Полный текст (2 122 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
تحريم سفر المرأة بدون محرم
ومن تلك الإجراءات أن الإسلام حرم سفر المرأة بغير محرم، وبعض النساء حينما نتكلم في هذا تظن أن هذا نوع من التشديد أو التعسير عليهن، ولا يدركن أن هذا من رحمة الله بهن كما سنبين؛ لأن المرأة مظنة الشهوة والطمع، والمرأة لا تكاد تقي نفسها لضعفها ونقصها، ولا يغار عليها مثل محارمها، لا يغار على المرأة غيرة حقيقية أبداً أحد مثل محرمها كزوجها أو أخيها أو ابنها، الذين يرون أن النيل منها نيل من شرفهم وعرضهم، وسفرها بدون محرم يعرضها إلى الخلوة بالرجال ومحادثتهم، وقد يقع فيها من في قلبه مرض، وربما سهل خداع المرأة، وربما يعتريها مرض، وإذا سلمت من كل هذا فلن تسلم من القيل والقال إذا سافرت بدون محرم يصونها ويرعاها فمن أجل ذلك كله حرم الإسلام عليها أن تسافر بغير محرم يصحبها ويحميها، عن عبد الله بن عباس ﵄: أنه سمع النبي ﷺ يخطب ويقول: (لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم) (لا تسافر) فهنا أطلق السفر ولم يقيده بمدة ولا بزمن، وهذا هو الصحيح أن السفر هو كل ما أطلق عليه لفظ السفر فإنه يتناوله هذا الحديث، يقول الإمام النووي رحمه الله تعالى: كل ما يسمى سفراً تنهى عنه المرأة بغير زوج أو محرم، سواء كان ذلك في ثلاثة أيام أو يومين أو يوماً أو بريداً أو غير ذلك.
وفي رواية ابن عباس رضي الله تعالى عنهما المطلقة: (لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم) وهذا يتناول جميع ما يسمى سفراً، وقال الحافظ ﵀: قد عمل أكثر العلماء في هذا الباب بالمطلق لاختلاف التقييدات.
أي: الروايات التي فيها تقييد مختلفة ومتفاوتة، فالمخرج من هذا كله أن يقال: السفر مطلقاً.
عن عبد الله بن عباس ﵄ أنه سمع النبي ﷺ يخطب يقول: (لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم.
ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم، فقام رجل فقال: يا رسول الله! إن امرأتي خرجت حاجة، وإني اكتتب في غزوة كذا وكذا، قال: انطلق فحج مع امرأتك)، فأمره أن يترك الجهاد وينطلق كي يصحب امرأته في الحج، وقال القاضي أبو بكر ابن العربي رحمه الله تعالى (النساء لحم على وضم) والوضم: ما وقيت به به اللحم عن الأرض من خشب أو حصير يعني الشيء مثل السفرة على الأرض تضع عليه اللحم كي تحمي اللحم أن ينتقل عليه التراب مثلاً، سواء قطعة خشبة أو قطعة حصير، فهذا هو الوضم، فمعنى قول الإمام ابن العربي: (النساء لحم على وضم إلا ما ذُبَّ عنه) أن اللحم إذا تركته على وضم فإن الذباب يجتمع عليه ويلوثه ويفسده، إذا تركت اللحم على الوضم دون أن تدفع عنه الذباب أو تغطيه بشيء فإنه سيأوي إليه الذباب ويفسده، فهكذا أيضاً (النساء لحم على وضم إلا ما ذب عنه)، فيقف معها أبوها أو ابنها أو زوجها أو أخوها يذب عنها هذه الذئاب البشرية وهؤلاء الذباب ويحميها من هؤلاء، كما يقول الشاعر: تعدو الذئاب على من لا كلاب له وتتقي مربض المستأسد الحامي لأن أمثال هؤلاء الذئاب من البشر أو الكلاب من البشر إذا رأوا المرأة معها من يحميها فإنهم لا يجرءون عن أن يقتربوا منها.
تعدو الذئاب على من لا كلاب له.
الكلاب التي تستعمل الحراسة، يعني عدم وجود الحرس.
وتتقي مربض المستأسد الحامي.
أي: الذي يقف كالأسد يحمي عرضه.
يقول ابن العربي: كل أحد يشتهيهن وهن لا مدفع عندهن، بل ربما كان الأمر إلى التخلي والاسترسال أقرب من الاعتصام، فحد الله عليهن بالحجاب وقطع الكلام وحرم السلام، وباعد الأشباح إلا مع من يستبيحها وهو الزوج، أو يمنع منها وهم أولو المحرمية، ولما لم يكن ذلك من تصرفهن جعل الأصل قرارها في البيت، فلما لم يجد مفراً من أن يخرجن لقضاء حاجتهن أذن لهن فيه بشرط صحبة من يحميهن، وذلك في مكان المخالفة وهو السفر مقر الخلوة ومعدن الوحدة).
السفر غالباً يكون فيه وحدة ويكون فيه خلوة، فإذا تركت وحدها تتعرض لما لا تطيق، وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: المرأة مظنة الطمع فيها ومظنة الشهوة ولو كبيرة.
أي: حتى لو كانت امرأة كبيرة؛ فإن السفلة والسقطة من الناس لا يرتدعون حتى عن الكبيرة، كما يقول الشاعر: ولكل ساقطة في الحي لاقطة وكل كاسدة يوماً لها سوق فيقول النووي: قد قالوا: (لكل ساقطة لاقطة) ويجتمع في الأسفار من سفهاء الناس وسقطتهم من لا يترفع عن الفاحشة بالعجوز وغيرها لغلبة شهوته وقلة دينه ومروءته وحيائه.
فتباً لهؤلاء الذين يطلقون لبناتهم ولنسائهم العنان يسافرن دون محرم، ويجعلون من علامات المرأة المتحررة المتنورة أنها تسافر دون محرم! وأنها الآن تجهر وتفخر بأنها تسافر بدون محرم، ويخلون برجال أجانب مدعين أن الظروف تغيرت، وأن المرأة اكتسبت من التعليم ومن الحرية ما يجعلها موضع ثقة أبيها وزوجها، ما هذا إلا فكر خبيث دس إلينا ليفسد حياتنا، وما هي إلا حجج واهية ينطق بها الشيطان على ألسنة هؤلاء الذين انعدمت عندهم غيرة الرجولة والشهامة، فضلاً عن كرامة المسلم ونخوته، يقول فضيلة الدكتور الصباغ حفظه الله تعالى: ومثل الذين يتهاونون في الخلوة والاختلاط الآثم بدعوى أنهم ربوا على الاستجابة بنداء الفضيلة ورعاية الخلق مثل قوم وضعوا كمية من البارود بجانب نار متوقدة، ثم ادعوا أن الانفجار لا يكون؛ لأننا كتبنا ورقة وضعناها فوق البارود تحذيراً من الاشتعال والإحراق!! هل هذه الورقة يكون لها قيمة؟! النار موجودة بجانب البنزين أو البارود، ويقول: إن المانع من الانفجار هو هذه الورقة.
يعني أن هذه حجة واهية مثل هذه الورقة التي لا قيمة لها؛ لأنه متى ما اقترب البنزين من النار فالنتيجة معروفة في الغالب، فهذا خيال بعيد عن الواقع، ومغالطة للنفس وطبيعة الحياة وأحداثها، أنه متى حصل تسيب وتهاون في نظام الأسلاك الشائكة بين الرجال والنساء فالنتيجة معروفة.
ونحن إذا كنا نتكلم من خمسين سنة عندما كانت دعوة تحرير المرأة ونشر هذا الفساد في بلاد المسلمين ما زالت قائمة، وعندما خضنا التجربة كان يمكن أن الكلام فعلاً يحتمل، ولذلك خدع به كثير من الناس، لكن الآن المفروض أن القضية ليست محل خلاف في أن هذا من أفسد المناهج، أي: الاختلاط والإباحية التي إلى الآن نرى ثمرتها، وسنحاول أن نتكلم فيما بعد عن ذلك بالتفصيل إن شاء الله.
فالموضوع أخذ باستدراج، ففي البداية كانت المعركة حول كشف وجه المرأة، وزجوا ببعض الشيوخ في المعركة، وجعل يقول: الشرع يبيح كشف وجه المرأة، وهؤلاء الناس متزمتون أو متشددون، ويحرفون الآيات عن مواضعها.
وينحرفون في تفسير نصوص الشريعة إلى أن ينصروا هذا المذهب المرجوح القائل بإباحة كشف وجه المرأة، ثم إذا فرغوا من ذلك ترقوا إلى خطوة أخرى، إلى الآن وصل الأمر إلى ما نحن عليه الآن، فالآن المفروض أن كل شيء انكشف، وأن كل سوءات منهج تحرير المرأة ومناهج الإباحية الآن صارت تجربة خضناها وصار عندنا رصيد من الحقائق المريرة نعيشها ونحياها، فالكل منا يجد ثمرات مرة لتحرير المرأة ويراها في الطرقات وفي المواصلات وفي المرافق وفي الوظائف وفي الجامعات وفي المدارس وفي الهيئات، في كل مكان في بلادنا نرى الثمرات المريرة لا المرأة نضجت ولا المرأة حصلت خيراً، بل المرأة الآن عادت تحلم من جديد بأن تستقر في بيتها وتعود إلى مملكتها، فكل هذا الكلام مغالطات خطابية، فقط يقال للتغرير بالنفس، والمفروض أنه الآن انتهى دور الكلام الخطابي؛ لأن الواقع يقطع كل من يجادل في هذه الحقائق، فإننا ما ذقنا من هذا كله إلا الانحدار، وإذا لم يحصل وقوف لهذا التيار من الانحلال والفساد فالنهاية ستكون كما حصل في تركيا، حينما ثبتت على هذا الطريق الذي يُعلم جيداً أن من قطع الخطوات الأولى فيه لا بد أن تنتهي به إلى الإباحية المطلقة، وقد سمعت من بعض الناس أن البلاد الأوربية تخشى على فسادها من شبكات البث التركية من الفساد الذي فيها! فبعد ما كانت تبث النور لكل أوروبا ودخل الملايين من أهل أوروبا في الإسلام على يد الأتراك، إذا بهم يكيدون لنا حتى يجعلوها هي البؤرة لنشر الفساد في كل المنطقة، وهذا الشيء الوحيد الذي تفوق فيه الأتراك الآن في هذا الزمان إلا من رحم الله! هذا الفساد الذي يشيعونه في كل مكان حتى جعل بعض البلاد الأوربية تخشى على فسادها من فساد البرامج التركية والبث التلفزيوني التركي والعياذ بالله، فنفس الشيء إذا لم يحصل كبح لهذا الاتجاه ستمضي الأمور على سلمها، كل يوم يحصل تحطيم لشيء جديد من الرصيد الذي تبقى لدينا من القيم، فالأمور تتدهور، وهناك أناس لهم مصلحة في تحصين شباب المسلمين والمسلمات عن طريق الإنحلال، بعدما اجتهدوا في تحصينهم عن طريق الشبهات والطعن في الدين والأفكار البائسة كالعلمانية وغيرها، ثم الآن العمل ماض على قدم وساق لأجل تحصينهم بالانحلال خدمة لأغراض اليهود؛ لأن المطلوب من الأمة أن لا يصلح شبابها في المستقبل القريب لأي نوع من المقاومة حتى يستطيع اليهود أن يركبوهم كالحمير كما يقول اليهود، وهذا السر في أن اليهود دائماً يحاولون تحطيم جميع الأجيال بنشر الفواحش والمذاهب الهدامة حتى لا تقوى هذه الشعوب على المقاومة حينما يقوم من جديد ملك داود في بيت المقدس وتقوم مملكة داود، ويخرج إليهم المسيح الدجال كما ينتظرونه، ويسمونه المسيح المنتظر، فهدفهم كله تحطيم الأمم حتى لا يبقى عندها أي قدرة على المقاومة، ولا يكون عندها مبدأ، ولذلك نجد أن المخدرات تنتشر وهي سلاح أشد فتكاً من الأسلحة النووية على شباب المسلمين؛ لأن الإنسان إذا سقط صريعاً للإدمان انتهى ويشطب عليه، ولا يؤمل في أن يعالج فيما بعد إلا أن يشاء الله ، فالأمر جد خطير، وهي عبارة عن سلسلة متشابكة من المؤامرات لتحطيم مقومات القوة في أمة المسلمين وفي أمة التوحيد كي لا يبقى عندها أي قدرة على المقاومة إذا حضر السيد اليهودي.
стр. 142
تحريم خروج المرأة متطيبة متعطرة
ومن تلك الإجراءات -أيضاً- تحريم خروج المرأة متطيبة متعطرة، فمن المعلوم أن من دواعي فتنة الرجل بالمرأة ونزوعه إليها ما يشم منها من الطيب الذي يفوح شذاه، فيجر إلى الفتنة ويكون رسولاً من نفس شريرة إلى نفوس أخرى شريرة، والإنسان يعجب من هذه المرأة التي تستيقظ في الصباح وتقضي ساعة -مثلاً- أمام المرآة تظهر الأصباغ والمساحيق، وتهتم بمظهرها أمام الرجال الأجانب أكثر مما تهتم بمظهرها أمام زوجها الذي تستطيع أن تتناول ثواب العبادة إذا تزينت له في البيت، فهذه تكون عبادة وتثاب عليها، وهي طاعة لله ؛ لأنها في موضعها المناسب، فمن الظلم أن تضع هذا التزين في غير موضعه، تخرج المرأة بهذه الزينة وتضع هذه الروائح والعطور لأجل أن تلفت إليها الأنظار! قرأت في أحد الكتب التي تتكلم عن التلفزيون ومفاسده، فيحكي أنه أذيع في أحد التلفزيونات أن امرأة تمر تفلة -يعني: ليس عليها طيب ولا روائح- والرجال واقفون يلتفتون إليها، ثم بعد ذلك تهتدي هذه المرأة لفكرة شيطانية، فتضع الطيب وتتضمخ بالطيب ثم تمر وإذا بالرجال جميعاً ينجذبون نحوها ويسيرون ورائها! وهذا الإعلام قد يكون صامتاً أو متكلماً، لكن أنظر إلى المعنى الذي يريدونه وإلى الهدف الحقيقي الذي هو نشر الفتنة بالمرأة عن طريق هذه الأشياء، فأي امرأة عندها بقية من كرامة كيف تقبل أنها تخرج هكذا وتعرض على الرجال بهذه الصورة وهي لا تأمن أن ينظروا إليها نظرة محرمة أو يشتهونها في أنفسهم، هل امرأة عندها كرامة؟! وهل عنده كرامة ذلك الزوج الذي يخرج يتأبط ذراع زوجه في الطريق، وقد كشفت عن محاسنها وتزينت وتلطخت بالبويات والألوان ووضعت الطيب وهو ماشٍ فخور بهذا العري وهذه الفضيحة؟! أولى لك أن تنكس رأسك في الوحل وفي الطين من أن تفتخر بأنك تعرضها للرجال؛ لأن النظر هو نوع من التمتع، والنظر إلى المرأة -خاصة إذا كانت في الزينة- هو نوع من الاستمتاع بها، فكيف يكون رجلاً؟! حتى إذا لم نقل: عنده دين.
ولا: إنه متطرف ولا إرهابي فهو رجل، فكيف يقبل أن يشاركه الرجال فيها ويعرضها للناظرين هكذا بعد أن زينها في البيت، ثم تخرج إلى الرجال ويفخر بذلك؟! كما نرى ذلك في الأفراح ونرى ذلك في الطرقات، وكأننا لسنا من أمة المسلمين، وكأننا لا صلة لنا بهذا الدين ولا بهذا الرسول ولا بهذا القرآن! فالله المستعان.
يقول النبي ﵌: (أيما امرأة استعطرت ثم خرجت فمرت على قوم ليجدوا ريحها فهي زانية وكل عين زانية) كل عين تنظر إليها فهي واقعة في هذا الإثم، ويقول ﷺ : (كل عين زانية، وإن المرأة إذا استعطرت فمرت بالمجلس فهي كذا وكذا) يعني: زانية.
والعياذ بالله، وقال ﷺ : (إذا شهدت إحداكن المسجد فلا تمس طيباً) نهاها أن تمس الطيب إذا راحت إلى المسجد وهو مكان عبادة، فكيف إذا خرجت إلى السوق؟! وكيف إذا خرجت لغير ذلك من المرافق؟! وكيف تمر على مجالس الرجال بهذه الرائحة؟! ليس هذا من المنطق ومن العقل فضلاً عن أنه حكم الشرع، إنما يرفع الحرج عنها تماماً ما دامت أمام زوجها أو أمام محارمها بأن تضع الطيب أو تتزين أو ترفع الحجاب؛ لأن هؤلاء مأمونون، وأي إنسان عاقل يستسيغ هذا، ولا يمكن أن يعترض على هذا إلا من مسخت فطرته وانتكس إلى مرتبة أقل من مرتبة الخنازير والحيوانات والبهائم، هذا كلام منطقي جداً، حتى الذي ليس عنده دين يرى ذلك متوافقاً مع فطرته ومع عقله، فلا ضير على المرأة أن تستعطر في بيتها ولزوجها بشرط أن لا تغشى به مجالس الرجال؛ لأن الطيب من ألطف وسائل المخابرة والمراسلة، والحياء الإسلامي يبلغ من رقة الإحساس أن لا يحتمل حتى هذا العامل اللطيف الخفي، وقد خرجت امرأة في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه متطيبة فوجد ريحها، فعلاها بالدرة ثم قال: (تخرجن متطيبات فيجد الرجل ريحكن! وإنما قلوب الرجال عند أنوفهم، اخرجن تفلات) (تفلات) خاليات من الروائح.
стр. 143
تحريم الخضوع بالقول
ومن تلك الإجراءات -أيضاً- تحريم الخضوع بالقول، فقد يكون صوت المرأة رخيماً يحرك النفوس المريضة، فيجرها إلى التفكير في المعصية أو يوقعها ويوقع بها في بلية العشق، يقول بشار: يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة والأذن تعشق قبل العين أحيانا فمن هنا نهيت المرأة عن مخاطبة الأجانب بكلام فيه ترخيم كما تخاطب زوجها، وأمرت أن تتحرى فوراً الصوت الجاد العاري عن أسباب الفتنة، ولم يخول لها الإسلام إذا ما راب شيء في الصلاة أن تسبح كالرجال؛ لأن الرجال قد يفتتنون بصوتها، بل عليها أن تصفق، وهي في الحج لا ترفع صوتها بالتلبية، ولا يشرع لها أن تؤذن للصلاة في المسجد، ولا أن تؤم الرجال، وقد سد الإسلام على المرأة كل سبيل للتسيب في هذا الباب حينما جعل أمهات المؤمنين محلاً للقدوة، فلم يبق هناك عذر لمعتذر، فإذا كانت أمهات المؤمنين اللائي هن أشرف نساء العالمين رضي الله تعالى عنهن أجمعين يقول الله تعالى لهن: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنْ النِّسَاءِ إِنْ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾ [الأحزاب:٣٢] مع أنهن أمهات المؤمنين في الحرمة وفي الاحترام، ومع ذلك نهاهن أن يخاطبن الرجال بخضوع بالقول فكيف بغير هن؟! وقال ﷺ : (والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام)، وفي رواية: (والأذن تزني وزناها السمع).
стр. 144
تحريم الاختلاط
من أعظم وسائل الإسلام لتجفيف منابع الفتنة بالمرأة -وهو من أشد مظاهر الإسلام غربة الآن في مجتمعات المسلمين عامة- حظر الاختلاط، وحينما نقول: (الاختلاط) فإنما نقصد به اجتماع الرجل بالمرأة التي ليست بمحرم له اجتماعاً يؤدي إلى ريبة، أو يكون فيه تسهيل لوسائل الاتصال بينهما والتي قد تؤدي إلى هذه الريبة، أو كما قال بعض العلماء: هو اجتماع الرجال بالنساء غير المحارم في مكان واحد يمكنهم فيه الاتصال فيما بينهم بالنظر أو الإشارة أو الكلام أو البدن من غير حائل أو مانع يدفع الريبة والفساد.
يعني: لو أن الرجال في الطريق العام والنساء كذلك ولا توجد وسيلة للاتصال أو الريبة فهذا لا يسمى اختلاطاً، إذا خرجت المرأة في الطريق تمشي على الرصيف -مثلاً- أو بعيداً عن الرجال فهذا ليس اختلاطاً، إنما الاختلاط الذي نتكلم عنه هو الذي يسهل حصول الريبة، ويسهل الاتصال بين الرجال الأجانب والنساء، فيقول ﵎ مخاطباً أمهات المؤمنين: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣]، فهذا إشارة إلى أرقى وأعلى درجات الحجاب، وهي القرار في البيت، ويقول تعالى أيضاً: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٣] (وإذا سألتموهن متاعاً) يعني: إذا سألتم -أيها المؤمنون- أمهات المؤمنين زوجات الرسول ﷺ متاعاً -فتوىً، أو ماعوناً، أو طعاماً، أو غير ذلك- (فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن)، فإذا كان الحجاب الكامل الذي يغطي جميع البدن أطهر لقلوب الصحابة وأطهر لقلوب أمهات المؤمنين فماذا نقول فيمن يأتي بعدهن؟ ومن الذي هو أشد حاجة إلى هذه الطهارة: نحن أم الصحابة؟ نساؤنا أم أمهات المؤمنين؟ لا شك أن الحكم يثبت في حقنا بطريق الأولى، أو بقياس الأولى، وقال ﷺ : (المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان، وأقرب ما تكون من وجه ربها وهي في قعر بيتها)، وعن أبي أسيد مالك بن ربيعة ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول وهو خارج من المسجد وقد اختلط الرجال مع النساء في الطريق: (استأخرن) أمر النساء أن يستأخرن، يقول: (استأخرن فليس لكن أن تحققن الطريق) (تحققن): مأخوذة من: حاق الطريق يعني: وسطه.
يعني أن تتنحى المرأة جانباً إذا مشت في الطريق، (فليس لكن أن تحققن الطريق)، يعني: ليس لكن أن تمشين في وسط الطريق لكن في الجوانب، عليكن بحافة الطريق.
فكانت المرأة تلصق بالجدار حتى إن ثوبها ليتعلق بالجدار من لصوقها به، والآن نحن ما نجد مكاناً حتى على الرصيف، والله المستعان! وقد أفرد ﷺ في المسجد باباً خاصاً للنساء يدخلن ويخرجن منه لا يخالطهن ولا يشاركهن فيه الرجال، فعن نافع عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (لو تركنا هذا الباب للنساء) قال نافع: فلم يدخل منه ابن عمر حتى مات.
وعن نافع مولى ابن عمر ﵄ قال: (كان عمر بن الخطاب ﵁ ينهى أن يدخل المسجد من باب النساء)، ومن ذلك تشريعه للرجال إماماً ومؤتمين أن لا يخرجوا فور التسليم من الصلاة إذا كان في الصفوف الأخيرة بالمسجد نساء، إذ كان وضع المسجد في عهد الرسول ﵌ كما نعلم: الرجال أولاً، ثم الصبيان، ثم بعد ذلك النساء، وقال (خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها)، وبعض الأخوات لهن اجتهاد غريب في تطبيق هذا الحديث، يذهبن إلى أن تركيب الصفوف بالنسبة للنساء يبدأ من آخر صف، فبعضهن وصلن لمرحلة اجتهاد عليا، ففهمن الحديث هكذا، أن أول صف للمرأة هو الذي يكون قريباً من جدار الخلف، والصف الثاني يكون أمامه وهكذا، أي أنهن يعكسن الحديث، وهذا معناه أن أول الصفوف سيكون آخرها، فبالتالي يكون أولها خيرها بعكس الحديث، وعلى أي الأحوال فما كان هناك ساترٌ أو حاجزٌ بين الرجال وبين النساء في عهد الرسول ﵌، والحقيقة أن هذا الأمر الآن شاع في المساجد، وهو فيه شيء من الخير الكثير، وهو الفصل الكامل بين الرجال والنساء في المساجد، لكن يشترط فقط اتخاذ إجراء يسهل للنساء اللاتي يحضرن كل يوم متابعة الإمام؛ لأنه بهذا الوضع المحكم الإغلاق إذا حصل أي طارئ أثناء الصلاة فإن النساء يقعن في اضطراب عظيم، فلا يتمكن من معرفة إذا كان الإمام سجد سجدة التلاوة أم لا، سجد سجود السهو أم لا، هنا نقول: نأتي بكاميرات تلفزيونية.
لكن الكهرباء يمكن أن تنقطع، فالحقيقة أن القضية تحتاج إلى أن يوجد هناك وسيلة ولو نوع من الزجاج الذي يحجب الرؤية، وفي نفس الوقت توجد ثغرة ولو بسيطة يستطيع حتى بعض النساء أن يتابعن الإمام من خلالها، أما بهذا الوضع فأعتقد أن هذا فيه مخالفة لهدي النبي ﵌، فلا بد من وجود طريقة لمتابعة النساء لحركات الإمام، وهذا تنبيه عابر وليس الآن مقام التفصيل فيه.
ومن هذا أيضاً أن الرسول ﵊ (كان إذا سلم من الصلاة مكث قليلاً)، وكانوا يرون أن ذلك كيما ينفذ النساء قبل الرجال، كان المعصوم ﵇ إذا فرغ من الصلاة يمكث في مصلاه شيئاً قليلاً، ثم يتحول؛ لأن النساء كن في الخلف، وإذا التفت الرسول ﵇ ستقع عينه على النساء، فلذلك كان يمكث قليلاً بعد السلام في مكانه قبل أن ينصرف أو يتحول كي تتمكن النساء بسرعة من الخروج من المسجد، فإذا خرجن يلتفت إلى الصحابة ﵃، ولذلك بوب الإمام أبو داود رحمه الله تعالى في هذا بقوله: (باب انصراف النساء قبل الرجال من الصلاة)، ورواه البخاري أيضاً، وفيه: قال ابن شهاب: (فنرى -والله أعلم- لكي ينفذ من ينصرف من النساء قبل أن يدركهن من انصرف من القوم) يعني: كي لا يحصل اختلاط بين الرجال والنساء.
وعن أم سلمة ﵂ قالت: (كان يسلم فينصرف النساء فيدخلن بيوتهن من قبل أن ينصرف رسول الله ﷺ ، وروى النسائي: (أن النساء كن إذا سلمن قمن).
إذاً السنة بالنسبة للنساء إذا سلمن ينطلقن بسرعة لئلا يحدث اختلاط، ولو أن الأخوات يلتزمن هذا الأمر الشرعي لما حصلت هذه المناظر المؤذية التي تقع أحياناً، وأنا استغرب من هذا الجيل الجديد في موضوع التهاون في أمر الاختلاط، أين الحزم الذي عهدناه في الإخوة؟ تجد الأمر فيه تساهل غريب جداً، الأخت تروح وتأتي وتقف وسط الشارع بلا حرج، والأمر عادي لا مشكلة فيه، أو الأخ يقف قريباً من مكان النساء، فهذه أوضاع ليست من الإسلام -لا أقول: ليست من السلفية-، إن هذه أوضاع ليست من الإسلام في شيء، فالأخوات عليهن الانصراف بسرعة بعد التسليم من الصلاة، والأخوة يتريثون في الخروج حتى تنصرف النساء، وفي رواية النسائي: (أن النساء كن إذا سلمن قمن، وثبت رسول الله ﷺ ومن صلى من الرجال ما شاء الله، فإذا قام رسول الله ﷺ قام الرجال) قال الحافظ ابن حجر: (وفي الحديث كراهة مخالطة الرجال بالنساء في الطرقات فضلاً عن البيوت.
وعن أم حميد الساعدية أنها جاءت إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله! إني أحب الصلاة معك.
فقال: (قد علمت أنك تحبين الصلاة معي، وصلاتك في بيتك خير لك من صلاتك في حجرتك، وصلاتك في حجرتك خير لك من صلاتك في دارك، وصلاتك في دارك خير لك من صلاتك في مسجد قومك، وصلاتك في مسجد قومك خير لك من صلاتك في مسجدي) مع أن الصلاة في مسجده تضاعف، ولكن مع ذلك كلما كانت المرأة أبعد من الخروج والاحتكاك بالرجال كان أسلم لدينها، فهي إذا كان ولا بد -كما في هذا الزمان نظراً لأن بعض الأخوات يعانين من آبائهن -للأسف الشديد- بسبب التزامهن بالدين وليس هناك مخرج ولا وسيلة للتعلم سوى أن تخرج إلى المسجد فلا أقل من إنها إذا خرجت تراعي حدود الله ، بأن تحتجب حجاباً كاملاً، وتراعي آداب مجلس العلم، فتنصرف مباشرة كي لا تختلط بالرجال خارج المسجد.
وعن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (لا تمنعوا النساء أن يخرجن إلى المساجد، وبيوتهن خير لهن) وقال ﷺ : (خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها)، وهذا كله في حال العبادة والصلاة التي يكون فيها المسلم أو المسلمة أبعد ما يكون عن وسوسة الشيطان وإغوائه، فكيف بما كان خلاف العبادة والصلاة؟! وعن عبد الرحمن بن عابس قال: سمعت ابن عباس ﵄ قيل له: أشهدت العيد مع النبي ﷺ ؟ قال: (نعم.
ولولا مكاني من الصغر ما شهدته، حتى أتى العلم الذي عند دار كثير بن الصلت فصلى ثم خطب، ثم أتى النساء ومعه بلال فوعظهن وذكرهن، وأمرهن بالصدقة).
قال الحافظ قوله: (ثم أتى النساء) يعني: بعدما خطب الرجال.
فقوله: (أتى النساء) معنى ذلك أنه كان هناك فرق بين الرجال وبين النساء يشعر بأن النساء كن على حدة غير مختلطات بالرجال.
وقوله: (ومعه بلال): فيه أن الأدب في مخاطبة النساء في الموعظة أو الحكم أن لا يحضر من الرجال إلا من تدعو الحاجة إليه من شاهد ونحوه؛ لأن بلالاً كان خادم النبي ﷺ وكان متولي قبض الصدقة، وأما ابن عباس فقد تقدم أن ذلك اغتفر له بسبب صغره، وعن ابن عباس
стр. 145
من صور الاختلاط المحذورة في الشرع
نذكر بعض صور الاختلاط المحذورة شرعاً، والتي يتهاون فيها الناس خاصة في هذا الزمان، فمنها ما يدخل في طوقنا فهذا نحن مسئولون عنه أمام الله ، ومنها ما عمت البلوى والفتنة به، فعلى كل مسلم أن يتقي الله في أن يتجنب مواضع الاختلاط بقدر استطاعته ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦].
стр. 146
اختلاط الذكور والإناث في المضاجع
أما ما في طوقنا اتفاقاً الاختلاط في البيت، اختلاط الأولاد الذكور والإناث ولو كانوا إخوة بعد سن التمييز في المضاجع، فقد أمر النبي ﷺ بالتفريق بينهم في المضاجع، فعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ (مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع واضربوهم عليها وهم أبناء عشر) وليس معناه أنه لابد من أن تضربه، وإنما إذا احتاج للضرب، بمعنى أنك إذا بقيت معه من سن السابعة وأنت في حث وتوجيه، فما استقام على الصلاة حتى أتى سن عشر ولما يصلي فحينئذ يضرب بشروط محددة، قال: (وفرقوا بينهم بالمضاجع) أي: فرقوا بين الأولاد في المضاجع.
стр. 147
اتخاذ الخدم والخادمات
ومن صور الاختلاط المحذور اتخاذ الخدم الرجال واختلاطهم بالنساء، يكون الخادم رجلاً أو سائقاً أو غير ذلك، ويختلط بالنساء، وتحصل الخلوة بينه وبين هؤلاء النسوة، فهذه -بلا شك- من الاختلاط المحرم، أن يتخذ خادماً رجلاً أو سائقاً -مثلاً- يدخل ويخرج وكأنه ممن ملكت أيمانهن، وهذا ليس رقاً، فالخادم حر وليس رقيقاً، فهذه أيضاً من الصور المحرمة، ومنها اتخاذ الخادمات اللاتي يبقين بدون محارم، وقد تحصل بهن الخلوة، والآن ظهرت الموضة الجديدة بعدما ذاقت بعض البلاد القريبة منا الويل من استجلاب الخادمات الفلبينيات ومن شرق آسيا، لقد أصبح ذلك نوعاً من الوجاهة الاجتماعية، فالذي يريد أن يتفاخر يجعل عنده خادمات فلبينيات وسائقاً من شرق آسيا إلى آخر هذا الكلام! أصبحت هذه الظاهرة الآن من مظاهر النفاق الاجتماعي والرياء، بجانب الفساد الذي يحدثه هؤلاء في الأخلاق أو في خلوتهن بالرجال، أو في تربية الأولاد على التربية النصرانية، وبالذات الفلبينيات، والأسرة تفخر جداً بأن الولد سيتكلم بالإنجليزية ويتقن اللغة الإنجليزية بسبب احتكاكه بهذه المربية الكافرة، فلا شك أن هذا أيضاً من الفتن التي ظهرت، وبدأت تنتشر -للأسف- في بلادنا.
стр. 148
جلوس الخطيب مع خطيبته
أيضاً السماح للخطيبين بالمصاحبة والمخالطة التي تجر إلى الخلوة، ثم إلى ما لا تحمد عقباه، فيقع العبث بأعراض الناس بحجة التعارف ودراسة أحدهما للآخر، وكأنه عقد قران في التساهل في الخلوة وفي الخروج وغير ذلك، فلا شك هذا من التعدي لحدود الله ﵎ وفتح ذرائع الفساد.
стр. 149
مخالطة المرأة أقارب زوجها الأجانب
من ذلك أيضاً استقبال المرأة أقارب زوجها الأجانب أو أصدقاءه في حال غيابه ومجالستهم، فالمرأة تقوم باستقبال الضيوف الأجانب أو رجل أجنبي صديق لزوجها أو جار له، وتمكث معه في البيت بدون وجود محرم، فهذا من البلايا ومن المصائب التي تجر الفساد.
стр. 150
الاختلاط في دور التعليم
ومن ذلك -وهو من أقبح مظاهر الاختلاط للأسف الشديد، وعلى الإنسان أن يجتهد بقدر استطاعته في تقليل التورط في مثل هذا الاختلاط- الاختلاط في دور التعليم كالمدارس والجامعات والمعاهد، خاصة الدروس الخصوصية.
стр. 151
الاختلاط في الأماكن العامة
ومن ذلك الاختلاط في الوظائف والأندية، والمواصلات، والأسواق، والمستشفيات، والزيارات بين الجيران في الأعراس والحفلات، والخلوة في أي مكان ولو بصفة مؤقتة كالمصاعد، فلا يركب أبداً إنسان مع امرأة بمفردها في المصعد، فالتيار الكهربائي قد ينقطع، حتى لو لم ينقطع فإن الخلوة في حد ذاتها حرام ولو لم يرد في ذهن أي منهما أي فكرة محرمة، فإذا خلا بها فقد ارتكبا وزراً، وكذلك المكاتب، والعيادات، وغير ذلك من الأماكن التي ينبغي أن لا يخلو فيها الرجل بالمرأة خلوة بحيث يأمنا من دخول الناس عليهما، ولا شك أنه ينبغي أن نراجع أنفسنا، ونجتهد في اتقاء الخلوة والاختلاط والتبرج ما استطعنا، فإن الستر والصيانة هما أعظم عون على العفاف والحصانة، فاحترام القيود التي شرعها الإسلام في علاقة الجنسين هو تمام الأمن من الفتنة والعار والفضيحة والخزي، ويجب على المسلم أن يحفظ ويحرس أولاده وأهله من أجهزة الفساد السمعية أو البصرية التي تغزونا الآن في عقر دارنا، أليس الدور الذي يؤديه التلفزيون والفيديو والدش وهذه الأشياء يعطي أولادنا دروساً خصوصية بلا تكلفة؟! لا يقفون في طابور ولا يذهبون إلى سينما، وإنما هي دروس تأتي من أفسق فساق الأرض من كل أنواع الشياطين في شرق الأرض وغربها، يأتون إلى بيوتنا ويغزوننا، ويعلمون أولادنا هذه الفواحش وهذه المحرمات، فإذاً الفرق أن هذا جهاز جامد وتلك صورة حية، فإذا قالوا: حسبك من شر سماعه، فكيف برؤيته؟ إن على الرجال أن يصونوا بناتهم وأزواجهم من الاختلاط بالأجانب والتبرج أمامهم، يقول الشاعر: إن الرجال الناظرين إلى النساء مثل السباع تطوف باللحمان إن لم تصن تلك اللحوم أسودها أكلت بلا عوض ولا أثمان وقال آخر: تعدو الذئاب على من لا كلاب له وتتقي صولة المستأسد الحامي فالأعراض إذا لم تصن بهذه الحصون وتلك القلاع، ولم تحصن بالأسوار والسدود والأسلاك الشائكة التي ذكرناها فستسقط -لا محالة- أمام هذه الهجمة الشرسة، ويقع المحذور ولا ينفع حينئذ بكاء ولا ندم، والتبعة كل التبعة واللوم أولاً وأخيراً على ولي البنت الذي ألقى لها الحبل على غاربه، وأرخى لها العنان، فيداه أوكتا وفوه نفخ، يقول الشاعر: نعب الغراب بما كرهت ولا إزالة للقدر تبكي وأنت قتلتها فاصبر وإلا فانتحر ويقول الآخر: أتبكي على لبنى وأنت قتلتها لقد ذهبت لبنى فما أنت صانع فجعبة الباحثين والدارسين لظاهرة الاختلاط حافلة بالمآسي المخزية، والفضائح المشينة التي هي صفعة قوية في وجه كل من يجادل بعدما تبين، والإحصائيات الواقعية في كل البلاد التي شاع فيها الاختلاط ناطقة -بل صارخة- بخطر الاختلاط على الدين والدنيا، لخصها العلامة أحمد وثيق باشا العثماني كان رجلاً سريع الخاطر حاضر الجواب، وأحياناً الإنسان المغمور الذي بخر الهواء عقله يحتاج لصفعة قوية توقظه، فهذا الذي فعله أحمد وثيق باشا حينما سأله بعض معاشريه من رجال السياسة في أوربا في مجلس بإحدى تلك العواصم الأوربية، قال له رجل من الساسة الغربيين: لماذا تبقى نساء الشرق محتجبات في بيوتهن مدى حياتهن من غير أن يخالطن الرجال ويغشينهم؟ فأجابه في الحال -واضطر إلى أن يستعمل هذا التعبير القاسي الشديد كي يخرص هذا الإنسان المتبلد الحس- فقال له: لأنهن لا يرغبن أن يلدن من غير أزواجهن.
وكان هذا الجواب كصب ماء بارد على رأس هذا السائل، فسكت على مضض كأنه ألقم الحجر، ولما وقعت فتنة الاختلاط التي سنها أول من سنها طه حسين في الجامعة المصرية وقعت حوادث يندى لها الجبين، وبما أنه هو الذي تآمر لفتح باب الاختلاط في الجامعة سئل عن ذلك، فرد طه حسين على الحوادث التي وقعت فقال: لا بد من ضحايا.
ولكنه لا يبين بماذا تكون التضحية، وفي سبيل ماذا لا بد من ضحايا، فالمعروف أن الإنسان يضحي بشيء رخيص في سبيل شيء أغلى وأثمن، فيضحي بشيء تافه أو قليل، أو يمكن التغاضي عنه في سبيل ما هو أعظم وأثمن، فما هو الشيء الذي هو أسمى وأغلى من أعراض المسلمات بحيث نضحي بأعراضنا في سبيل مصلحة أكبر!! والله المستعان.
وعلى أي الأحوال نستطيع بكل قوة أن نجزم بحقيقة لا مراء فيها ولا جدل ولا شك، وهي أنك إذا وقفت على جريمة فيها نهش العرض، وذبح العفاف، وإهدار الشرف، ثم فتشت عن الخيوط الأولى التي أنتجت هذه الجريمة وسهلت سبيلها فإنك ستجد حتماً أن هناك ثغرة حصلت في الأسلاك الشائكة التي وضعتها الشريعة الإسلامية بين الرجال والنساء، ومن خلال هذه الثغرة دخل الشيطان، وصدق الله العظيم ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً * يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً﴾ [النساء:٢٧ - ٢٨].
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، سبحانك -اللهم- ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
стр. 152
الرؤيا واقع وضوابط
الرؤى المنامية أنواع: فمنها مبشرات، ومنها أحاديث نفس قد تصدق وقد لا تصدق، ومنها وساوس شيطانية يلبس بها على الناس.
وللرؤى ضوابط، فما وافق الشرع منها فيستأنس بها، وما خالف الشرع منها فيجب طرحه وعدم الالتفات إليه، فهي ليست تشريعاً.
стр. 153
أنواع الرؤيا
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، ولا عدوان إلا على الظالمين.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله, وأصدق الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
روى ابن ماجة بسنده إلى النبي ﷺ أنه قال: (الرؤيا ثلاثة: منها تهاويل من الشيطان ليحزن ابن آدم، ومنها ما يهم به الرجل في يقظته فيراه في منامه، ومنها جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة).
وفي حديث عند الترمذي: (الرؤيا ثلاثة: فبشرى من الله، وحديث نفس، وتخويف من الشيطان).
فالنبي ﷺ يقرر في هذين الحديثين الشريفين أن الرؤى ثلاثة أنواع: الأول: حديث النفس، وهو الذي يسميه العلماء الماديون بالانعكاسات النفسية، أي: خواطر النفس والتطلعات التي يصبو الإنسان إلى تحقيقها في الحياة، فيراها في المنام، فهذه انعكاسات تشغل الإنسان عما يصبو إليه في يقظته، فهو يحلم بها أثناء النوم حيث لم يستطع أن يحققها في واقع الحياة.
النوع الثاني: الرؤيا التي لم يفكر بها صاحبها يوماً ولم تخطر على باله، وهذه الرؤيا بعيدة كل البعد عن تفكيره، وقد يراها بصورة جلية ولا تحتاج إلى تفسير ولا إلى تأويل، وقد تكون هذه الرؤيا أمثالاً مضروبة أو أحداثاً مشبوكة تحتاج إلى علم وتقدير وفهم ثاقب ونظر بعيد، وما كل من رزق علماً رُزق فهماً بتأويل الأحلام والرؤى.
فالرؤيا الحقة هي من الله وليست من الشيطان، وهي جزء من أجزاء النبوة، ومثل هذا العلم ليس عبثاً، بل هو علم له أهله المختصون به، ومن راجع سورة يوسف ﵇ وجد دليل ذلك وبرهانه.
إذاً: هذا النوع من الرؤى هي من الله ، وهي بشرى للمؤمنين، وهي البقية الباقية من حقيقة النبوة، ولذلك كان بعض الناس إذا سُئل عن تفسير بعض الرؤى اعتذر عن التفسير، وإذا أنكر عليه الناس ذلك الاعتذار يقول: تريدونني أن أكذب في الوحي؟! باعتبار أن الرؤيا نوع من أنواع الوحي أو جزء من أجزاء الوحي، صحيح أن الوحي الإلهي قد انقطع، وأن النبوة قد ختمت بخاتم النبيين محمد ﷺ ، لكن لم يبق إلا هذه الرؤى وهي المبشرات، يقول النبي ﷺ : (لم يبق إلا المبشرات، قالوا: وما المبشرات قال: الرؤيا الصالحة) رواه البخاري وزاد مالك من طريق عطاء بن يسار: (الرؤيا الصالحة يراها الرجل المسلم أو ترى له) إما يرى الرؤيا بنفسه أو يراها له غيره.
وعن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : (الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة) متفق عليه.
وإذا كانت الرؤيا من الرسول أو من نبي من الأنبياء فهي حق لا يمكن أن يطرأ عليها كذب أبداً، بل هي في الحقيقة وحي إلهي، ورؤيا الأنبياء وحي، وقد بادر خليل الرحمن عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام إلى ذبح ولده عندما رأى في المنام أنه يذبحه؛ وما ذاك إلا لأنه يقطع بأن رؤياه وحي من الله ، أما غير الأنبياء فقد تقع الرؤيا التي هي من أقسام الوحي كما ذكرنا.
стр. 154
حقيقة الرؤى وضوابطها
للرؤيا الحقة علامات وسمات، وتكون دلائل الصدق عليها بينة، إلا أننا لا نستطيع أن نجزم وأن نقطع بأنها رؤيا حق إلا إذا تحققت على النحو الذي رآه صاحبها في منامه.
الحقيقة بين وقت وآخر نحن نضطر أن نتوقف عند بعض الظواهر المنتشرة الآن في وسط الشباب، كان المفروض أن نشتغل دائماً في البناء، وننهل من العلم النافع والعمل الصالح، لكننا نضطر بين وقت وآخر أن نتوقف وقفات يسيرة مع الأفكار التي تشيع، نظراً إلى الاتساع الأفقي الكبير في قاعدة الدعوة، والذي شكل نوعاً من التضخم على حساب المنهجية، وعلى حساب الاهتمام بالتربية، وتصفية المنهج السلفي؛ حتى عاد الانتساب للسلفية أحياناً مجرد اسم تحته مخلفات مصادمة لهذا المنهج، وليس هذا أمراً حديثاً لكنه وجد من قبل في حادثة الحرم المكي في مطلع القرن الخامس عشر الهجري، أحياناً يوجد عند بعض السلفيين نوع من انحرافات الصوفية، وقد كان من ذلك شيء في هذا الموضوع الذي نطرقه الآن، وهو موضوع الاستغراق في موضوع الرؤى دون ضابط ودون خطام ودون زمام، قد تقابل صديقاً أو قريباً فتراه في غاية الحزن والاكتئاب، فتفتش وتحاول أن تسبر غور نفسه حتى تعرف سر حزنه وكآبته، فتتعجب أشد العجب عندما تعلم أن سبب هذا الاكتئاب الذي يعلوه هي رؤيا مزعجة، أو رؤيا منذرة بخطر سوف يداهمه! وأحياناً تجده فرحاً منشرح الصدر باسم الثغر؛ وما ذلك إلا لأنه رأى رؤيا مفرحة أو مبشرة بحدث سار قادم! والحقيقة أن الرؤى كانت ولا تزال لها تأثير ليس على الأفراد العاديين فحسب، بل على النابغين والأذكياء، كم أقضت الرؤى مضاجع الجبابرة والملوك! وكم شغلت شعباً بأكمله يوماً من الأيام! وما رؤيا ملك مصر في عهد يوسف ﵇ ببعيدة عن ذاكرتنا، حينما رأى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف، وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات، وكانت رؤيا حق، وهذه الرؤيا الحق نفعت الناس نفعاً عظيماً عندما وجد الشخص الذي أحسن تفسيرها وتأويلها.
يقول الدكتور عمر الأشقر في كتابه (جولة في رياض العلماء): كثير من الناس اليوم يبادرون بالتكذيب بالرؤى والأحلام، وهؤلاء غالباً الذين يشتغلون بالأمراض النفسية وبالدراسات النفسية المادية التي تستقي من المصادر الغربية، ويزعمون أن أي شيء يراه الإنسان في منامه ما هو إلا انعكاسات لما يجول في فكره في حال اليقظة، وما يختزن في فكره الباطن أو في عقله الباطن كما يزعمون، فإذا استسلم للرقاد، وطاف في أودية الكرى، فإن عقله الباطن يعمل، فيحقق المرء في نومه ما لم يستطع تحقيقه في عالم اليقظة.
نحن لا ننكر أن قسماً كبيراً من الرؤى ليس إلا انعكاسات لأحاديث الناس وخواطرها التي تمر بها في اليقظة، ويمكن أن نتطلع إلى ما يدور في عقل الإنسان الباطن من خلال التعرف على المنامات التي يراها، لكن هذا ليس في كل حال، وإنما في بعض المنامات التي يصدق عليها وصف حديث النفس أو الأحلام الشيطانية، لكنها لا يمكن أن تكون في حق الرؤيا التي هي حق من الله ، فنرفض أن تكون جميع الرؤى انعكاسات نفسية، وهذا تحكم يعلم كذبه كل من تفكر في رؤاه التي مرت به، أو التي سمع الناس يروونها ويحدثون بها عن أنفسهم، كيف نفسر رؤيا امرأة رأت وليدها يسقط من سطح منزل، وفي الصباح يخرج فلا يعود؛ لأن سيارة دهسته وأودت بحياته؟! كيف نفسر رؤيا رجل يرى نفسه وقد سافر إلى بلد وسكن منزلاً عرف في هذا المنام معالمه، فلا تمضي شهور حتى يكون في ذلك المنزل الذي رآه في منامه؟! يوسف ﵇ أخبر أباه ﵇ بما رآه ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف:٤] فكم من السنوات الطويلة مضت ما بين رؤيا يوسف ﵇ وبين أن تحققت، وقال قولته ﵇ ﴿يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ [يوسف:١٠٠].
كيف نفسر رؤيا رجل رأى أنه سافر وتعطلت سيارته على صورة ما، وينسى الرؤيا ولا يذكرها إلا حينما يرى المشهد الذي رآه في المنام حقيقةً ماثلة؟! ليوفل فايس كان صحفياً نمساوياً يهودياً أسلم وحسن إسلامه، وله سيرة عطرة، وقد توفي منذ سنوات قريبة ﵀، تحدث في كتابه (الطريق إلى مكة) عن رؤيا رآها في منامه قبل إسلامه، وقام من منامه وسجلها، وقد تحققت فيما بعد على الرغم من طولها، وكثرة أحداثها! إذاً: ليس كل الرؤى انعكاسات لأحاديث النفس وخواطرها وهواجسها، بل الأمر أعمق من ذلك، والإنسان لا يقدر بعقله وفكره أن يصل إلى أعماق نفسه، ففي النفس الإنسانية خبايا يعجز الإنسان عن الإحاطة بها، على الرغم من أنها أقرب الأمور إليه.
أكثر الناس من المؤلفين وغيرهم إذا تدبروا قوله ﵎: ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:٢١] يلتفتون إلى الناحية التشريحية في جسم الإنسان، ومن خلالها يطلعون على وظائف الأعضاء أو غير ذلك من آيات خلق الله ، والعبر الموجودة في خلق الإنسان، ووظائف جسمه، وما يطرأ على جسمه، لكنهم يُغفلون آيات الله في تركيب هذه النفس التي هي قسيم ذلك البدن، والتي بدونه يكون ميتاً لا حراك به.
عالم النفس عالم مستقل تماماً، وهو من الأمور المجهولة الغامضة التي حيرت الألباب، والحافلة أيضاً بآيات الله الناطقة بربوبيته وأُلوهيته ، والرؤى لها علاقة بالنفوس الإنسانية، والرؤى فيها جانب غيبي لا يخضع للعلم المادي المبني على النظر والتأمل والبحث المادي، وقد أغنانا النبي ﷺ عن إتعاب النفس في هذا الموضوع، وقال لنا كلمة الفصل التي لا نحتاج معها إلى غيرها، وذلك أنها تمثل الحقيقة، وتفسر الأمر تفسيراً يدرك الإنسان صدقه عندما ينظر إلى رؤاه ورؤى الناس، وهو ما أخبر به رسول الله ﷺ في قوله: (الرؤيا ثلاثة: منها: تهاويل من الشيطان -ليحزن الشيطان ابن آدم-ومنها: ما يهم بها الرجل في يقظته فيراه في منامه -حديث النفس-، ومنها: جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة) وفي الحديث الآخر: (الرؤيا ثلاثة: فبشرى من الله، وحديث نفس، وتخويف من الشيطان).
стр. 155
فتن عظيمة بسبب عدم الانضباط في التعامل مع الرؤى
من أسباب افتتان كثير من الناس، وحدوث كثير من الفتن عدم الانضباط في موضوع التعامل مع الرؤى، نجد كثيراً من الإخوة تسير الرؤى حياته بصورة مذهلة، كل حياته تفسر عن طريق الرؤى، وتوجهاته وخططه في المستقبل واختياراته تربط بالرؤى بطريقة فيها مبالغة وفيها غلو شديد.
ومن جملة الفتن العظيمة التي حصلت في هذه السنوات الأخيرة التي غُصت بالفتن فتنة الحرم المكي حينما قام رجل يُدعى محمد بن عبد الله القحطاني، وحوله من حرضوه بل وأجبروه على أن يقول: إنه هو المهدي، واعتمدوا على ذلك بصفة أساسية على ما زعموه من تواتر الرؤى المنامية، والشيطان اجتهد اجتهاداً شديداً في تغذية هذا الأمر عنده؛ لأن هذا الأمر فيه نوع من الجاذبية، والإنسان ينشغل به وهو حديث نفس أو من الشيطان، وأراد الشيطان أن يوقع فتنة إراقة الدماء، وقد حصلت -للأسف الشديد- داخل الحرم المكي في سنة (١٤٠٠) للهجرة، كان الواحد من الناس يأتي ويقول: رأيت واحداً لابساً ثوباً لونه كذا، والرسول ﵊ يقول لي: هذا هو المهدي إلى آخر هذا الكلام، ويقولون: إن رجلاً جاء من أطراف الأرض، وآخر من مكان كذا، وأول ما رآه قال: هذا هو الذي رأيته!! فُتح هذا الباب، وخدعوا به، ولم ينضبطوا في العلاقة التي ينبغي أن تكون بين الرؤية في المنام وبين الواقع الذي نعيشه، لا بد من ضوابط تضبط مسالكنا مع الرؤية.
يقول: الدكتور عمر الأشقر حفظه الله: لقد كان من أسباب افتتان بعض الناس ومتابعتهم لأولئك الذين احتلوا الحرم المكي واعتصموا به؛ تلك الرؤى التي رآها بعض الكبار والصغار والنساء والرجال، وهي في جملتها تشير إلى أن المدعو محمد بن عبد الله القحطاني هو المهدي الذي بشر به الرسول ﷺ .
يقول الدكتور الأشقر: وقد تبين للناس اليوم أن تلك الرؤى لم تكن صادقة؛ لأن ذلك الرجل ليس هو المهدي، وإلا لو كان هو لم يقتل، ولبقي حتى يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً.
стр. 156
علامات المهدي المنتظر
المهدي اسمه محمد بن عبد الله، هل هذه العلامة وحدها تكفي؟ لا تكفي، وإلا فكم من مدع ادعى أنه المهدي، وهو بالفعل اسمه محمد واسم أبيه عبد الله، وقد يأتي واحد اسمه أحمد بن إبراهيم ويدعي أنه المهدي، ويقول لهم: أحمد هو محمد وإبراهيم هو أبو النبي ﵊ كما أن عبد الله أبوه، وهذا من باب التأويل.
ولو كان الذي ادعى أنه المهدي من أهل البيت فإنه لا يكفي أيضاً: وأرجو أن تحفظوا هذا الكلام الذي سأقوله في ذاكرتكم، فقد تحتاجونه في يوم من الأيام: كن في غاية الاطمئنان، ولا تجزع ولا تقلق على المهدي، فهو إذا خرج وكان بالفعل هو المهدي الذي بشر به النبي ﷺ فإن انتصاره أمر كوني قدري كائن كما وعد به الرسول ﷺ ، ولا تقطع بأن فلاناً هو المهدي حتى تتحقق كل الصفات التي أخبر بها النبي ﷺ ، وأشهرها وأعظمها أنه يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، فبعدما يمكن له، وبعدما يملأ الأرض قسطاً وعدلاً اطمئن، وحينئذ نقول: هذا هو المهدي، بجانب الصفات الأخرى، أما قبل ذلك فاسكت، ولا تظن أنك قد خذلت المهدي، اطمئن على نفسك، ولا تخف عليه؛ فإن المهدي غير محتاج إليك.
بعض الناس يستعجل ويقول: لماذا لا أكون من أوائل من ينصرون المهدي؟! وهذا هو الذي حصل في كل فتنة بنيةٍ صالحة وبعزم أكيد على التضحية في سبيل الدين، نجد أناساً يتسارعون إلى من يظنونه المهدي عن طريق الرؤى والمنامات ووجود بعض العلامات لا كل العلامات.
قرأت في كتاب (حيلة الأولياء) هذه العبارة الرائعة عن حفص بن عياث قال: قلت لـ سفيان الثوري ﵀: يا أبا عبد الله! إن الناس قد أكثروا في المهدي فما تقول فيه؟ فقال سفيان الثوري رحمه الله تعالى: إن مر على بابك فلا تكن منه في شيء حتى يجتمع الناس عليه.
وهذه النصيحة الذهبية أرجو ألا تنسوها أبداً، إن مر على بابك لا تكن منه في شيء حتى يجتمع الناس عليه حتى يجتمع عليه العلماء والصالحون وعموم المسلمين، حينئذ تقول: هذا المهدي، قبل ذلك لا تجزع على نفسك، فهذا هو مفتاح السلامة والنجاة بالنسبة لهذه الفتنة بالذات، وإذا راجعت موضوع ادعاء خروج المهدي لوجدت عدم الاكتراث بهذه القاعدة التي أرساها سفيان الثوري كان السبب الرئيس في استفحال الفتن وإراقة الدماء، وما حصل من الفساد العظيم في الأرض.
والقاعدة الرصينة: أن الشيطان يضل الإنسان على قدر بعده عن العلم، لكن كلما زادت بصيرته وزاد علمه كلما احتمى بهذا العلم من تلك الفتن، ولو كان فينا رسول الله ﷺ لعرّفنا بالرؤيا الباطلة إذا اشتبهت الأمور.
стр. 157
كيفية تأويل وتفسير الرؤى
كثير من الناس يظنون ما يرونه رؤيا حق، الصديق الأكبر ﵁ -الذي هو الرجل الثاني في الإسلام بعد النبي ﷺ ، وأفضل أولياء الله على الإطلاق- لما فسر رؤيا قال له النبي ﷺ : (أصبت بعضاً وأخطأت بعضاً) فكيف بمن دون الصديق رضي الله تعالى عنه؟! ونحن لسنا بمعصومين، فإن الرؤى تبقى في مجال الظن، ولا ترقى إلى اليقين والجزم، ما لم تتمثل في واقع مشهود، عند ذلك يوافق الواقع الخبر.
إذاً: الأصل أن نجعل الرؤى تفيد الظن، ولا نقطع بالرؤيا حتى يقع ما رأيناه في هذه الرؤيا.
стр. 158
رؤية النبي ﷺ في المنام حقيقتها وضوابطها وحكمها
قد يظن بعض الناس أن هناك نوعاً من الرؤية لا تحتاج إلى تبيين، فهي عندهم صادقة أبداً، وهي رؤية الرسول ﷺ في المنام، نحن لا ننكر أن رؤية الرسول ﷺ حق وصدق، فقد ثبت في الحديث المتفق عليه أن رسول الله ﷺ قال: (من رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي) وفي الحديث الآخر المتفق عليه يقول ﷺ : (من رآني في المنام فسيراني في اليقظة، ولا يتمثل الشيطان بي) لكن ينبغي أن نعلم أن رؤية الرسول ﷺ تكون حقاً إذا كانت الصورة المرئية له هي صورته الحقيقية التي كان عليها.
كيف نطبق هذا الحديث؟! إذا كان هذا الشخص يُحصي يحفظ الصفات الخلقية للنبي ﷺ مثل: ملامح عينيه، ولون بشرته، وشعره، وكذا وكذا من شكله وهيئته، ورآه على صورته الحقيقية التي رآها الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين، فالشيطان لا يمكن أبداً أن يتمثل بصورة النبي ﷺ الحقيقية، أما إذا رئي النبي ﷺ في صورة غير صورته الحقيقية فالأمر ليس كذلك، فالممنوع هو أن يتمثل الشيطان بالصورة الحقيقية للرسول ﷺ .
كثير من الناس يبني خططه على أساس أنه يقول: رأيت الرسول ﷺ وقال لي: افعل كذا وكذا وكذا، نقول: لا، لابد من التثبت ونقول له: صف لنا ملامح الشخص الذي رأيته، فإذا كانت الملامح دقيقة وواضحة بصورة تتوافق تماماً مع صفاته ﷺ الخلقية فنعم، لكن لهذا ضوابط يجب الأخذ بها وسوف نذكرها.
أما مجرد أن يقول: إنه رأى الرسول ﵊ في المنام ويقطع بأنها رؤية حقيقية، فلابد من دليل على صحة رؤياه.
إذاً: زعم الشيطان أنه هو الرسول ﵊ وتمثله في صورة غير صورته لم ينفه الحديث، وهذا الاحتمال قائم وواقع، فينبغي أن نكون على حذر، كثير من الأحوال يأتينا شخص ويقول: إن الرسول ﷺ يقول في المنام كذا ويخبر بكذا، لابد أن تكون الملامح في غاية من الدقة والوضوح مع ملامح النبي ﷺ ، فهذا هو المنفي من قدرة الشيطان على التمثل بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وإلا لا نأمن أن يكون هذا من الشيطان.
стр. 159
الرؤى الشيطانية المفزعة
أخبر الرسول علية الصلاة والسلام أن الرؤى المفزعة السبب فيها هو الشيطان، فإنه قد يُمثل للإنسان في منامه رؤية مفزعة تبلبل خواطره، وترهق نفسه، وتجعله حذراً متخوفاً، وفي الحديث: (الرؤية الصالحة من الله والحُلم من الشيطان، فإذا رأى أحدكم ما يُحب فلا يحدث به إلا من يحب) المعنى: إذا رأى رؤية حسنة لا يقصها إلى على محب؛ لأنه إذا قصها على حاسد قد يحمله حسده على أن يؤولها تأويلاً سيئاً، لكن يخبر بها حبيباً لبيباً عاقلاً، عنده علم بالرؤى، ويستطيع أن يفسرها، يقول ﵊: (فإذا رأى أحدكم ما يحب فلا يحدث به إلا من يحب، وإذا رأى ما يكره فليتعوذ بالله من شرها وشر الشيطان، وليتفل ثلاثاً، ولا يحدث بها أحداً فإنها لا تضره) وفي الحديث الآخر: (جاء رجل إلى الرسول ﷺ فقال: رأيت في المنام أن رأسي قد قُطع قال: فضحك النبي ﷺ وقال: إذا عبث الشيطان بأحدكم في منامه فلا يحدث به الناس) رواه مسلم.
نحن نعلم أن الشيطان عنده قدرة على الوسوسة في صدور الناس؛ وذلك لقوله ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾ [الناس:٤ - ٥]، وقال ﵊: (إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم في العروق) فله قدرة على أن يمثل للنفس في منامها أموراً تفزعها وتحزنها.
إذاً: لا ضير على من يرى في منامه رؤية إذا اجتهد في تفسيرها، وإن كان عليه ألا يشغل فكره في هذه الأمور شغلاً يهدر وقته ويضيع طاقته، كما يحصل من بعض الإخوة في موضوع الرؤى، تجد الواحد منهم يهدر كل طاقته العقلية والذهنية في موضوع الرؤى بصورة مقيتة، وبصورة بعيدة عن سلوك السلف الصالح رحمهم الله تعالى.
стр. 160
أصناف الناس في الرؤى المنحرفة وحكم كل صنف
الناس ينقسمون إلى طائفتين في الرؤى: صنف تكون رؤياه تلاعباً شيطانياً، فإذا بهذه الرؤيا الشيطانية تفسر تفسيراً خاصاً؛ لتوافق مخططاً يراد تنفيذه في واقع الحياة من قبل زعماء الكفر ودهاقنة الباطل، الذين يلعبون بمقدرات الأمم، فتجدهم يفسرون هذه الأحلام بهذه التفسيرات التي تخدم مصالحهم، لتبدو وكأنها قدر إلهي لا يجوز مغالبته ولا منازعته.
الصنف الآخر هم الذين لا يرون في المنام شيئاً، ولكنهم يزعمون أنهم رأوا رؤية وتكون هذه الرؤية في العادة محبوكة حبكاً محكماً، وتذاع بين الناس بتفسيراتها، ويتعمد إشاعتها في الناس، ثم يجتهد هؤلاء في تنفيذ مخططاتهم المدمرة فتأتي وفق الرؤيا المزعومة، وما هي برؤية وإنما هي جزء من المؤامرة للتغرير بالبسطاء الذين لم يبلغ فهمهم إلى معرفة شياطين الإنس والجن.
يقول الدكتور الأشقر في كتابه (جولة في رياض العلماء): وسأضرب على هذا مثالين قد يكون أصحابهم من الصنف الأول أو الثاني، نشرت جريدة السياسة الكويتية بتاريخ (١٢يناير ٨٠م) أن حسن التهامي زعم أنه رأى الرسول ﷺ في الحلم، وأن الرسول ﷺ أمره بأن يسعى للصلح بين العرب واليهود.
وحسبنا أن نعلم أن حسن التهامي كان في ذلك الوقت الذي زعم هذا الزعم نائباً للسادات ومستشاراً له، وكان يمهد للسفرة المشئومة التي قام بها السادات إلى القدس، لتكون بداية رحلة الذل والهوان التي أدت إلى ما أدت إليه من مآس، وحسبنا أيضاً أن نعلم أن التهامي هو الذي تفاوض مع ديان ليمهد الطريق أمام سفر السادات كما ذكرت ذلك جريدة السياسة في عددها بتاريخ (١٦يناير ٨٠م).
إذاً رؤية التهامي المزعومة هذه ثم استغلالها استغلالاً سيئاً وهي اختلاق لا أساس له من الصحة، قصد بها تحقيق أمرٍ يسعى هو وآخرون إلى تحقيقه، وحسبنا أن نعلم أن هذه الرؤية لو كانت حقاً لكانت موافقةً لتعاليم الإسلام لا مخالفةً لها.
الحادثة الثانية: هي التي رآها ثلاثة من كبار الحاخامات اليهود المعروفين بعلمهم في التصوف اليهودي، رأوا في المنام في ليلة واحدة أن آخر معركة عظيمة على الأرض ستنشب في إبريل من هذا العام، وهي التي ستبشر ببداية العصر الألفي الذي سيملك فيه المسيح الأرض.
وأنا أعجب أين السلفية المزعومة من بعض الناس؟ نجد أن الواحد منهم يكتب ويقول: في سنة ٩٨م سيحصل كذا، وستحصل حرب جديدة مع كذا، والأمريكان يقولون: في ٩٧م سيحصل كذا وكذا، ويرتبون على ذلك أشياء غريبة جداً، وهناك سلاسل من الكتب كثيرة جداً الآن تتناول هذا الموضوع، كتاب اسمه (الزلزال العظيم)، وكتاب (الحرب العالمية الثالثة) ظهر بعد حرب الخليج مباشرةً، وكتاب (عُمر الأمة المحمدية)، وهذا كتاب حديث جداً، وغير ذلك من الكتب، وآخر يقول لك: إن المسيح الدجال يغزو العالم من مثلث برمودا.
ننتقل إلى موضوع قتال اليهود في ملحمة مع المسلمين، نحن لا ننكر ذلك، لكن الجديد في الأمر أنهم الآن يطبقونه على الواقع، مع أنها مجرد منامات، فنحن لا نأمن أن تكون هذه من الإسرائيليات التي يبثها اليهود من أجل تحقيق أهدافهم وأغراضهم، فيشيعون هذه الأشياء لإلقاء الرعب في نفوس المسلمين وإحباطهم.
فما ينبغي أبداً أن ننقل مثل هذا الكلام، أين نحن من قوله ﵎: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء:٣٦]؟ غاية ما عندهم إما الرؤى المنامية وإما الإسرائيليات المأخوذة من كتب اليهود والنصارى، مثل: يوحنا ورؤيا دانيال فتراهم يأتون من الأناجيل ومن التوراة نصوصاً تضبط الوقت بالسنة والشهر واليوم، وتحدد متى ستحصل هذه الأحداث.
أما آن لنا أن ننضبط؟! إلى متى سنضيع وقتنا بهذه الطريقة؟! كثرت الكتب التي تكتب في هذا، وأصحابها لا يعتمدون إلا على أحد هذين الأمرين: إما المنامات وإما الإسرائيليات، فهم يعتمدون على ما في كتب اليهود والنصارى، ويحلون كلامهم أحيانا ً -كنوع من ذر الرماد في العيون- بقول الرسول ﷺ : (حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج) صحيح حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، لكن ليس في مثل هذه الفتن، وفي مثل هذه الأشياء التي فيها قطع وجزم بحصول أشياء من الغيب.
الإسرائيليات ثلاثة أنواع: ما وافق الحق قبلناه، وما خالفه رفضناه، وما لم نعرف موافقته ولا مخالفته فإننا نمسك عنه احتياطاً؛ لئلا نكذب بحق إن كذبنا به، ولا نصدق بباطل إن صدقنا به، هذا هو الموقف الصحيح من الإسرائيليات باختصار، فلا يجوز أن نأتي بهذه الحكايات التي تزيد من إضعاف نفوس المسلمين، كأن نقول: اليهود سيفعلون كذا وكذا.
أكبر مشكلة أن هؤلاء الكتاب يأتون بأحاديث آخر الزمان ويحاولون أن يطبقوها على شخص بعينه، وهذا هو الخطأ؛ لأن أحاديث آخر الزمان القاعدة فيها أن نؤمن بها ونصدق بها ولا ننزلها أبداً على الواقع إلا بعد ما تحدث، يقول : ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٢٢] لكن قبل ذلك ليس من حقنا أن نرتب الأمور ونضع الخطط على أساس أن الذي سيحصل هو كذا وكذا.
وبسبب عدم إحسان هذه القاعدة أثناء حرب العراق والكويت (حرب الخليج) كادوا أن يقطعوا بأن هذه هي الملحمة التي أخبر بها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقد تكون إرهاصات وقد لا تكون، نحن لا ندري متى سيقع ما أخبر به النبي ﵊، أما أن نوافق هؤلاء القوم وما يشيعونه من أنه في سنة كذا ستحصل حرب، وتظهر الأمة الإسلامية كالريشة في مهب الريح، لا إرادة لها على الإطلاق، وكل القوة وكل القرارات هي في يد أعدائهم من اليهود، صحيح أن الأمة في حال من الاستضعاف والإذلال والقهر على يد أولياء اليهود وعلى يد اليهود، لكن الأمة لن تخلو من خير إن شاء الله كما قال النبي ﵊: (مثل أمتي مثل المطر لا يدرى أوله خير أم آخره) فالله لن يضيع عباده المؤمنين، لابد أن نقوي اليقين في قلوبنا بنصر الله ، وأن المستقبل قطعاً للإسلام، أما أن نكرر ما يقوله اليهود والنصارى، ونحطم من معنويات المسلمين بهذه الطريقة، فهذا يتنافى الإسلام.
يقول الحاخامات اليهود: إنهم رأوا في المنام في ليلة واحدة أن آخر معركة عظيمة على الأرض ستنشب في إبريل من هذا العام، وهي التي ستبشر ببداية العصر الألفي السعيد الذي سيملك فيه المسيح الأرض.
وقالت بعض التقارير: إن الحاخامات رأوا في منامهم أن المعركة بين يأجوج ومأجوج تعجل في وقوع المذبحة النووية بين القوتين الكبريين.
وقالت تقارير أخرى عن هؤلاء: إن المسيح سيصل بطريقة سلمية، ويستشهد أحبار اليهود بالعلاقات التي تدل على قرب وصول المسيح، والتي ظهرت في العام المنصرم، وقالوا: إن وقع خطا المسيح كان مسموعاً في العام الماضي.
هذا هو مضمون الخبر، كما تعلمون أن الأحداث التي تحصل الآن قد يكون لها علاقة وقد تكون إرهاصات وقد لا تكون، لكن الأوضاع العامة هي أوضاع غير طبيعية كما تلاحظون، إن الأوضاع التي نحن فيها الآن موضوع التحالفات من الحلف الأطلسي مع مصر وإسرائيل والأردن والمغرب وتونس، والتحالف العسكري، وكثير من الأشياء قد تكون إرهاصات وقد لا تكون، والله هو الذي يعلم ما يكون في غدٍِ.
إننا نؤمن بالنصوص، لكن تنزيلها على الواقع لا نقطع به إلا بعد أن تقع، أما قبل ذلك فلا، فعلينا أن ننظر إلى ما يلزمنا الشرع به في كل ظرف وفي كل موقف.
стр. 161
العالم ينتظر ثلاثة
العالم ينتظر ثلاثة أشخاص: ننتظر المهدي ﵇ وهو رجل صالح من المجددين ليس نبياً ولا رسولاً، هو مجدد من الذين يجددون شباب هذا الدين، ورجل صالح يملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت ظلماً وجوراً، وقد صحت به الأحاديث وتواترت كما هو معلوم.
وننتظر أيضاً نزول المسيح ﵇ من السماء، كما أخبر الصادق المصدوق وكما أشار إليه القرآن الكريم في أكثر من آية، إن المسيح سينزل إلى الأرض ويحكم بالإسلام ويحكم بالقرآن ويقاتل اليهود.
الثالث: خروج المسيح الدجال مسيح الضلالة الذي حذر كل الأنبياء أممهم من فتنته، هذه هي عقيدة المسلمين، فهم يعتقدون خروج المهدي، ونزول المسيح من السماء، وخروج المسيح الدجال الذي سيقتله المسيح ﵇.
واليهود أيضاً ينتظرون المسيح، ويستدلون ببعض النصوص التي تبشر بمقدم المسيح في كتبهم، مع أن هذا المسيح الذي بشروا به قد جاءهم بالفعل وكفروا به، وأرادوا أن يصلبوه كما هو معروف من شأن اليهود.
الفاتيكان حينما برأ اليهود من دم المسيح كان صادقاً، فاليهود بالفعل أبرياء من دم المسيح ﵇؛ لأن الذي صلبوه ليس هو المسيح ﵇ بالفعل، فاليهود يؤمنون بمجيء المسيح، وقد جاءهم المسيح وكذبوه، لكنهم الآن ينتظرون مسيح الضلال، الذي هو المسيح الدجال، وسوف يخرج معه سبعون ألفاً من يهود أصفهان، ويقاتلون مع المسيح الدجال المسلمين، فهذا هو الذي ينتظر اليهود.
اليهود يعتقدون أن المسيح قادم، ومن أجله يريدون إعادة بناء الهيكل المزعوم؛ لكي يحكم الأرض، وهذا الكلام له أساس ديني وأساس اعتقادي، لكن من هو المسيح الذي سيلتفون حوله؟ إنه المسيح الدجال مسيح الضلال.
أما النصارى فهم ينتظرون مجيء المسيح، لكنهم يزعمون أن المسيح سيأتي بصفته إله.
والصحيح أن المسيح الذي سيأتي ليس إلهاً إنما سيأتي بصفته رسولاً متبعاً لشريعة محمدٍ ﷺ وليس مستأنفاً لشريعةٍ جديدة.
فالواقع أن الثلاثة الأديان تنتظر هؤلاء الأشخاص، وقد أخبرنا الصادق المصدوق في الأحاديث بالتفصيل لما سيحصل، والله سبحانه تعالى سيعز الإسلام والمسلمين، وسوف ينتصر المسلمون على اليهود.
стр. 162
استغلال اليهود للرؤى المنامية في تحقيق مخططاتهم
اليهود الآن يخططون لحرب عالمية ثالثة يحكمون بعدها العالم، وهم يفسرون بقايا المعلومات الدينية التي سلمت من التغيير تفسيراً يوافق تطلعاتهم ومخططاتهم، كما هو ظاهر من تفسيرهم لحرب يأجوج ومأجوج، فالرؤية المزعومة تجعل من يأجوج أمة ومأجوج أمة أخرى، واليهود يكفرون بالمسيح ﵇، ويزعمون أن المسيح لم يبعث بعد، وهم ينتظرون قدومه ليحكموا العالم به، ولذا يتبعون المسيح الدجال عندما يجتاح العالم، ويتبعه -كما قلنا آنفاً- من يهود أصفهان سبعون آلفاً كما أخبر الرسول ﷺ ، وما ذاك إلا لظنهم أنه المسيح الموعود ملك اليهود المنتظر.
إن هذه الرؤية تمهد لأحداث تخطط لها يهود في الخفاء، وهي تعطي تأثيراً معيناً عند من يقرأ الخبر، وإلا كيف يتسنى لثلاثة أشخاص في وقت واحدٍ في ليلةٍ واحدة أن يروا رؤية واحدة ذات مضمون واحد، فالرؤية لا تعد تشريعاً، وبعض الأفراد والجماعات تجعل من الرؤى والأفكار وأحاديث القلوب مصدراً تشريعياً ينافس القرآن والسنة، وقد يُقدم عليهما، والرؤية الصادقة ما هي إلا مبشر بأمر سار، وقد تكون دعوةً إلى الاستقامة، وقد تكون تثبيتاً على الحق، وقد تنفر من الباطل، لكنها لا تشرع شيئاً جديداً.
стр. 163
حكم الاستدلال بالرؤى المنامية
جادلني رجل كان يسير على بدعةٍ لم يشرعها الله، إذ كان يقوم على القبور بعد أن يدفن أصحابها ليلقن الميت حجته، ويعرفه بما يجيب به رُسل ربه، جادلني هذا الرجل بأن هذا مشروع بدليل أنه رأى في منامه كيف يُفعل بالميت منذ نزع الروح إلى الدفن، واستدل على هذا التلقين بالرؤى، فقلت: إن ديننا تام كامل لا ينتظر شخصاً يكمله بالرؤيا والمنام، وكيف يكون جوابك عندما يأتيك رجل آخر يزعم أنه رأى خلاف ذلك؟! من الذي نتبعه أنت أم هو؟! كلا لا نتبع لا أنت ولا هو، بل نتبع من هديه خير الهدي وهو رسول الله ﵌.
أيضاً هناك أمر مهم جداً، هل هذا الشخص النائم هو في موقع تكليف؟! الرسول ﵊ يقول: (رُفع القلم عن ثلاثة) وممن رفع عنه القلم النائم حتى يستيقظ، فبعض الناس يأخذ تكاليف وتشريعات من المنام، فحالة النوم ليست حالة ضبط وتحقيق، العلماء قالوا: لو أن الرجل في مجلس التحديث غلب عليه السِنة والغفلة والنوم وعدم التركيز لا يُقبل خبره ولا تقبل روايته، فما بالك بشخص استغرق في النوم كيف يُقبل خبره؟! بعض الناس يقول: إن الرسول ﷺ قال لي: افعل كذا ولا تفعل كذا، واكتب هذه الورقة وانشرها، وإذا لم تنسخها سبعة وثلاثين مرة يصيبك كذا، ما هذا الكلام؟! ويقولون: إن تاجراً لم يفعل هذا فاحترق محله، ومات أولاده، وكل الكوارث أصابته، أما من نفذ الكلام فحصل على كذا وكذا، وتكثر مثل هذه الخطابات، وتُرسل لكثير من الطلبة من المسلمين أثناء فترة الامتحانات، وهذا شيء غريب! فالشاهد مثل هذه الأشياء التي تظهر بين حين وآخر نضع له ضابط وينتهي بهذه الطريقة، فنقول: النائم ليس في موضع التكليف، والنوم عذر من الأعذار التي تسقط الأهلية، ولذلك قال النبي ﷺ : (من نام عن صلاته أو نسيها فليصلها إذا ذكرها) هذا عُذر.
وإذا تقرر شيء في الشرع فلا يمكن أبداً أن يتغير بسبب رؤية منامية، وقد حكى الإمام النووي رحمه الله تعالى الاتفاق على ذلك، ومن الأمثلة على ذلك: ما رُوي أن رجلاً رأى النبي ﷺ في النوم فقال له: اذهب إلى موضع كذا فاحفره فإن فيه رِكازاً إما معادن وإما كنز فخذه لك، ولا خُمس عليك فيه، فلما أصبح ذهب إلى ذلك الموضع فحفره فوجد الركاز فيه، فاستفتى علماء عصره فأفتوه بأنه لا خُمس عليه لصحة الرؤيا ودليل صحة الرؤيا أنه بالفعل لقيه في هذا المكان، وأفتى العز بن عبد السلام رحمه الله تعالى بأن عليه الخُمس وقال: أكثر ما ينزل منامه منزلة حديث صحيح، وقد عارضه ما هو أصح منه، وهو حديث: (في الركاز الخمس) والقاعدة: أنه حينما يتعارض حديثان فمن طرق ووسائل الترجيح أن يكون أحدهما أقوى من حيث الصحة، فهذا أصح منه، ولا شك أن المنام سيكون دون ذلك، فيرد المنام ويُعمل بالراجح منهما.
стр. 164
حكم العمل بأوامر النبي ﷺ في المنام
قد تكلم العلماء في قضية أن الإنسان لو رأى النبي ﷺ وأمره بأمر هل يلزمه العمل بهذا الأمر ويكون قوله حجة؟ بعض أهل العلم -منهم أبو إسحاق الإسفراييني - ذهبوا إلى ذلك، وجمهور العلماء أبوا ورفضوا هذه الطريقة، واتفقوا على أن أي شيء مما ينتج عن الرؤية إذا خالف الشريعة فهو مردود، وإن وافقها فهو أمارة يستأنس بها، وإن لم يوافقها ولم يخالفها جاز العمل بها، وهاك بعض النصوص: قال النووي ﵀: إن الرائي وإن كانت رؤياه حقاً لكن لا يجوز إثبات حكم شرعي بما جاء فيها؛ لأن حالة النوم ليست حالة ضبط وتحقيق لما يسمعه الرائي، وقد اتفقوا على أن من شروط من تقبل روايته وشهادته أن يكون متيقظاً لا مغفلاً ولا كثير الخطأ ولا مختل الضبط، والنائم ليس بهذه الصفة، ولو كان الذي يرى الرسول ﵊ فعلاً قد رآه حقاً، كأن يكون صحابياً.
وقال الإمام ابن الحاج: إن الله لم يكلف عباده بشيء مما يقع لهم في منامهم؛ لقوله ﷺ : (رُفع القلم عن ثلاثة) وعد منهم النائم حتى يستيقظ؛ لأنه إذا كان نائماً فليس من أهل التكليف، فلا يعمل بشيء يراه في نومه.
وقال الشاطبي: لا يستدل بالرؤى في الأحكام إلا ضعيف العقل، نعم قد يأتي المرئي تأنيساً وبشارةً بحيث لا يقطعون بمقتضاها حكماً، ولا يبنون عليها أصلاً، وهو الاعتدال في أخذها حسبما فُهم من الشرع فيها.
إن الشرع الذي شرع الله لنا قد كمله الله وقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة:٣]، فشريعتنا شريعة تامة وكاملة وغير ناقصة، ولا تحتاج لأي إضافة، ولا تحتمل أي إضافة؛ لأنه لم يبق للأمة في أمر دينها شيء ناقص، وقد انقطعت البعثة بتبليغ الشرائع وإتمامها وبموت النبي ﷺ ، وبهذا تعلم أن لو قدرنا ضبط النائمِ لم يكن ما رآه من قوله ﷺ أو فعله حجةً عليه ولا على غيره من الأمة.
وقال العلامة عبد العزيز بن باز حفظه الله تعالى: أما اعتماد المنامات في إثبات كون فلان هو المهدي فهو مخالف للأدلة الشرعية ولإجماع أهل العلم والإيمان.
أُنبهكم جداً للاهتمام بهذا الأمر والانتباه له وأن نكون يقظين؛ لأن الشيطان لا ييئس، وقد يأتي إلى بعض الناس وقد يكون من الصالحين والمستقيمين على السنة، وقد يأتي ويدّعي أنه المهدي، وقد يأتي باختراع جديد وهو أنه ليس المهدي وإنما هو المنصور الخليفة الذي سيمهد للمهدي أو سيساعده أو شيء من هذا، وأحاديث المنصور كلها ضعيفة، أو يأتيه الشيطان في المنام ويقول: هذه وصية محمدٍ رسول الله ﷺ .
رأت إحدى المسلمات رسول الله ﷺ يصلي في مدينة كذا في وقت الشمس فيه ساطعة في السماء وبعد أن صلى بالمسلمين من أهل البلدة رجال ونساء، كتب الرسول ﵊ وصية يقول فيها: وصية محمدٍ رسول الله ﷺ إلى كل المسلمين خذوا أميركم وقائدكم فلان بن فلان، وبعد أن انصرف رسول ﷺ ، وقف فلان هذا مكانه، وقال للمسلمين: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً﴾ [آل عمران:١٠٣] إلى آخر الآية الكريمة.
أيها المسلمون! إن وصية الرسول ﷺ حق ويجب أن تعملوا بها، ففر الناس كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة، لم يبق أحد ملتحٍ إلا صافح هذا الشخص بكلتا يديه، وقال: أقسم بالله أن وصية الرسول حق، وأنا أؤازرك وأُناصرك، فهذا الكلام ينبغي أن يغلق بابه، يكفي ما حصل في الحرم المكي.
فواحد يأتي يقول: أنا المهدي، وواحد يقول: أنا المنصور، ويبدأ الشيطان يتلاعب بعقول البسطاء والسذج من حوله، نقول: هذه الرؤية من الشيطان.
стр. 165
ضابط ظهور المهدي ومناصرته
ذكرنا أن أحسن منهج في موضوع المهدي هو ما علمنا الإمام سفيان الثوري رحمه الله تعالى بقوله: إذا مر ببابك فلا تكن منه في شيء حتى يجتمع عليه الناس ولن يضيرك ذلك، أنت مسئول عن التصديق بأحاديث رسول الله ﷺ ، أنت مسئول عن التصديق بالأحاديث الصحيحة التي تخبر بحقيقة المهدي، لكن لن تحاسب أبداً إذا احتطت لدينك احتياطاً واجباً، بأن تمسك لسانك وتمسك يدك عن الخوض في أي فتنة من هذه الفتن، والإنسان يدعو إلى الله، ويدعو إلى الكتاب والسنة، فهذا خير.
والشيطان قد يلبس حتى على الرجل الصالح لكي يخدع به الناس وتحصل فتن كما حصلت من قبل، فينبغي الانتباه لذلك، ولذلك قال بعض السلف: إن الشيطان إذا أراد أن يضل عبداً ويضل به الناس ألقى عليه الخشوع والبكاء والرقة وغير ذلك مما يجذب الناس إليه، فينبغي أن نحذر من تلبيس إبليس، ونقفل هذه الأبواب التي تفتح أبواب الفتن، وعندنا من الفتن ما يكفي.
أخي في الله! انظر ما يلزمك به الشرع في الواقع الذي تعيشه، وافعل الواجب في كل حالة، التزم بذلك واعتصم بحبل الله إلى أن تلقى الله، حتى لو قالوا لك: خرج المهدي.
وإذا خرج المهدي ولم يجتمع عليه المسلمون، فاعتبر أنك لست منهم في ذلك إلى أن يجتمع عليه المسلمون، فهذه علامة أنه المهدي الحقيقي، والمهدي الحقيقي سوف يؤيده الله بآيات صادقة، بخوارق للعادات كالخسف بالجيش الذي يقصده من تبوك أو من الشمال، فالله سوف يؤيده وسوف يؤازره، وإذا كان المهدي فسيتحقق فعلاً له التمكين، لا تقلق ولا تخف على المهدي، خف على نفسك، واحذر من تلاعب الشيطان بالناس في المنامات.
نحن رأينا الفتن التي حصلت من قبل بسبب موضوع المهدي، حتى وصل الأمر ببعض الناس أنهم يكذبون بحديث المهدي من باب المثل: الباب الذي يأتي منه الريح سده واستريح، يقول لك: إن الأحاديث التي في المهدي أتت بفتن كثيرة، فنحن نسد هذا الباب وننكر المهدي أصلاً، وهذا منهج منحرف أيضاً.
يقول الشيخ عبد العزيز بن باز حفظه الله: وأما اعتماد المنامات في إثبات كون فلان هو المهدي فهو مخالف للأدلة الشرعية ولإجماع أهل العلم والإيمان؛ لأن المرائي مهما كثرت لا يجوز الاعتماد عليها في خلاف ما ثبت به الشرع المطهر؛ لأن الله أكمل لنبينا محمدٍ ﵌ ولأمته الدين، وأتم عليهم النعمة قبل وفاته ﵊، فلا يجوز لأحد أن يعتمد شيئاً من الأحلام في مخالفة شرعه ﵊، ثم إن المهدي قد أخبر النبي ﷺ أنه يحكم بالشرع المطهر، فكيف يجوز له ولأتباعه انتهاك حرمة المسجد الحرام وحرمة المسلمين وحمل السلاح عليهم بغير حق؟!
стр. 166
هل نحن مكلفون بإيجاد أشراط الساعة ؟
الأمور الكونية القدرية في أشراط الساعة التي أخبر الصادق المصدوق عنها حتماً ستقع كما أخبر ﵊، فهل نحن مكلفون بإيجاد أشراط الساعة؟ هل نحن مكلفون بإخراج المسيح الدجال أو طلوع الدابة أو طلوع الشمس من مغربها أو ظهور المهدي؟ هذه ليست في طاقتنا، نحن لم نكلف بهذا، لذلك الله جعل علامة المهدي الصادق أن يخسف بالجيش الذي يقصده، أما أن يؤتى برجل اسمه محمد بن عبد الله ويقال: إنه من قريش، فالله أعلم بصحة هذا، حتى وإن كان من قريش فليس شرطاً؛ لأنه يوجد آلاف الناس من أهل البيت ومن نسل الحسن رضي الله تعالى عنه، ولا يبعد أن يكون فيهم المئات اسمه محمد بن عبد الله، فوجود علامة من العلامات لا ينبغي الاعتماد عليها وحدها، فهؤلاء أتوا بالأحاديث التي في المهدي وكأنهم مسئولون عن إخراجها، فهذا الرجل الذي اسمه محمد بن عبد الله رفض أن يستجيب لهم في البداية، لكنهم ضغطوا عليه وقالوا: إن رفضك هذا دليل على أنك المهدي؛ لأنه يُخرج وهو كاره، وهذا من تلبيس إبليس فأكرهوه بالفعل على أن يخرج، ويقولون: يصلحه الله في ليلة، وهو مقلد للمذهب الحنبلي، ثم إن هؤلاء بايعوه بين الركن والمقام، فهل يعجز أحد أن يدبر هذه الأحداث؟ وهذا هو ما حصل بالفعل، أتوا وقت صلاة الفجر، وأغلقوا بوابات الحرم الشريف أثناء الصلاة، وأخرجوه، وأعلنوا: الله أكبر! ظهر المهدي، وبايعوه بين الركن والمقام، فقال الناس: هو المهدي؛ لأنه بويع بين الركن والمقام، فنقول: لا، هذه الأشياء يمكن تكلفها ويمكن اصطناعها مع غير المهدي، فلا يدل وقوعها على أنه المهدي، لتعوذه بطائفة في البيت كما في الحديث، وبيعته بين الركن والمقام، فهذا من الجائز عقلاً أن يقع بتدبير من البشر، كما أن المرائي المناميه يمكن أن تصدر عن حديث نفس أو وساوس شيطانية، أما الخسف بالجيش الذي يقصد المهدي فآية خارقة لا يمكن أن يدبرها إلا رب البشر ، فهذه علامة على صدق المهدي، وتميزه عن غيره من الدجّالين أو المتأولين الذين يقعون فريسة لمكايد إبليس اللعين، فالحمدلله الذي لم يمتحنا بما تعيا العقول به.
وكان ينبغي -حتى تكتمل الفائدة- أن كل حادثة من حوادث ادعاء خروج المهدي أن تؤخذ بالتفصيل، وتُستخلص منها العِبر، وهذا مما يعطينا مناعة حتى لا نضل بعد ذلك، لكن أرجو أن يكون هذا له وقت فيما بعد، وقد سبق شيء من هذا، فقد ناقشنا من قبل قصة المهدي السوداني، والمهدي القحطاني، لكن حتى لا نبعد عن منهجنا أكثر من ذلك نرجو أن تكون هناك فرصه أخرى لمناقشة هذه الأشياء، وأهم شيء ألا تكذب الأحاديث الصحيحة، بل تعتقد بما فيها، لكن لا تنزلها على فلان بن فلان إلا إذا وقعت مطابقة لما أخبر به الصادق المصدوق ﵌، والسلامة -خاصة في هذا الزمان- لا يعدلها شيء.
موضوع المنامات اشتغل به كثير من الناس، وكذلك موضوع الخوض الكثير في الحرب التي تريد أن تشعلها إسرائيل، وأنه لم يبق إلا سنتان أو سنة ثم يحصل كذا وكذا.
نسأل الله أن يكفي المسلمين شر اليهود وشر أوليائهم من أعداء الدين، وفي هذا عبرة وتذكرة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 167
بين يدي رمضان
إن مما يحسن ويجدر بالمؤمن الصادق أن يعلم حقيقة هذه الحياة الدنيا وأنها دار عمل، وحينئذٍ سيقوم باستغلال الأوقات بالطاعات وما أكثرها! فما من عبادة إلا وحض الشرع عليها، وبيّن ما يكون بين يديها؛ حتى يستعد العبد لها استعداداً كاملاً لائقاً بها، ومن هذه العبادات صيام شهر رمضان، وشهر رمضان من أعظم مواسم الطاعات والقربات، ففيه تجتمع أغلب العبادات من صلاة وصيام وزكاة وذكر لله وقراءة قرآن واعتكاف وغير ذلك.
стр. 168
التأهب لقدوم شهر رمضان قبل استهلاله
الحمد لله الذي أعظم على عباده المنة بما دفع عنهم من كيد الشيطان ورد أمله وخيب ظنه، إذ جعل الصوم حصناً لأوليائه وجنده، وفتح لهم به أبواب الجنة، وعرفهم أن وسيلة الشيطان إلى قلوبهم الشهوات المستكنة، وأن بقمعها تصبح النفس مطمئنة، ظاهرة الشوكة في قصم خصمها قوية المنة، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد قائد الخلق وممهد السنة، وعلى آله وأصحابه.
أما بعد: فإن حكمة الله جل وعلا اقتضت أن يجعل هذه الدنيا مزرعة للآخرة وميداناً للتنافس، وكان من فضله على عباده وكرمه أنه يجزي على القليل كثيراً، ويضاعف الحسنة، ويجعل لعباده مواسم تعظم فيها الأجور، فالسعيد من اغتنم مواسم الشهور والأيام، وتقرب فيها إلى مولاه بما أمكنه من وظائف الطاعات، عسى أن تصيبه نفحة من تلك النفحات، فيسعد بها سعادة يأمن بعدها من النار وما فيها من اللفحات.
قال الحسن البصري رحمه الله تعالى في قوله : ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان:٦٢] قال: من عجز بالليل كان له من أول النهار مستعتب، ومن عجز بالنهار كان له من الليل مستعتب.
أي: يستدرك في أحدهما ما يفوته في الآخر.
ومن أعظم هذه المواسم المباركة وأجلها شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن، بل لا يعلم موسم تجتمع فيه أبواب الخير والطاعات أكثر مما تجتمع في هذا الشهر العظيم، ولهذا كان حرياً بالمسلم انطلاقاً من قول رسول الله ﵌: (احرص على ما ينفعك) أن يحسن الاستعداد لهذا القادم الكريم، ويفقه شروط وآداب هذه العبادة المباركة؛ لئلا يفوته الخير العظيم، ولئلا ينشغل بمفضول عن فاضل أو بفاضل عما هو أفضل منه.
وندعو أنفسنا جميعاً الآن إلى أن يستحضر كل واحد منا لو أن أحب الناس إليه غاب عنه أحد عشر شهراً ثم بشر بقدومه وعودته خلال أيام قلائل، فكيف يكون استبشاره بقدومه وبشاشته عند لقائه؟! فمن أجل هذا المعنى كان أول الآداب الشرعية في هذه المناسبة وبين يدي رمضان التأهب لقدومه قبل الاستهلال، وذلك بأن تكون النفس بقدومه مستبشرة، ولإزالة الشك في رؤية الهلال منتظرة، وأن تستشرف لنظره استشرافها لقدوم غائب حبيب من سفره؛ لأن الاهتمام باستقبال رمضان والاستعداد له قبل دخوله من تعظيم شعائر الله، ومن تعظيم شعائر ومعالم هذا الدين، والله يقول: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:٣٢].
والناس في رمضان كغيره من مواسم الخير والطاعات يصدق فيهم قول الله ﵎: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ [الليل:٤] فيتباين الناس في استعدادهم لهذا الشهر الكريم حسب حظهم من الإيمان والصبر واليقين، فهم ما بين فرح مسرور بقدومه، وما بين مستثقل متضجر.
وهناك من يستعد لرمضان بمجرد انطلاق رمضان الماضي، حيث نجد شياطين الإنس يستعدون لاستقبال شهر رمضان المقبل بما يعدونه من التمثيليات والأفلام والفوازير واللهو والعبث، وذلك لصد الناس عن هذا الموسم العظيم، أفلا يجدر بعباد الرحمن وأولياء الله أن يستعدوا فيعلموا كيف يغتنمون هذا الموسم العظيم ويخططون له ويتأهبون له قبل قدومه؟!
стр. 169
استثقال شهر رمضان وأسباب ذلك وحكمه
إن المستثقلين شهر رمضان هم أهل الغفلة الذين يعدونه إذا نزل بهم كالضيف الثقيل، يعدون أيامه ولياليه وساعاته منتظرين رحيله بفارغ الصبر، يفرحون بكل يوم مضى منه، حتى إذا قرب العيد فرحوا بدنو خروج هذا الشهر، وليس فرحهم من أجل العيد وإنما فرحهم لأنهم تخلصوا من هذا الشهر، وهذا الشعور السيئ عندهم يرجع إلى أسباب عدة: أولها: أنهم اعتادوا على التوسع في الملذات والشهوات المحرمة فضلاً عن التوسع في الشهوات المباحة، فهم يعلمون أن هذا الشهر سيقيدهم ويحجزهم عن الاسترسال فيها، فاستثقلوه حتى قال بعضهم أقوالاً تقشعر منها الجلود وتشمئز منها النفوس، كقول الشاعر ابن الرومي: ألا ليت الليل فيه شهر ومر نهاره مر السحاب ويقول الآخر: رمضان ولى هاتها يا ساقي مشتاقة تسعى إلى مشتاق حكي أنه كان لـ هارون الرشيد ﵀ غلام سفيه، فلما أقبل رمضان ضاق الغلام به ذرعاً وأخذ ينشد: دعاني شهر الصوم لا كان من شهر ولا صمت شهراً بعده آخر الدهر فلو كان يعديني الأنام بقوة على الشهر لاستعديت قومي على الشهر فأصيب بمرض الصرع فكان يصرع في اليوم عدة مرات، وما زال كذلك حتى مات قبل أن يصوم رمضان الآخر.
كذلك من هؤلاء المتضجرين المستثقلين لهذا الضيف العزيز من يستقبل رمضان بالسفر أو بالهروب من بلاد المسلمين.
ومنهم من يستقبله بإعداد خطط خاصة للطعام وألوان الشراب وغير ذلك.
ومنهم من يستقبله فرحاً مسروراً لما يجده فيه من فرص اللهو والعبث أمام (التلفزيون) أو (الراديو)، أو مع أصدقائه وأترابه في اللعب واللهو.
فهؤلاء جميعاً يستثقلون الشهر، وإذا فرحوا فلا يفرحون بمواسم الطاعات التي فيه، وإنما يبتهجون بمواسم اللهو والعبث التي تزيدهم عن الله بعداً.
نقل عن ابن حجر رحمه الله تعالى أنه قال: إن تمني زوال رمضان من الكبائر.
إذاً: المؤمن المملوء بالصبر واليقين في بداية الشهر أو قبل بدايته قلبه يكاد يطير فرحاً بقدومه، ويتمنى أن يكون شعبان يوماً واحداً.
كذلك إذا دخل رمضان فإنه يحزن جداً لكل ساعة أو لكل ليلة تمر منه؛ لأنه يعلم أن تمني زوال رمضان من كبائر الذنوب.
وقال بعض العلماء معلقاً على كلام ابن حجر: ولعله إذا كان بغضاً للعبادة فربما يخشى منه الكفر.
ومما يخالف تعظيم شعائر الله قول العوام: رمضان مريض، أو يخرج الروح، ونحو ذلك.
وذكرنا آنفاً أن أحد أسباب استثقال رمضان عند من يستثقله توسع بعض الناس في الملذات والشهوات المحرمة فضلاً عن المباحة، ولا شك أن التعلق بهذه الشهوات يثقل على القلب العبادة المرتبطة بها، فمن تعلق مثلاً بالمال ثقل عليه عبادة الزكاة والصدقة، ومن تعلق بالأهل والأولاد ثقل عليه الجهاد في سبيل الله ، ومن تعلق بالطعام والشراب والشهوات ثقل عليه الصيام.
واستثقال الأعمال الصالحة ناتج عن ضعف الإيمان وضعف محبة الله في القلب.
فقارن بين قول رسول الله ﵌: (وجعلت قرة عيني في الصلاة)، وقوله ﵌: (أرحنا بها يا بلال) بقول من يقول بلسان حاله أو حتى مقاله: أرحنا منها! قارن حال هذا بحال أولئك الذين قال فيهم رسول الله ﷺ : (من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه) وقوله: (إيماناً واحتساباً) أي: تصديقاً بفرضيته، ورغبة في ثوابه، طيبة به نفسه، غير كاره ولا مستثقل لقيامه، ولا مستطيل لأيامه، لكن يغتنم طول أيامه لتعظيم الثواب فيه.
стр. 170
حال المستبشرين بقدوم شهر رمضان ومواسم الطاعات
أما الذين يفرحون ويستبشرون بقدوم رمضان فهم يحمدون الله على أن بلغهم رمضان، ويعقدون العزم على تعميره بالطاعات وزيادة الحسنات وهجران السيئات، وهؤلاء هم امتداد للسلف الصالح رضي الله ﵎ عنهم، الذين أثر عنهم أنهم كانوا يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، ثم يدعونه ستة أشهر بعده أن يتقبله منهم.
أولئك الفرحون المستبشرون بقدوم رمضان يبشرون بقول الله : ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس:٥٨].
إن محبة الأعمال الصالحة والاستبشار بها فرع عن محبة الله ، يقول الله : ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة:١٢٤].
والذي يحمد من الاستبشار بالطاعات ومواسم العبادات والخيرات ما كان نابعاً عن محبة العبد لربه ، لا ما كان بسبب أن للنفس حظاً من تلك العبادة، فربما يحب الإنسان -مثلاً- مجالس الخير وهو لا يقصدها لذاتها، لكن يستأنس برفاقه وبأترابه وبما يسليه، فلا تنفعه تلك المحبة، لكن من أحب مجالس الخير وفرح بها لا لأنه سيقابل أصحابه ويتحدث معهم ويتناقشون ويسمرون ويسهرون وإنما ليفرح بقيام الليل؛ لأنه تعمير لبيت الله وإقامة لذكر الله رغبة في ثواب الله فهو الذي يحمد عمله ويؤجر عليه.
فمن أحب هذه المجالس المباركة وفرح بها لأنها محبوبة لله فهو المفلح الذي تنفعه هذه المحبة، قال ﵌: (قال الله تعالى: وجبت محبتي للمتحابين في، والمتجالسين في، والمتزاورين في، والمتباذلين في).
وبعض الناس قد يؤدي بهم الحذر من مثل هذا المزلق والتخوف من أن يخالط حظ النفس عبادتهم إلى أن يتركوا العبادة بحجة الخوف من حبوطها وعدم تقبلها، والصواب هو أن يثبت الإنسان ويستكثر من العمل الصالح، وفي نفس الوقت يجاهد نفسه ليكمل الإخلاص ويمحض النية لوجه الله .
стр. 171
أسباب فرح الصالحين بقدوم رمضان
стр. 172
تهيئة الصالحين لأنفسهم وتوطينها على تحمل مشقة الصيام
لقد هيأ الصالحون أنفسهم ووطنوها على تحمل مشقة الصيام، فصاموا التطوع خلال الشهور الأخرى، خاصة في شهر شعبان، فإن الرسول ﵌ كان يصوم أكثر شعبان؛ استعداداً لشهر رمضان، فمن ألف الصيام في شعبان، واجتهد في تعمير شعبان بطاعة الله ودرب نفسه على عدم الالتفات إلى ما حرم الله مثل قول الزور والغيبة والنميمة فهذا يأتي عليه موسم رمضان وقد سهل عليه أمر الصيام وأمر سائر الطاعات من القيام وغيرها، فيستطيع أن يغتنمه في أحسن صورة ممكنة.
وكان هذا شأن السلف، كانوا يحافظون على نوافل العبادات، ويحافظون على صيام التطوع، ويحافظون على الاجتهاد في الإكثار من صيام شهر شعبان استعداداً للقاء رمضان.
باع أحد السلف جارية له لأحد الناس، فلما أقبل رمضان أخذ سيدها الجديد يتهيأ بألوان المطعومات والمشروبات لاستقبال رمضان، كما يصنع كثير من الناس اليوم، أهم استعداد عندهم لرمضان هو الأطعمة والأشربة، وكيف سيصنعون بكذا وكذا، وإعداد المخللات والفواتح الشهية، فمنذ زمن بعيد يستعدون للقاء هذا الشهر لتعميره بهذه الأشياء، وكأن شهر رمضان هو شهر إثخان المعدة بالطعام، والتلذذ بالطعام والشراب، وإرهاق الميزانيات، حتى يقول بعض الناس في وصف حال الكثير من المسلمين -للأسف- في هذا الأمر: إنكم تأكلون الأرطال، وتشربون الأثقال، وتنامون الليل ولو طال، وتزعمون أنكم أبطال.
فقالت هذه الجارية لما وجدت سيدها يستعد بهذه الطريقة في استقباله شهر رمضان، قالت: لماذا تصنعون ذلك؟ قالوا: لاستقبال شهر رمضان، فقالت: وأنتم لا تصومون إلا في رمضان، والله لقد جئت من عند قوم السنة عندهم كلها رمضان، لا حاجة لي فيكم، ردوني إليهم.
ورجعت إلى سيدها الأول.
стр. 173
الامتناع عن الشهوات لله من أجل الحصول عليها في الآخرة
إن هؤلاء الصالحين الفرحين بقدوم رمضان يعلمون أن الامتناع عن الشهوات لله في هذه الدنيا سبب لنيلها في الآخرة، فإن من كف نفسه عن شيء منعه الله منه فمن فضل الله وعدله أنه لابد من أن يعوضه الله خيراً منه وأفضل.
فإذا تأملنا مفهوم قول رسول الله ﵌: (من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة إلا أن يتوب) عرفنا ذلك، وشتان بين خمر الدنيا وخمر الآخرة، فهذه تذهب العقول وتهين الإنسان، وأما تلك فليس فيها سوى مسك، وهي شراب طهور، كما وصفها الله بقوله: ﴿لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾ [الصافات:٤٦]، فمن شرب الخمر الذي منعه الله في الدنيا عوقب بأنه يحرم من شرب الخمر في جنة الرضوان.
ومن تأمل -أيضاً- قول رسول الله ﵌: (من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة) أدرك ذلك، والحرير محرم على الرجال، فمن لبس الحرير منهم وتمتع به في الدنيا فإنه يعاقب بحرمانه منه في الآخرة.
روى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: (أن رسول الله ﵌ بعث أبا موسى على سرية في البحر، فبينما هم كذلك قد رفعوا الشراع في ليلة مظلمة إذا هاتف فوقهم يهتف: يا أهل السفينة! قفوا أخبركم بقضاء قضاه الله على نفسه، فقال أبو موسى: أخبرنا إن كنت مخبراً، قال: إن الله ﵎ قضى على نفسه أنه من أعطش نفسه له في يوم صائف سقاه الله يوم العطش) رواه البزار، وحسنه المنذري والألباني.
ورواه -أيضاً- ابن أبي الدنيا بنحوه إلا أنه قال: (إن الله قضى على نفسه أن من عطّش نفسه لله في يوم حار كان حقاً على الله أن يرويه يوم القيامة، قال: فكان أبو موسى يتوخى اليوم الشديد الحر فيصومه ابتغاء ثواب الله الذي وعده به).
وهناك -أيضاً- حديث صحيح في نفس هذا المعنى، وهو حديث سهل بن سعد ﵁ عن النبي ﵌ أنه قال: (إن في الجنة باباً يقال له: الريان، يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخل منه أحد غيرهم، فإذا دخل آخرهم أغلق فلم يدخل منه أحد، ومن دخل شرب، ومن شرب لم يظمأ أبداً).
فثواب الله لمن كفّ عن الشهوات المباحة طاعة لله وانقياداً لأمره أن يكافئه بهذه المكافأة يوم القيامة.
إذاً: لا شك أن استحضار هذا النعيم وهذا الثواب يهون على الإنسان ما يلقاه من العناء في شهر الصيام.
стр. 174
الفرح عند تمام صيام رمضان بتوفيق الله وشكره على ذلك
إن الصالحين الذين يستبشرون بقدوم ذلك الضيف الكريم، ويعلمون أن هذا الشهر هو أعظم مواسم الطاعات والتنافس في القربات، هؤلاء إذا جاءهم العيد فإنهم يفرحون، ولا يفرحون لأن رمضان ولى، وإنما يفرحون لأن الله وفقهم لإكمال عدة هذا الشهر وإتمام صيامه، كما قال : ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة:١٨٥] يعني: تشكرون الله على أن وفقكم لصيام شهر رمضان.
стр. 175
أصناف الناس عند دخول شهر رمضان
يقول ﵎: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ [الليل:٤] ونذكر حديثاً شريفاً مناسباً لمعنى الآية عن الرسول ﵌ فيه انقسام الناس إلى قسمين بسبب دخول رمضان، فعن أبي هريرة ﵁ قال: (بمحلوف رسول الله ﵌ أنه ما أتى على المسلمين شهر خير لهم من رمضان، -أي: أقسم أبو هريرة بما حلف به رسول الله ﵌ ولا أتى على المنافقين شهر شر لهم من رمضان، وذلك لما يعد المؤمنون فيه من القوة للعبادة، وما يعد فيه المنافقون من غفلات الناس وعوراتهم، هو غنم للمؤمن يغتنمه الفاجر).
وعنه ﵁ من طريق آخر قال: قال رسول الله ﷺ : (أظلكم شهركم هذا بمحلوف رسول الله ﷺ ، ما مر بالمؤمنين شهر خير لهم منه ولا بالمنافقين شهر شر لهم منه، بمحلوف رسول الله ﷺ إن الله ليكتب أجره ونوافله من قبل أن يدخله، ويكتب إصره وشقاءه من قبل أن يدخله؛ وذاك لأن المؤمن يعد فيه القوة من النفقة للعبادة ويعد فيه المنافق اتباع غفلات المؤمنين واتباع عوراتهم، فهو غنم للمؤمن يغتنمه الفاجر)، وفي رواية البيهقي: (فهو غنم للمؤمن ونقمة للفاجر)، وهذا الحديث أخرجه البيهقي في السنن، والطبراني في الأوسط، وابن خزيمة، وسكت عنه المنذري، وقال الشيخ أحمد شاكر ﵀: إسناده صحيح.
فقوله ﵊: (ما أتى على المسلمين شهر خير لهم من رمضان، ولا أتى على المنافقين شهر شر لهم من رمضان، وذلك لما يعد المؤمنون فيه من القوة للعبادة) يعني: يعد المؤمنون لرمضان ما يقويهم على العبادة، فهم يدخرون ما ينفقونه على العيال قبل أن يدخل رمضان، وأيضاً كثير من الناس يخرجون زكواتهم في رمضان، وكثير من الناس يتهيئون لأداء العمرة في رمضان وغير ذلك، فتجدهم يخصصون ويتأهبون لقدوم رمضان قبل دخوله، فهم يعدون قبل دخول رمضان ما يحتاجونه حتى يتفرغوا لطاعة الله إذا دخل عليهم رمضان.
أما قوله: (وذلك أن المؤمن يعد فيه القوة من النفقة للعبادة) فيعني أن المؤمنين بسبب اشتغالهم بالعبادة في رمضان يمنعهم ذلك من تحصيل المعاش أو التقليل منه، فقيام الليل يستدعي النوم بالنهار، والاعتكاف يستدعي عدم الخروج من المسجد، وفي هذا تعطيل لأسباب المعاش، فهم يجمعون القوت وما يلزم لأولادهم في رمضان قبل حلوله ليتفرغوا فيه للعبادة وللإقبال على الله ولاجتناء ثمرة هذا الموسم، فهو خير لهم مما أنفقوه؛ لما اكتسبوا فيه من الأجر العظيم والغفران العميم.
قوله ﵊: (وما يعد فيه المنافقون من غفلات الناس وعوراتهم) يعني أن هذا هو السبب في أن شهر رمضان شر على المنافقين، وما أكثر هؤلاء المنافقين من أعداء الله من قطاع الطريق إلى الله الذين يغتنمون فرصة التوبة والإنابة واستقامة الناس على طاعة الله وانفتاح أبواب الخيرات حتى يصدوا الناس عن ذلك الخير! وتراهم يجلبون بخيلهم ورجلهم ليل نهار، في النهار يريدون أن يفسدوا صيام الناس بالمعاصي بالأفلام وباللهو والعبث والفجور، وفي الليل بالسهر والعكوف أمام العجل الفضي (التلفزيون) وأمثاله.
فهو شر لهم؛ لأنهم يحرمون أنفسهم من هذا الخير العظيم، ويخسرون هذه الفضائل الجليلة، ولأنهم بدلاً من أن تكون هذه الأوقات الفاضلة عامرة بالطاعات إذا بهم يعكسون مقاصد دين الله ويحولونه إلى موسم للهو والعبث والفجور، وتتكاثر شياطين الإنس من الممثلين والفنانين وأمثالهم، وتراهم يفكرون كيف يلهون الناس عن الطاعة، وكيف يصدونهم عن طريق الله، وكيف يضيعون عليهم هذه الفرصة، ولا شك في أن هؤلاء وزرهم مضاعف؛ لأنهم ضلوا أنفسهم وصدوا غيرهم عن سبيل الله، وقطعوا الطريق إلى الله على عباده التائبين.
إذاً: المنافقون يستعدون قبل شهر رمضان لإيذاء المسلمين في دينهم ودنياهم؛ لأن المسلمين في هذا الوقت طائعون لله غافلون عن الدنيا منقطعون إلى الله ، فيأتي هؤلاء المنافقون فيستغلون فرصة انشغال الطائعين بطاعة الله فيتتبعون عوراتهم، والمنافقون عندما يتتبعون عورات المؤمنين يعتبرون ذلك غنيمة حاضرة وفوزاً عظيماً، فهم يتوهمون أن هذه غنيمة اغتنموها في نظرهم، ولكنها في الحقيقة شر لهم لو كانوا يعلمون ما أعده الله لهم في الآخرة من العذاب المقيم وحرمانهم من فضله العميم، نعوذ بالله من ذلك.
قال ﵊ في نهاية الحديث: (هو غنم للمؤمن يغتنمه الفاجر) وفي رواية البيهقي: (فهو غنم للمؤمن ونقمة للفاجر) والمعنى أن الله ينتقم من الفاجر ويذيقه العذاب الأليم لسوء فعله وإيذائه المؤمنين وتتبع عوراتهم، فيكون نقمة له، وأما المسلم فرمضان غنيمة له بما اكتسبه من صيام أيامه وقيام لياليه، والانقطاع إلى الله بالعبادة فيه.
وقوله: (أظلكم شهركم هذا) يعني: أشرف عليكم وقرب منكم (بمحلوف رسول الله صلى عليه وسلم) يعني: إني أحلف بما حلف عليه رسول الله ﷺ (ما مر بالمؤمنين شهر خير لهم منه، ولا بالمنافقين شهر شر لهم منه، إن الله ليكتب أجره ونوافله من قبل أن يدخله، ويكتب إصره وشقاءه -والإصر هنا الإثم والعقوبة- من قبل أن يدخله) أي: الله يعلم ما كان وما سيكون، ولا حدود لعلمه .
فالله يكتب قبل دخول الشهر أن فلاناً سيجني من هذا الشهر كذا وكذا من الطاعات والعبادات، وفلاناً سوف يجني كذا وكذا من الشقاء والإثم والإصر والعقاب.
فقوله: (إن الله ليكتب أجره ونوافله من قبل أن يدخله) معناه أن المؤمن يستعد ويتهيأ لاستقبال رمضان قبل دخوله -كما ذكرنا في إعداد النفقة وإعداد القوت وغير ذلك- حتى يتفرغ ويجتهد في طاعة الله في رمضان، فإن الله يكتب له أجره ونوافله، وما سيترتب على أعماله هذه من الثواب قبل أن يدخل عليه شهر رمضان.
وقوله ﵊ (ويعد المنافق اتباع غفلة الناس واتباع عوراتهم) معناه أن المنافق يعلم أن الناس مزدحمون في المساجد، فيستغل هذا المنافق اجتهاد عباد الله بالطاعات كالصلاة وغيرها فيسرق -مثلاً- أحذيتهم أو يسرق شيئاً من المسجد.
فانشغال المؤمنين بطاعة الله هو مكسب وغنيمة للمؤمن، يغتنمه المنافق، أي: يغتنم المنافق وقت انشغال الصالحين بالعبادة، وذلك بتتبع عوراتهم واغتنام غفلتهم.
فهذا الحديث ينبغي أن نستحضره، وذلك لأنه مهم جداً، وكم فرحت حين رأيت الشيخ أحمد شاكر رحمه الله تعالى قد صححه؛ لأن هذا الحديث هو عين ما نقصده الآن من التذكير به.
стр. 176
أهل الخير وأهل الشر بين نداء الفعل والترك
ما أكثر ما يخبرنا الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى ﵌ بكثير من الأحداث التي تقع في هذا الكون وفي هذا الوجود ونحن لا نراها ولا نسمعها! لكن يكفينا خبر رسول الله ﷺ في الاطلاع على حقائق هذه العوالم الغيبية.
مثلاً: يقول النبي ﵊: (ما من صباح إلا وملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم! أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم! أعط ممسكاً تلفاً).
ومن هذه الأحداث التي تقع في أول ليلة من رمضان ما أخبرنا به الصادق المصدوق ﵌ حينما قال: (إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النيران، وصفدت الشياطين) وهذا يقع ويحدث في أول ليلة من شهر رمضان المبارك، كذلك الذي صح -أيضاً- عن النبي ﵌ أنه قال: (إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صفدت الشياطين ومردة الجن، وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب، وينادي مناد: يا باغي الخير! أقبل، ويا باغي الشر! أقصر، ولله عتقاء من النار، وذلك كل ليلة) وعند الإمام ابن خزيمة: (صفدت الشياطين مردة الجن) يعني أن الشياطين هم مردة الجن.
ونريد أن نقف طويلاً عند هذا الخبر العظيم، خاصة عند قول رسول الله ﷺ : (وينادي مناد: يا باغي الخير! أقبل، ويا باغي الشر! أقصر) فهذا أنسب شاهد لما نحن بصدده من الكلام على انقسام الناس وتباينهم عند استقبال رمضان مصداقاً لقوله تعالى: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ [الليل:٤].
ففي هذا الحديث يبين النبي ﵊ أن هناك من يبغي الخير في رمضان، وهناك من يبغي اقتراف الشر والصد عن سبيل الله في رمضان.
فمنذ بداية هذا الشهر يتكرر النداء العام ويختص بهذا الشهر (يا باغي الخير! أقبل) أي: أقبل فقد أعددت وخططت وتهيأت، وها هو قد فتح السوق، فمن أراد الغنيمة فلينتهز الفرصة، يقول ﵊: (إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صفدت الشياطين ومردة الجن)، أو: (صفدت الشياطين مردة الجن) وتصفيد الشياطين في شهر رمضان يحتمل أن يكون المراد به تصفيد الشياطين الذين كانوا يسترقون السمع، ولذلك قال بعض العلماء: ألا تراه قال: مردة الشياطين.
يشير إلى قوله ﵎: ﴿وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ﴾ [الصافات:٧]؛ لأن شهر رمضان كان وقتاً لنزول القرآن إلى سماء الدنيا، وكانت الحراسة قد وقعت بالشهب، كما قال : ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا﴾ [الجن:٨]، فزيد التصفيد في شهر رمضان مبالغة في الحفظ، وهذا أفاده الإمام الحليمي، والله تعالى أعلم.
ويحتمل أن يكون المراد من تصفيد الشياطين في زمان وأيام رسول الله ﵌ وبعده أيضاً، والمعنى أن الشياطين في شهر رمضان لا يخلصون فيه من إفساد الناس إلى ما كانوا يخلصون في غيره؛ لاشتغال المسلمين بالصيام الذي فيه قمع الشهوات، وبقراءة القرآن وسائر العبادات التي تهذب النفس وتزكيها، قال رب العزة جل وعلا: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣].
فالحكمة من الصيام هي الوصول إلى تقوى الله ﵎، وهذا أمر ملموس، وهذا من بركة هذا الشهر حتى على العصاة، فإنك تجد عند ابتداء شهر رمضان همة الناس في إصلاح حالهم مع الله وفي الصلح مع الله تزداد، فالمحسن يرغب في زيادة الإحسان والمسيء تجده مقبلاً على الخير، وآية ذلك أن تنظر إلى المساجد في أول ليلة من رمضان، بل انظر إلى المساجد في صلاة الفجر في أوائل رمضان، ثم انظر إلى طبيعة أسئلة الناس في أوائل شهر رمضان أو قبل قدومه بأيام، تجد أن كل إنسان يراجع نفسه ويقول: أنا أفعل كذا وكذا فهل لي من توبة؟ أنا أريد أن أفعل كذا وكذا ولكن يمنعني كذا وكذا؟ وتجد العصاة يريدون أن يقصروا عن الشر وأن يتوبوا وأن يصلحوا حالهم مع الله ﵎.
ولذلك كانت مسئولية كل من يتبوأ مقام الدعوة في رمضان كما يصنع التاجر حين يغتنم الفرص حتى يروج سلعته ويفوز بالأجر العظيم ويغتنم الربح الوفير، فكذلك الداعية إلى الله ، وكل مسلم يجب أن يكون داعية إلى الله، فمن علم شيئاً عليه أن يدعو إليه، يقول ﵊: (بلغوا عني ولو آية).
فالواجب الاهتمام واغتنام هذه الفرصة العظيمة، فإن الناس يقبلون على الله أشد الإقبال، والشيطان قد توعد بني آدم -حسداً وحقداً- أن يفتنهم وأن يتفنن في إضلالهم، وأقسم في ذلك بعزة الله ﵎، ومما يؤسف له -إذا نظرنا إلى واقع الناس عموماً على ظاهر الكرة الأرضية وإلى واقع المسلمين خصوصاً- أن إبليس وفى بقسمه وبر بعهده.
فانظر وقارن بين أولياء الرحمن وبين أولياء الشيطان، تجد أن جنود إبليس في أجهزة الإعلام يحتشدون ويتجهزون لحرب الدين وأهله، وكأن الشيطان يبعثهم سرايا حتى يضلوا الناس ويضيعوا عليهم هذه الفرصة ويغلقوا عليهم هذه الرحمة الواسعة، وذلك بصدهم عن المساجد وإشغالهم باللهو والفسق والفجور، وصدهم عن طريق الله وقطع الطريق إلى الله على عباد الله، وقارن بين الدعاة إلى الله هل بروا بالعهد الذي أخذه الله عليهم كما بر أولياء الشيطان وكما بر إبليس بعهده فتفنن في إضلالهم؟! إذاً: ينبغي الاعتناء باغتنام فرصة إقبال الناس على ربهم ﵎، وينبغي تفويت الفرصة على أعداء الدعوة الإسلامية وعلى قطاع الطريق إلى الله الذين ينتهزون مواسم الخير ليعكروا صف المسلمين، وليمزقوا وحدتهم، وليحدثوا فيهم البلبلة والتشكيك، وكأن رمضان صار موسماً للمشكلات من أوله إلى آخره.
فعلى الإخوة جميعاً أن يهتموا بهذا الأمر، ويجتهدوا في تفويت هذه الفرص على أعداء الدعوة.
قوله: (ولله عتقاء من النار، وذلك كل ليلة) نسأل الله أن يجعلنا وإياكم منهم.
стр. 177
أعمال بغاة الخير خلال شهر رمضان وصفاتهم
نقف وقفة مع هذا المنادي الذي ينادي في الناس، ونحن لا نسمعه، ولكن الصادق المصدوق أخبرنا فكأننا سمعناه بأنفسنا، بل أبلغنا بقوله: (يا باغي الخير! أقبل ويا باغي الشر! أقصر) فهذا النداء يحض على التوبة وهي أعظم الخير، ولذلك سنتوقف عندها قليلاً.
стр. 178
العمرة في شهر رمضان
إن من الخير الذي يجنيه الصالحون في هذا الشهر، والذي من أجله يقول له الملك: يا باغي الخير! أقبل -أي: هلم إلى موسم الخير كله- من ذلك الخير العمرة في رمضان، فمن استطاع أداء العمرة في رمضان فلا يفرط في ذلك.
فعن ابن عباس ﵄: (أن النبي ﵌ لما رجع من حجة الوداع قال لامرأة من الأنصار اسمها أم سنان: ما منعك أن تحجي معنا؟ قالت: أبو فلان -تعني زوجها- له ناضحان حج على أحدهما والآخر نسقي عليه.
فقال لها النبي ﷺ -على سبيل المواساة لها-: فإذا جاء رمضان فاعتمري؛ فإن عمرة فيه تعدل حجة -وفي لفظ: تعدل حجة معي-) وهذا الحديث متفق عليه.
فقول النبي ﵌: (عمرة في رمضان تعدل حجة معي) يعني: إذا اعتمرت في رمضان فكأنك وقفت في عرفات مع الرسول ﷺ وطفت بالبيت.
стр. 179
الحرص على تعمير المساجد بالطاعات
إن من صور الخير تعمير المساجد والحرص على ذلك، جاء في الحديث الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: (من صلى لله أربعين يوماً في جماعة يدرك التكبيرة الأولى كتبت له براءتان: براءة من النار وبراءة من النفاق) فمن حرص على تطبيق هذا الحديث تغير حاله، واستقام شأنه، وزاد إيمانه، واقترب من الله ، وتضاعفت أعماله الصالحة.
فالشرط الأول: (من صلى لله) أي: من صلى مخلصاً لله بأن يحافظ على صفة الإخلاص وعدم الرياء.
الثاني: قوله: (أربعين يوماً) يعني: يحافظ على الصلوات الخمس لمدة أربعين يوماً متصلة.
الثالث: (في جماعة) أي: يحضر صلاة الجماعة.
الرابع: (يدرك التكبيرة الأولى) فلابد من أن يدرك تكبيرة الإحرام ولا يتخلف عنها.
قوله: (كتبت له براءتان: براءة من النار وبراءة من النفاق) براءة من النار باجتهاده في طاعة الله ﵎ وإقامة الصلاة في جماعة، وبراءة من النفاق لأنه تبرأ من سلوك المنافقين الذين إذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى، أما هذا فيستعد ويتأهب ويحرص على حضور تكبيرة الإحرام.
стр. 180
التوبة واستغلال شهر رمضان بسائر الطاعات
نقول: لا بد من التوبة والندم على ما فات من التفريط؛ لأن النبي ﷺ قال: (الندم توبة)، والخير الذي يبتغيه عباد الله الصالحون على رأسه الصيام والقيام وقراءة القرآن، والاعتناء بالعشر الأواخر وذلك بتعميرها بالطاعات، والاجتهاد في تحري ليلة القدر، وكذلك الصلاة في جماعة، والانشغال بذكر الله وبدعائه ﵎، والعمرة في رمضان تعدل حجة مع النبي ﷺ ، والاعتكاف في بيوت الله، وتفطير الصائم، وأداء زكاة الفطر وزكاة المال -أيضاً- كما يفعل كثير من الناس، فهم يجعلون رمضان وقت إخراج الزكاة توسعة على إخوانهم المسلمون، وكذلك الجهاد في سبيل الله، فإن رمضان هو شهر الجهاد، كان فيه غزوة بدر، وكان فيه فتح مكة، وكان فيه موقعة عين جالوت وغير ذلك من المعارك التي انتصر فيها المسلمون في شهر رمضان المبارك.
وكذلك هو شهر الإنفاق والسخاء والجود وإكرام عباد الله ﵎، وهو شهر الكف عن أذى الخَلْق، بل هو شهر حسن الخُلُق مع الناس، حيث إن الصائم لا يرفث ولا يفسق ولا يسخط، وهو شهر التوبة من كل معصية، ورمضان هو شهر التربية الجماعية للأمة جمعاء، وهذه في الحقيقة ما زالت غصة في حلوق أعداء الإسلام لا يستطيعون القضاء عليها، حتى الشخص الذي أغراه الشيطان بالإفطار إذا خرج إلى الشارع يجد فيه الصائمين، وإذا ركب وسائل النقل يجد الصائمين، وفي الكلية وفي المتجر وفي المصنع يجد الصائمين، فهذه التربية الجماعية تجعله يعود إلى عقله ويثوب إلى رشده، فعلى الأقل يستحيي من المجاهرة، إلا أن يكون قد فقد الحياء بالكلية من الله ومن الناس.
إذاً رمضان مدرسة وفرصة ليصلح كل إنسان حاله مع الله ﵎.
وإذا كان التدخين عادة سيئة فرمضان أعظم فرصة للتوبة من هذه الخصلة القبيحة وغيرها مما ينبغي أن نتجنبه.
следующие страницы →