← Джавами‘

Джавами‘ · id 37018

دروس الشيخ محمد إسماعيل المقدم

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (2 122 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

حد الغيبة وحرمتها وبين ﷺ أن حد الغيبة أن تذكر الرجل بما فيه من خلفه، وقال ﷺ : (الغيبة: ذكرك أخاك بما يكره). وبعض الناس يلبس الشيطان عليهم؛ لأن الشيطان واقف لهم بالمرصاد، وكل باب من أبواب الخير يريد أن يغلقه عليهم، وكل باب من أبواب الشر يريد أن يفتحه ويوسعه لهم بالتبريرات والتسويغات والمعاذير، فمثلاً تسمع واحداً يتكلم على واحد فتقول له: اتق الله! فهذه غيبة، فيقول لك: أنا مستعد أن أقول هذا الكلام أمامه! فيقال لهذا المسكين: حتى لو كنت مستعداً أن تقوله أمامه فهذه هي الغيبة التي حرمها الله، وإنما الفارق أنك إذا قلته أمامه وقعت في خطأ آخر وهو أذية أخيك المسلم ومواجهته بما يكره، وإذا كان أمام ناس فتكون قد فضحته وأسأت إليه أكثر ولم تستر عليه، وإذا كان في غيبته فهذه هي الغيبة، فإنه لم يستثن الرسول ﵊ شئياً، ولم يقل مثلاً: الغيبة أن تذكر الرجل بما فيه من خلفه إلا إذا كنت تقوى على أن تواجهه بذلك، فحتى لو كنت تزعم أن هذه من الشجاعة وأنك تستطيع أن تواجهه بذلك فهي غيبة، وليس لها اسم آخر غير الغيبة، وهي الذنب المحرم الذي أجمع العلماء على تحريمه، فحد الغيبة: أن تذكر الرجل بما فيه من خلفه. والفرق بين الغيبة والبهتان هو كما بين ذلك النبي ﷺ لما قال له الصحابي: (أرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته)، أي هذا هو البهتان. وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: (أنهم ذكروا عند رسول الله ﷺ رجلاً فقالوا: لا يأكل حتى يُطعم، ولا يرحل حتى يرحل له) قوله: (لا يأكل) يعني: ليس هو الذي يعد طعامه، فإنه لا يأكل حتى يُعد له الطعام، وقوله: (ولا يرحل حتى يرحل له) أي: وإذا أراد أن يركب الدابة فإن غيره يضع الرحل الذي يوضع على الدابة، ويقوم بخدمته، فقال النبي ﷺ : (اغتبتموه)، فالمفروض أنك أيها الإنسان! تكون منتبهاً في أي مجلس تجلسه، وإذا كان سيقع من أحد غيبة فعليك أن تنصحه وتبين له أنها غيبة، وقد يقع بينك وبينه نوع من الوحشة في أول جلسة، لكنه سوف يعرف أنك لست ممن يحب المشاركة في أكل لحوم الناس، فعلى الأقل سيكفيك شره إن لم يتب إلى الأبد؛ لأنه إذا وجد في كل مجلس فيه غيبة من يزجره وينبهه إلى خطورة هذه المعصية فسيراجع نفسه بلا شك، أو يكف عن أعراض الناس، لكن الذي يحصل أنها توافق أهواء الجالسين، وقد يسوغونها في مصلحة الدعوة، وهذه من الأبواب الشيطانية، وبالتالي يحصل تمكن من هذه الآفة في هذا المجتمع، قالوا: (لا يأكل حتى يُطعم، ولا يرحل حتى يرحل له، فقال النبي ﷺ : اغتبتموه، فقالوا: يا رسول الله! حدثنا بما فيه؟ فقال: حسبك إذا ذكرت أخاك بما فيه) أي: حسبك من الشر أن تغتابه بأن تذكر ما فيه، فهل تريد كذلك أن تبهته، وتفتري عليه الكذب أيضاً؟ بل يكفيك حظاً من الإثم أن تذكر أخاك بما فيه، وأن تغتابه. وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قلت للنبي ﷺ : (حسبك من صفية كذا وكذا)، قال بعض الرواة: تعني: أنها قصيرة، مع أن عائشة ضرتها، وقد يقع من التحاسد والتنافس بين الضرائر ما يغتفر، لكن مع ذلك ما سكت؛ رعاية لحرمة المسلمة، فقال ﵊: (لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته!) أي: لو أن هذه الكلمة تجسدت وخلطت بماء البحر لعكرت ماء البحر وأفسدته، إنها كلمة واحدة، لكنها غيبة.

стр. 107

أحكام الغيبة وأثرها على الفرد والمجتمع

стр. 108

التوبة من الغيبة روى الضياء في الأحاديث المختارة بإسناد صحيح عن أنس بن مالك ﵁ قال: (كانت العرب يخدم بعضهم بعضاً في الأسفار، وكان مع أبي بكر وعمر ﵄ رجل يخدمهما، فاستيقظا ولم يهيئ لهما طعاماً، فقال أحدهما لصاحبه: إن هذا لا يوائم نوم بيتكم)، يعني: وجدوا أن هذا الخادم تأخر في النوم أو أطال النوم حتى استيقظا ولم يكن قد أعد الإفطار أو الطعام، فقالا: إننا الآن في حالة سفر، والإنسان في السفر لا يتمادى في تعاطي راحة البدن؛ لأن حالة السفر تحتاج نوعاً من الأهبة والاستعداد، والإنسان لا يتصرف كأنه في بيته، فمعناه: أن النوم يكون خفيفاً، فقالا: (إن هذا لا يوائم -يعني: يوافق- نوم بيتكم) أي: أنه نائم نوماً واحداً سواء كان قاعداً في البيت أو مسافراً، (فأيقظاه فقالا: ائت رسول الله ﷺ فقل له: إن أبا بكر وعمر يقرئانك السلام، وهما يستأدمانك)، يعني: يطلبان منك الإدام، والإدام هو كل ما أكل به الخبز، فلما ذهب الرجل وأخبر الرسول ﵊ قال: (قد ائتدما، ففزعا، فجاءا إلى النبي ﷺ ، فقالا: يا رسول الله! بعثنا إليك نستأدمك، فقلت: قد ائتدما، فبأي شيء ائتدمنا؟ فقال: بلحم أخيكما، والذي نفسي بيده إني لأرى لحمه في أنيابكما -وفي رواية: ثناياكما- قالا: فاستغفر لنا قال: هو فليستغفر لكما) أي: صاحب الحق. فالإنسان إن كان لابد مصراً أن يعصي الله فليختر معصية يسهل عليه أن يتوب منها، لكن عند أن تختار معصية تتعلق بحق الغير فمعنى ذلك أنه لن تبرأ ذمتك إلا أن يسامحك هذا الشخص، وإذا لم يسامحك فسترد القيامة وفي عنقك حق العباد؛ لأن المعصية إذا كانت بينك وبين الله فإذا تبت إلى الله فالله يقبل التوبة عن عباده، أما إذا كانت المعصية في حق من حقوق العباد فلابد أن تستحل من صاحبها، وإما أن يستوفي حقه منك، والعملة هناك في الآخرة ليست الدينار ولا الدرهم، إنما هي الحسنات والسيئات، فيأخذ من حسناتك حتى يقضي عليها، فإذا لم يبق معك حسنات يؤخذ من سيئاته فتطرح عليك، فلماذا الإنسان يتعب في العبادة ويتعب في الحفظ والصيام والأعمال الصالحة ثم يجدها في ميزان الآخرين؟! فلذلك سماه النبي ﷺ : المفلس. الشاهد أيضاً من هذا الحديث قول النبي ﵊: (قد ائتدما) والخطاب موجه إلى الاثنين، مع أن واحداً منهما هو الذي تكلم، فنسب الوزر إليهما جميعاً. إذاً: القاعدة: أن مستمع الغيبة والمغتاب شريكان في الإثم والوزر. يقول الشاعر: وسمعك صن عن سماع القبيح كصون اللسان عن النطق به فإنك عند سماع القبيح شريك لقائله فانتبه

стр. 109

حكم استماع الغيبة ومن الأمور المهمة جداً أن مستمع الغيبة والمغتاب كلاهما شريك في الإثم، فإذا تواجدت في مجلس تدور فيه الغيبة كما يدار بالفاكهة على رواد المجلس فلا تظن أنك تبرأ من مثل هذا المنكر، بل لابد أن تزيله أو تزول عنه، أما أن تجلس ساكتاً فمجرد استماعك يجعلك شريكاً في هذه الغيبة. فعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: (جاء الأسلمي -يعني: ماعزاً - إلى رسول الله ﷺ ، فشهد على نفسه بالزنا أربع شهادات، يقول: أتيت امرأة حراماً، وفي كل ذلك يعرض عنه رسول الله ﷺ إلى أن قال في الحديث: إن الرسول ﵊ قال له: فما تريد بهذا القول؟ قال: أريد أن تطهرني، فأمر به رسول الله صلى الله ﷺ أن يرجم فرجم، فسمع رسول الله ﷺ رجلين من الأنصار يقول أحدهما لصاحبه: انظر إلى هذا الذي ستر الله عليه فلم يدع نفسه حتى رُجم رجم الكلب، فسكت رسول الله ﷺ ، ثم سار ساعة فمر بجيفة حمار شائل برجله)، وجثة الحمار لما تتعفن وتتجيف تزيد الغازات في داخل البطن، والعضلات تشتد جداً وتتيبس، والجثة ملقاة في الأرض، والحمار رافع رجليه من التعفن، كل هذا كناية عن شدة التعفن والنتن في هذه الجيفة، قال: (فسكت رسول الله ﷺ ، ثم سار ساعة فمر بجيفة حمار شائل برجله، فقال: أين فلان وفلان -يعني: هذين الرجلين اللذين تكلما بهذا الكلام- قالوا: نحن ذان يا رسول الله! فقال لهما ﵊: كلا من جيفة هذا الحمار! فقالا: يا رسول الله! غفر الله لك، من يأكل من هذا؟ فقال رسول الله ﷺ : ما نلتما من عرض هذا الرجل آنفاً أشد من أكل هذه الجيفة، فوالذي نفسي بيده! إنه الآن في أنهار الجنة ينغمس فيها)، فالشاهد من هذا الحديث قول النبي ﵊: (ما نلتما من عرض هذا الرجل آنفاً أشد من أكل هذه الجيفة). فأول شيء نسب الوزر إليهما جميعاً، مع أن الذي تكلم هو واحد؛ كان يحدث الذي بجواره، والذي بجواره سكت، فمعناه أنه صار شريكاً له في الإثم؛ لأن السكوت علامة الرضا. فلو قلت للمغتاب: اتق الله، فستكون قد برئت من المعصية، لكن حين تسكت أو تستحي فأنت شريك في الوزر، ومثلك مثله ولا فرق، ولذلك قال لهما: (كلا من جيفة هذا الحمار!)، وقال لهما: (ما نلتما من عرض هذا الرجل آنفاً أشد من أكل هذه الجيفة)، يعني: أن الأكل من الجيفة أخف؛ لأن الإنسان لو أكل من جيفة الحمار المنتن لم يؤذ مسلم، ولم ينتهك عرض مسلماً، ولم تتعلق بذمته حقوق العباد، فلا شك أن أكل لحوم الحمر المتجيفة والمنتنة خير من أكل لحوم البشر؛ لأن أكل لحوم البشر يترتب عليه هذه الأشياء التي ذكرنا.

стр. 110

تنجيس الغيبة والأمر بالتطهر منها وعن ابن عمر ﵄ قال: إن أحق ما طهر الرجل لسانه، وأي واحد منا إذا أصابت النجاسة ثيابه فإنه ينظفه ويطهره، فإذا اغتاب الناس فإن هذه النجاسة تكون في لسانه، فأي الأشياء أولى أن تطهر؟ لا شك أن اللسان أولى بالتطهير، ولذا قال ابن عمر ﵄: إن أحق ما طهر الرجل لسانه. بل إن بعض السلف كان إذا أراد التنفير من هذه المعصية أمر فاعلها بالطهارة الحقيقية، فيأمره بالمضمضة وبالوضوء تشبيهاً لها بالنجاسة الحسية، وإرشاداً إلى التحرز منها، كما يتحرز من النجاسات. فعن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: يتوضأ أحدكم من الطعام الطيب، ولا يتوضأ من الكلمة الخبيثة يقولها؟ وهذه العبارة من أم المؤمنين تحتمل أكثر من معنى، فإذا كانت على حقيقتها فربما كانت تقصد الوضوء من أكل ما مسته النار قبل أن ينسخ، كأنها تقول لهم: أنتم تتوضئون من هذه الكلمة قبل أن ينسخ الوضوء ما مسته النار، وتحتمل الوضوء من أكل لحم الإبل، فكأنها تقول لهم: إذا توضأ أحدكم من الطعام الطيب الحلال سواء كان مما مسته النار قبل أن ينسخ أو من أكل لحم الإبل ولا يتوضأ من الكلمة الخبيثة يقولها، وهي أولى أنك تمضمض فمك بعدها. فإذا ما ابتليت بالغيبة فهذا أولى من أن تتمضمض من أكل لحم الإبل أو غيره. ومثله قول عبد الله بن مسعود ﵁: (لأن أتوضأ من كلمة خبيثة أحب إلي من أن أتوضأ من طعام طيب). وعن إبراهيم قال: الوضوء من الحدث وأذى المسلم، أي: كما تتوضأ من الحدث توضأ من أذى المسلم. ويحمل هنا الوضوء على غسل الفم وتطهير اللسان. وعن محمد بن سيرين قال: كان رجل من الأنصار يمر بمجلس لهم فيقول: توضئوا فإن بعض ما تقولون شر من الحدث. يعني: اغسلوا وطهروا ألسنتكم، فإن بعض ما تقولون من الغيبة والنميمة شر من الحدث ومن النجاسة. وجاء حديث في هذا، لكنه مرسل وإن كان رجاله ثقات، أخرجه ابن سعد، وهو ما رواه معن عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم: (أن نبي الله ﷺ في وجعه الذي توفي فيه، قالت صفية بنت حيي: والله يا نبي الله! لوددت أن الذي بك بي، فغمزها أزواجه) أي: أن ضرائرها غمز بعضهن لبعض أن انظرن صفية ماذا تقول للرسول ﵊: (فأبصرهن، فقال: مضمضن، فقلن: من أي شيء؟ قال: من تغامزكن بها، والله إنها لصادقة)، هنا الحديث مرسل في الحقيقة، وإذا صح ففيه إشارة أيضاً إلى موضوع المضمضة كما بينا.

стр. 111

الإجماع على تحريم الغيبة قال الإمام القرطبي رحمه الله تعالى: والإجماع على أنها من الكبائر، وأنه يجب التوبة منها إلى الله تعالى. والحقيقة أن حكاية الإجماع في هذا فيه نظر. لكن هنا تعبير آخر أكثر دقه، وهو أن علماء الشافعية نصوا على أن الغيبة إذا كانت في أهل العلم وحملة القرآن الكريم فهي كبيرة وإلا فصغيرة. وقال الفقيه ابن حجر الهيتمي ﵀: كل منهما -أي: الغيبة والنميمة- حرام بالإجماع، وإنما الخلاف في الغيبة، هل هي كبيرة أم صغيرة؟ وقال آخرون: إن كانت في طلبة العلم وحملة القرآن فهي كبيرة وإلا كانت صغيرة. وعن أبي برزة الأسلمي والبراء بن عازب رضي الله تعالى عنهما قالا: قال رسول الله ﷺ : (يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه! لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم؛ فإنه من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف بيته)، والجزاء من جنس العمل. وعن البراء بن عازب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (الربا اثنان وسبعون باباً؛ أدناها مثل إتيان الرجل أمه، وإن أربا الربا استطالة الرجل في عرض أخيه).

стр. 112

عذاب القبر بسبب الغيبة وعن جابر ﵁ قال: (كنا عند النبي ﷺ فهبت ريح منتنة، فقال رسول الله ﷺ : أتدرون ما هذه الريح؟ هذه ريح الذين يغتابون المؤمنين). وعن أبي بكرة ﵁ قال: (بينما أنا أماشي رسول الله ﷺ وهو آخذ بيدي، ورجل على يساره، فإذا نحن بقبرين أمامنا، فقال رسول الله ﷺ : إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، بلى إنه لكبير، فأيكم يأتيني بجريدة؟ فاستبقنا، فسبقته، فأتيت بجريدة، فكسرها نصفين، فألقى على ذا القبر قطعة وعلى ذا القبر قطعة، وقال: إنه يهون عليهما ما كانتا رطبتين، وما يعذبان إلا في الغيبة والبول). وعن قتادة ﵁ قال: ذكر لنا أن عذاب القبر ثلاثة أثلاث: ثلث من الغيبة، وثلث من البول، وثلث من النميمة. وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم) يعني: يعذبون أنفسهم بأيديهم، وفيها أظافر من نحاس، وبها يخمشون الوجوه، (فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟! قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم).

стр. 113

غيبة المسلم كأكل لحمه ميتاً وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (كنا عند النبي ﷺ فقام رجل -يعني: انصرف- فوقع فيه رجل من بعده -أي: بعدما غادر المجلس اغتابه أحد الجالسين- فقال النبي ﷺ : تخلل، فقال: ومم أتخلل وما أكلت لحماً؟) وتخليل الأسنان هو: إخراج الألياف التي تعلق ما بين الثنايا، فقال له النبي ﵇: (إنك أكلت لحم أخيك). وعن عمرو بن العاص ﵁ أنه مر على بغل ميت فقال لبعض أصحابه: لأن يأكل الرجل من هذا حتى يملأ بطنه خير له من أن يأكل لحم رجل مسلم. فالغيبة ضيافة الفساق، والفساق هم الذين لا يبالون بحرمة الله ، ولا يبالون أن يأكلوا لحوم الناس. والمنكر قد شاع في المجتمع جداً وذاع، وقلَّ من ينكره، ونحن لا نكاد نبالي به، ولا نشعر، وقلوبنا لا تحس ناحيته بكراهية إلا من رحم الله، فحن محتاجون إلى تجديد العهد بهذه النصوص، وأن نعطي الأمور حجمها، فالأمر كما قال تعالى: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور:١٥]، وكما قال تعالى: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات:١٢]، فالغيبة ضيافة الفساق الذين لا يتقون الله ، كما قال بعض السلف. وعن إبراهيم بن أدهم ﵀: أنه أضاف ناساً، فلما قعدوا على الطعام جعلوا يتناولون رجلاً، فقال إبراهيم: إن الذين كانوا قبلنا كانوا يأكلون الخبز قبل اللحم، وأنتم بدأتم باللحم قبل الخبز. يعني: بدأتم بلحم هذا المسلم الذي اغتبتموه قبل الخبز. وعن موسى السيلاني أنه سأل سفيان الثوري رحمه الله تعالى فقال: يا أبا عبد الله! إن الله يبغض بيت اللحميين؟ يعني: يقول له: هل ربنا يبغض بيت اللحميين؟ يقصد: الناس الذين يأكلون لحماً كثيراً، فنسبهم إلى اللحم، فقال له سفيان: ليس هم الذين يأكلون اللحم، ولكنهم الذين يأكلون لحوم الناس. فاللحميون هم الذين هم مغرمون بأكل لحوم الناس، لكن أن تأكل لحم البقر والغنم فهذا حلال لم يحرمه الله عليك مادمت تشكر نعمته، لكن المهم ألا تأكل لحوم الناس.

стр. 114

صور الغيبة أما صور الغيبة فالغيبة لها صور شتى: فقد تكون بالقول، وقد تكون بغير القول، يعني: أنه لا يشترط في الغيبة أن تكون باللسان، بل ممكن أن تكون الغيبة بحركة العين، أو بإخراج اللسان، أو بالتمثيل كأن يحاكي مشيته أو شيئاً من هذا، فالغيبة كما تكون بالقول تكون بغيره. قال الإمام الغزالي رحمه الله تعالى: ذكر عيب أخيك باللسان إنما حرم لأن فيه تفهيم الغير نقصان أخيك، وتعريفه بما يكره، فالتعريض به كالتصريح، والفعل فيه كالقول والإشارة والإيماء والغمز والهمز والكتابة والحركة، وكل ما يفهم المقصود فهو داخل في الغيبة، وهو حرام. وقال النووي: وكذا سائر ما يتوصل به إلى فهم المقصود، كأن يمشي مشيته، فهو غيبة، بل هو أعظم من الغيبة، كما قال الغزالي؛ لأنه أبلغ في التصوير والتفهيم، وأنكر للقلب. ومن صور الغيبة أن يأتي ذكر واحد في مجلس من المجالس، فيأتي آخر من الجالسين فيقول: الحمد لله الذي لم يبتلنا بالدخول على السلطان الحمد لله الذي عافانا من فتنة الدنيا، فهذه غيبة، وصاحبها جمع بين أمرين: بين ذم أخيه وبين مدح نفسه، وأنه رجل زاهد ومخلص، وقد يقول: الحمد لله الذي عافانا من الرياء، وهذه غيبة، فمهما قلت: الحمد لله فلا تظن أن قولها يعفيك من الغيبة، بل هي غيبة. وقد يأتي ذكر رجل فيقول آخر: الحمد الله الذي عافانا من فتنة الدنيا، أو الحمد لله الذي عافانا من كذا وكذا، أو الحمد لله الذي عافانا من عبودية المال، فهو بهذا يزكي نفسه ويذم أخاه. كذلك بعض الناس يتكلم في مجلس ويكون الحاضرون في المجلس يعرفون أن الذي يتكلم عليه هو فلان ابن فلان بعينه، كأن يقول: قال بعض الفقهاء، أو قال بعض من رأينا، أو فعل بعض من نعرفه من أصحابنا، أو قال بعض الجيران، فإذا كان الجالسون يعرفون من الذي يقصده فهذه أيضاً غيبة؛ لأنهم يعرفون، وبالتالي فإن المتكلم ذكر أخاه بما يكره من خلفه؛ لأن المخاطب يفهمه بعينه؛ لحصول التفهيم بهذه الصيغة. وربما سئل شخص عن حال أخيه فيقول مثلاً: ربنا يهدينا! والظاهر أن الشيطان يسول له أنه نفسه ما فعل شيئاً خطأً؛ لأنه يقصد بقوله: ربنا يهدينا، وصفه بالضلال مثلاً، أو يسأل عنه فيقول: ربنا يصلحنا ويصلح أحوالنا، الله يصلحه، أو نسأل الله العافية، أو نعوذ بالله من الشر، أو أي عبارة يفهم منها تنقص المسلم؛ فهي غيبة.

стр. 115

التحذير من اتخاذ مصلحة الدعوة ذريعة إلى الغيبة وفي الحقيقة من المفروض أننا نتكلم بالتفصيل على بعض الاستثناءات التي ذكرها العلماء. وهنا إشارة حمراء فيها الإنذار الشديد؛ لأن بعض الإخوة أحياناً يلقون ببعض المعلومات إلى من لا يحسن فهمها ولا تطبيقها، والرسول ﵊ سئل: (أفلا أخبر بها الناس؟ -في تبشير من قال: لا إله إلا الله- فقال النبي ﷺ : إذاً يتكلوا) يعني: لا. حتى لا يسيئوا فهم هذا الكلام؛ لأنهم إذا أساءوا فهمه سيتكلون على هذا الكلام، ويقصرون في العمل؛ فلا تخبرهم؛ لأنهم لن يضعوا الكلام في موضعه المناسب. ومن ثمَّ قال ابن مسعود: ما أنت بمحدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة، ففي بعض الأشياء المفروض أن الإنسان إذا شك أن ناساً يفهمونها على غير وجهها فيكتم هذا العلم؛ لأنه سيساء فهمه، ويكون باباً إلى الشر. مثلاً: إذا علم واحد أن السنة أن تؤدى السنن والرواتب في البيت، وحاله أنه إذا أخرها إلى البيت لم يصلها، فهذا إذا كنت تعرف من حاله أنه لن يصليها في البيت فلا تعلمه هذه المسألة، وهكذا، فالإنسان لابد أن يكون عنده بصر وتلمح للأمور، وأكثر الآفات التي دخلت في مجتمعنا في موضوع الغيبة ناشئة من أننا دائماً نقرن الكلام بالغيبة بالكلام على الرخص التي أبيحت فيها الغيبة، فبالتالي نجد المجتمع في نوع من التسيب وعدم الانضباط إلى أقصى غاية ممكنة، ونجد الإخوة يحفظون المبررات والمسوغات كما يحفظون الفاتحة و (قل هو الله أحد)! وتقول لأحدهم: يا أخي! اتق الله فإن هذه غيبة، فيقول لك: العلماء قالوا: يجوز هذا للجرح والتعديل، ويجوز لكذا، ويجوز لكذا، فنقول: إذا كان مستواك العلمي والإيماني ومستوى الورع عندك يؤهلك أنك تضبط نفسك ضبطاً متيناً محكماً حيث تحاسب نفسك بمنتهى الدقة وتتحكم فيها جيداً فلك أن تفعل، أما إن لم يحصل فهي غيبة، وهي سيف في يد ناس لا يحسنون استعمالها؛ فيذبحون به الناس وينتهكون أعراضهم، وهذا هو الواقع، ونحن نعترف بهذا الواقع. فأحسن شيء أن ننسى تماماً موضوع الاستثناءات التي هي للغيبة؛ لأن هذا أسلم شيء إلا لمن وجد من نفسه ثقة، كما سنحكي عن الإمام البخاري وغيره من الأئمة، لكن اجعل الأصل أن ننسى موضوع الاستثناءات؛ إذ لا توجد سلامة في غير هذا الآن، ولن تكون لك سلامة من هذه الفتنة إلا بإنسان يكف لسانه عن الشر وعن الخوض في إخوانه المسلمين. فاعتبروا أنه لا توجد أصلاً استثناءات في الغيبة؛ لأن باب الاستثناء هو الذي فتح لنا هذه الأبواب العظمى من الشر التي تهلكنا وتهلك إخواننا. والإمام النووي رحمه الله تعالى لما نقل عن الغزالي المواضع الستة المعروفة في جواز الغيبة لم يقرهم بعض العلماء على ذلك. والإمام الشوكاني رحمه الله تعالى ألف كتاباً استدرك فيه على النووي، واستدرك فيه على الإمام الغزالي رحمهم الله تعالى أجمعين، وبيَّن أن الكلام ليس على إطلاقه في هذه الصور، وذلك في كتابة المعروف: (رفع الريبة عما يجوز وما لا يجوز من الغيبة). ولا نريد أن نفصل الآن، ولكن أنصح إخواني نصيحة لوجه الله أن ينسوا وجود استثناءات في الغيبة، وأن يؤسسوا الأساس وبعدما يصلون إلى مستوى من الورع كمثل ورع البخاري ومثل ورع السلف الصالح رحمهم الله تعالى، فحينئذٍ لهم أن يعملوا بهذه الاستثناءات. فإن كنت أيها الأخ! ضابطاً نفسك كحال السلف الذين نتكلم عنهم فلك أن تأخذ هذه الرخصة وتتكلم، لكن أعتقد أن الأمر يحتاج لكثير من الضبط. فالنصيحة التي أشدد فيها هي: أن تنسوا تماماً أن هناك استثناءات في الغيبة، وتعاملوا على الأصل، وهو أن الغيبة كلها حرام؛ لأننا في زمن لو فتح فيه هذا الباب فالناس ستتوسع فيه توسعاً شديداً جداً. فهذا الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى يقول: منذ أربعين سنة ما تكلمت بكلمة إلا أعددت لها جواباً بين يدي الله . فمنذ أربعين سنة لم يتكلم بكلمة واحدة إلا وهو واثق وجازم وقد أعد لها جواباً، فلما يسأله الله يوم القيامة على هذه الكلمة فعنده الجواب حاضر. فهل أنت في هذا المستوى حتى تقول: أنا أغتاب من أجل مصلحة الدعوة؟! ومصلحة الدعوة تكاد أن تكون وثناً يعبد من دون الله، وكل من وقع في معصية حتى يخرج من الحرج يقول: لمصلحة الدعوة! فأي دعوة هذه التي تنحرف بك عن مثل هذه الثوابت في المنهج الإسلامي؟! وهل هذه دعوة الله ؟! وهل هذه أخلاق الصحابة؟! وهل هذا هو ما علمنا إياه الرسول ﵊؟!

стр. 116

حال السلف في الحذر من الغيبة

стр. 117

دلالة الغيبة على حقارة المغتاب وعن عون بن عبد الله قال: لا أحسب الرجل ينظر في عيوب الناس إلا من غفلة قد غفلها عن نفسه. وهذا الكلام الذي يقوله السلف الآن كأنهم يتفاخرون في العلوم النفسية الحديثة بأنهم هم الذين وضعوا هذه الأسس وهذه الأشياء. والشخص الذي يرى صورة نفسه صغيرة جداً تجده دائماً يضخم عيوب الآخرين، ولذا تبرز شخصية الإنسان من خلال نصيبه من هذه القضية، فإذا عُرف بأنه مشغول بتضخيم عيوب الآخرين والطعن في الناس، فهذه مرآة تعكس أنه يشعر بضآلة نفسه وبحقارتها وأن حجم نفسه صغير؛ لأنه يعتقد أنه لن ينفتح إلا على أنقاض الآخرين، فدائماً يحاول أن يحطم الآخرين، ولذا يكثر نقد الناس وذكر عيوبهم، وهذه مرآة تعكس أن إحساسه وثقته بنفسه ضعيفة، وأنه في داخل نفسه يحس أنه صغير وحقير، فلذلك يشتغل بعيوب الآخرين. يقول عون بن عبد الله ﵀: لا أحسب الرجل ينظر في عيوب الناس إلا من غفلة قد غفلها عن نفسه. وعن محمد بن سيرين رحمه الله تعالى قال: كنا نحدث أن أكثر الناس خطايا أفرغهم لذكر خطايا الناس. وكان مالك بن دينار رحمه الله تعالى يقول: كفى بالمرء إثماً ألا يكون صالحاً، ثم يجلس في المجالس ويقع في عرض الصالحين. وقال أبو عاصم النبيل: لا يذكر الناس فيما يكرهون إلا سفلة لا دين لهم. يقول الشاعر: لا تكشفن مساوي الناس ما ستروا فيهتك الله ستراً عن مساويك واذكر محاسن ما فيهم إذا ذكروا ولا تعب أحداً منهم بما فيك سمع أعرابي رجلاً يقع في الناس، فقال: قد استدللت على عيوبك بكثرة ذكرك لعيوب الناس؛ لأن الطالب لها يطلبها بقدر ما فيه منها. وأجرأ من رأيت لظهر غيب على عيب الرجال أخو العيوب

стр. 118

اشتغال السلف بعيوب أنفسهم عن الآخرين لا شك أن الإنسان إذا انزجر عن الكلام في عيوب الناس، فإنه في خير، ونحن لا نقول: إن الناس لا يوجد فيها عيوب، لكن يجب عليك أن تنشغل بعيوب نفسك، والإنسان إذا ركز في الاشتغال بعيوب نفسه سوف يكون مشغولاً عن عيوب الناس، ولن ينظر في عيوب الناس بهذه الصورة إذا ركز في عيوب نفسه، فالإنسان دائماً يجب عليه أن يركز وأن ينتقد نفسه، وعليه أن يصلح ويجاهد نفسه؛ ولا ينشغل بعيوب الناس إلا من قد لهى عن عيوب نفسه. يقول النبي ﷺ : (يبصر أحدكم القذاة في عين أخيه وينسى الجذع في عينه) وفي بعض الروايات: (وينسى الجذل) أي: جذل الشجرة، والقذاة هي ما يقع في الماء من تراب أو تبن أو أي شيء من القاذورات التي تأتي على الماء، والجذع هو: واحد جذوع النخل، وقوله: (وينسى الجذع في عينه)؛ أي: لأنه لنقص نفسه وحبه لها يتوفر على تدقيق النظر في عيب أخيه؛ فيدركه مع خفائه، فيعمى عن عيب في نفسه ظاهر لا خفاء به. يقول الشاعر: عجبت لمن يبكي على موت غيره دموعاً ولا يبكي على موته دما وأعجب من ذا أن يرى عيب غيره عظيماً وفي عينيه عن عيبه عمى لقي زاهد زاهداً فقال له: يا أخي! إني لأحبك في الله، فقال الآخر: لو علمت مني ما أعلم من نفسي لأبغضتني في الله، فقال له الأول: لو علمت منك ما تعلم من نفسك لكان لي فيما أعلم من نفسي شغل عن بغضك. فانظر كيف كان الصحابة والسلف يصدقون قول الرسول ﵇: (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)، وكثيراً من الكلام الذي نخوضه لا يعنينا ولا يخصنا في شيء. لما توفي منصور بن زاذان رحمه الله تعالى وكان من العابدين المجتهدين حتى قالوا: لو أن منصور بن زاذان هذا قيل له: إن ملك الموت على الباب أو أنك تموت غداً لما استطاع أن يزيد في عمله؛ لأنه قد أتى بأقصى ما يستطيع في كل الأحوال، ولم يملك على أن يزيد شيئاً في عمله الصالح، فلما توفي قالت ابنة واحد من جيرانه من العلماء لأبيها: يا أبت! الخشبة التي كانت على سطح البيت الذي بجوارنا ما نراها! أي: أنها تعودت أن ترى بالليل بالذات دائماً خشبة موجودة على سطح بيت منصور، فقال لها: يا ابنتي إن هذا منصور كان يقوم الليل يصلي ويقرأ القرآن، وقد مات ﵀. أي: أنه كان من بعيد يبدو كالخشبة، فالبنت لما فقدت رؤيته قالت: أين ذهبت الخشبة؟ فقال لها أبوها: هذا منصور كان يقوم الليل وقد مات رحمه الله تعالى. الشاهد: أنهم كانوا جيراناً، ومع هذا فانظر كيف أن هذا العالم ربى نفسه وربى أهله وربى ابنته على أنه لا يتكلم على الناس، وما انشغلوا بالجيران ولا تكلموا حتى ولو بكلام على أن منصوراً يقوم طول الليل، وما عرفت البنت أنه كان منصوراً؛ لأنها قالت: أين الخشبة التي كانت على السطح. فالسلف كان كل واحد يركز على نفسه، وينشغل بعيوب نفسه، ولا ينشغل بغيره. قال الشاعر: المرء إن كان عاقلاً ورعاً أشغله عن عيوب غيره ورعه كما العليل السقيم أشغله عن وجع الناس كلهم وجعه وعن بكر قال: تساب رجلان فسب أحدهما الآخر، فقال أحدهما: حلمني عنك ما أعرف من نفسي. أي: أنا أستطيع أن أرد عليك، لكن الذي يجعلني أحلم وأصبر عليك هو ما أعلم من نفسي من العيوب. وقيل للربيع بن خثيم رحمه الله تعالى: ما نراك تغتاب أحداً؟ فقال: لست عن حالي راضياً حتى أتفرغ لذم الناس، ثم أنشد: لنفسي أبكي لست أبكي لغيرها لنفسي من نفسي عن الناس شاغل وعن أبي راشد قال: جاء رجل من أهل البصرة إلى عبيد الله بن عمر فقال: إني رسول إخوانك من أهل البصرة إليك، فإنهم يقرئونك السلام، ويسألونك عن أمر هذين الرجلين: علي وعثمان، وما قولك فيهما؟ فقال: هل غير، أي: هل عندك حاجة أخرى؟ قال: لا، قال: جهزوا الرجل، يعني: أن الجواب سيأخذه بسرعة، فأحضروا له متاعه من أجل أنه سيعود، فلما فرغ من جهازه قال: اقرأ ﵈، وأخبرهم أن قولي فيهما: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة:١٣٤]. وقال الشافعي: قيل لـ عمر بن عبد العزيز: ما تقول في أهل صفين، فقال: تلك دماء طهر الله يدي منها فلا أحب أن أخضب بها لساني. يقول الشاعر في هذا المعنى: لعمرك إن في ذنبي لشغلاً عن ذنوب بني أمية على ربي حسابهم إليه تناهى علم ذلك لا إلي وليس بضائري ما قد جنوه إذا ما الله أصلح ما لدي فربنا سيحاسبك على ذنوبك أنت، لا على ذنوب بني أمية؛ فلا تنشغل بذم الناس.

стр. 119

ورع البخاري ﵀ عن الغيبة قال بكر بن منير سمعت أبا عبد الله البخاري رحمه الله تعالى يقول: أرجو أن ألقى الله ولا يحاسبني أني اغتبت أحداً. يعني: أن الله لا يمكن أن يصطفي لموقف الإمامة في الدين أي إنسان، وإنما يصطفي أناساً في القمم، ومن الذين اصطفاهم الله الإمام البخاري رحمه الله تعالى، فهناك المؤهلات والمسوغات لهذا الإمام، ولذا قال: إني أرجو أن ألقى الله ولا يحاسبني أني اغتبت أحداً، وله كلام في علم الرجال كما في كتابه (التاريخ) وفي غيره، ومع ذلك فهو في منتهى الدقة، وواثق من نفسه أنه لم يقع في غيبة على الإطلاق. وعلق الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى على كلام البخاري قائلاً: صدق ﵀؛ ومن نظر في كلامه في الجرح والتعديل علم ورعه في الكلام في الناس وإنصافه فيمن يضعفه؛ فإنه أكثر ما يقول: منكر الحديث سكتوا عنه فيه نظر ونحو هذا، وقل أن يقول: فلان كذاب أو كان يضع الحديث، حتى إنه قال: إذا قلت: فلان في حديثه نظر فهو متهم واهٍ. وهذا هو معنى قوله: لا يحاسبني الله أني اغتبت أحداً. وهذا والله غاية الورع. قال محمد بن أبي حاتم الوراق سمعته -يعني: الإمام البخاري - يقول: لا يكون لي خصم في الآخرة -أي: أنه لم يقع في مسلم بحيث يقف يوم القيامة أمامه خصماً بين يدي الله فقلت: إن بعض الناس ينقمون عليك في كتاب التاريخ، ويقولون: فيه اغتياب الناس، فقال: إنما روينا ذلك رواية لم نقله من عند أنفسنا، قال النبي ﷺ : (بئس مولى العشيرة) يعني: حديث عائشة. وسمعته يقول: ما اغتبت أحداً قط منذ علمت أن الغيبة تضر أهلها. فكانوا إذا اختاروا الصراط المستقيم يبقون على استقامة، ولا يوجد عندهم روغان الثعالب ولا التحايل والتلاعب في حدود الله .

стр. 120

خطر اللسان وما يترتب على حفظه وإطلاقه

стр. 121

أهمية تعويد الإنسان لسانه على النطق بالخير أخرج الإمام مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد أن عيسى بن مريم ﵇ لقي خنزيراً بالطريق فقال له: انفذ بسلام، فقيل: تقول هذا لخنزير؟ فقال عيسى: إني أخاف أن أعود لساني النطق بالسوء. وعن أبي حيان التيمي عن أبيه قال: رأيت ابنة الربيع بن خثيم أتته فقالت: يا أبتاه! أذهب ألعب؟ فقال: يا بنيتي! اذهبي قولي خيراً. أي: أنه خشي أن تكتب في صحيفته كلمة (اذهبي فالعبي)، فتحرز من أن يقول لها: العبي، لكن قال: يا بنيتي! اذهبي قولي خيراً. والحقيقة أن الدوافع على الغيبة غالباً ما تكون الرغبة في شفاء الغيظ، فالإنسان قد يكون حاسداً لشخص أو بينه وبينه خصومة أو أي عامل من هذه العوامل، فيريد أن يشفي غيظه وينفس عن هذه المشاعر عن طريق الغيبة، فالإنسان إذا جاهد نفسه إزاء ما يجد من هذه المشاعر المقيتة فإنه يثاب على ذلك، وهذا من أفضل الجهاد، كما سنبين إن شاء الله تعالى، فإذا كظم غيظه فله بذلك ثواب عظيم؛ لأن معنى ذلك أن عنده تحكماً وضبطاً لنفسه، يقول ﵊: (من كظم غيظاً وهو قادر أن ينفذه دعاه الله على رءوس الخلائق يوم القيامة حتى يخيره من الحور ما شاء). ومن ثمّ قال أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى: التقي ملجم لا يفعل كل ما يريد، يعني: يكون في فمه مثل لجام الفرس الذي يوضع في الفكين، وهو لجام التقوى على لسانه، فليس كل ما يريده الإنسان يفعله؛ لأن معه لجام التقوى، وهو اللجام الذي يحبسه عن أن يفعل كل ما يريد أو كل ما يقدر عليه. وعن عبد العزيز بن الماجشون قال: قال: أبو حازم لبعض الأمراء -ويبدو أن هذا الأمير آذاه-: والله لولا تبعة لساني لأشفيت منكم اليوم صدري. يعني بالكلام فيكم. وعن أم حبيبة زوج النبي ﷺ قالت: قال رسول الله ﷺ : (كل كلام ابن آدم عليه لا له، إلا أمر بمعروف أو نهي عن منكر أو ذكر لله).

стр. 122

فضل حفظ اللسان عن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (طوبى لمن ملك لسانه، ووسعه بيته، وبكى على خطيئته). وعن عقبة بن عامر ﵁ أنه قال للنبي ﷺ : (ما النجاة في الفتن؟ قال: املك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يرى بها بأساً يهوي بها سبعين خريفاً في النار). وعنه ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يزل في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب). وفي حديث معاذ الطويل المعروف أنه سأل النبي ﷺ فقال له: (ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ -العاصم من هذه الأشياء- فأخذ بلسانه وقال: كف عنك هذا أو كف عليك هذا، فقلت: يا نبي الله! وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ قال: ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو قال: على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم)، أي: أن اللسان يحصد الشرور والآثام والأوزار بمنتهى السهولة؛ وذلك بكونه يفري في أعراض الناس ويخوض في الباطل. وعن معاذ ﵁ قال: (قلت: يا رسول الله! أوصني، قال: اعبد الله كأنك تراه، واعدد نفسك في الموتى، وإن شئت أنبأتك بما هو أملك على الناس من هذا كله، قال: هذا، وأشار بيده إلى لسانه). وقال ﵊ أيضاً لمن استوصاه: (أجمع اليأس مما في أيدي الناس، ولا تكلم بكلام تعتذر منه غداً). وقال في الحديث الآخر: (إياك وكل ما يعتذر منه). وعن سفيان بن عبد الله ﵁ قال: (قلت: يا رسول الله! حدثني بأمر أعتصم به، قال: قل ربي الله ثم استقم، قلت: يا رسول الله! ما أخوف ما تخاف عليه؟ فأخذ بلسان نفسه ثم قال: هذا) يعني: إن أكثر القوادح في الاستقامة هو اعوجاج أو انحراف اللسان.

стр. 123

الأحكام الشرعية المتعلقة باللسان فجارحة اللسان ينبني عليها كثير جداً من الأحكام كالطهارة والصلوات وسائر أركان الإسلام والجهاد والبيوع والنكاح والجنايات والحدود والقضاء. فاللسان له أبواب متخصصة به: منها القذف والردة والأيمان والنذور والشهادات والإقرار، وكذلك في باب التوحيد؛ فكم من كلمة ردة أوجبت قتلاً! وكم من كلمة أوجبت قذفاً فجلداً! أو أوجبت كفارات، أو نزعت بسببها حقوق من أهلها، أو كان فيها إفراط أوجب بمفرده حكماً، ولذلك قالوا: إقرار المرء على نفسه أقوى البينات، ولذلك تكاثرت نصوص الشريعة الإسلامية في تعظيم شأن اللسان ترغيباً وترهيباً، وأفرد العلماء في كثير من مفرداته المؤلفات في الترغيب وفي الترهيب عن آفات اللسان.

стр. 124

أكثر ما يدخل النار اللسان وعن شكل بن حميد ﵁ قال: (أتيت النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله! علمني تعوذاً أتعوذ به، قال: فأخذ بكفي فقال: قل: اللهم إني أعوذ بك من شر سمعي ومن شر بصري ومن شر لساني ومن شر قلبي ومن شر منيي) والشاهد هنا: قوله ﵊: (وأعوذ بك من شر لساني). وعن شقيق قال: لبى عبد الله ﵁ على الصفا، ثم قال: يا لسان! قل خيراً تغنم، واسكت تسلم من قبل أن تندم، قالوا: يا أبا عبد الرحمن! هذا شيء أنت تقوله أم سمعته؟ قال: لا، بل سمعت رسول الله ﷺ يقول: (أكثر خطايا ابن آدم في لسانه). وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (سألت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله! أي الأعمال أفضل؟ قال: الصلاة على ميقاتها، قلت: ثم ماذا يا رسول الله؟! قال: أن يسلم الناس من لسانك)، فهذا الترك سماه عملاً؛ لأن في السؤال ( أي الأعمال أفضل؟)، فقال في الثانية: (أن يسلم الناس من لسانك).

стр. 125

لسانك سبع بين فكيك قال ابن السماك: سبعك بين لحييك -يعني أنه يشبه اللسان بالسبع، وأن هذا السبع الضاري موجود بين الفكين- تأكل به كل من مر عليك، قد آذيت أهل الدور في الدور حتى تعاطيت أهل القبور -أي: قد انتهيت من غيبة الأحياء ثم بعد ذلك تحولت للكلام في الموتى في قبورهم-: فما تركي وقد جرى البلى عليهم، وأنت هاهنا تنبشهم، إنما نرى نبشهم أخذ الخرق عنهم، إذا ذكرت مساويهم فقد نبشتهم، إنه ينبغي لك أن يدلك على ترك القول في أخيك ثلاث خلال: أما واحدة: فلعلك أن تذكره بأمر هو فيك، فما ظنك بربك إذا ذكرت أخاك بأمر هو فيك، ولعلك تذكره بأمر فيك أعظم منه، فذلك أشد استحكاماً لمقته إياك، ولعلك تذكره بأمر قد عافاك الله منه فهذا جزاؤه إذ عافاك؟ يعني: هل هذا من شكر نعمة الله أنه عافاك من هذا البلاء؟ ارحم أخاك واحمد الذي عافاك. لسانك لا تذكر به عورة امرئ فكلك عورات وللناس ألسن وعينك إن أبدت إليك مساوئاً فصنها وقل يا عين للناس أعين ففي الحقيقة أن اللسان من الأعضاء الخطيرة الشديدة الخطر، ومن يعرف تشريح اللسان يجد أن بعض الألياف طويلة وبعض الأحيان تكون عرضية أو مائلة، فاللسان فيه كل أنواع العضلات، فيه عضلات بالطول والعرض والمائلة والمستعرضة وغيرها، واللسان هي العضلة الوحيدة التي لا تتعب من كثرة الحركة، فممكن أن الإنسان يتكلم خمس ساعات ولا يشعر بمشقة في كثرة الكلام، وهي خطيرة جداً، فبالتالي يحتاج الإنسان إلى أن يلزم جانب الأمان. فالأفضل للإنسان أن يعتاد الصمت، كما نصح العلماء: إذا استوت المصلحة والمفسدة في الكلام فلا تتكلم، أما إذا رجحت المصلحة فنعم، وإذا غلبت المفسدة فيكون أولى ألا تتكلم، يقول الله : ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية:٢٩] وقال -وهي آية في الحقيقة فيها أعظم زجر عن إطلاق اللسان-: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨] فلا توجد كلمة تخرج منك إلا وتسجل وتكتب.

стр. 126

فضل الصمت عن معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إنك لم تزل سالماً ما سكت، فإذا تكلمت كتب لك أو عليك)، فالأصل الذي هو السلامة أن الإنسان لا يتكلم إلا إذا ترجحت مصلحة الكلام على مصلحة السكوت. وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (من صمت نجا، وكان رسول الله ﷺ طويل الصمت قليل الضحك). وعن شيخ من قريش قال: قيل لبعض العلماء: إنك تطيل الصمت، فقال: إني رأيت لساني سبعاً عقوراً أخاف أن أخلي عنه فيعقرني: ما إن ندمت على سكوتي مرة ولقد ندمت على الكلام مرارا وعن أرطأة بن المنذر قال: تعلم رجل الصمت أربعين سنة بحصاة يضعها في فيه، يعني: مكث أربعين سنة يجاهد نفسه في تعلم الصمت، فلذلك فإن هذا الكلام ليس موضوعاً نظرياً، بل ينبغي أن يكون انطلاقاً إلى المجاهدة العملية للنفس في التحكم في اللسان. وقوله: بحصاة يضعها في فيه، يعني كان يأتي بحصى ويضعها تحت لسانه لا ينزعها إلا عند طعام أو شراب أو نوم. وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: والذي لا إله غيره، ما على ظهر الأرض من شيء أحوج إلى طول سجن من لسان. ولذلك مد الله اللسان بكثير من الحواجز، وجعل لنا أذنين ولساناً واحداً، حتى نسمع أكثر مما نتكلم، ولهذا تجد الأذنين ليس عليهما غطاء، وتجد العين عليها غطاء من أجل رد البصر، وهكذا اللسان جعل الله له باباً من عظم وباباً من لحم، حتى لا يتساهل الإنسان في الكلام. وقال الليث بن سعد وغيره: كتب رجل إلى ابن عمر أن اكتب إلي بالعلم كله، فكتب إليه: إن العلم كثير، ولكن إن استطعت أن تلقى الله خفيف الظهر من دماء الناس، خميص البطن من أموالهم، كاف اللسان عن أعراضهم، لازماً لأمر جماعتهم فافعل. وعن الحسن قال: ابن آدم! وكل بك ملكان كريمان: ريقك مدادهما، ولسانك قلمهما. يعني: أنه وكل بك ملكان كريمان يكتبان عليك الأعمال، والمداد الذي يكتبان به هو الريق، والقلم هو اللسان. وعن شفي بن نافع الأصبحي قال: من كثر كلامه كثرت خطيئته. وكان المدرسون في موضوعات التعبير سواء العربي أو الإنجليزي يقولون لنا: كلما تتكلم كثيراً كلما كانت احتمالات الغلط أكثر، فتكون عليك، فالإنسان عليه أن يتكلم بما قل ودل، فكلما تكلم أكثر كلما كانت احتمالات الخطأ أكثر. وقال سفيان الثوري: لأن أرمي رجلاً بسهم أحب إلي من أن أرميه بلساني. أي: لأن رمي اللسان لا يخطئ، لكن السهم قد يخطئ. وعن يعلى بن عبيد قال: قال سفيان: لو كان معكم من يرفع حديثكم إلى السلطان أكنتم تتكلمون بشيء؟ قلنا: لا، قال: فإن معكم الملائكة ترفع الحديث إلى الله . وقال أبو علي الدقاق: لو كنتم تشترون الكاغد للحفظة -أي: الورق- لسكتم عن كثير من الكلام. يعني: لو كان الله كلفكم بأن تشتروا الورق للكرام الكاتبين ليسجلوا فيها أعمالكم لسكتم عن كثير من الكلام، ولذلك كانت عائشة ﵂ تبعث إلى أخواتها بعد صلاة العشاء تقول لهن: ألا ترحن الكتَّاب؟

стр. 127

محاسبة السلف لأنفسهم

стр. 128

دلالة حفظ اللسان على خيرية صاحبه عن يونس بن عبيد قال: ما رأيت أحداً لسانه منه على بال إلا رأيت ذلك صلاحاً في سائر عمله. يعني: أن كل أحواله تكون مستقيمة، فيكون محافظاً على الصلاة، ذاكراً لله ، محافظاً على العبادات، وعلى الطاعات والواجبات، وعلى الاستقامة في كل أحواله. وعن يحيى بن أبي كثير رحمه الله تعالى قال: خصلتان إذا رأيتهما في الرجل فاعلم أن ما وراءهما خير منهما: إذا كان حابساً للسانه، يحافظ على صلاته. يعني: إنسان تجد فيه هاتين العلامتين فاعرف أن ما خفي عليك منه أفضل مما ظهر. وعن الأوزاعي عن يحيى ﵀ قال: أثنى رجل على رجل، فقال له بعض السلف: وما علمك به؟ قال: رأيته يتحفظ في منطقه. يعني: يتحكم في اللسان، فكان هذا هو العمدة في أنه أثنى عليه ثناءً عاماً طيباً. فمن حافظ على لسانه فهو لما سواه أحفظ، كما قيل في الصلاة.

стр. 129

من أساليب السلف في حفظ اللسان عن أسلم: أن عمر رضي الله تعالى عنه دخل يوماً على أبي بكر الصديق ﵁ وهو يجبذ لسانه، فقال عمر: مه! غفر الله لك، فقال له أبو بكر: إن هذا أوردني الموارد. وعن جرير بن حازم قال: ذكر ابن سيرين رجلاً فقال: ذاك الرجل الأسود -يريد أن يعرفه بصفة يمتاز بها- ثم قال: أستغفر الله؛ ما أراني إلا قد اغتبته. فما دام الإنسان يستطيع أن يميز الشخص بصفة أخرى غير الصفة التي تؤذيه فعليه أن يلجأ إليها، ولا يلجأ إلى الصفة التي فيها نقص أو إساءة أو عيب فيه، إلا إذا لم يجد غيرها وكان لابد من ذكرها. وعن ثابت البناني رحمه الله تعالى قال: قال شداد بن أوس ﵁ لغلامه: ائتنا بسفرتنا فنعبث ببعض ما فيها، -يعني: نأكل ما فيها- فقال له رجل من أصحابه: ما سمعت منك كلمة منذ صاحبتك أرى أن يكون فيها شيء غيره هذه، قال: صدقت؛ ما تكلمت بكلمة مذ بايعت رسول الله ﷺ إلا أحكمها وأفطنها إلا هذه، وايم الله لا تذهب مني هكذا، فجعل يسبح ويكبر ويحمد الله ! يعني: مقابل أنه قال هذه الكلمة أراد أن يجبرها ويكفرها بذكر الله . وعن حسان بن عطية قال: كان شداد بن أوس في سفر، فنزل منزلاً، فقال لغلامه: ائتنا بالسفرة نعبث بها، فأنكرت عليه فقال: ما تكلمت بكلمة منذ أسلمت إلا وأنا أختمها وأحكمها إلا كلمتي هذه، فلا تحفظوها عليَّ. وعن محمد بن سيرين رحمه الله تعالى قال: قال فلان -وسمى رجلاً-: ما رأيت رجلاً من الناس إلا لابد أن يتكلم ببعض ما لا يريد غير عاصم بن عمر. وعن أبي عبيد قال: ما رأيت رجلاً قط أشد تحفظاً في منطقه من عمر بن عبد العزيز. وكان الربيع بن خيثم إذا أصبح وضع دواة وقرطاساً وقلماً، فكل ما تكلم به كتبه، ثم يحاسب نفسه عند المساء. يعني: أن كل الكلام الذي يتكلم به يسجله، ثم يأتي في المساء فيحاسب نفسه على ما قاله. وعن إبراهيم التيمي قال: أخبرني من صحب الربيع بن خثيم عشرين سنة فلم يتكلم بكلام لا يصعد، أي: أن كل كلامه في حق؛ بحيث يصعد إلى الله، كما قال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر:١٠]. وقال خارجة بن مصعب: صحبت ابن عون ثنتي عشرة سنة، فما رأيته تكلم بكلمة كتبها عليه الكرام الكاتبون. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 130

أساليب عجيبة في حفظ اللسان وبعض السلف لهم أساليب عجيبة جداً في محاسبة النفس في هذا الأمر، فبعضهم كان كلما عمل غيبة وضع حجراً في الغرفة، يقول: ولو أني فعلت ذلك لامتلأت الغرفة من الحجارة. ولا مانع أننا نحاول أن نطبق هذا الكلام كنوع من التأديب العملي حتى نعطي الأمور حجمها الحقيقي، فالأمر خطير جداً؛ فتخيل أنك تحاسب لسانك على كل كلمة قلتها كان ينبغي ألا تقولها، وكلما زللت وضعت طوبة في الغرفة، وبقيت هكذا لمدة أسبوع أو أيام قليلة، فستجد أننا نتساهل في أمر هو في غاية الخطورة. وعن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا أصبح ابن آدم فإن الأعضاء كلها تكفر اللسان)، يعني: تذل وتخضع، ومنه التكفير في الصلاة، والتكفير: هو وضع اليدين على الصدر عند النحر؛ لأنها علامة التذلل، فمن أراد أن يتذلل غاية التذلل فليعمل هكذا، فكل الأعضاء كما يقول الصادق المصدوق في كل صباح تخضع وتتذلل للسان كأنها تتحايل على اللسان: (وتقول: اتق الله فينا فإنما نحن بك؛ فإن استقمت استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا) ولذلك يستدل على استقامة الرجل باستقامة لسانه، فانظر إلى لسانه؛ فإذا كان يتحكم في لسانه فمعناه أن كل أحواله جيدة، وكل أحواله مستقيمة غالباً. وعن أبي بكر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : (ليس شيء من الجسد إلا يشكو ذرب اللسان على حدته) يعني: حدة اللسان.

стр. 131

الخلوة والاختلاط من مقاصد الشريعة الإسلامية الغراء صيانة الأعراض ليصلح المجتمع وتنتظم الحياة، ولئلا تنحط الحياة البشرية إلى الحياة البهيمية، فتختلط فيها الأنساب، وتدخل الرذيلة عليها من كل باب، وفي سبيل تحقيق هذا المقصد حرم الله الزنا، وسد كل الطرق المفضية إليه، ووضع بين الرجال والنساء أسلاكاً شائكة من تجنبها سلم وغنم، ومن تعداها عطب وأثم، ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون.

стр. 132

الاحتياطات التي شرعها الإسلام لسد ذرائع الفتنة بالمرأة الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم! صل على محمد النبي وأزواجه أمهات المؤمنين وذريته وأهل بيته كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. كلامنا يدور حول قضية فتنة المرأة واحتياطات الإسلام إزاءها؛ إذ أول معالم الفتنة في بني إسرائيل كانت بالنساء، وهناك احتياطات شرعها الإسلام لسد ذرائع الفتنة بالمرأة، وينبغي أن يعلم أن حفظ العرض من المقاصد العليا للشريعة الإسلامية، والشريعة تسير في اتجاهين لمنع وقوع الفاحشة، فهناك إجراءات وقائية وهناك إجراءات علاجية. أما الإجراءات الوقائية فهي تحريم الزنا وبيان أنه خراب للدنيا وللدين، وهناك جملة من الآيات والأحاديث والآثار في الحث على العفة والتحذير من الفاحشة وبيان عاقبتها الوخيمة في الدنيا والآخرة. وأعظم الإجراءات التي شرعها الإسلام لحماية المسلمين من هذه الفتنة هو الاجتهاد في إصلاح القلب؛ فإن ذلك هو أعظم رادع عن المعاصي. ومن هذه الإجراءات منع الزواج ممن عرف -أو عرفت بالفاحشة- إذا لم يتب، فلا يجوز نكاح الزانية أو الزاني، كما قال ﵎: ﴿الزَّانِي لا يَنكِحُ إلاَّ زَانِيَةً﴾ [النور:٣] يعني: فاسقة مثله ﴿أَوْ مُشْرِكَةً﴾ [النور:٣] لا تعتقد تحريم هذا الفعل أصلاً، أو العكس كما في الآية الكريمة، إذاً هذا يدل على أن الكفاءة في العفة شرط في الزواج، الكفاءة في العفة أن تكون مثله، فلا يزوج العفيف من فاسقة، ولا يزوج الفاسق من امرأة صالحة عفيفة؛ لعدم وجود التكافؤ، قال تعالى: ﴿الزَّانِي لا يَنكِحُ إلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ﴾ [النور:٣] يعني: فاسق مثلها مستهتر ﴿أَوْ مُشْرِكٌ﴾ [النور:٣] يعتقد تحريم ذلك، ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٣] أما أهل الإيمان فإنه يحرم على المؤمن أن يتزوج زانية، وكذلك بالنسبة للمؤمنة.

стр. 133

تحريم البذاءة وفحش القول وسوء الظن بالمسلمين وقذفهم إن من تلك الإجراءات: تحريم البذاءة والفحش من القول، ومنها تحريم سوء الظن بالمسلم، ووجوب حسن الظن بالمسلمين، خاصة إذا سمع الإنسان أحداً يقذف أحداً في عرضه، فيجب على الذي يستمع وجوباً مؤكداً بالقرآن الكريم أن يقول له: إذا لم تأت بأربعة شهداء فأنت عند الله من الكاذبين، أنت عند الله كاذب. فلا ينبغي أبداً للمسلم الذي يخشى الله في أي مجلس وفي أي ظرف أن يتكلم بكلمة واحدة أو حرفاً في المشاركة أو الإقرار في قذف عرض أي مسلم معصوم، إلا إذا كان هناك أربعة شهود وتحققت شروط هذه الشهادة، وإلا فيجب عليك أن تقطع كلامه وأن تواجهه وأن لا تستحي منه، بل تجهر بقول الله تعالى: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمْ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور:١٣] قل له: أنت كاذب مهما ادعيت صدقك حتى لو كان هذا الشخص من أعدل الناس عندك، متى ما تجرأ على الخوض في أعراض الناس وليس معه الشهود الشرعيون فإنك تقول له: أنت كاذب بنص القرآن (فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمْ الْكَاذِبُونَ). والعلماء ذكروا أنه لو شهد أربعة رجال على الفاحشة بكل شروطها المطلوبة شرعاً، ثم حينما أتى بهم القاضي أو الحاكم واستشهدهم فشهد ثلاثة شهادة قاطعة ومؤكدة، والرابع تلعثم فإن الأربعة يقام عليهم الحد بالقذف، أي: لو أن ثلاثة شهدوا لا يجوز لهم أن يتكلموا، وإذا تكلموا فإنه يقام عليهم حد القذف، فالأربعة إذا شهدوا وواحد منهم تلعثم وتردد ولم يجزم بالشهادة المطلوبة فالجميع يقام عليهم الحد؛ لأن أمر الأعراض -كما ذكرنا- ليس بالأمر الهين، فينبغي أن تعلم خطورة القذف أو الطعن في عرض المعصوم وكيف تكون آثاره متعدية تتوقف لا على المرأة ولا على الرجل، بل تتعدى إلى العائلة كلها، وإلى كل من يمد لهم بقرابة، فمثل هذا الأذى ومثل هذا العدوان شرع الله فيه مثل هذه الإجراءات الصارمة لحفظ كرامة المرأة والرجل، ومن هذه الإجراءات تحريم قذف المؤمن أو المؤمنة بالفاحشة، وتشريع العقوبة الزاجرة لمن يفعل ذلك.

стр. 134

تحريم إشاعة الفاحشة في البلاد والعباد إن الإسلام حرم مجرد حب إشاعة الفاحشة في البلاد والعباد، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ [النور:١٩] إلى آخر الآية، فمجرد حب إشاعة الفاحشة هذا من الجرائم ومن العدوان والانتهاك لحدود الله ﵎، ومن إشاعة الفاحشة الحكايات الكثيرة أو الحوادث التي تهون على القلوب أن تسمع مثل هذه المعاصي، فتتعود القلوب على سماعها، وهذه أول خطوة في الاقتراب من حدود الله وتعديها فيما بعد، فإذاً حرم الإسلام مجرد حب إشاعة الفاحشة فكيف بمن يشيعها بالفعل؟! مثل هذه الجرائد التي يقوم عليها أناس لا خلاق لهم، والتي يجردونها لإشاعة الفاحشة في الذين آمنوا عن طريق سرد هذه الحكايات ونشرها على الملأ، فهذا يحرم حكايته، ولا يجوز أن تحكي ولا تسمح لأحد أن يحكي لك، حتى لو كانت الإشاعة قد وقعت بالفعل لا تتكلم، ولا تسمعها رعاية لقلبك وحماية لقلبك؛ لأنك إذا عودت قلبك أن يسمعها فينتهي هذا الحاجز بينك وبينها، وبالتالي تكون أقرب إلى الوقوع فيها أو إلى التهوين من شأنها.

стр. 135

تحريم غياب الرجل عن زوجته مدة طويلة ومن تلك الإجراءات أن الشريعة الحنيفية حرمت على الرجل أن يغيب عن زوجته مدة طويلة، فأصوب الأقوال في تقديرها هي مدة الإيلاء ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٢٦ - ٢٢٧].

стр. 136

فرض الحجاب على النساء ومن أعظم التدابير الوقائية في هذا الباب فرض الحجاب على النساء، فالحجاب فريضة على النساء المسلمات، واعتبار قرارهن في البيوت هو الأصل الأصيل في دائرة عملهن، كما قال ﵊ (والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها).

стр. 137

تحريم التبرج وإظهار الزينة وتشريع الاستئذان ومن تلك الإجراءات -أيضاً- تحريم التبرج وإظهار الزينة للفت نظر الأجانب، ونرجو -إن شاء الله- فيما بعد أن نفصل الكلام في هذا الموضوع، ومن هذه الإجراءات أيضاً تشريع الاستئذان؛ لأن الاستئذان شرع من أجل البصر، إنما جعل الاستئذان حتى لا تقع عين خائنة على عورة غافلة فيقع ما لا يحمد عقباه.

стр. 138

الأمر بغض البصر ومن تلك الإجراءات الأمر بغض البصر، فقد منح الله كل مسلم ساتراً وحاجباً طبيعياً يسدله على عينه إذا رأى مالا يحل له، والنظرة الأولى التي ستكون وليدة المفاجأة لا يؤاخذ الله تعالى عليها، وإذا وقعت نظرة فجأة فعلى المسلم أن لا يعقبها بأخرى، بل عليه أن يحول بصره إلى الأرض أو إلى جهة أخرى؛ لقول النبي ﷺ (يا علي لا تتبع النظرة النظرة؛ فإن لك الأولى وليست لك الآخرة) فقوله (لك الأولى) يعني نظرة الفجأة التي تقع بدون قصد، أما إذا كانت عن قصد فتحرم الأولى وتحرم الثانية، وتحرم الآخرة إذا كانت بقصد، أما المعفو عنها فهي التي جاءت فجأة.

стр. 139

تحريم مس المرأة الأجنبية ومصافحتها ومن تلك الإجراءات أيضاً تحريم مس الأجنبية ومصافحتها، فإن الإسلام يطارد الحرام أنى وجد، ويترقب المنكر حيثما كان ليقضي عليه، فلمس المرأة باليد يحرك كوامن النفس ويفتح أبواب الفساد ويسهل مهمة الشيطان، والحواس التي خلقها الله في الإنسان خمس، فكل شيء من البدن مخلوق لأجل أداء وظيفة محددة، العين للنظر، والأنف للشم، والبشرة للمس، فهذه الوظيفة لا ينكرها عاقل، فمس المرأة الأجنبية مما يفتح ذريعة الفساد، ولذلك توعد الرسول ﷺ من يفعل ذلك بعقوبة شديدة، فعن معقل بن يسار ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لأن يطعن في رأس أحدكم بمخيط من حديد خير له من أن يمس امرأة لا تحل له)، وإذا كان هذا في مجرد المس فقال: (أن يمس) حتى لو كان بغير شهوة فما بالك بما فوق هذا النوع من المس؟! وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : (كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا يدرك ذلك لا محالة، العينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد زناها البطش، والرجل زناها الخطا، والقلب يهوى ويتمنى، ويصدق ذلك الفرج ويكذبه)، فالمقصود بالحديث أن من الناس من يكون إتيانه لهذا الأمر المحرم إتياناً حقيقياً بفعل الفاحشة الكبرى، ومنها ما يكون -كما قال الإمام النووي - مجازياً دون ذلك، لكن أطلق عليه هذا اللفظ تنفيراً منه، (فالعينان زناهما النظر) بأن ينظر الإنسان إلى ما حرم الله ﵎، وما أوفر حظ الذين يجلسون أمام الفيديو والتلفاز وهذه الأشياء ينظرون إلى ما حرم الله ﵎، والنظر للأجنبية في حد ذاته بشهوة لا شك أنه داخل في زنا العين. (والأذنان زناهما الاستماع) الكلام الفاحش والماجن، (واللسان زناه الكلام، واليد زناها البطش) البطش معناه: اللمس (والرجل زناها الخطا، والقلب يهوى ويتمنى، ويصدق ذلك الفرج ويكذبه) فيكون زناً حقيقياً إذا وقعت الفاحشة. الشاهد في الحديث هو قول النبي ﵌: (واليد زناها البطش)، والبطش هو المس باليد، بأن يمس امرأة أجنبية بيده، أما من تساهل في مصافحة النساء واحتج بطهارة قلبه فيقول: أنا قلبي طاهر، ونيتي سليمة فنقول: الإسلام لم يكل الناس إلى نواياهم الحسنة ولا إلى ضمائرهم، وإنما شرع من الإجراءات الصارمة ما يحسم باب الفتنة حتى لا يصير الأمر محتملاً، فلذلك لا تقبل دعوى طهارة القلب وسلامة النية، مع أن الظاهر يخالف ذلك، لا تقبل دعوى من ادعى أن قلبه سليم وقلبه طاهر ويدعي أنه لا يتأثر بذلك، فمن فعل مثل هذا فإنه ينادي على نفسه بنقص الرجولة، وهو كذاب في دعواه طهارة قلبه وسلامة نيته، وأقوى دليل على كذبه في هذه الدعوى أن أطهر ولد آدم ﷺ وأخوفهم لله وأرعاهم لحدود الله يقول وهو المعصوم ﵌: (لا أمس أيدي النساء) ويقول (إني لا أصافح النساء)، ويمتنع من ذلك حتى في وقت البيعة الذي يقتضي عادة المصافحة، فكيف يباح لغيره من الرجال مصافحة النساء، مع أن الشهوة فيهم غالبة، والفتنة غير مأمونة، والشيطان يجري منهم مجرى الدم، كيف وقد قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ [الأحزاب:٢١]؟! وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (وما مست يد رسول الله ﷺ يد امرأة إلا امرأة يملكها) أي: يملك نكاحها. فلا ينبغي الالتفات بعد ذلك إلى بعض الناس الذين يتساهلون في هذا الباب انصياعاً أمام الضغوط الاجتماعية الواقعة من الناس، لأن بعض الناس يتساهل جداً في هذا الأمر ويحاول أن يتنصل من هذا الحكم الشرعي بحجج واهية ساقطة لا تحتاج إلى أن نبذل جهداً ووقتاً في إسقاطها، وبعض الناس قد يتهاونون بهذا الحكم بزعم أنهم يستحيون من إحراج من تمد يدها للمصافحة، غافلين عن أن هذا ليس حياء؛ لأن الحياء خير كله، والذي يأتي بالشر لا يمكن أن يكون خيراً، فإنه لا يأتي الخير إلا بالخير، فالحياء الذي يحبه الله هو الحياء الشرعي الذي يمنع من الحرام، فالحياء الشرعي في هذا الموضع هو حياؤك من الله، أن تستحي من الله أن تمد يدك إلى امرأة أجنبية فتصافحها، أما إذا دفعك حياؤك من الناس أو من هذه المرأة إلى أن تمد يدك وتصافحها فإنك استحييت من الخلق وضيعت الحياء منه ﵎، فهذا يسمى عجزاً وليس حياءً، هذا عجز وتهاون وخذلان وليس حياءً، يقول الإمام القرطبي رحمه الله تعالى: وقد كان المصطفى ﷺ يأخذ نفسه بالحياء ويأمر به ويحث عليه، ومع ذلك فلا يمنعه الحياء من حق يقوله، أو أمر ديني يفعله، تمسكاً بقوله : ﴿وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ [الأحزاب:٥٣]، فهذا هو نهاية الحياء. يعني: كان ﵌ أشد حياء من العذراء في خدرها، فنهاية الحياء أن لا يستحي الإنسان من الحق، فهذا نهاية الحياء وكماله وحسنه واعتداله، فإن من غلب عليه الحياء حتى منعه من الحق فقد ترك الحياء من الخالق واستحيا من الخلق، ومن كان هكذا حرم منافع الحياء واتصف بالنفاق والرياء، والحياء من الله هو الأصل والأساس؛ فإن الله أحق أن يستحيا منه.

стр. 140

تحريم الخلوة بالأجنبية ومن تلك الإجراءات المقصود منها حماية المرأة وحماية الرجل -أيضاً- من الافتتان بها تحريم الخلوة بالأجنبية، وحقيقة الخلوة: أن ينفرد رجل بامرأة أجنبية في غيبة عن أعين الناس. فالخلوة بالأجنبية بلا شك من أعظم الذرائع، وأقرب الطرق إلى اقتراف الفاحشة الكبرى، وقد صرح القرطبي رحمه الله تعالى بأن الخلوة بغير محرم من الكبائر، خلوة الرجل بالمرأة بغير محرم هي من كبائر الذنوب، وبعض الناس لا يفهم ولا يريد أن يفهم، ويقول: قلبي سليم ونيتي حسنة! كل هذا الكلام الذي ما حدثت جريمة إلا وكانت هذه مقدماتها، فدائماً تكون مقدمة هذه الجرائم مثل هذا الكلام الذي لا ينطلي على الإنسان الذي يفقه عن الله أمره، فيقول: نيتي سليمة، وهذه مثل أختي، وهذه مثل أمي إلى آخر هذا الكلام، فهو يتصور أن المحرم هو فعل الفاحشة، أما الخلوة فليس فيها مشكلة لأن قلبه سليم ونيته سليمة، والله قال في القرآن الكريم: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤]، فالله أعلم بنا من أنفسنا وهو اللطيف الخبير، شريعته ما جاءت للتعنيف ولا للمشقة، وإنما أتت رحمة بنا، وحماية لنا وصيانة لأعراضنا، فالله أعلم بمن خلق، وقوله: (من خلق) تعم الإنسان الرجل والمرأة، وتعم أيضاً الشيطان، فالله أخبرنا على لسان رسوله ﵌ (أنه ما اجتمع رجل بامرأة) يعني بغير محرم (إلا كان ثالثهما الشيطان) فهذا خبر الله وهذا خبر رسول الله ﷺ ، وصدق الله وصدق رسوله، وكذب المنافقون الذين يجادلون في الحق بعدما تبين، يقول مجاهد: فالخلوة بغير محرم من الكبائر وهو أيضاً من أفعال الجاهلية، كما صرح بذلك العلماء، قال مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ [الممتحنة:١٢] قال: لا تخلو المرأة بالرجال. وقال عبد الرحمن بن زيد: لا تخلو برجل غير ذي محرم، ولا تسافر إلا مع ذي محرم. والحقيقة أن الإنسان العاقل -لا الذي أصاب عقله ضعف وخور -هو الذي يدرك هذه الأشياء، فهي إجراءات في منتهى المنطقية ومعقولة، والإنسان العاقل نفسه يدركها ببساطة وبسلاسة، ونلاحظ -مثلاً- أن تقسيم الناس بالنسبة للمرأة أو بالنسبة للرجل إلى محارم وأجانب تقسيم منطقي جداً، والمقصود -كما قلنا- هو حماية الأعراض، حماية المرأة من فتنة الرجال، وحماية الرجال من فتنهن، وفي نفس الوقت فإن هذا التقسيم يترتب عليه أحكام فطرية، فالخلوة والنظر والسفر إنما تحرم بالنسبة للأجنبية، ولكن تباح الخلوة لمن يباح له أن يستحلها وهو الزوج، أو لمن هو مأمون عليه من المحارم كأخيها وأبيها وابنها، فهؤلاء جميعاً يؤمنون على المرأة، يودع الله في قلوبهم ما ينفرهم عن التطلع إلى النساء ذوات المحارم، ولذلك يباح للمرأة أن تتزين لزوجها، ويمكن أن تظهر زينتها العادية في ثياب المهنة -مثلاً- أمام أخيها أو أمام أبيها؛ لأنهم محارم ويؤتمنون عليها، لكن منعت من إظهار ذلك أمام الأجنبي لأنه لا يؤتمن عليها، وقد تترقى الأمور خطوة خطوة إلى أن يقع ما حرم الله ، فهذا الكلام يقبله الإنسان العاقل، ولا يعارضه إلا الإنسان الذي في قلبه مرض والعياذ بالله، الذين عندهم مرض وفساد في القلوب وضعف في العقول هم الذين يجادلون في الحق بعدما تبين، فهذا كلام منطقي، وأي إنسان عاقل حتى لو كان غير مسلم يستسيغه إذا كان المفروض حماية المرأة وإذا كان العِرض له قيمة عنده، أما من كان عنده العرض ليس له قيمة فمن الطبيعي أن يحصل عنده ما يحصل في المجتمعات الغربية وفيمن اقتفوا واقتدوا بهم من الفساد وضعف الغيرة والتحلل وانعدام الحياء، وغير ذلك من شيوع الفواحش فيما بين هؤلاء الناس؛ لأن العرض ليس له عندهم أي قيمة على الإطلاق، ولا يعرفون أصلاً كلمة العرض ولا الشرف، بل عندهم البنت إذا وصلت سن الثامنة عشرة ولم تتخذ لها خليلاً تعيش معه كالأزواج تعرض على الطبيب النفساني، والولد إذا لم يفعل نفس الشيء في نفس السن أو قبل ذلك بقليل فإن أصدقاءه يعيرونه ويتهمونه بصفات مضادة للرجولة؛ لأنه لم يتخذ خليلة! فأمثال هؤلاء ينبغي أن نضعهم في الموضع اللائق بهم، فلا نقول: إنهم كالأنعام بل هم أضل سبيلاً كما وصفهم الله ﵎، لا أن نفتتن بهم وأن نجعلهم القدوة ونرتضيهم قدوة بدلاً من سلفنا الصالح الذين هم خير قدوة رحمهم الله تعالى أجمعين. خلوة الرجل بالمرأة الأجنبية مدرجة الهلاك، فينبغي في هذا الباب أن لا يأمن الإنسان على نفسه ولا من نفسه، بل الإنسان كما قال بعض السلف: من أعطى من نفسه أسباب الفتنة أولاً لم ينج آخراً، وإن كان جاهداً، فالشيطان -كما ذكرنا- لا يأتيك مباشرة ويأمرك بالحرام، لكنه يستدرجك خطوة بعد خطوة ويستنزلك درجة بعد درجة إلى أن يهون عندك ما كنت تستفظع إتيانه أو فعله، ولذلك قال تعالى: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [البقرة:١٦٨]، وقال ﵎: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة:١٨٧]، وقال أيضاً: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزنا﴾ [الإسراء:٣٢]، وإنما قال: (تقربوا) لأنه عبارة عن خطوات، فالزنا حرام وكل ما أدى إليه حرام كما سنشرح ذلك بالتفصيل، فالإنسان عليه أن يتصرف في هذا الباب كأن سبعاً ضارياً كامن في داخله، وإنه إذا أتى شيئاً من هذه المحرمات فإن هذا السبع يخرج ويهلكه ويوقعه فيما حرم الله ﵎، ولذلك فإن خلوة الرجل بالمرأة الأجنبية مدعاة للهلاك ومدرجة للإثم والفجور، وكيف لا يكون كذلك والفرصة سانحة وقد تركت الخلوة لهذه الأمور أن تستيقظ، فأي فعل من الأفعال يمر بمراحل عدة، أولها: مرحلة النزوع أو الرغبة أو الميل إلى الفعل، ثم مرحلة الوجدان أن يجد الشخص ويعزم على الفعل، ثم تأتي المرحلة الأخيرة وهي مرحلة التنفيذ، وهذا الباب هو الذي نتكلم فيه باب الافتتان بهذه الشهوة، فهناك طبيعة في هذا الكائن البشري، أن الإنسان إذا اتقدت نار الشهوة واستيقظ فيه الحيوان فإنه يندفع إلى الفعل إن لم تحجزه التقوى والخوف من الله ، فمن ثم رأينا القرآن الكريم ينهى عن الاقتراب من أسباب الزنا فيعالج هذه الجريمة الخلقية بحجز النفس عن أسبابها، يقول ﵎: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزنا﴾ [الإسراء:٣٢] بينما نلاحظ أن هذا فعلاً هو دين الفطرة، فالله لم ينهنا في آية أو في حديث عن أكل الطين أو الرمل -مثلاً- أو شرب البول؛ لأن في فطرتنا نفوراً من هذه الأشياء، فلذلك الشرع ما تعرض لهذا واكتفى بوجود النفور، فالخطر من تعاطي مثل هذه الأشياء لم يتعرض له أصلاً بنهي، كذلك لما نهانا عن القتل ما قال: ولا تقربوا القتل. وإنما قال: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام:١٥١] مع أن القتل جريمة بشعة والقتل من أعظم الكبائر والجرائم بعد الشرك بالله ، لكن النفس بطبيعتها تأبى القتل وتنكره، فلذلك أتى النهي عن الفعل مباشرة فقال تعالى: (ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق) أما في هذا الوزر خاصة فإن الله قال فيه: (ولا تقربوا) فينبغي للأخوة في حوارهم مع الناس أن ينبهوا لهذا الأمر، كحكاية: (إن قلبي سليم) و (نيتي سليمة) و (قلبي طاهر وما يؤذي أحد) كل هذا الكلام لأن الإنسان لا يستحضر أن مجرد الخلوة معصية، حتى لو وجد رجل وامرأة في مكان في خلوة ولم يخطر ببال أي منهما أي شيء فقد ارتكبا الوزر وسجلت ودونت المعصية في حقهما؛ لأن الخلوة في ذاتها حرام، وليست حراماً فقط إذا أدت إلى الفاحشة، لكن الخلوة لذاتها حرام، والحكمة من تحريمها أنها ذريعة للفاحشة وذريعة إلى القيل والقال والطعن في الأعراض، ولذلك قال تعالى: (ولا تقربوا الزنا) فهذا كله يرينا إلى أي حد يسد الإسلام على هذه الجريمة كل من منفذ، ويحجب النفس عن أسبابها، وقد نهى رسول الله ﷺ عن الخلوة بالأجنبية وشدد في ذلك، فالإسلام جعل بين الرجال وبين النساء الأجانب أسلاكاً شائكة، وهذه الأسلاك الشائكة كي تحجب الأجانب من الرجال عن النساء وقاية للطرفين من هذه الفتنة، وتأكد أنك إذا تتبعت خطوات ومراحل أي قصة في جريدة حصل فيها انتهاك للعرض أو العدوان عليه أو الوقوع في هذه الفاحشة -والعياذ بالله-، إذا تتبعت القصة من أولها ستجد أن البداية كانت ثغرة في الأسلاك الشائكة، ثغرة بسيطة في الأسلاك الشائكة مر وعبر من خلالها الشيطان وتسبب في وقوع هذا الفحش، فالبداية تكون في أن الله أمره من ضمن الأسلاك الشائكة بغض البصر، فلم يمتثل أمر الله وأطلق بصره، فوقع في العشق -مثلاً- وما يتلوه من ترك الدين والدنيا، أمره الله بأن لا يمس أجنبية فصافح المرأة الأجنبية وتلا ذلك ما تلاه من الحرام، نهاه عن الدخول عن المغيبة التي غاب زوجها، نهاه عن الخلوة بالمرأة وعن السفر معها، أو نهى عن سفر المرأة وحدها، فتجد أن هذه الأسلاك الشائكة حصل فيها ثغرة، ومن خلالها نفذ الشيطان فأوقع العباد في حبائله، فإذاً هذا كله يتطرق مع الحكمة العظيمة في صيانة الأعراض، يقول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما سمعت النبي ﷺ يخطب يقول: (لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم)، ومنها حديث عامر بن ربيعة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (ألا لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالهما الشيطان) وهذا يعم جميع الرجال (ألا لا يخلون رجل) يعني: أي رجل (بامرأة) أي امرأة، فالحديث يعم جميع الرجال ولو كانوا صالحين ومن أولياء الله، أو مسنين شيوخاً هرمين فهم فيدخلون في الحديث؛ لأن الحديث قال: (لا يخلون رجل بامرأة) سواء أكانوا رجالاً صالحين أم مسنين، أو كانت النساء صالحات أو عجائز، ومنها حديث جابر رضي الله تعالى عنه أن الن

стр. 141

تحريم سفر المرأة بدون محرم ومن تلك الإجراءات أن الإسلام حرم سفر المرأة بغير محرم، وبعض النساء حينما نتكلم في هذا تظن أن هذا نوع من التشديد أو التعسير عليهن، ولا يدركن أن هذا من رحمة الله بهن كما سنبين؛ لأن المرأة مظنة الشهوة والطمع، والمرأة لا تكاد تقي نفسها لضعفها ونقصها، ولا يغار عليها مثل محارمها، لا يغار على المرأة غيرة حقيقية أبداً أحد مثل محرمها كزوجها أو أخيها أو ابنها، الذين يرون أن النيل منها نيل من شرفهم وعرضهم، وسفرها بدون محرم يعرضها إلى الخلوة بالرجال ومحادثتهم، وقد يقع فيها من في قلبه مرض، وربما سهل خداع المرأة، وربما يعتريها مرض، وإذا سلمت من كل هذا فلن تسلم من القيل والقال إذا سافرت بدون محرم يصونها ويرعاها فمن أجل ذلك كله حرم الإسلام عليها أن تسافر بغير محرم يصحبها ويحميها، عن عبد الله بن عباس ﵄: أنه سمع النبي ﷺ يخطب ويقول: (لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم) (لا تسافر) فهنا أطلق السفر ولم يقيده بمدة ولا بزمن، وهذا هو الصحيح أن السفر هو كل ما أطلق عليه لفظ السفر فإنه يتناوله هذا الحديث، يقول الإمام النووي رحمه الله تعالى: كل ما يسمى سفراً تنهى عنه المرأة بغير زوج أو محرم، سواء كان ذلك في ثلاثة أيام أو يومين أو يوماً أو بريداً أو غير ذلك. وفي رواية ابن عباس رضي الله تعالى عنهما المطلقة: (لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم) وهذا يتناول جميع ما يسمى سفراً، وقال الحافظ ﵀: قد عمل أكثر العلماء في هذا الباب بالمطلق لاختلاف التقييدات. أي: الروايات التي فيها تقييد مختلفة ومتفاوتة، فالمخرج من هذا كله أن يقال: السفر مطلقاً. عن عبد الله بن عباس ﵄ أنه سمع النبي ﷺ يخطب يقول: (لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم. ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم، فقام رجل فقال: يا رسول الله! إن امرأتي خرجت حاجة، وإني اكتتب في غزوة كذا وكذا، قال: انطلق فحج مع امرأتك)، فأمره أن يترك الجهاد وينطلق كي يصحب امرأته في الحج، وقال القاضي أبو بكر ابن العربي رحمه الله تعالى (النساء لحم على وضم) والوضم: ما وقيت به به اللحم عن الأرض من خشب أو حصير يعني الشيء مثل السفرة على الأرض تضع عليه اللحم كي تحمي اللحم أن ينتقل عليه التراب مثلاً، سواء قطعة خشبة أو قطعة حصير، فهذا هو الوضم، فمعنى قول الإمام ابن العربي: (النساء لحم على وضم إلا ما ذُبَّ عنه) أن اللحم إذا تركته على وضم فإن الذباب يجتمع عليه ويلوثه ويفسده، إذا تركت اللحم على الوضم دون أن تدفع عنه الذباب أو تغطيه بشيء فإنه سيأوي إليه الذباب ويفسده، فهكذا أيضاً (النساء لحم على وضم إلا ما ذب عنه)، فيقف معها أبوها أو ابنها أو زوجها أو أخوها يذب عنها هذه الذئاب البشرية وهؤلاء الذباب ويحميها من هؤلاء، كما يقول الشاعر: تعدو الذئاب على من لا كلاب له وتتقي مربض المستأسد الحامي لأن أمثال هؤلاء الذئاب من البشر أو الكلاب من البشر إذا رأوا المرأة معها من يحميها فإنهم لا يجرءون عن أن يقتربوا منها. تعدو الذئاب على من لا كلاب له. الكلاب التي تستعمل الحراسة، يعني عدم وجود الحرس. وتتقي مربض المستأسد الحامي. أي: الذي يقف كالأسد يحمي عرضه. يقول ابن العربي: كل أحد يشتهيهن وهن لا مدفع عندهن، بل ربما كان الأمر إلى التخلي والاسترسال أقرب من الاعتصام، فحد الله عليهن بالحجاب وقطع الكلام وحرم السلام، وباعد الأشباح إلا مع من يستبيحها وهو الزوج، أو يمنع منها وهم أولو المحرمية، ولما لم يكن ذلك من تصرفهن جعل الأصل قرارها في البيت، فلما لم يجد مفراً من أن يخرجن لقضاء حاجتهن أذن لهن فيه بشرط صحبة من يحميهن، وذلك في مكان المخالفة وهو السفر مقر الخلوة ومعدن الوحدة). السفر غالباً يكون فيه وحدة ويكون فيه خلوة، فإذا تركت وحدها تتعرض لما لا تطيق، وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: المرأة مظنة الطمع فيها ومظنة الشهوة ولو كبيرة. أي: حتى لو كانت امرأة كبيرة؛ فإن السفلة والسقطة من الناس لا يرتدعون حتى عن الكبيرة، كما يقول الشاعر: ولكل ساقطة في الحي لاقطة وكل كاسدة يوماً لها سوق فيقول النووي: قد قالوا: (لكل ساقطة لاقطة) ويجتمع في الأسفار من سفهاء الناس وسقطتهم من لا يترفع عن الفاحشة بالعجوز وغيرها لغلبة شهوته وقلة دينه ومروءته وحيائه. فتباً لهؤلاء الذين يطلقون لبناتهم ولنسائهم العنان يسافرن دون محرم، ويجعلون من علامات المرأة المتحررة المتنورة أنها تسافر دون محرم! وأنها الآن تجهر وتفخر بأنها تسافر بدون محرم، ويخلون برجال أجانب مدعين أن الظروف تغيرت، وأن المرأة اكتسبت من التعليم ومن الحرية ما يجعلها موضع ثقة أبيها وزوجها، ما هذا إلا فكر خبيث دس إلينا ليفسد حياتنا، وما هي إلا حجج واهية ينطق بها الشيطان على ألسنة هؤلاء الذين انعدمت عندهم غيرة الرجولة والشهامة، فضلاً عن كرامة المسلم ونخوته، يقول فضيلة الدكتور الصباغ حفظه الله تعالى: ومثل الذين يتهاونون في الخلوة والاختلاط الآثم بدعوى أنهم ربوا على الاستجابة بنداء الفضيلة ورعاية الخلق مثل قوم وضعوا كمية من البارود بجانب نار متوقدة، ثم ادعوا أن الانفجار لا يكون؛ لأننا كتبنا ورقة وضعناها فوق البارود تحذيراً من الاشتعال والإحراق!! هل هذه الورقة يكون لها قيمة؟! النار موجودة بجانب البنزين أو البارود، ويقول: إن المانع من الانفجار هو هذه الورقة. يعني أن هذه حجة واهية مثل هذه الورقة التي لا قيمة لها؛ لأنه متى ما اقترب البنزين من النار فالنتيجة معروفة في الغالب، فهذا خيال بعيد عن الواقع، ومغالطة للنفس وطبيعة الحياة وأحداثها، أنه متى حصل تسيب وتهاون في نظام الأسلاك الشائكة بين الرجال والنساء فالنتيجة معروفة. ونحن إذا كنا نتكلم من خمسين سنة عندما كانت دعوة تحرير المرأة ونشر هذا الفساد في بلاد المسلمين ما زالت قائمة، وعندما خضنا التجربة كان يمكن أن الكلام فعلاً يحتمل، ولذلك خدع به كثير من الناس، لكن الآن المفروض أن القضية ليست محل خلاف في أن هذا من أفسد المناهج، أي: الاختلاط والإباحية التي إلى الآن نرى ثمرتها، وسنحاول أن نتكلم فيما بعد عن ذلك بالتفصيل إن شاء الله. فالموضوع أخذ باستدراج، ففي البداية كانت المعركة حول كشف وجه المرأة، وزجوا ببعض الشيوخ في المعركة، وجعل يقول: الشرع يبيح كشف وجه المرأة، وهؤلاء الناس متزمتون أو متشددون، ويحرفون الآيات عن مواضعها. وينحرفون في تفسير نصوص الشريعة إلى أن ينصروا هذا المذهب المرجوح القائل بإباحة كشف وجه المرأة، ثم إذا فرغوا من ذلك ترقوا إلى خطوة أخرى، إلى الآن وصل الأمر إلى ما نحن عليه الآن، فالآن المفروض أن كل شيء انكشف، وأن كل سوءات منهج تحرير المرأة ومناهج الإباحية الآن صارت تجربة خضناها وصار عندنا رصيد من الحقائق المريرة نعيشها ونحياها، فالكل منا يجد ثمرات مرة لتحرير المرأة ويراها في الطرقات وفي المواصلات وفي المرافق وفي الوظائف وفي الجامعات وفي المدارس وفي الهيئات، في كل مكان في بلادنا نرى الثمرات المريرة لا المرأة نضجت ولا المرأة حصلت خيراً، بل المرأة الآن عادت تحلم من جديد بأن تستقر في بيتها وتعود إلى مملكتها، فكل هذا الكلام مغالطات خطابية، فقط يقال للتغرير بالنفس، والمفروض أنه الآن انتهى دور الكلام الخطابي؛ لأن الواقع يقطع كل من يجادل في هذه الحقائق، فإننا ما ذقنا من هذا كله إلا الانحدار، وإذا لم يحصل وقوف لهذا التيار من الانحلال والفساد فالنهاية ستكون كما حصل في تركيا، حينما ثبتت على هذا الطريق الذي يُعلم جيداً أن من قطع الخطوات الأولى فيه لا بد أن تنتهي به إلى الإباحية المطلقة، وقد سمعت من بعض الناس أن البلاد الأوربية تخشى على فسادها من شبكات البث التركية من الفساد الذي فيها! فبعد ما كانت تبث النور لكل أوروبا ودخل الملايين من أهل أوروبا في الإسلام على يد الأتراك، إذا بهم يكيدون لنا حتى يجعلوها هي البؤرة لنشر الفساد في كل المنطقة، وهذا الشيء الوحيد الذي تفوق فيه الأتراك الآن في هذا الزمان إلا من رحم الله! هذا الفساد الذي يشيعونه في كل مكان حتى جعل بعض البلاد الأوربية تخشى على فسادها من فساد البرامج التركية والبث التلفزيوني التركي والعياذ بالله، فنفس الشيء إذا لم يحصل كبح لهذا الاتجاه ستمضي الأمور على سلمها، كل يوم يحصل تحطيم لشيء جديد من الرصيد الذي تبقى لدينا من القيم، فالأمور تتدهور، وهناك أناس لهم مصلحة في تحصين شباب المسلمين والمسلمات عن طريق الإنحلال، بعدما اجتهدوا في تحصينهم عن طريق الشبهات والطعن في الدين والأفكار البائسة كالعلمانية وغيرها، ثم الآن العمل ماض على قدم وساق لأجل تحصينهم بالانحلال خدمة لأغراض اليهود؛ لأن المطلوب من الأمة أن لا يصلح شبابها في المستقبل القريب لأي نوع من المقاومة حتى يستطيع اليهود أن يركبوهم كالحمير كما يقول اليهود، وهذا السر في أن اليهود دائماً يحاولون تحطيم جميع الأجيال بنشر الفواحش والمذاهب الهدامة حتى لا تقوى هذه الشعوب على المقاومة حينما يقوم من جديد ملك داود في بيت المقدس وتقوم مملكة داود، ويخرج إليهم المسيح الدجال كما ينتظرونه، ويسمونه المسيح المنتظر، فهدفهم كله تحطيم الأمم حتى لا يبقى عندها أي قدرة على المقاومة، ولا يكون عندها مبدأ، ولذلك نجد أن المخدرات تنتشر وهي سلاح أشد فتكاً من الأسلحة النووية على شباب المسلمين؛ لأن الإنسان إذا سقط صريعاً للإدمان انتهى ويشطب عليه، ولا يؤمل في أن يعالج فيما بعد إلا أن يشاء الله ، فالأمر جد خطير، وهي عبارة عن سلسلة متشابكة من المؤامرات لتحطيم مقومات القوة في أمة المسلمين وفي أمة التوحيد كي لا يبقى عندها أي قدرة على المقاومة إذا حضر السيد اليهودي.

стр. 142

تحريم خروج المرأة متطيبة متعطرة ومن تلك الإجراءات -أيضاً- تحريم خروج المرأة متطيبة متعطرة، فمن المعلوم أن من دواعي فتنة الرجل بالمرأة ونزوعه إليها ما يشم منها من الطيب الذي يفوح شذاه، فيجر إلى الفتنة ويكون رسولاً من نفس شريرة إلى نفوس أخرى شريرة، والإنسان يعجب من هذه المرأة التي تستيقظ في الصباح وتقضي ساعة -مثلاً- أمام المرآة تظهر الأصباغ والمساحيق، وتهتم بمظهرها أمام الرجال الأجانب أكثر مما تهتم بمظهرها أمام زوجها الذي تستطيع أن تتناول ثواب العبادة إذا تزينت له في البيت، فهذه تكون عبادة وتثاب عليها، وهي طاعة لله ؛ لأنها في موضعها المناسب، فمن الظلم أن تضع هذا التزين في غير موضعه، تخرج المرأة بهذه الزينة وتضع هذه الروائح والعطور لأجل أن تلفت إليها الأنظار! قرأت في أحد الكتب التي تتكلم عن التلفزيون ومفاسده، فيحكي أنه أذيع في أحد التلفزيونات أن امرأة تمر تفلة -يعني: ليس عليها طيب ولا روائح- والرجال واقفون يلتفتون إليها، ثم بعد ذلك تهتدي هذه المرأة لفكرة شيطانية، فتضع الطيب وتتضمخ بالطيب ثم تمر وإذا بالرجال جميعاً ينجذبون نحوها ويسيرون ورائها! وهذا الإعلام قد يكون صامتاً أو متكلماً، لكن أنظر إلى المعنى الذي يريدونه وإلى الهدف الحقيقي الذي هو نشر الفتنة بالمرأة عن طريق هذه الأشياء، فأي امرأة عندها بقية من كرامة كيف تقبل أنها تخرج هكذا وتعرض على الرجال بهذه الصورة وهي لا تأمن أن ينظروا إليها نظرة محرمة أو يشتهونها في أنفسهم، هل امرأة عندها كرامة؟! وهل عنده كرامة ذلك الزوج الذي يخرج يتأبط ذراع زوجه في الطريق، وقد كشفت عن محاسنها وتزينت وتلطخت بالبويات والألوان ووضعت الطيب وهو ماشٍ فخور بهذا العري وهذه الفضيحة؟! أولى لك أن تنكس رأسك في الوحل وفي الطين من أن تفتخر بأنك تعرضها للرجال؛ لأن النظر هو نوع من التمتع، والنظر إلى المرأة -خاصة إذا كانت في الزينة- هو نوع من الاستمتاع بها، فكيف يكون رجلاً؟! حتى إذا لم نقل: عنده دين. ولا: إنه متطرف ولا إرهابي فهو رجل، فكيف يقبل أن يشاركه الرجال فيها ويعرضها للناظرين هكذا بعد أن زينها في البيت، ثم تخرج إلى الرجال ويفخر بذلك؟! كما نرى ذلك في الأفراح ونرى ذلك في الطرقات، وكأننا لسنا من أمة المسلمين، وكأننا لا صلة لنا بهذا الدين ولا بهذا الرسول ولا بهذا القرآن! فالله المستعان. يقول النبي ﵌: (أيما امرأة استعطرت ثم خرجت فمرت على قوم ليجدوا ريحها فهي زانية وكل عين زانية) كل عين تنظر إليها فهي واقعة في هذا الإثم، ويقول ﷺ : (كل عين زانية، وإن المرأة إذا استعطرت فمرت بالمجلس فهي كذا وكذا) يعني: زانية. والعياذ بالله، وقال ﷺ : (إذا شهدت إحداكن المسجد فلا تمس طيباً) نهاها أن تمس الطيب إذا راحت إلى المسجد وهو مكان عبادة، فكيف إذا خرجت إلى السوق؟! وكيف إذا خرجت لغير ذلك من المرافق؟! وكيف تمر على مجالس الرجال بهذه الرائحة؟! ليس هذا من المنطق ومن العقل فضلاً عن أنه حكم الشرع، إنما يرفع الحرج عنها تماماً ما دامت أمام زوجها أو أمام محارمها بأن تضع الطيب أو تتزين أو ترفع الحجاب؛ لأن هؤلاء مأمونون، وأي إنسان عاقل يستسيغ هذا، ولا يمكن أن يعترض على هذا إلا من مسخت فطرته وانتكس إلى مرتبة أقل من مرتبة الخنازير والحيوانات والبهائم، هذا كلام منطقي جداً، حتى الذي ليس عنده دين يرى ذلك متوافقاً مع فطرته ومع عقله، فلا ضير على المرأة أن تستعطر في بيتها ولزوجها بشرط أن لا تغشى به مجالس الرجال؛ لأن الطيب من ألطف وسائل المخابرة والمراسلة، والحياء الإسلامي يبلغ من رقة الإحساس أن لا يحتمل حتى هذا العامل اللطيف الخفي، وقد خرجت امرأة في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه متطيبة فوجد ريحها، فعلاها بالدرة ثم قال: (تخرجن متطيبات فيجد الرجل ريحكن! وإنما قلوب الرجال عند أنوفهم، اخرجن تفلات) (تفلات) خاليات من الروائح.

стр. 143

تحريم الخضوع بالقول ومن تلك الإجراءات -أيضاً- تحريم الخضوع بالقول، فقد يكون صوت المرأة رخيماً يحرك النفوس المريضة، فيجرها إلى التفكير في المعصية أو يوقعها ويوقع بها في بلية العشق، يقول بشار: يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة والأذن تعشق قبل العين أحيانا فمن هنا نهيت المرأة عن مخاطبة الأجانب بكلام فيه ترخيم كما تخاطب زوجها، وأمرت أن تتحرى فوراً الصوت الجاد العاري عن أسباب الفتنة، ولم يخول لها الإسلام إذا ما راب شيء في الصلاة أن تسبح كالرجال؛ لأن الرجال قد يفتتنون بصوتها، بل عليها أن تصفق، وهي في الحج لا ترفع صوتها بالتلبية، ولا يشرع لها أن تؤذن للصلاة في المسجد، ولا أن تؤم الرجال، وقد سد الإسلام على المرأة كل سبيل للتسيب في هذا الباب حينما جعل أمهات المؤمنين محلاً للقدوة، فلم يبق هناك عذر لمعتذر، فإذا كانت أمهات المؤمنين اللائي هن أشرف نساء العالمين رضي الله تعالى عنهن أجمعين يقول الله تعالى لهن: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنْ النِّسَاءِ إِنْ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾ [الأحزاب:٣٢] مع أنهن أمهات المؤمنين في الحرمة وفي الاحترام، ومع ذلك نهاهن أن يخاطبن الرجال بخضوع بالقول فكيف بغير هن؟! وقال ﷺ : (والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام)، وفي رواية: (والأذن تزني وزناها السمع).

стр. 144

تحريم الاختلاط من أعظم وسائل الإسلام لتجفيف منابع الفتنة بالمرأة -وهو من أشد مظاهر الإسلام غربة الآن في مجتمعات المسلمين عامة- حظر الاختلاط، وحينما نقول: (الاختلاط) فإنما نقصد به اجتماع الرجل بالمرأة التي ليست بمحرم له اجتماعاً يؤدي إلى ريبة، أو يكون فيه تسهيل لوسائل الاتصال بينهما والتي قد تؤدي إلى هذه الريبة، أو كما قال بعض العلماء: هو اجتماع الرجال بالنساء غير المحارم في مكان واحد يمكنهم فيه الاتصال فيما بينهم بالنظر أو الإشارة أو الكلام أو البدن من غير حائل أو مانع يدفع الريبة والفساد. يعني: لو أن الرجال في الطريق العام والنساء كذلك ولا توجد وسيلة للاتصال أو الريبة فهذا لا يسمى اختلاطاً، إذا خرجت المرأة في الطريق تمشي على الرصيف -مثلاً- أو بعيداً عن الرجال فهذا ليس اختلاطاً، إنما الاختلاط الذي نتكلم عنه هو الذي يسهل حصول الريبة، ويسهل الاتصال بين الرجال الأجانب والنساء، فيقول ﵎ مخاطباً أمهات المؤمنين: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣]، فهذا إشارة إلى أرقى وأعلى درجات الحجاب، وهي القرار في البيت، ويقول تعالى أيضاً: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٣] (وإذا سألتموهن متاعاً) يعني: إذا سألتم -أيها المؤمنون- أمهات المؤمنين زوجات الرسول ﷺ متاعاً -فتوىً، أو ماعوناً، أو طعاماً، أو غير ذلك- (فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن)، فإذا كان الحجاب الكامل الذي يغطي جميع البدن أطهر لقلوب الصحابة وأطهر لقلوب أمهات المؤمنين فماذا نقول فيمن يأتي بعدهن؟ ومن الذي هو أشد حاجة إلى هذه الطهارة: نحن أم الصحابة؟ نساؤنا أم أمهات المؤمنين؟ لا شك أن الحكم يثبت في حقنا بطريق الأولى، أو بقياس الأولى، وقال ﷺ : (المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان، وأقرب ما تكون من وجه ربها وهي في قعر بيتها)، وعن أبي أسيد مالك بن ربيعة ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول وهو خارج من المسجد وقد اختلط الرجال مع النساء في الطريق: (استأخرن) أمر النساء أن يستأخرن، يقول: (استأخرن فليس لكن أن تحققن الطريق) (تحققن): مأخوذة من: حاق الطريق يعني: وسطه. يعني أن تتنحى المرأة جانباً إذا مشت في الطريق، (فليس لكن أن تحققن الطريق)، يعني: ليس لكن أن تمشين في وسط الطريق لكن في الجوانب، عليكن بحافة الطريق. فكانت المرأة تلصق بالجدار حتى إن ثوبها ليتعلق بالجدار من لصوقها به، والآن نحن ما نجد مكاناً حتى على الرصيف، والله المستعان! وقد أفرد ﷺ في المسجد باباً خاصاً للنساء يدخلن ويخرجن منه لا يخالطهن ولا يشاركهن فيه الرجال، فعن نافع عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (لو تركنا هذا الباب للنساء) قال نافع: فلم يدخل منه ابن عمر حتى مات. وعن نافع مولى ابن عمر ﵄ قال: (كان عمر بن الخطاب ﵁ ينهى أن يدخل المسجد من باب النساء)، ومن ذلك تشريعه للرجال إماماً ومؤتمين أن لا يخرجوا فور التسليم من الصلاة إذا كان في الصفوف الأخيرة بالمسجد نساء، إذ كان وضع المسجد في عهد الرسول ﵌ كما نعلم: الرجال أولاً، ثم الصبيان، ثم بعد ذلك النساء، وقال (خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها)، وبعض الأخوات لهن اجتهاد غريب في تطبيق هذا الحديث، يذهبن إلى أن تركيب الصفوف بالنسبة للنساء يبدأ من آخر صف، فبعضهن وصلن لمرحلة اجتهاد عليا، ففهمن الحديث هكذا، أن أول صف للمرأة هو الذي يكون قريباً من جدار الخلف، والصف الثاني يكون أمامه وهكذا، أي أنهن يعكسن الحديث، وهذا معناه أن أول الصفوف سيكون آخرها، فبالتالي يكون أولها خيرها بعكس الحديث، وعلى أي الأحوال فما كان هناك ساترٌ أو حاجزٌ بين الرجال وبين النساء في عهد الرسول ﵌، والحقيقة أن هذا الأمر الآن شاع في المساجد، وهو فيه شيء من الخير الكثير، وهو الفصل الكامل بين الرجال والنساء في المساجد، لكن يشترط فقط اتخاذ إجراء يسهل للنساء اللاتي يحضرن كل يوم متابعة الإمام؛ لأنه بهذا الوضع المحكم الإغلاق إذا حصل أي طارئ أثناء الصلاة فإن النساء يقعن في اضطراب عظيم، فلا يتمكن من معرفة إذا كان الإمام سجد سجدة التلاوة أم لا، سجد سجود السهو أم لا، هنا نقول: نأتي بكاميرات تلفزيونية. لكن الكهرباء يمكن أن تنقطع، فالحقيقة أن القضية تحتاج إلى أن يوجد هناك وسيلة ولو نوع من الزجاج الذي يحجب الرؤية، وفي نفس الوقت توجد ثغرة ولو بسيطة يستطيع حتى بعض النساء أن يتابعن الإمام من خلالها، أما بهذا الوضع فأعتقد أن هذا فيه مخالفة لهدي النبي ﵌، فلا بد من وجود طريقة لمتابعة النساء لحركات الإمام، وهذا تنبيه عابر وليس الآن مقام التفصيل فيه. ومن هذا أيضاً أن الرسول ﵊ (كان إذا سلم من الصلاة مكث قليلاً)، وكانوا يرون أن ذلك كيما ينفذ النساء قبل الرجال، كان المعصوم ﵇ إذا فرغ من الصلاة يمكث في مصلاه شيئاً قليلاً، ثم يتحول؛ لأن النساء كن في الخلف، وإذا التفت الرسول ﵇ ستقع عينه على النساء، فلذلك كان يمكث قليلاً بعد السلام في مكانه قبل أن ينصرف أو يتحول كي تتمكن النساء بسرعة من الخروج من المسجد، فإذا خرجن يلتفت إلى الصحابة ﵃، ولذلك بوب الإمام أبو داود رحمه الله تعالى في هذا بقوله: (باب انصراف النساء قبل الرجال من الصلاة)، ورواه البخاري أيضاً، وفيه: قال ابن شهاب: (فنرى -والله أعلم- لكي ينفذ من ينصرف من النساء قبل أن يدركهن من انصرف من القوم) يعني: كي لا يحصل اختلاط بين الرجال والنساء. وعن أم سلمة ﵂ قالت: (كان يسلم فينصرف النساء فيدخلن بيوتهن من قبل أن ينصرف رسول الله ﷺ ، وروى النسائي: (أن النساء كن إذا سلمن قمن). إذاً السنة بالنسبة للنساء إذا سلمن ينطلقن بسرعة لئلا يحدث اختلاط، ولو أن الأخوات يلتزمن هذا الأمر الشرعي لما حصلت هذه المناظر المؤذية التي تقع أحياناً، وأنا استغرب من هذا الجيل الجديد في موضوع التهاون في أمر الاختلاط، أين الحزم الذي عهدناه في الإخوة؟ تجد الأمر فيه تساهل غريب جداً، الأخت تروح وتأتي وتقف وسط الشارع بلا حرج، والأمر عادي لا مشكلة فيه، أو الأخ يقف قريباً من مكان النساء، فهذه أوضاع ليست من الإسلام -لا أقول: ليست من السلفية-، إن هذه أوضاع ليست من الإسلام في شيء، فالأخوات عليهن الانصراف بسرعة بعد التسليم من الصلاة، والأخوة يتريثون في الخروج حتى تنصرف النساء، وفي رواية النسائي: (أن النساء كن إذا سلمن قمن، وثبت رسول الله ﷺ ومن صلى من الرجال ما شاء الله، فإذا قام رسول الله ﷺ قام الرجال) قال الحافظ ابن حجر: (وفي الحديث كراهة مخالطة الرجال بالنساء في الطرقات فضلاً عن البيوت. وعن أم حميد الساعدية أنها جاءت إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله! إني أحب الصلاة معك. فقال: (قد علمت أنك تحبين الصلاة معي، وصلاتك في بيتك خير لك من صلاتك في حجرتك، وصلاتك في حجرتك خير لك من صلاتك في دارك، وصلاتك في دارك خير لك من صلاتك في مسجد قومك، وصلاتك في مسجد قومك خير لك من صلاتك في مسجدي) مع أن الصلاة في مسجده تضاعف، ولكن مع ذلك كلما كانت المرأة أبعد من الخروج والاحتكاك بالرجال كان أسلم لدينها، فهي إذا كان ولا بد -كما في هذا الزمان نظراً لأن بعض الأخوات يعانين من آبائهن -للأسف الشديد- بسبب التزامهن بالدين وليس هناك مخرج ولا وسيلة للتعلم سوى أن تخرج إلى المسجد فلا أقل من إنها إذا خرجت تراعي حدود الله ، بأن تحتجب حجاباً كاملاً، وتراعي آداب مجلس العلم، فتنصرف مباشرة كي لا تختلط بالرجال خارج المسجد. وعن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (لا تمنعوا النساء أن يخرجن إلى المساجد، وبيوتهن خير لهن) وقال ﷺ : (خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها)، وهذا كله في حال العبادة والصلاة التي يكون فيها المسلم أو المسلمة أبعد ما يكون عن وسوسة الشيطان وإغوائه، فكيف بما كان خلاف العبادة والصلاة؟! وعن عبد الرحمن بن عابس قال: سمعت ابن عباس ﵄ قيل له: أشهدت العيد مع النبي ﷺ ؟ قال: (نعم. ولولا مكاني من الصغر ما شهدته، حتى أتى العلم الذي عند دار كثير بن الصلت فصلى ثم خطب، ثم أتى النساء ومعه بلال فوعظهن وذكرهن، وأمرهن بالصدقة). قال الحافظ قوله: (ثم أتى النساء) يعني: بعدما خطب الرجال. فقوله: (أتى النساء) معنى ذلك أنه كان هناك فرق بين الرجال وبين النساء يشعر بأن النساء كن على حدة غير مختلطات بالرجال. وقوله: (ومعه بلال): فيه أن الأدب في مخاطبة النساء في الموعظة أو الحكم أن لا يحضر من الرجال إلا من تدعو الحاجة إليه من شاهد ونحوه؛ لأن بلالاً كان خادم النبي ﷺ وكان متولي قبض الصدقة، وأما ابن عباس فقد تقدم أن ذلك اغتفر له بسبب صغره، وعن ابن عباس

стр. 145

من صور الاختلاط المحذورة في الشرع نذكر بعض صور الاختلاط المحذورة شرعاً، والتي يتهاون فيها الناس خاصة في هذا الزمان، فمنها ما يدخل في طوقنا فهذا نحن مسئولون عنه أمام الله ، ومنها ما عمت البلوى والفتنة به، فعلى كل مسلم أن يتقي الله في أن يتجنب مواضع الاختلاط بقدر استطاعته ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦].
следующие страницы →