Полный текст (231 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
شرح حديث: (لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب النهي عن اغتسال الجنب في الماء الدائم بلفظ عام مراده خاص، وفيه دليل على أن قوله ﷺ : (الماء لا ينجسه شيء) - لفظ عام مراده خاص على ما بينت قبل- أراد الماء الذي يكون قلتين فصاعداً.
أخبرنا يونس بن عبد الأعلى أخبرنا عبد الله بن وهب أخبرني عمرو بن الحارث عن بكير بن عبد الله حدثه أن أبا السائب مولى هشام بن زهرة حدثه أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : (لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب، قال: كيف يفعل يا أبا هريرة؟ قال يتناوله تناولاً)].
هذا الحديث فيه: أنه لا يغتسل الإنسان في الماء الدائم مباشرة؛ لئلا ينجسه، وإنما يغترف منه اغترافاً.
وابن خزيمة يقول: إن حديث: (الماء طهور لا ينجسه شيء) المراد به: ما فوق القلتين، والقلتان خمس قرب، وذكروا في ضبطها أنها: ذراع وربع طولاً وعرضاً وعمقاً.
стр. 107
النهي عن الوضوء من الماء الدائم الذي قد بيل فيه وعن الشرب منه
стр. 108
شرح حديث: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يتوضأ منه أو يشرب)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب النهي عن الوضوء من الماء الدائم الذي قد بيل فيه والنهي عن الشرب منه بذكر لفظ عام مراده خاص.
أخبرنا يونس بن عبد الأعلى أخبرنا أنس بن عياض عن الحارث - وهو ابن أبي ذباب عن عطاء بن ميناء عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يتوضأ منه أو يشرب)].
وهذا الحديث ثابت، وفيه: النهي عن البول في الماء الدائم ولو كان كثيراً؛ لأنه إذا بال فيه يقذره على غيره؛ ولأنه إذا بال هذا وبال هذا صار وسيلة لتنجيسه، لكنه لا ينجس إذا كان كثيراً إلا إذا تغير، أما إذا كان قليلاً في الأواني فإنه يراق كما جاء في بعض ألفاظ حديث ولوغ الكلب، وذهب الجمهور إلى أنه إذا كان أقل من قلتين فإنه ينجس بمجرد الملاقاة عملاً بحديث القلتين: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث)، وإن كان أكثر من قلتين فلا ينجس إلا بالتغير، والصواب: أنه لا ينجس مطلقاً إلا بالتغير؛ لحديث أبي سعيد: (الماء طهور لا ينجسه شيء)؛ فإن هذا يقضي على مفهوم حديث القلتين.
وإذا كان الماء الراكد مستبحراً فلا ينجس، ولكن يأثم الإنسان بالبول فيه، أما إذا كان يجري فلا بأس.
وحديث بئر بضاعة فيه: أنه كانت تلقى فيه بعض النجاسات، ولم يكونوا يتعمدون إلقاءها، بل كانت تلقيها الريح، وهو ماء كثير ولم يتغير؛ ولذا قال: (الماء طهور لا ينجسه شيء) يعني: إلا ما غلب على طعمه أو لونه أو ريحه.
وقوله: (أو يشرب)، ليست في الصحيحين، والذي في الصحيحين: (ثم يغتسل منه)، قال في الحاشية: رواه البخاري ومسلم من طريق ابن المسيب عن أبي هريرة ﵁، وفيه: (ثم يغتسل منه)، وفي الأصل: (لا يبولن به أحدكم).
لكن هنا في هذا اللفظ: (ثم يتوضأ ويشرب منه) ولا شك أن البول في الماء الراكد محرم؛ لأنه يقذره على غيره، وإذا بال فيه فليس له أن يغتسل منه؛ لأنه منهي عن الاغتسال منه.
стр. 109
الأمر بغسل الإناء من ولوغ الكلب
стр. 110
شرح حديث: (طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب) من طريق ابن سيرين
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الأمر بغسل الإناء من ولوغ الكلب، والدليل على أن النبي ﷺ إنما أمر بغسل الإناء من ولوغ الكلب تطهيراً للإناء لا على ما ادعى بعض أهل العلم: أن الأمر بغسله أمر تعبد، وأن الإناء طاهر، والوضوء والاغتسال بذلك الماء جائز، وشرب ذلك الماء طلق مباح].
يقصد المصنف بهذه الترجمة الرد على المالكية؛ لأن الإمام مالكاً وكذلك البخاري يريان أن الكلب طاهر، وأن لعابه ليس بنجس، فهذه الترجمة رد عليها.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي أخبرنا ابن علية عن هشام بن حسان، وحدثنا محمد بن بشار حدثنا إبراهيم بن صدقة، وحدثنا إسماعيل بن بشير بن منصور السليمي أخبرنا عبد الأعلى، وحدثنا محمد بن يحيى القطعي أخبرنا محمد بن مروان قالوا: أخبرنا هشام بن حسان، وحدثنا جميل بن الحسن قال: حدثنا محمد بن مروان عن هشام عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسل سبع مرات الأولى منهن بالتراب).
وقال الدورقي: (أولها بتراب) وقال القطعي: (أولها بالتراب)].
هذا الحديث أصله في الصحيحين بلفظ: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات إحداهن بالتراب) وفي لفظ: (أولاهن بالتراب).
فيجب غسل الإناء الذي ولغ فيه الكلب، ويجب أن يكون الغسل سبعاً إحداهن بالتراب، وهذا خاص بالكلب، أما النجاسات الأخرى فلا حد لها بل تغسل حتى تزول النجاسة، فتغسل ثلاثاً أو أقل أو أكثر، أما الكلب فلا بد من غسله سبعاً، وقاس بعض العلماء عليه كالحنابلة وغيرهم الخنزير، والصواب: أنه لا يقاس؛ لأن هذا خاص بالكلب، فالحنابلة يقولون: تغسل نجاسة الكلب والخنزير سبع مرات.
стр. 111
شرح حديث: (طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب) من طريق الأعرج
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عبد الجبار بن العلاء أخبرنا سفيان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة: عن النبي ﷺ قال: (طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات).
أخبرنا جميل بن الحسن أخبرنا أبو همام - يعني محمداً بن مروان - حدثنا هشام عن محمد عن أبي هريرة قال: قال أبو القاسم ﷺ : (إذا شرب الكلب من الإناء فإن طهوره أن يغسل سبع مرات أولها بتراب)].
والولوغ هو الشرب، فإذا أدخل الكلب لسانه في الماء أو شرب فالحكم واحد.
وإذا لمست الكلب بيدك فلا بأس إذا كانت اليد جافة وهو جاف، لكن إذا كان رطباً فلا بد أن تغسل يدك.
وإذا عض الكلب أحداً فإنه يعامل معاملة الآنية في الغسل.
стр. 112
الأمر بإهراق الماء الذي ولغ فيه الكلب
стр. 113
شرح حديث: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليهرقه)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الأمر بإهراق الماء الذي ولغ فيه الكلب، وغسل الإناء من ولوغ الكلب، وفيه دليل على نقض قول من زعم أن الماء طاهر وأن الأمر بغسل الإناء تعبد؛ إذ غير جائز أن يأمر النبي ﷺ بهراقة ماء طاهر غير نجس.
أخبرنا محمد بن يحيى أخبرنا إسماعيل بن خليل حدثنا ابن علي أخبرنا الأعمش عن أبي رزين وأبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليهرقه وليغسله سبع مرات، وإذا انقطع شسع أحدكم فلا يمش فيه حتى يصلحه)].
قال في الحاشية: أخرجه مسلم والإمام أحمد، ولكن زيادة: (فليهرقه) شاذة، تفرد بها الراوي عن الأعمش.
وقوله: [(وإذا انقطع شسع أحدكم فلا يمش فيه حتى يصلحه)].
الأصل: أنه يصلحه، وقد جاء في بعضها النهي عن المشي بنعل واحد، وجاء التعليل في الحديث الآخر: أنه تشبه بالشيطان، فالأقرب أنه لا يمش بنعل واحد.
стр. 114
شرح صحيح ابن خزيمة_ كتاب الوضوء [٧]
حرص الإسلام على تعليم الإنسان الطهارة والنظافة، ودله على أمور وأشياء فيها مصلحته، فالشرع جاء لدرء المفاسد وجلب المصالح، وأحكامه صالحة لكل زمان ومكان، لا يجوز أن نعترض عليه بعقولنا وأهوائنا أبداً.
стр. 115
النهي عن غمس المستيقظ من النوم يده في الإناء
стр. 116
شرح حديث: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب النهي عن غمس المستيقظ من النوم يده في الإناء قبل غسلها.
أخبرنا عبد الجبار بن العلاء وسعيد بن عبد الرحمن المخزومي قالا: حدثنا سفيان عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً؛ فإنه لا يدري أين باتت يده).
هذا حديث عبد الجبار غير أنه قال: عن أبي هريرة رواية].
هذا الحديث فيه دليل على أنه يجب على المستيقظ من نوم الليل أن يغسل يديه ثلاثاً قبل أن يغمسهما في الإناء، والنهي للتحريم؛ لأنه الأصل، وقال الجمهور: إن هذا للأدب، فالصواب: أن أصل الأمر للوجوب، وأن أصل النهي للتحريم، فيأثم إذا غمس يديه قبل غسلهما، أما كون الماء يكون مستعملاً فهذا شأن آخر، والصواب: أن الماء يبقى طاهراً، ما دام أنه لم يتغير، وبعض العلماء يرى أنه يكون مستعملاً فلا يجزئ الوضوء منه.
فإن قيل: إن الصحابة كانوا يستجمرون بالأحجار وقد يصيب يد أحدهم شيء إذا بات؛ ولذا جاء هذا الحديث، فنقول: قد التمس بعضهم هذا التعليل، لكن الحديث عام، فإنه قد يصيب يده شيء من دم الحشرات أو غيره، فالمقصود أنه يجب على الإنسان أن يغسل يديه، ويحرم عليه أن يغمسهما قبل غسلهما ثلاثاً، فإن لم يفعل فإنه يأثم، وأما الماء فهو طاهر.
وإنما تكون البيتوتة في الليل، أما في النهار فلا تسمى بيتوتة، والجمهور يرون أن النهار والليل سواء.
وفي الحديث نص على الثلاث، (حتى يغسلها ثلاثاً)، وليس هناك دليل على الاكتفاء بالغسلة الواحدة، فيغسلهما ثلاثاً ثم يبدأ بالوضوء.
فإن كان هناك صنبور يغسلهما قبل غمسهما في الإناء، أما إذا كان الماء جارياً فلا بأس بغسلهما قبل إدخالهما في الإناء.
والحديث قال في الحاشية: أخرجه البخاري ومسلم.
والحديث الذي في البخاري لفظه: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يده قبل أن يدخلها في وضوئه، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده)، ولفظ مسلم: (فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً).
قال الشيخ الألباني رحمه الله تعالى معلقاً على قول ابن خزيمة: هذا حديث عبد الجبار غير أنه قال: عن أبي هريرة رواية: يعني: أن عبد الجبار لم يذكر الرسول ﷺ في حديثه صراحة، وإنما قال: رواية، وهو بمعنى المرفوع في اصطلاح المحدثين.
стр. 117
ذكر الدليل على أن النبي ﷺ إنما أراد بقوله: (أين باتت يده منه) أي: أنه لا يدري أين أتت يده من جسده)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ذكر الدليل على أن النبي ﷺ إنما أراد بقوله: فإنه لا يدري أين باتت يده.
أي: أنه لا يدري أين أتت يده من جسده].
أخبرنا محمد بن الوليد بخبر غريب أخبرنا محمد بن جعفر أخبرنا شعبة عن خالد الحذاء عن عبد الله بن شقيق عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في إنائه أو في وضوئه حتى يغسلها، فإنه لا يدري أين أتت يده منه)].
قوله: (فإنه لا يدري أين أتت يده منه) الضمير يعود إلى جسده.
стр. 118
باب ذكر الدليل على أن الماء إذا خالطه فرث ما يؤكل لحمه لم ينجس
стр. 119
شرح حديث عمر في شربهم الفرث في تبوك
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ذكر الدليل على أن الماء إذا خالطه فرث ما يؤكل لحمه لم ينجس.
أخبرنا يونس بن عبد الأعلى أخبرنا ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبي هلال عن عتبة بن أبي عتبة عن نافع بن جبير عن عبد الله بن عباس أنه قيل لـ عمر بن الخطاب: (حدثنا من شأن ساعة العسرة؟ فقال عمر: خرجنا إلى تبوك في قيظ شديد، فنزلنا منزلاً أصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع، حتى أن كان الرجل ليذهب يلتمس الماء فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع، حتى أن الرجل ينحر بعيره، فيعصر فرثه فيشربه، ويجعل ما بقي على كبده! فقال أبو بكر الصديق: يا رسول الله! إن الله قد عودك في الدعاء خيراً؛ فادع لنا، فقال: أتحب ذلك؟ قال: نعم، فرفع يده فلم يرجعهما حتى قالت السماء فأظلمت ثم سكبت، فملئوا ما معهم، ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جازت العسكر.
قال أبو بكر: فلو كان ماء الفرث إذا عصر نجساً لم يجز للمرء أن يجعله على كبده فينجس بعض بدنه وهو غير واجد لماء طاهر يغسل موضع النجس منه، فأما شرب الماء النجس عند خوف التلف إن لم يشرب ذلك الماء فجائز إحياء النفس بشرب ماء نجس، إذ الله قد أباح عند الاضطرار إحياء النفس بأكل الميتة والدم ولحم الخنزير إذا خيف التلف إن لم يأكل ذلك)].
بل هو واجب في هذه الحالة، ولا يستسلم للموت، فيجب عليه أن يأكل الميتة، وأكلها في هذه الحالة عزيمة لا رخصة، فهو واجب عند الضرورة.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [والميتة، والدم، ولحم الخنزير نجس محرم على المستغني عنه مباح للمضطر إليه؛ لإحياء النفس بأكله، فكذلك جائز للمضطر إلى الماء النجس أن يحيي نفسه بشرب ماء نجس إذا خاف التلف على نفسه بترك شربه، فأما أن يجعل ماء نجساً على بعض بدنه والعلم محيط أنه إن لم يجعل ذلك الماء النجس على بدنه لم يخف التلف على نفسه، ولا كان في إمساس ذلك الماء النجس بعض بدنه إحياء نفسه بذلك، ولا عنده ماء طاهر يغسل ما نجس من بدنه بذلك الماء فهذا غير جائز ولا واسع لأحد فعله].
ويدل على هذا قصة العرنيين، فإن النبي أمرهم أن يلحقوا بإبل الصدقة ويشربوا من أبوالها وألبانها، إذاً: فروث ما يؤكل لحمه وبوله طاهر.
стр. 120
ما جاء في الرخصة في الوضوء بسؤر الهرة وغيرها من السباع
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الرخصة في الوضوء بسؤر الهرة، والدليل على أن خراطيم ما يأكل الميتة من السباع، ومما لا يجوز أكل لحمه من الدواب والطيور إذا ماس الماء الذي دون القلتين ولا نجاسة مرئية بخراطيمها ومناخيرها إن ذلك لا ينجس الماء، إذ العلم محيط أن الهرة تأكل الفأر، وقد أباح النبي ﷺ الوضوء بفضل سؤرها، فدلت سنته على أن خرطوم ما يأكل الميتة إذا ماس الماء الذي دون القلتين لم ينجس ذلك، خلا الكلب الذي قد حض النبي ﷺ بالأمر بغسل الإناء من ولوغه سبعاً، وخلا الخنزير الذي هو أنجس من الكلب أو مثله].
المؤلف قاس الخنزير على الكلب، وبعض الفقهاء قالوا: إن نجاسة الكلب والخنزير تغسل سبع مرات.
أقول: أما الكلب فقد صح أن نجاسته تغسل سبع مرات إحداهن بالتراب، أما الخنزير فليس هناك دليل يدل على أن نجاسته تغسل سبع مرات إحداهن بالتراب، وإنما هذا خاص بالكلب، وهذا هو الصواب.
ويقول بعض العلماء: الهرة وما دون الهرة سؤرها طاهر، أما ما كان أكبر منها فلا، والذي أقل منها مثل الفأرة وما أشبهها.
قال: [أخبرنا أبو حاتم محمد بن إدريس أخبرنا محمد بن عبد الله بن أبي جعفر الرازي حدثنا سليمان بن مسافع بن شيبة الحجبي قال: سمعت منصور بن صفية بنت شيبة يحدث عن أمه صفية عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال لهم: (إنها ليست بنجس، هي كبعض أهل البيت)].
هذا الحديث أخرجه الحاكم في المستدرك والدارقطني من طريق أبي حاتم الرازي، قال الذهبي في الميزان: سليمان بن مسافع لا يعرف، وأتى بخبر منكر، يعني: هذا الخبر، فهو من أوهامه ومن أغلاطه.
فقوله: لا يعرف، يعني: مجهول.
قال: [أخبرنا محمد بن يحيى أخبرنا إبراهيم بن الحكم بن أبان حدثني أبي عن عكرمة قال: كان أبو قتادة يتوضأ من الإناء، والهرة تشرب منه، وقال عكرمة: قال أبو هريرة: قال رسول الله ﷺ : (الهرة من متاع البيت)].
هذا الحديث إسناده ضعيف؛ لأن فيه إبراهيم بن الحكم وهو ضعيف، وأبوه صدوق عابد وله أوهام كما ذكر الحافظ في التقريب.
قال: [أخبرنا يونس بن عبد الأعلى الصدفي أخبرنا ابن وهب أن مالكاً حدثه عن إسحاق بن عبد الله -وهو ابن أبي طلحة - عن حميدة بنت عبيد بن رفاعة عن كبشة بنت كعب بن مالك، وكانت تحت ابن أبي قتادة: (أن أبا قتادة دخل عليها، فسكبت له وضوءاً، فجاءت هرة تشرب منه، فأصغى لها أبو قتادة الإناء حتى شربت.
قالت كبشة: فرآني أنظر إليه فقال: أتعجبين يا بنت أخي؟ قالت: فقلت: نعم، فقال: إن رسول الله ﷺ قال: إنها ليست بنجس، إنما هي من الطوافين عليكم والطوافات)].
قال المحقق في تخريجه: إسناده صحيح أخرجه الترمذي في باب: ما جاء في سؤر الهرة من طريق مالك.
стр. 121
ما جاء في أن سقوط الذباب في الماء لا ينجسه
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب ذكر الدليل على أن سقوط الذباب في الماء لا ينجسه، وفيه ما دل على أن لا نجاسة في الأحياء، وإن كان لا يجوز أكل لحمه، إلا ما خص به النبي ﷺ الكلب وكل ما يقع عليه اسم الكلب من السباع، إذ الذباب لا يؤكل، وهو من الخبائث التي أعلم الله أن نبيه المصطفى يحرمها في قوله: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف:١٥٧]، وقد أعلم ﷺ أن سقوط الذباب في الإناء لا ينجس ما في الإناء من الطعام والشراب؛ لأمره بغمس الذباب في الإناء إذا سقط فيه، وإن كان الماء أقل من قلتين.
أخبرنا أبو الخطاب زياد بن يحيى الحساني أخبرنا بشر بن المفضل أخبرنا محمد بن عجلان عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا وقع الذباب في إناء أحدكم، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء، وإنه يتقي بجناحه الذي فيه الداء، فليغمسه كله ثم لينتزعه)].
قال: إسناده حسن، وأخرج البخاري من طريق عبيد بن حنين عن أبي هريرة نحوه.
يعني: الذباب لا ينجس ما سقط عليه من المائعات، كذلك الحشرات الصغيرة.
فالذباب كما في الحديث في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء، فإذا سقط في الإناء فليغمسه؛ حتى يزيل الدواء الداء، فإذا غمسته يكافئ هذا الدواء ذلك الداء.
стр. 122
ما جاء في إباحة الوضوء بالماء المستعمل
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب إباحة الوضوء بالماء المستعمل، والدليل على أن الماء إذا غسل به بعض أعضاء البدن أو جميعه لم ينجس الماء، وكان الماء طاهراً لا نجاسة عليه.
أخبرنا عبد الجبار بن العلاء أخبرنا سفيان قال: سمعت محمد بن المنكدر يقول: سمعت جابر بن عبد الله يقول: (مرضت، فجاءني رسول الله ﷺ يعودني وأبو بكر ماشيين، فوجدني قد أغمي علي، فتوضأ فصبه علي فأفقت، فقلت: يا رسول الله! كيف أصنع في مالي؟ كيف أمضي في مالي؟ فلم يجبني بشيء، حتى نزلت آية الميراث: ﴿إِنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ [النساء:١٧٦] الآية، وقال مرة: حتى نزلت آية الكلالة)].
هذا الحديث رواه البخاري في الصحيح، وفيه: أن الماء المستعمل طاهر، ولكن الجمهور يرون أنه لا يتوضأ به فيه مرة أخرى، ويقولون: طاهر غير مطهر، والصواب: أنه طاهر ومطهر؛ لأن هذا هو الأصل.
وابن خزيمة ﵀ يرى ما يراه شيخ الإسلام وغيره أن الماء ينقسم إلى قسمين: طهور ونجس، وليس هناك طاهر.
والفقهاء يقولون: من الماء ما يكون طاهراً في نفسه غير مطهر لغيره، يعني: يجوز أن تشرب منه، وأن تستعمله في الطبخ، لكن لا تتوضأ به.
قال المحقق: إسناده صحيح على شرط مسلم والبخاري في تفسير سورة النساء.
стр. 123
ما جاء في إباحة الوضوء من فضل وضوء المتوضئ
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب إباحة الوضوء من فضل وضوء المتوضئ.
أخبرنا الحسن بن محمد أخبرنا عبيدة بن حميد أخبرنا الأسود بن قيس عن نبيح العنزي عن جابر بن عبد الله قال: (سافرنا مع رسول الله ﷺ فحضرت الصلاة، فقال رسول الله ﷺ : أما في القوم طهور؟ قال: فجاء رجل بفضل ماء في إداوة، قال: فصبه في قدح فتوضأ رسول الله ﷺ ، قال: ثم إن القوم أتوا بقية الطهور، فقال: تمسحوا به، فسمعهم رسول الله ﷺ ، فقال: على رسلكم، فضرب رسول الله ﷺ يده في القدح في جوف الماء، ثم قال: أسبغوا الطهور، فقال جابر بن عبد الله: والذي أذهب بصري، -قال: وكان قد ذهب بصره- لقد رأيت الماء ينبع من بين أصابع رسول الله ﷺ ، فلم يرفع يده حتى توضئوا أجمعون.
قال عبيدة: قال الأسود: حسبته قال: كنا مائتين أو زيادة)].
هذا ثابت عنه ﵊، فنبع الماء من بين أصابعه من معجزات النبي ﵊، ومن دلائل قدرة الله العظيمة، ومن دلائل نبوة النبي ﷺ .
وفيه: أن النبي ﷺ توضأ، ثم جاء الصحابة رضوان الله عليهم فتوضئوا بفضل وضوئه ﵊، وتمسحوا به.
وجاء في الحديث الآخر: (أن النبي ﷺ نهى عن الوضوء من فضل المرأة)، لكن جاء: (أن النبي ﷺ توضأ من فضل ميمونة)، هذا وفي حديث جابر في الباب توضئوا من فضل وضوء الرجل، ولا بأس بالوضوء من فضل الرجل ليس فيه إشكال، فهذا الفاضل من الوضوء، وفي الترجمة السابقة المستعمل.
стр. 124
ما جاء في إباحة الوضوء من فضل وضوء المرأة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب إباحة الوضوء من فضل وضوء المرأة.
أخبرنا محمد بن رافع أخبرنا عبد الرزاق عن ابن جريج وحدثنا عبد الله بن إسحاق الجوهري أخبرنا أبو عاصم عن ابن جريج قال: أخبرني عمرو بن دينار قال: أكبر علمي، والذي يخطر على بالي أن أبا الشعثاء أخبرني أنه سمع ابن عباس: (أن رسول الله ﷺ كان يتوضأ بفضل ميمونة)].
جاء في حديث آخر: (نهى النبي ﷺ عن الوضوء من فضل المرأة) وهذا النهي يحمل على أنه للتنزيه.
قال المحقق: إسناده على شرط مسلم، وقد أخرجه في الحيض من طريق ابن جريج، وفيه: (كان يغتسل).
стр. 125
ما جاء في إباحة الوضوء بفضل غسل المرأة من الجنابة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب إباحة الوضوء بفضل غسل المرأة من الجنابة.
أخبرنا أبو موسى محمد بن المثنى وأحمد بن منيع قالا: حدثنا أبو أحمد - وهو الزبيري - حدثنا سفيان، وحدثنا عتبة بن عبد الله أخبرنا ابن المبارك أخبرنا سفيان، وحدثنا سلم بن جنادة حدثنا وكيع عن سفيان عن سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس: (أن امرأة من أزواج النبي ﷺ اغتسلت من الجنابة، فتوضأ النبي ﷺ ، أو اغتسل من فضلها) هذا حديث وكيع.
وقال أحمد بن منيع: (فتوضأ النبي ﷺ من فضلها)، وقال أبو موسى وعتبة بن عبد الله: (فجاء النبي ﷺ يتوضأ من فضلها، فقالت له، فقال: الماء لا ينجسه شيء)].
قال المحقق: إسناده صحيح أخرجه الترمذي.
هذا الحديث فيه دليل على أنه لا بأس بالوضوء من فضل المرأة، وما جاء من النهي عند توضؤ الرجل من فضل المرأة فهو محمول على التنزيه، وهذا الحديث دليل على الجواز، لكن إذا وجد غيره فتركه أولى، وإذا لم يوجد فلا حرج ولا كراهة، فإن الكراهة تزول عند الحاجة إليه.
стр. 126
ما جاء في أن سؤر الحائض ليس بنجس
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الدليل على أن سور الحائض ليس بنجس، وإباحة الوضوء والغسل به، إذ هو طاهر غير نجس، إذ لو كان سؤر حائض نجساً لما شرب النبي ﷺ ماء نجساً غير مضطر إلى شربه].
قد ثبت في الحديث الصحيح (أن النبي ﷺ كان يشرب من المكان الذي تشرب منه عائشة) , فهذا يدل على أن سؤر الحائض طاهر، وبدنها وعرقها ولعابها وثيابها كل ذلك طاهر، كذلك لها أن تعجن وتطبخ وتغسل الثياب؛ لأن النجاسة هنا تخص الدم، وقد جاء في الحديث: (اصنع كل شيء إلا النكاح) أي: الجماع.
قال: [أخبرنا يوسف بن موسى أخبرنا جرير عن مسعر بن كدام عن المقدام بن شريح عن أبيه عن عائشة قالت: (كان رسول الله ﷺ يؤتى بالإناء، فأبدأ فأشرب وأنا حائض، ثم يأخذ الإناء، فيضع فاه على موضع في وآخذ العرق فأعضه، ثم يضع فاه على موضع في)].
والعرق: هو العظم أكله لحمه، قال المحقق: إسناده صحيح، وأخرجه مسلم في الحيض من طريق وكيع عن مسعر وسفيان.
وأخرجه النسائي أيضاً.
قال: [أخبرنا سلم بن جنادة أخبرنا وكيع عن مسعر وسفيان عن المقدام بن شريح بهذا الإسناد نحوه].
стр. 127
ما جاء في الرخصة بالغسل والوضوء من ماء البحر
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الرخصة في الغسل والوضوء من ماء البحر، إذ ماؤه طهور، ميتته حل، ضد قول: من كره الوضوء والغسل من ماء البحر، وزعم أن تحت البحر ناراً، وتحت النار بحراً، حتى عد سبعة أبحر، سبعة نيران، وكره الوضوء من مائه لهذه العلة زعم].
إن القول بأن تحت البحر ناراً، وتحت النار ماءً، وتحت الماء ناراً، إلى سبعة، كل هذا باطل لا أصل له، والصواب: أن البحر هو الطهور ماؤه الحل ميتته.
قال: [أخبرني يونس بن عبد الأعلى الصدفي أخبرنا عبد الله بن وهب أن مالكاً حدثه قال: حدثني صفوان بن سليم عن سعيد بن سلمة من آل ابن الأزرق أن المغيرة بن أبي بردة - وهو من بني عبد الدار- أخبره أنه سمع أبا هريرة يقول: (سأل رجل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! إنا نركب البحر، ونحمل القليل من الماء، فإن توضأنا منه عطشنا، أفنتوضأ من ماء البحر؟ فقال: هو الطهور ماؤه، الحلال ميتته) هذا حديث يونس].
فيه دليل على أنه ينبغي للمفتي أن يزيد السائل فيما يحتاج إليه؛ لأن هذا الرجل زاده النبي ﷺ حكم ميتة البحر، فقد علم ﵊ أنه وغيره محتاج إلى أن يعرف حكم ميتة البحر فعرفه الحكم.
قال: [وقال يحيى بن حكيم: عن صفوان بن سليم، ولم يقل: من آل ابن الأزرق، ولا من بني عبد الدار، وقال: (نركب البحر أزماناً)].
قال: [أخبرنا محمد بن يحيى أخبرنا أحمد بن حنبل أخبرنا أبو القاسم بن أبي الزناد حدثني إسحاق بن حازم عن ابن مقسم -قال أحمد: يعني عبيد الله - عن جابر (أن النبي ﷺ سئل عن البحر قال: هو الطهور ماؤه، والحلال ميتته)].
قال المحقق: إسناده صحيح، إذ له شاهد من رواية أبي هريرة عند ابن ماجة.
هذا الحديث من أحاديث البلوغ.
стр. 128
ما جاء في الرخصة بالوضوء والغسل من الماء الموجود في أواني أهل الشرك
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الرخصة في الوضوء والغسل من الماء الذي يكون في أواني أهل الشرك وأسقيتهم، والدليل على أن الإهاب يطهر بدباغ المشركين إياه.
أخبرنا محمد بن بشار أخبرنا يحيى بن سعيد القطان وابن أبي عدي وسهل بن يوسف وعبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي قالوا: حدثنا عوف عن أبي رجاء حدثنا عمران بن حصين قال: (كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فدعا فلاناً، ودعا علياً بن أبي طالب فقال: اذهبا فابغيا لنا الماء، فانطلقا، فلقيا امرأة بين سطيحتين أو بين مزادتين، على بعير فقالا لها: أين الماء؟ قالت: عهدي بالماء أمس هذه الساعة)].
يعني: بينها وبينه يوم وليلة، كانوا يذهبون إليه ويأتون به على الإبل، ليس عندهم سيارات كما هو الآن.
قال: [(ونفرنا خلوفاً، فقالا لها: انطلقي، فقالت: أين؟ قالا لها: إلى رسول الله ﷺ ، قالت: هذا الذي يقال له: الصابئ؟ قالا لها: هو الذي تعنين، فانطلقا، فجاءا بها إلى رسول الله ﷺ ، وحدثاه الحديث، فقال: استنزلوها من بعيرها، ودعا رسول الله ﷺ بإناء، فجعل فيه أفواه المزادتين، أو السطيحتين، قالا: ثم مضمض، ثم أعاد في أفواه المزادتين، أو السطيحتين، ثم أطلق أفواههما، ثم نودي في الناس: أن اسقوا واستقوا) وذكر الحديث بطوله].
هذا حديث طويل في قصة المرأة، وفيه: أن النبي ﷺ أمر بأن يجمعوا لها من كسر الخبز وغيره، وأعطوها، فرجعت إلى أهلها.
فهذا الحديث احتج به المؤلف ﵀ على أن دباغ المشركين للجلد يطهره، وأن أواني المشركين لا بأس بها، هذا ما احتج به المصنف، لكن قد يقال: هذا أولاً قبل أن تحرم أواني الكفار، والأحاديث التي فيها أن الدباغ والطهور في بعضها إذا دبغ الجلد فقد طهر، والجمهور على أن دباغ الجلد بمثابة التذكية لما يؤكل لحمه، فإذا مات ما يؤكل لحمه فجلده يطهره الدباغ، بخلاف الأسد والنمر والذئب والكلب وغيرها من الحيوانات المفترسة لا تطهرها التذكية، فلو ذبحت الذئب لم يجز أكله، فكذلك إذا دبغت جلده لا يجوز الانتفاع به، وقال آخرون من أهل العلم: إن الدباغ يطهر كل جلد، سواء ما يؤكل لحمه أو ما لا يؤكل لحمه، والمسألة فيها خلاف بين أهل العلم.
وعلى هذا القول فإن الذكاة تطهر الجلد، والأواني كذلك تكون طاهرة، وفي حديث أبي ثعلبة الخشني قال: إنا بأرض أهل الكتاب، فنأكل في آنيتهم فقال النبي ﷺ : (إن لم تجدوا بداً فاغسلوها وكلوا).
يعني: إذا كان يخشى أن تكون من أواني كفار، وهم قد يشربون فيها الخمر، أو يأكلون فيها الخنزير، وإن لم يخش فالأصل الطهارة.
стр. 129
ما جاء في الرخصة بالوضوء من الماء يكون في جلود الميتة إذا دبغت
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب: الرخصة في الوضوء من الماء يكون في جلود الميتة إذا دبغت.
أخبرنا عبدة بن عبد الله الخزاعي أخبرنا يحيى بن آدم عن مسعر عن عمرو بن مرة عن سالم بن أبي الجعد عن أخيه عن ابن عباس قال: (أراد النبي ﷺ أن يتوضأ من سقاء، فقيل له: إنه ميتة، قال: دباغه يذهب بخبثه أو نجسه أو رجسه)].
قال المحقق: أخرجه الحاكم من طريق يحيى بن آدم، وأحمد من طريق مسعر نحوه، قلت: والبيهقي، وقال الألباني: إسناده صحيح.
قوله: (أراد النبي ﷺ أن يتوضأ من سقاء، فقيل له: إنه ميتة، قال: دباغه يذهب بخبثه أو نجسه أو رجسه).
يعني: ميتة مأكول اللحم؛ فميتة مأكول اللحم لا شك أنها تطهر بالدباغ؛ لأن الدباغ يكون بمثابة التذكية، والمعلوم أن التذكية تحل بهيمة الأنعام من الإبل والبقر والغنم، فكذلك الدباغ، أما غير مأكول اللحم فلا يطهر جلده بالدباغ؛ لأن التذكية لا تحله، فلو ذبح ثعلباً ما حلت الذكاة أكله فكذلك جلده، لكن قال آخرون من أهل العلم: إنه يطهر جلد ما لا يؤكل لحمه بالدباغ، مثل: جلود الحيات، وجلود الثعالب وغير ذلك؛ لعموم الحديث: (أيما إهاب دبغت فقد طهرت).
وأخو سالم بن أبي الجعد اسمه عبد الله بن علي.
стр. 130
ما جاء في أن أبوال ما يؤكل لحمه ليس بنجس
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الدليل على أن أبوال ما يؤكل لحمه ليس بنجس، ولا ينجس الماء إذا خالطه، إذ النبي ﷺ قد أمر بشرب أبوال الإبل مع ألبانها، ولو كان نجساً لم يأمر بشربه، وقد أعلم أن لا شفاء في المحرم، وقد أمر بالاستشفاء بأبوال الإبل، ولو كان نجساً كان محرماً، كان داءً لا دواءً، وما كان فيه شفاء كما أعلم ﷺ لما سئل: (أيتداوى بالخمر؟ فقال: إنما هي داء وليست بدواء)].
هنا ابن خزيمة ﵀ يخالف مذهبه، فـ الشافعي يرى أن أبوال مأكول اللحم نجسة، وابن خزيمة يرى أنها طاهرة، كذلك الشافعي يرى أن كل لحم الإبل لا ينقض الوضوء، وابن خزيمة يرى أنه ينقض الوضوء؛ لوضوح الدليل عن النبي ﷺ في المسألتين.
قال: [أخبرنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني أخبرنا يزيد -يعني ابن زريع أخبرنا سعيد أخبرنا قتادة أن أنساً بن مالك ﵁ حدثهم (أن أناساً أو رجالاً من عكلٍ وعرينة قدموا على رسول الله ﷺ المدينة، فتكلموا بالإسلام، وقالوا: يا رسول الله! إنا أهل ضرع، ولم نكن أهل ريف، فاستوحشوا المدينة، فأمر لهم رسول الله ﷺ بذود وراع، وأمرهم أن يخرجوا فيها فيشربوا من أبوالها وألبانها)، فذكر الحديث بطوله].
هذا واضح في طهارة أبوال جميع ما يؤكل لحمه.
стр. 131
شرح صحيح ابن خزيمة_ كتاب الوضوء [٨]
أفعال النبي ﷺ جميعها مرضية بديعة، يفعلها ليبين لأمته مشروعية هذا الفعل من عدم مشروعيته، والناظر في حياته ﷺ يجد أنها حياة مبنية على الاقتصاد وعدم التبذير وعدم الخيلاء، فقد كان يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع، وكان يتوضأ في النحاس والركوة، ونهى عن أواني الذهب والفضة، وكان يحرص على النظافة، فأمر بالسواك، وعلمنا الآداب المتعلقة بالأواني وماذا يستحب فيها.
стр. 132
ما جاء في خبر إجازة الوضوء بالمد لا يدل على التوقيت والتحديد بذلك
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب ذكر خبر روي عن النبي ﷺ في إجازة الوضوء بالمد من الماء، أوهم بعض العلماء أن توقيت المد من الماء للوضوء توقيت لا يجوز الوضوء بأقل منه.
أخبرنا محمد بن بشار أخبرنا عبد الرحمن - يعني ابن مهدي أخبرنا شعبة عن عبد الله بن عبد الله بن جبر بن عتيك قال: سمعت أنساً بن مالك ﵁ يقول: (كان رسول الله ﷺ يتوضأ بمكوك ويغتسل بخمسة مكاكي) قال أبو بكر: المكوك في هذا الخبر: المد نفسه].
المكوك هو المد، وخمسة مكاكي، يعني: خمسة أمداد، يعني: ربما اغتسل بأكثر من خمسة أمداد، كما في حديث عائشة: (اغتسل النبي ﷺ وعائشة بإناء يسمى: الفرق، وهو ثلاثة آصع) وليس هذا حداً كما قال ابن خزيمة بل يجوز الوضوء بأقل أو أكثر؛ لأنه ثبت (أن النبي ﷺ توضأ بثلثي مد).
стр. 133
ما جاء في أن توقيت المد للوضوء لا يعني عدم الزيادة فيه أو النقصان منه
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب ذكر الدليل على أن توقيت المد من الماء للوضوء، أن الوضوء بالمد يجزئ، لا إنه لا يسع المتوضئ أن يزيد على المد أو ينقص منه؛ إذ لو لم يجزئ الزيادة على ذلك ولا النقصان منه، كان على المرء إذا أراد الوضوء أن يكيل مداً من الماء، فيتوضأ به لا يبقي منه شيئاً، وقد يرفق المتوضئ بالقليل من الماء، فيكفي بغسل أعضاء الوضوء ويخرق بالكثير فلا يكفي لغسل أعضاء الوضوء.
حدثنا هارون بن إسحاق الهمذاني من كتابه حدثنا ابن فضيل عن حصين ويزيد بن أبي زياد عن سالم بن أبي الجعد عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : (يجزئ من الوضوء المد، ومن الجنابة الصاع.
فقال له رجل: لا يكفينا ذلك يا جابر؟ فقال: قد كفى من هو خير منك، وأكثر شعراً).
قال أبو بكر في قوله ﷺ : (يجزئ من الوضوء المد) دلالة على أن توقيت المد من الماء للوضوء أن ذلك يجزئ، لا أنه يجوز النقصان منه، ولا الزيادة فيه].
стр. 134
ما جاء في الرخصة بالوضوء بأقل من قدر المد من الماء
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الرخصة في الوضوء بأقل من قدر المد من الماء.
أخبرنا محمد بن العلاء بن كريب الهمداني أخبرنا يحيى بن أبي زائدة عن شعبة عن ابن زيد - وهو حبيب بن زيد - عن عباد بن تميم عن عبد الله بن زيد (أن النبي ﷺ أتي بثلثي مد فجعل يدلك ذراعه)].
стр. 135
ما جاء في ألا توقيت في قدر الماء الذي يتوضأ به المرء
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب ذكر الدليل على أن لا توقيت في قدر الماء الذي يتوضأ به المرء، فيضيق على المتوضئ أن يزيد عليه أو ينقص منه، إذ لو كان لقدر الماء الذي يتوضأ به المرء مقداراً لا يجوز أن يزيد عليه ولا ينقص منه شيئاً، لما جاز أن يجتمع اثنان ولا جماعة على إناء واحد، فيتوضئوا منه جميعاً، والعلم محيط أنهم إذا اجتمعوا على إناء واحد يتوضئون منه، فإن بعضهم أكثر حملاً للماء من بعض.
أخبرنا محمد بن الوليد أخبرنا محمد بن جعفر أخبرنا معمر عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: (كنت أنا ورسول الله ﷺ نتوضأ من إناء واحد).
حدثنا هارون بن إسحاق الهمداني أخبرنا أبو خالد عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر قال: (كنا نتوضأ رجالاً ونساءً، ونغسل أيدينا في إناء واحد، على عهد رسول الله ﷺ ].
يعني: أن هذا قبل الحجاب، أو أن النساء مع محارمهن من الرجال، واستدل بهذا المؤلف ﵀ على أنه لا توقيت للماء، فكون الرجال يتوضئون مع النساء جميعاً فإن أحدهم سيصرف أكثر من الآخر، كذلك اغتسال النبي ﷺ مع عائشة يدل على أنه ليس هناك توقيت، ومن قال: إنه لا يجوز بأكثر من المد، ولا ينقص من المد، فهذا غير صحيح.
قال: [أخبرنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني أخبرنا المعتمر قال: سمعت عبيد الله عن نافع عن عبد الله: (أنه أبصر إلى النبي ﷺ وأصحابه يتطهرون، والنساء معهم)، الرجال والنساء من إناء واحد كلهم يتطهر منه].
هذا يدل على أنه لا توقيت، ولو كان هناك توقيت لكان بعضهم يقترف إثماً إن زاد أو نقص.
стр. 136
ما جاء في استحباب القصد في صب الماء وكراهية التعدي فيه والأمر باتقاء وسوسة الماء
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب استحباب القصد في صب الماء، وكراهية التعدي فيه، والأمر باتقاء وسوسة الماء.
أخبرنا محمد بن بشار أخبرنا أبو داود أخبرنا خارجة بن مصعب عن يونس عن الحسن عن عتي بن ضمرة السعدي عن أبي بن كعب عن النبي ﷺ قال: (إن للوضوء شيطاناً يقال له: ولهان، فاتقوا وسواس الماء)].
قال المحقق: إسناده ضعيف ينفرد به خارجة بن مصعب وهو متروك، وكان يدلس عن الكذابين.
يعني: ضعيف جداً، فكيف يأتي به المصنف في صحيحه؟! أما عتي بن ضمرة فثقة من الثالثة كما في التقريب.
стр. 137
ما جاء في إباحة الوضوء والغسل في أواني النحاس
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [جماع أبواب الأواني اللواتي يتوضأ فيهن أو يغتسل.
باب إباحة الوضوء والغسل في أواني النحاس.
أخبرنا محمد بن يحيى ومحمد بن رافع، قال محمد بن يحيى: سمعت عبد الرزاق، وقال ابن رافع: أخبرنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة ﵂ قالت: (قال رسول الله ﷺ في مرضه الذي مات فيه: صبوا علي من سبع قرب لم تحلل أوكيتهن؛ لعلي أستريح فأعهد إلى الناس، قالت عائشة: فأجلسناه في مخضب لـ حفصة من نحاس، وسكبنا عليه الماء منهن، حتى طفق يشير إلينا أن قد فعلتن، ثم خرج)].
هذا الحديث رواه البخاري في صحيحه.
وفيه: بيان ما أصاب النبي ﷺ من المرض والشدة؛ لأنه قال: (صبوا علي من سبع قرب لم تحلل أوكيتهن) والوكاء: هو الرباط يكون على فم القربة.
وفيه: دليل على أن الحمى تبرد بالماء كما في الحديث الآخر: (إن الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء).
وفيه: دليل على أن النبي ﷺ بشر يصيبه ما يصيب الناس من الأمراض، وأنه يأكل ويشرب ويمرض.
وفيه: دليل على أنه ليس إلهاً، وإنما هو عبد لله سبحانه، وأن الرب والإله هو الله ، وهو منزه لا يلحقه مرض ولا يلحقه نقص ولا عيب سبحانه، أما الرسول ﷺ فهو عبد ضعيف يمرض ويموت، ويأكل ويشرب ويمشي في الأسواق، ولكنه عبد ورسول ﵊ يطاع ويتبع، ولا يكذب ﵊.
وفيه: دليل على أن أواني النحاس والمعادن والخشب من أي نوع كان فهي طاهرة مباحة، وإذا توضأ من النحاس أو من معدن، أو من خشب، أو من الزجاج، أو من الحصى فهو جائز، إلا الذهب والفضة فلا يجوز للمسلم أن يتوضأ بأواني الذهب والفضة.
وفيه: أن السبع القرب لها مزية ولها شأن، فعدد آيات الفاتحة سبع، والسموات سبع، والأراضين سبع.
قال: [حدثنا به محمد بن يحيى مرة قال: أخبرنا عبد الرزاق، مرة قال: أخبرنا معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة بمثله غير أنه لم يقل: (من نحاس) ولم يقل: (ثم خرج)].
стр. 138
ما جاء في إباحة الوضوء من أواني الزجاج
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب إباحة الوضوء من أواني الزجاج، ضد قول بعض المتصوفة الذي يتوهم أن اتخاذ أواني الزجاج من الإسراف؛ إذ الخزف أصلب وأبقى من الزجاج.
أخبرنا أحمد بن عبدة الضبي أخبرنا حماد -يعني ابن زيد - عن ثابت عن أنس: (أن رسول الله ﷺ دعا بوضوء، فجيء بقدح فيه ماء أحسبه قال: قدح زجاج، فوضع أصابعه فيه، فجعل القوم يتوضئون الأول فالأول، فحزرتهم ما بين السبعين إلى الثمانين، فجعلت أنظر إلى الماء كأنه ينبع من بين أصابعه) قال أبو بكر: روى هذا الخبر غير واحد عن حماد بن زيد فقالوا: (رحراح) مكان الزجاج بلا شك].
هذا من الأحاديث الثابتة في الصحيحين وغيرهما.
وفيه: علم من أعلام النبوة، حيث نبع الماء من بين أصابعه ﷺ وتوضئوا وشربوا، وكانوا يقاربون السبعين والثمانين رجلاً، وملئوا كل إناء معهم.
وفيه: دليل على قدرة الله العظيمة، وأن الله لا يعجزه شيء، ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢].
وفيه: دليل على أنه لا بأس بالوضوء من إناء الزجاج، وأنه لا إسراف فيه كما توهمت الصوفية.
قال: [أخبرنا محمد بن يحيى أخبرنا أبو النعمان أخبرنا حماد بهذا الحديث.
وقال في حديث سليمان بن الحارث: (أتي بقدح زجاج)، وقال في حديث أبي النعمان: (بإناء زجاج).
قال أبو بكر: والرحراح: إنما يكون الواسع من أواني الزجاج لا العميق منه].
стр. 139
ما جاء في إباحة الوضوء من الركوة والقعب
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب إباحة الوضوء من الركوة والقعب.
أخبرنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي أخبرنا هشيم أخبرنا حصين عن سالم بن أبي الجعد عن جابر بن عبد الله قال: (عطش الناس يوم الحديبية، ورسول الله ﷺ بين يديه ركوة يتوضأ منها، إذ جهش الناس نحوه، قال: فقال: ما لكم؟ قالوا: ما لنا ماء نتوضأ ولا نشرب إلا ما بين يديك، قال: فوضع يديه في الركوة ودعا بما شاء الله أن يدعو، قال: فجعل الماء يفور من بين أصابعه أمثال العيون، قال: فشربنا وتوضأنا، قال: قلت لـ جابر: كم كنتم؟ قال: كنا خمس عشرة مائة، ولو كنا مائة ألف لكفانا)].
الله أكبر من أعلام النبوة، وأنه رسول الله حقاً، حيث نبع الماء من بين أصابعه، والركوة: هي شيء يصنع من الجلد.
وفيه: أنهم في غزوة الحديبية كانوا ألفاً وخمسمائة، وكان النبي ﷺ يتوضأ فجهش الناس إليه، يعني: جاءوا كأنهم يشكون من الحالة التي هم عليها، فلما رآهم رسول الله ﷺ قال: (ما لكم؟ قالوا: ما عندنا ماء إلا ما بين يديك، فوضع يديه في الماء فجعل يفور الماء بين أصابعه أمثال العيون حتى توضئوا وشربوا) هذا من دلائل النبوة، ومن دلائل قدرة الله العظيمة.
وفيه: دليل على جواز الوضوء من الركوة المصنوعة من الجلد، وأن الأصل فيها الطهارة، كذلك المصنوعة من الخشب أو من الحجر أو من الزجاج أو من الخزف، إلا الذهب والفضة فلا يجوز.
قال: [أخبرنا محمد بن رافع أخبرنا وهب بن جرير أخبرنا شعبة عن عمرو بن عامر عن أنس بن مالك قال: (أتي رسول الله ﷺ بقعب صغير، فتوضأ منه، فقلت لـ أنس: أكان النبي ﷺ يتوضأ عند كل صلاة؟ قال: نعم، قلت: فأنتم؟ قال: كنا نصلي الصلوات بالوضوء)].
القعب: كأنه إناء من خشب، ففيه: أنه لا بأس بالوضوء من إناء سواء كان من خشب أو من زجاج أو حجر أو حديد أو نحاس أو رصاص، إلا الذهب والفضة فلا يجوز.
وفيه: أن النبي ﷺ توضأ عند كل صلاة، لكن ثبت (عن النبي ﷺ يوم الفتح أنه صلى الصلوات الخمس بوضوء واحد، فسأله عمر فقال: يا رسول الله! فعلت شيئاً لم تفعله، قال: عمداً فعلته يا عمر) وهذا لبيان الجواز، ولا بأس للإنسان أن يصلي صلاتين أو ثلاثاً أو أربعاً أو خمساً أو ستاً بوضوء واحد، وجاء في بعضها: (أنه صلى ست صلوات بوضوء واحد)، وإن توضأ المرء لكل لصلاة فهو أفضل.
هذا الحديث أخرجه البخاري.
стр. 140
ما جاء في إباحة الوضوء من الجفان والقصاع
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب إباحة الوضوء من الجفان والقصاع.
أخبرنا يحيى بن حكيم أخبرنا ابن أبي عدي عن شعبة عن سلمة بن كهيل عن كريب عن ابن عباس قال: (بت في بيت خالتي ميمونة، فبقيت رسول الله ﷺ كيف يصلي من الليل، فبال، ثم غسل وجهه ويديه، ثم نام، ثم قام وأطلق شناق القربة، فصب في القصعة أو الجفنة، فتوضأ وضوءاً بين الوضوءين، وقام يصلي، فقمت فتوضأت، فجئت عن يساره، فأخذني فجعلني عن يمينه)].
قوله: (فبقيت رسول الله) يعني: راقبت.
هذا فيه جواز الوضوء من الجفان أو القصاع، والجفنة: هي القصعة، وقد تكون من الخشب أو من غيره، وهناك الجفان الكبار، مثل الجفان التي كانت الشياطين تصنعها لسليمان ﵊، والجفنة قد تكون صغيرة وقد تكون واسعة، وكذلك القصعة، فلا بأس بالوضوء بالجفان.
وفيه: أنه ﵊ كان ينام على وضوء، وكان إذا استيقظ في أثناء الليل وبال كان يغسل وجهه ويديه ولا يتوضأ.
فقوله: (فتوضأ وضوءاً بين الوضوءين) يعني: هذا يدل على أنه قد توضأ من قبل، والوضوء بين الوضوءين هو الخفيف بينهما.
стр. 141
ما جاء في الأمر بتغطية الأواني التي فيها الماء للوضوء
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الأمر بتغطية الأواني التي يكون فيها الماء للوضوء بلفظ مجمل غير مفسر، ولفظ عام مراده خاص.
حدثنا أبو يونس الواسطي حدثنا خالد - يعني ابن عبد الله - عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة قال: (أمرنا رسول الله ﷺ بتغطية الوضوء، وإيكاء السقاء، وإكفاء الإناء)].
قوله: (أمرنا رسول الله ﷺ بتغطية الوضوء) يعني: تغطية الإناء الذي فيه ماء الوضوء، وفي الحديث: (أمر ﷺ بتخمير الإناء، وإيكاء السقاء، وإطفاء النار).
[قال أبو بكر: قد أوقع النبي ﷺ اسم الوضوء على الماء الذي يتوضأ به.
(وهذا من الجنس الذي أعلمت في غير موضع من كتبنا أن العرب يوقع الاسم على الشيء في الابتداء على ما يئول إليه الأمر في المتعقب؛ إذ الماء قبل أن يتوضأ به إنما وقع عليه اسم الوضوء؛ لأنه يئول إلى أن يتوضأ به].
стр. 142
ما جاء في أن النبي إنما أمر بتغطية الأواني بالليل لا بالنهار
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب ذكر الخبر المفسر للفظة المجملة التي ذكرتها، والدليل على أن النبي ﷺ إنما أمر بتغطية الأواني بالليل لا بالنهار جميعاً.
حدثنا محمد بن يحيى حدثنا أبو عاصم عن ابن جريج عن أبي الزبير، وحدثنا أحمد بن سعيد الدارمي حدثنا أبو عاصم عن ابن جريج عن أبي الزبير أنه سمع جابراً يقول: حدثني أبو حميد قال: (أتيت النبي ﷺ بقدح لبن من النقيع غير مخمر، فقال: ألا خمرته، ولو تعرض عليه بعود قال أبو حميد: إنما أمر بالأبواب أن يغلق ليلاً، وإنما أمر بالأسقية أن يخمر ليلاً)، وقال الدارمي: (إنما أمر بالآنية أن تخمر ليلاً، وبالأوعية أن توكأ ليلاً ولم يذكر الأبواب)].
قال المحقق: أخرجه مسلم في الأشربة.
هذا الحديث فيه مشروعية تغطية الأواني لاسيما في الليل، فإن لم يجد شيئاً يعرض عليها عوداً، بإطفاء النار في الليل وإغلاق الأبواب.
أما ما ورد في الباب قبل هذا: (وإكفاء الإناء) فالظاهر أنه إذا لم يكن فيها ماء فيقلبها.
قوله: (وبالأوعية أن توكأ ليلاً).
يعني: تربط.
قال: [حدثنا أحمد بن منصور الرمادي أخبرنا حجاج -يعني ابن محمد - قال: قال ابن جريج: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله قال: قال أبو حميد: (إنما أمر النبي ﷺ بالأسقية أن توكأ ليلاً، وبالأبواب أن تغلق ليلاً)].
يعني: المعنى يقتضي أنها توكأ حتى في النهار؛ لأنها إذا لم توكأ فمها ينزل الماء، وكذلك يدخل فيها هوام وحشرات.
والحديث أخرجه مسلم في الأشربة.
стр. 143
ما جاء في الأمر بالتسمية عند تخمير الأواني وبيان العلة التي من أجلها أمر النبي بتخمير الإناء
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الأمر بتسمية الله عند تخمير الأواني، والعلة التي من أجلها أمر النبي ﷺ بتخمير الإناء.
حدثنا عبد الرحمن بن بشر بن الحكم حدثنا يحيى بن سعيد عن ابن جريج أخبرني عطاء عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : (أغلق بابك، واذكر اسم الله؛ فإن الشيطان لا يفتح مغلقاً، وأطفئ مصباحك، واذكر اسم الله، وأوكئ سقاءك، واذكر اسم الله، وخمر إناءك، واذكر الله، ولو بعود تعرضه عليه)].
هذا الحديث فيه مشروعية ذكر الله عند هذه الأشياء، عند إيكاء السقاء، وإطفاء المصباح، وغلق الأبواب، وتخمير الإناء.
قال: [أخبرنا يوسف بن موسى أخبرنا جرير عن فطر بن خليفة عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله قال: قال لنا رسول الله ﷺ : (أغلقوا أبوابكم، وأوكئوا أسقيتكم، وخمروا آنيتكم، وأطفئوا سرجكم؛ فإن الشيطان لا يفتح مغلقاً، ولا يحل وكاءً، ولا يكشف غطاءً، وإن الفويسقة ربما أضرمت على أهل البيت بيتهم ناراً، وكفوا فواشيكم وأهليكم عند غروب الشمس إلى أن تذهب فجوة العشاء)].
جاء في الحديث الآخر: (أنه احترق بيت على أهله في المدينة، فقال النبي ﷺ : وإن هذه النار عدو لكم فأطفئوها) فالفويسقة تضرم على أهل البيت بيتهم.
قوله: (وكفوا فواشيكم وأهليكم عند غروب الشمس إلى أن تذهب فجوة العشاء).
قال: (فجوة) وفي اللفظ الآخر: (كفوا صبيانكم حتى عند الغروب حتى تذهب فحمة العشاء).
قوله: (فواشيكم) لعلها صبيانكم، كما في اللفظ الآخر: (كفوا صبيانكم حتى تذهب فحمة العشاء).
قال: [قال يوسف: فحوة العشاء، وهذا تصحيف، وإنما هو فجوة العشاء، وهي اشتداد الظلام.
قال أبو بكر: ففي الخبر دلالة على أن النبي ﷺ إنما أمر بتغطية الأواني وإيكاء الأسقية؛ إذ الشيطان لا يحل وكاء السقاء، ولا يكشف غطاء الإناء، لا أن ترك تغطية الإناء معصية لله ، ولا أن الماء ينجس بترك تغطية الإناء؛ إذ النبي ﷺ قد أعلم أن الشيطان إذا وجد السقاء غير موكأ شرب منه، فيشبه أن يكون النبي ﷺ لما أمر بإيكاء السقاء، وتغطية الإناء، وأعلم أن الشيطان إذا وجد السقاء غير موكأ شرب منه، كان في هذا ما دل على أنه إذا وجد الإناء غير مغطى شرب منه].
يعني: أن الحكمة من تغطية الإناء: هي منع الشيطان من أن يشرب من الإناء، وغير ذلك.
قال: [حدثنا بالخبر الذي ذكرت من إعلام النبي ﷺ إذا وجد السقاء غير موكأ شرب منه].
قال: [أخبرنا محمد بن يحيى أخبرنا إسماعيل بن عبد الكريم الصنعاني أبو هشام أخبرنا إبراهيم بن عقيل بن معقل بن منبه عن أبيه عقيل عن وهب بن منبه قال: هذا ما سألت عنه جابراً بن عبد الله الأنصاري، وأخبرني أن النبي ﷺ كان يقول: (أوكوا الأسقية، وغلقوا الأبواب إذا رقدتم بالليل، وخمروا الشراب والطعام، فإن الشيطان يأتي، فإن لم يجد الباب مغلقاً دخله، وإن لم يجد السقاء موكأً شرب منه، وإن وجد الباب مغلقاً والسقاء موكأ لم يحل وكأ ولم يفتح مغلقاً، وإن لم يجد أحدكم لإنائه ما يخمر به، فليعرض عليه عوداً)].
يعني: أن الحكمة من ذلك: أن الشيطان يشرب من الماء الذي لم يوكأ، أو لم يغط، ويدخل من الباب الذي لم يغلق.
стр. 144
ما جاء في بدء النبي بالسواك عند دخوله منزله
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإنما بدأنا بذكر السواك قبل صفة الوضوء لبدء النبي ﷺ به قبل الوضوء عند دخول منزله.
باب بدء النبي ﷺ بالسواك عند دخوله منزله.
حدثنا محمد بن بشار أخبرنا عبد الرحمن بن مهدي، وأخبرنا يوسف بن موسى حدثنا وكيع قالا: حدثنا سفيان، وحدثنا محمد بن بشار حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا مسعر، وحدثنا علي بن خشرم أخبرنا علي -يعني ابن يونس - عن مسعر كلاهما عن المقدام بن شريح عن أبيه قال: قلت لـ عائشة: (بأي شيء كان النبي ﷺ يبدأ إذا دخل البيت؟ قالت: بالسواك.
وقال يوسف: إذا دخل بيته؟)].
قال المحقق: قلت: إسناده صحيح على شرط مسلم.
هذا الحديث فيه استحباب البدء بالسواك عند دخول البيت، فإن من المواضع التي يستحب فيها السواك: عند دخول البيت، وعند الوضوء، وعند الصلاة، وهناك مواضع أخرى يستحب فيها السواك ويتأكد، والسواك في كل وقت مشروع، لكن في هذه المواضع يتأكد.
стр. 145
ما جاء في فضل السواك وتطهير الفم به
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب فضل السواك، وتطهير الفم به.
أخبرنا الحسن بن قزعة بن عبيد الهاشمي أخبرنا سفيان بن حبيب عن ابن جريج عن عثمان بن أبي سليمان عن عبيد بن عمير عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : (السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب)].
هذا في فضل السواك، وأن من فوائده: أنه يطهر الفم، ويرضي الرب؛ لأن الله تعالى أمر به على لسان نبيه ﷺ .
следующие страницы →