Полный текст (589 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
شرح حديث غسل المرأة من رؤيتها الماء بعد الاحتلام
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أخبرنا شعيب بن يوسف حدثنا يحيى عن هشام أخبرني أبي عن زينب بنت أم سلمة عن أم سلمة ﵂: (أن امرأة قالت: يا رسول الله! إن الله لا يستحي من الحق؛ هل على المرأة غسل إذا هي احتلمت؟ قال: نعم؛ إذا رأت الماء، فضحكت أم سلمة فقالت: أتحتلم المرأة؟ فقال رسول الله ﷺ : ففيمَ يشبهها الولد؟)].
هذا الحديث فيه إثبات صفة الحياء لله ، وذلك في قوله: (إن الله لا يستحي من الحق)، وفي الحديث: (إن الله حيي ستير)، والله تعالى قال في كتابه: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ [الأحزاب:٥٣]، فصفة الحياء ثابتة لله كما يليق بجلاله وعظمته، لا يشابه حياء المخلوقين.
وقوله: [(هل على المرأة غسل إذا هي احتلمت؟ قال: نعم؛ إذا رأت الماء) أي: المني، وفيه دليل على أنه لا حياء في الدين، وأن المرأة لها أن تسأل عما أشكل عليها، وفيه دليل على أن النساء شقائق الرجال، كما في الحديث الآخر، وفيه أنه ينبغي للإنسان أن يعلم أهله فيما يستحى منه.
وقوله: (نعم؛ إذا رأت الماء) هذا يدل على أنه يشترط رؤية الماء، ويدل على أن الانتقال وحده لا يكفي، بل لا بد من رؤية المني.
وقوله: (فضحكت أم سلمة فقالت: أتحتلم المرأة؟ فقال رسول الله ﷺ : ففيمَ يشبهها الولد؟) يعني: أنه مخلوق من مائها وماء الرجل؛ فلهذا يشبهها ولدها، وهو يدل على أنها تحتلم وترى الماء.
стр. 317
شرح حديث خولة بنت حكيم (سألت رسول الله عن المرأة تحتلم في منامها)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أخبرنا يوسف بن سعيد حدثنا حجاج عن شعبة قال: سمعت عطاءً الخراساني عن سعيد بن المسيب عن خولة بنت حكيم ﵂ قالت: (سألت رسول الله ﷺ عن المرأة تحتلم في منامها؟ فقال: إذا رأت الماء فلتغتسل)].
هذا الحديث صريح في وجوب الغسل من رؤية المني في النوم، سواء كان رجلاً أو امرأة، وأنه معلق برؤية الماء، كما في الحديث الآخر: (إنما الماء من الماء).
ويحتمل أنها قصتان، أو أنها قصة واحدة أيدتها رواية أم سلمة.
стр. 318
الذي يحتلم ولا يرى الماء
стр. 319
شرح حديث (الماء من الماء)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الذي يحتلم ولا يرى الماء.
أخبرنا عبد الجبار بن العلاء عن سفيان عن عمرو عن عبد الرحمن بن السائب عن عبد الرحمن بن سعاد عن أبي أيوب ﵁ عن النبي ﷺ قال: (الماء من الماء)].
عبد الرحمن بن السائب مقبول، وعبد الرحمن بن سعاد أيضاً مقبول، فالحديث فيه مقبولان فلا يحتج به في الأصول وإنما يحتج به في المتابعات، فيكون شاهداً للحديث الذي في الصحيحين: (إنما الماء من الماء).
فسند النسائي هذا فيه مقبولان، فيكون متابعاً لما ثبت في الصحيح: (إنما الماء من الماء)، وهذا من الجناس: فالماء الأول ماء الغسل، والماء الثاني ماء المني، فقوله: (إنما الماء من الماء) أي: إنما يجب ماء الغسل من ماء المني.
وهذا الحديث يدل على أن الإنسان إذا احتلم في البيت ولم ير المني فلا يجب عليه الغسل.
والجناس معروف في علم البلاغة، وهو: أن يتفق اللفظان أو تتفق الكلمتان في اللفظ وتختلفان في المعنى، فإن الماء الأول هو ماء الغسل، والماء الثاني هو ماء المني، يعني: إنما يجب ماء الغسل من ماء المني.
وهذا يكون في اليقظة وفي النوم، فيجب الغسل إذا وجد الماء من الاحتلام، أما الجماع فإنه يوجب الغسل أيضاً ولو بدون خروج المني، فيكون الجماع موجباً مستقلاً للغسل سواء خرج المني أو لم يخرج، فخروج المني موجب للغسل في اليقظة وفي النوم.
فقوله: (إنما الماء من الماء) منسوخ في الجماع، وباقٍ في الاحتلام، وقد كان في أول الإسلام إذا جامع الإنسان ولم يمن يغسل ذكره ويتوضأ، ثم نسخ ذلك، فاستقر في الشريعة وجوب الغسل من الجماع، وبقي حديث: (إنما الماء من الماء) في وجوب الغسل في اليقظة أو في النوم عند خروج المني.
стр. 320
الفصل بين ماء الرجل وماء المرأة
стр. 321
شرح حديث (ماء الرجل غليظ أبيض)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الفصل بين ماء الرجل وماء المرأة.
أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أنبأنا عبدة حدثنا سعيد عن قتادة عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ماء الرجل غليظ أبيض، وماء المرأة رقيق أصفر، فأيهما سبق كان الشبه)].
ماء الرجل ماء أبيض غليظ، وماء المرأة ماء رقيق أصفر، وأيهما سبق كان الشبه له، وقد اختلف العلماء في المراد بالسبق، فقيل: المعنى: سبق في الإنزال، وقيل: معنى سبق: أي: غلب، كما ذكرنا، فأيهما سبق في الإنزال كان الشبه له، فإن سبق ماء الرجل في الإنزال كان الشبه له، وإن سبق ماء المرأة كان الشبه لها، وقيل: معنى (إن سبق) يعني: غلب، بمعنى: كثر، فمن غلب ماؤه أو كثر كان الشبه له، فإذا غلب ماء الرجل، كان الشبه له، وإذا غلب ماء المرأة كان الشبه لها.
والإمام مسلم ﵀ أتى بهذا الحديث بروايات متعددة، وفي بعض رواياته: (إذا غلب ماء الرجل أذكر بإذن الله، وإذا غلب ماء المرأة أنث بإذن الله).
وذكر الحديث من طرق متعددة أوسع من الأحاديث التي ذكرها النسائي هنا.
стр. 322
شرح سنن النسائي_ كتاب الطهارة [١١]
يجب على الحائض أن تغتسل إذا طهرت، ويجب على زوجها أن يعتزلها ولا يقربها، وعليها أن تعتزل الصلاة حتى تطهر.
أما الاستحاضة فهي دم يخرج من عرق لسبب من الأسباب، فلا تمتنع من الصلاة، ويجوز لزوجها أن يأتيها.
стр. 323
ذكر الاغتسال من الحيض
стр. 324
شرح حديث فاطمة بنت قيس في الاستحاضة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر الاغتسال من الحيض.
أخبرنا عمران بن يزيد قال: أخبرنا إسماعيل بن عبد الله العدوي قال: حدثنا الأوزاعي قال: حدثنا يحيى بن سعيد قال: حدثني هشام بن عروة عن عروة عن فاطمة بنت قيس من بني أسد قريش ﵂: (أنها أتت النبي ﷺ فذكرت أنها تستحاض، فزعمت أنه قال لها: إنما ذلك عرق، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم صلي)].
هذا الحديث في المستحاضة المعتادة التي لها عادة، فإنها تجلس عادتها، ثم تغتسل ثم بعد ذلك، وتتحفظ من الدم وتصلي وتصوم.
والمستحاضة لها أحوال: الحالة الأولى: أن تكون معتادة، يعني: لها عادة تعرفها، فهذه تجلس عادتها، سواء كانت مبتدئة أو غير مبتدئة؛ فتجلس في أول الشهر - مثلاً - ستة أيام أو سبعة أيام، فإذا انتهت العادة فإنها تغتسل وتتحفظ وتصلي ولو كان معها الدم، لكنها تتوضأ لكل صلاة كما سيأتي.
وهذا الحديث فيه دليل على وجوب الغسل على الحائض، وهذا هو سبب الترجمة بذكر الاغتسال من الحيض، فالحائض يجب عليها أن تغتسل إذا انتهت عادتها كالجنب، فكما أن الجنب يجب عليه أن يغتسل فكذلك الحائض، وكذلك النفساء، ولا يجوز لها أن تصلي حتى تغتسل، ويعتبر الحيض حدثاً أكبر كالجنابة.
وقوله: (فزعمت) يعني: قالت؛ فالزعم يأتي بمعنى القول المحقق، ويأتي بمعنى الادعاء الكاذب، كقوله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ [التغابن:٧].
الحالة الثانية: ألا تكون معتادة، أو تنسى عادتها، ولكن لها تمييز، فتعمل بالتمييز، كما سيأتي في الأحاديث، فدم الحيض دم أسود يعرف منتن، ودم الاستحاضة أحمر أو أصفر رقيق، فإذا جاء الدم الأحمر المنتن فإنها تجلس، وإذا جاء الدم الآخر فتغتسل وتصلي.
والحالة الثالثة: ألا تعرف عادتها وليس لها تمييز، فهذه تجلس ستة أيام أو سبعة أيام على عادتها الشهرية من أول كل شهر.
стр. 325
شرح حديث: (إذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أخبرنا هشام بن عمار قال: حدثنا سهل بن هاشم قال: حدثنا الأوزاعي عن الزهري عن عروة عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: (إذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي)].
كل هذا يدل على وجوب الغسل بعد انتهاء مدة الحيض.
стр. 326
شرح حديث أم حبيبة في الاغتسال من الاستحاضة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عمران بن يزيد قال: حدثنا إسماعيل بن عبد الله قال: حدثنا الأوزاعي قال: حدثنا الزهري عن عروة وعمرة عن عائشة قالت: (استحيضت أم حبيبة بنت جحش سبع سنين، فاشتكت ذلك إلى رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : إن هذه ليست بالحيضة، ولكن هذا عرق، فاغتسلي ثم صلي)].
يعني: فاغتسلي بعد انتهاء مدة الحيض؛ لأنها تعرف عادتها، فتجلس على عادتها قبل أن يأتيها الدم المطلق، والنساء تعرف أنه من أول كل شهر أو من وسط الشهر تكون عادتها ستة أيام أو سبعة أيام أو ثمانية أيام على حسب عادتها، ثم تغتسل وتتحفظ وتصلي ولو كان عليها الدم، لكنها تتوضأ لكل صلاة كما سيأتي.
стр. 327
شرح حديث عائشة في استحاضة أم حبيبة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أخبرنا الربيع بن سليمان بن داود قال: حدثنا عبد الله بن يوسف قال: حدثنا الهيثم بن حميد قال: أخبرني النعمان والأوزاعي وأبو معيد - وهو حفص بن غيلان - عن الزهري قال: أخبرني عروة بن الزبير وعمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة ﵂ قالت: (استحيضت أم حبيبة بنت جحش امرأة عبد الرحمن بن عوف وهي أخت زينب بنت جحش، فاستفتت رسول الله ﷺ ، فقال لها رسول الله ﷺ : إن هذه ليست بالحيضة، ولكن هذا عرق، فإذا أدبرت الحيضة فاغتسلي وصلي، وإذا أقبلت فاتركي لها الصلاة، قالت عائشة ﵂: فكانت تغتسل لكل صلاة وتصلي، وكانت تغتسل أحياناً في مركن في حجرة أختها زينب وهي عند رسول الله ﷺ ، حتى إن حمرة الدم لتعلو الماء، وتخرج فتصلي مع رسول الله ﷺ ، فما يمنعها ذلك من الصلاة)].
استحاضت أم حبيبة، وكذلك زينب أم المؤمنين، وكذلك حمنة، أي: أن كل بنات جحش استحضن.
وهناك من العلماء من عدّ المستحاضات على عهد النبي ﷺ فبلغن تسع مستحاضات.
وهذا الحديث فيه أن الدم كان مطبقاً عليها، وأنه كثير، حتى إنها كانت إذا جلست في مركن تعلو حمرة الدم، والمركن مثل الطست يغسل فيه ثياب.
وفيه أن النبي ﷺ قال: (إنما ذلك عرق - يعني: هذا الدم المطبق-، فإذا أدبرت الحيضة - يعني: انتهت المدة - فاغتسلي وصلي)، فكانت تغتسل لكل صلاة، وهذا اجتهاد منها ولم يأمرها النبي ﷺ بذلك، وإنما هذا من باب النظافة، والواجب إنما هو الغسل عند انتهاء مدة الحيض، فإذا أدبرت العادة وانتهت بإنها تغتسل، فهذا هو الغسل الواجب، وأما كونها تغتسل لكل صلاة فهذا اجتهاد منها.
وقد جاء في بعض الروايات: أنها تجمع بين الصلاتين كما سيأتي، فتجمع بين الظهر والعصر، وتغتسل لهما غسلاً واحداً، فتؤخر الظهر وتعجل العصر، وكذلك تجمع المغرب مع العشاء، فتؤخر المغرب وتعجل العشاء وتغتسل لهما غسلاً واحداً، وتغتسل للفجر، فكانت تغسل ثلاث مرات: تجمع الظهر والعصر وتغتسل لهما غسلاً واحداً، وتجمع المغرب مع العشاء وتغتسل لهما غسلاً واحداً؛ لأن الاستحاضة نوع من المرض، وتغتسل للفجر.
والحديث فيه أنها كانت تصلي مع النبي ولا يمنعها ذلك، لكن تتلجم وتتحفظ حتى لا تلوث ثيابها وتلوث المسجد، وتتوضأ لكل صلاة؛ لأنها في حدث مستمر.
стр. 328
إسناد آخر لحديث عائشة في استحاضة أم حبيبة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن سلمة قال: حدثنا ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن ابن شهاب عن عروة وعمرة عن عائشة ﵂: (أن أم حبيبة ختنة رسول الله ﷺ وتحت عبد الرحمن بن عوف ﵁ استحيضت سبع سنين، فاستفتت رسول الله ﷺ في ذلك؟ فقال رسول الله ﷺ : إن هذه ليست بالحيضة، ولكن هذا عرق، فاغتسلي وصلي)].
قوله: (ختنة الرسول) يعني: أخت زوجته، فالختن هو: قريب الزوجة كأخت زوجته.
وكانت تحت عبد الرحمن بن عوف، وهي أخت حمنة بنت جحش، وكلهن كن مستحاضات.
فقال لها النبي ﷺ : (إنما ذلك عرق) يعني: هذا الدم المطلق عرق وليس بحيضة، فإذا انتهت مدتها فاغتسلي ثم صلي، وكل هذا يدل على أن المستحاضة إذا كانت معتادة تعمل بالعادة، فتجلس عادتها قبل إطلاق الدم، ثم إذا انتهت العادة اغتسلت الغسل الواجب، ثم بعد ذلك تتحفظ وتتلجم وتتوضأ لكل صلاة، وتصوم وتصلي، ولا تمتنع من الصلاة، ولا تمتنع من زوجها أيضاً؛ لأن هذا ليس بحيض، وإنما تمتنع من زوجها ومن الصلاة في وقت الحيض.
والنسائي رحمه لله هنا أتى بهذه الأحاديث المتعددة على طريقة الإمام مسلم في هذا.
стр. 329
إسناد لحديث عائشة في استحاضة أم حبيبة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة قال: حدثني الليث عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة ﵁ الله عنها قالت: (استفتت أم حبيبة بنت جحش ﵂ رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله! إني أستحاض، فقال: إنما ذلك عرق فاغتسلي وصلي، فكانت تغتسل لكل صلاة)].
والخطاب هنا هو لـ أم حبيبة، وقوله: (ذلكِ) بالكسر.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة قال: حدثنا الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن جعفر بن ربيعة عن عراك بن مالك عن عروة عن عائشة ﵂: (أن أم حبيبة سألت رسول الله ﷺ عن الدم، قالت عائشة ﵂ رأيت مركنها ملآن دماً، فقال لها رسول الله ﷺ : امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك، ثم اغتسلي).
أخبرنا قتيبة مرة أخرى ولم يذكر جعفراً].
وهذا الحديث صريح بأنها تعمل بالعادة، وقوله: (امكثي) أي: مدة ما كانت تحبسك عادتك، يعني: قبل إطلاق الدم فإنها فإذا كانت تحبسها عادتها خمسة أيام، تجلس خمسة أيام، سواء من أول الشهر أو من وسطه، فإذا كانت سبعة أيام فإنها تجلس فيها، ثم تغتسل وتصلي ولو كان عليها الدم، ولكن بعد التحفظ.
стр. 330
شرح حديث أم سلمة (أن امرأة كانت تهراق الدم)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة عن مالك عن نافع عن سليمان بن يسار عن أم سلمة ﵂: تعني أن امرأة كانت تهراق الدم على عهد رسول الله ﷺ ، فاستفتت لها أم سلمة رسول الله ﷺ فقال: (لتنظر عدد الليالي والأيام التي كانت تحيض من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها، فلتترك الصلاة قدر ذلك من الشهر، فإذا خلفت ذلك فلتغتسل، ثم لتستثفر، ثم لتصلي)].
والصحيح بأنها تجلس عدد الأيام التي كانت تجلسها قبل أن يسقط عليها الدم، فإذا انتهت الأيام فإنها تغتسل وتستثفر، يعني: تتلجم وتتحفظ بأن تضع على فرجها حفائظ، والحفائظ الآن موجودة، وكانت المرأة في الأول تجعل شيئاً من القماش تربطه على فرجها، فبعدما تغتسل تتحفظ وتصلي ولو كان عليها الدم، لكن عليها أن تتوضأ لكل صلاة؛ لأنها على حدث دائم.
والمستحاضة هي مثل من به سلس البول، فلا بد أن يتوضأ لكل صلاة؛ لأنه على حدث دائم، فإذا دخل الوقت تتوضأ، ولا يؤثر بعد ذلك خروج الحدث، لكن لا تتوضأ إلا بعد دخول الوقت.
والمستحاضة لها أن تجمع بين الصلاتين بوضوء واحد؛ لأن الاستحاضة نوع من المرض، كما بينه ﷺ للتي جاءته تسأله عن الاستحاضة فكانت تؤخر الظهر إلى آخر وقتها، وتعجل العصر في أول وقتها، وهذا جمع صوري، يعني: إذا بقي من وقت الظهر مقدار أربع ركعات صلت الظهر، ثم يدخل وقت العصر فتصلي بعدها العصر، وكذلك صلاة المغرب تؤخرها إلى آخر وقتها قبل مغيب الشفق، وتعجل العشاء.
стр. 331
ذكر الأقراء
стр. 332
شرح حديث عائشة في انتظار المستحاضة أم سلمة (أن امرأة كانت تهراق الدم)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر الأقراء.
أخبرنا الربيع بن سليمان بن داود بن إبراهيم قال: حدثنا إسحاق بن بكر قال: حدثني أبي عن يزيد بن عبد الله عن أبي بكر بن محمد عن عمرة عن عائشة ﵂: (أن أم حبيبة بنت جحش التي كانت تحت عبد الرحمن بن عوف ﵁، وأنها استحيضت لا تطهر، فذكر شأنها لرسول الله ﷺ فقال: إنها ليست بالحيضة، ولكنها ركضة من الرحم، فلتنظر قدر قرئها التي كانت تحيض لها فلتترك الصلاة، ثم تنظر ما بعد ذلك فلتغتسل عند كل صلاة)].
يعني: أنها تجلس لعادتها، والأقراء جمع فرء، واختلف في القرء هل هو الحيض أو الطهر.
فمن العلماء من قال: إن المراد بالأقراء: الحيض، وهم الحنابلة، ومنهم من قال: المراد بها: الطهر، ومنهم من قال: إنها من الأضداد، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة:٢٢٨]، حيث تعتد بالحيض أو تعتد بالأطهار، والحنابلة يقولون: تعتد بالحيض، وآخرون منهم الشافعي وجماعة يقولون: تعتد بالأطهار.
والحديث هنا صريح في أنه الحيض: (فلتنظر قدر قرئها) يعني: قدر المدة التي تحيضها قبل أن يسقط عليها الدم، فسمى الحيض قرءاً، فدل على أن الأقراء هي الحيض، فالأرجح أن الأقراء هي الحيض، وقد يطلق القرء على الأطهار.
стр. 333
إسناد آخر لحديث عائشة في انتظار المستحاضة قدر قرئها التي كانت تحيض
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن المثنى قال: حدثنا سفيان عن الزهري عن عمرة عن عائشة ﵂: (أن أم حبيبة بنت جحش كانت تستحاض سبع سنين، فسألت النبي ﷺ فقال: ليست بالحيضة؛ إنما هو عرق.
فأمرها أن تترك الصلاة قدر أقرائها وحيضتها، وتغتسل وتصلي، فكانت تغتسل عند كل صلاة)].
وهذا صريح في أن المراد بالأقراء الحيض؛ وذلك في قوله: (قدر أقرائها).
وكانت تغتسل لكل صلاة اجتهاداً منها؛ من باب النظافة.
стр. 334
شرح حديث فاطمة بنت أبي حبيش في ترك الصلاة في القرء
[أخبرنا عيسى بن حماد قال: حدثنا الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن بكير بن عبد الله عن المنذر بن المغيرة عن عروة: أن فاطمة بنت أبي حبيش حدثت: (أنها أتت رسول الله ﷺ فشكت إليه الدم، فقال لها رسول الله ﷺ : إنما ذلك عرق، فانظري إذا أتاك قرؤك فلا تصلي، فإذا مر قرؤك فتطهري ثم صلي ما بين القرء إلى القرء)].
وهذا أيضاً صريح في أن المراد بالقرء الحيض، فإنه قال: (إذا أتاك قرؤك) يعني: حيضك، والقَرء جمعه أقراء، مثل فلس وأفلاس، ويقال: قُرْء أيضاً، ولكن قدم في القاموس الفتح، قرء وأقراء، ويقال: قُرْء وأقراء.
فهذا الحديث دليل على أن الأقراء هي الحيض، ودل على أن المراد بالأقراء في قوله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة:٢٢٨] الحيض، يعني: إذا مرت ثلاث حيضات خرجت من العدة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [هذا الدليل على أن الأقراء حيض.
قال أبو عبد الرحمن: وقد روى هذا الحديث هشام بن عروة عن عروة ولم يذكر فيه ما ذكر المنذر].
أي: هذا دليل على أن الأقراء حيض، والقرء واحد الحيضة، وإذا أريد الجمع فيقال: أقراء.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أخبرنا إسحق بن إبراهيم قال: أخبرنا عبدة ووكيع وأبو معاوية قالوا: حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى رسول الله ﷺ فقالت: (إني امرأة أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ قال: لا، إنما ذلك عرق وليس بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي)].
وهذا الحديث فيه دليل أيضاً على أن الأقراء هي الحيض.
стр. 335
ذكر اغتسال المستحاضة
стр. 336
شرح حديث عائشة في غسل المستحاضة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر اغتسال المستحاضة.
أخبرنا محمد بن بشار قال: حدثنا محمد قال: حدثنا شعبة عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة ﵂: (أن امرأة مستحاضة على عهد رسول الله ﷺ قيل لها: إنه عرق عاند، فأمرت أن تؤخر الظهر وتعجل العصر وتغتسل لهما غسلاً واحداً، وتؤخر المغرب وتعجل العشاء وتغتسل لهما غسلاً واحداً، وتغتسل لصلاة الصبح غسلاً واحداً)].
وهذا فيه جواز الجمع للمستحاضة؛ لأن الاستحاضة نوع من المرض، والآمر لها هو النبي ﷺ ، والأمر بالاغتسال للاستحباب، فإذا جمعت بين الصلاتين فلا بأس، فإذا كان يشق عليها فلها أن تجمع؛ لأنها مريضة، فالاستحاضة نوع من المرض، وهذا الجمع جمع صوري، فتؤخر الظهر وتعجل العصر وتغتسل، وتؤخر المغرب وتعجل العشاء وتغتسل، وتغتسل للفجر، فتغتسل ثلاث مرات، في الظهر والعصر مرة، والمغرب والعشاء مرة، والفجر مرة، وهذا من باب الاستحباب، وإلا فالواجب الغسل عند انتهاء مدة الحيض؛ لأن النبي لم يأمر غيرها بالاغتسال.
стр. 337
الاغتسال من النفاس
стр. 338
شرح حديث: أسماء بنت عميس في اغتسالها للإهلال حين نفست
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الاغتسال من النفاس.
أخبرنا محمد بن قدامة قال: حدثنا جرير عن يحيى بن سعيد عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله ﵄ في حديث أسماء بنت عميس حين نفست بذي الحليفة أن رسول الله ﷺ قال لـ أبي بكر ﵁: (مرها أن تغتسل وتهل)].
هذا فيه الاغتسال للإحرام، والنفاس في هذا الحديث هي أسماء بنت عميس، وهي امرأة أبي بكر، وذلك أنها ولدت بذي الحليفة في حجة الوداع، فأرسلت إلى النبي تسأله ماذا تعمل؟ لأنها تريد أن تحرم، فهي ولدت في الميقات، فأمرها النبي ﷺ أن تتحفظ بالثوب، وتغتسل وتفيض، وهذا يدل على أن الحائض والنفساء تغتسل للإحرام، وهذا الاغتسال ليس بواجب، وإنما هو مستحب للنفساء ولغير النفساء.
ولو قال المؤلف: باب اغتسال النفساء للإحرام، لكان الحديث مطابقاً للترجمة، وأما قوله: باب الاغتسال من النفاس، فليس مطابقاً؛ لأن هذا الاغتسال لا يكفيها، ولأن هذا الاغتسال إنما هو للإحرام، وعلى النفاس إذا انقطع منها الدم أن تغتسل.
والحائض أو النفساء لا تطوف الإفاضة حتى تطهر؛ لقصة صفية ﵂.
стр. 339
الفرق بين دم الحيض والاستحاضة
стр. 340
شرح حديث: (إذا كان دم الحيض فإنه دم أسود يعرف)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الفرق بين دم الحيض والاستحاضة.
أخبرنا محمد بن المثنى قال: حدثنا ابن أبي عدي عن محمد - وهو ابن عمرو بن علقمة بن وقاص - عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن فاطمة بنت أبي حبيش ﵂: (أنها كانت تستحاض، فقال لها رسول الله ﷺ : إذا كان دم الحيض فإنه دم أسود يعرف، فأمسكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر فتوضئي، فإنما هو عرق)].
يعني: أن دم الحيض دم أسود يعرف، يعني: تعرفه النساء، أو له رائحة، وهو منتن، وهذا هو الفرق بين دم الحيض ودم الاستحاضة، فدم الحيض دم أسود ثخين تعرفه النساء، أو أن له عرفاً ورائحة منتنة، وأما دم الاستحاضة فهو دم رقيق خفيف أحمر.
فإذا انتهت مدة دم الحيض فإنها تميز ذلك ولم يكن لها عادة، وإن كان لها تمييز تعمل بالتمييز، فتجلس مدة نزول الدم الأسود الثخين المنتن، فإذا انتهى وجاء الدم الأحمر الرقيق اغتسلت وتحفظت وصلت.
وإذا لم يكن لها عادة وليس لها تمييز فهذه تسمى متحيرة، فتجلس على حسب العادة النسائية؛ على حسب عادة عماتها وخالاتها، فإذا كن يجلسن خمسة أيام فتجلس خمسة أيام وهكذا، ثم تغسل، ولذلك قال: (فاغسلي عنك الدم وصلي).
стр. 341
أسانيد حديث عائشة في استحاضة فاطمة بنت أبي حبيش
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن المثنى قال: حدثنا ابن أبي عدي هذا من كتابه أخبرنا محمد بن المثنى حدثنا ابن أبي عدي من حفظه قال: حدثنا محمد بن عمرو عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة ﵂: (أن فاطمة بنت أبي حبيش ﵂ كانت تستحاض، فقال لها رسول الله ﷺ : إن دم الحيض دم أسود يعرف، فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة، وإذا كان الآخر فتوضئي وصلي).
قال أبو عبد الرحمن: قد روى هذا الحديث غير واحد، لم يذكر أحد منهم ما ذكره ابن أبي عدي.
والله تعالى أعلم].
يعني: أن ابن أبي عدي روى هذا الحديث عن محمد بن عمرو عن ابن شهاب عن عروة بزيادة (توضئي لكل صلاة)، وغيره لم يذكر هذه الزيادة.
وبعضهم قال: إذا كانت الزيادة غير مخالفة والراوي ثقة فإنها مقبولة، والزيادة من الثقة مقبولة، وابن أبي عدي ثقة، وهذه الزيادة فيها فائدتان: الأولى: أنها تغتسل إذا انتهت أيام الحيض، والثانية: أنها تغتسل في كل صلاة، وهي بهذا ليست مخالفة.
لكن بعضهم قال: لا يعمل بالزيادة، فإذا كان الذي زادها خالف الأكثر وخالف الأحفظ، فالعبرة بقول الأكثر والأحفظ، كما مر في مقدمة ابن الصلاح.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أخبرنا يحيى بن حبيب بن عربي قال: حدثنا حماد - وهو ابن زيد - عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: (استحيضت فاطمة بنت أبي حبيش ﵂ فسألت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله! إني أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ قال رسول الله ﷺ : إنما ذلك عرق وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك أثر الدم وتوضئي، فإنما ذلك عرق وليست بالحيضة، قيل له: فالغسل؟ قال: ذلك لا يشك فيه أحد)].
الغسل بعد انتهاء مدة الحيض لا شك فيه، ولا بد منه، ولا تصح الصلاة إلا به.
[قال أبو عبد الرحمن ﵀: لا أعلم أحداً ذكر في هذا الحديث: (وتوضئي) غير حماد بن زيد، وقد روى غير واحد عن هشام ولم يذكر فيه: (وتوضئي)].
يعني: أنه انفرد بهذه الرواية عن هشام من بين تلاميذه، وهذه زيادة ثقة، وليست مخالفة، وعلى قول المتأخرين كالحافظ ابن حجر وغيره تكون مقبولة.
وإنما تكون شاذة إذا خالف راويها، وهو هنا لم يخالف.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة بن سعيد عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: (قالت فاطمة بنت أبي حبيش ﵂: يا رسول الله! لا أطهر أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ : إنما ذلك عرق وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي)].
أي: لأنها معتادة، وإذا كانت معتادة تعمل بالعادة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أخبرنا أبو الأشعث قال: حدثنا خالد بن الحارث قال: سمعت هشام بن عروة يحدث عن أبيه عن عائشة ﵂: (أن بنت أبي حبيش قالت: يا رسول الله! إني لا أطهر، أفأترك الصلاة؟ قال: لا؛ إنما هو عرق).
قال خالد فيما قرأت عليه: (وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي)].
وهذه الأحاديث كلها صريحة في أن المعتادة تعمل بالعادة، وأنها لا تترك الصلاة مدة الدم كلها، وإنما تترك الصلاة مدة عادتها إذا كان لها عادة، وإن لم يكن لها عادة تعمل بالتمييز الصالح، فإن لم يكن لها تمييز ولا عادة تحيضت في علم الله ستة أيام أو سبعة أيام على عادة النساء من أول كل شهر، كما بين ذلك النبي ﷺ في الأحاديث الأخرى، ثم تصلي بقية الأيام.
стр. 342
شرح سنن النسائي_ كتاب الطهارة [١٢]
للغسل أحكام وآداب، ومن ذلك أنه نهي عن اغتسال الجنب في الماء الراكد والبول فيه والاغتسال منه، إلى غير ذلك من الأحكام والآداب.
стр. 343
النهي عن اغتسال الجنب في الماء الدائم
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب النهي عن اغتسال الجنب في الماء الدائم.
أخبرنا سليمان بن داود والحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع واللفظ له عن ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن بكير أن أبا السائب أخبره أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : (لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب)].
هذا الحديث فيه النهي عن اغتسال الإنسان في الماء الدائم وهو جنب، والنهي للتحريم، وهو يقتضي الفساد، فلا يجوز للإنسان أن يغتسل بالماء الدائم وهو جنب، بمعنى: أن يغمس جسمه في الماء الدائم، والدائم هو الذي لا يجري، أما إذا كان يجري فلا حرج أن يغتسل في وسط الماء؛ لأن كل جرية تذهب ويأتي بعدها بدلها.
لكن إذا كان الماء راكداً كأن يكون في بركة فهو منهي عن الاغتسال فيه؛ لأنه قد يكدره على غيره، فإذا اغتسل هذا واغتسل هذا واغتسل هذا، صار الماء مستعملاً، والنهي يقتضي الفساد، فلا يجوز للإنسان أن يغتسل في وسط الماء الراكد، لكن كما قال أبو هريرة لما اغتسل: أغرف منه اغترافاً، فيغترف بيده إلى خارج الماء الدائم، إلى خارج البركة، أو خارج الإناء الذي فيه الماء.
أما أن يغتسل وسطه ويغمس نفسه في الماء الراكد فإن هذا لا يجوز.
وظاهر الحديث أنه لو اغتسل في وسطه لا يجزئه؛ لأنه منهي عنه، والنهي يقتضي الفساد، وإنما يغتسل خارج الماء الدائم، وخارج البركة أو خارج الإناء الكبير الذي فيه الماء.
فلا يجوز للإنسان أن يغتسل في وسطه؛ لأنه منهي عنه، والنهي يقتضي الفساد، وإنما يغتسل خارج الماء الدائم، أو خارج البركة، أو خارج الإناء الكبير الذي فيه الماء.
стр. 344
النهي عن البول في الماء الراكد والاغتسال منه
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب النهي عن البول في الماء الراكد والاغتسال منه.
أخبرنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري عن سفيان عن أبي الزناد عن موسى بن أبي عثمان عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لا يبولن أحدكم في الماء الراكد، ثم يغتسل منه)].
هذا الحديث فيه تحريم البول في الماء الراكد ثم الاغتسال فيه؛ لأنه إذا بال فيه الأول وبال فيه الثاني تنجس، وقد لا يتنجس إذا كان الماء كثيراً، لكنه منهي عن البول فيه؛ لأن هذا وسيلة لتنجيسه، فلا يجوز للإنسان أن يبول في الماء الراكد، ثم يغتسل منه.
وقوله: (ثم يغتسل) بالجزم عطف على البول؛ يعني: لا يجمع بين البول والاغتسال، ويصح: ثم يغتسل منه؛ لأنه قد يحتاج إلى الاغتسال به، والمقصود أنه منهي عن الاغتسال في الماء الراكد، وإذا بال فيه يكون النهي أشد؛ لأنه وسيلة إلى تنجيسه.
ومادام أن الماء لا يجري فهو راكد، لكن إذا كان يجري فهذا لا إشكال فيه؛ لأن الجريان لا يترك مجالاً للنجاسة أن تستقر، فإذا بال في الماء الذي يجري أو اغتسل في الماء الذي يجري فلا حرج، وذلك أنها تذهب الجرية ويأتي بعدها غيرها، لكن إذا كان راكداً لا يجري سواء تحرك أو لم يتحرك فهو راكد سواء كان في بركة أو في إناء كبير، كالإناء المصنوع من حصى أو من القرو فلا يجوز للإنسان أن يغتسل في وسطه، وإذا بال فيه يكون أشد نهياً، وإنما إذا أراد الاغتسال يغترف منه اغترافاً كما سئل أبو هريرة: ماذا يفعل؟ قال: يغترف منه اغترافاً، فيغترف بيده أو بإناء، ويكون خارج الماء، أما أن يغتسل فيه فهذا منهي عنه.
وإذا اغتسل وسط الماء يكون الماء مستعملاً ولا يكون نجساً؛ لأن البول وسيلة للتنجيس، وأما الاغتسال فليس وسيلة للتنجيس، لكن يكون الماء مستعملاً.
وإذا غمس الإنسان نفسه فيه وأتى الثاني والثالث وغمس نفسه فيه أيضاً صار هذا وسيلة إلى أن -مثلاً- يسقط فيه شيء من الفضلات.
والجمهور يرون أنه إذا غمس نفسه فيه يكون الماء مستعملاً ولا يرتفع الحدث؛ لأن النهي يقتضي الفساد، ولا يقتضي هذا إراقة الماء، بل يتركه ليستفاد منه فيستعمل في شيء آخر، فالماء ليس بنجس، لكنه مستعمل.
وإذا بال في الماء الراكد وكان قليلاً -أي: دون القلتين- فهو نجس؛ لحديث: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث)، والقلتان خمس قرب.
والقول الثاني للمحققين: أنه لا ينجس إلا إذا تغيرت أحد أوصافه الثلاثة، لحديث أبي سعيد: (الماء طهور لا ينجسه شيء).
وعلى كل، فالحديث الأول فيه النهي عن الاغتسال في الماء الراكد، لكن الثاني فيه النهى عن البول فيه، ثم الاغتسال منه حتى ولو لم يغتسل فيه، فهو نجس في هذه الحالة.
стр. 345
باب ذكر الاغتسال أول الليل
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب ذكر الاغتسال أول الليل.
أخبرنا عمرو بن هشام قال: حدثنا مخلد عن سفيان عن أبي العلاء عن عبادة بن نسي، عن غضيف بن الحارث ﵁ أنه سأل عائشة ﵂: (أي الليل كان يغتسل رسول الله ﷺ ؟ قالت: ربما اغتسل أول الليل، وربما اغتسل آخره.
قلت: الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة)].
هذا الحديث فيه أنه لا بأس أن يغتسل الجنب أول الليل أو آخره، لكن عليه أن يتوضأ قبل أن ينام؛ كما ثبت في الصحيحين أن عمر ﵁ قال: (أينام أحدنا وهو جنب؟ قال: نعم، إذا توضأ) أي: إذا توضأ فلا بأس أن يؤخر الاغتسال إلى آخر الليل، وإن اغتسل أول الليل فهو أفضل.
стр. 346
الاغتسال أول الليل وآخره
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [الاغتسال أول الليل وآخره.
أخبرنا يحيى بن حبيب بن عربي أخبرنا حماد عن برد عن عبادة بن نسي عن غضيف بن الحارث قال: (دخلت على عائشة ﵂ فسألتها، قلت: أكان رسول الله ﷺ يغتسل من أول الليل أو من آخره؟ قالت: كل ذلك، ربما اغتسل من أوله وربما اغتسل من آخره، قلت: الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة)].
برد هذا: هو برد بن سنان وهو مختلف في توثيقه، والأرجح أنه ثقه.
وعبادة بن نسي بضم النون وفتح المهملة الخفيفة الكندي أبو عمر الشامي قاضي طبرية، ثقة فاضل من الثالثة.
стр. 347
ذكر الاستتار عند الاغتسال
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب ذكر الاستتار عند الاغتسال.
أخبرنا مجاهد بن موسى حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثني يحيى بن الوليد حدثني محل بن خليفة قال: حدثني أبو السمح ﵁ قال: (كنت أخدم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فكان إذا أراد أن يغتسل قال: ولني قفاك، فأوليه قفاي، فأستره به)].
في الحديث مشروعية الاستتار عند الاغتسال، بل يجب الاستتار إذا كان عنده أحد، ولا يجوز للإنسان أن يغتسل عرياناً أمام الناس، أما إذا لم يكن عنده أحد فلا حرج.
وغضيف بالضاد المعجمة مصغراً، ويقال بالطاء المهملة ابن الحارث السكوني ويقال: الثمالي يكنى أبا أسماء وهو حمصي مختلف في صحبته، قال ابن حبان: من قال: الحارث بن غطيف وهم، ومنهم من فرق بين غضيف بن الحارث فأثبت صحبته، وغطيف بن الحارث فقال: إنه تابعي، وهو أشبه، مات عن بضع وستين.
والخلاصة: أن غضيف بن الحارث أبو أسماء الحمصي عن عمرو وبلال وعنه مكحول وعبادة بن نسي وثقه العجلي والنسائي، قال الخليفة: مات في زمان مروان.
стр. 348
شرح حديث اغتسال النبي ﵊ يوم الفتح وفاطمة تستره بثوب
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أخبرنا يعقوب بن إبراهيم عن عبد الرحمن عن مالك عن سالم عن أبي مرة مولى عقيل بن أبي طالب عن أم هانئ ﵂: (أنها ذهبت إلى النبي ﷺ يوم الفتح، فوجدته يغتسل وفاطمة تستره بثوب، فسلمت، فقال: من هذه؟ قلت: أم هانئ، فلما فرغ من غسله قام فصلى ثماني ركعات في ثوب ملتحفاً به)].
هذا الحديث مخرج في الصحيحين، وفيه مشروعية الاستتار عند الاغتسال ووجوبه، وفيه جواز سلام المرأة على الرجل إذا لم يكن هناك ريبة، فـ أم هانئ سلمت على رسول الله، أما قول الشارح أنه يحتمل أنها سلمت على فاطمة فليس بوجيه، فلا بأس بالسلام إذا لم يكن هناك ريبة، أما إذا كانت هناك ريبة فلا، وقوله: (سلمت، فقال: من هذه؟ فقالت: أم هانئ) يعني: الإنسان إذا قيل له: من؟ فليسم نفسه ويقول: فلان ابن فلان، أما أن يقول: أنا، فهذا جاء فيه الكراهة؛ وذلك: (أن جابراً لما جاء إلى النبي ﷺ فقال: من؟ قال: أنا، فقال النبي ﷺ : أنا أنا! كأنه كره ذلك)؛ لأنها لا تفيد التعريف، لكن إذا قيل: من؟ فليقال: فلان، أو أبو فلان، أما أن يقول: أنا، فهذا ليس تعريفاً.
وفيه جواز الصلاة بالثوب الواحد، أو القطعة الواحدة مثل الشرشف فيجوز أن يصلى فيه، فإن كان ضيقاً ائتزر به، وإن كان واسعاً التحف به وجعل طرفيه على كتفيه.
وفيه مشروعية صلاة الضحى، وقال بعضهم: إنها صلاة الفتح، واحتج النووي بهذا على أن أكثر صلاة الضحى ثمان ركعات، والصواب أنه لا حد لأكثرها.
فإن قيل: وهل يؤخذ من حديث أم هانئ جواز رد السلام بلفظ (مرحباً)؟ قلنا: إنما كان ذلك بعد السلام، فلما رد ﵍، قال: (مرحباً بـ أم هانئ).
وفيه أن ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم ولو كانت امرأة، فإذا أمنت امرأة أحد فإنه يؤمن، ففي رواية لـ مسلم: (أنها قالت: يا رسول الله! ابن أمي زعم أنه قاتل رجلاً قد أجرته، فقال: قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ!)؛ لأن الرجل كافراً، وعلي ﵁ أخوها، أراد أن يقتله، فشكت ذلك للنبي ﷺ ، فأثبت إجارته وأمانه وقال: (قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ).
стр. 349
باب ذكر القدر الذي يكتفي به الرجل من الماء للغسل
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب ذكر القدر الذي يكتفي به الرجل من الماء للغسل.
أخبرنا محمد بن عبيد حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة عن موسى الجهني قال: (أتي مجاهد بقدح حزرته ثمانية أرطال فقال: حدثتني عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان يغتسل بمثل هذا)].
قوله: (ثمانية أرطال) أي: ما يقارب صاعاً ونصف؛ لأن الصاع خمسة أرطال ونصف بالعراقي.
стр. 350
شرح حديث اغتسال النبي ﵊ بالصاع
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا خالد حدثنا شعبة عن أبي بكر بن حفص قال: سمعت أبا سلمة يقول: (دخلت على عائشة ﵂ وأخوها من الرضاعة، فسألها عن غسل النبي ﷺ ، فدعت بإناء فيه ماء قدر صاع، فسترت ستراً، فاغتسلت فأفرغت على رأسها ثلاثاً)].
هذا الحديث ظاهره أن أبا سلمة رآها، لكن الأقرب أنها سترت واغتسلت، ورآها أخوها من الرضاعة، أما أبو سلمة فلم يرها.
стр. 351
شرح حديث اغتسال النبي ﵊ بالفرق
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة بن سعيد حدثنا الليث عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة ﵁ أنها قالت: (كان رسول الله ﷺ يغتسل في القدح وهو الفرق، وكنت أغتسل أنا وهو في إناء واحد)].
الفرق إناء يسع ثلاثة آصع، وفيه جواز اغتسال الرجل وزوجته جميعاً من إناء واحد؛ وفيه فوائد منها: جواز اغتسال الرجل وزوجته جميعاً، وفيه تعلم أحدهما من الآخر، وفيه جواز نظر الرجل إلى امرأته ونظرها إليه، وجواز نظر الرجل إلى فرج امرأته، وهي تنظر إلى فرجه؛ لأنها حل له وهو حل لها، وهو يدل على ضعف الحديث الآخر حديث عائشة: (ما رأيت منه ولا رأى مني) يعني: العورة، فهذا ضعيف وليس بصحيح، وفيه جواز اغتسال الرجل بفضل المرأة؛ لأن المرأة إذا اغترفت من الماء صار فضلاً لها، ومع ذلك فليغترفان وفي اللفظ الآخر: (حتى أقول: دع لي، وهو يقول: دعي لي)، وذلك من باب المداعبة، يعني: الماء يقل، فيقول: دعي لي، أبقي لي شيئاً من الماء، وهي تقول: أبق لي.
والفرق: ستة عشر رطلاً، وكل خمسة أرطال تعني: صاعاً، فيكون التقدير ثلاثة أصواع ورطل.
стр. 352
شرح حديث اغتسال النبي ﵊ بخمسة مكاكي
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أخبرنا سويد بن نصر قال: حدثنا عبد الله حدثنا شعبة عن عبد الله بن جبر قال: سمعت أنس بن مالك ﵁ يقول: (كان رسول الله ﷺ يتوضأ بمكوك، ويغتسل بخمسة مكاكي)].
المكوك: هو المد، وهو ملء كفي الرجل، وقوله: (يتوضأ بمكوك، ويغتسل بخمسة مكاكي)؛ يعني: صاعاً ومداً، صاع وربع في الغالب؛ لأنه ﵊ كان يغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد، والمكوك هو المد، ويتوضأ بالمد، وربما توضأ بثلثي المد، ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد.
стр. 353
شرح حديث: (يكفي من الغسل من الجنابة صاع)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة بن سعيد قال: حدثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق عن أبي جعفر قال: تمارينا في الغسل عند جابر بن عبد الله ﵁، فقال جابر: يكفي من الغسل من الجنابة صاع من ماء، قلنا: ما يكفي صاع ولا صاعان، قال جابر: قد كان يكفي من كان خيراً منكم وأكثر شعراً.
].
يقصد رسول الله ﷺ ، فهو خيراً منهم وأكثر شعراً ﵊، فقد كان كث اللحية، وكان طويل شعر الرأس كذلك.
стр. 354
ذكر الدلالة على أنه لا وقت في الغسل
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب ذكر الدلالة على أنه لا وقت في ذلك.
أخبرنا سويد بن نصر حدثنا عبد الله عن معمر عن الزهري (ح) وأخبرنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر وابن جريج عن الزهري عن عروة عن عائشة ﵂ قالت: (كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد، وهو قدر الفرق)].
الفرق: ثلاثة آصع، وهذا ليس فيه تحديد؛ لأن عادة غسله ﷺ بالصاع أو ستة أمداد، وهذا فرق يسع ثلاثة آصع، فدل على أنه ليس هناك شيء محدد أو قسم محدد لا يزيد عليه، لكن لا ينبغي الإسراف، بل يغتسل بصاع أو صاع ونصف، أو ما زاد قليلاً من غير إسراف.
стр. 355
ذكر اغتسال الرجل والمرأة من نسائه من إناء واحد
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب ذكر اغتسال الرجل والمرأة من نسائه من إناء واحد.
أخبرنا سويد بن نصر أخبرنا عبد الله عن هشام بن عروة (ح) وأخبرنا قتيبة عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂: (أن رسول الله ﷺ كان يغتسل وأنا من إناء واحد نغترف منه جميعاً)].
فيه جواز اغتسال الرجل وامرأته من إناء واحد، وأنه لا بأس بنظر أحدهما إلى الآخر، ومن المعلوم أنهما إذا اغتسلا يخلعان الثياب، وأما حديث: (ما رأيت منه ولا رأى مني) يعني: العورة، فحديث ضعيف، وحديث اغتسالهما جميعاً ثابت في الصحيحين أيضاً، ويدل على أنه لا بأس باغتسال الرجل وامرأته معاً.
следующие страницы →