← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 37016

شرح سنن النسائي - الراجحي

عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

Полный текст (589 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

غسل المني من الثوب

стр. 422

شرح حديث عائشة: (كنت أغسل الجنابة من ثوب رسول الله) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب غسل المني من الثوب. أخبرنا سويد بن نصر قال أخبرنا عبد الله عن عمرو بن ميمون الجزري عن سليمان بن يسار عن عائشة ﵂ قالت: (كنت أغسل الجنابة من ثوب رسول الله ﷺ فيخرج إلى الصلاة وإن بقع الماء لفي ثوبه)]. وهذا الغسل من أم المؤمنين لثوبه ﵊ إنما هو من باب النظافة، وإلا فالمني طاهر، ويستحب غسل رطبه وفرك يابسه.

стр. 423

فرك المني من الثوب

стр. 424

شرح حديث عائشة: (كنت أفرك الجنابة من ثوب رسول الله) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب فرك المني من الثوب. أخبرنا قتيبة قال: حدثنا حماد عن أبي هاشم عن أبي مجلز عن الحارث بن نوفل عن عائشة قالت: (كنت أفرك الجنابة -وقالت مرة أخرى- المني من ثوب رسول الله ﷺ . أخبرنا عمرو بن يزيد قال حدثنا بهز حدثنا شعبة قال الحكم: أخبرني عن إبراهيم عن همام بن الحارث أن عائشة ﵂ قالت: (لقد رأيتني وما أزيد على أن أفركه من ثوب رسول الله ﷺ . أخبرنا الحسين بن حريث قال: أخبرنا سفيان عن منصور عن إبراهيم عن همام عن عائشة ﵂ قال: (كنت أفركه من ثوب النبي ﷺ . أخبرنا شعيب بن يوسف عن يحيى بن سعيد عن الأعمش عن إبراهيم عن همام عن عائشة ﵂ قالت: (كنت أراه في ثوب رسول ﷺ فأحكه). أخبرنا قتيبة قال: حدثنا حماد بن زيد عن هشام بن حسان عن أبي معشر عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة ﵂ قالت (لقد رأيتني أفرك الجنابة من ثوب رسول الله ﷺ . أخبرنا محمد بن كامل المروزي قال: حدثنا هشيم عن مغيرة عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة ﵂ قالت: (لقد رأيتني أجده في ثوب رسول الله ﷺ فأحته عنه).

стр. 425

حكم بول الصبي الذي لم يأكل الطعام

стр. 426

شرح حديث أم محصن في قصة بول ابنها في حجر رسول الله باب بول الصبي الذي لم يأكل الطعام. أخبرنا قتيبة عن مالك عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن أم قيس بنت محصن ﵂: (أنها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام إلى رسول الله ﷺ ، فأجلسه رسول الله ﷺ في حجره فبال على ثوبه، فدعا بماء فنضحه ولم يغسله). أخبرنا قتيبة عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: (أتي رسول الله ﷺ بصبي فبال عليه، فدعا بماء فأتبعه إياه)]. هذه الأحاديث فيها دليل على أن بول الصبي الذي لم يأكل الطعام يكتفي فيه بالنضح دون الغسل، وإنما يصب الماء صباً عليه. هذا إذا كان الصبي لم يأكل الطعام وإنما يكتفي باللبن، سواء أكان من أمه أم من الحليب المعلب، أما إذا أكل طعاماً فإنه لا بد من غسل بوله وفركه.

стр. 427

حكم بول الجارية

стр. 428

شرح حديث: (يغسل من بول الجارية) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب بول الجارية. أخبرنا مجاهد بن موسى قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال: حدثنا يحيى بن الوليد قال: حدثني محل بن خليفة قال: حدثني أبو السمح ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (يغسل من بول الجارية، ويرش من بول الغلام)]. الجارية لا بد من غسل بولها ولو أنها لما تأكل الطعام بعد؛ لأن حكم النضح خاص بالغلام. وقد اختلف العلماء في حكمة التفريق بين بول الصبي وبول الجارية، فقيل: إنما ذلك لأن بول الصبي لا يكون في مكان واحد بل ينتشر، وأما بول الجارية فإنه يكون في مكان واحد، فرخص في نضح بول الغلام نظراً للمشقة. وقيل: لأن الصبي يحمله الناس ويحبونه أكثر من الجارية. وقيل: لأن الجارية بولها ينزل إلى الدبر، وقيل غير ذلك، والله أعلم. والكل محتمل، وإنما المقصود: أن علينا أن نمتثل ونقول: سمعنا وأطعنا، ثم إن علمنا الحكمة فهي نور على نور، وإن لم نعلمها فنسلم لأمر الله ورسوله، ونوقن أن الشارع حكيم. إذاً: فالجارية لا بد من غسل بولها. ومحل بن خليفة في هذا السند ثقة لا بأس به. والنضح هو صب الماء على المكان فقط بلا تحريك، والغسل فيه دلك وتحريك.

стр. 429

حكم بول ما يؤكل لحمه

стр. 430

شرح حديث أنس في قصة العرنيين قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب بول ما يؤكل لحمه. أخبرنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا يزيد بن زريع قال: حدثنا سعيد قال: حدثنا قتادة أن أنس بن مالك ﵁ حدثهم: (أن أناساً أو رجالاً من عكل قدموا على رسول الله ﷺ فتكلموا بالإسلام، وقالوا: يا رسول الله! إنا أهل ضرع ولم نكن أهل ريف -واستوخموا المدينة-، فأمر لهم رسول الله ﷺ بذود وراع، وأمرهم أن يخرجوا فيها فيشربوا من ألبانها وأبوالها، فلما صحوا -وكانوا بناحية الحرة- كفروا بعد إسلامهم، وقتلوا راعي النبي ﷺ ، واستاقوا الذود، فبلغ النبي ﷺ ، فبعث الطلب في آثارهم فأتي بهم، فسمروا أعينهم، وقطعوا أيديهم وأرجلهم، ثم تركوا في الحرة على حالهم حتى ماتوا)]. هذا الحديث رواه الشيخان، وفيه: أن هؤلاء الناس جاءوا من عكل نحو النبي ﷺ فتكلموا بالإسلام، فحكم عليهم النبي ﷺ به، ونطقوا بالشهادتين، فقالوا: يا رسول الله! إنّا أهل ضرع، يعني: عشنا في البادية والصحراء، وعندنا غنم وإبل. ثم قالوا: ولم نكن أهل ريف، أي: ما تعودنا أن نسكن في البلد، قوله: (واستوخموا المدينة)؛ لأنهم معتادون على الهواء الطلق، فلما دخلوا المدينة أصابتهم الروائح فمرضوا، قوله: (فأمر لهم النبي ﷺ بذود وراع) الذود: هي الثلاث من الإبل فأكثر، قوله: (وأمرهم أن يخرجوا فيها) أي: أن يخرجوا خارج البلد مع الإبل فيشربوا من ألبانها وأبوالها حتى يصحّوا؛ لأن الذود تأكل من الحشائش في البر، فخرجوا معها، وشربوا من أبوالها وألبانها. قوله: (فلما صحوا) أي: زال ما بهم من المرض والوخم، (كفروا بعد إسلامهم) والعياذ بالله وقتلوا راعي النبي ﷺ ، وفي اللفظ الآخر: أنهم مجموعة رعاة، فقتلوهم، وسرقوا الإبل فاستاقوها، فهؤلاء جمعوا شراً كثيراً: فكفروا بعد إسلامهم، وقتلوا، وسرقوا، وقطعوا الطريق، فلما بلغ النبي ﷺ خبرهم، بعث الطلب في آثارهم، أي: بعث فرساناً يطلبونهم فأتوا بهم، وفي اللفظ الآخر: أنهم أتوا بهم قبل أن يشتد النهار، فسمر النبي ﷺ أعينهم قصاصاً؛ لأنهم فعلوا ذلك بالرعاة أو بالراعي، فاقتص النبي ﷺ منهم فسمر أعينهم، وذلك بأن يؤتى بشيء من الحديد ويحمى بالنار فيوضع على أعينهم قصاصاً كما فعلوا؛ لأنهم سمروا أعين الراعي، وقتلوه وسرقوا الإبل وكفروا بعد إسلامهم، فالنبي أمر بهم فسمرت أعينهم، وقطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف كما فعلوا، وتركوا في الحرة على حالهم حتى ماتوا، وفي اللفظ الآخر: أنهم لهثوا الثرى بألسنتهم، ففعل بهم النبي ﷺ كما فعلوا قصاصاً. وإنما قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف؛ لأنهم قطعوا الطريق، وسرقوا الإبل، ثم تركهم، وفي اللفظ الآخر: (ولم يحسمهم)؛ لأنه أخذ من كل واحد منهم يده اليمنى ورجله اليسرى ولم يوقف نزول الدم، أي: استمر الدم ينزف منهم حتى ماتوا. لكن السارق إذا قطعت يده فتحسم حتى يقف الدم ولا يموت، وأما هؤلاء فالمراد قتلهم؛ لأنهم مرتدون وقطاع طريق، فعاقبهم النبي ﷺ ثم تركهم في الحرة حتى ماتوا، قال أنس كما في رواية مسلم: هؤلاء سرقوا وقتلوا وقطعوا الطريق وكفروا بعد إسلامهم. والشاهد من الحديث: أن النبي ﷺ أمرهم أن يشربوا من أبوال الإبل، فدل على أن البول طاهر، ولم يأمرهم النبي ﷺ بغسل أفواههم، ففيه دلالة على طهارة بول ما يؤكل لحمه، كما هو أصح قولي العلماء خلافاً للشافعي وجماعة، الذين يقولون: إن أبوال الإبل نجسة؛ لأن الأصل أن الأبوال نجسة، بدليل عموم الأحاديث التي فيها الأمر بالتنزه من البول، وقالوا: هذا عام يدخل فيه كل بول. والصواب: أن المراد بتلك الأحاديث بول الآدمي أو بول ما لا يؤكل لحمه، وأما بول ما يؤكل لحمه فهو طاهر، وكذا روثه وفرثه ومنيه، ولهذا أمر النبي ﷺ العرنيين أن يشربوا من أبوال الإبل، فلو كانت نجسة لقال: اغسلوا أفواهكم فإنها نجسة، بل كيف يأمرهم بشربها وهي نجسة؟! وهذه حجة واضحة في طهارة بول ما يؤكل لحمه؛ ولهذا بوب المؤلف بقوله: (باب بول ما يأكل لحمه) ولم يجزم بشيء، فلم يقل: باب طهارة بول ما يؤكل لحمه؛ لأن الخلاف قوي في المسألة، فقال: باب بول ما يؤكل لحمه، يعني: ما حكمه هل هو طاهر أم نجس؟ فترك الحكم للقارئ، وهو طاهر، والتقدير: باب طهارة بول ما يؤكل لحمه، لكن حذف الحكم من أجل الخلاف. وهل ينقض الطهارة شرب أبوال الإبل وألبانها؟ الجواب لا، لا ينقض الطهارة، وإنما ينقضها أكل اللحم، وأما إذا شرب مرقاً أو لبناً أو بولاً فلا حرج، وهذا موجود حتى الآن -أي: الشرب من أبوال الإبل وألبانها- كما في بعض المدن المجاورة للرياض، فقد وجدنا بها بعض الشيوخ الكبار يشربون من أبوال الإبل. فالمقصود: أن أن الأبوال يرى أن فيها صحة وفائدة، وهي كذلك بلا شك؛ لأن النبي ﷺ أمرهم -أي: العرنيين- فاستفادوا وصحوا. وكذلك روث ما يؤكل لحمه طاهر، بل جميع الفضلات. والفرس وإن كان لا يؤكل لحمه، لكن منيه وفضلاته جميعها طاهرة، وبعض العلماء يرى أنه لا ينقض الوضوء إلا اللحم الأحمر وهو الهبر، أما لو أكل من الكرش أو من لحم الرأس أو من الكبد فلا ينقض. والصواب: أن الجميع ينقض. وفي المسألة خلاف بين أهل العلم من الحنابلة وغيرهم، ولكن الصواب ما قدمناه؛ لأن الله تعالى قد قال لما حرم لحم الخنزير: ﴿أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ﴾ [الأنعام:١٤٥]. ولا يقول أحد: إن شحم الخنزير وكذلك لحم رأسه أو كبده طاهرة يجوز أكلها! ونقض الوضوء بلحم الإبل فيه خلاف، فيرى الأئمة الثلاثة أنه لا ينقض الوضوء، ويرون أن ما ورد فيه منسوخ بحديث جابر: (كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ عدم الوضوء مما مست النار). والصواب: أن لحم الإبل مستثنى بأدلة خاصة، كحديث جابر بن سمرة وحديث البراء (توضئوا من لحوم الإبل، ولا تتوضؤا من لحوم الغنم) وسئل النبي ﷺ : (أنتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: إن شئتم، قال: أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم) ولهذا قال الإمام أحمد ﵀: ليس عندي إشكال في وجوب الوضوء من لحم الإبل، ففيه حديثان صحيحان عن النبي ﷺ . ولحم الإبل ينقض الوضوء سواء أكان نيئاً أم مطبوخاً، وأما حديث جابر: (كان آخر الأمرين من النبي ﷺ عدم الوضوء مما مست النار) فهذا خاص بالذي تمسه النار، وأما لحم الإبل فينقض الوضوء ولو لم تمسه النار، فهو ينقض الوضوء مطلقاً سواء أكان في البلد أم في الصحراء.

стр. 431

إسناد آخر لحديث أنس في قصة العرنيين قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن وهب قال: حدثنا محمد بن سلمة قال: حدثني أبو عبد الرحيم قال: حدثني زيد بن أبي أنيسة عن طلحة بن مصرف عن يحيى بن سعيد عن أنس بن مالك ﵁ قال: (قدم أعراب من عرينة إلى النبي ﷺ فأسلموا، فاجتووا المدينة حتى اصفرت ألوانهم وعظمت بطونهم، فبعث بهم رسول الله ﷺ إلى لقاح له، وأمرهم أن يشربوا من ألبانها وأبوالها حتى صحوا، فقتلوا راعيها، واستاقوا الإبل، فبعث نبي الله ﷺ في طلبهم فأتي بهم، فقطع أيدهم وأرجلهم، وسمر أعينهم). قال أمير المؤمنين عبد الملك لـ أنس وهو يحدثه هذا الحديث: بكفر أم بذنب؟ قال: بكفر. قال أبو عبد الرحمن: لا نعلم أحداً قال عن يحيى عن أنس في هذا الحديث غير طلحة. والصواب عندي -والله تعالى أعلم- يحيى عن سعيد بن المسيب مرسل]. يرى المؤلف ﵀: أن الصواب في هذا السند أنه مرسل، أي: مرسل يحيى عن سعيد، ولا يلزم منه عدم سماع يحيى من أنس، فإن يحيى تابعي صغير، وأنس طالت حياته إلى زمن الحجاج فيمكن سماعه منه، والنسائي يقول: أنه من رواية يحيى عن سعيد، لا يلزم منه عدم سماع يحيى من أنس، وقول المؤلف معناه: أن رواية يحيى بن سعيد عن أنس منقطعة. إذاً: فالمؤلف ﵀ يقول: لا نعلم أحداً قال: عن يحيى عن أنس غير طلحة، يعني: رواه طلحة بن مصرف عن يحيى بن سعيد عن أنس. والصواب: فيه أنه عن يحيى عن سعيد بن المسيب، فيكون مرسلاً، ومراسيل سعيد بن المسيب جيدة، بل وجد أنها من أصح المراسيل. وتتبعها بعض العلماء فوجدوها موصولة، وهذا السند يحتاج إلى مراجعة؛ لأن النسائي ﵀ من أهل الحديث ومن أهل الجرح والتعديل، وكانت له عناية بهذا الفن ﵀، وقد تكلم في هذا السند، لكن على كل حال فالحديث ثابت عند مسلم ﵀. وعقاب النبي ﷺ للعرنيين فيه جمع بين الحد والقصاص، فاقتص منهم بأن سمر أعينهم كما فعلوا بالراعي أو بالرعاة، وقطع أيديهم وأرجلهم حداً؛ لأنهم قطعوا الطريق، وقاطع الطريق حده أن تقطع يده ورجله من خلاف، وتركوا حتى ماتوا؛ لأنهم كفروا، ولم تحسم أيديهم وأرجلهم، فجمع لهم النبي ﷺ بين القصاص والحد والقتل، ولو لم يستوجبوا القتل لحسم أيديهم وأرجلهم بالدهن ونحوه، كما تحسم يد السارق بالدهن إذا قطعت، وقديماً لم يكن عندهم ما يوقف الدم، وأما الآن فقد تطور الطب الحديث فتحسم اليد بعد قطعها بأشياء تمنع الدم، فإذا قطعت يد السارق أو يد قاطع الطريق أو قطعت يده ورجله فتحسم ويقف الدم ويعيش، لكن النبي ﷺ ما حسمها؛ لأنه أراد أن يقتلهم؛ لأنهم كفروا وارتدوا.

стр. 432

حكم فرث ما يؤكل لحمه

стр. 433

شرح حديث ابن مسعود في وضع كفار قريش سلا الجزور على ظهر رسول الله قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب فرث ما يؤكل لحمه يصيب الثوب. أخبرنا أحمد بن عثمان بن حكيم قال: حدثنا خالد -يعني ابن مخلد - قال: حدثنا علي -وهو ابن صالح - عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون قال: حدثنا عبد الله في بيت المال قال: (كان رسول الله ﷺ يصلي عند البيت وملأ من قريش جلوس، وقد نحروا جزوراً، فقال بعضهم: أيكم يأخذ هذا الفرث بدمه ثم يمهله حتى يضع وجهه ساجداً فيضعه -يعني: على ظهره-، قال عبد الله: فانبعث أشقاها فأخذ الفرث فذهب به، ثم أمهله فلما خر ساجداً وضعه على ظهره، فأخبرت فاطمة بنت رسول الله ﷺ وهي جارية، فجاءت تسعى فأخذته من ظهره، فلما فرغ من صلاته قال: اللهم عليك بقريش -ثلاث مرات-، اللهم عليك بـ أبي جهل بن هشام، وشيبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة، وعقبة بن أبي معيط، حتى عد سبعة من قريش، قال عبد الله: فوالذي أنزل عليه الكتاب لقد رأيتهم صرعى يوم بدر في قليب واحد)]. هذا الحديث أخرجه الشيخان، وعبد الله هو: ابن مسعود ﵁. فقد كان النبي ﷺ يصلي عند الكعبة وكان ملأ قريش يجلسون عندها، وغالباً ما يكونون أمام الحجر، ونحروا في ذلك اليوم جزوراً، وكانوا يسخرون من النبي ﷺ ، فقال بعضهم: أيكم يأخذ هذا الفرث -وفي لفظ: سلا الجزور- بدمه ثم يمهله حتى يضع وجه ساجداً فيضعه على ظهره، قال عبد الله: فانبعث أشقاها، فأخذ الفرث فذهب به فأمهل النبي ﷺ ، فلما خر ساجداً وضعه على ظهره، فأخبرت فاطمة بنت النبي ﷺ -وكانت جارية- فجاءت تسعى، فأخذته عن ظهره وألقته، أقبلت على الكفرة تسبهم، فلما فرغ من صلاته، أي: النبي ﷺ دعا عليهم، فقال: اللهم عليك بقريش ثلاث مرات، وكانوا يضحكون فيما بينهم، حتى يكاد أحدهم أن يسقط من الضحك، فلما فرغ من صلاته وجعل يدعو عليهم زال عنهم الضحك، وخافوا! وقال: اللهم عليك بـ أبي جهل بن هشام، وشيبة بن ربيعة , وعتبة بن ربيعة، وعقبة بن أبي معيط، حتى عد سبعة من قريش، قال عبد الله: فوالذي أنزل عليه الكتاب لقد رأيتهم صرعى يوم بدر في قليب واحد، أي: قتل هؤلاء السبعة، فتقبلت دعوة النبي ﷺ ، فقتل هؤلاء الكفرة وسحبوا في القليب، نسأل الله السلامة والعافية. وهذا الحديث استدل به المؤلف من جهة أنه وضع الفرث على النبي وهو يصلي ولم يخرج من صلاته، فصلى وعليه فرث البعير. ومن المعلوم: أن البعير طاهر، فيكون فرثه طاهراً، لكن هذه الجزور من الذي نحرها؟ نحرها المشركون، فهي إذاً ميتة -وهكذا ما يذبحه المشركون له حكم الميتة- فتكون نجسة، فكيف يستدل المؤلف بهذا الحديث على طهارة فرث ما يؤكل لحمه؟! فقال: (باب فرث ما يؤكل لحمه يصيب الثوب)، فهل يؤكل لحم الجزور وهو ذبيحة مشرك؟ قد يقال: في ذلك الوقت كان يؤكل لحمه؛ لأن الشريعة ما استقرت في مكة، ولم تنزل الأحكام, وإنما استقرت الأحكام في المدينة، ونزل تحريم الميتة. والنبي ﷺ استمر في صلاته أي: عند أن وضع المشركون عليه الفرث ولم يقطع صلاته؛ لأن الشريعة ما استقرت والأحكام لم تنزل بعد، ثم أنزل عليه تحريم الميتة في ذلك الوقت، ولا يكون استدلال المؤلف في موضعه؛ لأمرين: أولاً: أن النبي ﷺ لا يدري ما ألقي عليه، وإلا فمعلوم أن الدم نجس ولو كان مما يؤكل لحمه. ثانياً: أن الاستمرار في الصلاة غير البدء، كمثل ما مر معنا في الحديث الذي عنده أبي داود في قصة الرجلين الأنصاري وصاحبه اللذين جلسا يحرسان، فقام أحدهما يصلي فجاءه سهم، فأخذه ونزعه، ثم جاءه ثان وثالث، وجعلت الدماء تسيل منه وهو مستمر في صلاته ولم يقطعها؛ لأن الاستمرار في الصلاة غير البدء فيها، ولأن قطع الصلاة لا يفيده في هذه الحالة. فالمقصود: أن إتيان المؤلف ﵀ بهذا الحديث في هذه الترجمة فيه إشكال، وليس في الاستدلال شيء واضح إلا من جهة أن الجزور يؤكل لحمه، لكن قد بينا أن التشريع لما ينزل في ذلك الوقت، ولما تحرم الميتة، وإنما كان على الأصل أنه طاهر؛ ولهذا استمر النبي ﷺ في صلاته، والدم الذي في الفرث ليس دماً مسفوحاً، والنبي ﷺ يعلم بذلك. فالمقصود: أن هذا الاستدلال ليس بواضح لما أراده المؤلف ﵀. والمؤلف ترك الترجمة مفتوحة ولم يجزم بحكم فيها؛ لوجود الإشكالات.

стр. 434

آداب البزاق

стр. 435

شرح حديث: (أخذ رسول الله بطرف ردائه فبصق فيه) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب البزاق يصيب الثوب. أخبرنا علي بن حجر قال: حدثنا إسماعيل عن حميد عن أنس ﵁: (أن النبي ﷺ أخذ طرف ردائه فبصق فيه فرد بعضه على بعض)]. أخبرنا محمد بن بشار عن محمد قال: حدثنا شعبة قال: سمعت القاسم بن مهران يحدث عن أبي رافع عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إذا صلى أحدكم فلا يبزق بين يديه ولا عن يمينه، ولكن عن يساره أو تحت قدمه، وإلا: فبزق النبي ﷺ هكذا في ثوبه ودلكه)]. هذا مما أخرجه الشيخان في الصحيح، وهو يدل على طهارة البزاق؛ ولهذا أجاز النبي ﷺ للإنسان أن يبزق في ثوبه، ولو كان نجساً لما أجاز له ذلك، وفيه دليل على أن الإنسان إذا صار به بزاق، فإنه يبزق في ثوبه أو في منديل إذا كان في المسجد، فإن كان في الصحراء فله أن يبزق عن يساره أو تحت قدمه وليس له أن يبزق بين يديه ولا عن يمينه. فلا يبزق بين يديه؛ لأنه وجاء في الحديث: (إذا صلى أحدكم فإن الله قبل وجهه، فلا يبصقن قبل وجهه ولا عن يمينه) وجاء في اللفظ الآخر: أن عن يمينه ملكاً، فإذا أصاب الإنسان بزاقاً وهو في المسجد فيبزق في ثوبه أو في منديل، ويرد بعضه على بعض، ولهذا قال النبي: أو يقول هكذا، أي: يرد بعضه على بعض، فكان الناس هكذا يبزقون قبل أن توجد مناديل. والله تعالى فوق العرش، وهو وإن كان كذلك فهو أمام المصلي، ولا يبزق عن يمينه؛ لأن الملك عن يمينه، فما بقي له إلا أن يبزق عن يساره أو تحت قدمه، هذا في الصحراء، وأما في المسجد، فلا يبزق إلا في ثوبه. وجاء في الحديث الآخر: (وهو يصلي) أي: إنما النهي في الصلاة، وقال بعضهم: النهي حتى يشمل غير الصلاة، والحديث عام، لكن جاء في بعض الأحاديث تقييده بالصلاة، كحديث: (إذا قام أحكم يصلي فإنه يناجي ربه فلا يبصقن أمامه ولا عن يمينه) والمطلق يحمل على المقيد، لكن إذا احتاط حتى في غير الصلاة فحسن. والأقرب: أنه -أي النهي- يخص في الصلاة.

стр. 436

الأسئلة

стр. 437

حكم نبش القبر لإلحاق بعض الأعضاء بالميت امرأة توفيت، وقبل وفاتها بما يقارب شهر عمل لها عملية وقطعت رجلها، ثم صارت في غيبوبة وتوفيت بعد ذلك، الشاهد: أن ابنتها بعد موت أمها، رأتها في المنام تقول: ردوا عليّ ساقي، فسألت ابنتها عن الساق في المستشفى فقالوا: إنها غير موجودة، فرأتها في المنام مرة أخرى تقول: ردوا علي ساقي، فسألت في المستشفى ثانية، فقالوا لها: الساق موجودة في الثلاجة، ف السؤال هل تكفن الساق وتغسل وتدفن في نفس القبر، أم بجانبها؟ الأقرب: أنه يدفن معها في قبرها، وينبش القبر للضرورة مثلما نبش جابر قبر أبيه، لما خشي من السيل؛ لأنه كان في الوادي. فالأقرب: أنه يوضع معها في قبرها؛ لأنه جزء منها.

стр. 438

شرح سنن النسائي_ كتاب الطهارة [١٧] إن من تيسير هذه الشريعة وسهولتها أن الله شرع لنا التيمم عند فقدان الماء بما صعد على وجه الأرض، فجعله الله بديلاً عن الماء في استباحة المفتقر إلى الصلاة، وما ذلك إلا ليدلك على عظم أهمية الصلاة، لكيلا يعتذر المقتدرون عن الصلاة بسبب عدم وجود الماء، بل حتى مع عدم وجود الماء والتراب فإن الإنسان يصلي على حالته ولا يعيد، وهذه هي صلاة فاقد الطهورين، فإن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها.

стр. 439

بداية تشريع التيمم قال المصنف ﵀: [باب بدء التيمم. أخبرنا قتيبة عن مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت (خرجنا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره، حتى إذا كنا بالبيداء، أو ذات الجيش انقطع عقد لي، فأقام رسول الله ﷺ على التماسه، وأقام الناس معه، وليسوا على ماء وليس معهم ماء، فأتى الناس أبا بكر ﵁ فقالوا: ألا ترى ما صنعت عائشة: أقامت برسول الله ﷺ وبالناس وليسوا على ماء وليس معهم ماء، فجاء أبو بكر ﵁ ورسول الله ﷺ واضع رأسه على فخذي، قد نام، فقال: حبست رسول الله ﷺ والناس، وليسوا على ماء وليس معهم ماء؟ قالت: عائشة فعاتبني أبو بكر وقال ما شاء أن يقول، وجعل يطعن بيده في خاصرتي، فما منعني من التحرك إلا مكان رسول الله ﷺ على فخذي فنام رسول الله ﷺ حتى أصبح على غير ماء، فأنزل الله آية التيمم، فقال أسيد بن حضير: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر. قالت: فبعثنا البعير الذي كنت عليه، فوجدنا العقد تحته)]. هذا الحديث أخرجه البخاري ﵀ في صحيحه، وفيه فوائد عظيمة: أعظمها: مشروعية التيمم عند فقد الماء، يعني: أن المسلم إذا فقد الماء فإنه يتيمم: بأن يضرب التراب بيديه مفرجتي الأصابع ثم يمسح بهما وجهه وكفيه، وهذا من فضل الله تعالى وإحسانه على عباده، وتيسيره لهم هذه الشريعة السمحة، كما قال ﵊ (بعثت بالحنيفية السمحة) فهذا من نعم الله على عباده، أي: أن المسلم إذا فقد الماء تيمم، وهو من خصائص هذه الأمة كما أخبر بذلك النبي ﷺ في الحديث الصحيح حيث قال: (وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً). وهذا من الخصائص التي خص الله بها هذه الأمة المرحومة وهي كثيرة، لذا قال النبي ﷺ : (فضلت على الأنبياء بست - وفي اللفظ الآخر-: أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي -ومنها قوله ﵊: وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً فأيما رجل أدركته الصلاة فليصل - وفي لفظ-: فمعه طهوره). وفيه من الفوائد: أن الإقامة لالتماس ما ضاع مما له ثمن من أموال الجيش والرعية مشروع، وأن الإمام يجب عليه أن يهتم بشئون رعيته وتفقد حاجاتهم، وأن المال لا يباع أو يترك؛ لأن المال عصب الحياة، ولهذا قال الله تعالى في كتابه العظيم: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [النساء:٥]. فنهى الله عباده: أن يؤتوا السفهاء أموالهم التي جعلها الله لهم قياماً، أي: تقوم بها الحياة، والمال يستغني به الإنسان عن غيره، ويتقوى به على أعدائه، ويقضي به حوائجه، ويستعين به على أمور دينه ودنياه، ولهذا روي عن عبد الله بن المبارك -وهو الإمام المشهور ﵀ أنه قال: لولا هذه الدراهم لتمندل بنا الملوك، أي: لجعلونا مناديل، يعني: أنا نستغني عنهم بهذا المال، ولولاه لتمندل بنا الملوك، فالمال عصب الحياة لا يضيع؛ ولهذا أقام النبي ﷺ بالجيش لالتماس عقد عائشة، وهو عقد تتحلى به أي: تضعه في حلقها، والعقد من الذهب أو الفضة تتحلى به المرأة، فإما أن تجعله في يديها أو في أصابعها أو في حلقها أو في أذنيها أو في رجليها. وفيه: أن المؤمنين إخوة، يتعاونون في قضاء الحوائج، فيعين بعضهم بعضاً، ولهذا أرسل النبي ﷺ بعض أصحابه يلتمسون العقد ويبحثون عنه. وفي صحيح مسلم: أن النبي ﷺ قال: (من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته). وفي الصحيحين: أن النبي ﷺ قال (والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه) فإذا أعان المسلم أخاه مثلاً في إصلاح سيارته إن وقفت، أو دابته أو متاعه، كان له نصيب من هذا الحديث: (والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه). وفيه من الفوائد أيضاً: جواز معاتبة الرجل ابنته وإن كانت كبيرة، أو ابنه، فإن أبا بكر ﵁ عاتب ابنته عائشة، وجعل يطعنها في خاصرتها وهي لا تتحرك؛ لأن النبي ﷺ قد نام على فخذها، ولم ينكر النبي ﷺ على أبي بكر معاتبته لابنته، فالرجل يعاتب ابنه وابنته الكبيران، ولا يزال يعلمهما ولو كانا كبيرين قد بلغا الرشد. وفيه: جواز وضع الرجل رأسه على فخذ امرأته أمام محارمها كأبيها، وأنه لا حرج في ذلك؛ ولهذا وضع النبي ﷺ رأسه على فخذ عائشة ونام، ولا يعتبر هذا من العيب أو من الأمور التي يستحيا منها، وقوله: (جعل يطعن) بضم العين، أما الطعن: الذي هو الضرب بالرماح فهو بفتح الطاء (يطعَن) أما هنا فهو بضمها، أي: يطعُن في خاصرتها. وفيه: عند قول أسيد بن حضير: (ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر) أن بعض الناس مبارك، أي: جعل الله فيه البركة، فينفع الناس بتوجيهه وإرشاده، أو بشفاعته أو بماله أو ببدنه، ومن ذلك آل أبي بكر فإنهم مباركون. وفيه: أنه لا حرج أن يقول الإنسان: هذه من بركتك، يعني من البركة التي جعلها الله فيك، هذا إذا كان الشخص مباركاً. ومنه ما يقوله بعض الناس: فلان كله بركة، أو هذه من بركتك، يعني: من البركة التي جعلها الله فيك، والبركة من الله، كما جاء في حديث آخر: أن النبي ﷺ قال: (كلوا والبركة من الله) فالبركة من الله، ويجعلها في بعض الأشخاص، فـ أبو بكر مبارك في أول الإسلام وبعده، وأسلم على يده خلق كثير، وعائشة أيضاً مباركة، وهذه الحادثة من البركة التي جعلها الله فيها، أي: بأن شرع الله التيمم؛ ولهذا قال أسيد بن حضير: (ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر) وفي اللفظ الآخر أنه قال: (جزاك الله خيراً، ما جعل الله لك أمراً تكرهينه إلا جعل الله لك منه فرجاً وللمسلمين خيره) أو كما قال. فانقطع عقدها وكره الناس الحال، وتأخر الجيش، لكن أحدث الله خيراً عظيماً، بتشريعه التيمم لعباده. وفيه من الفوائد أيضاً: أن الإنسان إذا فقد الماء والتراب فإنه يصلي بغير ماء ولا تراب، وصلاته صحيحة ولا يعيدها؛ لأن في هذه القصة: أن الرهط الذين أرسلهم النبي ﷺ للبحث عن عقد عائشة أدركتهم الصلاة وليس عندهم ماء ولما يشرع الله التيمم بعد فصلوا بغير تراب ولا ماء، ولم يأمرهم النبي ﷺ بالإعادة، فدل هذا على أن الإنسان إذا عجز عن الماء وعن التيمم -كأن يكون محبوساً في مكان ليس فيه ماء ولا تراب، أو مصلوباً على خشبة- فإنه يصلي بغير ماء ولا تراب وصلاته صحيحة. وفيه من الفوائد: أن الرسول ﷺ لا يعلم الغيب إلا ما أعلمه الله منه، فلذا لم يعلم بعقد عائشة، وأرسل جماعة يبحثون عنه، ثم وجدوه تحت البعير لما أقاموه، وكذلك الصحابة لا يعلمون الغيب، ولو كان أحد ممن يسمون بالأولياء أو الأولياء حقيقة يعلم الغيب لعلمه الرسول ﷺ أفضل الناس، ولعلمه الصحابة أفضل الناس بعد الأنبياء، وقد قال الله تعالى في كتابه المبين: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ [الجن:٢٦ - ٢٧]. وقال الله تعالى على لسان نبيه: ﴿وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ [الأعراف:١٨٨]. وقال تعالى: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل:٦٥]. فمن ادعى أنه يعلم الغيب فهو كافر؛ لأنه مكذب لله، فالغيب من خصائصه.

стр. 440

حكم التيمم في الحضر قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب التيمم في الحضر. أخبرنا الربيع بن سليمان قال: حدثنا شعيب بن الليث عن أبيه عن جعفر بن ربيعة عن عبد الرحمن بن هرمز عن عمير مولى ابن عباس أنه سمعه يقول: أقبلت أنا وعبد الله بن يسار مولى ميمونة حتى دخلنا على أبي جهيم بن الحارث بن الصمة الأنصاري ﵁ فقال أبو جهيم (أقبل رسول الله ﷺ من نحو بئر جمل، ولقيه رجل فسلم عليه، فلم يرد رسول الله ﷺ حتى أقبل على الجدار، ومسح بوجهه ويديه ثم رد ﵇]. هذه القصة ترجم لها المؤلف ﵀ بـ: (باب التيمم في الحضر) والمكان الذي أقبل فيه الرسول من بئر جمل هو: موضع بوادي العقيق، ولعل الماء كان بعيداً، ولو كان في الحضر أو كان الماء قريباً لاستعمله؛ لأن النصوص التي فيها اشتراط فقد الماء للتيمم محكمة، كقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء:٤٣]. فلا بد أن يحمل هذا الحديث على ما يوافق النصوص، وإلا للزم من ذلك القول بالتيمم ولو كان الماء قريباً وخاف أن تفوت عليه صلاة الجمعة أو صلاة الجنازة، كما قال ذلك بعض أهل العلم، ونسب هذا لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، أي: أنه يقول: إذا خاف فوات الجمعة فإنه يتيمم، ولو كان الماء موجوداً عنده، وكذلك إذا كانت عنده جنازة وخاف فواتها فيتيمم؛ لأنه إذا ذهب ليتوضأ فاتته الجمعة أو فاتته الجنازة، لكن هذا القول ضعيف مرجوح. والصواب: أنه لا يجوز له أن يتيمم، بل يتوضأ ولو فاتته الجمعة والجماعة؛ لأن الأصل عدم التيمم إلا إذا فقد الماء لقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء:٤٣]. ولأن الوضوء شرط في صحة الصلاة وهو مقدم على الجمعة والجماعة، فالجماعة واجبة والوضوء شرط، والشرط مقدم على الواجب، فيتوضأ ولو فاتته الجماعة أو الجمعة، هذا هو الصواب؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء:٤٣]. ويؤخذ من هذا الحديث: مشروعية التيمم للوضوء المندوب دون الواجب مع القدرة على الماء، كأن يكون البئر قريباً، لكن المندوب سيفوته بالوضوء، فيشرع للإنسان أن يتيمم بدلاً عن الوضوء، هذا في المندوب دون الواجب، مع القدرة على الماء إن خشي أن يفوته هذا المندوب؛ لأن رد السلام على طهارة مستحب وليس بواجب، ولو رده على غير طهارة فلا بأس، كما ثبت في حديث عائشة الذي رواه الإمام مسلم: (أن النبي ﷺ كان يذكر الله على كل أحيان) والسلام ذكر، فلا بأس أن يرده الإنسان ولو على غير طهارة، ومرت معنا قصة أبي هريرة: أنه خرج وهو على جنابة فخنس من النبي ﷺ ، فقال له النبي ﷺ : (إن المؤمن لا ينجس) لكن هذا من باب الاستحباب، ولهذا لما سلم هذا الرجل -في الحديث الذي نحن بصدده- على النبي ﷺ لم يرد ﵇ حتى أقبل على الجدار، فمسح بوجهه ويديه ثم رد ﵇، فهذا من باب الاستحباب، وإلا فرد السلام على غير طهارة لا بأس به. فيؤخذ من الحديث: مشروعية التيمم للوضوء المندوب دون الواجب مع القدرة على الماء، كأن يكون قريباً منه ويخشى أن يفوت هذا المندوب بالوضوء، أما إطلاق ترجمة المصنف بقوله: (باب التيمم في الحضر) فهذه الترجمة مطلقة لكن تقيد بكونه: في الحضر للمندوب دون الواجب، إذا خشي أن يفوت هذا المندوب، أما التيمم في الحضر للصلاة فلا يجوز إلا مع فقد الماء، فإن تيمم -والماء موجود- للصلاة أو لتلاوة القرآن أو للمس المصحف، أو للطواف بالبيت فلا يصح تيممه، ولا يستبيح به ما يستبيحه بالوضوء. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [التيمم في الحضر. أخبرنا محمد بن بشار قال: حدثنا محمد قال: حدثنا شعبة عن سلمة عن ذر عن ابن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه: (أن رجلاً أتى عمر ﵁ فقال: إني أجنبت فلم أجد الماء قال عمر: لا تصل. فقال عمار بن ياسر: يا أمير المؤمنين! أما تذكر إذ أنا وأنت في سرية فأجنبنا فلم نجد الماء، فأما أنت فلم تصل وأما أنا فتمعكت في التراب فصليت، فأتينا النبي ﷺ فذكرنا ذلك له فقال: إنما كان يكفيك فضرب النبي ﷺ يديه إلى الأرض ثم نفخ فيهما ثم مسح بهما وجهه وكفيه - وسلمة شك لا يدري فيه إلى المرفقين أو إلى الكفين- فقال عمر: نوليك ما توليت). أخبرني محمد بن عبيد بن محمد قال: حدثنا أبو الأحوص عن أبي إسحاق عن ناجية بن خفاف عن عمار بن ياسر ﵁ قال: (أجنبت وأنا في الإبل فلم أجد ماء فتمعكت في التراب تمعك الدابة، فأتيت رسول الله ﷺ فأخبرته بذلك فقال: إنما كان يجزيك من ذلك التيمم)]. هذه الترجمة كالترجمة السابقة (باب التيمم في الحضر) وهنا نلاحظ المؤلف ﵀ يكرر التراجم؛ ولعله لاختلاف متن الحديث، والنسائي على طريقة البخاري ﵀ في كثرة التراجم، وعلى طريقة مسلم في سياق الأسانيد وطرق الحديث. وذر هذا الذي روى عنه سلمة هو: ذر بن عبد الله المرهبي، وهو يشتبه مع زر على بعض الناس، فالأول بالذال: ذر بن عبد الله المرهبي والثاني بالزاي، وليس في الكتب الستة غيرهما زربن حبيش وذر بن عبد الله المرهبي. وفي هذا الحديث: قصة عمار وعمر ﵄ عندما لم يجدا ماء فقال عمر: أما أنا فلا أصلي حتى أجد الماء، وأما عمار فنزع ثيابه وتمعك كما تتمعك الدابة، أي: قاس التيمم للجنابة على غسل الجنابة، ففي غسل الجنابة يعمم البدن بالماء، فظن عمار ﵁ أن التيمم يعمم بالتراب كالماء، ففي هذا الحديث! إثبات القياس والرد على منكريه، فالصحابة كانوا يعرفون القياس ويعملون به، فهو رد على الظاهرية كـ ابن حزم وداود الظاهري وغيرهما من الذين أنكروا القياس، فهذا الحديث من آيات الله العظيمة، فكيف نسي عمر هذه الحادثة مع شهرتها ووقوعها له؟ وكذلك حصل لـ عبد الله بن مسعود مع أبي موسى مثل ما حصل لـ عمر مع عمار، ثم كيف خفيت الآية على عمر مع جلالة قدره أي: قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء:٤٣]؟! والآية التي نسيها عمر في المائدة وفي النساء، ففي الحديث: أن العالم الكبير قد يخفى عليه شيء من العلم وقد ينسى أمراً واضحاً. وفيه دليل على أن الحجة هي كتاب الله وسنة رسوله، ولا يقلد العالم إذا غلط أو أخطأ أو نسي ولو كان كبيراً، فهذا عمر مع جلالة قدره، قد نسي قوله سبحانه: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء:٤٣]. ففي الحديث أن رجلاً سأل عمر وقال: إني أجنبت فلم أجد الماء؟ فقال له عمر: لا تصل حتى تجد الماء. فذكره عمار بن ياسر قائلاً: (يا أمير المؤمنين! أما تذكر إذ أنا وأنت في سرية فأجنبت فلم نجد الماء فأما أنت فلم تصل) أي: أن عمر امتنع عن الصلاة حتى يجد الماء، وأما أنا فتمعكت في التراب، يعني: نزع ثيابه وتمعك في التراب كما تتمعك الدابة فصليت فأتينا النبي ﷺ فذكرنا ذلك له فقال النبي ﷺ : إنما كان يكفيك فضرب النبي ﷺ يديه إلى الأرض ثم نفخ فيهما ثم مسح بهما وجهه وكفيه). هذا الحديث فيه فوائد عظيمة، وهو في الصحيحين من حديث عمار، والعمدة على حديثه في مسألة التيمم. ففيه: أن التيمم ضربة واحدة بكفيه ثم يمسح بهما وجهه وكفيه، خلافاً لمن قال من أهل العلم يضرب المتيمم ضربتين، إحداهما للوجه والثانية للكفين، وخلافاً أيضاً لمن قال من أهل العلم: إن المسح يكون إلى المرفقين أو إلى الإبطين؛ لأن حديث عمار محكم واضح وفي الصحيحين. وفيه: أن التيمم ضربة واحدة للحدث الأكبر والأصغر، فيمسح بهما وجهه ثم كفيه، لكن لو ضرب ضربتين جاهلاً أو ناسياً فلا حرج. وقوله: (ثم نفخ فيهما) أي: لتخفيف الغبار العالق بالكفين؛ لأنه ليس المقصود أن يلطخ الإنسان وجهه بالتراب، وإنما المقصود الامتثال، فإذا كان التراب كثيراً ونفخ فيهما فلا بأس. قوله: (وسلمة شك لا يدري فيه إلى المرفقين أو إلى الكفين)، يعني: أن مسح اليدين، جاء في الحديث الصحيح أنه إلى الكفين، أي: إلى الرسغ، وهو مفصل الكف عن الذراع، فهذه هي المرادة إذا أطلقت في التيمم، وهي المرادة كذلك في السرقة، فإن التي تقطع عند السرقة من مفصل الكف. وفي الحديث: أن من لم يجد الماء فإنه يتيمم بالتراب ويصلي ولا يؤجل الصلاة، وكان الذين قبلنا يؤجلون الصلاة إذا لم يجدوا الماء، وهذا من الآصار التي كانت عليهم، أما شريعتنا فيسرها الله علينا وخففها، فإذا لم يجد المسلم الماء فإنه يتيمم. وفيه: استحباب نفخ التراب إذا كان كثيراً، ولما ذكر ذا عمار لـ عمر قال له: نوليك ما توليت، وفي اللفظ الآخر -كما سيأتي- أنه قال: إن شئت يا أمير المؤمنين! ألا أحدث به، فقال عمر: نو

стр. 441

حكم التيمم في السفر قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب التيمم في السفر. أخبرنا محمد بن يحيى بن عبد الله قال: حدثنا يعقوب بن إبراهيم قال: حدثنا أبي عن صالح عن ابن شهاب قال حدثني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس ﵄ عن عمار ﵁ قال: (عرس رسول الله ﷺ بأولات الجيش ومعه عائشة زوجته فانقطع عقدها من جزع ظفار، فحبس الناس ابتغاء عقدها ذلك حتى أضاء الفجر، وليس مع الناس ماء، فتغيظ عليها أبو بكر فقال: حبست الناس وليس معهم ماء، فأنزل الله رخصة التيمم بالصعيد، قال: فقام المسلمون مع رسول الله ﷺ فضربوا بأيديهم الأرض ثم رفعوا أيديهم ولم ينفضوا من التراب شيئاً، فمسحوا بها وجوههم وأيديهم إلى المناكب، ومن بطون أيديهم إلى الآباط)]. التعريس: هو نزول المسافر آخر الليل للاستراحة والنوم، يقال له: تعريس كما هنا: (عرس رسول الله) يعني: نزل آخر الليل للاستراحة والنوم. وقوله: (انقطع عقد عائشة من جزع ظفار) الجزع: خرز يماني، واحد الجزع، وظفار: مدينة في اليمن مبنية على الكسر مثل قطامِ، فهذا الجزع الذي من خرز هو من هذه المدينة، وقد سقط من عائشة ﵂، فحبس النبي ﷺ الناس ابتغاء عقدها. وفيه: أن أبا بكر تغيض عليها، يعني: غضب عليها؛ لماذا أخرت النبي ﷺ . وفيه: أنه لما نزلت آية التيمم ضرب الناس بأيديهم الأرض. وقوله: (ثم رفعوا أيديهم ولم ينفضوا من التراب شيئاً) لعل التراب ليس كثيراً. وقوله: (فمسحوا بها وجوههم وأيديهم إلى المناكب، ومن بطون أيديهم إلى الآباط) يعني: فعلوا هذا بأنفسهم خطأ اجتهادياً منهم، ثم علمهم النبي ﷺ أنه إلى الكفين، ولم يؤمروا بالإعادة؛ لأنهم لم يتعمدوا المخالفة، والحكم لما يستقر، يعني: يبدأ أحدهم بظاهر الكف حتى يصل إلى باطن الكف، ويمسح من بطن الكف حتى يصل إلى الإبط، وهذا اجتهاد منهم. ثم علمهم النبي حكم الشرع في ذلك.

стр. 442

اختلاف روايات صفة التيمم قال المؤلف رحمه الله تعالى: [الاختلاف في كيفية التيمم. أخبرنا العباس بن عبد العظيم العنبري قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن أسماء قال: حدثنا جويرية عن مالك عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أنه أخبره عن أبيه، عن عمار بن ياسر ﵁ قال: (تيممنا مع رسول الله ﷺ بالتراب فمسحنا بوجوهنا وأيدينا إلى المناكب)]. هذا يقال فيه كما سبق، أي: أنهم فعلوه باجتهادهم، ثم بين لهم النبي ﷺ الحكم وعلمهم السنة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [نوع آخر من التيمم والنفخ في اليدين. أخبرنا محمد بن بشار قال: حدثنا عبد الرحمن قال: حدثنا سفيان عن سلمة عن أبي مالك، وعن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى عن عبد الرحمن بن أبزى ﵁ قال: (كنا عند عمر ﵁ فأتاه رجل فقال: يا أمير المؤمنين! ربما نمكث الشهر والشهرين ولا نجد الماء؟ فقال عمر: أما أنا فإذا لم أجد الماء لم أكن لأصلي حتى أجد الماء، فقال عمار بن ياسر: أتذكر يا أمير المؤمنين حيث كنت بمكان كذا وكذا ونحن نرعى الإبل فتعلم أنا أجنبنا؟ قال: نعم، أما أنا فتمرغت في التراب فأتينا النبي ﷺ فضحك، فقال: إن كان الصعيد لكافيك وضرب بكفيه إلى الأرض، ثم نفخ فيهما ثم مسح وجهه وبعض ذراعيه، فقال: اتق الله يا عمار! فقال: يا أمير المؤمنين! إن شئت لم أذكره، قال لا ولكن نوليك من ذلك ما توليت)]. قوله: (ثم نفخ) فيه مشروعية النفخ إذا كان التراب كثيراً؛ لأن المقصود التعبد وليس التوسخ بالتراب، ود ورد النفخ في بعض الروايات وورد عدم النفخ في بعضها، فلعل هذا أحياناً كان ينفخ وأحياناً لا ينفخ. قوله: (مسح وجهه وبعض ذراعيه) لعل المراد بـ (بعض ذراعيه) طرف الساعد مما يلي الكف. قول عمر لـ عمار: (اتق الله يا عمار) يدل على أنه ما زال ناسياً، ولما يتذكر الحادثة، وقد ذكره عمار لكنه لم يتذكر فقال له: يا أمير المؤمنين! أما تذكر أنا أجنبنا؟ وأنا تمرغت وأنت ما صليت، وجئنا النبي ﷺ وأخبرناه، فلم يذكر عمر الحادثة. ولذلك قال: (اتق الله يا عمار!) يعني: تأكد من الأمر، فقال: يا أمير المؤمنين! إن شئت لم أذكره، وإن شئت ما حدثت الناس بهذا. وفيه دليل: على طاعة ولي الأمر في هذا، وأنه إذا منعه من شيء امتنع، فكأن عمر يقول له: لا تحدث بهذا أو لا تذكره؛ لأن الحجة قائمة بغيره، فإذا سكت أحد، فسيبلغ غيره، وعمر يعلم أنه قد بلغت هذه القصة الناس، وسمعوها منه ومن غيره، فزال خوف الكتمان، ولهذا (قال: إن شئت لم أذكره) أي: إن شئت ما حدثت به الناس، قال له عمر: (لا، ولكن نوليك ما توليت) يعني: أنت المسئول عن هذا الشيء، ما دام أنك تذكره نوليك ما توليت، وكأن عمر لا يزال في نسيان، ولما يتذكر، وخفيت عليه الآية، أي: قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء:٤٣]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [نوع آخر من التيمم. أخبرنا عمرو بن يزيد قال: حدثنا بهز قال: حدثنا شعبة قال: حدثنا الحكم عن ذر عن ابن عبد الرحمن بن أبزي عن أبيه (أن رجلاً سأل عمر بن الخطاب ﵁ عن التيمم فلم يدر ما يقول، فقال عمار: أتذكر حيث كنا في سرية فأجنبت فتمعكت في التراب فأتيت النبي ﷺ فقال: إنما يكفيك هكذا - وضرب شعبة بيديه على ركبتيه- ونفخ في يديه ومسح بهما وجهه وكفيه مرة واحدة)]. وذر هذا هو ذر بن عبد الله المرهبي، ثقة عابد، وكون عمار تمعك في التراب هذا قياس منه للتيمم للجنابة على الغسل منها، يعني: كما أن الغسل من الجنابة يعمم فيه البدن بالماء، فقاس عمار التيمم عليه فعمم بدنه بالتراب، فبين له النبي ﷺ أن التيمم عن الجنابة وعن الحدث الأصغر واحد، وهو ضربة واحدة بكفيه على التراب، ويمسح بهما وجهه وكفيه. وإذا وجد التراب فهو المطلوب، فيفعل كما أخبر الله: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة:٦]. وإذا لم يجده فبما تصاعد على الأرض، لقوله سبحانه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦]. وهل أتى عمار بالتيمم المشروع خلال تمعكه في التراب أم لا؟ هذا فيه تفصيل مسكوت عنه، وظاهره أنه حصل منه التيمم وزيادة، فعلمه النبي ما يجب عليه. وما معنى: (وضرب شعبة بيديه على ركبتيه)؟ أي: أن شعبة يبين كيفية الضرب. وبدلاً من أن يضرب على الأرض ضرب على ركبتيه، تبييناً للكيفية. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [نوع آخر من التيمم. أخبرنا إسماعيل بن مسعود قال: حدثنا خالد قال: حدثنا شعبة عن الحكم سمعت ذراً يحدث عن ابن أبزى عن أبيه قال: وقد سمعه الحكم من ابن عبد الرحمن قال (أجنب رجل فأتى عمر ﵁ فقال: إني أجنبت فلم أجد ماء، قال: لا تصل، قال له عمار: أما تذكر أنا كنا في سرية فأجنبنا فأما أنت فلم تصل، وأما أنا فإني تمعكت فصليت، ثم أتيت النبي ﷺ فذكرت ذلك له فقال: إنما كان يكفيك، وضرب شعبة بكفه ضربة ونفخ فيها، ثم دلك إحداهما بالأخرى، ثم مسح بهما وجهه؟ فقال عمر شيئاً لا أدري ما هو، فقال: إن شئت لا حدثته) وذكر شيئاً في هذا الإسناد عن أبي مالك وزاد سلمة قال: بل نوليك من ذلك ما توليت]. وهذا كما سبق، ولعله أراد تخفيف التراب. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [نوع آخر: أخبرنا عبد الله بن محمد بن تميم قال: حدثنا حجاج قال: حدثنا شعبة عن الحسن وسلمة عن ذر عن ابن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه: (أن رجلاً جاء إلى عمر ﵁ فقال: إني أجنبت فلم أجد الماء، فقال عمر: لا تصل، فقال عمار: أما تذكر - يا أمير المؤمنين - إذ أنا وأنت في سرية فأجنبنا فلم نجد ماء، فأما أنت فلم تصل، وأما أنا فتمعكت في التراب ثم صليت، فلما أتينا رسول الله ﷺ ذكرت ذلك له فقال: إنما يكفيك وضرب النبي ﷺ بيديه إلى الأرض ثم نفخ فيهما فمسح بهما وجهه وكفيه). شك سلمة وقال: لا أدري فيه إلى المرفقين أو إلى الكفين. قال عمر: نوليك من ذلك ما توليت. قال شعبة: كان يقول: الكفين والوجه والذراعين. فقال له منصور: ما تقول؛ فإنه لا يذكر الذراعين أحد غيرك! فشك سلمة فقال: لا أدري ذكر الذراعين أم لا]. وعبد الله بن تميم هذا هو المصيصي بالتخفيف، نسبة إلى بلدة مصيصة على وزن عظيمة، بلد بالشام، وهذا الحديث هو الحديث السابق، لكن المؤلف ﵀ يكرر الأسانيد للتقوية. وفيه: أن سلمة شك فقال: لا أدري إلى المرفقين أو الكفين. وقد جاءت الأحاديث تدل على الجزم فيه، وأنه إلى الكفين، فهذا شك منفي في الأحاديث، ولهذا قال له منصور: ما تقول: فإنه لا يذكر الذراعين أحد غيرك! فقال: لا أدري. لكن الأحاديث الأخرى بينت أن التيمم إلى الكفين. وفي الحديث السابق قال عمار: (وأنا في الإبل) وقال هنا: (أنا وأنت في السرية) فيحتمل أن تكون قصتين، ويحتمل أن تكون قصة واحدة كانا فيها في الإبل في نفس السرية.

стр. 443

تيمم الجنب

стр. 444

شرح حديث عمار: (بعثني رسول الله في حاجة فأجنبت فلم أجد الماء) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب: تيمم الجنب. أخبرنا محمد بن العلاء قال: حدثنا أبو معاوية قال: حدثنا الأعمش عن شقيق قال: (كنت جالساً مع عبد الله وأبي موسى فقال: أبو موسى: أو لم تسمع قول عمار لـ عمر: بعثني رسول الله ﷺ في حاجة فأجنبت فلم أجد الماء، فتمرغت في الصعيد، ثم أتيت النبي ﷺ فذكرت ذلك له، فقال: إنما كان يكفيك أن تقول هكذا: فضرب بيديه على الأرض ضربة فمسح كفيه ثم نفضهما، ثم ضرب بشماله على يمينه وبيمينه على شماله على كفيه ووجهه، فقال عبد الله: أو لم تر عمر لم يقنع بقول عمار؟!)]. هذا الحديث في الصحيحين، وفيه أن هذا القصة حصلت لـ أبي موسى الأشعري وعبد الله بن مسعود، كما حصلت لـ عمار وعمر، وكان عبد الله بن مسعود يرى أنه لا يتيمم حتى يجد الماء، وأبو موسى يرى أنه يتيمم؛ لأنَّه جاء ما يدل على توضيح القصة أكثر من هذا، وأن ابن مسعود قال: إذا لم يجد الماء لا يصلي، فقال له أبو موسى: (أولم تسمع قول عمار لـ عمر: بعثني رسول الله ﷺ في حاجة فأجنبت فلم أجد الماء فتمرغت في الصعيد) إلى آخر الحديث، فقال عبد الله بن مسعود لـ أبي موسى: (أولم تر عمر لم يقنع بقول عمار؟!)، فهو لم يزل على رأي عمر، ونسي الآية: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء:٤٣]، مع جلالة قدره ورسوخه في العلم، لكن العالم الكبير قد يفوته شيء من العلم الذي قد يكون عند صغار الطلبة، وإن كان عالماً. وهذا من العجائب، فمن قدرة الله العظيمة أن الإنسان مهما بلغ من العلم فهو محل النسيان، فمهما بلغ من العلم والمكانة العلمية في العلم والدين قد يفوته شيء من العلم، وقد ينسى شيئاً من العلم، وقد يخفى عليه أمر واضح، فـ عبد الله أصابه ما أصاب عمر من النسيان لهذا الأمر العظيم مع وضوحه في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء:٤٣]، ولما ذَكَّره أبو موسى قال: (أولم تر عمر لم يقنع بقول عمار؟!)، فما اقتنع بقول عمار، وكان الصواب مع أبي موسى.

стр. 445

التيمم في الصعيد

стр. 446

شرح حديث: (عليك بالصعيد فإنه يكفيك) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب: التيمم في الصعيد. أخبرنا سويد بن نصر قال: حدثنا عبد الله عن عوف عن أبي رجاء قال: سمعت عمران بن حصين: (أن رسول الله ﷺ رأى رجلاً معتزلاً لم يصل مع القوم، فقال: يا فلان! ما منعك أن تصلي مع القوم؟ فقال: يا رسول الله! أصابتني جنابة ولا ماء. قال: عليك بالصعيد فإنه يكفيك)]. هذا الحديث رواه الشيخان عن عمران بن حصين. وفيه: أن التيمم يكفي عند عدم الماء وفقده؛ ولهذا لما رأى النبي ﷺ هذا الرجل معتزلاً قال: ما منعك أن تصلي مع القوم؟ فقال: يا رسول الله! أصابتني جنابة ولا ماء. فقال: عليك بالصعيد فإنه يكفيك. وفيه: أن الإنسان إذا جاء والناس يصلون لا يعتزلهم، بل يصلي معهم، ولو كان قد صلى، فذلك نافلة، ولو كان قد العصر أو بعد الفجر؛ ولهذا أنكر النبي ﷺ على هذا الرجل، كما أنكر على الرجلين في منى لما صلى الفجر ورآهما خلفه، فقال: ما منعكما أن تصليا معنا؟ فقالا: صلينا في رحالنا -لأن الناس يصلون في منى في رحالهم- فقال: (إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما المسجد فصليا معهم فإنها لكما نافلة) فإذا جاء المرء والناس يصلون فلا يجلس خلف الناس والناس يصلون، بل يصلي معهم ولو كان قد صلى، وتكون له نافلة.

стр. 447

الصلوات بتيمم واحد

стр. 448

شرح حديث: (الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الصلوات بتيمم واحد. أخبرنا عمرو بن هشام قال: حدثنا مخلد عن سفيان عن أيوب عن أبي قلابة عن عمرو بن بجدان عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : (الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين)]. هذا الحديث في سنده عمرو بن بجدان، قال في التقريب: مجهول. لكن الصواب: أنه ليس بمجهول؛ فقد وثقه العجلي وابن حبان، وقال الحافظ نفسه في تلخيص الحبير: وثقه العجلي وغفل ابن القطان فقال: إنه مجهول. ثم أصاب الحافظ في التقريب ما أصاب ابن القطان، فقال: إنه مجهول. فنبه الحافظ على أن ابن القطان غفل، وأنه ليس بمجهول، ثم أصاب الحافظ ما أصاب ابن القطان فقال في التقريب: إنه مجهول. والكمال لله . والحديث صحيح أخرجه أبو داود وباقي الكتب الستة، وله شواهد، منها: (وجعلت لي الأرض مسجداً وطهورا). وهذه الترجمة من النسائي بقوله: (باب الصلوات بتيمم واحد) تدل على أن مذهب النسائي ﵀ أن التيمم رافع للحدث كالماء، وذهب إلى هذا جماعة من المحققين، كشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وجماعة، واختار هذا بعض أئمة الدعوة، وهو الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب، وهو اختيار سماحة شيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز رحمة الله عليه، واختيار الشيخ عبد الرحمن بن سعدي. وذهب جمهور العلماء إلى أن التيمم مبيح لا رافع، وأنه يبطل بخروج الوقت، وقالوا: ليس له أن يصلي صلوات بالتيمم، بل كل صلاة يتيمم لها، فإذا خرج الوقت بطل التيمم عند الجمهور وكثير من الفقهاء. والحديث لا بأس بسنده، وفيه: أن النبي ﷺ قال: (الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين) وهذا يعني أن يؤخذ بعمومه، وهو أنه رافع؛ لأنه سماه وضوءاً، والوضوء يرفع الحدث، والمؤلف ﵀ أخذ رفع الحدث بالتيمم من قوله: (الصعيد الطيب وضوء المسلم)، فجعله وضوءاً، والوضوء يرفع الحدث، فدل على أن التيمم يرفع الحدث. فترجمة المصنف تدل على أنه يرى أنه رافع لا مبيح، خلافاً للجمهور الذين يرون أنه مبيح لا رافع.

стр. 449

حكم من لم يجد الماء ولا الصعيد

стр. 450

شرح حديث: (بعث رسول الله أسيد بن حضير وناساً يطلبون قلادة كانت لعائشة) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب: فيمن لم يجد الماء ولا الصعيد. أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قال: أخبرنا أبو معاوية قال: حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: (بعث رسول الله ﷺ أسيد بن حضير وناساً يطلبون قلادة كانت لـ عائشة نسيتها في منزل نزلته، فحضرت الصلاة وليسوا على وضوء، ولم يجدوا ماء، فصلوا بغير وضوء، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ ، فأنزل الله آية التيمم، فقال أسيد بن حضير: جزاك الله خيراً، فوالله ما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل الله لك وللمسلمين فيه خيراً)]. هذه الترجمة، (باب: فيمن لم يجد الماء ولا الصعيد) ترك المؤلف فيها الحكم يستنبط من الحديث؛ لأن المسألة فيها خلاف بين أهل العلم. والصواب: أن من لم يجد الماء ولا الصعيد فإنه يصلي ولا يعيد؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦]، وهكذا يفعل من عدم الماء والتراب، فمن حبس في محل لا ماء فيه ولا تراب صلى على حسب حاله، وكذلك من صلب على خشبه، فإنه يصلي وصلاته صحيحة ولا يعيد؛ لقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦]. وقال بعض أهل العلم: إنه يعيد إذا وجد الماء أو التراب، والصواب: أنه لا يعيد؛ لأن الإنسان لا يكلف بالصلاة مرتين. وفي هذا الحديث: أن النبي ﷺ أرسل رهطاً يبحثون عن عقد عائشة، فحضرت الصلاة وليسوا على ماء، ولم يشرع التيمم بعد، فصلوا بغير وضوء، ولم يأمرهم النبي ﷺ بالإعادة. فدل على أن من فقد الماء والتراب فإن صلاته صحيحة، وهو المسمَّى: فاقد الطهورين.

стр. 451

شرح حديث طارق بن شهاب في تصويب رسول الله عمل من أجنب فلم يصل وعمل من أجنب فتيمم وصلى قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا خالد قال: حدثنا شعبة أن مخارقاً أخبرهم عن طارق: (أن رجلاً أجنب فلم يصل، فأتى النبي ﷺ فذكر ذلك له، فقال: أصبت. فأجنب رجل آخر فتيمم وصلى، فأتاه فقال نحو ما قال للآخر -يعني: أصبت-)]. هذا الحديث فيه: أن النبي ﷺ صوب الذي لم يصل وصوب الذي صلى، فقال للأول: أصبت يعني: في ترك الصلاة عند عدم الماء وترك التيمم. لكن هذا الحديث في سنده كلام، ففيه طارق بن شهاب، وهو مختلف في صحبته، فإذا ثبت أنه صحابي كان الحديث مرسل صحابي وهو حجة، وإذا لم يثبت أنه صحابي كان الحديث مرسلاً، والمرسل ضعيف لا يحتج به. ومخارق هو: مخارق بن خليفة الأحمسي، وقيل: اسم أبيه: عبد الله بن عبد الرحمن الكوفي. روى عن طارق بن شهاب، وعنه السفيانان، وهو ثقة. وهناك مخارق بن سليم الشيباني صحابي، روى عنه ابنه قابوس. وطارق بن شهاب هو الأحمسي، كوفي مخضرم، وله رؤية، قاله أبو داود، روى عن أبي بكر وعمر وعلي وابن مسعود وأبي موسى، وعنه قيس بن مسلم وعلقمة بن مرثد، وثقه ابن معين. وعلى كل حال الحديث فيه كلام، وقد ثبت حديث عمار، فهو مقدم عليه، وهذا فيه: أن الرجل لم يصل فقال له رسول الله ﷺ : أصبت. وهذا مخالف لحديث عمار، فالنبي ﷺ أمره بأن يتيمم، وقال: يكفيك التيمم. قال السندي ﵀: [ثم الظاهر أن مراد المصنف في الترجمة أن من لم يجد ماء ولا تراباً يصلي ولا يعيد، ووجه استدلالهم بالحديث تنزيل عدم مشروعية التيمم منزلة عدم التراب بعد المشروعية، إذ مرجعهما إلى تعذر التيمم، وهو المؤثر هاهنا. قلت: وهذا هو الموافق لظاهر قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) أو كما قال، إذ الصلاة على حاله غاية ما يستطيع الإنسان في تلك الحالة، وغير المستطاع ساقط، ولا يسقط به المستطاع إلا بدليل هو الموافق للقياس والأصول، فإن سقوط تكليف الشرط لتعذره لا يستلزم سقوط تكليف المشروط]. أي: أن سقوط تكليف الشرط - وهو الوضوء مثلاً - بتعذره لا يستلزم سقوط تكليف المشروط، وهو الصلاة، فإذا عجز عن الماء والتراب لا تسقط الصلاة لسقوط تكليف الشرط، وهو الطهارة بالماء أو التيمم. قال السندي رحمه الله تعالى: [فإن سقوط تكليف الشرط لتعذره لا يستلزم سقوط تكليف المشروط لا حالاً ولا أصلاً، كستر العورة وطهارة الثوب والمكان وغير ذلك، فإن شيئاً من ذلك لا يسقط به طلب الصلاة عن الذمة، ولا يتأخر، بل يصلي الإنسان ولا يعيد، والطهارة كذلك، بل تعذر الركن لا يسقط تكليف ذات الأركان، فكيف الشرط؟ كما إذا تعذر غسل بعض أعضاء الوضوء لعدم المحل، فإنه يغسل الباقي ولا يسقط الوضوء]. أي: كما لو قطعت يده من المرفق، فإنه يغسل الذراع، ولا يسقط غسل اليد. قال رحمه الله تعالى: [وكما إذا عجز عن القراءة في الصلاة وكذا القيام وغيره]. قلت: بل قد علم سقوط الطهارة تخفيفاً بالنظر إلى المعذور، فالأقرب أنه يصلي ولا يعيد كما يميل إليه كلام المصنف، وكذا كلام البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه، والله تعالى أعلم]. وقال السندي على قوله: (أصبت): [أي: حيث عملت باجتهادك. فكل منهما مصيب من هذه الحيثية، وإن كان الأول مخطئاً بالنظر إلى ترك الصلاة بالتيمم، والله تعالى أعلم]. وفعل الثاني هو الأصح، والأول مخالف لحديث عمار، مقدم عليه حديث عمار.

стр. 452

شرح سنن النسائي_ كتاب الطهارة [١٨] الماء طاهر لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه أو طعمه أو لونه من النجاسات، ويجوز التطهر بكل ماء مطلق كماء البئر والبحر والثلج والبرد، ومن النجاسات التي تؤثر في الماء لعاب الكلب على خلاف بين الفقهاء في نجاسة الكلب.

стр. 453

أحكام المياه

стр. 454

شرح حديث: (إن الماء لا ينجسه شيءٌ) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [كتاب المياه: قال الله : ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان:٤٨]. وقال : ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال:١١]، وقال تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء:٤٣]. أخبرنا سويد بن نصر قال: حدثنا عبد الله بن المبارك عن سفيان عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس (أن بعض أزواج النبي ﷺ اغتسلت من الجنابة، فتوضأ النبي ﷺ بفضلها، فذكرت ذلك له فقال: إن الماء لا ينجسه شيء)]. هذا كتاب المياه، بين المؤلف ﵀ فيه تأويل قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة:٦]، فما الماء الذي يتطهر به؟ الجواب هو الماء الذي تطهر، وهو الطهور الباقي على خلقته، كماء البحار والأنهار والعيون والآبار والأمطار، هذا هو الماء الطهور الباقي على خلقته، فماء الأمطار وماء البحار والأنهار والآبار ماء طهور، قال سبحانه: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال:١١]، وقال سبحانه: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء:٤٣]. والماء الطهور أيضاً: هو الماء المطلق الذي لم يخالطه شيء غيره يسلب عنه اسم الماء. ثم ذكر حديث ابن عباس ﵄ أن بعض أزواج النبي ﷺ اغتسلت من الجنابة، فتوضأ النبي ﷺ من فضلها، فذكرت ذلك له، فقال: (إن الماء لا يجنب لا ينجسه شيء). والحديث يروي فيه سماك عن عكرمة؛ ورواية سماك عن عكرمة فيها اضطراب إذا عنعن، لكن الحديث له شواهد تؤيده. والآيات التي ذكرت في أول الباب تدل على أن الأصل في الماء الطهارة. وجاء في حديث آخر: (أنه اغتسل بعض أزواج النبي ﷺ في جفنة، فجاء النبي ﷺ واغتسل منها، فقالت: إني كنت جنباً، فقال: إن الماء لا يجنب). وجاء في الحديث الآخر: (أن رسول الله ﷺ اغتسل بفضل ميمونة). أما ما جاء من النهي عن الوضوء بفضل المرأة فهو محمول على التنزيه إذا لم يوجد غيره في أصح قولي العلماء، وهذا هو الصواب، وقد ثبت عن النبي ﷺ في الأحاديث الصحيحة، أنه اغتسل هو وبعض أزواجه من إناء واحد يغترفان جميعاً، وإذا اغترفت صار الماء بعدها فضلاً، ومع ذلك كان يغترف منه ﵊، فالأصل في الماء الطهورية إلا إذا تغير بمادة أخرى أو اختلطت به مادة أخرى سلبت عنه اسم الماء. وقوله: (إن الماء لا ينجسه شيء) يعني: ما دام باقياً على أصله، إلا إذا تغير بالنجاسة أو تغير بمادة أخرى سلبت عنه اسم الماء، كأن يختلط به لبن كثير فيكون لبناً، أو صب عليه زعفران فيكون زعفراناً، أو حبر يسلب عنه اسم الماء، أو يكون الماء ليس بماء مطلق، كعصير بعض الفواكه، فهذا لا يسمى ماء مطلقاً ولو كان صافياً، وإنما هو ماء عصير. وإذا تغير بغير ممازج - كطحلب وما أشبه ذلك - فلا يضر؛ لأن هذا شيء طاهر، ومثله ما يسقط من أوراق الأشجار.

стр. 455

ذكر بئر بضاعة

стр. 456

شرح حديث أبي سعيد في بئر بضاعة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب ذكر بئر بضاعة. أخبرني هارون بن عبد الله قال: حدثنا أبو أسامة قال: حدثنا الوليد بن كثير قال: حدثنا محمد بن كعب القرظي عن عبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع عن أبي سعيد الخدري قال: قيل: (يا رسول الله! أتتوضأ من بئر بضاعة وهي بئر يطرح فيها لحوم الكلاب والحيض والنتن؟ فقال: الماء طهور لا ينجسه شيء). أخبرنا العباس بن عبد العظيم قال: حدثنا عبد الملك بن عمرو قال: حدثنا عبد العزيز بن مسلم - وكان من العابدين - عن مطرف بن طريف عن خالد بن أبي نوف عن سليط عن ابن أبي سعيد الخدري عن أبيه قال: (مررت بالنبي ﷺ وهو يتوضأ من بئر بضاعة، فقلت: أتتوضأ منها وهي يطرح فيها ما يكره من النتن؟! فقال: الماء لا ينجسه شيء)]. هذا الحديث هو حديث بئر بضاعة المشهور، وهو حديث أبي سعيد الخدري. وقوله ﵊: (الماء طهور لا ينجسه شيء) يعني: أن هذا هو الأصل في الماء، إلا إذا تغير بنجاسة، وبئر بضاعة فيها ماء كثير، وقد حزرها بعضهم وجعل فيها حبلاً يقيس به الماء طولاً وعرضاً، ففيها ماء كثير أكثر من قلتين، وكانت في مكان منخفض، وكان تأتي الرياح والسيول وتلقي فيها هذه الأشياء، وهي لحوم الكلاب والحيض والنتن، وليس المراد أن الصحابة كانوا يلقون فيها هذه الأشياء، فالصحابة أعلى قدراً من أن يفعلوا هذا، ولكن قال بعضهم: يمكن أن يفعل هذا بعض المنافقين. والمقصود: أن النبي ﷺ سئل عنها فقال: (الماء طهور لا ينجسه شيء) فما دام باقياً على خلقته فلم تغير النجاسة فيه لوناً ولا طعماً ولا ريحاً فالأصل الطهارة. وقد احتج به المحققون على أنه يلغي مفهوم حديث القلتين كما سيأتي. وهذا الحديث لا بأس بسنده، وقد أخرجه أبو داود وكذا الترمذي، وهو حجة في أن الأصل في الماء الطهارة، وأنه لا يعدل عنه إلا إذا تغير بالنجاسة، فهذه البئر كانت تلقي فيها السيول والرياح هذه الأشياء، ولكن الماء فيها كثير لا يتأثر ولا يتغير، فلهذا قال النبي ﷺ : (الماء طهور لا ينجسه شيء).

стр. 457

التوقيت في الماء

стр. 458

شرح حديث: (إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب التوقيت في الماء. أخبرنا الحسين بن حريث المروزي حدثنا أبو أسامة عن الوليد بن كثير عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: (سئل رسول الله ﷺ عن الماء وما ينوبه من الدواب والسباع؟ فقال: إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث)]. هذا الحديث يسمى حديث القلتين، وهو حديث ابن عمر، وهو مشهور بحديث القلتين، وفي سنده الوليد بن كثير، قال فيه الحافظ في التقريب: مقبول. والمقبول إنما يحتج به في المتابعات لا في الأصول، لكن الحديث له طرق تشهد له، فهو حديث لا بأس بسنده على الصحيح، وقد اختلف العلماء في تصحيحه وتضعيفه، والصواب أنه حديث صحيح، لا بأس بسنده، واحتج به الجمهور والكثير من الفقهاء على التوقيت في الماء، كما بوب المؤلف ﵀، فيعتبر حداً فاصلاً بين القليل والكثير، فما بلغ قلتين فهو كثير، وما كان دون القلتين فهو قليل، وعملوا بمفهومه ومنطوقه، فقالوا: إن منطوق الحديث أنه إذا كان الماء قلتين فإنه لا ينجس بملاقاة النجاسة إلا إذا تغير طعمه أو لونه أو ريحه، أما إذا كان أقل من القلتين فإنه ينجس بمجرد الملاقاة، ولو لم يتغير. فجعلوا هذا حداً فاصلاً. والقلة قريبة من قربتين ونصف، فتكون القلتان خمس قرب، فإذا بلغ الماء خمس قرب فإنه لا يتأثر بنجاسة ما لم يتغير طعمه أو لونه أو ريحه، أما إذا كان أقل من القلتين فإنه ينجس ولو لم يتغير، عملاً بالمنطوق والمفهوم. وذهب جمع من المحققين إلى أن مفهوم هذا الحديث ملغى معطل، والذي ألغاه حديث أبي سعيد في بئر بضاعة، وهو (الماء طهور لا ينجسه شيء)، فلا ينجس الماء مطلقاً، قليلاً كان أو كثيراً، إلا إذا تغير أحد أوصافه. وقد ذهب إلى هذا جمع من المحققين، كشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم، وتبعهما الشيخ عبد العزيز بن باز رحمة الله عليه، والشيخ عبد الرحمن السعدي، والشيخ محمد بن عثيمين ﵏، فذهبوا إلى هذا القول، وهو أن الماء - قليلاً كان أو كثيراً - لا ينجس إلا إذا تغير أحد أوصافه، عملاً بحديث أبي سعيد، وأما حديث القلتين فإن مفهومه أنه إذا كان أقل من القلتين فإنه ينجس، وهذا المفهوم ألغاه منطوق حديث أبي سعيد (الماء طهور لا ينجسه شيء)، فلا يعمل بمفهوم حديث القلتين، وإنما يعمل بالمفهوم إذا لم يعارضه غيره، وهذا عارضه حديث أبي سعيد، ما لم يكن الماء قليلاً في الأواني؛ فإنه يراق؛ لما جاء في بعض ألفاظ حديث ولوغ الكلب: (فليرقه)، فإذا كان الماء قليلاً في الأواني الصغار فإنه يراق، أما ما زاد على ذلك فلا. والمسلم ينبغي له أن يتأمل وينظر إذا وقعت في الماء الذي دون القلتين النجاسة؛ لأنه قد يتغير وهو لا يشعر بها، فإذا وقع فيه نجاسة فليتأمل ولينظر، فإن غيرت أحد أوصافه فهو نجس، وإلا فهو طاهر.

стр. 459

شرح حديث أنس في بول الأعرابي في المسجد قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة قال: حدثنا حماد عن ثابت عن أنس: (أن أعرابياً بال في المسجد فقام إليه بعض القوم، فقال رسول الله ﷺ : لا تزرموه. فلما فرغ دعا بدلو من ماء فصبه عليه). أخبرنا عبد الرحمن بن إبراهيم عن محمد بن عبد الواحد عن الأوزاعي عن عمرو بن الوليد عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن أبي هريرة قال: (قام أعرابي فبال في المسجد فتناوله الناس، فقال لهم رسول الله ﷺ : دعوه وأهريقوا على بوله دلواً من ماء، فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين)]. هذا الحديث يسمى حديث الأعرابي، وقد أخرجه الشيخان، فهو حديث صحيح. وفيه دليل على أن النجاسة يصب عليها الماء إذا كانت على الأرض، ولا يحتاج إلى نزع التراب، بل يكتفى بصب الماء؛ لأن النبي ﷺ لم يأمر بإخراج التراب، ومثله الفرش، فإذا أصابته النجاسة يصب عليها الماء، ويكون حكمها حكم التراب، لكن النجاسة تحرك وتقلب إذا كانت ثقيلة، وإذا كانت قليلة يعصر الفرش ويفرك، هذا إذا كانت النجاسة ليس لها جرم، أما إذا كان لها جرم كالعذرة فلا بد من نقل الجرم، ثم يصب الماء على الأثر. وفيه حسن خلق النبي ﷺ وتعليمه، فينبغي للدعاة أن يقتدوا ويتأسوا به - بأبي هو وأمي ﵊، قال الله تعالى في كتابه المبين: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١]. فهذا الأعرابي جاهل لا يعلم، جاء من البادية لا يفهم شيئاً، فدخل المسجد ثم رفع ثوبه وجلس يبول، فلما رآه الصحابة زجروه ونهروه، فقال النبي ﷺ : (لا تزرموه) أي: لا تقطعوا عليه بوله. فأشار إليهم أن يتركوه، وقال ﵊: (إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين)، فالشدة والعنف يؤديان إلى مفاسد، والصحابة رضوان الله عليهم حرصوا على الخير وحرصوا على تنزيه المسجد فبادروا بالإنكار عليه، لكن النبي ﷺ نظر إلى العاقبة، وسلك مسلك الحكمة، فرأى أنهم إذا نهروه ثم قام حصلت مفاسد، منها: أن البول سيصير عند قيامه في أماكن متعددة من المسجد، فبدل أن يكون في مكان واحد معروف يكون في أمكنة متعددة، وقد لا يعرف مكان بعضها. ومنها: أنه سيلطخ ثوبه وفخذيه بالبول. ومنها: أن قطع البول عليه قد يؤدي إلى ضرر صحي. ومنها: التنفير من الإسلام، فينفر من الإسلام، ويكره الذين أنكروا عليه، وقد يهرب. كل هذه المفاسد تلافاها النبي ﷺ بقوله: (دعوه، لا تزرموه). ثم قال ﵊: (أهريقوا على بوله دلواً من ماء)، وفي لفظ: (سجلاً من ماء)، فأمر بدلو من ماء فصب مكانه وانتهى الأمر بسهولة، وتلافى هذه المفاسد التي كانت ستحصل وقال: (إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين) يعني: إنما بعثتم بالعمل بهذا الدين الذي فيه اليسر وعدم الشدة، أي: بعث نبيكم بهذا وأنتم تعملون بالشرع. ثم بعد ذلك دعاه النبي ﷺ برفق ولين، وأخبر بأن هذه المساجد إنما بنيت لذكر الله والصلاة، ولا تصلح لشيء من البول والقذر. فلما رأى صفة خُلقُه ﵊ انقاد واستجاب، ثم قال: (اللهم ارحمني ومحمداً، ولا ترحم معنا أحدا) فقال رسول الله ﷺ : (لقد حجرت واسعاً). وفي هذا الحديث أنه يصب على نجاسة البول الماء، وفي حديث القلتين بيان إذا وقعت النجاسة على الماء. وقد اختلف العلماء أيضاً في الجمع بينه وبين حديث القلتين، فقال بعضهم: إن حديث القلتين فيه ورود النجاسة على الماء، وحديث الأعرابي فيه ورود الماء على النجاسة، فقال: إن هناك فرقاً بين ورود النجاسة على الماء وورود الماء على النجاسة، فإذا وردت النجاسة على الماء فإنه ينجس إذا كان دون القلتين، أما إذا ورد الماء على النجاسة فلا ينجس، كما في حديث الأعرابي؛ لأن المعلوم أن الدلو أقل من القلتين، وصب على النجاسة، ومع ذلك ما تنجس الماء، فلو تنجس الماء لما طهرت النجاسة. لكن هذا التفريق ليس بجيد، وهو دليل على أن الماء - ولو كان قليلاً - لا ينجس إلا بالتغير. ولتطهير الماء المتنجس طرق، فمنها: نزح النجاسة، فإذا نزحت منه وزال تغيره طهر. ومنها: المكاثرة، فإذا أضيف إليه الماء الطهور وزالت النجاسة أي: لونها وطعمها وريحها فلا بأس. ومنها: أن تضاف إليه مواد أخرى، مثل مياه المجاري الآن، فقد يضاف إليها مواد أخرى فيزول طعم النجاسة ولونها ورائحتها، فيعود الماء طهوراً مرة أخرى. وفي إسناد الحديث الثاني قال النسائي: [عن محمد بن عبد الواحد عن الأوزاعي عن عمرو بن الوليد] وهذا إسناد فيه خطأ، والصواب: عمر بن عبد الواحد عن الأوزاعي عن محمد بن الوليد، كما هو في السنن الكبرى.

стр. 460

النهي عن اغتسال الجنب في الماء الدائم
следующие страницы →