوله ﷺ : (ثم مسح بهما وجهه ويديه).
وقوله: (إلى نصف الذراع) هذه الزيادة ليست في الصحيحين، ولكن عمر نسي وذكره عمار ولم يتذكر واستمر على نسيانه؛ ولهذا قال له: يا عمار اتق الله، فقال: يا أمير المؤمنين إن شئت والله لا أذكره أبداً.
وفي الصحيح: (إن شئت تركته ولا أحدث به الناس) وفيه دلالة على طاعة ولي الأمر؛ لأن عمر هو ولي الأمر وهو أمير المؤمنين، وفيه دليل على طاعة ولي الأمر في غير معصية الله وليس في هذا كتمان العلم؛ لأن هذه السنة ثابتة وقد حدث بها عمار وحدث بها غيره.
فقال: يا أمير المؤمنين إن شئت والله لم أذكره، أي: أتركه ولم أحدث به؛ لأن طاعتك واجبه، وأصل تبليغ هذه السنة قد حصل، ولكن عمر لم يوافقه على الكتمان، فقال عمر: كلا والله، وفي رواية قال: نوليك من ذلك ما توليت، أي: نرد إليك وننسب إليك ما رضيت به لنفسك ما دام وأنت متثبت من هذا الشيء، فهذا موكول إليك، وأنت مسئول عنه.
وعمر نسي واستمر في نسيانه بينما عمار حفظ ولم ينس، ففيه دليل على أن من حفظ حجة على من لم يحفظ، وأن من تذكر مقدم على من نسي، ومن جهل شيئاً من العلم، فإنه يقدم عليه من بلغه هذا العلم.
وفيه دليل على أن التيمم من الجنابة ضربة واحدة للوجه والكفين، وأن التيمم للحدث الأكبر وللحدث الأصغر واحد وهو ضربة واحدة يمسح بها وجهه وكفيه، لقوله: (ثم مسح بهما وجهه ويديه)، والواو قد تكون للترتيب، لكن الوجه مقدم، وجاء في بعض الروايات أنه مسح وجهه ثم يديه، والله تعالى يقول: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ [النساء:٤٣]، وقدم الوجه على اليدين.
стр. 355
شرح حديث عمار في صفة التيمم
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن بشار أخبرنا محمد -يعني: ابن جعفر - أخبرنا شعبة عن سلمة عن ذر عن ابن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه عن عمار بهذه القصة، فقال: (إنما كان يكفيك، وضرب النبي ﷺ بيده إلى الأرض، ثم نفخ فيها ومسح بها وجهه وكفيه، شك سلمة قال: لا أدري فيه (إلى المرفقين) يعني أو (إلى الكفين))].
والصواب: إلى الكفين، كما بينت الأحاديث أنه إلى الكفين.
وفيه هنا: ابن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه، فمرة يروي عن عمار ومرة يروي عن أبيه، فيروي عن عمار في الحديث الأول، وهنا يروي عن أبيه، ولا محظور في ذلك، فله شيخان: أبوه، وعمار.
стр. 356
أسانيد أخرى لحديث عمار في صفة التيمم
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا علي بن سهل الرملي أخبرنا حجاج -يعني: الأعور - حدثني شعبة بإسناده بهذا الحديث قال: (ثم نفخ فيها ومسح بها وجهه وكفيه إلى المرفقين أو الذراعين) قال شعبة: كان سلمة يقول: الكفين والوجه والذراعين، وقال له منصور ذات يوم: انظر ما تقول؛ فإنه لا يذكر الذراعين غيرك].
يعني: أنت منفرد من بين أصحابك في ذكر الذراعين، وهذا يدل على أنها وهم منه، فـ شعبة يقول: كان سلمة يقول: الكفين والوجه والذراعين، فقال له منصور ذات يوم: انظر ما تقول؛ لأنه لا يذكر الذراعين غيرك، فأنت المنفرد بذكرها من بين أصحابك فدل على أنه وهم؛ لأن أصحاب ذر لم يذكروا الذراعين.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن شعبة حدثني الحكم عن ذر عن ابن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه عن عمار في هذا الحديث قال: فقال: -يعني: النبي ﷺ : (إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك إلى الأرض وتمسح بها وجهك وكفيك) وساق الحديث].
وقوله: (تمسح بوجهك وكفيك) هذا هو الثابت.
[قال أبو داود: ورواه شعبة عن حصين عن أبي مالك قال: سمعت عماراً يخطب بمثله إلا أنه قال: (لم ينفخ)، وذكر حسين بن محمد عن شعبة عن الحكم في هذا الحديث قال: (فضرب بكفيه إلى الأرض ونفخ)].
والنفخ إذا كان التراب كثيراً فلا بأس.
стр. 357
شرح حديث عمار: (سألت النبي عن التيمم فأمرني بضربة واحدة)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن المنهال أخبرنا يزيد بن زريع عن سعيد عن قتادة عن عزرة عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه عن عمار بن ياسر ﵁ قال: (سألت النبي ﷺ عن التيمم، فأمرني ضربة واحدة للوجه والكفين)].
وهذا فيه دليل صريح على الاقتصار في التيمم على الوجه والكفين، وأنه ضربة واحدة، وأن ما زاد على الكعبين ليس مشروعاً، ولهذا ذهب المحققون من أهل العلم إلى الاكتفاء بضربة واحدة للوجه والكفين، وذهب بعض العلماء إلى أن التيمم ضربتان: ضربة للوجه وضربة لليدين.
قد ورد في بعض الأحاديث ذكر الضربتين، وأخذ بهذا بعض أهل العلم، إلا أن المعتمد هو حديث عمار؛ لأنه في الصحيحين، وهو أقوى سنداً من غيره.
معروف حد الوجه طولاً من منابت شعر الرأس إلى ما انحدر من الذقن واللحية، يعني: كل ما يظهر أمام الإنسان وعرضاً من الأذن إلى الأذن.
ما أقبل من الوجه وما ظهر كما هو الحال في الوضوء.
والصعيد هو: وجه الأرض، وقوله تعالى: ﴿َتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء:٤٣]، اختلف العلماء في المراد بالصعيد: فمن العلماء من قال: إنه خاص بالتراب.
ومنهم من قال: إنه عام.
وسيأتي في الحديث الآتي والذي بعده، وقد تكلم الشارح على الصعيد.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا موسى بن إسماعيل أخبرنا أبان قال: سئل قتادة عن التيمم في السفر؟ فقال: حدثني محدث عن الشعبي عن عبد الرحمن بن أبزى عن عمار بن ياسر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إلى المرفقين)].
وهذا ضعيف؛ في إسناده رجل مجهول، فلا يصح لفظ (إلى المرفقين)، فرواية: (إلى المرافقين) غير ثابتة؛ لأن هذا الحديث فيه مجهول.
стр. 358
الأسئلة
стр. 359
المرأة تشهد في الرضاع
السؤال
هل يكفي أن تشهد في الرضاع امرأة واحدة أو امرأتان؟
الجواب
الشهادة في الرضاع تصح بواحدة إذا كانت ثقة، والله تعالى يقول: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ [البقرة:٢٨٢]، أي: إذا نسيت إحداهما تذكرها الأخرى؛ وهذا في غير شهادة الرضاع.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن العلاء أخبرنا حفص أخبرنا الأعمش عن سلمة بن كهيل عن ابن أبزى عن عمار بن ياسر ﵁ في هذا الحديث فقال: (يا عمار! إنما كان يكفيك هكذا، ثم ضرب بيديه الأرض، ثم ضرب إحداهما على الأخرى ثم مسح وجهه والذراعين إلى نصف الساعدين ولم يبلغ المرفقين ضربة واحدة)].
قوله: (ثم مسح وجهه والذراعين إلى نصف الساعدين ولم يبلغ المرفقين) هذا ليس من أمر النبي ﷺ وإنما هو من فعل بعض الصحابة، أو أنه وهم، والثابت في الصحيحين وغيرهما أنها ضربة واحدة يمسح بها الوجه والكفين.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال أبو داود: ورواه وكيع عن الأعمش عن سلمة بن كهيل عن عبد الرحمن بن أبزى.
ورواه جرير عن الأعمش عن سلمة عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى يعني عن أبيه].
أي: رواية وكيع عن سلمة بن كهيل عن عبد الرحمن بن أبزى فقط، ورواية جرير عن الأعمش عن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه، ولعل عبد الرحمن بن أبزى سمع من أبيه وسمع من عمار.
وهذه الرواية فيها اضطراب كما قال المؤلف: اضطرب ابن عيينة فيه، وفيه سماعه من الزهري: ولم يذكر أحد منهم في هذا الحديث الضربتين، وكذلك أيضاً قال المؤلف: ذكر الضربتين كما ذكر يونس، ورواه معمر عن الزهري ضربتين، وقال مالك عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن أبيه عن عمار، وكذلك قال أبو أويس: عن الزهري: وشك فيه ابن عيينة قال مرة: عن عبيد الله عن أبيه، ومرة عن عبيد الله عن ابن عباس، ومرة عن أبيه، ومرة قال ابن عباس فهذا اضطراب.
وما صح فهو محمول على أن هذا من فعل الصحابة فعلوا ذلك من أنفسهم اجتهاداً منهم، ثم بين لهم النبي ﷺ بعد ذلك.
стр. 360
شرح سنن أبي داود_ كتاب الطهارة [٢٢]
التيمم في الحضر لذكر الله دون الصلاة جائز كما دل عليه حديث أبي الجهيم، ومن لم يستطع استعمال الماء فقد أنزله النبي ﷺ في منزلة من فقد الماء كما في حديث عمرو بن العاص.
стр. 361
التيمم في الحضر
стр. 362
شرح حديث: (أقبل رسول الله من نحو بئر جمل، فلقيه رجل)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب: التيمم في الحضر.
حدثنا عبد الملك بن شعيب بن الليث حدثني أبي عن جدي عن جعفر بن ربيعة عن عبد الرحمن بن هرمز عن عمير مولى ابن عباس أنه سمعه يقول: أقبلت أنا وعبد الله بن يسار مولى ميمونة ﵂ زوج النبي ﷺ ، حتى دخلنا على أبي الجهيم بن الحارث بن الصمة الأنصاري ﵁ فقال أبو جهيم: (أقبل رسول الله ﷺ من نحو بئر جمل فلقيه رجل فسلم عليه، فلم يرد رسول الله ﷺ ، حتى أتى على جدار فمسح بوجهه ويديه، ثم رد ﵇].
وهذا الحديث أخرجه البخاري والنسائي، وأخرجه مسلم منقطعاً، وحديث أبي جهيم هذا وحديث عمار هما أصح ما ورد في التيمم.
قوله: (بئر جمل) موضعها، موضع الدخول بالمدينة.
قال أبو جهيم: (أقبل الرسول ﷺ من نحو بئر جمل، فلقيه رجل فسلم عليه فلم يرد ﵇، حتى أتى على جدار فمسح بوجهه ويديه، ثم رد ﵇؛ لأن السلام اسم من أسماء الله، وهو ذكر، فالنبي ﷺ كره أن يذكر الله إلا على طهر؛ ولما كان الماء بعيداً عنه تيمم؛ لأجل أن يذكر الله، وإلا فإنه يجوز أن يرد السلام وليس على وضوء ولا حرج؛ لحديث عائشة في صحيح مسلم: (أن النبي ﷺ كان يذكر الله على كل أحيانه)، لكن هذا التطهر هو من باب الاستحبابـ والتيمم على الجدار جائز إذا كان فيه غبار.
قال النووي ﵀: إن حديث أبي جهيم هذا محمول على أن النبي ﷺ كان عادماً للماء حال التيمم، أي: ليس عنده ماء؛ فلهذا تيمم على الجدار، ووافقه الحافظ ابن حجر قال: إن هذا مقتضى صنيع البخاري.
والنووي استدل بهذا على جواز التيمم في الحضر إذا كان عادماً للماء، لكن الحافظ ابن حجر تعقبه وقال: إنه ورد على سبب، وهو إرادة ذكر الله، ولم يجزه استباحة الصلاة، ما أراد استباحة الصلاة وإنما أراد به ذكر الله حتى يكون على طهر، وهذا من باب الاستحباب.
لكن بعضهم أجابوا وأخذوا من هذا أنه لما كان التيمم في الحضر لرد السلام مع جوازه، فإن من خشي فوات الصلاة في الحضر جاز له التيمم من طريق أولى، لكن هذا ليس بشيء، وفيه نظر، والذي يظهر أنه لابد من الوضوء في الحضر للصلاة، فإذا كان واجداً للماء فلابد أن يتوضأ، ولابد أن يأتي بشرط الطهارة، ولو خشي فوات الوقت ما دام الماء موجود؛ لقول الله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء:٤٣]، هذا هو الصواب، والنبي ﷺ إنما تيمم لا ليصلي وإنما ليذكر الله، فلا يقاس عليه التيمم للصلاة؛ لأن التيمم للأمر المستحب أقل من التيمم للأمر الواجب، فلا يقاس عليه التيمم لأجل الصلاة، لكن إذا قيل: إن الماء بعيد، وإنه عادماً للماء في هذه الحالة فلا إشكال، فلو كان يريد الصلاة لتأخر حتى يصل إلى الماء ويتوضأ، لكنه ﵊ تيمم لأجل رد السلام؛ لأن هذا يفوت، والتيمم في الحضر لو فقد الماء لا مانع منه؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء:٤٣].
والمؤلف ﵀ استدل بهذه القصة على التيمم في الحضر، والتيمم في الحضر لا بأس به للصلاة، إذا عدم الماء، قال : ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦] فيتيمم ولو في الحضر، لكن الغالب أن فقد الماء يكون في غير الحضر.
أما الاستدلال بهذا الحديث على أنه يتيمم الإنسان لخوف فوات الفريضة، أو لخوف صلاة الجماعة، أو لخوف فوات الجمعة، كما استدل به بعضهم فليس بجيد، والصواب: أنه لا يتيمم في الحضر، إذا خشي فوات صلاة الجمعة أو الجماعة أو الجنازة أو خوف فوات الوقت ما دام الماء موجوداً، لكن لو فقد الماء بالمرة وليس في المكان ماء فيتيمم؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء:٤٣].
стр. 363
شرح حديث: (مر رجل على رسول الله في سكة من السكك)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا أحمد بن إبراهيم الموصلي أبو علي أخبرنا محمد بن ثابت العبدي أخبرنا نافع قال: انطلقت مع ابن عمر في حاجة إلى ابن عباس، فقضى ابن عمر حاجته، فكان من حديثه يومئذٍ أن قال: (مر رجل على رسول الله ﷺ في سكة من السكك وقد خرج من غائط أو بول، فسلم عليه فلم يرد عليه، حتى إذا كاد الرجل أن يتوارى في السكة فضرب بيديه على الحائط ومسح بهما وجهه، ثم ضرب ضربة أخرى فمسح ذراعيه، ثم رد على الرجل السلام وقال: إنه لم يمنعني أن أرد عليك السلام إلا أني لم أكن على طهر)].
السكة هي: الشارع الصغير، ويسمى زقاقاً.
وهذا الحديث فيه أن النبي ﷺ كان في سكة من السكك، وقد خرج لقضاء الحاجة في البلد في شارع من الشوارع، فسلم عليه هذا الرجل فلم يرد عليه، فلما كاد أن يتوارى تيمم النبي ﷺ وضرب بيديه على الحائط ومسح بهما وجهه، ثم ضرب ضربة أخرى ومسح ذراعيه ورد ﵇.
وفيه أنه ضرب ضربتان في هذا وأنه في البلد.
لكن هذا الحديث ضعيف جداً لا يحتج به؛ فيه محمد بن ثابت العبدي ضعيف.
فلا يحتج بهذا الحديث على التيمم في الحضر مع وجود الماء، ولا يصح رفع الضربتين، بل الثقات الحفاظ رووه من فعل ابن عمر.
قال الذهبي: ينكر عليه حديث ابن عمر في التيمم لا غير؛ لأنه ﵊ تيمم لرد السلام، والصواب: أنه موقوف على ابن عمر.
وكذلك قوله: (ضرب ضربتين) فالتيمم في الحضر مع وجود الماء لا يجوز.
أما الحديث السابق فإنه عادم للماء؛ لأنه أقبل من نحو بئر جمل، وبئر جمل مكان ليس بقرب المدينة، بل خارج المدينة، إذاً: ليس عنده ماء، فتيمم لرد السلام، أما هذا فكان في وسط البلد في سكة من سكك المدينة، فلا يصح هذا الحديث، ولا يصح لفظ (الضربتين).
[قال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يقول: روى محمد بن ثابت حديثاً منكراً في التيمم].
أبو داود يقول: سمعت أحمد بن حنبل ﵀ يقول: روى محمد بن ثابت حديثاً منكراً في التيمم، وهو هذا الحديث والنكارة فيه من جهتين: من جهة تيممه مع وجود الماء، ومن جهة كون التيمم ضربتين.
وإنما هذا من فعل ابن عمر.
[قال ابن داسة: قال أبو داود: لم يتابع محمد بن ثابت في هذه القصة على ضربتين عن النبي ﷺ ، ورووه فعل ابن عمر].
أبو داود يقول: لم يتابع محمد بن ثابت في هذه القصة على ضربتين، بل تفرد بذكر الضربتين مع كونه ضعيفاً لا يحتج بحديثه، ورووه -يعني: الثقات- من فعل ابن عمر لا من فعل النبي ﷺ ، فالصواب أنه موقوف على ابن عمر.
ويكون هذا اجتهاد منه ﵁.
стр. 364
شرح حديث: (أقبل رسول الله من الغائط فلقيه رجل عند بئر جمل)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا جعفر بن مسافر أخبرنا عبد الله بن يحيى البرلسي أخبرنا حيوة بن شريح عن ابن الهادي أن نافعاً حدثه عن ابن عمر ﵁ قال: (أقبل رسول الله ﷺ من الغائط، فلقيه رجل عند بئر جمل فسلم عليه، فلم يرد عليه رسول الله ﷺ ، حتى أقبل على الحائط، فوضع يده على الحائط، ثم مسح وجهه ويديه، ثم رد رسول الله ﷺ على الرجل السلام)].
وهذا الحديث حسن لا بأس بسنده، ومعناه معنى الحديث السابق، وفيه أن النبي ﷺ لقيه رجل عند بئر جمل، وهو مكان قرب المدينة ما عنده ماء، فسلم عليه الرجل فلم يرد النبي ﷺ ، ﵇ حتى تيمم على الجدار ثم رد ﵇.
وفي لفظ قال: (كرهت أن أذكر الله إلا على طهر)، فهنا تيمم لرد السلام وليس عنده ماء، وليس فيه أنه تيمم للصلاة.
فلا بأس بالتيمم في الحضر إذا فقد الماء.
نعم.
стр. 365
الجنب يتيمم
стр. 366
شرح حديث (الصعيد الطيب وضوء المسلم)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب: الجنب يتيمم.
حدثنا عمرو بن عون أخبرنا خالد ح وحدثنا مسدد أخبرنا خالد -يعني: ابن عبد الله الواسطي - عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن عمرو بن بجدان عن أبي ذر ﵁ قال: (اجتمعت غنيمة عند رسول الله ﷺ فقال: يا أبا ذر! ابد فيها، فبدوت إلى الربذة، فكانت تصيبني الجنابة فأمكث الخمس والست، فأتيت النبي ﷺ فقال: أبو ذر؟ فسكت، فقال: ثكلتك أمك أبا ذر! لأمك الويل، فدعا لي بجارية سوداء، فجاءت بعس فيه ماء، فسترتني بثوب واستترت بالراحلة واغتسلت، فكأني ألقيت عني جبلاً، فقال: الصعيد الطيب وضوء المسلم ولو إلى عشر سنين، فإذا وجدت الماء فأمسه جلدك؛ فإن ذلك خير) وقال: مسدد: (غنيمة من الصدقة).
قال أبو داود: حديث عمرو أتم].
وهذا الحديث لا بأس بسنده، أخرجه النسائي والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح، قال الإمام ابن القيم ﵀: صححه الدارقطني، وقال ابن القطان: في الباب أحاديث أسانيدها صحاح.
وقول أبي ذر: (اجتمعت غنيمة عند رسول الله ﷺ فقال: يا أبا ذر! ابد فيها -يعني: اخرج إلى البادية- فبدوت إلى الربذة) يعني: خرجت إلى الربذة، وهو حوالي ثلاثة أميال من المدينة قرية.
قال أبو ذر: (فكانت تصيبني الجنابة، فأمسكت الخمس والست، فأتيت النبي ﷺ فقال: أبو ذر؟ فسكت، فقال: ثكلتك أمك يا أبا ذر! لأمك الويل)، هذه الكلمات تجري على اللسان عند العرب، ولا يقصد بها حقيقتها، وقوله: (ثكلتك أمك) يعني: فقدتك أمك، وقوله: (لأمك الويل) يعني: لفقدك، والمراد بها هنا: الحث والعناية بطلب الماء.
قال: (فدعا لي بجارية سوداء فجاءت بعس -القدح- فسترتني بثوب واستترت بالراحلة واغتسلت)، وفيه أن النبي ﷺ قال: (الصعيد الطيب وضوء المسلم ولو إلى عشر سنين، فإذا وجدت الماء فأمسه جلدك؛ فإن ذلك خير)، قال مسدد: (وغنيمة من الصدقة) أي: زاد (من الصدقة) وحديث عمرو أتم، يعني: أتم من حديث مسدد.
والصعيد اختلف العلماء فيه على أقوال كثيرة، وقد ذكر الشارح أقوال متعددة، منها: الصعيد: المرتفع من الأرض.
وقيل: الأرض المرتفع.
وقيل: الأرض المنخفضة.
وقيل: ما لم يخالطه رمل ولا سبخة.
وقيل: وجه الأرض.
وقيل: الصعيد الأرض.
وقيل: الأرض الطيبة.
وقيل: هي كل تراب طيب.
وقيل: الأرض المستوية.
وقال الشافعي: الصعيد لا يقع إلا على التراب له غبار.
стр. 367
الأشياء التي يتيمم بها المتيمم
اختلف العلماء بسبب اختلافهم في معنى الصعيد، ما الذي يتيمم عليه؟ فذهب بعض العلماء إلى أنه لا يتمم إلا على التراب الذي له غبار.
وذهب آخرون من أهل العلم إلى أنه يجزئ التيمم إذا تيمم بما صعد على وجه الأرض.
والصواب: أنه يتيمم بالتراب، فإذا وجد التراب الذي له غبار فإنه يجب عليه أن يتيمم به؛ لقوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة:٦]، كلمة: (منه) يتيمم بالتراب الذي له غبار، مثل تراب الحرث والزرع، فإن لم يجد تيمم على ما تصعد على وجه الأرض، فإذا كانت الأرض ما فيها إلا رمل يتيمم على الرمل، أولم يجد إلا على أرض صخرية تيمم عليها؛ لقوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء:٤٣]، لكن إذا وجد تراباً له غبار فإنه يتيمم على التراب الذي له غبار، فإن لم يجد تيمم على ما صعد على وجه الأرض.
قال الشارح: قلت: التحقيق في هذه المسألة: أن التراب هو المتعين لمن وجد التراب ولا يجوز بغيره؛ لأن الصعيد هو التراب فقط عند بعض أئمة اللغة، فالتيمم عليه جائزاً اتفاقاً، فكيف يترك المتيقن بالمحتمل؟ ومن لم يجد التراب فيتيمم على الرمال والأحجار ويصلي؛ لأنه مدلول الصعيد لغة عند بعض أئمة اللغة، ومن لم يجد الرمال والأحجار فيتيمم على كل ما ذكر آنفاً في تفسير الصعيد، ولا يصلي بغير التيمم، ومن لم يجد هذه كلها فيصلي بغير طهارة، والله أعلم.
وهذا كلام جيد، وهو أنه يتيمم على التراب الذي له غبار إذا وجده، فإن لم يجد إلا أرضاً رملية تيمم، فإذا وجد الأرض صخرية تيمم عليها؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦]، فإن لم يجد تراباً ولا ماءً صلى على حسب حاله كما حصل من الصحابة الذين صلوا بغير ماء ولا تراب قبل أن يشرع التيمم، فأقرهم النبي ﷺ .
وقوله: (ولو إلى عشر سنين)، المراد: التكثير لا التحديد، والمعنى: أنه يتيمم حتى يجد الماء، وإن بلغت مدة عدم الماء عشر سنين، وليس معنى ذلك: أن التيمم يكفي لعشر سنين، بل المراد أنه يتيمم ويستمر حتى يجد الماء.
стр. 368
أثر خروج الوقت على التيمم
هل خروج الوقت يبطل به التيمم أو لا يبطل؟ الجمهور من الفقهاء على أنه يبطل، وأنه لا يصلي بالتيمم إلا فرضاً واحداً، فيصلي بالتيمم ما شاء من فروض ونوافل، فإذا خرج الوقت بطل التيمم.
وقال آخرون من أهل العلم: التيمم بالتراب قائم مقام الماء، واستدلوا بقوله في هذا الحديث: (الصعيد الطيب وضوء المسلم) فسماه وضوءاً.
وذهب المحققون من أهل العلم: إلى أن الإنسان له أن يصلي بالتيمم فرضين أو ثلاثة أو أربعة ما لم يحدث أو يجد الماء، فإذا وجد الماء بطل التيمم ولو في الصلاة؛ لأن النبي ﷺ سماه وضوءاً، فقال: (الصعيد الطيب وضوء المسلم ولو إلى عشر سنين)، فقالوا: لا يبطل التيمم إلا إذا أحدث أو وجد الماء.
والحائط إذا كان له غبار لا بأس بالتيمم به، وسبق أن الحائط إذا كان من الطين فله غبار.
وإذا وجد بعض الماء ولا يكفي يتيمم؛ فإذا كان الماء قليلاً لا يكفي فغسل وجهه وكفيه ويديه وانتهى الماء ولم يبق شيء لرجليه فإنه يتيمم، وكذلك إذا كان عليه جنابة ووجد ماءً قليلاً لا يكفي، فيستنجي ويتوضأ وضوءه للصلاة وإن بقي شيء غسل رأسه، وإن بقي شيء غسل شقه الأيمن، وإن لم يبق شيء تيمم للباقي.
[حدثنا موسى بن إسماعيل أخبرنا حماد عن أيوب عن أبي قلابة عن رجل من بني عامر قال: (دخلت في الإسلام فأهمني ديني، فأتيت أبا ذر ﵁، فقال أبو ذر: إني اجتويت المدينة، فأمر لي رسول الله ﷺ بذود وبغنم، فقال لي: اشرب من ألبانها -قال: حماد: وأشك في (أبوالها) - فقال أبو ذر ﵁: فكنت أعزب عن الماء ومعي أهلي، فتصيبني الجنابة فأصلي بغير طهور، فأتيت رسول الله ﷺ بنصف النهار، وهو في رهط من أصحابه وهو في ظل المسجد، فقال ﷺ : أبو ذر؟ فقلت: نعم، هلكت يا رسول الله! قال: وما أهلكك؟ قلت: إني كنت أعزب عن الماء ومعي أهلي فتصيبني الجنابة فأصلي بغير طهور، فأمر لي رسول الله ﷺ بماء، فجاءت به جارية سوداء بعس يتخضخض؛ ما هو بملآن، فتسترت إلى بعيري فاغتسلت، ثم جئت، فقال رسول الله ﷺ : يا أبا ذر! إن الصعيد الطيب طهور وإن لم تجد الماء إلى عشر سنين، فإذا وجدت الماء فأمسه جلدك).
قال أبو داود: رواه حماد بن زيد عن أيوب لم يذكر: (أبوالها).
قال أبو داود: هذا ليس بصحيح، وليس في (أبوالها) إلا حديث أنس تفرد به أهل البصرة].
وهذا هو الصواب، بأن ذكر الأبوال لم يثبت، وإنما قال: (اشرب من ألبانها)؛ ولهذا قال: وأشك في (أبوالها)، قال أبو داود: رواه حماد بن زيد عن أيوب لم يذكر: (أبوالها)، أي: أنه ليس في الحديث ذكر (أبوالها) ولم تذكر إلا في حديث أنس، تفرد به أهل البصرة في قصة العرنيين، وفيه أنهم لما جاءوا النبي ﷺ اجتووا المدينة فأمرهم أن يلحقوا بإبل الصدقة فيشربوا من أبوالها وألبانها.
أما حديث أبي ذر فلا يثبت فيه أنه أمره بالشرب من أبوالها، وإنما قال: (اشرب من ألبانها).
وفيه دليل على أن أبا ذر كان يصلي بغير طهور، ولم يأمره النبي ﷺ بالإعادة، فدل على أن صلاته صحيحة وأنه معذور؛ لأنه لم يبلغه الحكم، فلما أبلغه الحكم وجب عليه أن يتيمم، فدل على أن الإنسان إذا لم يعلم وكان جاهلاً فهو معذور.
وفي ذلك قصة الأعرابي الذي جاء وصلى عند النبي ﷺ ولم يتم الركوع ولا السجود، وفيها أنه قال: (والذي بعثك بالحق! لا أحسن غير هذا فعلمني)، فعلمه وأمره أن يعيد الصلاة الحاضرة، ولم يأمره بإعادة الصلوات الماضية؛ لجهله.
والحديث فيه: أن النبي ﷺ أمره بالتيمم، فقال له: (يا أبا ذر! إن الصعيد الطيب طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجدت الماء فأمسه جلدك)، وسماه طهوراً؛ فدل على أنه قائم مقام الماء، وقد احتج به المحققون على أنه لا يبطل التيمم بخروج الوقت؛ لأنه سماه طهوراً، وفي اللفظ الآخر سماه وضوءاً.
стр. 369
إذا خاف الجنب البرد يتيمم
стр. 370
شرح حديث عمرو بن العاص: (احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب: إذا خاف الجنب البرد أيتيمم؟ حدثنا ابن المثنى أخبرنا وهب بن جرير أخبرنا أبي قال: سمعت يحيى بن أيوب يحدث عن يزيد بن أبي حبيب عن عمران بن أبي أنس عن عبد الرحمن بن جبير عن عمرو بن العاص قال: (احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل، فأشفقت أن أغتسل فأهلك، فتيممت، ثم صليت بأصحابي الصبح، فذكروا ذلك للنبي ﷺ فقال: يا عمرو! صليت بأصحابك وأنت جنب؟ فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال وقلت: إني سمعت الله يقول: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء:٢٩]، فضحك رسول الله ﷺ ولم يقل شيئاً).
قال أبو داود: عبد الرحمن بن جبير مصري مولى خارجة بن حذافة وليس هو ابن جبير بن نفير].
وحديث عمرو بن العاص هذا لا بأس بسنده.
وفيه دليل على أن الجنب يتيمم ويصلي إذا خاف من البرد وخاف الهلاك أو خاف المرض؛ لأنه معذور في هذه الحالة، فإذا لم يكن عنده شيء يسخن به الماء ويتقي به البرد وخاف خروج الوقت فإنه يتيمم ويصلي وصلاته صحيحة.
وهذا هو الذي ذهب إليه أكثر الصحابة.
وخالف في ذلك عمر ﵁ وابن مسعود وقال: يبقى الجنب حتى يجد الماء ولا يتيمم.
فهنا إذا وجد الماء لكنه لا يستطيع استعماله من شدة البرد، فيكون حكمه حكم فاقد الماء في هذه الحالة، والنبي ﷺ أقره على جواز التيمم من جهتين: من جهة التبسم والضحك.
والثاني: عدم الإنكار، والنبي ﷺ لا يقر على باطل؛ ولهذا قال الخطابي ﵀: في هذا الحديث من الفقه: أنه ﷺ جعل عدم إمكان استعمال الماء كعدم عين الماء، يعني: جعل كونه لا يستطيع استعمال الماء لشدة البرد؛ لأنه يخشى الموت أو يخشى المرض، كأنه فاقد للماء، وجعله في منزلة من يخاف العطش ومعه الماء، فأبقاه ليشربه ويتيمم.
لكن كما قال بعضهم: من أمكنه أن يسخن الماء أو يستعمله على وجهه أو على درجة يأمن منها الضرر، كأن يغسل عضواً ويستره، وكلما غسل عضواً ستره ودفاه، فإنه في هذه الحالة عليه أن يستعمل الماء، كما قال بعض الشراح: إنه إذا أمكن أن يستعمل الماء كأن يغسل عضواً ثم يدفئه ثم يغسل عضواً ثم يدفئه، أو يجد ما يسخنه به ويتقي، فهذا يجب عليه الغسل، أما إذا ضاقت به الحيل ولم يجد شيئاً وخاف خروج الوقت فإنه يصلي وصلاته صحيحة، وهذا هو الذي عليه الجمهور، وخالف في هذا بعض العلماء وقالوا: إنه لا يتيمم في هذه الحالة، روي عن الحسن وعطاء قالا: يغتسل وإن مات، ولم يجعلوا له عذراً، وهذا قول لا وجه له؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [النساء:٢٩]، ولهذا استدل بهذه الآية عمرو بن العاص فقال: ذكرت قول الله : ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [النساء:٢٩].
قال أبو داود: عبد الرحمن بن جبير مصري مولى خارجة بن حذافة، وليس هو ابن جبير بن نفير.
стр. 371
أسانيد أخرى لحديث احتلام عمرو بن العاص
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن سلمة أخبرنا ابن وهب عن ابن لهيعة وعمرو بن الحارث عن يزيد بن أبي حبيب عن عمران بن أبي أنس عن عبد الرحمن بن جبير عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص: (أن عمرو بن العاص ﵁ كان على سرية -وذكر الحديث نحوه- قال: فغسل مغابنه وتوضأ وضوءه للصلاة، ثم صلى بهم) فذكر نحوه ولم يذكر التيمم.
قال أبو داود: وروى هذه القصة عن الأوزاعي عن حسان بن عطية قال فيه: (فتيمم)].
وهذا الحديث كما قال المنذري: حسن.
وفيه: أن الجنب إذا خاف من البرد ولم يجد ما يسخن به الماء فإنه يستنجي ويغسل مغابنه وما استطاع من جسده، ويتوضأ تخفيفاً للجنابة، ثم يتيمم، كما في هذه القصة: أنه غسل مغابنة وتوضأ وضوءه للصلاة.
وروى الأوزاعي عن حسان بن عطية قال: (فتيمم) من حفظ حجة على من لم يحفظ، فبعض الرواة ما حفظ شيئاً، وبعضهم حفظ.
стр. 372
المجروح يتيمم
стр. 373
شرح حديث قصة صاحب الشجة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب: المجروح يتيمم.
حدثنا موسى بن عبد الرحمن الأنطاكي حدثنا محمد بن سلمة عن الزبير بن خريق عن عطاء عن جابر ﵁ قال: (خرجنا في سفر فأصاب رجلاً منا حجر فشجه في رأسه، ثم احتلم، فسأل أصحابه فقال: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات، فلما قدمنا على النبي ﷺ أخبر بذلك فقال: قتلوه! قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا؛ فإنما شفاء العي السؤال؟ إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر أو يعصب -شك موسى - على جرحه خرقة، ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده)].
وهذا الحديث ضعيف في سنده الزبير بن خريق ضعيف، قال في التقريب: لين الحديث.
وهذا الحديث مشهور عند الفقهاء ولكنه ضعيف.
وفيه: (أن هذا الرجل أصابته شجة ثم احتلم، فسأل أصحابه: هل تجدون لي رخصة؟ فقالوا: لا نجد لك رخصة، فاغتسل فمات، فلما قدم على النبي ﷺ قال: قتلوه! قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا؛ فإنما شفاء العي السؤال؟ إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر أو يعصب -شك موسى - على جرحه خرقة، ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده).
وهذه اللفظة: (إنما كان يكفيه أن يتيمم) لم يثبتها الحفاظ؛ لأن هذا الحديث فيه: أنه يجمع بين التيمم وبين المسح، فلم يثبتها الحفاظ، فعلى هذا لا يجمع بين التيمم والمسح، بل يمسح على العصابة إن كانت بقدر الجرح وما يحتاج إليها في الشد، ولا يتيمم، فإن لم يقدر على وضع عصابة أو جبيرة فإنه يتيمم.
أما هذا الحديث لأنه يجمع بين التيمم وبين المسح فهو ضعيف؛ ولهذا كلمة: (إنما يكفيه أن يتيمم) لم يثبتها الحفاظ، بل إذا كان يستطيع المسح فيكفي، لكن تكون العصابة بقدر الجرح وما يحتاج إليه، أما ما زاد فيزيله، والمسح على الجبيرة سيأتي، والجبيرة يمسح عليها للضرورة، وهي أولى من الخف، فإذا كان الخف يمسح عليه للترفه فالجبيرة أولى بالمسح؛ لأنها ضرورة.
ففي هذا الحديث -وإن كان ضعيفاً- المسح على الجبيرة، لكن الجبيرة يمسح عليها للضرورة؛ لأنها أولى من الخف، والمسح على الخفين ثابت متواتر، فإذا كان الخف يمسح عليه للترفه فالجبيرة أولى؛ لأنها ضرورة.
والجبيرة تخالف الخف: فالخف: وقت له للمقيم يوم وليلة، والمسافر ثلاثة أيام بلياليها، والجبيرة: غير مؤقتة، فيمسح عليها حتى يبرأ الجرح.
والخف: يشترط أن يمسح على طهارة، والجبيرة: لا يشترط؛ لأن الإنسان قد يصيبه جرح أو كسر وهو على غير طهارة، فالإنسان جرحه ليس باختياره، فلا تشترط لها الطهارة.
وقوله: (إنما شفاء العي السؤال) المعنى: أن الجهل داء، والسؤال هو العلم.
واستنبط الخطابي من هذا الحديث: أن الذي أعابهم، الفتوى بغير علم، وألحق بهم الوعيد، لكن إنما هذا على فرض صحته، ولكن المعنى صحيح، فالفتوى بغير علم منهي عنها.
أما الأمر بالجمع بين التيمم والمسح فكما سبق لا يثبت، لكن فيه أنه أمر بالجمع بين التيمم وغسل سائر جسده بالماء، فيغسل سائر جسده ويتيمم ويمسح على الجرح، فإن لم يستطع تيمم.
وأحاديث المسح على الجبائر كلها أحاديث ضعيفة، كما قال ابن القيم ﵀، وفيه حديث علي أنه: (انكسرت إحدى زنديه فأمره النبي ﷺ أن يمسح على الجبائر) لكن الحديث في سنده عمرو بن خالد وهو متروك، وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين رمياه بالكذب.
وذكر ابن عدي عن وكيع قال: كان عمرو بن خالد في جوارنا يضع الحديث، فلما فطن له تحول إلى واسط، وقد سرقه عمر بن موسى، فرواه عن زينب بنت علي مثله.
وعمرو هذا متروك منسوب إلى الوضع.
والمقصود: أن أحاديث الجبائر كلها ضعيفة، وهذا الحديث وحديث علي كلها ضعيفة، لكن يجوز المسح على الجبيرة للضرورة، وهو أولى من المسح على الخف، فإذا جاز المسح على الخف وهو للترفه فالمسح على الجبيرة من باب أولى.
стр. 374
شرح حديث: (أصاب رجلاً جرح في عهد رسول الله)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا نصر بن عاصم الأنطاكي حدثنا محمد بن شعيب أخبرني الأوزاعي أنه بلغه عن عطاء بن أبي رباح أنه سمع عبد الله بن عباس ﵄ قال: (أصاب رجلاً جرح في عهد رسول الله ﷺ ، ثم احتلم، فأمر بالاغتسال، فاغتسل فمات، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: قتلوه! قتلهم الله، ألم يكن شفاء العي السؤال؟)].
وهذا ضعيف؛ لأنه رواه الأوزاعي بلاغاً، قال الأوزاعي: (أنه بلغه عن عطاء) فهذا الذي رواه عنه الأوزاعي مجهول، فيكون الحديث ضعيفاً.
وإذا أمكن المسح لا يتيمم إلا إذا كان يضره المسح، فإذا كان لا يستطيع المسح ينتقل إلى التيمم، أما الجمع بين التيمم والمسح فالحديث ضعيف.
إذا كان الجرح في الظهر ويمر عليه الماء يكفي، فإن لم يمر عليه الماء مسح، وإن كان لا يشق نزع الجبيرة ينزعها إذا أصابته الجنابة ثم يغتسل ثم يعيدها، وإذا مر عليه الماء كفى؛ لأن مرور الماء أبلغ من المسح، فإن لم يمر عليها مسح عليها، فإن شق عليه المسح يتيمم.
إذا مر الماء على الجرح يكفي فلا مسح ولا تيمم، وهذا إذا لم يضره الماء، فإن كان يضره الغسل بالماء مسح، فإن كان المسح على الجرح يضر فإنه يتيمم عن هذا الموضع الذي لم يصله الماء، ويغسل سائر جسده.
стр. 375
المتيمم يجد الماء بعد ما يصلي في الوقت
стр. 376
شرح حديث: (خرج رجلان في سفر، فحضرت الصلاة وليس معهما ماء)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب: المتيمم يجد الماء بعدما يصلي في الوقت.
حدثنا محمد بن إسحاق المسيبي أخبرنا عبد الله بن نافع عن الليث بن سعد عن بكر بن سوادة عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (خرج رجلان في سفر فحضرت الصلاة وليس معهما ماء، فتيمما صعيداً طيباً، فصليا، ثم وجدا الماء في الوقت، فأعاد أحدهما الصلاة والوضوء، ولم يعد الآخر، ثم أتيا رسول الله ﷺ فذكرا ذلك له فقال للذي لم يعد: أصبت السنة وأجزأتك صلاتك، وقال للذي توضأ وأعاد: لك الأجر مرتين).
قال أبو داود: وغير ابن نافع يرويه عن الليث عن عميرة بن أبي ناجية عن بكر بن سوادة عن عطاء بن يسار عن النبي ﷺ .
قال أبو داود: ذكر أبي سعيد الخدري في هذا الحديث ليس بمحفوظ؛ هو مرسل].
يعني: أن الحديث مرسل عن عطاء بن يسار، وهذا الحديث أخرجه النسائي مسنداً ومرسلاً عن عميرة.
والحديث فيه دليل على أنه من صلى في الوقت بعد أن بحث عن الماء ولم يجد الماء فإن صلاته صحيحة، فإذا بحث عن الماء ولم يجد الماء ثم تيمم ووجد الماء في الوقت والوقت باقٍ فصلاته صحيحة.
وفي هذا الحديث أن هذين الرجلين أحدهما لم يعد الصلاة لما وجد الماء، والآخر أعاد، فقال النبي ﷺ للذي لم يعد: (أصبت السنة وأجزأتك صلاتك)، وقال للذي أعاد وتوضأ: (لك الأجر مرتين)؛ لأنه اجتهد فله الأجر مرتان باجتهاده، لكن الذي أصاب السنة أفضل.
ففيه دليل على أن من صلى بالتيمم ثم وجد الماء في الوقت فلا يعيد، أما إذا وجد الماء وهو يصلي فإنه يعيد.
وقد اختلف العلماء في هذه المسألة: فذهب بعض العلماء كـ أبي حنيفة وروي عن الإمام أحمد: أنه إن كان في موضع لا يرجى فيه وجود الماء في أول وقت الصلاة فإنه يتيمم ويصلي ولو في أول وقت الصلاة.
وقال آخرون: يتيمم ويصلي، وينبغي له أن يؤخر التيمم إلى آخر الوقت؛ ولهذا قال الحنابلة: والتيمم آخر الوقت لراجي الماء أولى.
وبعض العلماء قال: يصلي في أول الوقت، وقال بعضهم: يصلي آخر الوقت، إذا كان يرجو الماء، فإذا كان يرجو الماء يؤخر الصلاة إلى آخر الوقت، وإذا كان لا يرجو فإنه يصلي ولو في أول الوقت.
وهل يعيد إذا وجد الماء في الوقت؟ ذهب بعض العلماء إلى أنه يعيد.
وقال آخرون: لا يعيد.
والصواب: أنه لا يعيد كما دل عليه الحديث.
والحديث روي مسنداً ومرسلاً، وقد يقال: إن المرسل لا يعارض المسند، لكن أبا داود ﵀ قال: إن ذكر أبي سعيد في هذا الحديث ليس بمحفوظ، وعلى هذا يكون الحديث مرسلاً، والمرسل ضعيف إلا إذا وجد له مرسل آخر يشده، ويحتاج إلى مراجعة كلام الحفاظ في هذا؛ فينظر هل الذين أرسلوه هم الحفاظ وهم الأكثر، أو على قاعدة المتأخرين كالحافظ ابن حجر والعراقي الخطيب البغدادي وغيرهم: أنه إذا كان الذي وصله ثقة فإنه يقبل قوله ويقدم؛ لأن معه زيادة علم، والنسائي وجماعة يقدمون قول الأحفظ أو الأكثر.
إذا كان الإنسان يرجو حصول الماء فإنه يتأخر إلى آخر الوقت، كما قال الحنابلة وغيرهم؛ قالوا: التيمم آخر الوقت لراجي الماء أولى، أما إذا كان لا يرجو فله أن يصلي في أول الوقت.
وقوله: (حدثنا عبد الله بن مسلمة قال: حدثنا ابن لهيعة عن بكر بن سوادة عن أبي عبد الله مولى إسماعيل بن عبيد عن عطاء بن يسار: (أن رجلين من أصحاب رسول الله ﷺ بمعناه)) هذا ضعيف من جهتين: من جهة: أنه مرسل.
ومن جهة: أن في سنده ابن لهيعة وهو ضعيف.
والحديث مداره على عطاء بن يسار عن أبي سعيد.
وفي هذا أن بكر بن سوادة رواه عن أبي عبد الله مولى إسماعيل بن عبيد عن عطاء بن يسار، وفي الأول عن بكر بن سوادة عن عطاء بن يسار، من غير واسطة.
فيحتاج إلى تأمل ومراجعة؛ لأن الحديث الأول قال فيه أبو داود: المحفوظ أنه مرسل، وليس فيه ذكر أبي سعيد، يعني: ليس مرفوعاً عن النبي ﷺ .
والسند الثاني مداره على بكر بن سوادة عن عطاء بن يسار أيضاً.
فيحتاج إلى تأمل ومراجعة في سنده وكلام العلماء عليه؛ لأن الحكم هذا مهم، وهو وجود الماء بعدما يصلي في الوقت بالتيمم، وهذا ينبني على صحة الحديث، فإذا صح الحديث فإن المتيمم إذا وجد الماء في الوقت فلا يعيد.
والمسألة فيها خلاف بين أهل العلم، فمن العلماء من قال: إذا تيمم ووجد الماء في الوقت يعيد، ومنهم من قال: لا يعيد، وهذا مبني على صحة الحديث وعدم صحته، فلو صح الحديث فإنه لا يعيد، ويؤيد هذا أيضاً قول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦]، ولأن هذا هو الواجب على الإنسان، لأن الله تعالى لم يوجب الصلاة مرتين، وهذا هو الذي يستطيعه، فإنه بحث عن الماء ولم يجده، فكيف يقال له: أعد الصلاة؟! أما إذا وجد الماء وهو في الصلاة فهذا تبطل صلاته على الصحيح، فإذا جاء الماء وهو في أثناء الصلاة فالصواب أنها تبطل الصلاة في هذه الحالة، فيقطع الصلاة ثم يتوضأ ويستأنف الصلاة من جديد.
وهكذا إذا لم يجد إلا ثوباً نجساً وليس عنده ماء يغسله فإنه يصلي فيه، إلا إذا كان يرجو وجود ثوب آخر.
ولهذا يلغز بعض العلماء فيقولون: نهق حمار فبطل صلاة المصلي، كيف ذلك؟
الجواب
حمار ذهب للإتيان بالماء، فجاء الحمار وعلى ظهره قرب للماء، فنهق، فعلم المصلي أنه وجد الماء، فبطلت صلاته؛ لوجود الماء.
стр. 377
شرح سنن أبي داود_ كتاب الطهارة [٢٣]
إن أصحاب رسول الله كانوا أصحاب مهن، فربما أدركتهم الجمعة فلم يغتسلوا، فحثهم النبي ﷺ على الغسل في هذا اليوم المبارك وندبهم إليه، كما حث من أسلم أن يغتسل.
стр. 378
غسل الجمعة
стр. 379
شرح حديث: (إذا أتى أحدكم الجمعة فليغتسل)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب في غسل الجمعة: حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع أخبرنا معاوية عن يحيى أخبرنا أبو سلمة بن عبد الرحمن أن أبا هريرة ﵁ أخبره: (أن عمر بن الخطاب ﵁ بينا هو يخطب يوم الجمعة إذ دخل رجل فقال عمر: أتحتبسون عن الصلاة؟ فقال الرجل: ما هو إلا أن سمعت النداء فتوضأت.
فقال عمر ﵁: والوضوء أيضاً أو لم تسمعوا رسول الله ﷺ يقول: إذا أتى أحدكم الجمعة فليغتسل؟)].
قول المؤلف رحمه الله تعالى: [باب في غسل الجمعة] يعني: ما حكمه؟ وهل هو واجب أو مستحب؟ والمؤلف ﵀ لم يجزم بالحكم؛ لأنها مسألة مختلف فيها بين أهل العلم، فقد اختلف العلماء في غسل الجمعة على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه واجب، فكل من ذهب إلى الجمعة عليه أن يغتسل، واستدلوا بحديث: (غسل الجمعة واجب على كل محتلم)، وهو قول قوي، وعلى هذا فإن من لم يغتسل يوم الجمعة فإنه آثم وصلاته صحيحة، ويكون الغسل من طلوع الفجر يوم الجمعة، وأما قبل طلوع الفجر فلا يعتبر؛ لأن اليوم إنما يدخل بطلوع الفجر.
والقول الثاني -وهو قول جمهور العلماء-: أن الغسل مستحب وليس بواجب، وستأتي أدلتهم، وعلى هذا فالإنسان إن ترك الغسل يأثم ويكون تاركاً لمستحباً.
القول الثالث: أنه يجب على أهل المهن والعمال الذين تنبعث منهم الروائح الكريهة، وأما من عداهم فلا يجب عليه، وعلى هذا فإن من كان من أهل المهن ولم يغتسل يأثم، وإن لم يكن من أهل المهن ولم يغتسل لا يأثم، وسيأتي في حديث عائشة أن الناس كانوا مهان أنفسهم -أي: خدام أنفسهم- وكانت تنبعث منهم الروائح فقال ﷺ : (لو اغتسلتم)، ولهذا لم يجزم المؤلف ﵀ بحكم، وإنما قال: [باب في غسل الجمعة]، يعني: هل هو مستحب كما قال الجمهور، أو واجب كما قال به فريق من العلماء، أو واجب على أهل المهن؟ وهذا الحديث فيه أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يخطب في الناس الجمعة، وكان الأمراء والخلفاء هم الذين يتولون الخطابة في الجمعة والعيدين، فبينما هو يخطب ﵁ إذ دخل رجل من السابقين الأولين، وهو عثمان ﵁، فأنكر عليه عمر ﵁ وقال: أي ساعة هذه يا عثمان؟! يعني: لماذا تأخرت؟! وهذا فيه دليل على أنه ينبغي التبكير إلى الجمعة، ولا سيما للأكابر وأهل الفضل، فقال عثمان ﵁: ما هو إلا أن سمعت النداء فما زدت على أن توضأت.
فأنكر عليه إنكاراً آخر فقال: [والوضوء أيضاً!] يعني: لماذا لم تغتسل؟ ثم قال: [أو لم تسمعوا رسول الله ﷺ يقول: (إذا أتى أحدكم الجمعة فليغتسل)] ولعل عثمان ﵁ انشغل في هذه المرة وتأخر.
وفي الحديث بيان بعد عثمان ﵁ عن الرياء، فإنه قال: [ما هو إلا أن سمعت النداء فتوضأت].
وهذا الحديث أخرجه الشيخان: البخاري ومسلم وأخرجه الترمذي والنسائي من رواية عبد الله بن عمر عن أبيه.
وهذا الحديث فيه دليل على أنه ينبغي لأهل العلم والفضل أن يبكروا في المجيء إلى صلاة الجمعة؛ لأنهم قدوة للناس، وفيه أن من تأخر عنها فإنه ينكر عليه، وقد اُستدل به على أن الغسل واجب؛ لأن عمر أنكر على عثمان ﵁، ولقوله ﷺ : (إذا أتى أحدكم الجمعة فليغتسل) والأصل أن الأمر للوجوب.
ويحتمل أنه ليس بواجب كما قال الجمهور، ويكون قد أنكر عليه لترك السنن والمستحبات، ولا سيما إذا كان المرء من أهل الفضل ومن أهل العلم كـ عثمان ﵁، والحديث من أدلة من قال: بوجوب الغسل؛ لأن الأمر الأصل فيه أنه للوجوب والجمهور صرفوا هذا الأمر عن الوجوب إلى الاستحباب لأحاديث أخرى، منها: (من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل) ولكن هذا الحديث فيه ضعف، وهناك أدلة أخرى.
стр. 380
شرح حديث: (غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي عن مالك عن صفوان بن سليم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: (غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم)].
أورد المؤلف حديث أبي سعيد هذا، وهو: (غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم) وهذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم، وأخرجه -أيضاً- النسائي وابن ماجة، وهو من أصح الأحاديث، وهو من أدلة من قال بوجوب الغسل، وهو قول قوي.
وقوله: [على كل محتلم] المراد به: البالغ، يعني: من بلغ سن الاحتلام، وهو الذي تجب عليه الجمعة، أما من لم يبلغ سن الاحتلام فإنه يكون صبياً، والصبي لا تجب عليه الصلاة، فقوله: [محتلم] يعني: من بلغ سن الاحتلام، وليس المراد من احتلم في النوم وأنزل، فهذا يجب عليه الغسل على كل حال.
وهذا الحديث -كما ذكرنا- من أدلة من قال بوجوب الغسل، وأما الجمهور فإنهم صرفوا هذا الأمر، وتأولوا هذا الحديث بأن المراد بقوله: [واجب] أن غسل الجمعة متأكد ومستحب، كما تقول العرب: حقك واجب علي، أي: متأكد.
ولا شك في أن القول بالوجوب قول قوي، فينبغي للمسلم ألا يخل بالغسل.
стр. 381
شرح حديث: (على كل محتلم رواح الجمعة)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا يزيد بن خالد الرملي أخبرنا المفضل -يعني ابن فضالة - عن عياش بن عباس عن بكير عن نافع عن ابن عمر ﵄ عن حفصة ﵂ عن النبي ﷺ قال: (على كل محتلم رواح الجمعة، وعلى كل من راح إلى الجمعة الغسل)].
هذا الحديث حسن، وأخرجه النسائي، وهو من أدلة من قال بوجوب الغسل، وفيه أن النبي ﷺ قال: (على كل محتلم رواح الجمعة، وعلى كل من راح إلى الجمعة الغسل) يعني: إن بلغ سن الاحتلام فعليه الرواح إلى الجمعة، أي: يلزمه أن يصلي الجمعة، فالرواح هو الذهاب إلى الجمعة، قال: (وعلى كل من راح إلى الجمعة الغسل).
والجمهور تأولوا هذا الحديث بأن المراد به: تأكد الاستحباب.
стр. 382
ابتداء وقت غسل الجمعة
[قال أبو داود: إذا اغتسل الرجل بعد طلوع الفجر أجزأه من غسل الجمعة، وإن أجنب].
هذا هو الصواب، وهو أن الاغتسال يكون بعد طلوع الفجر، فإذا اغتسل الإنسان بعد طلوع الفجر أجزأه، أما إذا اغتسل قبل طلوع الفجر فهذا لا يجزئه؛ لأن النهار لم يدخل بعد، فالنهار يكون بعد طلوع الفجر، فإذا اغتسل بعد طلوع الفجر أجزأه عن غسل الجمعة وإن أجنب، يعني: ولو كان عليه جنابة، فإذا كان عليه جنابة واغتسل بعد طلوع الفجر كفاه ذلك عن غسل الجمعة، إذ الغسلان يتداخلان، فيكفي غسل الجنابة عن غسل الجمعة.
أما إذا اغتسل قبل طلوع الفجر فلا يكفيه ذلك، بل لابد من أن يغتسل بعد طلوع الفجر، وكلما تأخر فهو أفضل، فإذا تأخر وكان غسله عند الذهاب إلى الجمعة فهو أفضل.
стр. 383
شرح حديث: (من اغتسل يوم الجمعة ولبس من أحسن ثيابه)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا يزيد بن خالد بن يزيد بن عبد الله بن موهب الرملي الهمداني، ح: وحدثنا عبد العزيز بن يحيى الحراني قالا: حدثنا محمد بن سلمة، ح: وحدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد -وهذا حديث محمد بن سلمة - عن محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال أبو داود: قال يزيد وعبد العزيز في حديثهما عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وأبي أمامة بن سهل عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة قالا: قال رسول الله ﷺ : (من اغتسل يوم الجمعة ولبس من أحسن ثيابه ومس من طيب إن كان عنده ثم أتى الجمعة فلم يتخط أعناق الناس، ثم صلى ما كتب الله له، ثم أنصت إذا خرج إمامه حتى يفرغ من صلاته كانت كفارة لما بينها وبين جمعته التي قبلها).
قال: ويقول أبو هريرة: (وزيادة ثلاثة أيام)، ويقول: إن الحسنة بعشر أمثالها].
هذا الحديث في سنده محمد بن إسحاق، وهو ثقة لكنه مدلس، فلا يقبل حديثه إذا لم يصرح بالسماع، لكن الحديث له شواهد يرتقي بها إلى درجة الحسن.
وهذا الحديث أخرجه مسلم مختصراً من حديث أبي صالح عن أبي هريرة، وهو من أدلة الجمهور القائلين بعدم وجوب الغسل؛ لأنه ليس فيه الأمر بالغسل، وإنما فيه فضل الغسل؛ فإنه قال: (من اغتسل يوم الجمعة)، وفيه فضل الذهاب إلى الجمعة والإتيان بهذه الأمور المذكورة في الحديث، وكل هذه الأمور دلت عليها أحاديث أخرى صحيحة وقوله: [(كانت كفارة لما بينها وبين جمعته التي قبلها).
ويقول أبو هريرة: (وزيادة ثلاثة أيام)؛ ويقول: (الحسنة بعشر أمثالها) فيه أنه إذا أتى بهذه الأمور فاغتسل، ولبس أحسن ثيابه، وتطيب، ولم يتخط رقاب الناس، وصلى ما قدر له، ثم أنصت للخطبة فإن هذه الأمور كفارة لما بينها وبين الجمعة التي قبلها وزيادة ثلاثة أيام.
قال المنذري: إن أبا هريرة أدرج في الحديث [وزيادة ثلاثة أيام]، لكن هذا ليس بجيد؛ لأن الحديث من رواية أبي هريرة وأبي سعيد، وإنما أبو هريرة انفرد عن أبي سعيد برواية: (وزيادة ثلاثة أيام).
أما قول المنذري: أنها مدرجة من كلام أبي هريرة فليس بجيد.
ثم إن الآية دلت على هذا أيضاً، وهي قوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام:١٦٠].
[قال أبو داود: وحديث محمد بن سلمة أتم، ولم يذكر حماد كلام أبي هريرة].
وهو قوله: [(وزيادة ثلاثة أيام)].
стр. 384
شرح حديث: (الغسل يوم الجمعة على كل محتلم)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن سلمة المرادي حدثنا ابن وهب عن عمرو بن الحارث أن سعيد بن أبي هلال وبكير بن عبد الله بن الأشج حدثاه عن أبي بكر بن المنكدر عن عمرو بن سليم الزرقي عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري عن أبيه ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (الغسل يوم الجمعة على كل محتلم، والسواك، ويمس من الطيب ما قدر له).
إلا أن بكيراً لم يذكر عبد الرحمن، وقال في الطيب: (ولو من طيب المرأة)].
وهذا الحديث استدل به من قال: إن غسل الجمعة مستحب، قالوا: لأنه قرنه بالسواك والطيب، والسواك والطيب مستحبان وليسا بواجبين.
والحديث أخرجه مسلم والنسائي، وأخرج البخاري أيضاً من رواية عمرو بن سليم الزرقي عن أبي سعيد بنحوه.
ومثله الحديث الذي سيأتي وهو قوله ﷺ : (من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل) لكنه من رواية الحسن عن سمرة، وقد اختلفوا في سماعه من سمرة كما سيأتي، وعلى كل حال فالأولى والذي ينبغي للمسلم هو أن يغتسل للجمعة خروجاً من الخلاف، وعملاً بالأحاديث، ورغبة في الفضل والأجر.
стр. 385
شرح حديث: (من غسل يوم الجمعة واغتسل)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن حاتم الجرجرائي حبي حدثنا ابن المبارك عن الأوزاعي حدثني حسان بن عطية حدثني أبو الأشعث الصنعاني حدثني أوس بن أوس الثقفي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من غسل يوم الجمعة واغتسل، ثم بكر وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام فاستمع ولم يلغ كان له بكل خطوة عمل سنة أجر صيامها وقيامها)].
هذا الحديث أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجة، وقال الترمذي: حديث حسن.
والحديث سنده لا بأس به، وهذا الفضل العظيم في قوله: (له بكل خطوة عمل سنة أجر صيامها وقيامها)؛ لأن هذه الأعمال عظيمة، وفيها جهد ومشقة، وقل من تجتمع فيه، وقد قيل: إن المراد من اللفظتين في قوله: (بكر وابتكر) التأكيد، مثل: (مشى ولم يركب) فمعناهما واحد، وكذلك (غسل واغتسل) فهو تأكيد، وقيل: (غسل) أي: غسل رأسه (واغتسل) أي: غسل جسده، وقيل: (غسل) أي: غسل غيره بأن جامع زوجته وتسبب في اغتسالها فاغتسلا جميعاً ليكون أملك لنفسه، وأحفظ لبصره، ومن هذا قول العرب: فحل غسله: إذا أكثر الضراب، فقد قالوا له: غسله بصيغة المبالغة.
فإذا حقق هذه الأوصاف بأن غسل واغتسل، وبكر ابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام، واستمع للخطبة ولم يلغ حصل له هذا الأجر العظيم، وهو قوله: (له بكل خطوة عمل سنة أجر صيامها وقيامها) فضلاً من الله تعالى وإحساناً، والحديث سنده لا بأس، وحبي: هو لقب محمد بن حاتم الجرجرائي.
стр. 386
شرح حديث: (من غسل رأسه يوم الجمعة واغتسل)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا الليث عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عن عبادة بن نسي عن أوس الثقفي ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: (من غسل رأسه يوم الجمعة واغتسل) ثم ساق نحوه].
هذا يدل على أن قوله: (من غسل) في حديث أبي الأشعث السابق المراد به.
من غسل رأسه؛ لأن حديث أوس هذا فسره، فالمراد: غسل رأسه؛ لأنه قال: [(من غسل رأسه واغتسل)].
стр. 387
شرح حديث: (من اغتسل يوم الجمعة ومس من طيب امرأته)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا ابن أبي عقيل ومحمد بن سلمة المصريان قالا: حدثنا ابن وهب -قال ابن أبي عقيل: أخبرني أسامة، يعني ابن زيد - عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي ﷺ أنه قال: (من اغتسل يوم الجمعة ومس من طيب امرأته إن كان لها، ولبس من صالح ثيابه، ثم لم يتخط رقاب الناس، ولم يلغ عند الموعظة كانت كفارة لما بينهما، ومن لغا وتخطى رقاب الناس كانت له ظُهرا)].
هذا الحديث من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه، وهو عمرو بن شعيب بن عبد الله بن عمرو بن العاص، فأبوه شعيب وجده عبد الله بن عمرو بن العاص، ورواية عمرو لا بأس بها، وهي من قسم الحسن، لكن هذا الحديث في سنده أسامة بن زيد، وأسامة هذا إن كان أسامة بن زيد الليثي فالحديث لا بأس به، لأن أسامة بن زيد الليثي -كما في التقريب- صدوق يهم، وإن كان أسامة بن زيد بن أسلم فهو ضعيف؛ لأن زيد بن أسلم له ثلاثة أولاد كلهم ضعفاء: أسامة وعبد الله وعبد الرحمن، وأحسنهم عبد الله، فـ أسامة بن زيد بن أسلم ضعيف.
وعلى كل حال فالحديث فيه هذا الفضل لمن أتى بهذه الأمور يوم الجمعة، بأن اغتسل، ومس من طيب امرأته -ولعله إذا لم يكن عنده طيب وكان لامرأته طيب- ولبس من صالح ثيابه، ثم لم يتخط رقاب الناس، ولم يلغ عند الموعظة كان كفارة لما بينهما.
قوله: [(ومن لغا وتخطى رقاب الناس كانت له ظهراً)] يعني: فاتته الجمعة وكانت له ظهراً، وهذا يدل على التحذير من اللغو والتخطي لرقاب الناس، وذلك أن الواجب الإنصات والاستماع للخطبة، ولو سمع موعظة من خارج المسجد لكان عليه أن يستمع فلعله يستفيد، فكيف وهو في المسجد وهو يسمع خطبة الجمعة وهي موعظة الأسبوع؟! ولهذا لما سمعت أم سلمة ﵂ النبي ﷺ يخطب ويقول: (أيها الناس) وهو في المسجد وكان عندها ماشطة تمشط شعرها فأرادت أن تستمع لمقالته قالت الماشطة: إنه يقول: (يا أيها الناس) فقالت: كفي! فأنا من الناس.
وقوله: (كانت له ظهراً) يعني: مثل صلاة الظهر، وهذا إذا فاتته الجمعة، وفيه التحذير من تخطي رقاب الناس وإيذائهم واللغو إذا تكلم الإمام.
стр. 388
شرح حديث اغتساله ﷺ
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا محمد بن بشر حدثنا زكريا حدثنا مصعب بن شيبة عن طلق بن حبيب العنزي عن عبد الله بن الزبير عن عائشة أنها حدثته (أن النبي ﷺ كان يغتسل من أربع: من الجنابة، ويوم الجمعة، ومن الحجامة، ومن غسل الميت)].
هذا الحديث ضعيف، لأن في سنده مصعب بن شيبة، وهو ضعيف، ولكن الغسل من الجنابة معروف أنه واجب، وكان ﷺ يغتسل يوم الجمعة، أما الغسل من الحجامة، ومن غسل الميت فليس هناك دليل يدل عليه.
والمنذري: أخرجه في الجنائز، وقال: هذا منسوخ.
وقال البخاري: حديث عائشة في هذا الباب ليس بصحيح.
وقال الإمام أحمد وعلي بن المديني: لا يصح في هذا الباب شيء.
وقال محمد بن يحيى: لا أعلم فيمن غسل ميتاً أن يغتسل حديثاً ثابتاً.
وعلى هذا فالحديث ضعيف؛ لأنه ليس هناك دليل واضح على وجوب الغسل على من غسل الميت، ولا من الحجامة، أما غسل الجنابة فمعروف حكمه من الأدلة، وكذلك غسل يوم الجمعة.
стр. 389
بيان معنى: (غسل واغتسل)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمود بن خالد الدمشقي أخبرنا مروان أخبرنا علي بن حوشب قال: سألت مكحولاً عن هذا القول: (غسل واغتسل) فقال: غسل رأسه وغسل جسده].
وهذا تفسير لقوله: (غسل واغتسل) أي: غسل رأسه وجسده، وهذا يفسر ما سبق في حديث: (غسل واغتسل) بأن (غسل) بمعنى: غسل رأسه، (واغتسل) غسل جسده، خلافاً لمن قال: إن قوله: (غسل) يعني: غسل زوجته بأن تسبب في غسلها إذا جامعها.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن الوليد الدمشقي حدثنا أبو مسهر عن سعيد بن عبد العزيز في: (غسل واغتسل) قال: قال سعيد: غسل رأسه وغسل جسده].
стр. 390
شرح حديث: (من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح فكأنما قرب بدنة)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن سمي عن أبي صالح السمان عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: (من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر)].
هذا الحديث صحيح أخرجه الشيخان البخاري ومسلم رحمهما الله، وأخرجه الترمذي والنسائي من حديث سعيد بن المسيب عن أبي هريرة بنحوه، وفي الحديث: تفاوت الناس في الأجر على حسب تقدمهم إلى الجمعة، وفيه أن ساعات الجمعة خمس ساعات، وأن الإمام يخرج في الساعة السادسة، والمراد بالساعة جزء من الزمن قد يزيد على الساعة المعروفة وقد ينقص، فهي في الصيف أطول وفي الشتاء أقل، وهي خمس ساعات من طلوع الفجر أو من طلوع الشمس إلى خروج الإمام، وفي الشتاء قد تكون تلك الساعة أقل من ساعة، وفي الصيف قد تكون ساعة وربعاً أو ساعة ونصفاً؛ لأن النهار طويل في الصيف وقصير في الشتاء.
وفيه (أن من راح إلى الجمعة في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة) أي: بعيراً، (ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة) يعني: تقرب بها إلى الله وتصدق بها، (ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً أقرن) أي: ذا قرنين؛ لأنه أفضل من غيره، (ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة)، ثم يخرج الإمام في الساعة السادسة، (فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر) أي: يستمعون الخطبة.
وجاء في الحديث الآخر أن الملائكة يقفون على الأبواب يكتبون الأول فالأول، فإذا خرج الإمام طووا صحفهم ليستمعوا الخطبة والذكر.
وقد مر معنا في رواية النسائي زيادة عصفور بعد الدجاجة، حيث قال: (فكأنما قرب عصفوراً)، وفي بعضها زاد بطة فقال: (فكأنما قرب بطة).
وهذا الساعات هي جزء من الزمن تكون بعد طلوع الشمس أو بعد الفجر، خلافاً للإمام مالك ﵀، فإنه قال: إن هذه الساعات لحظات تكون بعد الزوال، قال: لأن الرواح إنما يكون بعد الزوال، فقال: إنها خمس لحظات تبدأ من زوال الشمس.
وهذا قول ضعيف لا وجه له، والرواح يطلق على النهار كله لا سيما أول النهار.
следующие страницы →