← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 37016

شرح سنن النسائي - الراجحي

عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

Полный текст (589 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

شرح حديث: (إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الوضوء من مس الذكر. أخبرنا هارون بن عبد الله قال: حدثنا معن قال: حدثنا مالك. ح: والحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع عن ابن القاسم قالا: حدثنا مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أنه سمع عروة بن الزبير يقول: (دخلت على مروان بن الحكم فذكرنا ما يكون منه الوضوء فقال مروان: من مس الذكر الوضوء. فقال عروة: ما علمت ذلك. فقال مروان: أخبرتني بسرة بنت صفوان أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ). أخبرنا أحمد بن محمد بن المغيرة قال: حدثنا عثمان بن سعيد عن شعيب عن الزهري قال: أخبرني عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم أنه سمع عروة بن الزبير يقول: ذكر مروان في إمارته على المدينة أنه يتوضأ من مس الذكر إذا أفضى إليه الرجل بيده، فأنكرت ذلك، وقلت: لا وضوء على من مسه. فقال مروان: أخبرتني بسرة بنت صفوان أنها سمعت رسول الله ﷺ ذكر ما يتوضأ منه، فقال رسول الله ﷺ : ويتوضأ من مس الذكر. قال عروة: فلم أزل أماري مروان حتى دعا رجلاً من حرسه فأرسله إلى بسرة. هذا الحديث هو حديث بسرة بنت صفوان، وقد احتج به جمع من أهل العلم على وجوب الوضوء من مس الذكر إذا أفضى إليه بيده ليس بينهما حائل، وأما إذا كان هناك حائل فلا، كأن يمسه من وراء قفاز أو من وراء الثوب، فلا حرج. وقيل: إن جملة (أفضى إليه) دليل على أنه لابد من أن يمس اللحم لحم، ويكون هذا ببطن الكف أو ظهرها بشرط أن يفضي إليه، أي: يمسه بدون حائل، فإذا كان المس من وراء قفاز أو من وراء ثوب فلا بأس، ولهذا قال: (إذا أفضى إليه)، وكذلك إذا مسه برجله أو بذراعه فلا بأس. فمن مس ذكره فليتوضأ، وفي اللفظ الآخر: (ويتوضأ من مس الذكر)، وهذا يشمل ذكره وذكر غيره. فالأم إذا غسلت طفلها ومست ذكره فإنها تتوضأ؛ لعموم هذا الحديث: (ويتوضأ من مس الذكر)؛ فهو عام في ذكر المرء وذكر غيره، لكن لابد من قيد آخر وهو: أن يفضي إليه، فإذا أفضى إلى الذكر ومسه فإنه يتوضأ، وأما إذا كان بينهما حائل من قفاز أو ثوب فلا، ولابد من أن يكون المس بظهر الكف أو بطنه، فإذا كان المس بالذراع أو بالرجل فلا.

стр. 282

ترك الوضوء من مس الذكر

стр. 283

شرح حديث طلق بن علي في عدم الوضوء من مس الذكر قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب ترك الوضوء من ذلك. أخبرنا هناد عن ملازم بن عمرو قال: حدثنا عبد الله بن بدر عن قيس بن طلق بن علي عن أبيه قال: (خرجنا وفداً حتى قدمنا على رسول الله ﷺ فبايعناه وصلينا معه، فلما قضى الصلاة جاء رجل كأنه بدوي فقال: يا رسول الله! ما ترى في رجل مس ذكره في الصلاة؟ قال: وهل هو إلا مضغة منك، أو بضعة منك!)]. هذا حديث طلق بن علي استدل به بعض العلماء على أنه لا يجب الوضوء من مس الذكر، وذلك أن الرجل سأل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! ما ترى في رجل مس ذكره في الصلاة؟ قال: (وهل هو إلا مضغة منك أو بضعة منك!) يعني: قطعة منك. يعني: هو كما لو مسست فخذك أو رجلك أو قطعة منك. وقد اختلف العلماء في الجمع بينه وبين حديث بسرة بنت صفوان السابق، فذهب قوم إلى أنه لا يجب الوضوء من مس الذكر؛ أخذاً بحديث طلق بن علي، ولأن حديث بسرة بنت صفوان يوجب الشك، ولا يتوضأ من أجل الشك، وحديث طلق بن علي مبق على الأصل، فلا يتوضأ بالشك، وعمل النسائي ﵀ يفيد هذا؛ لأنه أتى بحديث طلق بعد حديث بسرة. ومن العلماء من جمع بينهما، ومن العلماء من ذهب إلى النسخ، وقال: إن حديث طلق بن علي منسوخ بحديث بسرة بنت صفوان: ولابد من معرفة التاريخ؛ إذ النسخ لابد له من معرفة التاريخ، والتاريخ هنا معروف، فإن حديث طلق بن علي كان قديماً، حيث جاء إلى النبي ﷺ وهو يبني مسجده في الصلاة الأولى، وأما حديث بسرة بنت صفوان فهو متأخر، فيكون ناسخاً لحديث طلق بن علي. وذهب آخرون إلى الترجيح، فقالوا: حديث بسرة أرجح وأصح؛ لأنه أصح سنداً من حديث طلق بن علي، ولهذا قال البخاري ﵀: إن حديث بسرة أصح شيء في هذا الباب. قالوا: ويؤيد هذا أن حديث بسرة ناقل عن الأصل، وحديث طلق مبق على الأصل، والشريعة ناقلة وليست مبقية على الأصل، فدل على أن حديث بسرة هو المعول عليه، وهذا هو الصواب. فالصواب العمل بحديث بسرة، سواء أقلنا: إن حديث طلق منسوخ، أم قلنا: إن حديث بسرة أرجح، فهو أصح سنداً، وإذا قيل بالنسخ فإن حديث طلق بن علي معروف أنه متقدم؛ لأنه جاء إلى النبي ﷺ وهو يبني مسجده، وحديث بسرة متأخر، والمتأخر لا يصح نسخه. وذهب بعض العلماء إلى أن الوضوء من مس الذكر مستحب وليس بواجب، واختار هذا شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، واختاره الشيخ محمد بن عثيمين رحمة الله عليه، ولكن الصواب العمل بحديث بسرة؛ فهو أصح سنداً، وإذا قيل بالنسخ فالعمدة على حديث بسرة على الصواب لأنه متأخر، فيجب الوضوء من مس الذكر مطلقاً، سواء مس ذكره؛ لما ورد في اللفظ الأول: (من مس ذكره فليتوضأ)، أو مس ذكر غيره؛ للفظ الآخر: (من مس الذكر فليتوضأ)، لكن بشرط أن يفضي إليه بدون حائل، وبشرط أن يكون المس بظاهر الكف أو باطنه.

стр. 284

ترك الوضوء من مس الرجل امرأته بغير شهوة

стр. 285

شرح حديث عائشة: (إن كان رسول الله ليصلي وإني لمعترضة بين يديه) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب ترك الوضوء من مس الرجل امرأته من غير شهوة. أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم عن شعيب عن الليث قال: أخبرنا ابن الهاد عن عبد الرحمن بن القاسم عن القاسم عن عائشة قالت: (إن كان رسول الله ﷺ ليصلي وإني لمعترضة بين يديه اعتراض الجنازة، حتى إذا أراد أن يوتر مسني برجله)]. قولها: (مسني برجله) احتج به المؤلف على أن مس الرجل امرأته من غير شهوة لا ينقض الوضوء؛ لأنه ﷺ كان إذا صلى وأراد أن يوتر مسها برجله، فدل على أن مس الرجل امرأته من غير شهوة لا ينقض الوضوء. وفيه دليل على أنه لا بأس أن يصلي الإنسان إلى نائم وهو معترض بين يديه، سواء أكان رجلاً أم امرأة، ولا يعتبر هذا مروراً، وإنما الممنوع المرور: أن تمر المرأة من هذا الجانب إلى هذا الجانب، وأما كونها معترضة فلا يضر، ولا يعتبر مروراً.

стр. 286

إسناد آخر لحديث عائشة: (إن كان رسول الله ليصلي وإني لمعترضة بين يديه) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أخبرنا يعقوب بن إبراهيم قال: حدثنا يحيى عن عبيد الله قال: سمعت القاسم بن محمد يحدث عن عائشة قالت: (لقد رأيتموني معترضة بين يدي رسول الله ﷺ ورسول الله ﷺ يصلي، فإذا أراد أن يسجد غمز رجلي فضممتها إلي ثم يسجد)]. هذا الحديث يدل على أن الحجرة كانت صغيرة وليس فيها نور، وقد جاء في اللفظ الآخر عن عائشة: (والبيوت يؤمئذ ليس فيها مصابيح) والنبي ﷺ كان يقرأ قراءة طويلة في الليل، فقد يقرأ جزءاً أو جزأين أو ثلاثة وهو واقف، ثم يركع ركوعاً طويلاً، فإذا أراد أن يسجد يكون قد مضى عليه ساعة أو ساعتين، فإذا سجد غمز رجلها فكفت رجلها، فإذا قام مدت رجلها.

стр. 287

إسناد آخر لحديث عائشة: (إن كان رسول الله ليصلي وإني لمعترضة بين يديه) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة عن مالك عن أبي النضر عن أبي سلمة عن عائشة ﵂ قالت: (كنت أنام بين يدي رسول الله ﷺ ورجلاي في قبلته، فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي، فإذا قام بسطتهما، والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح)]. أي: لم يكن في البيوت نور، والحجرة صغيرة، ولو كانت كبيرة لنامت في مكان بعيد عن رسول الله ﷺ .

стр. 288

شرح حديث عائشة في وقوع يدها على قدم رسول الله وهي تتحسسه قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن عبد الله بن المبارك ونصير بن الفرج -واللفظ له- قالا: حدثنا أبو أسامة عن عبيد الله بن عمر عن محمد بن يحيى بن حبان عن الأعرج عن أبي هريرة عن عائشة ﵂ قالت: (فقدت النبي ﷺ ذات ليلة، فجعلت أطلبه بيدي، فوقعت يدي على قدميه وهما منصوبتان وهو ساجد يقول: أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك)]. هذا فيه أن يدها وقعت على قدميه، وليس فيه أن النبي ﷺ مسها، بل هي التي مسته، وفيه أنه وقعت يدها على رجليه وهما منصوبتان، وقد أشكل هذا على بعض الناس، فقال: هذا يدل على أن النبي ﷺ كان لا يفرج بين رجليه في السجود، بل يلصقهما. وهذا ليس بلازم؛ لجواز أن تكون مرت بيدها على رجل ثم مرت بها على رجل أخرى وإن كان بينهما فرجة، ولا يلزم أن تكون رجلاه ملتصقتين. وهذه الأحاديث التي ذكرها المؤلف ﵀ بوب فيها بترك الوضوء من مس المرأة بغير شهوة، واحتج بهذه الأحاديث، وذلك لأن النبي ﷺ غمزها وهو يصلي، والمصلي يبعد أن يكون عنده شهوة, ولهذا ذهب الحنابلة وغيرهم إلى أن مس المرأة بدون شهوة لا ينقض الوضوء فإن كان بشهوة فإنه ينقض الوضوء. وذهب بعض العلماء إلى أن مس المرأة ينقض الوضوء، سواء وقع بشهوة أو بغير شهوة وهذا مذهب الشافعية، وفيه حرج ومشقة، حتى قال بعض الشافعية المتأخرين: إن الإنسان إذا توضأ وأراد أن يطوف بالمسجد الحرام فإن عليه أن يحرص على ألا يمس امرأة. وكيف يحرص وهو لا يستطيع، لا سيما في الزحام في الموسم، والنساء عند الأبواب وفي المطاف، فإذا مس يد امرأة رجع ليتوضأ، فإذا توضأ لابد من أن تمس يده امرأة عند الباب أو في الطريق، أو في المطاف، فيرجع، وهكذا، وهذا حرج لا تأمر بها الشريعة. وذهب آخرون -وهو قول ثابت لفريق من أهل العلم- إلى أن مس المرأة لا ينقض الوضوء بشهوة أو بغير شهوة، إلا إذا خرج منه شيء، كما إذا خرج منه مذي، فإذا وقع ذلك انتقض الوضوء لخروج المذي، وأما إذا لم يخرج منه مذي فإنه لا ينتقض وضوؤه، وهذا هو الصواب، فالصواب أن مس المرأة لا ينقض الوضوء مطلقاً بشهوة أو بغير الشهوة، إلا إذا خرج منه المذي، وأما قول الله تعالى: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء:٤٣] فالمراد بالملامسة الجماع؛ لأن الله تعالى ذكر في آية الوضوء الحدث الأكبر والحدث الأصغر، فقال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة:٦]، ثم ذكر التيمم من الحدث الأصغر والتيمم من الحدث الأكبر، فقال: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء:٤٣]، فذكر الحدثين الأصغر والأكبر، فقوله تعالى: (أو لامستم) هذا في الحدث الأكبر، وقوله تعالى: (وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط) هذا في الحدث الأصغر. ويدل على أن مس المرأة لا ينقض ولو بشهوة حديث الباب الذي بعد هذا، وفيه أن النبي ﷺ كان يقبل ولا يتوضأ، ومعلوم أن القبلة تكون فيها الشهوة، فما قبل إلا من شهوة.

стр. 289

ترك الوضوء من القبلة

стр. 290

شرح حديث: (كان يقبل بعض أزواجه ثم يصلي ولا يتوضأ) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب ترك الوضوء من القبلة. أخبرنا محمد بن المثنى عن يحيى بن سعيد عن سفيان قال: أخبرني أبو روق عن إبراهيم التيمي عن عائشة: (أن النبي ﷺ كان يقبل بعض أزواجه ثم يصلي ولا يتوضأ). قال أبو عبد الرحمن: ليس في هذا الباب حديث أحسن من هذا الحديث وإن كان مرسلاً، وقد روى هذا الحديث الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن عروة عن عائشة. قال يحيى القطان: حديث حبيب عن عروة عن عائشة هذا، وحديث حبيب عن عروة عن عائشة: تصلي وإن قطر الدم على الحصير لا شيء] هذا الحديث دليل على أن القبلة لا تنقض الوضوء وإن كانت بشهوة، وهذا يؤيد المذهب الصحيح، وهو أن مس المرأة لا ينقض الوضوء مطلقاً بشهوة وبغير شهوة إلا إذا خرج منه شيء، ولهذا كان النبي ﷺ يقبل ولا يتوضأ، وكذلك كان يقبل وهو صائم ﵊، قالت عائشة: (وكان أملككم لإربه)، والحديث -وإن كان مرسلاً كما قال المؤلف؛ لأنه من لفظ إبراهيم التيمي عن عائشة، وهو لم يسمع من عائشة - فقد روي موصولاً عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن عائشة ﵂، رواه الدارقطني وغيره عن إبراهيم التيمي عن أبيه، وهو حجة في أن القبلة لا تنقض الوضوء للمتوضئ، كما أنها لا تبطل الصوم أيضاً إلا إذا خرج منه شيء. قوله: [قال يحيى القطان ﵀: حديث حبيب عن عروة عن عائشة هذا، وحديث حبيب عن عروة عن عائشة: تصلي وإن قطر الدم على الحصير لا شيء]. يعني: ليس بثابت. وقال للسندي بيان لقول النسائي: [وإن كان مرسلاً]: قوله: وإن كان مرسلاً، أي: لأن إبراهيم التيمي لم يسمع من عائشة كما قاله أبو داود، قلت: والمرسل حجة عندنا وعند الجمهور، وقد جاء موصولاً عن إبراهيم عن أبيه عن عائشة، ذكره الدارقطني، وبالجملة فقد رواه البزار بإسناد حسَّنه]. هذا كلام السندي، والمعروف أن المرسل ضعيف ليس بحجة إذا كان وحده، إلا إذا جاء مرسل آخر يعضده، وذهب جماعة إلى الاحتجاج بالمرسل، والجمهور على أنه ضعيف؛ لأنه منقطع، إلا إذا جاء موصولاً، أو جاء مرسل آخر يعضده، بحيث يقوي أحدهما الآخر. وأما قوله: [وبالجملة فقد رواه البزار بإسناد حسنه] فإنه يدل على أن الحديث متصل.

стр. 291

الوضوء مما غيرت النار

стр. 292

شرح الأحاديث الواردة في الوضوء مما مست النار قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الوضوء مما غيرت النار. أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قال: أخبرنا إسماعيل وعبد الرزاق قالا: حدثنا معمر عن الزهري عن عمر بن عبد العزيز عن إبراهيم بن عبد الله بن قارظ عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (توضئوا مما مست النار). حدثنا هشام بن عبد الملك قال: حدثنا محمد -يعني ابن حرب - قال: حدثني الزبيدي عن الزهري أن عمر بن عبد العزيز أخبره أن عبد الله بن قارظ أخبره أن أبا هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (توضئوا مما مست النار). أخبرنا الربيع بن سليمان قال: حدثنا إسحاق بن بكر -وهو ابن مضر - قال: حدثني أبي عن جعفر بن ربيعة عن بكر بن سوادة عن محمد بن مسلم عن عمر بن عبد العزيز عن عبد الله بن إبراهيم بن قارظ قال: (رأيت أبا هريرة ﵁ يتوضأ على ظهر المسجد، فقال: أكلت أثوار أقط فتوضأت منها، إني سمعت رسول الله ﷺ يأمر بالوضوء مما مست النار). أخبرنا إبراهيم بن يعقوب قال: حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث قال: حدثنا أبي عن حسين المعلم قال: حدثني يحيى بن أبي كثير عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي أنه سمع المطلب بن عبد الله بن حنطب يقول: قال ابن عباس ﵄: (أتوضأ من طعام أجده في كتاب الله حلالاً لأن النار مسته؟! فجمع أبو هريرة حصى فقال: أشهد عدد هذا الحصى أن رسول الله ﷺ قال: توضئوا مما مست النار). أخبرنا محمد بن بشار قال: حدثنا ابن أبي عدي عن شعبة عن عمرو بن دينار عن يحيى بن جعدة عن عبد الله بن عمرو عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (توضئوا مما مست النار). أخبرنا عمرو بن علي ومحمد بن بشار قالا: أنبأنا ابن أبي عدي عن شعبة عن عمرو بن دينار عن يحيى بن جعدة عن عبد الله بن عمرو قال محمد القاري عن أبي أيوب قال: قال النبي ﷺ : (توضئوا مما غيرت النار). أخبرنا عبيد الله بن سعيد وهارون بن عبد الله قالا: حدثنا حرمي -وهو ابن عمارة بن أبي حفصة - قال: حدثنا شعبة عن عمرو بن دينار قال: سمعت يحيى بن جعدة يحدث عن عبد الله بن عمرو القاري عن أبي طلحة أن رسول الله ﷺ قال: (توضئوا مما غيرت النار). أخبرنا هارون بن عبد الله قال: حدثنا حرمي بن عمارة قال: حدثنا شعبة عن أبي بكر بن حفص عن ابن شهاب عن ابن أبي طلحة عن أبي طلحة أن النبي ﷺ قال: (توضئوا مما أنضجت النار). أخبرنا هشام بن عبد الملك قال: حدثنا محمد قال: حدثنا الزبيدي قال: أخبرني الزهري أن عبد الملك بن أبي بكر أخبره أن خارجة بن زيد بن ثابت أخبره أن زيد بن ثابت قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (توضئوا مما مست النار). أخبرنا هشام بن عبد الملك قال: حدثنا ابن حرب قال: حدثنا الزبيدي عن الزهري أن أبا سلمة بن عبد الرحمن أخبره عن أبي سفيان بن سعيد بن الأخنس بن شريق أنه أخبره أنه دخل على أم حبيبة زوج النبي ﷺ وهي خالته، فسقته سويقاً، ثم قالت له: توضأ يا ابن أختي؛ فإن رسول الله ﷺ قال: (توضئوا مما مست النار). أخبرنا الربيع بن سليمان بن داود قال: حدثنا إسحاق بن بكر بن مضر قال: حدثني بكر بن مضر عن جعفر بن ربيعة عن بكر بن سوادة عن محمد بن مسلم بن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي سفيان بن سعيد بن الأخنس أن أم حبيبة زوج النبي ﷺ قالت له وشرب سويقاً: يا ابن أختي! توضأ؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (توضئوا مما مست النار)]. هذه الأحاديث فيها دليل على الوضوء مما مست النار، والمؤلف ﵀ كان عنده نشاط، حيث أتى بهذه الطرق المتعددة على طريقة الإمام مسلم ﵀، كما أنه يعدد التراجم على طريقة البخاري، فاستفاد من طريقة البخاري واستفاد من طريقة مسلم، حيث يعدد الطرق على طريقة مسلم، ويكثر من التراجم على طريقة البخاري رحمهم الله تعالى. وهذه الأحاديث فيها الأمر بالوضوء مما مست النار، وهذا كان في أول الإسلام، حيث كانوا مأمورين بالوضوء مما مست النار، ثم بعد ذلك نسخ هذا الأمر، فإما أنه نسخ بالمرة، وإما أنه نسخ الوجوب وبقي الاستحباب. وسيذكر المؤلف الأحاديث الناسخة أو الأحاديث التي رفعت الوجوب في الباب الذي بعده، ومن ذلك حديث جابر: (كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مست النار)، ومن ذلك: (أن النبي ﷺ أكل كتف الشاة ثم دعي إلى الصلاة فقام ولم يتوضأ). وكانوا في أول الإسلام يتوضئون مما مست النار، ولذلك أكل أبو هريرة الأثوار من الأقط؛ لأنه يجعل في النار فيكون قطعاً، ثم توضأ منه. وكذلك أم حبيبة أمرت من أكل سويقاً أن يتوضأ، والسويق هو حب الحنطة الملتوت، فكل ما مست النار يتوضأ منه، وكان هذا واجباً في أول الإسلام، ثم نسخ الوجوب، وبقي الاستحباب عند جمع من أهل العلم. وقال آخرون: لا يستحب الوضوء من ذلك. والصحيح أن الاستحباب باقٍ، فيستحب للإنسان أن يتوضأ، ويدل على هذا أن النبي ﷺ لما سئل: (أنتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: إن شئت. ولما سئل: أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم) فقوله: (إن شئت) يدل على أنه لا بأس بالوضوء، لكنه ليس بالواجب إلا من لحم الإبل، فلحم الإبل يجب الوضوء منه، سواء أكل نيئاً أو مطبوخاً؛ للأحاديث الصريحة في هذا، كحديث جابر وحديث سمرة: (توضئوا من لحوم الإبل، ولا تتوضئوا من لحوم الغنم). ولما سئل ﷺ : (أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم)، فلحم الإبل يجب الوضوء من أكله سواء أكان نيئاً أم مطبوخاً، أما ما عداه فإنه لا يجب الوضوء منه ولكن يستحب، فإذا أكل شيئاً مطبوخاً استحب له أن يتوضأ، وإذا توضأ فلا حرج. وقال قوم: إن الوضوء قد نسخ، ولا يستحب بعد ذلك. وليعلم أنه لا يجب الوضوء إلا من لحم الإبل، وأما المرق واللبن فلا يجب الوضوء منه، فإذا شرب المرء مرقاً من لحم الإبل أو شرب لبناً من لبن الإبل فإنه لا يجب عليه الوضوء.

стр. 293

ترك الوضوء مما غيرت النار قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب ترك الوضوء مما غيرت النار]. هذه الترجمة يذكر فيها المؤلف ﵀ الأحاديث الناسخة، وهذه الترجمة أدق من ترجمته في السنن الكبرى، ففي السنن الكبرى بوب فقال: [باب نسخ ذلك]. وأما هذه الترجمة فواسعة تشمل النسخ، وتشمل نسخ الوجوب مع بقاء الاستحباب.

стр. 294

شرح حديث صلاة رسول الله بعد أكله كتفاً دون أن يمس ماءً أخبرنا محمد بن المثنى حدثنا يحيى عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي بن الحسين عن زينب بنت أم سلمة عن أم سلمة ﵂: (أن رسول الله ﷺ أكل كتفاً فجاءه بلال فخرج إلى الصلاة ولم يمس ماءً)]. وهذا الحديث يدل على أن الوضوء مما مسته النار منسوخ؛ لأنه ﷺ أكل كتف شاة مطبوخ مسته النار ولم يتوضأ، وفي لفظ آخر: (أنه كان يحتز من كتف شاة، فدعي للصلاة فترك السكين وقام ولم يتوضأ)، فدل على أنه لا يجب الوضوء، لكن إن توضأ فهو أفضل.

стр. 295

شرح حديث أم سلمة في أكل رسول الله جنباً مشوياً وقيامه إلى الصلاة دون وضوء منه قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا خالد قال: أنبأنا ابن جريج عن محمد بن يوسف عن سليمان بن يسار قال: دخلت على أم سلمة فحدثتني: (أن رسول الله ﷺ كان يصبح جنباً من غير احتلام ثم يصوم)، وحدثنا مع هذا الحديث أنها حدثته: (أنها قربت إلى النبي ﷺ جنباً مشوياً، فأكل منه ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأ)]. وهذا فيه دليل على أن الإنسان إذا أصبح جنباً فإن صومه صحيح، وذلك كأن يكون عليه جنابة ثم يستفيق في آخر الليل ولا يتسع الوقت للغسل والسحور، فيبدأ بالسحور فيأكل ويشرب، ثم يغتسل ولو بعد طلوع الفجر ولو بعد الأذان، لكن عليه أن يبادر حتى يدرك الصلاة. فالنبي ﷺ كان يصبح جنباً من غير احتلام ثم يصوم. وكذلك المرأة الحائض أو النفساء إذا طهرت في آخر الليل تبدأ بالسحور وتأكل وتشرب، ثم تغتسل ولو بعد الأذان، وصومها صحيح. وأيضاً فالنبي ﷺ أكل جنباً مشوياً في نار، ومع ذلك قام إلى الصلاة ولم يتوضأ، وهو ﵇ مشرَّع، فدل على أن الأمر بالوضوء مما مسته النار منسوخ.

стр. 296

شرح حديث ابن عباس في أكل رسول الله خبزاً ولحماً وقيامه إلى الصلاة دون وضوء منهما قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا خالد قال: حدثنا ابن جريج قال: حدثني محمد بن يوسف عن ابن يسار عن ابن عباس ﵄ قال: (شهدت رسول الله ﷺ أكل خبزاً ولحماً ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأ)]. يعني: واللحم مسته النار، فدل على نسخ الأمر بالوضوء مما مسته النار.

стр. 297

شرح حديث: (كان آخر الأمرين من رسول الله ترك الوضوء مما مست النار) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عمرو بن منصور قال: حدثنا علي بن عياش قال: حدثنا شعيب عن محمد بن المنكدر قال: سمعت جابر بن عبد الله ﵁ قال: (كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مست النار)]. وهذا نص صريح فيه أن أول الأمرين هو الوضوء ما مست النار، وآخر الأمرين ترك الوضوء مما مست النار.

стр. 298

المضمضة من السويق

стр. 299

شرح حديث سويد بن النعمان: (أنه خرج مع رسول الله عام خيبر) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [المضمضة من السويق. أخبرنا محمد بن سلمة والحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع واللفظ له، عن ابن القاسم قال: حدثني مالك عن يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار مولى بني حارثة أن سويد بن النعمان ﵁ أخبره: (أنه خرج مع رسول الله ﷺ عام خيبر حتى إذا كانوا بالصهباء - وهي من أدنى خيبر - صلى العصر، ثم دعا بالأزواد فلم يؤت إلا بالسويق، فأمر به فثري فأكل وأكلنا، ثم قام إلى المغرب فتمضمض وتمضمضنا، ثم صلى ولم يتوضأ)]. السويق هو: حب الحنطة المحموص. وقوله: (ثري) يعني: بلّ بالماء، فأكلوا ولم يتوضئوا وإنما تمضمضوا، والمضمضمة مباحه لإزالة ما علق بالفم في الأسنان. وجاء في حديث آخر أنه قال: (إن له دسماً) فتمضمض من السويق لإزالة ما علق بالفم والأسنان، ولم يتوضأ ﵊ مع أن السويق مسته النار، فدل هذا على نسخ الأمر بالوضوء مما مسته النار.

стр. 300

المضمضة من اللبن

стр. 301

شرح حديث تمضمض رسول الله بعد شربه لبناً قال المؤلف رحمه الله تعالى: [المضمضة من اللبن. أخبرنا قتيبة قال: حدثنا الليث عن عقيل عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس ﵄: (أن النبي ﷺ شرب لبناًَ ثم دعا بماء فتمضمض، ثم قال: إن له دسماً)]. هذه المضمضمة مباحة لإزالة الدسم.

стр. 302

شرح سنن النسائي_ كتاب الطهارة [١٠] موجبات الغسل كثيرة، منها ما يشترك فيها الرجال والنساء مثل التقاء الختانين وإنزال المني وكذلك غسل الكافر إذا أسلم على القول بوجوبه، وجمهور العلماء على استحبابه.

стр. 303

ذكر ما يوجب الغسل وما لا يوجبه، غسل الكافر إذا أسلم

стр. 304

شرح حديث قيس بن عاصم أنه أسلم فأمره النبي أن يغتسل بماء وسدر قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر ما يوجب الغسل وما لا يوجبه، غسل الكافر إذا أسلم. أخبرنا عمرو بن علي حدثنا يحيى حدثنا سفيان عن الأغر - وهو ابن الصباح - عن خليفة بن حصين عن قيس بن عاصم ﵁: (أنه أسلم فأمره النبي ﷺ أن يغتسل بماء وسدر)]. هذا الحديث فيه اغتسال الكافر، فالنبي ﷺ أمره أن يغتسل، وقد اختلف العلماء في حكم غسل الكافر هل هو واجب أو مستحب، فالجمهور على أنه مستحب. وفي هذا الحديث أنه أمره النبي أن يغتسل، لكن صرف الأمر عن الوجوب أنه أسلم يوم فتح مكة جمع غفير، ولم يأمرهم النبي ﷺ بالغسل، فدل على أن هذا الغسل مستحب. وذهب أحمد وجماعة على أنه للوجوب. وسواء تقدم الغسل على الإسلام أو تأخر، فقد جاء هذا وهذا، يعني: أنه إذا أسلم يغتسل، أو يغتسل ثم يسلم، وجاء في اللفظ الآخر: (ألق عنك شعر الكفر وأسلم)، وفي هذا استحباب حلق الشعر.

стр. 305

تقديم غسل الكافر إذا أراد أن يسلم

стр. 306

شرح حديث قصة إسلام ثمامة بن أثال قال المؤلف رحمه الله تعالى: [تقديم غسل الكافر إذا أراد أن يسلم. أخبرنا قتيبة قال: حدثنا الليث عن سعيد بن أبي سعيد أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: (إن ثمامة بن أثال الحنفي انطلق إلى نجل قريب من المسجد فاغتسل، ثم دخل المسجد فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله، يا محمد! والله ما كان على الأرض وجه أبغض إلي من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه كلها إلي، وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة، فماذا ترى؟ فبشره رسول الله ﷺ وأمره أن يعتمر. مختصر)]. هذا الحديث رواه البخاري في صحيحه، وهو حديث ثمامة بن أثال وكان سيد بني حنيفة، أراد أن يذهب ليعتمر وهو على شركه وعلى طريقة المشركين، فأخذه فرسان النبي ﷺ ، فجاءوا به إلى المدينة، فأمر به النبي ﷺ فربط في سارية من سواري المسجد ثلاثة أيام؛ وإنما ربط لأجل أن يرى المسلمين ويشاهد الصلاة، ويشاهد المسلمين عند دخولهم وخروجهم. وكان النبي ﷺ في كل يوم يمر عليه -كما في صحيح البخاري - يقول: (ما عندك يا ثمامة؟! فقال: إن تنعم تنعم على شاكر، وإن تقتل تقتل ذا دم، وإن كنت تريد المال فاسأل ما بدا لك). يعني: إن أنعمت علي فأنا شاكر أقدر المعروف، وإن تقتل تقتل رجلاً عظيماً له مكانته في مجتمعه، وإن كنت تريد المال فاسأل ما بدا لك. فكان النبي ﷺ يتركه، ثم يأتيه من الغد فيقول مثل ذلك: (ما عندك يا ثمامة؟ فيقول: إن تنعم تنعم على شاكر، وإن تقتل تقتل ذا دم، وإن كنت تريد المال فاسأل ما بدا لك، ثم تركه، وجاءه في اليوم الثالث فقال مثل ذلك). فتوسم فيه النبي ﷺ أنه رغب في الإسلام، فقال: (أطلقوا ثمامة، فأطلقوه، فذهب إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل، ثم جاء فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداًَ عبده ورسوله). وهذا الحديث فيه أنه اغتسل هو، وأنه لم يأمره النبي ﷺ بالاغتسال فاغتسل قبل أن يسلم، ثم قال: (يا رسول الله! ما كان على وجه الأرض وجه أبغض إلي من وجهك - يعني: قبل أن يسلم - فوجهك الآن أحب الوجوه إلي). وفي صحيح البخاري زيادة: (وما كان دين على وجه الأرض أبغض إلي من دينك، فالآن دينك أحب الأديان إلي، وما كان بلد أبغض إلي من بلدك، فبلدك الآن أحب البلاد إلي). فانظر إلى الإسلام كيف غيره في ساعة واحدة، وكيف غير وجهه وغير ما في قلبه في لحظة وفي ساعة واحدة، فقد كان أبغض الوجوه إليه وجه النبي ﷺ ، فصار أحب الوجوه إليه، وكانت أبغض البلاد إليه بلد النبي ﷺ ، فصارت أحب البلاد إليه، وكان أبغض الأديان إليه دين الإسلام فصار أحب الأديان إليه. قوله: (فانطلق إلى نجل) روي بالجيم ورواية بالخاء، والنجل هو: الماء الجاري القليل. (ثم قال: يا رسول الله! إن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة، فبشره النبي ﷺ وأمره أن يعتمر). وهذا فيه دليل على أن الكافر إذا أسلم ونوى شيئاً من الخير عليه أن ينفذه. ومن ذلك أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: (يا رسول الله! إني نذرت أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام في الجاهلية، فقال له النبي ﷺ : أوف بنذرك) فوفى بنذره الذي كان قد نذره في الجاهلية. وفي البخاري أن ثمامة بن أثال لما ذهب إلى مكة قالوا له: صبوت يا ثمامة! خرجت من دينك، وجعلوا يذمونه، فقال: لا، بل أسلمت لله رب العالمين، والله لا تأتينكم حبة من اليمامة حتى يأذن فيها رسول الله ﷺ . وهذا حصار اقتصادي؛ لأن أهل مكة ليس عندهم حبوب ولا أرض يزرعون فيها، وإنما عندهم جبال تحيط بهم، فقال لهم: إذا أنتم تسبونه وتعيبونه فلن تأتيكم حبوب إلا إذا أذن فيها النبي ﷺ . والشاهد من الحديث: أنه اغتسل قبل أن يسلم. وفي الحديث الآخر: (أن النبي ﷺ أمره أن يغتسل)، وأما هنا ففيه أنه اغتسل بدون أمر النبي ﷺ ، وليس فيه أن الرسول ﷺ أمره، وفيه أنه اغتسل قبل أن يسلم. وهذا يدل على أن الغسل ليس بواجب؛ لأنه لو كان واجباً لقال له: اغتسل، لكن ليس فيه أن النبي عارض ذلك، وليس فيه أنه قال للنبي ﷺ : إني سأسلم، بل هو من نفسه ذهب واغتسل ثم جاء وتشهد شهادة الحق، وشهد لله بالوحدانية ولنبيه بالرسالة. والنبي ﷺ ربطه ثلاثة أيام في المدينة، وهذا ممنوع في مكة، وهذا من المفارقات بين مكة والمدينة، فمكة لا يدخلها كافر، كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة:٢٨]. وأما في المدينة فقد ربط النبي ﷺ ثمامة بن أثال، وجاءت الوفود أيضاً في سنة الوفود، وكان الوفود كلهم كفاراً، ومع هذا جاءوا ودخلوا المدينة وأسلموا، وأيضاً نصارى نجران جاءوا المدينة ودخلوا المدينة، فمنع الكافر إنما هو خاص بمكة والمسجد الحرم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة:٢٨].

стр. 307

الغسل من مواراة المشرك

стр. 308

شرح حديث علي (إن أبا طالب مات) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [الغسل من مواراة المشرك. أخبرنا محمد بن المثنى عن محمد حدثني شعبة عن أبي إسحاق قال: سمعت ناجية بن كعب عن علي ﵁: (أنه أتى النبي ﷺ فقال: إن أبا طالب مات، فقال: اذهب فواره، قال: إنه مات مشركاً، قال: اذهب فواره، فلما واريته رجعت إليه فقال لي: اغتسل)]. ابن إسحاق في السنن الكبرى عنعن، لكنه هنا صرح بالسماع، فزال ما يخشى من تدليسه. وهذا الحديث فيه دليل على مشروعية الاغتسال من مواراة المشرك ودفنه، فالمشرك يوارى، والمسلم يدفن على ما جاء به الشرع: يغسل ويصلى عليه ويدفن في اللحد. أما الكافر فإنه يحفر له حفرة ويوارى فيها؛ حتى لا يتأذى المسلمون برائحته ولا يتأذى به أهله برؤيته؛ لأن الكافر لا حرمة له، ولهذا قال: (إن أبا طالب مات مشركاً)، وفي اللفظ الآخر عند أبي داود: (إن عمك الشيخ الضال مات، قال: اذهب فواره). وقوله: (إن عمك الشيخ الضال مات) فيه دليل على أن أبا طالب مات على الشرك، وفيه الرد على الرافضة الذين يقولون بإسلامه، فإن الرافضة يقولون: إن أبا طالب مسلم، ويزورونه، فهم مثله، نسأل الله السلامة والعافية. ومما يؤيد أنه مات مشركاً ما ثبت في صحيح البخاري أن النبي ﷺ حضر أبا طالب لما حضرته الوفاة، فقال: (يا عم! قل: لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله، وعنده عبد الله بن المغيرة وأبو جهل، فقالا له: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فأعاد عليه النبي ﷺ ، فأعادا، فكان آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله). والصحيح: أنه مات على الشرك، نسأل الله السلامة والعافية. ولله في ذلك الحكمة البالغة، ومن الحكم: أن يعلم الناس أن النبي ﷺ بشر، وأنه ليس بيده شيء من هداية القلوب، بل هداية القلوب بيد الله، ولو كان يستطيع أن يهدي أحداً لهدى عمه الذي يأويه وينصره، ولهذا صار يقال: النبي ﵊ ما هدى عمه، كما أن إبراهيم ما هدى أباه، وكذلك نوح ما هدى ابنه، فالهداية بيد الله. وهذا الحديث فيه دليل على استحباب الغسل من مواراة المشرك ودفن المسلم، والحكمة في ذلك - والله أعلم - أن المسلم إذا دفن قريبه أو واراه إذا كان مشركاً يحصل له بعض الضعف؛ فشرع الغسل ليكون جبراً لما حصل له من الضعف؛ لأن الغسل يفيده النشاط وإزالة الضعف الذي حصل من مواراته لقريب مشرك، كما أنه يستحب الاغتسال من غسل الميت إذا غسله، وليس بواجب؛ لأنه إذا غسل ميتاً أو قلبه حصل له بعض الضعف، فشرع الغسل؛ ليفيده النشاط وليكون جبراً لهذا الضعف. وغسل الميت لا يوجب الوضوء، وليس من النواقض، وقد ذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ أنه من نواقض الوضوء. والصواب أن غسل الميت لا يوجب الوضوء؛ لأن الحديث ضعيف في هذا. وكذلك مس المرأة بشهوة الصواب أنه لا ينقض الوضوء، وهذه ذكرها الحنابلة في النواقض، فإنهم قالوا: نواقض الوضوء ثمانية، وذكروا منها: مس المرأة بشهوة، ومس الفرج باليد قبلاً كان أو دبراً، وهذا صحيح، وأما مس المرأة بشهوة فالصواب أنه لا ينقض الوضوء إلا إذا خرج منه شيء، وكذلك غسل الميت لا ينقض الوضوء. والقيء إذا كان قليلاً يعفى عنه، أما إذا كان كثيراً فإنه ينبغي أن يتوضأ؛ لأن العلماء حكموا عليه بالنجاسة إذا كان كثيراً. وأما لحم الإبل فيجب الوضوء منه كله حتى ولو كان نيئاً غير مطبوخ، ولو لم تمسه النار، وهذا خاص بلحم الإبل. والأمر بالغسل من غسل الميت يدل على الاستحباب؛ لأنه وقعت قضايا أخرى وما أمرهم النبي ﷺ بالاغتسال، فيكون هذا صارفاً للأمر إلى الاستحباب.

стр. 309

وجوب الغسل إذا التقى الختانان

стр. 310

شرح حديث: (إذا جلس بين شعبها الأربع ثم اجتهد) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب وجوب الغسل إذا التقى الختانان. أخبرنا محمد بن عبد الأعلى حدثنا خالد حدثنا شعبة عن قتادة قال: سمعت الحسن يحدث عن أبي رافع عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إذا جلس بين شعبها الأربع ثم اجتهد فقد وجب الغسل). أخبرنا إبراهيم بن يعقوب بن إسحاق الجوزجاني حدثني عبد الله بن يوسف حدثنا عيسى بن يونس حدثنا أشعث بن عبد الملك عن ابن سيرين عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إذا قعد بين شعبها الأربع ثم اجتهد فقد وجب الغسل). قال أبو عبد الرحمن: هذا خطأ، والصواب: أشعث عن الحسن عن أبي هريرة، وقد روى الحديث عن شعبة النضر بن شميل وغيره كما رواه خالد]. هذه الأحاديث دليل لما ترجم له المؤلف ﵀، وهو أن الغسل يجب من التقاء الختانين، فإذا التقى الختانان فإنه يجب الغسل، ففي صحيح مسلم: (إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل وإن لم ينزل). وكان في أول الإسلام لا يجب الغسل إلا إذا أنزل، وإذا جامع ولم يمذ فإنه يغسل ذكره ويتوضأ، ثم نسخ ذلك واستقرت الشريعة على أن الغسل يجب من التقاء الختانين، فإذا غيب الحشفة في الفرج فإنه يجب الغسل، والحشفة هي: طرف الذكر، فإذا غيبها يجب الغسل ولو لم ينزل، وإذا أنزل فإنه يجب الغسل أيضاً بالإنزال حتى ولو بغير الجماع. وقوله: (وإذا جلس بين شعبها الأربع) يعني: شعب المرأة، وهي يداها ورجلاها أو فخذاها على خلاف بين العلماء، وذكر هذا فيه كناية عن الجماع. وقوله: (فقد وجب الغسل) في صحيح مسلم: (وإن لم ينزل) فدل على أن الغسل يجب بالتقاء الختانين، وقد يخفى هذا على بعض الناس، ومن العجائب أن بعض الناس يسأل ويقول: أظن أنه لا يجب الغسل إلا من الإنزال، ويجامع وإذا لم ينزل لا يغتسل، فهذا من العجائب! وقول المؤلف ﵀: (وهذا خطأ) يعني: أن السند الثاني خطأ، والصواب السند الأول، وأنه من رواية خالد عن شعبة عن قتادة عن الحسن عن أبي رافع عن أبي هريرة ﵁. وقوله: عن الحسن عن أبي هريرة لعله سقطت كلمة (أبي رافع)؛ لأن الحسن لم يسمع من أبي هريرة.

стр. 311

الغسل من المني

стр. 312

شرح حديث (إذا رأيت المني فاغسل ذكرك) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [الغسل من المني. أخبرنا قتيبة بن سعيد وعلي بن حجر واللفظ لـ قتيبة قالا: حدثنا عبيدة بن حميد عن الركين بن الربيع عن حصين بن قبيصة عن علي ﵁ قال: (كنت رجلاً مذاءً فقال لي رسول الله ﷺ : إذا رأيت المذي فاغسل ذكرك وتوضأ وضوءك للصلاة، وإذا فضخت الماء فاغتسل). أخبرنا عبيد الله بن سعيد قال: أنبأنا عبد الرحمن عن زائدة ح وأخبرنا إسحاق بن إبراهيم واللفظ له حدثنا أبو الوليد حدثنا زائدة عن الركين بن الربيع بن عميلة الفزاري عن حصين بن قبيصة عن علي ﵁ قال: (كنت رجلاً مذاءً فسألت النبي ﷺ فقال: إذا رأيت المذي فتوضأ واغسل ذكرك، وإذا رأيت فضخ الماء فاغتسل)]. الأحاديث الأولى فيها الغسل من الجماع ولو لم ينزل، وهذا فيه الغسل من المني، فإذا خرج المني دفقاً فإنه يوجب الغسل. والفضخ: هو خروج المني دفقاً بقوة، سواء كان في اليقظة أو في النوم، فإنه يوجب الغسل، أما إذا خرج بدون دفق فإنه لا يجب الغسل كما إذا خرج من المريض، فقد يصاب الإنسان بالمرض فيخرج منه المني مثل خروج البول، فقد يصاب بمرض يسمى الإبرة، فإذا خرج بدون دفق فلا يوجب الغسل، وإنما يوجب الوضوء، ويكون من جنس البول، ولهذا قال: (إذا فخضت) والفضخ: الخروج بقوة، سواء في اليقظة أو في النوم. والجماع وحده يوجب الغسل ولو لم ينزل، فإذا أنزل دفقاً بلذة في اليقظة أو في النوم وجب الغسل ولو بغير جماع. فالغسل له موجبات، ومن موجباته: الجماع، ومن موجباته: خروج المني دفقاً بلذة. وهذا الحديث فيه: أن المذي لا يوجب الغسل، وإنما يوجب غسل الذكر، ولذا قال: (واغسل ذكرك). وقول علي ﵁: (كنت رجلاً مذاءً) يعني: كثير المذي، وفي اللفظ الآخر قال: (فاستحييت أن أسأل النبي ﷺ لمكان ابنته مني، فأمرت المقداد فسأله، فقال: اغسل ذكرك وتوضأ) وفي اللفظ الآخر: (اغسل ذكرك وأنثييك) يعني: الخصيتين، وعلى هذا فيجب غسل الذكر والخصيتين. ولعل الحكمة في ذلك: أن يتقلص الخارج، وأما البول فإنه لا يغسل الذكر ولا الأنثيين، وإنما يغسل رأس الذكر مكان الخارج. والمذي لا يوجب الغسل، وإنما يوجب الوضوء، وأما خروج المني دفقة بلذة فإنه يوجب الغسل، سواء كان في اليقظة أو في النوم. فإذا خرج المني من دون احتلام بدون دفق فلا يوجب الغسل، كما يحصل عند الملاعبة أو عند التذكر، فقد يخرج منه المني بدون دفق ولذة فلا يجب الغسل، والاحتلام يوجب الغسل حتى ولو لم يذكر احتلاماً.

стр. 313

غسل المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل

стр. 314

شرح حديث سؤال أم سليم (رسول الله عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [غسل المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل. أخبرنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا عبدة حدثنا سعيد عن قتادة عن أنس ﵁: (أن أم سليم سألت رسول الله ﷺ عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل، قال: إذا أنزلت الماء فلتغتسل)]. هذا فيه أن المرأة إذا رأت ما يرى الرجل فإنها تغتسل إذا خرج منها المني، فإذا رأت في النوم ما يرى الرجل من الاحتلام والجماع ثم خرج منها الماء ورأت الماء فأنه يجب عليها الغسل، كالرجل سواء بسواء؛ والنساء شقائق الرجال. أما إذا احتلم الإنسان ورأى أنه يجامع ولم يجد بللاً لا في ثيابه ولا في بدنه، فلا يجب عليه الغسل، كما سيأتي في الحديث: (إنما الماء من الماء) وهذا في النوم، فإذا احتلم في الليل ورأى أنه يجامع ولم يخرج منه مني فلا يجب عليه الغسل، وإذا وجد المني في ثيابه أو في بدنه يجب عليه الغسل ولو لم يذكر احتلاماً؛ لقول النبي ﷺ : (إنما الماء من الماء). وإذا وقع المني على الثوب يجب غسله؛ لحديث عائشة قالت: (كنت أغسل المني من ثوب رسول الله ﷺ فيخرج إلى الصلاة وإني أرى أثر بقع الماء في ثوبه)، وفي الحديث الآخر: (كنت أحكه يابساً بظفري من ثوب رسول الله ﷺ . وهذا يدل على أنه طاهر، لكن يحت من باب النظافة.

стр. 315

شرح حديث تكليم أم سليم رسول الله في رؤية المرأة في منامها ما يرى الرجل قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أخبرنا كثير بن عبيد عن محمد بن حرب عن الزبيدي عن الزهري عن عروة أن عائشة ﵂ أخبرته: (أن أم سليم كلمت رسول الله ﷺ وعائشة جالسة، فقالت له: يا رسول الله! إن الله لا يستحي من الحق، أرأيت المرأة ترى في النوم ما يرى الرجل أفتغتسل من ذلك؟ فقال لها رسول الله ﷺ : نعم، قالت عائشة: فقلت لها: أف لك، أو ترى المرأة ذلك؟ فالتفت إلي رسول الله ﷺ فقال: تربت يمينك! فمن أين يكون الشبه؟)]. هذا الحديث فيه أن المرأة تحتلم، وإنكار عائشة ﵂ وكذلك أم سلمة يدل على أن الاحتلام في النساء قليل، ولذا أنكرت عائشة وقال بعضهم: إن أزواج النبي ﷺ لا يحتلمن؛ تكريماً للنبي ﷺ . والمقصود: أن المرأة تحتلم، ولذا قال: (فمن أين يكون الشبه؟) يعني: أن الإنسان مخلوق من ماء الرجل وماء المرأة، والشبه يكون للرجل ويكون للمرأة، كما سيأتي، فإذا سبق ماء الرجل كان الشبه له، وإذا سبق ماء المرأة كان الشبه لها.

стр. 316

شرح حديث غسل المرأة من رؤيتها الماء بعد الاحتلام قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أخبرنا شعيب بن يوسف حدثنا يحيى عن هشام أخبرني أبي عن زينب بنت أم سلمة عن أم سلمة ﵂: (أن امرأة قالت: يا رسول الله! إن الله لا يستحي من الحق؛ هل على المرأة غسل إذا هي احتلمت؟ قال: نعم؛ إذا رأت الماء، فضحكت أم سلمة فقالت: أتحتلم المرأة؟ فقال رسول الله ﷺ : ففيمَ يشبهها الولد؟)]. هذا الحديث فيه إثبات صفة الحياء لله ، وذلك في قوله: (إن الله لا يستحي من الحق)، وفي الحديث: (إن الله حيي ستير)، والله تعالى قال في كتابه: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ [الأحزاب:٥٣]، فصفة الحياء ثابتة لله كما يليق بجلاله وعظمته، لا يشابه حياء المخلوقين. وقوله: [(هل على المرأة غسل إذا هي احتلمت؟ قال: نعم؛ إذا رأت الماء) أي: المني، وفيه دليل على أنه لا حياء في الدين، وأن المرأة لها أن تسأل عما أشكل عليها، وفيه دليل على أن النساء شقائق الرجال، كما في الحديث الآخر، وفيه أنه ينبغي للإنسان أن يعلم أهله فيما يستحى منه. وقوله: (نعم؛ إذا رأت الماء) هذا يدل على أنه يشترط رؤية الماء، ويدل على أن الانتقال وحده لا يكفي، بل لا بد من رؤية المني. وقوله: (فضحكت أم سلمة فقالت: أتحتلم المرأة؟ فقال رسول الله ﷺ : ففيمَ يشبهها الولد؟) يعني: أنه مخلوق من مائها وماء الرجل؛ فلهذا يشبهها ولدها، وهو يدل على أنها تحتلم وترى الماء.

стр. 317

شرح حديث خولة بنت حكيم (سألت رسول الله عن المرأة تحتلم في منامها) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أخبرنا يوسف بن سعيد حدثنا حجاج عن شعبة قال: سمعت عطاءً الخراساني عن سعيد بن المسيب عن خولة بنت حكيم ﵂ قالت: (سألت رسول الله ﷺ عن المرأة تحتلم في منامها؟ فقال: إذا رأت الماء فلتغتسل)]. هذا الحديث صريح في وجوب الغسل من رؤية المني في النوم، سواء كان رجلاً أو امرأة، وأنه معلق برؤية الماء، كما في الحديث الآخر: (إنما الماء من الماء). ويحتمل أنها قصتان، أو أنها قصة واحدة أيدتها رواية أم سلمة.

стр. 318

الذي يحتلم ولا يرى الماء

стр. 319

شرح حديث (الماء من الماء) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الذي يحتلم ولا يرى الماء. أخبرنا عبد الجبار بن العلاء عن سفيان عن عمرو عن عبد الرحمن بن السائب عن عبد الرحمن بن سعاد عن أبي أيوب ﵁ عن النبي ﷺ قال: (الماء من الماء)]. عبد الرحمن بن السائب مقبول، وعبد الرحمن بن سعاد أيضاً مقبول، فالحديث فيه مقبولان فلا يحتج به في الأصول وإنما يحتج به في المتابعات، فيكون شاهداً للحديث الذي في الصحيحين: (إنما الماء من الماء). فسند النسائي هذا فيه مقبولان، فيكون متابعاً لما ثبت في الصحيح: (إنما الماء من الماء)، وهذا من الجناس: فالماء الأول ماء الغسل، والماء الثاني ماء المني، فقوله: (إنما الماء من الماء) أي: إنما يجب ماء الغسل من ماء المني. وهذا الحديث يدل على أن الإنسان إذا احتلم في البيت ولم ير المني فلا يجب عليه الغسل. والجناس معروف في علم البلاغة، وهو: أن يتفق اللفظان أو تتفق الكلمتان في اللفظ وتختلفان في المعنى، فإن الماء الأول هو ماء الغسل، والماء الثاني هو ماء المني، يعني: إنما يجب ماء الغسل من ماء المني. وهذا يكون في اليقظة وفي النوم، فيجب الغسل إذا وجد الماء من الاحتلام، أما الجماع فإنه يوجب الغسل أيضاً ولو بدون خروج المني، فيكون الجماع موجباً مستقلاً للغسل سواء خرج المني أو لم يخرج، فخروج المني موجب للغسل في اليقظة وفي النوم. فقوله: (إنما الماء من الماء) منسوخ في الجماع، وباقٍ في الاحتلام، وقد كان في أول الإسلام إذا جامع الإنسان ولم يمن يغسل ذكره ويتوضأ، ثم نسخ ذلك، فاستقر في الشريعة وجوب الغسل من الجماع، وبقي حديث: (إنما الماء من الماء) في وجوب الغسل في اليقظة أو في النوم عند خروج المني.

стр. 320

الفصل بين ماء الرجل وماء المرأة
следующие страницы →