← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 37016

شرح سنن النسائي - الراجحي

عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

Полный текст (589 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

شرح حديث أبي سعيد في بئر بضاعة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب ذكر بئر بضاعة. أخبرني هارون بن عبد الله قال: حدثنا أبو أسامة قال: حدثنا الوليد بن كثير قال: حدثنا محمد بن كعب القرظي عن عبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع عن أبي سعيد الخدري قال: قيل: (يا رسول الله! أتتوضأ من بئر بضاعة وهي بئر يطرح فيها لحوم الكلاب والحيض والنتن؟ فقال: الماء طهور لا ينجسه شيء). أخبرنا العباس بن عبد العظيم قال: حدثنا عبد الملك بن عمرو قال: حدثنا عبد العزيز بن مسلم - وكان من العابدين - عن مطرف بن طريف عن خالد بن أبي نوف عن سليط عن ابن أبي سعيد الخدري عن أبيه قال: (مررت بالنبي ﷺ وهو يتوضأ من بئر بضاعة، فقلت: أتتوضأ منها وهي يطرح فيها ما يكره من النتن؟! فقال: الماء لا ينجسه شيء)]. هذا الحديث هو حديث بئر بضاعة المشهور، وهو حديث أبي سعيد الخدري. وقوله ﵊: (الماء طهور لا ينجسه شيء) يعني: أن هذا هو الأصل في الماء، إلا إذا تغير بنجاسة، وبئر بضاعة فيها ماء كثير، وقد حزرها بعضهم وجعل فيها حبلاً يقيس به الماء طولاً وعرضاً، ففيها ماء كثير أكثر من قلتين، وكانت في مكان منخفض، وكان تأتي الرياح والسيول وتلقي فيها هذه الأشياء، وهي لحوم الكلاب والحيض والنتن، وليس المراد أن الصحابة كانوا يلقون فيها هذه الأشياء، فالصحابة أعلى قدراً من أن يفعلوا هذا، ولكن قال بعضهم: يمكن أن يفعل هذا بعض المنافقين. والمقصود: أن النبي ﷺ سئل عنها فقال: (الماء طهور لا ينجسه شيء) فما دام باقياً على خلقته فلم تغير النجاسة فيه لوناً ولا طعماً ولا ريحاً فالأصل الطهارة. وقد احتج به المحققون على أنه يلغي مفهوم حديث القلتين كما سيأتي. وهذا الحديث لا بأس بسنده، وقد أخرجه أبو داود وكذا الترمذي، وهو حجة في أن الأصل في الماء الطهارة، وأنه لا يعدل عنه إلا إذا تغير بالنجاسة، فهذه البئر كانت تلقي فيها السيول والرياح هذه الأشياء، ولكن الماء فيها كثير لا يتأثر ولا يتغير، فلهذا قال النبي ﷺ : (الماء طهور لا ينجسه شيء).

стр. 457

التوقيت في الماء

стр. 458

شرح حديث: (إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب التوقيت في الماء. أخبرنا الحسين بن حريث المروزي حدثنا أبو أسامة عن الوليد بن كثير عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: (سئل رسول الله ﷺ عن الماء وما ينوبه من الدواب والسباع؟ فقال: إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث)]. هذا الحديث يسمى حديث القلتين، وهو حديث ابن عمر، وهو مشهور بحديث القلتين، وفي سنده الوليد بن كثير، قال فيه الحافظ في التقريب: مقبول. والمقبول إنما يحتج به في المتابعات لا في الأصول، لكن الحديث له طرق تشهد له، فهو حديث لا بأس بسنده على الصحيح، وقد اختلف العلماء في تصحيحه وتضعيفه، والصواب أنه حديث صحيح، لا بأس بسنده، واحتج به الجمهور والكثير من الفقهاء على التوقيت في الماء، كما بوب المؤلف ﵀، فيعتبر حداً فاصلاً بين القليل والكثير، فما بلغ قلتين فهو كثير، وما كان دون القلتين فهو قليل، وعملوا بمفهومه ومنطوقه، فقالوا: إن منطوق الحديث أنه إذا كان الماء قلتين فإنه لا ينجس بملاقاة النجاسة إلا إذا تغير طعمه أو لونه أو ريحه، أما إذا كان أقل من القلتين فإنه ينجس بمجرد الملاقاة، ولو لم يتغير. فجعلوا هذا حداً فاصلاً. والقلة قريبة من قربتين ونصف، فتكون القلتان خمس قرب، فإذا بلغ الماء خمس قرب فإنه لا يتأثر بنجاسة ما لم يتغير طعمه أو لونه أو ريحه، أما إذا كان أقل من القلتين فإنه ينجس ولو لم يتغير، عملاً بالمنطوق والمفهوم. وذهب جمع من المحققين إلى أن مفهوم هذا الحديث ملغى معطل، والذي ألغاه حديث أبي سعيد في بئر بضاعة، وهو (الماء طهور لا ينجسه شيء)، فلا ينجس الماء مطلقاً، قليلاً كان أو كثيراً، إلا إذا تغير أحد أوصافه. وقد ذهب إلى هذا جمع من المحققين، كشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم، وتبعهما الشيخ عبد العزيز بن باز رحمة الله عليه، والشيخ عبد الرحمن السعدي، والشيخ محمد بن عثيمين ﵏، فذهبوا إلى هذا القول، وهو أن الماء - قليلاً كان أو كثيراً - لا ينجس إلا إذا تغير أحد أوصافه، عملاً بحديث أبي سعيد، وأما حديث القلتين فإن مفهومه أنه إذا كان أقل من القلتين فإنه ينجس، وهذا المفهوم ألغاه منطوق حديث أبي سعيد (الماء طهور لا ينجسه شيء)، فلا يعمل بمفهوم حديث القلتين، وإنما يعمل بالمفهوم إذا لم يعارضه غيره، وهذا عارضه حديث أبي سعيد، ما لم يكن الماء قليلاً في الأواني؛ فإنه يراق؛ لما جاء في بعض ألفاظ حديث ولوغ الكلب: (فليرقه)، فإذا كان الماء قليلاً في الأواني الصغار فإنه يراق، أما ما زاد على ذلك فلا. والمسلم ينبغي له أن يتأمل وينظر إذا وقعت في الماء الذي دون القلتين النجاسة؛ لأنه قد يتغير وهو لا يشعر بها، فإذا وقع فيه نجاسة فليتأمل ولينظر، فإن غيرت أحد أوصافه فهو نجس، وإلا فهو طاهر.

стр. 459

شرح حديث أنس في بول الأعرابي في المسجد قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة قال: حدثنا حماد عن ثابت عن أنس: (أن أعرابياً بال في المسجد فقام إليه بعض القوم، فقال رسول الله ﷺ : لا تزرموه. فلما فرغ دعا بدلو من ماء فصبه عليه). أخبرنا عبد الرحمن بن إبراهيم عن محمد بن عبد الواحد عن الأوزاعي عن عمرو بن الوليد عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن أبي هريرة قال: (قام أعرابي فبال في المسجد فتناوله الناس، فقال لهم رسول الله ﷺ : دعوه وأهريقوا على بوله دلواً من ماء، فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين)]. هذا الحديث يسمى حديث الأعرابي، وقد أخرجه الشيخان، فهو حديث صحيح. وفيه دليل على أن النجاسة يصب عليها الماء إذا كانت على الأرض، ولا يحتاج إلى نزع التراب، بل يكتفى بصب الماء؛ لأن النبي ﷺ لم يأمر بإخراج التراب، ومثله الفرش، فإذا أصابته النجاسة يصب عليها الماء، ويكون حكمها حكم التراب، لكن النجاسة تحرك وتقلب إذا كانت ثقيلة، وإذا كانت قليلة يعصر الفرش ويفرك، هذا إذا كانت النجاسة ليس لها جرم، أما إذا كان لها جرم كالعذرة فلا بد من نقل الجرم، ثم يصب الماء على الأثر. وفيه حسن خلق النبي ﷺ وتعليمه، فينبغي للدعاة أن يقتدوا ويتأسوا به - بأبي هو وأمي ﵊، قال الله تعالى في كتابه المبين: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١]. فهذا الأعرابي جاهل لا يعلم، جاء من البادية لا يفهم شيئاً، فدخل المسجد ثم رفع ثوبه وجلس يبول، فلما رآه الصحابة زجروه ونهروه، فقال النبي ﷺ : (لا تزرموه) أي: لا تقطعوا عليه بوله. فأشار إليهم أن يتركوه، وقال ﵊: (إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين)، فالشدة والعنف يؤديان إلى مفاسد، والصحابة رضوان الله عليهم حرصوا على الخير وحرصوا على تنزيه المسجد فبادروا بالإنكار عليه، لكن النبي ﷺ نظر إلى العاقبة، وسلك مسلك الحكمة، فرأى أنهم إذا نهروه ثم قام حصلت مفاسد، منها: أن البول سيصير عند قيامه في أماكن متعددة من المسجد، فبدل أن يكون في مكان واحد معروف يكون في أمكنة متعددة، وقد لا يعرف مكان بعضها. ومنها: أنه سيلطخ ثوبه وفخذيه بالبول. ومنها: أن قطع البول عليه قد يؤدي إلى ضرر صحي. ومنها: التنفير من الإسلام، فينفر من الإسلام، ويكره الذين أنكروا عليه، وقد يهرب. كل هذه المفاسد تلافاها النبي ﷺ بقوله: (دعوه، لا تزرموه). ثم قال ﵊: (أهريقوا على بوله دلواً من ماء)، وفي لفظ: (سجلاً من ماء)، فأمر بدلو من ماء فصب مكانه وانتهى الأمر بسهولة، وتلافى هذه المفاسد التي كانت ستحصل وقال: (إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين) يعني: إنما بعثتم بالعمل بهذا الدين الذي فيه اليسر وعدم الشدة، أي: بعث نبيكم بهذا وأنتم تعملون بالشرع. ثم بعد ذلك دعاه النبي ﷺ برفق ولين، وأخبر بأن هذه المساجد إنما بنيت لذكر الله والصلاة، ولا تصلح لشيء من البول والقذر. فلما رأى صفة خُلقُه ﵊ انقاد واستجاب، ثم قال: (اللهم ارحمني ومحمداً، ولا ترحم معنا أحدا) فقال رسول الله ﷺ : (لقد حجرت واسعاً). وفي هذا الحديث أنه يصب على نجاسة البول الماء، وفي حديث القلتين بيان إذا وقعت النجاسة على الماء. وقد اختلف العلماء أيضاً في الجمع بينه وبين حديث القلتين، فقال بعضهم: إن حديث القلتين فيه ورود النجاسة على الماء، وحديث الأعرابي فيه ورود الماء على النجاسة، فقال: إن هناك فرقاً بين ورود النجاسة على الماء وورود الماء على النجاسة، فإذا وردت النجاسة على الماء فإنه ينجس إذا كان دون القلتين، أما إذا ورد الماء على النجاسة فلا ينجس، كما في حديث الأعرابي؛ لأن المعلوم أن الدلو أقل من القلتين، وصب على النجاسة، ومع ذلك ما تنجس الماء، فلو تنجس الماء لما طهرت النجاسة. لكن هذا التفريق ليس بجيد، وهو دليل على أن الماء - ولو كان قليلاً - لا ينجس إلا بالتغير. ولتطهير الماء المتنجس طرق، فمنها: نزح النجاسة، فإذا نزحت منه وزال تغيره طهر. ومنها: المكاثرة، فإذا أضيف إليه الماء الطهور وزالت النجاسة أي: لونها وطعمها وريحها فلا بأس. ومنها: أن تضاف إليه مواد أخرى، مثل مياه المجاري الآن، فقد يضاف إليها مواد أخرى فيزول طعم النجاسة ولونها ورائحتها، فيعود الماء طهوراً مرة أخرى. وفي إسناد الحديث الثاني قال النسائي: [عن محمد بن عبد الواحد عن الأوزاعي عن عمرو بن الوليد] وهذا إسناد فيه خطأ، والصواب: عمر بن عبد الواحد عن الأوزاعي عن محمد بن الوليد، كما هو في السنن الكبرى.

стр. 460

النهي عن اغتسال الجنب في الماء الدائم

стр. 461

شرح حديث: (لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [النهي عن اغتسال الجنب في الماء الدائم. أخبرنا الحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع، عن ابن وهب عن عمرو - وهو ابن الحارث - عن بكير أن أبا السائب حدثه أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : (لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب)]. هذا الحديث فيه النهي عن اغتسال الجنب في الماء الدائم، والنهي للتحريم، وظاهره يقتضي الفساد، فلو اغتسل في الماء الدائم وعليه جنابة فإنه لا يرتفع الحدث؛ الأصل في النهي أنه يقتضي الفساد والتحريم، فلا يجوز للإنسان أن يغتسل في الماء الدائم الراكد الذي لا يجري؛ لأنه يقذره على غيره. ومفهوم الحديث: أنه لو اغتسل للتبرد فلا حرج، وكذلك إذا كان الماء جارياً؛ لأنه إذا اغتسل تذهب هذه الجرية وتأتي بعدها جرية أخرى. وحتى من باب النظافة فينبغي للمتبرد أن يغتسل خارج الماء، إلا إذا كان الماء كثيراً. وإذا أراد المرء أن يكتفي بالانغماس في الماء عن الوضوء، فإنه لابد أن يراعي كيفية الغمس، إذ لابد من الترتيب، فيخرج وجهه أولاً، ثم يخرج يده اليمنى، ثم اليسرى، ثم رأسه ويمسح أذنيه، أو يخرج رأسه، ثم رجله اليمنى ثم رجله اليسرى، فلا بد من غسل الأعضاء مرتبة.

стр. 462

الوضوء بماء البحر

стр. 463

شرح حديث: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الوضوء بماء البحر. أخبرنا قتيبة عن مالك عن صفوان بن سليم عن سعيد بن أبي سلمة أن المغيرة بن أبي بردة أخبره أنه سمع أبا هريرة يقول: سأل رجل رسول الله ﷺ فقال: (يا رسول الله! إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ من ماء البحر؟ فقال رسول الله ﷺ : هو الطهور ماؤه الحل ميتته)]. هذا الحديث فيه أن ماء البحر طهور وميتته حلال. وفيه من الفوائد: أن المفتي ينبغي له أن يزيد المستفتي الحكم الذي يحتاج إليه، فإن هذا السائل سأل عن حكم ماء البحر، والذي يسأل عن ماء البحر يحتاج إلى معرفة حكم الميتة، فزاده النبي ﷺ بيان حكم أكل الميتة في البحر، فقال: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته). ووقع في هذا الإسناد (سعيد بن أبي سلمة) وهو خطأ، والصواب (سعيد بن سلمة) بدون زيادة (أبي)، كما هو في السنن الكبرى.

стр. 464

الوضوء بماء الثلج والبرد

стр. 465

شرح حديث: (اللهم اغسل خطاياي بماء الثلج والبرد) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الوضوء بماء الثلج والبرد. أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قال: أخبرنا جرير عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يقول: (اللهم اغسل خطاياي بماء الثلج والبرد، ونق قلبي من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس). أخبرنا علي بن حجر قال: أخبرنا جرير عن عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير عن أبي هريرة قال: كان رسول الله ﷺ يقول: (اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج والماء والبرد)]. هذا - كما سبق - فيه دليل على طهارة ماء الثلج والبرد، فماء الثلج والبرد إذا ذاب فهو طهور، تتوضأ به كماء البحر، وكذلك مياه العيون والآبار والأمطار، كلها الأصل فيها الطهارة.

стр. 466

سؤر الكلب

стр. 467

شرح حديث: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب: سؤر الكلب. أخبرنا علي بن حجر قال: أخبرنا علي بن مسهر عن الأعمش عن أبي رزين وأبي صالح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه ثم ليغسله سبع مرات)]. وهذا الحديث أخرجه الشيخان وأهل السنن بألفاظ. وفي هذا الحديث دليل على نجاسة الكلب؛ لأن الأمر بغسل ما ولغ فيه يدل على نجاسته، وقد ذهب إلى هذا الجماهير. وذهب الإمام مالك والمالكية، إلى أن سؤر الكلب طاهر، وهو اختيار البخاري ﵀، واستدلوا بأن النبي ﷺ أباح صيد الكلب المعلم، ومن المعلوم: أنه إذا صاد الفريسة فلا بد من أن يكون فيها شيء من لعابه، ولم يأمر النبي ﷺ بغسل لعاب الكلب، فقالوا: دل هذا على طهارته. لكن هذا ليس بواضح، والأمر بغسل ما ولغ فيه صريح في نجاسته، أما مكان عض المصيد فإنه قد يقطع، لأنه معروف أن عظة الكلب يقطع بسببها شيء يسير من الصيد، ثم إن النار تُذهب أثر أنيابه؛ لأن النار تقتل الجراثيم. وفي هذا الحديث قوله: (فليرقه) وهذه اللفظة عند مسلم، وهي تدل على أن الماء القليل الذي في الأواني يراق إذا ولغ فيه الكلب، وكذلك - بالقياس عليه - ما وقع فيه نجاسة غير نجاسة الكلب، فإذا كان في إناء صغير فإنه يراق. وقال بعضهم: إن هذه اللفظة شاذة. والحديث دليل على أنه يجب غسل ما ولغ فيه الكلب سبع مرات، وفي الحديث الآخر: (أولاهن في التراب)، وفي رواية: (إحداهن بالتراب)، وفي بعضها: (وعفروه الثامنة بالتراب) وهو دليل على أن إحدى الغسلات يكون فيها التراب، والأولى أن تكون الأولى؛ حتى يزيل أثر التراب ما بعدها من الغسلات. فهذا حكم ولوغه، أما بوله فأشد؛ لأن الكلب كله نجس، لكن إذا مس المرء الكلب وهو جاف فلا يؤثر ذلك عليه، لكن إذا كان رطباً فلابد من غسل اليد، وكذلك إذا كانت اليد فيها رطوبة، لكن السبع المرات في غسل الإناء من ولوغه. وبعض العلماء - كالحنابلة وغيرهم - ذهبوا إلى قياس الخنزير على الكلب فقالوا بغسل الإناء من ولوغه سبع مرات، لكن ليس القياس بظاهر.

стр. 468

تعفير الإناء بالتراب من ولوغ الكب

стр. 469

شرح حديث: (إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرات) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب تعفير الإناء بالتراب من ولوغ الكلب فيه. أخبرنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا خالد - يعني ابن الحارث - عن شعبة عن أبي التياح قال: سمعت مطرفاً عن عبد الله بن مغفل: (أن رسول الله ﷺ أمر بقتل الكلاب، ورخص في كلب الصيد والغنم وقال: إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرات وعفروه الثامنة بالتراب). أخبرنا عمرو بن يزيد قال: حدثنا بهز بن أسد قال: حدثنا شعبة عن أبي التياح يزيد بن حميد قال: سمعت مطرفاً يحدث عن عبد الله بن مغفل قال: (أمر رسول الله ﷺ بقتل الكلاب، قال: ما بالهم وبال الكلاب؟ قال: ورخص في كلب الصيد وكلب الغنم، وقال: إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرات وعفروه الثامنة بالتراب، قال أبو هريرة ﵁: إحداهن بالتراب). أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قال: حدثنا معاذ بن هشام قال: حدثني أبي عن قتادة عن خلاس عن أبي رافع عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات أولاهن بالتراب). أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قال: حدثنا عبدة بن سليمان عن ابن أبي عروبة عن قتادة عن ابن سيرين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات أولاهن بالتراب)]. هذا الحديث طرقه متعددة، وفيه دليل لما ترجم له المؤلف ﵀ من أن الكلب إذا ولغ في الإناء يغسل سبعاً، ويعفر بالتراب. وهذا التعفير بالتراب ذكر في الثامنة في بعض الروايات، وفي بعضها: (إحداهن بالتراب) ولم يعين، فيدل على التوسعة، وأن التراب في إحداهن، وفي بعضها: (أولاهن بالتراب) وهذه رواية مسلم، وهي الأَولى، أي: الأولى أن يكون التراب في الأُولى حتى يغسلها ما بعدها، والجمهور على أن التراب نفسه اعتبر ثامنة، أي: أن الغسل سبع لكن واحدة معها التراب، والأَولى أن تكون الأُولى -كما قدمنا- وإنما سميت ثامنة للنظر إلى كون التراب غير الماء، وإلا فالغسلات سبع. وفيه دليل على أن الأمر بقتل الكلاب منسوخ، وهذا الحديث فيه بيان الناسخ والمنسوخ، وذلك أن النبي ﷺ أمر بقتل الكلاب أولاً ثم رخص فقال: (ما بالهم وبال الكلاب)، إلا الأسود البهيم فإنه يقتل؛ لأنه شيطان، ولهذا جاء في صحيح مسلم: (يقطع صلاة المرء - إذا لم يكن بين يديه مثل مؤخرة الرحل - المرأة، والحمار، والكلب الأسود). ولهذا لما سئل أبو ذر رضي الله تعالى عنه: ما بال الكلب الأسود من الكلب الأحمر من الكلب الأصفر؟ قال للسائل: با ابن أخي سألت رسول الله ﷺ كما سألتني فقال: (الكلب الأسود شيطان). وفيه ترخيص في كلب الصيد والغنم، وجاء في حديث آخر أيضاً ترخيص في كلب الحرث. والذي يرخص فيه منها هو كلب الصيد، وكلب الماشية، وكلب الحرث، وكل ما ورد الترخيص فيه لا يمنع دخول الملائكة، وفيما عدا ذلك لا يجوز اقتناء الكلب، ومن اقتنى كلباً فإنه ينقص من أجره كل يوم قيراطان، كما في الحديث الآخر: (من اقتنى كلباً إلا كلب صيد أو ماشية أو حرث نقص من أجره كل يوم قيراطان)، أي: من الأجر، فلا يجوز وضع الكلاب في البيوت للحراسة، كما قال بعضهم: إن كلب الحراسة يقاس على كلب الحرث.

стр. 470

سؤر الهرة

стр. 471

شرح حديث: (إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب سؤر الهرة. أخبرنا قتيبة عن مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن حميدة بنت عبيد بن رفاعة عن كبشة ابنة كعب بن مالك: (أن أبا قتادة دخل عليها. ثم ذكر كلمة معناها: فسكبت له وضوءاً، فجاءت هرة فشربت منه، فأصغى لها الإناء حتى شربت، قالت كبشة: فرآني أنظر إليه، فقال: أتعجبين يا ابنة أخي؟ قلت: نعم. قال: إن رسول الله ﷺ قال: إنها ليست بنجس، إنما هي من الطوافين عليكم والطوافات)]. هذا الحديث فيه دليل على أن سؤر الهرة طاهر؛ وذلك لعموم البلوى بها، أي: لكونها تدور وتطوف في البيت فتعم البلوى بفعلها، فرخص فيها الشارع، والمشقة تجلب التيسير، فلوجود علة الدوران والطواف في البيت رخص الشارع في سؤرها، وقاس العلماء عليها ما يشاركها في العلة، كالفأرة، فالفأرة كذلك يكثر دورانها، ولهذا قال العلماء: الهرة وما دونها في الخلقة طاهر، وسؤرها طاهر. واختلف العلماء في الحمار والبغل ونحوها مما يشارك الهرة في عموم البلوى والطواف، ولا سيما قبل مجيء السيارات، فهل سؤر البغل والحمار نجس أم طاهر؟ الأقرب: أنه طاهر، فالحمار لا يؤكل، وهو نجس وبوله نجس، لكن عرقه مما تعم به البلوى، وكذلك سؤره.

стр. 472

سؤر الحائض

стр. 473

شرح حديث عائشة: (كنت أتعرق العرق فيضع رسول الله فاه حيث وضعته وأنا حائض) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب سؤر الحائض. أخبرنا عمرو بن علي قال: حدثنا عبد الرحمن عن سفيان عن المقدام بن شريح عن أبيه عن عائشة: (كنت أتعرق العرق فيضع رسول الله ﷺ فاه حيث وضعته وأنا حائض، وكنت أشرب من الإناء فيضع فاه حيث وضعت وأنا حائض)]. هذا الحديث أخرجه البخاري ﵀ في صحيحه، وفيه دليل على طهارة سؤر الحائض، والسؤر: بقية الأكل أو الشرب. وفيه حسن خلق النبي ﷺ ومعاشرته لأهله وتواضعه ومحبته لـ عائشة ﵂، وتعليمه الأمة، حيث إنه كان يضع فاه مكان فمها. والعرق هو العظم الذي فيه بقية لحم، وفيه مخالفة اليهود الذين لا يؤاكلون الحائض ولا يشاربونها ولا يجامعونها في البيت، بل يجعلونها في بيت أو حجرة لوحدها، فخالفهم النبي ﷺ ، وقال: (اصنعوا كل شيء إلا النكاح) يعني: إلا الجماع.

стр. 474

الرخصة في فضل المرأة

стр. 475

شرح حديث: (كان الرجال والنساء يتوضئون في زمان رسول الله جميعاً) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الرخصة في فضل المرأة. أخبرنا هارون بن عبد الله قال: حدثنا معن قال: حدثنا مالك عن نافع عن ابن عمر قال: (كان الرجال والنساء يتوضئون في زمان رسول الله ﷺ جميعاً)]. المراد بفضل المرأة ما يبقى بعد غسل عضوها، وإذا كان يتوضئون جميعاً؛ فإنه إذا أخذت غرفة من الماء صار الماء بعدها فضلة، فيأخذ منه الرجل، فدل على الرخصة في فضل الماء. وقد يقال: كيف يتوضأ الرجال والنساء جميعاً؟! فهذه فتنة! والجواب أن هذا محمول على أحد وجهين: الوجه الأول: أن هذا كان قبل نزول الحجاب، والمراد بالوضوء غسل الأطراف: الوجه واليدين والرأس. والوجه الثاني: أن المراد الرجال مع النساء من محارمهم وزوجاتهم، كما كان النبي ﷺ يغتسل مع عائشة. أما بعد نزول الحجاب فليس للإنسان أن يتوضأ مع المرأة الأجنبية، فهذا فتنة.

стр. 476

النهي عن فضل وضوء المرأة

стр. 477

شرح حديث الحكم بن عمرو في النهي عن توضؤ الرجل بفضل المرأة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب النهي عن فضل وضوء المرأة. أخبرنا عمرو بن علي قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا شعبة عن عاصم الأحول قال: سمعت أبا هاجر قال أبو عبد الرحمن - واسمه سوادة بن عاصم - عن الحكم بن عمرو: (أن رسول الله ﷺ نهى أن يتوضأ الرجل بفضل وضوء المرأة)]. الوضوء بالفتح اسم للماء، بالضم اسم للفعل. وهذا النهي إما منسوخ وإما أنه للتنزيه، وهذا إذا لم يوجد غيره، فإذا لم يوجد غير فضل المرأة زالت الكراهة؛ لأن النبي ﷺ توضأ بفضل ميمونة ﵂، فدل على أن النهي للتنزيه. ذلك هو حكم فضل وضوء المرأة، وأما ما ينزل من الأعضاء بعد استعماله ففيه خلاف، وهو المسمى الماء المستعمل، فلا يصح الوضوء به مرة أخرى، لكن يستعمل في غير الوضوء. الفقهاء يقسمون الماء إلى ثلاثة أقسام: طهور، وطاهر، ونجس. فالطهور: هو الذي يرفع الحدث. والطاهر: هو الطاهر في نفسه الذي لا يرفع الحدث، فالمستعمل ليس بنجس، لكنه لا يرفع الحدث؛ لأنه مستعمل في العبادة، فلا يستعمل في عبادة أخرى. ومثله الأحجار التي يرمى بها الجمار في الحج، حيث قالوا: لا ترم بحجر رمي به غيرك. وهذا لا دليل عليه، بل الصواب: أن المستعمل طهور، لكن إذا تركه من باب الاحتياط عند وجود غيره فلا حرج، وذلك حسن.

стр. 478

الرخصة في فضل الجنب

стр. 479

شرح حديث عائشة في اغتسالها مع رسول الله في الإناء الواحد قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الرخصة في فضل الجنب. أخبرنا قتيبة قال: حدثنا الليث عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة ﵂: (أنها كانت تغتسل مع رسول الله ﷺ في الإناء الواحد)]. هذا الحديث رواه البخاري في الصحيح. وفيه أنه لا بأس بفضل الجنب، وذلك لأنها كانت تغتسل مع النبي ﷺ في إناء واحد، فإذا غرفت فإن الماء يكون بعدها فضلة، ويغرف منه النبي ﷺ . وقد سبق أنه (اغتسل بعض أزواج النبي ﷺ في جفنة، فجاء النبي ﷺ يغتسل منها فقالت: إني كنت جنباً، فقال: إن الماء لا ينجس).

стр. 480

القدر الذي يكتفي به الإنسان من الماء للوضوء والغسل

стр. 481

شرح حديث: (كان رسول الله يتوضأ بمكوك ويغتسل بخمسة مكاكي) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب القدر الذي يكتفي به الإنسان من الماء للوضوء والغسل. أخبرنا عمرو بن علي قال: حدثنا يحيى بن سعيد قال: حدثنا شعبة قال: حدثني عبد الله بن عبد الله بن جبر قال: سمعت أنس بن مالك يقول: (كان رسول الله ﷺ يتوضأ بمكوك ويغتسل بخمسة مكاكي)]. المكوك: هو المد، فالخمسة المكاكي خمسة أمداد، والمد: هو ملء كفي الرجل المتوسط اليدين، فليستا بالكبيرتين ولا بالصغيرتين. وهذا هو الغالب في فعله ﷺ ، وهو أنه كان يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع، وربما زاد - كما في هذا الحديث - فاغتسل بخمسة مكاكي، أي: بخمسة أمداد، وهي صاع وربع، وربما توضأ بثلثي المد. وفي الحديث الآخر: أن النبي ﷺ اغتسل مع زوجه بالفرق، وهو إناء يسع ثلاثة آصع، فكل واحد صاع ونصف تقريباً، أي: ستة أمداد. فدل هذا على أنه لا ينبغي الإفراط في الماء وكثرة الصب، فالزيادة على الثلاثة آصع أقل أحوالها الكراهة الشديدة، إن لم تكن محرمة، فلا ينبغي للإنسان أن يسرف، وإن زاد فلا حرج ما لم يخرج إلى الإسراف، وليس المراد أن الإنسان لا يجوز له أن يزيد على المد في الوضوء ولا على الخمسة المكاكي في الاغتسال، وإنما هذا بيان لما كان يفعله ﵊، وأنه ينبغي للإنسان أن يقتصد في الماء. ويروى أن النبي ﷺ قال لـ سعد: (ما هذا الإسراف؟! فقال: أفي الوضوء إسراف؟ قال: نعم وإن كنت على نهر جار). ولو نقص عن ذلك أيضاً فلا حرج، ما لم يصل إلى حد التقصير والإخلال.

стр. 482

شرح حديث: (كان يتوضأ بمد ويغتسل بنحو الصاع) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أخبرنا هارون بن إسحاق الكوفي قال: حدثنا عبدة - يعني ابن سليمان - عن سعيد عن قتادة عن صفية بنت شيبة عن عائشة: (أن رسول الله ﷺ كان يتوضأ بمد ويغتسل بنحو الصاع). أخبرنا أبو بكر بن إسحاق قال: حدثنا الحسن بن موسى قال: حدثنا شيبان عن قتادة عن الحسن عن أمه عن عائشة قالت: (كان رسول الله ﷺ يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع)]. هذا في الغالب، وهذا المقدار فيه اقتصاد.

стр. 483

شرح سنن النسائي_ كتاب الطهارة [١٩] دم الحيض شيء كتبه الله على بنات آدم، ورتب عليه أحكاماً ينبغي على من أتاها الحيض أن تلتزم بها، من ترك الصلاة والصيام والجماع والطواف بالبيت، بخلاف دم الاستحاضة النازل من المرأة فإن هذا لا يكون حكمه حكم الحيض.

стр. 484

بدء الحيض، وهل يسمى الحيض نفاساً

стр. 485

شرح حديث عائشة في قصة حيضها بسرف في مسيرهم إلى الحج قال المؤلف رحمه الله تعالى: [كتاب الحيض والاستحاضة. باب بدء الحيض، وهل يسمى الحيض نفاساً. أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قال: أخبرنا سفيان عن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق عن أبيه عن عائشة قالت: (خرجنا مع رسول الله ﷺ لا نرى إلا الحج، فلما كنا بسرف حضت، فدخل علي رسول الله ﷺ وأنا أبكي، فقال: ما لك أنفست؟ قلت: نعم. قال: هذا أمر كتبه الله على بنات آدم، فاقض ما يقضي الحاج غير ألا تطوفي بالبيت)]. هذا الحديث فيه بيان ما ترجم له المؤلف ﵀ من بدء الحيض، وأن بدء الحيض كان من أول ما كتب الله على بنات آدم في حواء وبناتها؛ لقوله ﷺ : (هذا أمر كتبه الله على بنات آدم)، ففيه الرد على من قال: إن الحيض أول ما بدأ في بنات بني إسرائيل، وإن نساء بني إسرائيل فعلن أمراً فأصابهن الحيض، وإنه قبل ذلك كانت النساء لا يأتيهن الحيض وأنهن فعلن كذا وكذا ثم أصبن بالحيض. وتأول ما ذكر عن ابن مسعود بسند صحيح عنه أنه قال: (كان الرجال والنساء في بني إسرائيل يصلون جميعاً، فكانت المرأة تتشرف للرجل، فألقى الله عليهن الحيض فمنعهن المساجد). ويحتمل أنه أخذ عن بني إسرائيل؛ لأن ابن مسعود ﵁ قد يأخذ عن بني إسرائيل قليلاً. والحافظ ابن حجر ﵀ تأوله على معنى طول المكث عقوبة لهن، لا أنه ابتدئ وجوده. ومما يدل على أن الحيض كان قبل بنات بني إسرائيل تفسير بعض المفسرين لقول الله تعالى في قصة سارة زوج إبراهيم ﵊: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ﴾ [هود:٧١]، قال بعض العلماء: معنى (ضحكت): حاضت. والمعلوم أن إبراهيم ﵊ كان قبل بني إسرائيل، فإسرائيل هو يعقوب ﵊، والأنبياء من ذريته، ويعقوب هو حفيد إبراهيم، وسارة جدته، وقد ألقي عليها الحيض، فيكون قبل بني إسرائيل، لكن الحافظ ابن حجر تأوله على أن المراد طول المكث، وهو ليس بظاهر. فالحديث دل على أن الحيض مكتوب على بنات آدم، وبنات آدم ابتدأن من حواء، واختلف العلماء في دخول حواء في ذلك. وفيه إثبات الكتابة لله ، وأنها من الصفات الفعلية، ومن ذلك حديث عبد الله بن عمرو في صحيح مسلم: (كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء)، وفي الحديث الآخر: (خط الله التوراة لموسى بيده)، ففيه إثبات للكتابة الفعلية كما يليق بجلال الله وعظمته. وفيه تسمية الحيض نفاساً، كما ترجم المؤلف ﵀، لقوله: (أنفست؟) يعني: أحضت؟ فالحيض يسمى نفاساً. وفي الحديث من الفوائد أن الحائض إذا أحرمت بالعمرة ثم جاءها الحيض وبقي حتى جاء الحج فإنها تلبي بالحج وتدخل الحج على العمرة، فتكون قارنة، فتدخل أعمال العمرة في أعمال الحج، فتطوف طوافاً واحداً وتسعى سعياً واحداً، كما فعلت عائشة، فإنها أحرمت بالعمرة، فلما قربت من مكة حاضت، وبقي الدم حتى جاء الحج، فدخل عليها النبي ﷺ وهي تبكي، فأمرها أن تغتسل للحج وتمتشط وتلبي بالحج، وفي بعض ألفاظ الحديث: (ارفضي عمرتك وامتشطي) فأحرمت بالحج فصارت قارنة. وفيه من الفوائد أن الحائض تفعل ما يفعله الحاج إلا الطواف بالبيت، ولهذا قال النبي ﷺ : (فاقضي ما يقضي الحاج، غير ألا تطوفي بالبيت)، فتفعل جميع المناسك، فلها أن تقف بعرفة ومزدلفة ومنى، وترمي الجمار، وتقصر من شعرها، وتذبح هديها، وتبيت في منى ومزدلفة وعرفة، ولها أن تسعى ولو نزل الدم بعد الطواف؛ لأن السعي لا يشترط له الطهارة، ولأن المسعى ليس من المسجد، فلها أن تمكث فيه بخلاف المسجد.

стр. 486

ذكر الاستحاضة وإقبال الدم وإدباره

стр. 487

شرح حديث: (إنما ذلك عرق، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب ذكر الاستحاضة وإقبال الدم وإدباره. أخبرنا عمران بن يزيد قال: حدثنا إسماعيل بن عبد الله -وهو ابن سماعة - قال: حدثنا الأوزاعي قال: حدثنا يحيى بن سعيد قال: أخبرني هشام بن عروة عن عروة: (أن فاطمة بنت قيس من بني أسد قريش أنها أتت رسول الله ﷺ ، فذكرت أنها تستحاض، فزعمت أنه قال لها: إنما ذلك عرق، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي واغسلي عنك الدم ثم صلي)]. أخبرنا هشام بن عمار قال: حدثنا سهل بن هاشم قال: حدثنا الأوزاعي عن الزهري عن عروة عن عائشة أن النبي ﷺ قال (إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة وإذا أدبرت فاغتسلي)]. قوله (فزعمت) يعني: قالت. فالزعم يراد به القول كما هو هنا، ويراد به الإدعاء الكاذب، كما في قوله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ [التغابن:٧]. فهو يطلق على القول المحقق، ويطلق على القول الكاذب، وهنا المراد به القول المحقق. ومثله ما جاء في الحديث الآخر في قصة الرجل الذي جاء يسأل النبي ﷺ عن الإسلام، فقال: وزعم رسولك أن الله كتب علينا في اليوم والليلة خمس مرات. وزعم رسولك أن الله أوجب علينا الصدقة، وزعم رسولك أن الله أوجب علينا صوم شهر رمضان. يعني: وقال: وهذا الحديث فيه أن النبي ﷺ قال لـ فاطمة بنت قيس: (إنما ذلك عرق) فقوله: (ذلك) خطاب للمرأة، وقوله: (عرق) هو دم الاستحاضة يخرج من عرق يقال له: العاذل، وليس بدم الحيض، قال: (فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي، واغسلي عنك الدم وصلي) وظاهره أنها مميزة، ولكن المعروف أن فاطمة كانت لها عادة، وجاء في الحديث أنه ردها إلى عادتها فقال: (فانظري عدد الأيام التي كان يأتيك فاجلسي ثم اغتسلي) وهنا قال: (إذا أقبلت الحيضة) يعني: أقبلت بالعادة المعروفة، أو أقبلت بالتمييز إذا كانت مميزة.

стр. 488

شرح حديث: (إن ذلك عرق، فاغتسلي ثم صلي) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة قال: حدثني الليث عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة قالت: (استفتت أم حبيبة بنت جحش رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله! إني استحاض؟ فقال: إن ذلك عرق، فاغتسلي ثم صلي. فكانت تغتسل عند كل صلاة)]. هذا الحديث فيه دليل على أن دم الاستحاضة لا يمنع المرأة من الصلاة، ولا يمنع من إتيان زوجها لها؛ لأنه ليس دم الحيض، ولا يمنع المرأة من الطواف بالبيت إذا كانت في مكة، سواء في حج أو في عمرة أو تطوع، ولكنها تلبس ما يمنع نزول الدم، كالحفاظات، كما قال النبي ﷺ : (تستثفر بثوب) حتى لا تلوث ثيابها ولا تلوث المسجد، فتستثفر بثوب وتتوضأ لكل صلاة؛ لأن حدثها مستمر، كمن به جروح سيالة، وكمن به سلس البول، فتتوضأ لكل صلاة وتصوم وتصلي، وتطوف بالبيت، ويأتيها زوجها، وإنما يمتنع ذلك عليها في وقت الحيض. وقوله: فكانت تغتسل عند كل صلاة، هذا اجتهاد منها لم يأمرها به النبي ﷺ ، فكانت تغتسل اجتهاداً منها لأجل النظافة، وإلا فإن الغسل لا يجب عليها إلا عند انتهاء مدة دم الحيض، أو إذا كانت مميزة وانتهت أيام التمييز، فتغتسل مرة واحدة ثم تتوضأ لكل صلاة. إلا أنه -كما سيأتي- إذا جمعت بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء فإنها تغتسل لكل صلاتين من باب الاستحباب أيضاً، فتغتسل للظهر والعصر، وتغتسل للمغرب والعشاء، وتغتسل للفجر.

стр. 489

المرأة تكون لها أيام معلومة تحيضها

стр. 490

شرح حديث: (امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب المرأة تكون لها أيام معلومة تحيضها كل شهر. أخبرنا قتيبة قال: حدثنا الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن جعفر بن ربيعة عن عراك بن مالك عن عروة عن عائشة قالت: (إن أم حبيبة سألت رسول الله ﷺ عن الدم. فقالت عائشة: رأيت مركنها ملآن دماً. فقال لها رسول الله ﷺ : امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك ثم اغتسل). أخبرنا قتيبة مرة أخرى ولم يذكر فيه جعفر بن ربيعة]. هذه هي المعتادة، وهي المرأة يكون لها أيام معلومة تحيضها كل شهر تجلس هذه الأيام فقط ثم تغتسل وتصوم تصلي. وفي هذا الحديث أن أم حبيبة استحيضت وسألت النبي ﷺ عن الدم، قالت عائشة: (رأيت مركنها ملآن دماً) والمركن هو: ما تغسل فيه الثياب، وهذا يدل على أن الدم كان كثيراً، فقال لها النبي ﷺ : (امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك) يعني: قبل الاستحاضة، فإذا كانت تحبسها حيضتها خمسة أيام فإنها تجلس خمسة أيام، وكذلك الستة والسبعة من أول الشهر أو من وسطه أو من آخره. فالمعتادة إذا كانت تعرف عدد الأيام وتعرف الوقت من الشهر تمكث عادتها. فإن لم يكن لها عادة أو نسيت العادة فإنها تعمل بالتمييز الصالح، فإن لم يكن لها تمييز ولا عادة فهذه تسمى متحيرة، فتجلس ستة أيام أو سبعة أيام على عادة نسائها من أول كل شهر هلالي. فالمؤلف ﵀ ترجم للمرأة التي يكون لها أيام معلومة من كل شهر، وهذه هي المعتادة، والترجمة السابقة وهي: (ذكر الاستحاضة وإقبال الدم وإدباره) ظاهرها أنه إقبال الدم وإدباره بالتمييز، فدم الحيض دم أسود يعرف، ودم الاستحاضة دم أصفر رقيق، لكن المعروف أن فاطمة كانت معتادة.

стр. 491

شرح حديث: (دعي قدر تلك الأيام والليالي التي كنت تحيضين فيها) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أنبأنا محمد بن عبد الله بن المبارك قال: حدثنا أبو أسامة قال: حدثنا عبيد الله بن عمر قال: أخبرني عن نافع عن سليمان بن يسار عن أم سلمة قالت: سألت امرأة النبي ﷺ قالت: (إني استحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ قال لا، ولكن دعي قدر تلك الأيام والليالي التي كنت تحيضين فيها ثم اغتسلي واستثفري وصلي)]. هذا ظاهر في أنها كانت معتادة، فتجلس كعادتها ثم تغتسل وتستثفر - أي: تتحفظ- وتصلي.

стр. 492

شرح حديث: (لتنظر عدد الأيام والليالي التي كانت تحيض) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة عن مالك عن نافع عن سليمان بن يسار عن أم سلمة (أن امرأة كانت تهراق الدم على عهد رسول الله ﷺ استفتت لها أم سلمة رسول الله ﷺ ، فقال: لتنظر عدد الليالي والأيام التي كانت تحيض من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها، فلتترك الصلاة قدر ذلك من الشهر، فإذا خلفت ذلك فلتغتسل ثم لتستثفر بالثوب ثم لتصل)]. الظاهر في هذا أنها معتادة، وفيه وجوب الغسل بعد انتهاء الأيام، ثم تصلي بعد ذلك، وتتوضأ لكل صلاة.

стр. 493

ذكر الأقراء

стр. 494

شرح حديث: (لتنظر قدر قرئها التي كانت تحيض لها فلتترك الصلاة) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب ذكر الأقراء. أخبرنا الربيع بن سليمان بن داود بن إبراهيم قال: حدثنا إسحاق -وهو ابن بكر بن مضر - قال حدثني أبي عن يزيد بن عبد الله -وهو ابن أسامة بن الهاد - عن أبي بكر -وهو ابن محمد بن عمرو بن حزم - عن عمرة عن عائشة قالت: (إن أم حبيبة بنت جحش التي كانت تحت عبد الرحمن بن عوف وأنها استحيضت لا تطهر، فذكر شأنها لرسول الله ﷺ قال: ليست بالحيضة، ولكنها ركضة من الرحم، لتنظر قدر قرئها التي كانت تحيض لها فلتترك الصلاة، ثم تنظر ما بعد ذلك فلتغتسل عند كل صلاة)]. هذا فيه بيان أن دم المستحاضة دم فساد، وأنه لا يمعنها من الصلاة ولا يمنعها من إتيان زوجها، ولكنها تجلس عدد الأيام التي كانت تحيضها زماناً ومكاناً من الشهر. ولهذا قال: (لتنظر قدر قرئها) وفيه إطلاق القرء على الحيض، وهو الأرجح، فالقرء يطلق على الطهر وعلى الحيض، والمراد بالقرء هنا الحيض، ولهذا قال سبحانه: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة:٢٢٨]، أي: ثلاث حيض. وأما قوله: (فلتغتسل عند كل صلاة) فهذا اللفظة ضعيفة لم تثبت عن النبي ﷺ ، والصواب أنها هي التي كانت تغتسل من دون أمر النبي ﷺ ، أما رفعها إلى النبي ﷺ فلا يصح. وهذه أم حبيبة بنت جحش هي التي كانت تحت عبد الرحمن بن عوف، ومن العجيب أن بنات جحش ثلاث كن كلهن مستحاضات، فـ زينب بنت جحش أم المؤمنين كانت تحت رسول الله ﷺ مستحاضة، وأختها أم حبيبة بنت جحش كانت تحت عبد الرحمن بن عوف مستحاضة، والثالثة حمنة بنت جحش التي كانت تحت طلحة بن عبيد الله كانت مستحاضة وعبد الرحمن بن عوف وطلحة كلاهما من العشرة المبشرين بالجنة.

стр. 495

أمر المستحاضة أن تترك الصلاة قدر أقرائها ثم تغتسل وتصلي قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أخبرنا أبو موسى قال: حدثنا سفيان عن الزهري عن عمرة عن عائشة (أن ابنة جحش كانت تستحاض سبع سنين، فسألت النبي ﷺ فقال: ليست بالحيضة، إنما هو عرق. فأمرها أن تترك الصلاة قدر أقرائها وحيضتها وتغتسل وتصلي، فكانت تغتسل عند كل صلاة)]. هذا فيه أن دم الاستحاضة إنما هو من عرق يقال له: العاذل، حيث قال ﷺ : (إنما هو عرق) وليس بدم حيض، وفيه أن هذه المرأة معتادة؛ لأنه أمرها بأن تترك الصلاة قدر أقرائها، يعني: قدر العادة التي كان يأتيها الدم فيها قبل الحيض. وفيه أنها هي التي كانت تغتسل لكل صلاة من نفسها، ولم يأمرها النبي ﷺ . قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عيسى بن حماد قال: أخبرني ليث عن يزيد بن أبي حبيب عن بكير بن عبد الله عن المنذر بن المغيرة عن عروة أن فاطمة بنت أبي حبيش حدثته (أنها أتت رسول الله ﷺ فشكت إليه الدم، فقال لها رسول الله ﷺ : إنما ذلك عرق، فانظري إذا أتاك قرؤك فلا تصلي، وإذا مر قرؤك فلتطهري، ثم صلي ما بين القرء إلى القرء). قال أبو عبد الرحمن: قد روى هذا الحديث هشام بن عروة عن عروة ولم يذكر فيه ما ذكر المنذر]. المنذر لا بأس به، والزيادة من الثقة مقبولة، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ. وفيه إطلاق القرء على الحيض، حيث قال: (إذا مر قرؤك -يعني: الحيض). وفيه أنها تصلي ما بين القرء إلى القرء يعني: ما بين الحيضة إلى الحيضة الثانية. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قال: حدثنا عبدة ووكيع وأبو معاوية قال: حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت (جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: إني امرأة استحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ قال: لا، إنما ذلك عرق وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي)]. قوله: (إذا أقبلت)، يعني: إذا كان لها عادة فإنها تجلس عادتها، وإن لم يكن لها عادة أو نسيت العادة فإنها تعمل بالتمييز.
следующие страницы →