Полный текст (589 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
شرح حديث: (إذا توضأت فأسبغ الوضوء وخلل بين الأصابع)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الأمر بتخليل الأصابع.
أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قال: حدثني يحيى بن سليم عن إسماعيل بن كثير -وكان يكنى أبا هاشم، ح وأنبأنا محمد بن رافع قال: حدثنا يحيى بن آدم قال: حدثنا سفيان عن أبي هاشم عن عاصم بن لقيط عن أبيه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا توضأت فأسبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع)].
هذا الحديث فيه مشروعية إسباغ الوضوء، وأن إسباغ الوضوء -ولا سيما مع المكاره- مما يغفر الله به الخطايا، ويكفر به السيئات، وإسباغه إتمامه وإبلاغه وتعميم الأعضاء، والتخليل بين أصابع اليدين والرجلين كذلك مشروع بأي كيفية.
стр. 212
عدد مرات غسل الرجلين
стр. 213
شرح حديث أبي حية الوادعي في وصف علي وضوء رسول الله
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب عدد غسل الرجلين.
أخبرنا محمد بن آدم عن ابن أبي زائدة قال: حدثني أبي وغيره عن أبي إسحاق عن أبي حية الوادعي قال: (رأيت علياً توضأ فغسل كفيه ثلاثاً، وتمضمض واستنشق ثلاثاً، وغسل وجهه ثلاثاً، وذراعيه ثلاثاً ثلاثاً، ومسح برأسه، وغسل رجليه ثلاثاً ثلاثاً، ثم قال: هذا وضوء رسول الله ﷺ ].
هذا الحديث فيه مشروعية التثليث، وأن هذا هو المستحب وهو الأفضل.
وفيه أن الرجلين تغسلان ثلاثاً كسائر الأعضاء، وهذا هو الأصل، والواجب مرة، وأما الرأس فإنه يمسح مرة واحدة ولا يثلث، وأما الأعضاء الأخرى فالواجب فيها مرة واحدة والتثليث أفضل، وإن غسلها مرتين فلا بأس، وإن غسل مخالفاً فغسل بعض الأعضاء مرة وبعضها مرتين وبعضها ثلاثاً فلا بأس، فكل هذا ثابت عن النبي ﷺ .
стр. 214
حد الغسل
стр. 215
شرح حديث عثمان في صفة وضوء رسول الله
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب: حد الغسل.
أخبرنا أحمد بن عمرو بن السرح والحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع -واللفظ له- عن ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب أن عطاء بن يزيد الليثي أخبره أن حمران مولى عثمان أخبره (أن عثمان دعا بوضوء فتوضأ، فغسل كفيه ثلاث مرات، ثم مضمض واستنشق، ثم غسل وجهه ثلاث مرات، ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاث مرات، ثم غسل يده اليسرى مثل ذلك، ثم مسح برأسه، ثم غسل رجله اليمنى إلى الكعبين ثلاث مرات، ثم غسل رجله اليسرى مثل ذلك، ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ توضأ نحو وضوئي هذا، ثم قال: قال رسول الله ﷺ : من توضأ نحو وضوئي هذا ثم قام فركع ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه)].
هذا الحديث رواه الشيخان في الصحيحين، وهو أكمل ما ثبت عن النبي ﷺ في الوضوء.
وفيه أنه غسل كل عضو ثلاثاً.
وفيه أن من توضأ فأسبغ الوضوء ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه بشيء، وفي اللفظ الآخر: (يقبل فيهما بقلبه ووجهه على الله إلا غفر الله له)؛ كان ذلك من أسباب المغفرة لمن اجتنب الكبائر، وهذا فضل عظيم.
وفيه ما ترجم به المؤلف في حد الغسل، وهو أنه يغسل اليدين إلى المرفقين، والرجلين إلى الكعبين، أو أن المراد به حد التثليث، وهو أنه يغسل الوجه ثلاثاً واليدين ثلاثاً والرجلين ثلاثاً ولا يزيد.
ولم يذكر في هذا الحديث مسح الأذنين؛ لأن الأذنين تابعتان للرأس، فإذا لم يذكرا فإنهما داخلتان في الرأس؛ ثم إن الأحاديث الأخرى فصلت فذكرت مسح الأذنين، وهذا مجمل، والأحاديث يضم بعضهما إلى بعض.
стр. 216
الوضوء في النعل
стр. 217
شرح حديث ابن عمر في رؤيته رسول الله يتوضأ في النعال السبتية
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الوضوء في النعل.
أخبرنا محمد بن العلاء قال: حدثنا ابن إدريس عن عبيد الله ومالك وابن جريج عن المقبري عن عبيد بن جريج قال: قلت لـ ابن عمر: (رأيتك تلبس هذه النعال السبتية وتتوضأ فيها! قال: رأيت رسول الله ﷺ يلبسها ويتوضأ فيها)].
النعال السبتية: هي التي ليس فيها شعر، وهي مأخوذة من السبت وهو القطع، ففيه أنه لا بأس بلبس النعال التي لا شعر فيها والوضوء فيها، وأنه لا يمسح على النعلين، فإذا توضأ في النعلين فلا بد من أن يغسل الرجلين، وإنما المسح على الخفين، وأما النعلان فإنهما يستران الرجل، فلا بد من غسل الرجلين ولو كان فيهما نعلان.
стр. 218
المسح على الخفين
стр. 219
شرح حديث جرير في المسح على الخفين
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب المسح على الخفين.
أخبرنا قتيبة قال: حدثنا حفص عن الأعمش عن إبراهيم عن همام عن جرير بن عبد الله ﵁: (أنه توضأ ومسح على خفيه، فقيل له: أتمسح؟ فقال: قد رأيت رسول الله ﷺ يمسح، وكان أصحاب عبد الله يعجبهم قول جرير، وكان إسلام جرير قبل موت النبي ﷺ بيسير)].
جرير ﵁ الله تعالى عنه أسلم بعد نزول المائدة، والمائدة من آخر ما نزل، وإنما كان يعجبهم إسلام جرير لأن فيه الدلالة على أن مسح الخفين لم ينسخ؛ لأن المائدة فيها آية الوضوء، وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة:٦]، والمسح على الخفين كان بعد نزول المائدة، فدل على أنه باق لم ينسخ، والمائدة من آخر ما نزل، فلهذا كان يعجبهم إسلام جرير؛ لأنه سئل فقيل له: (هل كان مسح النبي ﷺ بعد المائدة؟ فقال: وهل أسلمت إلا بعد نزول المائدة؟!).
وأحاديث المسح على الخفين من الأحاديث المتواترة، وكذلك غسل الرجلين، فقد رواه عن النبي ﷺ أكثر من سبعين صحابياً، ومع ذلك أنكر الرافضة غسل الرجلين، فأوجبوا مسح ظهور القدمين، وأنكروا المسح على الخفين، فلهذا يذكر العلماء في كتب العقائد المسح على الخفين للرد على الرافضة الذين ينكرون ذلك، وإلا فالأصل أنها مسألة فرعية من المسائل الفقهية، لكن تذكر في كتب العقائد للرد على الرافضة.
والرافضة معروف عنهم توسلهم بآل البيت، وهذا شرك، ويكفرون الصحابة ويفسقونهم، وهذا أيضاً تكذيب لله، وكذلك يعتقدون أن القرآن لم يحفظ، وأن هناك بقية ضاعت، وهذه ردة نعوذ بالله، فمن يعتقد هذا الاعتقاد لا شك في كفره، وإذا أظهر الإسلام ولم يظهر من ذلك شيئاً فإنه يعامل معاملة المسلمين، كما كان النبي ﷺ يعامل عبد الله بن أبي، فإن ظهر منه شيء فإنه لا يصادق ولا يعاشر.
стр. 220
بيان روايات المسح على الخفين
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أخبرنا العباس بن عبد العظيم قال: حدثنا عبد الرحمن قال: حدثنا حرب بن شداد عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن جعفر بن عمرو بن أمية الضمري عن أبيه ﵁: (أنه رأى رسول الله ﷺ توضأ ومسح على الخفين).
أخبرنا عبد الرحمن بن إبراهيم دحيم وسليمان بن داود -واللفظ له- عن ابن نافع عن داود بن قيس عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أسامة بن زيد ﵁ قال: (دخل رسول الله ﷺ وبلال الأسواق، فذهب لحاجته ثم خرج، قال أسامة: فسألت بلالاً: ما صنع؟ فقال بلال: ذهب النبي ﷺ لحاجته، ثم توضأ فغسل وجهه ويديه، ومسح برأسه، ومسح على الخفين ثم صلى)].
كل هذه أحاديث متواترة معروفة.
وأما لفظة (الأسواق) الواردة في هذا الحديث فقد رويت بالفاء، أي: الأسواق.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أخبرنا سليمان بن داود والحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع -واللفظ له-، عن ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن أبي النضر عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عبد الله بن عمر عن سعد بن أبي وقاص عن رسول الله ﷺ : (أنه مسح على الخفين).
أخبرنا قتيبة قال: حدثنا إسماعيل -وهو ابن جعفر - عن موسى بن عقبة عن أبي النضر عن أبي سلمة عن سعد بن أبي وقاص عن رسول الله ﷺ في المسح على الخفين: (أنه لا بأس به).
أخبرنا علي بن خشرم قال: حدثنا عيسى عن الأعمش عن مسلم عن مسروق عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: (خرج النبي ﷺ لحاجته، فلما رجع تلقيته بإداوة فصببت عليه فغسل يديه، ثم غسل وجهه، ثم ذهب ليغسل ذراعيه فضاقت به الجبة، فأخرجهما من أسفل الجبة فغسلهما ومسح على خفيه، ثم صلى بنا)].
حديث المغيرة قد سبق، وفيه جواز لبس الضيق، وجواز لبس الثياب التي من بلاد الكفار.
قوله: (ثم صلى بنا) يحتمل أن يكون في حادثة أخرى غير التي صلى فيها عبد الرحمن بن عوف.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة بن سعيد قال: حدثنا الليث بن سعد عن يحيى عن سعد بن إبراهيم عن نافع بن جبير عن عروة بن المغيرة عن أبيه المغيرة ﵁ عن رسول الله ﷺ : (أنه خرج لحاجته فاتبعه المغيرة بإداوة فيها ماء، فصب عليه حتى فرغ من حاجته، فتوضأ ومسح على الخفين)].
стр. 221
المسح على الخفين في السفر
стр. 222
شرح حديث المغيرة: (كنت مع النبي ﷺ في سفر)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب المسح على الخفين في السفر.
أخبرنا محمد بن منصور قال: حدثنا سفيان قال: سمعت إسماعيل بن محمد بن سعد قال: سمعت حمزة بن المغيرة بن شعبة يحدث عن أبيه ﵁ قال: (كنت مع النبي ﷺ في سفر فقال: تخلف يا مغيرة وامضوا أيها الناس! فتخلفت ومعي إداوة من ماء ومضى الناس، فذهب رسول الله ﷺ لحاجته، فلما رجع ذهبت أصب عليه وعليه جبة رومية ضيقة الكمين، فأراد أن يخرج يده منها فضاقت عليه، فأخرج يده من تحت الجبة فغسل وجهه ويديه، ومسح برأسه، ومسح على خفيه)].
هذا الحديث استدل به المؤلف ﵀ على مشروعية المسح على الخفين في السفر، وهو كذلك؛ فإن مسح الخفين ثابت، وهو من الأمور المتواترة في الحضر وفي السفر، فالنبي ﷺ مسح على خفيه في الحضر وفي السفر، ففي السفر يمسح على خفيه ثلاثة أيام بلياليها، وفي الحضر يمسح يوماً وليلة، كما ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة.
وفيه جواز الإعانة في صب الماء للمتوضئ، وأنه لا بأس أن يعين المرء أخاه فيصب عليه الماء وهو يتوضأ، ولهذا أمر النبي ﷺ المغيرة أن يصب، فكان يصب عليه الماء وهو يتوضأ، فإذا كان الإنسان يصب عليه الماء فيغسل وجهه، ثم يصب عليه فيغسل يديه، ثم يصب عليه فيمسح رأسه، ثم يصب عليه فيغسل رجليه؛ فلا حرج، كما استعان النبي ﷺ بـ المغيرة في صب الماء، وإنما الخلاف في كون الإنسان هو الذي يوضئه، بمعنى أنه يمسح أو يغسل أعضاء غيره، فإذا كان المرء مريضاً فلا بأس، فينوي المريض الوضوء والذي يعينه يغسل وجهه إذا كان لا يستطيع، ثم يغسل يده اليمنى، ثم يده اليسرى، وأما إذا كان صحيحاً فإنه يتولى هذا بنفسه، ولا بأس بأن يصب عليه غيره الماء.
وفيه دليل على جواز لبس الثياب التي ترد من الكفار؛ لأن النبي ﷺ لبس جبة رومية من بلاد الشام، وكانت بلاد الشام في ذلك الوقت بلاد كفار، ولم تفتح إلا بعد وفاة النبي ﷺ ، فدل على أنه لا حرج في أن يلبس الإنسان الملابس التي وردت من الكفار، ويستعمل السيارات التي جاءت من عندهم.
وفيه دليل على أنه لا بأس بلبس الثوب الضيق الكمين، ولهذا ضاقت هذه الجبة على النبي ﷺ ، فلما أراد أن يغسل يديه ضاقت عليه فأخرجهما من أسفل.
стр. 223
التوقيت في المسح على الخفين للمسافر
стр. 224
شرح حديث صفوان بن عسال في الرخصة في ترك الخفين والمسح عليهما ثلاثة أيام في السفر
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب التوقيت في المسح على الخفين للمسافر.
أخبرنا قتيبة قال: حدثنا سفيان عن عاصم عن زر عن صفوان بن عسال ﵁ قال: (رخص لنا النبي ﷺ إذا كنا مسافرين ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن)].
هذا الحديث فيه توقيت المسح على الخفين للمسافر، وأنه يمسح على الخفين ثلاثة أيام بلياليها، وللمسافر -كذلك- أن يقصر الرباعية، فيقصر الظهر والعصر والعشاء، وله أن يفطر في رمضان.
وفي هذا التوقيت دليل على أنه إذا مضت المدة يجب نزع الخف، وأنه تبطل الطهارة بمضي المدة، وهذا هو الصواب الذي عليه جمهور العلماء؛ لأن هذا هو معنى التوقيت، فكون النبي ﷺ يوقت ثلاثة أيام ولياليهن دليل على أنه إذا مضت المدة يجب نزع الخف، ثم يتطهر ويتوضأ، ثم يلبسهما بعد ذلك، فإذا لبس الخف ثم نزعه انتقضت الطهارة، وكذلك إذا مضت المدة، فإذا مضى يوم وليلة للمقيم انتقضت الطهارة، وعليه أن يخلع، وإذا مضت ثلاثة أيام ولياليها في السفر كان عليه أن ينزع الخف لمضي المدة؛ لأن هذا هو معنى التوقيت.
وإذا لبس المرء الجوربين ثم لبس عليهما الخفين فحكمهما واحد في المسح، وأما إذا لبس الجوربين ومسح عليهما ثم لبس الخفين بعد ذلك فالحكم للجوربين، ولا يضر نزع الخفين.
стр. 225
إسناد آخر لحديث صفوان في الرخصة في ترك الخفين والمسح عليهما ثلاثة أيام في السفر
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أخبرنا أحمد بن سليمان الرهاوي قال: حدثنا يحيى بن آدم قال: حدثنا سفيان الثوري ومالك بن مغول وزهير وأبو بكر بن عياش وسفيان بن عيينة عن عاصم عن زر قال: (سألت صفوان بن عسال عن المسح على الخفين، فقال: كان رسول الله ﷺ يأمرنا إذا كنا مسافرين أن نمسح على خفافنا ولا ننزعها ثلاثة أيام من غائط وبول ونوم، إلا من جنابة)].
هذا فيه دليل على أن مسح الخفين يكون من الغائط والبول والنوم إذا لبس الخفين على طهارة، ففي حديث المغيرة لما كان يصب على النبي ﷺ قال: (فأهويت لأنزع خفيه، فقال: دعهما؛ فإني أدخلتهما طاهرتين)، فدل على أنه لا بد من اشتراط لبسهما على طهارة، فإذا لبسهما على طهارة فإنه يمسح عليهما ثلاثة أيام ولياليهن إذا كان مسافراً، ويوماً وليلة إذا كان مقيماً، ويمسح عليهما إذا أحدث من غائط أو بول أو نوم أو أكل لحم الجزور، وأما إذا أصابته جنابة فإنه لا يمسح على الخفين، بل يجب نزعهما، ولهذا قال: (إلا من جنابة) سواء أكان في سفر أم في حضر، وإنما يمسح عليهما من الحدث الأصغر، كما إذا أحدث من البول والغائط والنوم وأكل لحم الجزور ومس الفرج باليد، ففي هذه الأحوال يكون الحدث حدثاً أصغر، فيمسح على الخفين، أما إذا أصابته جنابة فإنه لابد من أن ينزع الخفين ويعمم جسده بالماء.
والنوم الذي ينقض الوضوء هو النوم المستغرق الذي يزول معه الإحساس، بحيث لا يشعر بمن حوله، ولو خرج منه حدث لا يشعر، أما خفقان الرأس والنعاس الذي يسمع معه من حوله، ولو خرج منه حدث علم به فإنه لا يضر، فقد كان الصحابة ينتظرون صلاة العشاء وتخفق رءوسهم فيصلون ولا يتوضئون.
стр. 226
التوقيت في المسح على الخفين للمقيم
стр. 227
شرح حديث علي في بيان مدة مسح الخفين للمسافر والمقيم
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب التوقيت في المسح على الخفين للمقيم.
أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قال: أنبأنا عبد الرزاق قال: أنبأنا الثوري عن عمرو بن قيس الملائي عن الحكم بن عتيبة عن القاسم بن مخيمرة عن شريح بن هانئ عن علي ﵁ قال: (جعل رسول الله ﷺ للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، ويوماً وليلة للمقيم) يعني: في المسح].
هذا واضح، وفيه التوقيت بيوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيام ولياليهن للمسافر.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أخبرنا هناد بن السري عن أبي معاوية عن الأعمش عن الحكم عن القاسم بن مخيمرة عن شريح بن هانئ قال: سألت عائشة ﵂ عن المسح على الخفين فقالت: ائت علياً؛ فإنه أعلم بذلك مني، فأتيت علياً فسألته عن المسح، فقال: (كان رسول الله ﷺ يأمرنا أن يمسح المقيم يوماً وليلة، والمسافر ثلاثاً)].
واشتراط لبسهما على طهارة هو في حق من أراد أن يسمح عليهما، وأما من لم يرد فلا حرج عليه.
стр. 228
صفة الوضوء من غير حدث
стр. 229
شرح حديث علي في صفة وضوء من لم يحدث
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب: صفة الوضوء من غير حدث.
أخبرنا عمرو بن يزيد قال: حدثنا بهز بن أسد قال: حدثنا شعبة عن عبد الملك بن ميسرة قال: سمعت النزال بن سبرة قال: (رأيت علياً ﵁ صلى الظهر ثم قعد لحوائج الناس، فلما حضرت العصر أتى بتور من ماء فأخذ منه كفاً فمسح به وجهه وذراعيه ورأسه ورجليه، ثم أخذ فضله فشرب قائماً، وقال: إن ناساً يكرهون هذا، وقد رأيت رسول الله ﷺ يفعله، وهذا وضوء من لم يحدث)].
هذا الحديث فيه ذكر نوع آخر من تجديد الوضوء، وهو مسح الأعضاء الأربعة: الوجه واليدين والرأس والرجلين، بأن يأخذ كفاً من ماء فيكتفي به ويمسح وجهه ويديه ورأسه ورجليه، فهذا وضوء من لم يحدث، وأما طهور المحدث فلا بد فيه من غسل الأعضاء بالترتيب: فالوجه، ثم اليدان، ثم مسح الرأس، ثم غسل الرجلين.
وقد جاء ما يدل على أن تجديد الوضوء يكون وضوءاً كاملاً، فعلى هذا يكون التجديد نوعين: نوع يسبغ فيه الوضوء، ونوع يمسح فيه الأعضاء الأربعة.
والمسح يأتي بمعنى الغسل الخفيف، لكن الأصل أنه المسح المعروف، وهنا ذكر أنه أخذ الماء بكف واحد، وهذا يدل على أنه مسح، وإلا فالمسح يأتي بمعنى الغسل الخفيف، ومنه قول العرب: تمسحت للصلاة.
وبه أجيب عن قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة:٦].
فقيل: المراد: امسحوا برءوسكم وامسحوا بأرجلكم، وهو الغسل الخفيف.
وقد جاء في حديث: (من توضأ على طهر كتب الله له عشر حسنات) وهذا الحديث ضعيف، لكن إذا أحب المرء أن يجدد من باب النشاط كان له ذلك، كما فعل علي، وكما كان يفعله النبي ﷺ .
وأما قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة:٦].
فهذه الآية في تأوليها أقوال للمفسرين ذكرها الحافظ ابن كثير ﵀ وغيره، حيث قال بعضهم: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ [المائدة:٦] أي: إذا قمتم محدثين ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة:٦].
وقال بعضهم: إن قوله تعالى: ((إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ)) يعني: إن كنتم محدثين فالوضوء واجب، (فاغسلوا وجوهكم) وجوباً، وإن كنتم غير محدثين ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ [المائدة:٦] استحباباً.
والمقصود أن النصوص في السنة بينت هذه الآية، وأن الوضوء إنما يجب على المحدث، وأما غير المحدث فلا يجب عليه وإنما يستحب له، كما فعل علي ﵁ الله تعالى عنه وقال: (هذا وضوء من لم يحدث)، فالذي لم يحدث له أن يجدد الوضوء، وله أن يمسح الأعضاء الأربعة.
وفيه دليل على جواز الشرب حال القيام، كما فعل علي ﵁، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه شرب قائماً في حجة الوداع، وذلك حين جاء إلى زمزم وهم يسقون، فأعطوه دلواً من ماء فشرب قائماً.
وأما الأحاديث التي فيها النهي عن الشرب حال القيام فهي محمولة على التنزيه جمعاً بين النصوص؛ لأن القاعدة عند أهل العلم أن النبي ﷺ إذا نهى عن شيء ثم فعله دل على أن النهي ليس للتحريم وإنما هو للتنزيه، وهذا هو الصواب في هذه المسألة.
وقد ذهب العلامة ابن القيم ﵀ في زاد المعاد إلى تحريم الشرب حال القيام، وهذا ليس بجيد، والصواب جوازه؛ لفعل النبي ﷺ ؛ لأن النبي ﷺ إنما فعله لبيان جوازه، وأما النهي فهو محمول على التنزيه.
وهذا الحديث أخرجه البخاري مختصراً والترمذي في الشمائل.
стр. 230
شرح سنن النسائي_ كتاب الطهارة [٨]
لقد كان من هديه ﷺ الوضوء لكل صلاة، وكان أحياناً يصلي الصلوات بوضوء واحد.
وقد أمر النبي ﷺ بإسباغ الوضوء، كما أنه أمر بعدم التعدي في الوضوء والزيادة على ثلاث مرات.
وقد بين النبي ﷺ فضل الإسباغ وتكفيره الخطايا به ورفعه للدرجات.
стр. 231
الوضوء لكل صلاة
стр. 232
شرح حديث أنس في توضئه ﷺ لكل صلاة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الوضوء لكل صلاة.
أخبرنا محمد بن عبد الأعلى حدثنا خالد حدثنا شعبة عن عمرو بن عامر عن أنس ﵁ أنه ذكر (أن النبي ﷺ أتي بإناء صغير فتوضأ.
قلت: أكان النبي ﷺ يتوضأ لكل صلاة؟ قال: نعم.
قال: فأنتم؟ قال: كنا نصلي الصلوات ما لم نحدث.
قال: وقد كنا نصلي الصلوات بوضوء)].
قوله: (نصلي الصلوات) يعني: نصلي عدداً من الصلوات، فلا بأس بأن يصلي المسلم عدداً من الصلوات بوضوء واحد، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه صلى يوم الفتح الصلوات الخمس بوضوء واحد، فقال له عمر ﵁: فعلت شيئاً لم تكن تفعله! فقال: (عمداً فعلته يا عمر)؛ لبيان الجواز.
وأما حديث أنس هنا أن النبي ﷺ كان يتوضأ لكل صلاة فالمراد به في الأغلب، فالغالب أنه ﵊ كان يتوضأ لكل صلاة، وقد جمع عدة صلوات بوضوء واحد في يوم الفتح.
стр. 233
شرح حديث: (إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أخبرنا زياد بن أيوب قال: حدثنا ابن علية قال: حدثنا أيوب عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس ﵄: (أن رسول الله ﷺ خرج من الخلاء فقرب إليه طعام، فقالوا: ألا نأتيك بوضوء؟ فقال: إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة)].
هذا الحديث فيه أنه لا حرج في أن يأكل الإنسان ويشرب وهو محدث، ولا يقال: يشرع الوضوء للأكل والشرب، وإنما هذا للجنب، فالجنب يستحب له إذا أراد أن ينام أو يأكل أو يشرب أن يتوضأ، وأما غير الجنب فلا، فالإنسان إذا خرج من الخلاء بعد بول أو غائط فله أن يأكل ويشرب ولا يستحب له الوضوء، ولهذا لما قرب إلى النبي ﷺ الطعام حين خرج من الخلاء وعرض عليه الماء ليتوضأ أخبرهم أن الوضوء للقيام إلى الصلاة.
стр. 234
شرح حديث: (كان رسول الله يتوضأ لكل صلاة)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عبيد الله بن سعيد قال: حدثنا يحيى عن سفيان قال: حدثنا علقمة بن مرثد عن ابن بريدة عن أبيه ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يتوضأ لكل صلاة، فلما كان يوم الفتح صلى الصلوات بوضوء واحد، فقال له عمر: فعلت شيئاً لم تكن تفعله، قال: عمداً فعلته يا عمر!)].
هذا الحديث رواه البخاري في الصحيح، وفيه جواز جمع الصلوات بوضوء واحد، وكذلك التيمم عند المحققين من العلماء، فله أن يصلي الصلوات بتيمم واحد ما لم يحدث أو يجد الماء.
وذهب الجمهور إلى أنه لا يجمع بين الصلاتين فأكثر بتيمم واحد؛ لأن التيمم إنما تستباح به الصلاة، فيتيمم للصلاة الحاضرة، ويصلي معها النوافل القبلية والبعدية، لكن لا يصلي صلاة أخرى بهذا التيمم؛ لأن التيمم استباحة للصاة، وهذا هو الذي ذهب إليه الجمهور.
وذهب المحققون -كشيخ الإسلام ابن تيمية - إلى أن التيمم قائم مقام الماء؛ لأن الله تعالى سماه الله على لسان نبيه طهوراً، حيث قال ﷺ : (وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً)، فيقوم مقام الماء ما لم يحدث أو يجد الماء.
стр. 235
النضح على الفرج بعد الوضوء
стр. 236
شرح حديث سفيان الثقفي في نضح رسول الله على فرجه بعد الوضوء
أخبرنا إسماعيل بن مسعود قال: حدثنا خالد بن الحارث عن شعبة عن منصور عن مجاهد عن الحكم عن أبيه ﵁: (أن رسول الله ﷺ كان إذا توضأ أخذ حفنة من ماء فقال بها: هكذا.
ووصف شعبة: نضح به فرجه.
فذكرته لـ إبراهيم فأعجبه).
قال الشيخ ابن السني: الحكم هو ابن سفيان الثقفي ﵁].
قوله: (إذا توضأ أخذ حفنة من ماء فنضح بها فرجه) معناه: استنجي ثم نضح فرجه ثم توضأ، فيكون النضح بعد الاستنجاء وقبل الوضوء، كما جاء في الحديث الآخر: (إذا دخل أحدكم الخلاء فليقل: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث) يعني: إذا أراد دخول الخلاء، وكما قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل:٩٨] يعني: إذا أردت قراءة القرآن، وهنا: (كان إذا توضأ نضح فرجه) يعني: إذا أراد أن يتوضأ نضح فرجه.
стр. 237
شرح حديث سفيان الثقفي: (رأيت رسول الله توضأ ونضح فرجه)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أخبرنا العباس بن محمد الدوري قال: حدثنا الأحوص بن جواب قال: حدثنا عمار بن رزيق عن منصور.
ح وأخبرنا أحمد بن حرب قال: حدثنا قاسم -وهو ابن يزيد الجرمي - قال: حدثنا سفيان قال: حدثنا منصور عن مجاهد عن الحكم بن سفيان ﵁ قال: (رأيت رسول الله ﷺ توضأ ونضح فرجه) قال أحمد: فنضح فرجه].
هذا فيه -أيضاً- أن النضح تأخر عن الوضوء، وهو محمول على أن النضح يتقدم على الوضوء.
وهذا الحديث أخرجه أبو داود وابن ماجة.
ورواته في الإسناد الأول هم: إسماعيل بن مسعود الجحدري أبو مسعود، ثقة، وخالد بن الحارث بن عبيد أبو عثمان، ثقة، والأحوص بن جواب صدوق ربما وهم، وهو بفتح الجيم وتشديد الواو، يكنى أبا الجواب، كوفي، وعمار بن رزيق بتقديم الراء، مصغر، الضبي أو التميمي، لا بأس به، وأحمد بن حرب صدوق.
فهذا الحديث فيه ثبوت النضح؛ لأن معناه أن النبي ﷺ كان ينضح فرجه، أي: كان يرش على ما حوله، فإن ثبت كان هذا لبيان الجواز، فمن كان عنده خواطر ووساوس فإنه ينضح فرجه ويرش بعد الاستنجاء لقطع الوساوس، فيكون هذا محمولاً على الجواز في حق من كان عنده شيء من الوساوس والخواطر، فإن عليه بعد أن يستنجى أن يرش على ما حول فرجه من الثياب حتى يقطع الوساوس ولا يبقى عنده شك، فإذا أصابه شيء قال: هذا من رطوبة الماء، فينقطع الوساوس، بخلاف ما إذا لم يرش فإنه قد يكون عنده وساوس، ويتوهم أنه خرج من فرجه شيء، فإذا رش ما حوله من الثياب كان في ذلك قطع الوساوس.
ولا يلزم من النضح أن يمس الفرج، فإن فعل انتقض الوضوء.
قال السندي في قوله: (نضح): قيل: هو الاستنجاء بالماء، وعلى هذا معنى: (إذا توضأ) أي: أراد أن يتوضأ.
وقيل: رش الفرج بالماء بعد الاستنجاء؛ ليدفع به وسوسة الشيطان، وعليه الجمهور، وكأنه يؤخره أحياناً إلى الفراغ من الوضوء، والله تعالى أعلم.
أي: أن المراد هو النضح على الثياب، وإذا حمل على الاستنجاء زال الإشكال، ويكون موافقاً الأحاديث الأخرى.
стр. 238
الانتفاع بفضل الوضوء
стр. 239
شرح حديث علي في الشرب من فضل الوضوء
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب: الانتفاع بفضل الوضوء.
أخبرنا أبو داود سليمان بن سيف قال: حدثنا أبو عتاب قال: حدثنا شعبة عن أبي إسحاق عن أبي حية قال: (رأيت علياً ﵁ توضأ ثلاثاً ثلاثاً، ثم قام فشرب فضل وضوئه، وقال: صنع رسول الله ﷺ كما صنعت)].
هذا فيه أنه لا بأس بالانتفاع بفضل الوضوء بالشرب، وأن الإنسان إذا توضأ وبقي فضل فشربه فلا حرج عليه، فالباقي من الوضوء ينتفع به بالشرب والغسل والطبخ، ولا حرج في ذلك.
وفيه جواز الشرب حال القيام وأنه ليس بمحرم.
стр. 240
شرح حديث أبي جحيفة في نيله من فضل وضوء رسول الله
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن منصور عن سفيان قال: حدثنا مالك بن مغول عن عون بن أبي جحيفة عن أبيه ﵁ قال: (شهدت النبي ﷺ بالبطحاء وأخرج بلال فضل وضوئه فابتدره الناس، فنلت منه شيئاً، ورُكِزت له العنزة فصلى بالناس والحمر والكلاب والمرأة يمرون بين يديه)].
وهذا الحديث رواه البخاري في الصحيح، وفيه مشروعية السترة حتى في مكة، ولهذا بوب البخاري فقال: (باب السترة في مكة وغيرها)، فدل على أن مكة ليس لها خصوصية أنه لا تشرع فيها السترة، بل السترة مشروعة للمصلي في مكة وفي غير مكة، لكن في المسجد الحرام إذا اشتد الزحام وعجز فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها.
وفيه أن الإنسان إذا صلى إلى السترة فلا يضره من مر من ورائها من الحمر والكلاب والنساء، وأما إذا لم يكن له سترة ومر حمار أو كلب أو امرأة بالغ قريباً منه فإن الصواب أنه تبطل الصلاة، لما ثبت في صحيح مسلم عن النبي ﷺ قال: (يقطع صلاة المرء -إذا لم يكن بين يديه مثل مؤخرة الرحل- المرأة، والحمار، والكلب).
وأما الجمهور فقد تأولوا هذا الحديث بأن المراد قطع الثواب، واستدلوا بأحاديث، منها: (لا يقطع الصلاة شيء) لكنه حديث ضعيف، والصواب أنها تبطل.
وفيه التبرك بآثار النبي ﷺ ، وهذا خاص به ﵊ في حياته، ولهذا ابتدر الناس وضوءه، وصاروا يأخذون القطرات مما توضأ منه، وفي رواية البخاري: (فمن نائل منه وناضح)، فكانوا يأخذون القطرات ويتبركون بها؛ لما جعل الله في جسده ﵊ وما لمس جسمه من البركة، ويمسحون وجوههم وأيديهم.
وكان إذا تفل أو تنخم صارت نخامته في يد واحد من الصحابة يدلك بها وجهه وجسمه، ولما نام عند أم سليم -وكان بينه وبينها محرمية- فعرق سلتت العرق، فجعلته في قارورة مع طيب لها، وقالت: إنه لأطيب الطيب.
فهذا من خصائصه ﷺ ولا يقاس عليه غيره، ولهذا لم يفعل الصحابة هذا مع أبي بكر ولا مع عمر؛ لأن هذا من وسائل الشرك، ويؤدي إلى الغلو، فهو خاص بالنبي ﷺ في حياته.
وفي الحديث الأول الانتفاع بفضل الوضوء بالشرب، وفي هذا الانتفاع بفضل وضوء النبي ﷺ بالتبرك.
وقد كانت عائشة ﵂ ترى أن مرور المرأة بين يدي المصلي لا يقطع الصلاة كما ما ذهب إليه الجمهور، وقالت: شبهتمونا بالحمير والكلاب! وقد رأيتني وأنا معترضة أمام النبي ﷺ وهو يصلي.
وقد ظنت ﵂ أن هذا مرور، وهذا ليس بمرور، فكون المرء ينام أمام المصلي لا يعتبر مروراً، بل المرور هو أن يأتي المرء من هذا الجانب إلى هذا الجانب.
وأما المرور بين يدي الصف فليس كالمرور بين يدي الإمام؛ إذ المأموم تابع للإمام، وفي قصة مرور ابن عباس بين الصوف لم يذكر أنه مر بين يدي النبي ﷺ .
стр. 241
شرح حديث جابر في صب رسول الله وضوءه عليه في مرضه
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن منصور عن سفيان قال: سمعت ابن المنكدر يقول: سمعت جابراً يقول: (مرضت فأتاني رسول الله ﷺ وأبو بكر يعوداني، فوجداني قد أغمي علي، فتوضأ رسول الله ﷺ فصب علي وضوءه)].
هذا الحديث فيه الانتفاع بفضل الوضوء بالصب على المريض المغمى عليه، وصب الماء على المريض مفيد، سواء أكان من الوضوء أم من غيره، لا سيما إذا كان المرض من الحمى التي يفيد فيها الماء؛ لأن الحمى أنواع، فبعضها قد يفيد فيها الماء، وبعضها لا يفيد فيها الماء، ففيه الصب على المغمى عليه أو على المريض من ماء الوضوء أو غيره.
والصب من الوضوء خاص بالنبي ﷺ ، وأما غيره فيَصُب من أي ماء، لكن إذا توضأ الإنسان وبقي من وضوئه فضله فله أن ينتفع بصبه على المريض، وله أن ينتفع به بالشرب، وله أن ينتفع به بالأكل.
стр. 242
فرض الوضوء
стр. 243
شرح حديث: (لا يقبل الله صلاة بغير طهور)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب فرض الوضوء.
أخبرنا قتيبة قال: حدثنا أبو عوانة عن قتادة عن أبي المليح عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يقبل الله صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول)].
هذا لفظ مسلم في صحيحه، وفيه أن الوضوء شرط في صحة الصلاة، وأن الصلاة لا تصح إلا بالوضوء.
قوله: (ولا يقبل صدقة من غلول) الغلول: هو الأخذ من الغنية قبل قسمتها، ومثله الأخذ من بيت المال أو من الأوقاف، فإذا أخذ غلولاً ثم تصدق به فإن صدقته لا تقبل؛ لأنها من كسب حرام، فلا تقبل الصدقة من غلول، ولا تقبل الصلاة بغير وضوء؛ لأن الوضوء شرط لصحة الصلاة، فمن صلى بغير وضوء فإن صلاته باطلة، بل إن بعض العلماء قال: إذا تعمد ذلك كفر وارتد، والعياذ بالله؛ لأنه مستهزئ بربه.
стр. 244
الاعتداء في الوضوء
стр. 245
شرح حديث: (فمن زاد على هذا فقد أساء وتعدى وظلم)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الاعتداء في الوضوء.
أخبرنا محمود بن غيلان قال: حدثنا يعلى قال: حدثنا سفيان عن موسى بن أبي عائشة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: (جاء أعرابي إلى النبي ﷺ يسأله عن الوضوء، فأراه الوضوء ثلاثاً ثلاثاً، ثم قال: هكذا الوضوء، فمن زاد على هذا فقد أساء وتعدى وظلم)].
هذا الحديث فيه أن الوضوء حده الثلاث، وقد ثبت أن النبي ﷺ توضأ مرة مرة، ومرتين مرتين، وثلاثاً ثلاثاً، وتوضأ مخالفاً.
وفيه أنه من زاد على ثلاث فقد أساء وتعدى وظلم، وبيان أن هذا من العدوان، ولا يجوز للإنسان أن يزيد على ثلاث في كل عضو، والمراد بالمرة ما عُمم به العضو، فإذا عمم العضو بالماء فهذه تعد غسلة، سواء أحصل بغرفة أو بغرفتين.
والسنة أن يتوضأ المرء ثلاثاً ثلاثاً، وهذا هو الأصل، وإن توضأ مرتين مرتين، أو مرة مرة أو مخالفاً أجزأ ذلك، ولا يزد على ثلاث، فالزيادة على الثلاث عدوان؛ لقوله ﷺ : (فقد أساء وتعدى وظلم).
وقد جاء في بعض ألفاظ الحديث: (فمن زاد على هذا أو نقص).
وزيادة (أو نقص) فيها نظر، وهي وهم من بعض الرواة؛ لأن النقص لا يعتبر إساءة، وقد ثبت أن النبي ﷺ توضأ ثلاثاً ثلاثاً، ومرتين مرتين، ومرة مرة، وتوضأ مخالفاً.
стр. 246
الأمر بإسباغ الوضوء
стр. 247
شرح حديث ابن عباس في أمر رسول الله لهم بإسباغ الوضوء
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [الأمر بإسباغ الوضوء: أخبرنا يحيى بن حبيب بن عربي قال: حدثنا حماد قال: حدثنا أبو جهضم قال: حدثني عبد الله بن عبيد الله بن عباس قال: (كنا جلوساً إلى عبد الله بن عباس ﵂ فقال: والله ما خصنا رسول الله ﷺ بشيء دون الناس إلا بثلاثة أشياء: فإنه أمرنا أن نسبغ الوضوء، ولا نأكل الصدقة، ولا ننزي الحمر على الخيل).
أخبرنا قتيبة قال: حدثنا جرير عن منصور عن هلال بن يساف عن أبي يحيى عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : (أسبغوا الوضوء)].
هذا الحديث فيه أن النبي ﷺ خص أهل البيت بهذه الأشياء الثلاثة: إسباغ الوضوء، وترك أكل الصدقة، وعدم إنزاء الحمر على الخيل، وهذه ليست خاصة بهم، وإنما المراد مزيد التأكيد، فإن إسباغ الوضوء مأمور به كل مسلم، كما سيأتي في الحديث الذي بعده: (أسبغوا الوضوء)، وإسباغ الوضوء معناه: إبلاغه وإتمامه، وتفقد ما ينبو عنه الماء، وهذا مأمور به كل مسلم.
وإسباغ الوضوء على المكاره مما يرفع الله به الدرجات، ويحط به الخطايا، ولكن أهل البيت لهم مزيد التأكيد.
وأما إنزاء الحمر على الخيل فهذا قد نهي عنه أيضاً أهل البيت وغيرهم، والحمر: جمع حمار، والمراد بالإنزاء: أن يدع المرء الذكر من الحمر ينزوا على الأنثى من الخيل، فتحمل منه فتأتي بالبغل، فالبغل هو المتولد من الحمار والخيل، فأبوه حمار وأمه من فصيلة الخيل، والخيل حلال يجوز أكله؛ لقول أسماء ﵂: (نحرنا على عهد رسول الله ﷺ فرساً فأكلنا لحمه)، وأما البغل فحرام الأكل؛ لأنه متولد من حلال وحرام.
والنهي عن إنزاء الحمر على الخيل إنما هو لئلا يتولد منهما البغل، وفي هذا تقليل لنسل الخيل، والبغل ليس له القوة والجلد والخفة، فلهذا نهي عن إنزاء الحمر على الخيل، ولا ينافي هذا كون النبي ﷺ كان يستخدم البغل، وكذلك من الله تعالى به على العباد بقوله: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل:٨]، فهذا إنما هو بعد وجودها، فلا بأس عندئذٍ باستعمالها، وأما إنزاء الحمر على الخيل فلا يفعله إلا عاص أو كافر، فإذا أنزى الحمار على الخيل عاص أو كافر وتولد من ذلك البغل فلا بأس بأن تركب على البغل، فقد كان النبي ﷺ يركب البغل، كما أن الصور لا يجوز تصويرها، ولكن إذا وجدت الصورة وامتهنت في الفراش فلا بأس ببقائها، ولا تمنع دخول الملائكة، لكن التصوير محرم، فإذا صور إنسان وامتهنت الصورة بوطئها أو بالجلوس عليها فلا حرج في بقائها، وكذلك إنزاء الحمر على الخيل ممنوع، لكن إذا أنزى فاسق أو كافر حماراً على الخيل فأتت ببغل فلا بأس باستعمال البغل.
وأما الصدقة فقد قال النبي ﷺ : (لا تحل الصدقة لمحمد ولا لآل محمد) وبين أن علة ذلك أنها أوساخ الناس.
قال بعض العلماء: المحرم على النبي ﷺ صدقة الفريضة، أما صدقة التطوع فلا بأس بها له.
والذي يظهر من ظاهر النصوص أن النبي ﷺ لم يجز له صدقة التطوع ولا الفرض؛ وقد جاء في وصف النبي ﷺ أنه لا يأكل الصدقة، وأما أهل البيت فإنهم يأكلون صدقة التطوع دون صدقة الفرض.
وفي هذا الإسناد أبو جهضم، قال فيه ابن حجر: صدوق.
وفيه يحيى بن حبيب شيخ النسائي، قال فيه: ثقة، وعبد الله بن عبيد الله بن عباس قال فيه: ثقة.
فهذا الحديث لا بأس بسنده في الظاهر، وما فيه محمول على أنه لمزيد التأكيد، وليس خاصاً بأهل البيت، إلا الصدقة فلا يأكلها أهل البيت.
فالمقصود من ذلك اللفظ هو مزيد التأكيد، وقد ثبت أن علياً ﵁ خطب الناس وقال: إنه ليس عندنا شيء خصنا به النبي ﷺ إلا ما في هذه الصحيفة.
وهي صحيفة فيها أسنان الإبل، وأنه لا يقتل المسلم بالكافر، وهذا يرد على الشيعة الذين يقولون: إن آل البيت خصهم النبي ﷺ بشيء دون الناس.
فالمراد مزيد التأكيد؛ لأن هذه الأمور ليست خاصة بهم.
стр. 248
فضل إسباغ الوضوء
стр. 249
شرح حديث: (ألا أخبركم بما يمحو الله به الخطايا)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الفضل في ذلك.
أخبرنا قتيبة عن مالك عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: (ألا أخبركم بما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات؟ إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط)].
هذا الحديث فيه فضل هذه الأشياء الثلاثة: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، وبيان أن ذلك من الرباط، وكرر قوله: (فذلكم الرباط، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط)، للتأكيد، والرباط: هو ملازمة الثغور، وهي حدود الدولة الإسلامية؛ حتى لا يأتي الأعداء، فالجيش المرابط على حدود الدولة الإسلامية يقال له: مرابط.
والمرابطة لها أجر عظيم، والرباط في سبيل الله من أفضل القربات وأجل الطاعات، وأفضل من التعبد في المسجد الحرام، ولهذا قال الله تعالى منكراً على المشركين: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [التوبة:١٩].
فالجهاد في سبيل الله والرباط من أفضل الأعمال وأجل القربات وأفضل العبادات؛ إذ إن بعض الأعمال نفعه قاصر، بخلاف الجهاد فإن نفعه متعد، فالرباط وملازمة حدود الدولة الإسلامية حتى لا يأتي الأعداء منها، من أفضل القربات.
وقد جعل النبي ﷺ هذه الثلاثة من الرباط، وأولها: إسباغ الوضوء، أي: إبلاغه وإتمامه، ولا سيما عند المكاره، أي: في وقت البرد ووقت الحر.
وثانيها: انتظار الصلاة بعد الصلاة، وليس المراد أنه يجلس في المسجد ولا يخرج، بل المعنى أنه ينتظرها بقلبه، فكلما انتهت الصلاة انتظر الصلاة الأخرى، فقلبه معلق بالمسجد وإن خرج؛ فإن النبي ﷺ كان يخرج ولا يجلس في المسجد، كان يخرج لقضاء حوائج المسلمين، وتبليغ الإسلام والدين، ومقابلة الوفود، والإجابة على الأسئلة، وكذلك المسلم يحتاج إلى قضاء حوائج أهله، وزيارة إخوانه، فإن جلس في المسجد فاتت هذه المصالح، فالمعنى أنه ينتظرها بقلبه وعنايته، فكلما انقضت صلاة انتظر الصلاة الأخرى، وإذا جلس في بعض الأحيان لقراءة القرآن أو الذكر أو حضور درس للتعلم أو التعليم، وانتظر الصلاة إلى الصلاة؛ فهذا نور على نور، ويكون هذا من الرباط.
стр. 250
ثواب من توضأ كما أمر
следующие страницы →