← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 37016

شرح سنن النسائي - الراجحي

عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

Полный текст (589 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

الأمر بإسباغ الوضوء

стр. 247

شرح حديث ابن عباس في أمر رسول الله لهم بإسباغ الوضوء قال المؤلف رحمه الله تعالى: [الأمر بإسباغ الوضوء: أخبرنا يحيى بن حبيب بن عربي قال: حدثنا حماد قال: حدثنا أبو جهضم قال: حدثني عبد الله بن عبيد الله بن عباس قال: (كنا جلوساً إلى عبد الله بن عباس ﵂ فقال: والله ما خصنا رسول الله ﷺ بشيء دون الناس إلا بثلاثة أشياء: فإنه أمرنا أن نسبغ الوضوء، ولا نأكل الصدقة، ولا ننزي الحمر على الخيل). أخبرنا قتيبة قال: حدثنا جرير عن منصور عن هلال بن يساف عن أبي يحيى عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : (أسبغوا الوضوء)]. هذا الحديث فيه أن النبي ﷺ خص أهل البيت بهذه الأشياء الثلاثة: إسباغ الوضوء، وترك أكل الصدقة، وعدم إنزاء الحمر على الخيل، وهذه ليست خاصة بهم، وإنما المراد مزيد التأكيد، فإن إسباغ الوضوء مأمور به كل مسلم، كما سيأتي في الحديث الذي بعده: (أسبغوا الوضوء)، وإسباغ الوضوء معناه: إبلاغه وإتمامه، وتفقد ما ينبو عنه الماء، وهذا مأمور به كل مسلم. وإسباغ الوضوء على المكاره مما يرفع الله به الدرجات، ويحط به الخطايا، ولكن أهل البيت لهم مزيد التأكيد. وأما إنزاء الحمر على الخيل فهذا قد نهي عنه أيضاً أهل البيت وغيرهم، والحمر: جمع حمار، والمراد بالإنزاء: أن يدع المرء الذكر من الحمر ينزوا على الأنثى من الخيل، فتحمل منه فتأتي بالبغل، فالبغل هو المتولد من الحمار والخيل، فأبوه حمار وأمه من فصيلة الخيل، والخيل حلال يجوز أكله؛ لقول أسماء ﵂: (نحرنا على عهد رسول الله ﷺ فرساً فأكلنا لحمه)، وأما البغل فحرام الأكل؛ لأنه متولد من حلال وحرام. والنهي عن إنزاء الحمر على الخيل إنما هو لئلا يتولد منهما البغل، وفي هذا تقليل لنسل الخيل، والبغل ليس له القوة والجلد والخفة، فلهذا نهي عن إنزاء الحمر على الخيل، ولا ينافي هذا كون النبي ﷺ كان يستخدم البغل، وكذلك من الله تعالى به على العباد بقوله: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل:٨]، فهذا إنما هو بعد وجودها، فلا بأس عندئذٍ باستعمالها، وأما إنزاء الحمر على الخيل فلا يفعله إلا عاص أو كافر، فإذا أنزى الحمار على الخيل عاص أو كافر وتولد من ذلك البغل فلا بأس بأن تركب على البغل، فقد كان النبي ﷺ يركب البغل، كما أن الصور لا يجوز تصويرها، ولكن إذا وجدت الصورة وامتهنت في الفراش فلا بأس ببقائها، ولا تمنع دخول الملائكة، لكن التصوير محرم، فإذا صور إنسان وامتهنت الصورة بوطئها أو بالجلوس عليها فلا حرج في بقائها، وكذلك إنزاء الحمر على الخيل ممنوع، لكن إذا أنزى فاسق أو كافر حماراً على الخيل فأتت ببغل فلا بأس باستعمال البغل. وأما الصدقة فقد قال النبي ﷺ : (لا تحل الصدقة لمحمد ولا لآل محمد) وبين أن علة ذلك أنها أوساخ الناس. قال بعض العلماء: المحرم على النبي ﷺ صدقة الفريضة، أما صدقة التطوع فلا بأس بها له. والذي يظهر من ظاهر النصوص أن النبي ﷺ لم يجز له صدقة التطوع ولا الفرض؛ وقد جاء في وصف النبي ﷺ أنه لا يأكل الصدقة، وأما أهل البيت فإنهم يأكلون صدقة التطوع دون صدقة الفرض. وفي هذا الإسناد أبو جهضم، قال فيه ابن حجر: صدوق. وفيه يحيى بن حبيب شيخ النسائي، قال فيه: ثقة، وعبد الله بن عبيد الله بن عباس قال فيه: ثقة. فهذا الحديث لا بأس بسنده في الظاهر، وما فيه محمول على أنه لمزيد التأكيد، وليس خاصاً بأهل البيت، إلا الصدقة فلا يأكلها أهل البيت. فالمقصود من ذلك اللفظ هو مزيد التأكيد، وقد ثبت أن علياً ﵁ خطب الناس وقال: إنه ليس عندنا شيء خصنا به النبي ﷺ إلا ما في هذه الصحيفة. وهي صحيفة فيها أسنان الإبل، وأنه لا يقتل المسلم بالكافر، وهذا يرد على الشيعة الذين يقولون: إن آل البيت خصهم النبي ﷺ بشيء دون الناس. فالمراد مزيد التأكيد؛ لأن هذه الأمور ليست خاصة بهم.

стр. 248

فضل إسباغ الوضوء

стр. 249

شرح حديث: (ألا أخبركم بما يمحو الله به الخطايا) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الفضل في ذلك. أخبرنا قتيبة عن مالك عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: (ألا أخبركم بما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات؟ إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط)]. هذا الحديث فيه فضل هذه الأشياء الثلاثة: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، وبيان أن ذلك من الرباط، وكرر قوله: (فذلكم الرباط، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط)، للتأكيد، والرباط: هو ملازمة الثغور، وهي حدود الدولة الإسلامية؛ حتى لا يأتي الأعداء، فالجيش المرابط على حدود الدولة الإسلامية يقال له: مرابط. والمرابطة لها أجر عظيم، والرباط في سبيل الله من أفضل القربات وأجل الطاعات، وأفضل من التعبد في المسجد الحرام، ولهذا قال الله تعالى منكراً على المشركين: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [التوبة:١٩]. فالجهاد في سبيل الله والرباط من أفضل الأعمال وأجل القربات وأفضل العبادات؛ إذ إن بعض الأعمال نفعه قاصر، بخلاف الجهاد فإن نفعه متعد، فالرباط وملازمة حدود الدولة الإسلامية حتى لا يأتي الأعداء منها، من أفضل القربات. وقد جعل النبي ﷺ هذه الثلاثة من الرباط، وأولها: إسباغ الوضوء، أي: إبلاغه وإتمامه، ولا سيما عند المكاره، أي: في وقت البرد ووقت الحر. وثانيها: انتظار الصلاة بعد الصلاة، وليس المراد أنه يجلس في المسجد ولا يخرج، بل المعنى أنه ينتظرها بقلبه، فكلما انتهت الصلاة انتظر الصلاة الأخرى، فقلبه معلق بالمسجد وإن خرج؛ فإن النبي ﷺ كان يخرج ولا يجلس في المسجد، كان يخرج لقضاء حوائج المسلمين، وتبليغ الإسلام والدين، ومقابلة الوفود، والإجابة على الأسئلة، وكذلك المسلم يحتاج إلى قضاء حوائج أهله، وزيارة إخوانه، فإن جلس في المسجد فاتت هذه المصالح، فالمعنى أنه ينتظرها بقلبه وعنايته، فكلما انقضت صلاة انتظر الصلاة الأخرى، وإذا جلس في بعض الأحيان لقراءة القرآن أو الذكر أو حضور درس للتعلم أو التعليم، وانتظر الصلاة إلى الصلاة؛ فهذا نور على نور، ويكون هذا من الرباط.

стр. 250

ثواب من توضأ كما أمر

стр. 251

شرح حديث: (من توضأ كما أمر وصلى كما أمر غفر له ما قدم من عمل) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثواب من توضأ كما أمر. أخبرنا قتيبة بن سعيد قال: حدثنا الليث عن أبي الزبير عن سفيان بن عبد الرحمن عن عاصم بن سفيان الثقفي أنهم غزوا غزوة السلاسل، ففاتهم الغزو فرابطوا، ثم رجعوا إلى معاوية وعنده أبو أيوب وعقبة بن عامر ﵃، فقال عاصم: يا أبا أيوب! فاتنا الغزو العام، وقد أخبرنا أنه من صلى في المساجد الأربعة غفر له ذنبه. فقال: يا ابن أخي! أدلك على أيسر من ذلك: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من توضأ كما أمر، وصلى كما أمر غفر له ما قدم من عمل) أكذلك يا عقبة؟ قال: نعم]. المساجد الأربعة المراد بها: المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى، ومسجد قباء، فمن صلى في هذه المساجد الأربعة فإنه -على ما ورد في هذا الحديث- يغفر له ذنبه. ولكن هذا من كلام عاصم بن سفيان الثقفي، وليس حديثاً مرفوعاً، والذي يقول هذا هو عاصم بن سفيان الثقفي، وهو متكلم فيه، والحديث فيه عنعنة أبي الزبير، فلا يثبت هذا. لكن الصلاة في المسجد الحرام والمسجد النبوي والأقصى قد ثبت الفضل فيها، وهو أن الصلاة في الحرام تعدل مائة ألف صلاة، وفي المسجد النبوي ألف صلاة، وفي المسجد الأقصى خمسمائة. قوله: [فقال: يا ابن أخي! أدلك على أيسر من ذلك: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من توضأ كما أمر، وصلى كما أمر غفر له ما قدم من عمل) أكذلك يا عقبة؟ قال: نعم]. هذا مرفوع، فـ أبو أيوب وعقبة صحابيان رفعا هذا إلى النبي ﷺ ، وفيه أن الوضوء من أسباب مغفرة الذنوب، والمراد الذنوب الصغائر إذا اجتنب المرء الكبائر وأدى الفرائض، لكن الحديث فيه عاصم بن سفيان الثقفي، وفيه أبو الزبير، إلا أن هذا المعنى ثابت في الأحاديث الصحيحة، كحديث حمران في وضوء عثمان وغيره، فله شواهد من الأحاديث الصحيحة تشهد له، وتدل على ما دل عليه.

стр. 252

شرح حديث: (من أتم الوضوء كما أمره الله فالصلوات الخمس كفارات لما بينهن) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا خالد عن شعبة عن جامع بن شداد قال: سمعت حمران بن أبان أخبر أبا بردة في المسجد أنه سمع عثمان يحدث عن رسول الله ﷺ يقول: (من أتم الوضوء كما أمره الله فالصلوات الخمس كفارات لما بينهن)]. هذا من فضل الله تعالى وإحسانه، فمن أتم الوضوء فصلواته كفارة لما بينهن، يعني: إذا اجتنب الكبائر، وهذا فيه بيان فضل الله وجوده ، وهو أن الوضوء من الكفارات للذنوب الصغائر، وكذلك الصلوات إذا اجتنب الكبائر وأدى الفرائض.

стр. 253

شرح حديث عثمان: (ما من امرئ يتوضأ فيحسن وضوءه) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن حمران مولى عثمان أن عثمان ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما من امرئ يتوضأ فيحسن وضوءه، ثم يصلي الصلاة إلا غفر له ما بينه وبين الصلاة الأخرى حتى يصليها)]. هذا كما سبق، وهو أن الصلوات من أسباب المغفرة، وهذا لمن اجتنب الكبائر، فالنصوص يضم بعضها إلى بعض، فالوضوء والصلاة سبب للمغفرة، ولكن لا بد من سبب آخر مع هذه الصفة وهو الإيمان لله ورسوله، ولابد من انتفاء الموانع واجتناب الكبائر، فلابد من ضم أسباب أخرى مساعدة، ولا بد من انتفاء الموانع، فالوضوء والصلاة سبب من أسباب المغفرة، لكن هذا السبب وحده لا يكفي، والأسباب الأخرى هي الإيمان بالله ورسوله، وأداء الفرائض كما دلت عليه النصوص الأخرى، ولا بد من انتفاء الموانع وهي اجتناب الكبائر.

стр. 254

شرح حديث عمرو بن عبسة في بيان تكفير الخطايا بالوضوء قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عمرو بن منصور قال: حدثنا آدم بن أبي إياس قال: حدثنا الليث -وهو ابن سعد - قال: حدثنا معاوية بن صالح قال: أخبرني أبو يحيى سليم بن عامر وضمرة بن حبيب وأبو طلحة نعيم بن زياد قالوا: سمعنا أبا أمامة الباهلي يقول: سمعت عمرو بن عبسة ﵁ يقول: قلت: يا رسول الله! كيف الوضوء؟ قال: (أما الوضوء، فإنك إذا توضأت فغسلت كفيك فأنقيتهما خرجت خطاياك من بين أظفارك وأناملك، فإذا مضمضت واستنشقت منخريك، وغسلت وجهك ويديك إلى المرفقين، ومسحت رأسك، وغسلت رجليك إلى الكعبين، اغتسلت من عامة خطاياك، فإن أنت وضعت وجهك لله خرجت من خطاياك كيوم ولدتك أمك). قال أبو أمامة: فقلت: يا عمرو بن عبسة! انظر ما تقول، أكل هذا يعطى في مجلس واحد؟! فقال: أما والله لقد كبرت سني ودنا أجلي، وما بي من فقر فأكذب على رسول الله ﷺ ، ولقد سمعته أذناي ووعاه قلبي من رسول الله ﷺ ]. يعني: لست مفتقراً إلى الكذب على رسول الله، فأنا محتاج إلى الحسنات. وهذا لبيان أنه متأكد من الحديث. وهذا كالأحاديث السابقة التي هي في بيان فضل الوضوء والصلاة. وعمرو بن منصور قال فيه ابن حجر: ثقة ثبت. وآدم بن أبي إياس، قال فيه: ثقة عابد، والليث بن سعد: ثقة ثبت فقيه إمام مشهور، ومعاوية بن صالح قال فيه: صدوق، وأبو يحيى سليم بن عامر: ثقة، وضمرة بن حبيب قال فيه: ثقة، وأبو طلحة نعيم بن زياد، قال فيه: ثقة يرسل. وهذا يعني: أن الحديث حسن، وإسناده على شرط مسلم.

стр. 255

القول بعد الفراغ من الوضوء

стр. 256

شرح حديث عمر: (من توضأ فأحسن الوضوء ثم قال) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [القول بعد الفراغ من الوضوء: أخبرنا محمد بن علي بن حرب المروزي قال: حدثنا زيد بن الحباب قال: حدثنا معاوية بن صالح عن ربيعة بن يزيد عن أبي إدريس الخولاني وأبي عثمان عن عقبة بن عامر الجهني عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من توضأ فأحسن الوضوء ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله؛ فتحت له ثمانية أبواب الجنة، يدخل من أيها شاء)]. هذا الحديث رواه مسلم في صحيحه، وهو حديث عمر بن الخطاب ﵁، وفيه أن الوضوء والذكر بعد الوضوء بقوله: (أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله) من أسباب دخول الجنة، حيث قال: (فتحت له ثمانية أبواب الجنة يدخل من أيها شاء) يعني: لمن اجتنب الكبائر، وأدى الفرائض، وكان مؤمناً بالله ورسوله، وزاد الترمذي: (أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له) في رواية، وزاد في حديث آخر: (اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين)، وهذه لا بأس بها فهي ثابتة، وزاد أيضاً في رواية أخرى: (سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك) مثل ما يقول في كفارة المجلس، لكن هذه الرواية سندها ضعيف.

стр. 257

حلية الوضوء

стр. 258

شرح حديث: (تبلغ حلية المؤمن حيث يبلغ الوضوء) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حلية الوضوء. أخبرنا قتيبة عن خلف -وهو ابن خليفة - عن أبي مالك الأشجعي عن أبي حازم قال: كنت خلف أبي هريرة وهو يتوضأ للصلاة، وكان يغسل يديه حتى يبلغ إبطيه، فقلت: يا أبا هريرة! ما هذا الوضوء؟! فقال لي: يا ابن فروخ! أنتم هاهنا؟! لو علمت أنكم هاهنا ما توضأت هذا الوضوء، سمعت خليلي ﷺ يقول: (تبلغ حلية المؤمن حيث يبلغ الوضوء)]. هذا اجتهاد من أبي هريرة ﵁، وهو كونه يغسل يديه حتى يجاوز المرفقين ويصل إلى الإبطين، وكذلك في غسل الرجلين ثبت عنه أنه كان يجاوز الكعبين حتى يكاد يبلغ الركبة، فهذا اجتهاد منه ﵁؛ لقول النبي ﷺ : (تبلغ حلية المؤمن حيث يبلغ الوضوء). و (حيث): ظرف مكان، والمعنى أن المؤمن يحلى في الجنة بالذهب في يديه وفي رجليه، ففي الدنيا لا يلبس الرجل الذهب، لكن في الآخرة يحلى، كما قال تعالى: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾ [الكهف:٣١]، وكذلك يلبس الحرير في الآخرة، وفي الدنيا لا يلبس الرجل الحرير، إذ الآخرة دار نعيم، والدنيا دار تكليف، والجنة ليس فيها تكليف، بل يتنعم العبد فيها بما أعطاه الله له، ومن ذلك أنه يحلى بالذهب، كما قال تعالى: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾ [الكهف:٣١]، ويلبس أنواع الحرير. فـ أبو هريرة ﵁ يقول: سمعت النبي ﷺ يقول: (تبلغ حلية المؤمن حيث يبلغ الوضوء) أي: أن حلية الذهب الذي يتحلى به في يديه تصل إلى ما يصل إليه الوضوء، فاجتهد أبو هريرة وأراد أن يطول، فبدل أن يغسل يديه إلى المرفقين جعل الغسل إلى الإبط؛ حتى تزيد الحلية، وهذا اجتهاد منه، وكذلك في غسل الرجلين إلى الكعبين في الوضوء، فقد كان يجاوز الكعب إلى قريب من الركبة؛ حتى تزيد الحلية. ولهذا لما رآه بعض الناس وأنكر عليه قال: أنتم هنا يا ابن فروخ؟! لو علمت أنكم هاهنا ما توضأت هذا الوضوء؛ لأنه بناه على الاجتهاد، والصواب أن غسل اليد لا يتجاوز المرفق، وإنما يعمل بالسنة، وقد ثبت أن النبي ﷺ كان يجري الماء على مرفقيه ولا يصل إلى الإبط، وكذلك الرِّجل، فيغسل الكعبين ولا يتجاوزهما، وإنما هذا اجتهاد من أبي هريرة ﵁. ولهذا أخفى وضوءه، وقال لما أُنكر عليه: لو علمت أنكم هاهنا ما توضأت هذا الوضوء.

стр. 259

شرح حديث: (أرأيت لو كان لرجل خيل غر محجلة في خيل بهم دهم) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة عن مالك عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ خرج إلى المقبرة فقال: (السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، وددت أني قد رأيت إخواننا. قالوا: يا رسول الله! ألسنا إخوانك؟! قال: بل أنتم أصحابي، وإخواني الذين لم يأتوا بعد، وأنا فرطهم على الحوض، قالوا: يا رسول الله! كيف تعرف من يأتي بعدك من أمتك؟ قال: أرأيت لو كان لرجل خيل غر محجلة في خيل بهم دهم ألا يعرف خيله؟ قالوا: بلى. قال: فإنهم يأتون يوم القيامة غراً محجلين من الوضوء، وأنا فرطهم على الحوض)]. الفرط: هو السابق الذي تقدم القوم ليهيئ لهم المكان، فإذا جاءوا وجدوا كل شيء مهيأً، فالنبي ﷺ يقول: أنا أتقدمكم يوم القيامة على الحوض؛ حتى يكون على استعداد، فإذا قدمتم علي شربتم من الحوض. نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من الواردين على حوض النبي ﷺ . قوله: [(قالوا: يا رسول الله! كيف تعرف من يأتي بعدك من أمتك؟ قال: أرأيت لو كان لرجل خيل غر محجلة في خيل بهم دهم ألا يعرف خيله؟ قالوا: بلى. قال: فإنهم يأتون يوم القيامة غراً محجلين من الوضوء، وأنا فرطهم على الحوض)]. هذا فيه فضل الوضوء، وفيه أن من خصائص الأمة الغرة والتحجيل، والغرة هي البياض في الوجه، فيكون في وجوههم نور وبياض يعرفون به من أثر الوضوء، وكذلك في اليدين والرجلين. وفيه أن النبي ﷺ تمنى أن يرى إخوانه، فقالوا: يا رسول الله! ألسنا إخوانك؟ قال: أنتم أصحابي، وإخواني الذين يأتون من بعدي. فقالوا: يا رسول الله! كيف تعرفهم؟ قال: أعرفهم بالعلامة حيث يكونون غراً محجلين، وضرب لهم مثلاً فقال: إن الإنسان إذا كان له خيل محجلة في خيل بهم دهم ألا يعرف هذا من هذا؟ قالوا: بلى. قال: فكذلك أعرفهم. وفيه أن الصحابة إخوان وأصحاب، وأما الذين يأتون من بعد فإنهم إخوان وليسوا بأصحاب، فالصحابة لهم وصفان: الأخوة والصحبة، وأما من يأتي من بعد فليس لهم الصحبة، ولكن لهم أصل الأخوة، ولهذا قال: وددت أني رأيت إخواني. قالوا: ألسنا إخوانك يا رسول الله؟! قال: أنتم أصحابي، وإخواني الذين يأتون من بعدي.

стр. 260

ثواب من أحسن الوضوء ثم صلى ركعتين

стр. 261

شرح حديث: (من توضأ فأحسن الوضوء ثم صلى ركعتين) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب: ثواب من أحسن الوضوء ثم صلى ركعتين. أخبرنا موسى بن عبد الرحمن المسروقي قال: حدثنا زيد بن الحباب قال: حدثنا معاوية بن صالح قال: حدثنا ربيعة بن يزيد الدمشقي عن أبي إدريس الخولاني وأبي عثمان عن جبير بن نفير الحضرمي عن عقبة بن عامر الجهني قال: قال رسول الله ﷺ : (من توضأ فأحسن الوضوء، ثم صلى ركعتين يقبل عليهما بقلبه ووجهه وجبت له الجنة)]. هذا فيه أن الوضوء من أسباب دخول الجنة، ولهذا اشترط أن يقبل بوجهه وقلبه، وفي لفظ لـ مسلم: (لا يحدث نفسه فيهما بشيء) بدل قوله: (يقبل فيهما بوجهه)، وقد ثبت هذا وهذا، والمعنى أنه يتوضأ أحسن الوضوء، ويصلى ركعتين يقبل فيهما على الله، ولا يحدث فيهما نفسه، فليس عنده وساوس، بل يكون حاضر الذهن، مقبلاً على الله يناجي ربه، وهذا من أسباب المغفرة.

стр. 262

الأسئلة

стр. 263

حكم قراءة المحدث حدثاً أصغر للقرآن ومسه السؤال هل للمحدث حدثاً أصغر أن يقرأ القرآن وأن يمسه؟ الجواب للمحدث حدثاً أصغر أن يقرأ القرآن غيباً بدون وضوء، وأما الجنب فلا يجوز له ذلك على الصحيح؛ لحديث: (فأما الجنب فلا ولا آية). وليس للمحدث أن يمس المصحف بدون وضوء؛ لما ثبت في الكتاب الذي كتبه النبي ﷺ لـ عمرو بن حزم: (وألا يمس القرآن إلا طاهر)، وقد أخذ به الأئمة الأربعة.

стр. 264

شرح سنن النسائي_ كتاب الطهارة [٩] بينت السنة المطهرة ما ينقض الوضوء من نوم وغائط وبول، وخروج مذي وودي وغيرها، كما تطرقت إلى ذكر حكم الوضوء من لمس المرأة وأكل ما مست النار وغير ذلك من الأحكام الفرعية.

стр. 265

ما ينقض الوضوء وما لا ينقض الوضوء من المذي

стр. 266

شرح حديث علي: (كنت رجلاً مذاءً) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب ما ينقض الوضوء وما لا ينقض الوضوء من المذي. أخبرنا هناد بن السري عن أبي بكر بن عياش عن أبي حصين عن أبي عبد الرحمن قال: قال علي: (كنت رجلاً مذاء، وكانت ابنة النبي ﷺ تحتي فاستحييت أن أسأله، فقلت لرجل جالس إلى جنبي: سله، فسأله، فقال: فيه الوضوء)]. هذه الترجمة عقدها المصنف ﵀ لبيان ما ينقض الوضوء من المذي، والمذي: ماء لزج يخرج على طرف الذكر عند إحداث الشهوة، بخلاف المني، فإنه ماء أبيض يخرج دفقاً بلذة، وهو أصل الإنسان، وبخلاف الودي، فإنه ماء نجس يخرج بعد البول، والمذي دل هذا الحديث على أنه يجب الوضوء من المذي، وهو نجس، ولكن نجاسته مخففة كما سيأتي، حيث يكفي فيه النضح، كما في الحديث الآخر: (انضح فرجك) ويُغسل منه الذكر والأنثيان، وكأن الحكمة -والله أعلم- تقلص الخارج، ولا سيما إذا كان الماء بارداً، بخلاف البول، فإنه يغسل طرف الذكر فقط، ولا يغسل الخصيتين أما المذي فإنه يغسل الذكر كاملاً والخصيتين، ويغسل ما أصابه، يكفي فيه النضح من دون فرك. وقوله: [كنت رجلاً مذاءً] أي: كثير المذي، وهي صفة مبالغة. أما قول المصنف في الترجمة: [باب ما ينقض الوضوء وما لا ينقض الوضوء من المذي] فظاهره أن هناك من المذي ما لا ينقض الوضوء، والصحيح أن المذي كله ينقض الوضوء، إلا إذا أراد أنه إذا لم يخرج شيء عند الملاعبة، فإن لم يخرج شيء عند الملاعبة فليس عليه وضوء.

стр. 267

إسناد آخر لحديث علي: (كنت رجلاً مذاءً) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قال: أخبرنا جرير عن هشام بن عروة عن أبيه عن علي قال: قلت للمقداد: (إذا بنى الرجل بأهله فأمذى ولم يجامع، فسل النبي ﷺ عن ذلك؛ فإني أستحي أن أسأله عن ذلك وابنته تحتي. فسأله فقال: يغسل مذاكيره، ويتوضأ وضوءه للصلاة)]. قوله: (يغسل مذاكيره ويتوضأ) أي: يغسل ذكره، وقد يقال: إن مذاكيره هي الذكر والخصيتان، كما في الحديث الآخر: (اغسل ذكرك وأنثييك). ويتعلق بخروج المذي مسألة مهمة وهي: حكم الصوم حال نزوله، وقد اختلف العلماء في ذلك، فالحنابلة وجماعة يقولون: يبطل الصوم. والقول الثاني أنه لا يبطل الصوم إلا خروج المني. فالحنابلة قالوا: من أكل أو شرب أو استعطى أو استمنى فأمنى أو أمذى فسد صومه. فالمسألة فيها خلاف، فإذا قضى احتياطاً فذلك أولى إذا كان متعمداً، وأما إذا كان خروج المذي من دون اختياره كأن فكر ثم أمذى فصومه صحيح، لكن إذا استمذى -أي: استدعى خروج المذي- بأن عالج نفسه بأن تذكر الجماع، أو باشر زوجته متعمداً، أو لاعبها فأمذى، فهذا فيه خلاف.

стр. 268

إسناد آحر لحديث علي: (كنت رجلاً مذاءً) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة بن سعيد قال: حدثنا سفيان عن عمرو عن عطاء عن عائش بن أنس أن علياً قال: (كنت رجلاً مذاء، فأمرت عمار بن ياسر يسأل رسول الله ﷺ من أجل ابنته عندي، فقال: يكفي من ذلك الوضوء)]. هذا الحديث فيه أن المذي يوجب الوضوء ولا يوجب الغسل، بخلاف المني فإنه يوجب الغسل. كما أن المذي نجس ونجاسته مخففة، حيث يكفي فيها النضخ مثل بول الصبي الذي لم يأكل الطعام.

стр. 269

أسانيد أخرى لحديث علي في المذي قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عثمان بن عبد الله قال: أخبرنا أمية قال: حدثنا يزيد بن زريع قال: حدثنا روح بن القاسم عن ابن أبي نجيح عن عطاء عن إياس بن خليفة عن رافع بن خديج ﵁: (أن علياً أمر عماراً أن يسأل رسول الله ﷺ عن المذي، فقال: يغسل مذاكيره ويتوضأ). أخبرنا عتبة بن عبد الله المروزي عن مالك -وهو ابن أنس - عن أبي النضر عن سليمان بن يسار عن المقداد بن الأسود: (أن علياً أمره أن يسأل رسول الله ﷺ عن الرجل إذا دنا من أهله فخرج منه المذي ماذا عليه؟ فإن عندي ابنته وأنا أستحي أن أسأله. فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال: إذا وجد أحدكم ذلك فلينضح فرجه، ويتوضأ وضوءه للصلاة). أخبرنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا خالد قال: حدثنا شعبة قال: أخبرني سليمان قال: سمعت منذراً عن محمد بن علي عن علي قال: (استحييت أن أسأل النبي ﷺ عن المذي من أجل فاطمة فأمرت المقداد بن الأسود فسأله، فقال فيه الوضوء)]. وفي بعض روايات هذا الحديث أن علياً أمر المقداد أن يسأل، وفي بعضها أنه أمر عمار بن ياسر، قال السندي: لا منافاة بين الروايتين؛ لجواز أمره كلاً من عمار والمقداد. أي: أنه يحتمل أنه أمر هذا وأمر هذا، خشية أن ينسى أحدهما.

стр. 270

الوضوء من الغائط والبول

стр. 271

شرح حديث صفوان بن عسال في المسح على الخفين من الغائط والبول والنوم قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الوضوء من الغائط والبول. أخبرنا محمد بن عبد الأعلى قال: أنبأنا خالد قال: حدثنا شعبة عن عاصم أنه سمع زر بن حبيش يحدث قال: (أتيت رجلاً يدعى صفوان بن عسال فقعدت على بابه، فخرج فقال: ما شأنك؟ قلت: أطلب العلم. قال: إن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يطلب. فقال: عن أي شيء تسأل؟ قلت: عن الخفين. قال: كنا إذا كنا مع رسول الله ﷺ في سفر أمرنا ألا ننزعه ثلاثاً إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم)]. هذا الحديث فيه أن زر بن حبيش حرص على طلب العلم، وكان من التابعين، فجلس على باب صفوان بن عسال الصحابي الجليل، فلما خرج قال: ما جاء بك؟ قال: جئت أطلب العلم، فقال صفوان: إن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يطلب. وهذا له حكم الرفع؛ لأن هذا لا يمكن أن يقوله صفوان ﵁ من عند نفسه. والقاعدة أن الصحابي إذا قال قولاً لا مجال للرأي فيه فله حكم الرفع، وإذا كان لا يأخذ عن بني إسرائيل، وصفوان ليس معروفاً بالأخذ عن بني إسرائيل، فيحمل على أنه سمع من النبي ﷺ أنه قال: (إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضىً بما يطلب)، وأبلغ من هذا قول النبي ﷺ في الحديث الآخر: (من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة) رواه مسلم في صحيحه. وهذا فيه فضل العلم، فـ زر بن حبيش جلس عند باب صفوان حتى يخرج ليسأله، ويعتبر هذا من العلم، لأن العلم يؤخذ من أفواه العلماء عن طريق السؤال كذلك، فإذا سألت أحد العلماء ثم أفتاك فهذا علم، أو قرأت في كتاب من الكتب المعتبرة واستفدت فهذا من العلم، أو حضرت الدرس وسمعت فهذا من العلم. قوله: [فقال: عن أي شيء تسأل؟ قلت: عن الخفين. قال: كنا إذا كنا مع رسول الله ﷺ في سفر أمرنا ألا ننزعه ثلاثاً إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم]. هذا فيه وجوب الوضوء من الغائط والبول والنوم، وفيه مشروعية المسح على الخفين للمسافر ثلاثة أيام بلياليها، وأنه يمسح على الخفين من البول والغائط والنوم، وأنه يجب خلع الخفين للجنابة، فهذه الأحكام الثلاثة كلها مأخوذة من الحديث. فالحديث فيه ما ترجم له المؤلف من الوضوء من الغائط والبول، وكذا النوم يوجب الوضوء، وفيه أن البول والغائط والنوم كل ذلك لا يوجب الغسل، وفيه مشروعية المسح على الخفين، وأن المسافر يمسح على الخفين ثلاثة أيام بلياليها، وأما المقيم فيمسح يوماً وليلة، كما في حديث علي: (للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوم وليلة). وفيه أن الخفين يجب خلعهما من الجنابة ولا يجوز المسح عليهما؛ لأن الجنابة يجب فيها تعميم البدن بالغسل.

стр. 272

الوضوء من الغائط

стр. 273

إسناد آخر لحديث صفوان في المسح على الخفين من الغائط والبول والنوم قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الوضوء من الغائط. أخبرنا عمرو بن علي وإسماعيل بن مسعود قالا: حدثنا يزيد بن زريع قال: حدثنا شعبة عن عاصم عن زر قال: قال صفوان بن عسال: (كنا إذا كنا مع رسول الله ﷺ في سفر أمرنا ألا ننزعه ثلاثاً إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم)]. هذه الترجمة ذكرها المؤلف ﵀ لمزيد الفائدة، وإلا فالحكم مأخوذ من الحديث الأول والترجمة الأولى. وما دل عليه الحديث قد دل عليه القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء:٤٣]. والمعنى: إذا وجدتم الماء فتوضئوا بالماء، فدل على أن الغائط يجب منه الوضوء، ودل على ذلك أيضاً حديث أبي هريرة ﵁: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ)، وفي الحديث الآخر: (لا يقبل الله صدقة من غلول، ولا صلاة بغير طهور).

стр. 274

الوضوء من الريح

стр. 275

حديث: (لا ينصرف حتى يجد ريحاً أو يسمع صوتاً) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الوضوء من الريح. أخبرنا قتيبة عن سفيان عن الزهري. ح: وأخبرني محمد بن منصور عن سفيان قال: حدثنا الزهري قال: أخبرنا سعيد -يعني ابن المسيب - وعباد بن تميم عن عمه -وهو عبد الله بن زيد - قال: (شكي إلى النبي ﷺ الرجل يجد الشيء في الصلاة، قال: لا ينصرف حتى يجد ريحاً أو يسمع صوتاً)]. هذا الحديث أخذ منه أهل العلم قاعدة شرعية تبنى عليها الأحكام وهي: أن اليقين لا يزول بالشك، وأنه يجب البقاء على اليقين وعلى الأصل حتى يأتي يقين آخر يدفع هذا اليقين، فاليقين لا يزول بالشك، وهذه قاعدة من قواعد الفقه العظيمة. ولهذا قال النبي ﷺ لما شكي إليه الرجل يجد في بطنه شيئاً -وفي اللفظ الآخر: يجد في بطنه قرقرة- قال: (لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً)، والصوت: الضراط، والريح: الفساء، كما فسره أبو هريرة ﵁ لما روى حديث: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ) فقال رجل من حضرموت: ما الحدث يا أبا هريرة؟ قال: فساء أو ضراط. فالريح يوجب الوضوء، فإن كان له صوت فهو الضراط، وإن لم يكن له صوت فهو فساء. وفيه دليل على ما ترجم له المؤلف ﵀ وهو أنه يجب الوضوء من الريح، وإذا وجب الوضوء من الريح وجب الوضوء من البول والغائط من باب أولى؛ لأنه إذا وجب الوضوء من الأخف وجب الوضوء من الأشد. وفيه أن اليقين لا يزول بالشك، ولهذا قال: (لا ينصرف حتى يسمع صوتاً) وهذا هو اليقين، وأما الشك فلا يعمل به.

стр. 276

الوضوء من النوم

стр. 277

شرح حديث: (إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يدخل يده في الإناء) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب: الوضوء من النوم. أخبرنا إسماعيل بن مسعود وحميد بن مسعدة قالا: حدثنا يزيد بن زريع قال: حدثنا معمر عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يدخل يده في الإناء حتى يفرغ عليها ثلاث مرات؛ فإنه لا يدري أين باتت يده)]. هذا الحديث فيه مشروعية غسل اليدين ثلاثاً قبل أن يدخلهما في الإناء إذا استيقظ من نوم الليل؛ لقوله ﷺ : (فإنه لا يدري أين باتت يده)، والبيوتة إنما تكون في نوم الليل. وهذا النهي عند الجمهور محمول على كراهة التنزيه، وقال فريق من أهل العلم: إن هذا النهي للتحريم، وهو قول قوي؛ لأن الأصل في الأوامر أنها للوجوب، والأصل في النواهي أنها للتحريم. وهذا الحديث ليس بواضح في الوضوء من النوم، وإنما يدل عليه حديث: (ولكن من غائط وبول ونوم). ثم إن النوم الذي يجب منه الوضوء لابد فيه من أن يكون نوماً يزول معه الشعور، وأما خفقان الرأس والنعاس الذي يشعر معه المرء بمن حوله فهذا لا يوجب الوضوء على الصحيح، والمسألة فيها خلاف يصل إلى ثمانية أو عشرة أقوال لأهل العلم، لكن ما ذكرته هو الصواب؛ لأنه ثبت عن الصحابة رضوان الله عليهم أنهم كانوا ينتظرون صلاة العشاء وتخفق رءوسهم فيصلون ولا يتوضئون، وفي رواية: (كانوا ينامون) أي: ينعسون.

стр. 278

ما يفعله الناعس في صلاته

стр. 279

شرح حديث: (إذا نعس الرجل وهو في الصلاة فلينصرف) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب: النعاس. أخبرنا بشر بن هلال قال: حدثنا عبد الوارث عن أيوب عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : (إذا نعس الرجل وهو في الصلاة فلينصرف؛ لعله يدعو على نفسه وهو لا يدري)]. هذا في صلاة الليل، فإذا نعس الإنسان وهو في الصلاة فلينصرف وإن كان قد سلم فعليه أن يذهب لينام. وفي لفظ: (فلينم)، فيقضي نهمته من النوم حتى يأتي الصلاة بنشاط، فإنه إذا صلى مع النعاس ربما دعا على نفسه بسبب النعاس. وأما الفرائض فلا، وعليه أن يعالج نفسه وينظر في الأسباب التي تسبب النعاس، فينام مبكراً قبل صلاة الفجر، وليس له أن يؤخر الصلاة عن وقتها.

стр. 280

الوضوء من مس الذكر

стр. 281

شرح حديث: (إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الوضوء من مس الذكر. أخبرنا هارون بن عبد الله قال: حدثنا معن قال: حدثنا مالك. ح: والحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع عن ابن القاسم قالا: حدثنا مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أنه سمع عروة بن الزبير يقول: (دخلت على مروان بن الحكم فذكرنا ما يكون منه الوضوء فقال مروان: من مس الذكر الوضوء. فقال عروة: ما علمت ذلك. فقال مروان: أخبرتني بسرة بنت صفوان أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ). أخبرنا أحمد بن محمد بن المغيرة قال: حدثنا عثمان بن سعيد عن شعيب عن الزهري قال: أخبرني عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم أنه سمع عروة بن الزبير يقول: ذكر مروان في إمارته على المدينة أنه يتوضأ من مس الذكر إذا أفضى إليه الرجل بيده، فأنكرت ذلك، وقلت: لا وضوء على من مسه. فقال مروان: أخبرتني بسرة بنت صفوان أنها سمعت رسول الله ﷺ ذكر ما يتوضأ منه، فقال رسول الله ﷺ : ويتوضأ من مس الذكر. قال عروة: فلم أزل أماري مروان حتى دعا رجلاً من حرسه فأرسله إلى بسرة. هذا الحديث هو حديث بسرة بنت صفوان، وقد احتج به جمع من أهل العلم على وجوب الوضوء من مس الذكر إذا أفضى إليه بيده ليس بينهما حائل، وأما إذا كان هناك حائل فلا، كأن يمسه من وراء قفاز أو من وراء الثوب، فلا حرج. وقيل: إن جملة (أفضى إليه) دليل على أنه لابد من أن يمس اللحم لحم، ويكون هذا ببطن الكف أو ظهرها بشرط أن يفضي إليه، أي: يمسه بدون حائل، فإذا كان المس من وراء قفاز أو من وراء ثوب فلا بأس، ولهذا قال: (إذا أفضى إليه)، وكذلك إذا مسه برجله أو بذراعه فلا بأس. فمن مس ذكره فليتوضأ، وفي اللفظ الآخر: (ويتوضأ من مس الذكر)، وهذا يشمل ذكره وذكر غيره. فالأم إذا غسلت طفلها ومست ذكره فإنها تتوضأ؛ لعموم هذا الحديث: (ويتوضأ من مس الذكر)؛ فهو عام في ذكر المرء وذكر غيره، لكن لابد من قيد آخر وهو: أن يفضي إليه، فإذا أفضى إلى الذكر ومسه فإنه يتوضأ، وأما إذا كان بينهما حائل من قفاز أو ثوب فلا، ولابد من أن يكون المس بظهر الكف أو بطنه، فإذا كان المس بالذراع أو بالرجل فلا.

стр. 282

ترك الوضوء من مس الذكر

стр. 283

شرح حديث طلق بن علي في عدم الوضوء من مس الذكر قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب ترك الوضوء من ذلك. أخبرنا هناد عن ملازم بن عمرو قال: حدثنا عبد الله بن بدر عن قيس بن طلق بن علي عن أبيه قال: (خرجنا وفداً حتى قدمنا على رسول الله ﷺ فبايعناه وصلينا معه، فلما قضى الصلاة جاء رجل كأنه بدوي فقال: يا رسول الله! ما ترى في رجل مس ذكره في الصلاة؟ قال: وهل هو إلا مضغة منك، أو بضعة منك!)]. هذا حديث طلق بن علي استدل به بعض العلماء على أنه لا يجب الوضوء من مس الذكر، وذلك أن الرجل سأل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! ما ترى في رجل مس ذكره في الصلاة؟ قال: (وهل هو إلا مضغة منك أو بضعة منك!) يعني: قطعة منك. يعني: هو كما لو مسست فخذك أو رجلك أو قطعة منك. وقد اختلف العلماء في الجمع بينه وبين حديث بسرة بنت صفوان السابق، فذهب قوم إلى أنه لا يجب الوضوء من مس الذكر؛ أخذاً بحديث طلق بن علي، ولأن حديث بسرة بنت صفوان يوجب الشك، ولا يتوضأ من أجل الشك، وحديث طلق بن علي مبق على الأصل، فلا يتوضأ بالشك، وعمل النسائي ﵀ يفيد هذا؛ لأنه أتى بحديث طلق بعد حديث بسرة. ومن العلماء من جمع بينهما، ومن العلماء من ذهب إلى النسخ، وقال: إن حديث طلق بن علي منسوخ بحديث بسرة بنت صفوان: ولابد من معرفة التاريخ؛ إذ النسخ لابد له من معرفة التاريخ، والتاريخ هنا معروف، فإن حديث طلق بن علي كان قديماً، حيث جاء إلى النبي ﷺ وهو يبني مسجده في الصلاة الأولى، وأما حديث بسرة بنت صفوان فهو متأخر، فيكون ناسخاً لحديث طلق بن علي. وذهب آخرون إلى الترجيح، فقالوا: حديث بسرة أرجح وأصح؛ لأنه أصح سنداً من حديث طلق بن علي، ولهذا قال البخاري ﵀: إن حديث بسرة أصح شيء في هذا الباب. قالوا: ويؤيد هذا أن حديث بسرة ناقل عن الأصل، وحديث طلق مبق على الأصل، والشريعة ناقلة وليست مبقية على الأصل، فدل على أن حديث بسرة هو المعول عليه، وهذا هو الصواب. فالصواب العمل بحديث بسرة، سواء أقلنا: إن حديث طلق منسوخ، أم قلنا: إن حديث بسرة أرجح، فهو أصح سنداً، وإذا قيل بالنسخ فإن حديث طلق بن علي معروف أنه متقدم؛ لأنه جاء إلى النبي ﷺ وهو يبني مسجده، وحديث بسرة متأخر، والمتأخر لا يصح نسخه. وذهب بعض العلماء إلى أن الوضوء من مس الذكر مستحب وليس بواجب، واختار هذا شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، واختاره الشيخ محمد بن عثيمين رحمة الله عليه، ولكن الصواب العمل بحديث بسرة؛ فهو أصح سنداً، وإذا قيل بالنسخ فالعمدة على حديث بسرة على الصواب لأنه متأخر، فيجب الوضوء من مس الذكر مطلقاً، سواء مس ذكره؛ لما ورد في اللفظ الأول: (من مس ذكره فليتوضأ)، أو مس ذكر غيره؛ للفظ الآخر: (من مس الذكر فليتوضأ)، لكن بشرط أن يفضي إليه بدون حائل، وبشرط أن يكون المس بظاهر الكف أو باطنه.

стр. 284

ترك الوضوء من مس الرجل امرأته بغير شهوة

стр. 285

شرح حديث عائشة: (إن كان رسول الله ليصلي وإني لمعترضة بين يديه) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب ترك الوضوء من مس الرجل امرأته من غير شهوة. أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم عن شعيب عن الليث قال: أخبرنا ابن الهاد عن عبد الرحمن بن القاسم عن القاسم عن عائشة قالت: (إن كان رسول الله ﷺ ليصلي وإني لمعترضة بين يديه اعتراض الجنازة، حتى إذا أراد أن يوتر مسني برجله)]. قولها: (مسني برجله) احتج به المؤلف على أن مس الرجل امرأته من غير شهوة لا ينقض الوضوء؛ لأنه ﷺ كان إذا صلى وأراد أن يوتر مسها برجله، فدل على أن مس الرجل امرأته من غير شهوة لا ينقض الوضوء. وفيه دليل على أنه لا بأس أن يصلي الإنسان إلى نائم وهو معترض بين يديه، سواء أكان رجلاً أم امرأة، ولا يعتبر هذا مروراً، وإنما الممنوع المرور: أن تمر المرأة من هذا الجانب إلى هذا الجانب، وأما كونها معترضة فلا يضر، ولا يعتبر مروراً.
следующие страницы →