← Джавами‘

Джавами‘ · id 37018

دروس الشيخ محمد إسماعيل المقدم

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (2 122 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

توحيد الله هو أساس الإسلام وأصل أصوله ومفتاح دعوة الرسل الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، المتفرد بالإلهية على جميع خلقه، والمختص بنعوت الكمال وصفات الجلال والجمال بلا شبيه ولا مثال، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره الكافرون، وأمره أن يقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وحتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله، وعلى آله وصحبه أهل العدل والتوحيد، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فمن نافلة القول، ومكرور الكلام أن يقال: إن التوحيد هو أساس الإسلام، وإنه أصل أصوله، وإن التوحيد من الإسلام بمكان الذروة والسنام، فذلك أمرٌ اتفقت عليه دعوة الرسل أجمعين من لدُنْ آدم إلى خاتمهم محمد ﵌، فما من الرسل أحد إلا افتتح دعوته بقوله: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [هود:٥٠]. فالتوحيد هو زبدة الرسالات الإلهية وغايتها، وقطب رحاها وعمدتها، ترتكز كلها عليه، وتستند في وجودها إليه، تبتدئ منه وتنتهي إليه، ولا عجب! فهو يقوم على إفراد الله بما هو محض حقه من أنواع العبادة وصورها، وإخلاص القصد والإرادة له في أدائها، واعتراف الإنسان على نفسه وعلى غيره من المخلوقات بوجوب العبودية لله في سائر الحالات. فالله وحده هو ربهم، ومليكهم، والقاهر فوقهم، والمتصرف فيهم بما يشاء، لا رادّ لحكمه، ولا دافع لقضائه، وهم جميعاً المرذولون المقهورون الفقراء المحدثون الضعفاء، الذين لا غنى لهم عنه طرفة عين، ولا قيام لهم بدونه لحظة من الزمان. فلم يرسل الله نبياً ولا رسولاً إلى قومه إلا وجعل مفتاح دعوته أن يقول لهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [هود:٥٠]، فهذا الأصل هو أصل الأصول في دين الإسلام.

стр. 1262

التوحيد أساس الإسلام ومفتاح دعوة الرسل

стр. 1263

بطلان قول من قال إن أصل الأصول هو تأليف القلوب لقد نشأت في هذا الزمان أفكار كثيرة، واختلفت كثير من الاتجاهات، فانحرف بعض الناس في تحديد أصل الأصول، وأهم المهم من قضايا الإسلام، فرأينا من يقول: إن أصل الأصول هو تأليف القلوب. كما هو معروف عند بعض الجماعات!! فلو قلنا: إن هذا هو أصل الأصول فإنه ينبغي أن يُقدّم على غيره عند التعارض، فمثلاً: إذا رأوا رجلاً يقع في الشرك بالله، أو في الطواف بالقبور، أو غير ذلك من صور الشرك، فيقولون: أصل الأصول هو تأليف القلوب. فنقدم تأليف القلوب على إنكار هذا المنكر حتى لو كان شركاً؛ لكي تتألف القلوب ولا تتفرق!! فإن إثارة هذه القضايا وإنكارها على من يفعلها مما ينافي أصل الأصول. فيبتدعون هذا الأصل، ويتحاكمون إليه بدل أن يتحاكموا إلى أصل الأصول الذي هو توحيد الله .

стр. 1264

بطلان قول من قال إن أصل الأصول هو إقامة الحكومة الإسلامية كذلك وجدنا كثيراً من الدعاة بل والمجاهدين في سبيل هذه الدعوة المباركة قد نشأ لديهم تصور انعكس منهم على قطاع عريض من الشباب المسلم، وقد فهم كثير من الشباب من كلام هؤلاء الدعاة أن أصل الأصول هو: إقامة الحكومة الإسلامية!! فيجعلون إقامة الحكومة الإسلامية هو غاية إرسال الرسل؛ بل إن من الدعاة الكبار وأهل الخير والفضل من جعل في بعض كتبه أن الغاية الأساسية من دعوة الرسل: إقامة الحكم الإسلامي، أو: إقامة الحكومة الإلهية أو الحكومة الإسلامية!! بل ويذهب إلى أن أصل الأصول وغاية الرسل هي إقامة الحكومة الإلهية، فيزعم أن الأنبياء انقسموا: فمنهم من استطاع أن يقيم الحكومة الإسلامية، ونجح في دعوته!! وذكر منهم محمداً ﷺ ، وموسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، ومنهم من لم ينجح في تحقيق أصل الأصول، وهو الحكومة الإسلامية، وربما حاول التمهيد لإحداث انقلاب سياسي في الأمم من بعده!! ويذكر أمثلة كإبراهيم ونوح وغيرهما من الأنبياء عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام. مثل هذا الكلام ينبغي أن يراجع وأن يمحص في ضوء الكتاب والسنة، وأن نبين أين موقع قضية الحاكمية أو قضية السياسة بالنسبة لأصل الأصول الذي هو توحيد الله . الله يقول: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات:١٧١ - ١٧٣]، هذا وعد من الله أن كل الأنبياء وأتباعهم منتصرون، فلم ينهزم نبي، ولم يفشل في أن يحقق الهدف الذي بعثه الله به، قال الله : ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ﴾ [الصافات:١٧١ - ١٧٢]، فالله لا يخلف وعده، فلابد أن الأنبياء انتصروا، ولابد أن جند الله غَلَبوا، ولابد أنهم حققوا الهدف الذي بعثهم الله من أجله، وهو أصل الأصول في هذا الدين، حتى نوح ﵇ الذي مكث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً، ويأتي من يّدعي أن نوحاً لم يحقق هدفه من رسالته! وأنه فشل في تحقيق الهدف الأسمى، وهو الحكومة الإسلامية أو الدولة الإلهية! حتى نوح يقول الله حاكياً عنه: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ [القمر:١٠]، وانتصر الله له، ونصره على الكافرين، وانتصر نوح، ولا شك في ذلك. فهذا التعبير إنما نشأ عن غلبة الاتجاه السياسي والمفاهيم السياسية، ومحاولة حشرها وإعطائها الحجم الأكبر من قضايا الإسلام، بحيث يكون هو في تصور كثير من الشباب أصل الأصول، وقطب الرحى، وعمود هذا الدين.

стр. 1265

أصل الأصول معلوم في الكتاب والسنة ولا يحتاج إلى اجتهاد لمعرفته أصل الأصول لن نجيب نحن عنه؛ ولكن الذي يملك الحق في تحديد هذا الأصل هو الله ، فإن الله ما خلق هذا الخلق عبثاً؛ بل لحكمة عظيمة بيّنها الله في كتابه المجيد، يقول : ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الدخان:٣٨ - ٣٩]، ويقول : ﴿مَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ [الأحقاف:٣]، والله هو صاحب الحق الوحيد في أن يرينا الإجابة عن هذا السؤال لماذا خلقنا الله؟ لماذا بعث الله الرسل؟ لماذا خلق هذا الكون؟ لماذا خلق الجنة والنار؟ وعلى أي أساس قسّم الناس إلى: متقين وفجار، ومؤمنين وكفار؟ فهو جل وعلا يقول: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤]، ويقول الله : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، هذا أسلوب حصر، حصر الحكمة والهدف من الخلق في أصل الأصول وهو عبادة الله وحده؛ لأن المقصود: (إلا ليعبدون) أي: ليعبدوني وحدي، ولا يعبدوا معي غيري، وهو توحيد الله : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٦ - ٥٨]، وقال : ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون:١١٥ - ١١٦]، ويقول : ﴿أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة:٣٦]، ويقول : ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ [الملك:١ - ٢].

стр. 1266

الحكم والسياسة ومحلهما من الدين نتناول في هذا المبحث أمرين: الأمر الأول: أن الحكم والسياسة من الدين، ومن ذهب إلى أنه لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين فهذا قد سلك أقصر الطرق إلى الكفر؛ لأنه مثل من قال: الخمر حلال، والزنا حلال، فأحل ما حرم الله، أو حرم ما أحل الله، أو أنكر آية من القرآن، فهذا وذاك في الكفر سواء، وفي الخروج عن حظيرة الدين سواء، وهذا مما لا يُختلف عليه. فربما كان الناس في أي زمان من الأزمنة الماضية لم يتضح عندهم هذا المفهوم بقدر ما اتضح عندنا، وما ذاقوا من الويلات كما ذقنا بمجرد أن انتهت الخلافة الإسلامية، وفي هذا يقول شوقي مبيناً آثار انهيار الخلافة الإسلامية: فلتسمعن بكل أرض داعياً يدعو إلى الدجال أو لسجاحِ وليشهدن بكل أرض فتنةً فيها يباع الدين بيع صباحِ يعني: ما دامت الخلافة قد ضاعت فتوقعوا أنكم ستسمعون في كل أرض داعياً يدعو إلى الكذاب مثل دعوة مسيلمة أو دعوة سجاح التي ادعت النبوة. وليشهدن بكل أرض فتنة فيها يباع الدين بيع صباح يباع الدين ويستهان به، ولا غرو؛ فقد قال النبي ﷺ : (لتنقضن عُرى الإسلام عروة عروة، فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها، فأولهن نقضاً الحكم، وآخرهن الصلاة)، فجعل الحكم من عُرى الإسلام؛ بل قرنه بأعظم أركان هذا الدين ألا وهو الصلاة، (فأولهن نقضاً الحكم، وآخرهن الصلاة). وإن كانت كلمة التوحيد (لا إله إلا الله محمد رسول الله) فيها نفي وإثبات؛ فينبغي لكل شخص حتى يستحق صفة المسلم أن يجمع بين كفر وإيمان: كفر بكل الآلهة سوى الله، وإثبات العبودية لله وحده، (لا إله إلا الله) أي: لا إله حق إلا الله، لكن لا يصح أن يقال: لا إله موجود إلا الله؛ لأن هناك آلهة موجودة دون الله، وهي آلهة باطلة، كما قال الله : ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الفرقان:٤٣]، إذاً: الهوى إله يُعبد من دون الله، والمال إله يعبد من دون الله، يقول النبي ﷺ : (تعس عبد الدينار! تعس عبد الدرهم! تعس عبد الخميصة! تعس عبد القطيفة! تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش)، والساحر طاغوت وهو إله يُعبد من دون الله، والشيطان إله يعبد من دون الله، يقول الله : ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [يس:٦٠ - ٦١]، فالشيطان إله، لكنه إله باطل، فالله وحده هو الإله الحق الذي يستحق أن يُفرد سبحانه بالعبودية. الحاكم بغير ما أنزل الله إله باطل يُعبد من دون الله، وهو من رءوس الطواغيت كما بين القرآن وكما بينت السنة، فيجب أيضاً الكفر بهذا الطاغوت، كما قال الله : ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انفِصَامَ لَهَا﴾ [البقرة:٢٥٦]، والعروة الوثقى هي: (لا إله إلا الله). إذاً: حتى نستمسك بهذه العروة الوثقى لابد أن نكفر بكل طاغوت، ونؤمن بالله وحده، لكن لا يصح الإشراك مع الله في هذه العبادات. فنقول: إن الحكم بغير ما أنزل الله من الكفر، أو هو من رءوس الكفر، كما قال الله : ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤]، فلا يصح الإيمان ولا دعوى الإيمان حتى يجمع الإنسان بين الإيمان بالله والكفر بكل إله يُعبد من دون الله من الطواغيت، ومن رءوس هؤلاء الطواغيت: من يحكم بغير ما أنزل الله ، يقول النبي ﷺ : (من مات وليس في عنقه بيعة فميتته جاهلية)، أي: من مات وليس في عنقه بيعة للخليفة المسلم، وللحاكم المسلم فهذه ميتة جاهلية، وتشبه موتة أهل الجاهلية، فإن كان هناك خليفة ولم تبايعه، أو خرجت على طاعته ونقضت بيعته فأنت على خطر عظيم، أما إذا لم يوجد هذا الخليفة ولم تستطع مبايعته فقد أشبهت موتتك موتة أهل الجاهلية؛ لأنهم كانوا في فوضى لا يجمعهم نظام.

стр. 1267

الحكم من أهم قضايا الدين وليس أهم قضية فيه وهناك أدلة كثيرة على هذه المسألة لن نطيل بسردها؛ لأن المقام ليس مقام تفصيل. خلاصة القول: أن الحكم الإسلامي من أركان هذه الأمة، ومن أهم القضايا في هذا الدين. إذاً: نقول: هو مِنْ أهمّ القضايا، ولسنا نقول: هو أهم القضايا؛ لأن هناك ما هو أهم منه؛ ألا وهو توحيد الله . فنبين ونؤكد على أن الحكم من الدين، ولكنه ليس هو المقصود الأسمى والغاية العظمى من بعثة الرسل، فإنما أرسلت الرسل للدعوة إلى توحيد الله ، ولا يصح أن يقال: إن الأنبياء بُعثوا لإقامة الحكومة الإسلامية، إنما بعثوا للدعوة إلى توحيد الله ، وآية ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦]، فلا يصح أن يقال: إن الأنبياء الذين لم يقيموا حكومة فعلية قد فشلوا في دعوتهم، وقد يتأدب البعض في التعبير فيقول: إنهم كانوا يمهدون، فاكتفوا بالتمهيد ولم يقيموا هذه الحكومة، وهذا خطأ، والصحيح أن نقول: إن الأنبياء انتصروا على الكفر، وبلغوا البلاغ المبين، وقاموا بما كلفهم الله به، ألا وهو الدعوة إلى توحيد الله ، والدليل من القرآن قوله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات:١٧١ - ١٧٣]. حتى غلام أصحاب الأخدود، كما في قصة الغلام مع الراهب والساحر والملك، هذا الغلام لما أرشد الملك في النهاية إلى كيفية قتله، وطلب منه أن يجمع الناس في صعيد واحد، ويرميه بالسهم ويقول: باسم الله رب الغلام، قال: فإنك إن فعلت ذلك قتلتني. ففعل الملك ذلك، فما إن أصابه السهم حتى قتل هذا الغلام، لكن هل هو مغلوب؟ لا؛ بل هو منتصر بلا شك؛ لأنه بلغ التوحيد، وأثر في الناس، ودخلوا في دعوة التوحيد، حتى أغراهم الملك بالكفر، وهدّدهم بإلقائهم في الأخدود، فصبروا على دينهم، وأنزل الله في ذلك الآيات الواردة في سورة البروج: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ * وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ * وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ * قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ * وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج:١ - ٨]، هؤلاء في الظاهر منهزمون، لكنهم في الحقيقة منتصرون، وهذا الغلام مات منتصراً ولم يمت مهزوماً.

стр. 1268

بيان معنى (الحكم لله) أو (الحاكمية لله) الأمر الثاني: أن كلمة (الحكم لله) أو (الحاكمية لله) راجت بين الشباب بفعل قيام بعض الناس بالترويج لهذا المفهوم، واتخذت صورة قاصرة في فهم معنى كلمة: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [يوسف:٤٠] أي: ما معنى الحاكمية لله؟ فهل (الحاكمية لله) أصبحت مفهوماً نرى كل شيء في الواقع من خلاله، فلا ننظر إلى الزكاة والصيام والحج والصلاة وغيرها من القضايا الشرعية إلا من خلال كلمة (الحكم لله) أي: بالمفهوم السياسي؟! كلا، لكن كلمة: (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ) التي نطق بها يوسف ﵇ وهو بين جدران السجن، وهو يدعو إلى التوحيد، ولم ينفض يديه عن أعباء الدعوة؛ لأنه لم يُقِمْ الحكومة الإسلامية، لكنه كان يمارس دعوته ويؤدي رسالته بقوله: (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ)، ثم بين المقصود من ذلك فقال: ﴿أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٤٠]. فإذا ذكرنا كلمة - (الحكم لله) - أو (الحاكمية لله)، فلا يصح أن ينصرف الذهن -فقط- إلى الجانب السياسي، فلو راجعنا قسم (الحكم) في كتب أصول الفقه، فسوف نعرف المدى البعيد الذي تصل إليه هذه الكلمة (إن الحكم إلا لله) في كل شيء. وقول الله : ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة:٤٤] هذا قول عام، ليس فقط على الحكام أو القضاة الذين لا يحكمون بكتاب الله، ولكنه يعم كل مسلم له حظ من هذه الآية؛ لأن الآية فيها صيغة عموم: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ)، أي: كل من لم يحكم، وقوله: (بما أنزل الله) تشمل كل ما أنزل الله، فكلٌ له نصيب من هذه الآية، إذ لابد من الحكم بما أنزل الله في كل مكان، بل وأعظم من ذلك، كما قال النبي ﷺ : (كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته)، وأول راع هو الحاكم، فقال ﵊: (الإمام راع، وهو مسئول عن رعيته)، فالحاكم أول هؤلاء الرعاة الذين يسألون عن رعيتهم: (والرجل في بيته راع، وهو مسئول عن رعيته) الحديث، وأيضاً قال ﷺ : (إن الله سائل كل راع عن ما استرعاه؛ حتى ليسأل الرجل عن أهل بيته). إذاً: الحكم بما أنزل الله درجات، أعلاها: ما يتعلق بالحاكم، بأن يسوس الناس ويحكمهم بالدين، وأن يحرس الدين، فسياسة الدنيا بالدين وحراسته هي وظيفة الحاكم. أما المحكومون فتتنوع مسئولياتهم بتنوع أقدارهم ومواطنهم، فأنت تحكم بما أنزل الله مثلاً بين أولادك، فمما أنزل الله ألا تفضل بعضهم على بعض في العطية، فمن فضل ولداً على سائر إخوته بالهدية -مثلاً- أو الهبة فإنه لم يحكم بما أنزل الله؛ لأن الله حرم هذا، وأيضاً: أمر الزوجة بالمحافظة على الصلوات: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه:١٣٢]، هذا أمر وحكم أنزله الله، وقال في بعض أحكام الطلاق: ﴿ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ﴾ [الطلاق:٥]. فالحكم بما أنزل الله يمتد ليشمل كثيراً من الجوانب، منها: الجانب السياسي، والاجتماعي، وجانب العبادات، وجانب التوحيد، وهو أعظمها بلا شك. إذاً: هذا مما ينبغي الانتباه إليه، فليست الحاكمية بالمفهوم الضيق الذي طرأ في العصور الأخيرة، لكن الحاكمية أوسع من هذا، ولا يعني هذا أننا نبتر الجانب السياسي من الإسلام، ولكن يكون قدره أقل بالنسبة لأصل الأصول ألا وهو توحيد الله . أيضاً: ما هو الأثر عندما نعتبر أن الحكم هو أصل الأصول في الدعوة الإسلامية؟ هذا يترتب عليه أن يصبح الحكم غاية، والحكم ما هو إلا وسيلة لتطبيق شرع الله ؛ لكن ليس هو الغاية العظمى من بعثة الرسل؛ ولذلك فإن الصحابة ﵃ كان يأمرهم النبي ﷺ إذا أغاروا على قوم أن يدعوهم قبل القتال، فلم تكن المسألة مسألة غنيمة فقط، كما أنهم لم يقهروا الناس أو يكرهوهم على الدخول في الدين مباشرة، ولم يبدءوهم بالقتال، ولكن كانوا يبلغونهم الدين قبل كل شيء؛ لأن الجهاد والفتح ما هو إلا وسيلة لتطبيق شرع الله، والدعوة إلى توحيد الله .

стр. 1269

الدعوة إلى توحيد الله لا تتوقف على وجود الحكومة الإسلامية إذا لم يتمكن المسلمون من إقامة الحكومة الإسلامية فهل ينفضون أيديهم من تبعات الدعوة؟ لا؛ لأنه ما زالت المسئولية الأصلية باقية، ألا وهي الدعوة إلى توحيد الله، وإلى تصفية العقيدة، والصبر على ما وراء ذلك من الأذى. وكما سبق في قصة يوسف ﵇ أنه أدى هذه الواجبات وهو مسجون: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [يوسف:٣٩ - ٤٠]، فهو يوضح معنى (إن الحكم إلا لله) ﴿أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٤٠].

стр. 1270

مفاسد ترتكب لو جعل الحكم هو الغاية أيضاً: إذا جعلنا الحكم هو الغاية فمعنى ذلك أننا قد نستبيح في سبيله بعض الوسائل غير المشروعة، كالانضمام إلى الأحزاب المحاربة لدين الإسلام؛ كحزب الوفد وغيره من الأحزاب العلمانية، وكلمة (العلمانية) هذه كلمة مهذبة، دون ما يستحقه القوم من ألقاب، فكلمة (علمانية) تعني: (اللادينية) هذه كلمة في ظاهرها مهذبة، وما هي إلا رفض دين الإسلام، وتسوية الدين الإسلامي بكل الأديان، بحيث تقف كلها على قدم المساواة، فالحق يساوي الباطل من أجل الوحدة الوطنية أو الأخوة الإنسانية وغيرها من المفاهيم الباطلة، لكن العلمانية كفر ورفض لدين الإسلام، ومحاولة لعزله عن واقع الحياة. فهذه عبارات مهذبة حتى لا توقع العبارات الصحيحة أصحاب هذه الدعاوى فيما يستحقونه من أوصاف شرعية. فالتنازل من أجل إقامة الحكم الإسلامي معناه: أن نتنازل عن عقيدتنا، ونتعاون مع هؤلاء الناس الذين يرفضون الدين، ويرفضون الإسلام، ولا يجعلون غايته هو توحيد الله، والدعوة إلى عبادة الله . الإنسان في هذا الوجود كائن مهم، ولا ينبغي الاغترار بظاهر الكفار وما هم عليه، كما قال الله مبيناً ما عندهم من العلم: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:٧]، فلا يغرنا ما يتمتع به الكفار من زينة الدنيا، ومن الغلبة والقوة والسطوة، فما قوتهم إلا في ضعف المسلمين، لكن القوة الحقيقية هي في الإيمان، والاعتصام بحبل الله المتين، فالله يقول: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [آل عمران:١٧٨]، فالتمكين في الأرض لا يأتي إلينا إلا بعد أن نتمسك نحن بالدين في أنفسنا، يقول الله : ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [الحج:٤١]، ويقول الله : ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ [الأعراف:١٣٧]، ويقول الله : ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص:٥]، إذاً: هي هدية ومكافأة وامتنان من الله على الاستمساك بحبل الله، فتكون العاقبة للمتقين، والعاقبة للتقوى، ويمكن الله لأوليائه في الأرض. أما أن نتنازل عن ديننا، أو عن المفاهيم الأساسية في ديننا من أجل تمكين وإقامة الحكومة الإسلامية، فهذا لا يكون؛ لأنه لابد أن تكون الوسائل شرعية، فالحكم أو السياسة ليس الغاية، إنما الغاية هي تحقيق العبودية لله وحده، كما قال تعالى: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ [هود:٢]، وهي سبب التمكين في الأرض.

стр. 1271

اتفاق الفرق الإسلامية على أن التوحيد أصل الأصول ومخالفة الإمامية في ذلك أيضاً: ينبغي أن نعرف ما هو أصل الأصول في هذا الدين، هل هو التوحيد؟ هل هو الحكومة الإسلامية؟ هل هو تأليف القلوب؟ إلى غير ذلك من الأهداف التي ينادى بها. قبل هذا الزمان ما كان أحد أبداً يجرؤ على أن يقول: إن أصل الأصول شيء آخر غير التوحيد، حتى جميع الفرق الإسلامية التي نشأت؛ سواء المعتزلة، أو الجبرية، أو الجهمية، أو الأشاعرة، أو أهل الحديث، أي فرقة من الفرق العقائدية ما كانت تعد أصل الأصول إلا التوحيد، وإن انحرف بعضهم في فهم التوحيد وكيفية تحقيقه، لا سيما في قضايا الأسماء والصفات، لكن لم يكن يوجد سوى فرقة الشيعة الإمامية التي تقول: إن هناك شيئاً آخر يعتبر أصل الدين سوى التوحيد. فمعلوم أن أصل الدين في كل عصور الإسلام ما كان يذكره العلماء إلا أنه هو توحيد الله ، حتى لو انحرف البعض في فهم عقيدة التوحيد، بل العلماء يذكرون في قول النبي ﷺ : (طلب العلم فريضة على كل مسلم) أن أوجب العلوم على العبد، وأول واجب على المكلف: معرفة الله ، ومعرفة معنى لا إله إلا الله، وكيفية تحقيق التوحيد. هذا هو الهدف الأسمى من بعثة الرسل، وهو أول واجب على كل مكلف: أن يفهم معنى لا إله إلا الله، وما هي لوازم هذه الكلمة، وما الذي ينقض هذه الكلمة، فيتعلم هذه الأشياء قبل أن يتعلم الصلاة وغيرها من الأحكام الفقهية. ولم يشذ عن جماعة المسلمين في هذا إلا فرقة الروافض -الشيعة الإمامية الإثني عشرية- فإنهم قد عدوا أصل الدين عندهم هو: (الإمامة)، وهو الإيمان بإمام لكل زمان، أي: يوجبون على الله أن ينصب إماماً لكل زمان، فحتى في هذا الزمان يقولون: إن الإمام موجود وهو المدعو: محمد بن الحسن العسكري، لكنه مختبئ في السرداب كما يزعمون. فالتوحيد لابد أن يقدم على ما سواه، فيقدم الأهم على المهم، وهذا التوحيد ليس لفظاً مبتدعاً، ولكن جاءت به أحاديث النبي ﷺ ، فقد كان أول ما يدعو الناس إليه كما في قصة معاذ عندما أرسله إلى اليمن فقال له: (إنك تأتي قوماً أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه أن يوحدوا الله)، فأول شيء هو التوحيد.

стр. 1272

أقسام التوحيد أما بالنسبة لأقسام التوحيد فهي ثلاثة أقسام: الأول: توحيد الربوبية، الثاني: توحيد الألوهية، الثالث: توحيد الأسماء والصفات، وهذا التقسيم ما جاء به النبي ﷺ ، ولم يستعمل هذه الاصطلاحات: الربوبية والألوهية والأسماء والصفات، كما لم يرد عنه العلم الذي يسمى: علم أصول الفقه، ولا مصطلح الحديث، وأصول التفسير، والتفسير واللغة العربية والنحو والصرف والبلاغة ونحوها، فهذه طرائق معينة لفهم الدين، فهي من باب الوسائل التي تسهل فهم هذه العلوم وتبسطها وتصونها من التحريف والزيغ. والنبي ﷺ قد أتى بمضمون هذه الأقسام الثلاثة، ولا مشاحة في الاصطلاح، فلا نختلف في الاصطلاح، لكن المهم ما وراء هذا الاصطلاح.

стр. 1273

توحيد الربوبية توحيد الربوبية: هو توحيد الله بأفعاله، أي: الأفعال التي تأتي من الرب إلى المربوبين الذين يربيهم وينميهم، فيأتيهم بالرزق، وهو الذي يحيي، والذي يميت، فكل ما أتى من الله أو فعله الله فهو من الربوبية، فتوحيد الربوبية: أن يؤمن العبد أنه لا يحيي ولا يميت ولا يرزق ولا يفعل أفعال الربوبية سوى الله ، فلا يخلق إلا الله، ولا يرزق إلا الله، ولا يحيي إلا الله، ولا يميت إلا الله، ولا يضر إلا الله، ولا ينفع إلا الله فتوحيد الربوبية: توحيد الله بأفعاله. وهذا النوع من التوحيد كان موجوداً لدى أكثر المشركين الكفار الذين حكى الله قصصهم مع الأنبياء والمرسلين، فكان موجوداً عند قوم نوح، وقوم صالح، وقوم هود، وجميع الأنبياء، حتى المشركين الذين بعث فيهم النبي ﷺ كانوا يقرون بأنه لا يحيي ولا يرزق ولا يخلق إلا الله، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان:٢٥]، كانوا على بقية من دين إبراهيم، لكن طرأ عليهم الشرك.

стр. 1274

توحيد الربوبية لا يكفي لدخول المرء في الإسلام توحيد الربوبية لا يكفي لدخول صاحبه في الإسلام، فإن فرعون كان يعلم بوجود الله تعالى رغم أنه الذي كان يقول: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]، وكان يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨]، وكان قومه يعلمون بوجود الله، والدليل على ذلك: أنهم لما أتاهم بأس الله هرعوا إلى موسى وقالوا: ﴿يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الأعراف:١٣٤]، وفرعون نفسه -كما حكى الله عنه في سورة الإسراء- قال له موسى: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء:١٠٢]، هذا خبر عن موسى ﵊، فيخبر عما في قلب فرعون، وهو لا يخبر إلا عن شيء يعلمه، كما جاء في سورة النمل: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل:١٤]، لكن كانوا في قلوبهم يعلمون يقيناً أن موسى رسول الله حقاً. إذاً: كان فرعون يعلم أن هناك إلهاً، وكان يعلم أن موسى رسول الله بنص القرآن كما بينا، موسى يقول لفرعون: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاءِ﴾ [الإسراء:١٠٢] يعني: هؤلاء الآيات: ﴿إِلَّا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء:١٠٢]، إذاً بنص القرآن فإن فرعون كان يعلم بوجود الله، وأبو جهل كان يوحد توحيد الربوبية، وأبو لهب كان يوحد توحيد الربوبية، واليهود بلا شك يوحدون توحيد الربوبية، وكذلك النصارى، لكن العبرة بما يأتي من أقسام التوحيد.

стр. 1275

لا بد من توحيد الألوهية لدخول الإسلام توحيد الألوهية: هو توحيد العبادة والقصد. فتوحيد الألوهية أو توحيد الإلهية: هو توحيد الله بأفعال العباد، فلا يصرف الإنسان عبادته إلا إلى الله، كما أنه لا رازق إلا الله، ولا خالق إلا الله، ولا محيي ولا مميت إلا الله؛ فكذلك لا معبود إلا الله . فهذا هو معنى توحيد الإلهية، أي: ألا تعبد إلا الله وتكفر بكل ما سواه من الآلهة الباطلة، سواء ما جاء عن الآباء والأجداد ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٣]، أو كان هذا الإله هو الشيطان، أو الطاغوت وهو الحاكم بغير ما أنزل الله، وكذلك الساحر، والكاهن، والعراف الذي يدعي معرفة الغيب، والمال، والبنون كل هذه آلهة باطلة تعبد من دون الله ، فينبغي أن تفرد الله بالعبادة. ما معنى العبادة؟ العبادة كما عرفها العلماء: هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الباطنة والظاهرة. فهذا هو معنى لا إله إلا الله، أي: لا معبود بحق إلا الله، فلا يستحق العبادة إلا الله ، فقد يكون الإنسان مؤمناً بأنه لا يرزق إلا الله، ولا يحيي إلا الله، ولا يميت إلا الله، ومع ذلك يشرك في العبادة، فيؤدي عبادته لغير الله، فهذا أشرك في الألوهية، فالمقصد الأسمى من دعوة الرسل: ألا يُعبد إلا الله، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥] أي: اعبدوني وحدي: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] المقصود: ليعبدوني وحدي، ولا يشركوا معي غيري في هذه العبادة. توحيد الربوبية لا يدخل صاحبه الجنة، ولا ينجي صاحبه من النار، وصاحب توحيد الربوبية ليس له فضل؛ كالنصراني الذي يؤمن بأن هناك إلهاً، وأن هناك خالقاً، وأن هناك رازقاً، ويقول: إن شاء الله، وبإذن الله. هذا ليس بمؤمن، ولا يصح أن يطلق عليه لفظ الإسلام أو الإيمان، فهو كافر بالله؛ لأنه لم يؤمن برسالة محمد ﷺ ، ولم يوحد الله توحيد الألوهية ولا توحيد الأسماء والصفات، فالذي يؤمن بتوحيد الربوبية هذا ليس له فضل، ولا ينقذه هذا من النار. وحتى الشيوعيون الملاحدة أيضاً -ولا شك- يوحدون توحيد الربوبية، وإن جحدوا ذلك في الظاهر، فيقولون: لا إله، والحياة مادة، ويجعلون الإلحاد -والعياذ بالله- علماً له أصول، ويدرس عندهم، ويدعون الناس إليه على أسس وقواعد باطلة هي من تضليلهم، فإن حالهم كسائر الكفار ما أخبر الله عنهم أنهم: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت:٦٥]، حتى لينين الذي هو من كبار الشيوعيين الملاحدة عند مرض موته كان يجلس عنده الزعماء والسياسيون والطواغيت يحضرون ساعة احتضاره، فلما اشتد عليه الاحتضار قال مرة: يا إلهي!! أو يا ألله!! فصرخوا واستنكروا هذه المقولة، فاعتذر عن هذه الكلمة، لكنه كان بفطرته يشعر بحاجته إلى الله !! كذلك أي واحد منا في أي كرب من الكربات، سواء أشرف على الهلاك في حادث من الحوادث، أو أصابه مرض، أو وقع في أي ضائقة، مهما بلغ من العصيان أو التمرد على الله ، أو المحاربة لأمر لله ونهيه، فإنه عند الضائقة يدعو الله مخلصاً له الدين، وينسى كل شيء كان يغتر به من مال أو سلطان أو غيره، ولا يذكر إلا الله وحده، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُورًا﴾ [الإسراء:٦٧]، فيخبر الله أن هذه الفطرة المتأصلة في قلب الإنسان موجودة، وأنها أعظم ما تستيقظ حينما يوقن الإنسان بالهلاك، فإنه حينئذ يخرج هذا الرصيد المتمكن من الفطرة في قلبه ليدعو الله وحده، وينسى ما يشرك من دون الله ، فحتى هؤلاء الملاحدة الشيوعيون الذين ينكرون وجود الله، فإذا وقع بأحدهم الكرب فإنه لا يدعو إلا الله؛ بل يدعو من كل قلبه الله مخلصاً له الدين. فهذا هو توحيد الألوهية، أي: توحيد الله بأفعال العباد، وهذا هو التوحيد الذي كلفنا الله به، ألا نعبد إلا الله حق عبادته.

стр. 1276

أقسام العبادة والعلماء يقسمون العبادة إلى أقسام، الأول: عبادات قلبية تؤدى بالقلب، فالآلة التي تستخدم في أداء هذه العبادات هو القلب. القسم الثاني: عبادات قولية تؤدى باللسان. القسم الثالث: عبادات بدنية تؤدى بالجوارح، وهناك عبادات مالية تؤدى بالمال.

стр. 1277

العبادات القلبية العبادات القلبية هي أعظم وأخطر العبادات، فعمل القلب هو الاعتقاد، مثل أن أقول: أعتقد بقلبي أن الله واحد لا شريك له، وأن الله على العرش استوى، وكذا الإيمان بأي صفة من صفات الله ، فهذا كله عمل قلبي. ولا ينبغي أن نلتفت لقول بعض الجهلاء الذين يقولون: لا عبرة بموضوع التوحيد؛ لأنه يفرق المسلمين، وأن التوحيد عبارة عن كلام نظري لا يترتب عليه عمل!! وقد جهل هؤلاء أن مسائل التوحيد يترتب عليها أعظم العمل، ألا وهو عمل القلب الذي هو أصل أعمال الجوارح كلها، والتوحيد هو تطهير للقلب من الشرك الذي هو نجس، كما قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة:٢٨]، هل معنى ذلك أنك لو سلمت على نصراني أو يهودي فقد تنجست؟ لا؛ لأن المقصود هو (نجس) عقيدتهم وقلوبهم، فقلوبهم قد تنجست بأكبر نجاسة في الوجود وهي نجاسة الشرك. وبعض المسلمين -هداهم الله- يصفون الكفار بالنظافة والنظام، نعم قد تجد عند هذا الكافر شيئاً من النظافة، لكنه منجس بأخبث نجاسة وهي نجاسة الشرك في قلبه، فقد اسودّ قلبه من نجاسة الشرك والكفر بالله ، وأعظم الزكاة للتطهير هي تزكية القلب: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس:٩ - ١٠]، (أفلح من زكاها) أي: طهر قلبه من درن الشرك والمعاصي، فأخطر نجاسة هي نجاسة القلب بالشرك، وأعظم الطهارة هي التوحيد، وتطهير القلب من الاعتقادات الباطلة. إذاً: هذا هو عمل القلب: أن يؤمن الإنسان أن لا إله إلا الله، وأن يؤدي حقوق هذه الكلمة، ويطهر قلبه مما ينافيها. ومن أعظم أعمال القلوب: محبة الله ، فإنها من أعظم عبادات القلب، كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥]، فالقلب الذي امتلأ بمحبة الله هو أطهر القلوب، أما إذا دخل القلب أي محبوب سوى الله أو مع الله فهذا القلب فيه دخن ونجس. والقلب لا يقبل الله فيه شريكاً، فمن تعلق بمعشوقه أو أي محبوب من الخلق يشغله عن محبة الله، فهذا لم يطهر قلبه ولم يزكه لله ، ولا يدخله الخير والنور ما دام قد جعل لله شريكاً في قلبه، فلابد من تجريد القلب لله . قال رجل لأحد العلماء: هل يسجد القلب؟ قال: نعم، يسجد سجدة لا يرفع رأسه بعدها أبداً. القلب إذا سجد لله هذه السجدة فإنها تظل مع المؤمن حتى يموت، فلا يرفع رأسه أبداً كما يرفع من الركوع والسجود، وهي الخضوع لله ، والتزام أمره واجتناب مناهيه مدى الحياة. فمن عبودية القلب: المحبة لله، وهي عبادة، والبغض في الله عبادة، فكراهية الكفار عبادة يتقرب بها إلى الله ، والبراءة منهم. ومن عبادات القلوب وأعمالها: التوكل، فالتوكل على الله عمل قلبي، وعبادة قلبية، كما أن عبادة الخوف من الله عبادة قلبية، وعبادة الرجاء عبادة قلبية، وغيرها من عبادات القلوب، فلا تحب إلا الله، ولا تتوكل إلا على الله، ولا ترجو إلا الله، ولا تخاف إلا الله، ولا تنوي عبادتك إلا لله. هذا هو معنى تحقيق توحيد الألوهية في القلب ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ [هود:٢]. وهذه العبادات التي تؤدى بالقلب، هل هي أعمال أم ليست أعمالاً؟ هي أعمال، ومن أعظم الأحاديث التي شملت تقريباً ثلث الدين حديث: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)، وهذه النية لا تؤدى إلا بالقلب، فالنية مكانها القلب، ولا تؤدى باللسان. إذاً: فاعتقاد القلب، والأعمال التي يعملها القلب تدخل تحت مسمى العمل، فالاعتقادات الصحيحة عمل مطلوب من الإنسان، ولا ينبغي أن يقال: إن هذه المسائل نظرية، وإن الصواب الاهتمام بأعمال الجوارح! فإن عمل القلب من أعظم الأعمال، وأعمال الجوارح تابعة لعمل القلب؛ ولذلك فإن صغائر القلب أخطر من كبائر الجوارح: فالرياء كبيرة، والعجب والغرور كل هذه المعاصي التي محلها القلب هي من الشرك، وهي مما ينافي توحيد الألوهية أو توحيد العبادة والقصد لله . فتحقيق عبودية القلب تعني: كيفية تحقيق القلب لشهادة أن (لا إله إلا الله)، فلا يحب إلا الله، ولا يخاف ولا يرجو ولا يتوكل إلا على الله ، فإذا وقع في الرياء فقد وقع في الشرك، وإذا وقع في أي نوع من أنواع الإلحاد في الاعتقاد القلبي فقد وقع في الشرك، وإذا وقع في أي عمل قلبي ينافي التوحيد، فخاف غير الله، أو توكل على غير الله؛ فهذا لم يحقق توحيد الله بالعبادات القلبية.

стр. 1278

العبادات البدنية والقولية والمالية العبادات البدنية مثل: الصيام، والصلاة، والزكاة، والحج كل هذه عبادات تؤدى بالبدن، فلا تصلي إلا لله، ولا تصوم إلا لله، ولا تؤدي الزكاة إلا لوجه الله، وأي نوع من العبادات التي تؤدى بالبدن فلا يقصد بها الإنسان إلا الله، بهذا نحقق معنى (لا إله إلا الله). والعبادات القولية مثل: النذر، والحلف، والصدق، والذكر، وغيرها من الأعمال، كلها تؤدى باللسان، فالصدق عبادة تؤدى باللسان، والحلف لا يكون إلا بالله، وهي عبادة تؤدى باللسان، ولا يتحقق التوحيد إلا بأن توجّه كل هذه العبادات إلى الله وحده. والعبادات المالية مثل: الذبح، فهو عبادة مالية، كأن تشتري الشيء الذي تذبحه بالمال مثلاً، فلا تذبح إلا لله، فمن ذبح لغير الله فقد وقع في الشرك. وهناك عبادات مالية أخرى كالزكاة، فلا تُزِكّ إلا لله، وكذلك الوفاء بالنذر إذا نذرت بمال، فهذه عبادة مالية لا تكون إلا لله. فمن فعل من أنواع العبادات شيئاً ووجّهه لغير الله فقد وقع في الشرك، وبإخلاصه لله يحصل تحقيق توحيد الألوهية.

стр. 1279

تحريم كل ما يفضي إلى الشرك لصون جناب التوحيد إن التوحيد لشدة خطره وعظم مكانته شرع الله كثيراً من الاحتياطات لصيانة جنابه، وهذا النوع من التوحيد هو المقصود من بعثة الرسل، فشرع الله له احتياطات كثيرة، فلم يحرم -فقط- الذبح لغير الله، والنذر لغير الله، والتوسل بالمقبورين، أو بالأولياء أو الأنبياء، ولكن شرع احتياطات كثيرة لحماية جناب التوحيد، وقد تبدو للإنسان أنها مسائل فرعية، ولكن المقصود بها: حماية جناب التوحيد.

стр. 1280

تحريم الألفاظ الشركية حرم الله على الإنسان أن ينطق بألفاظ توهم الندية والمساواة بين الله وبين خلقه، فحرم الله على الإنسان أن يقول: أنا في حمى الله وفلان، أو: أنا توكلت على الله وعلى فلان، أو تقول: ما شاء الله وفلان. وقد بين النبي ﵊ أن المخرج من هذا القول أن يعطف الإنسان بكلمة (ثم)، ولا يعطف بـ (الواو)؛ لأن (الواو) تقتضي المساواة بين المعطوف والمعطوف عليه، لكن (ثم) تقتضي تأخر المعطوف على المعطوف عليه، فتقول مثلاً: باسم الله ثم باسم فلان، أو أنا في حمى الله ثم في حماك، أو تقول: توكلت على الله ثم عليك، أو تقول: ما شاء الله ثم شئت. فهذا هو ما أرشد إليه النبي ﷺ ، قال ﵊: (لا يقولن أحدكم: ما شاء الله وفلان، وليقل: ما شاء الله ثم فلان). ونهى -أيضاً- النبي ﷺ عن الألقاب التي فيها تعظيم لغير الله، أو نسبة تأثير لغير الله، فمثلاً: بعض الناس يقول: وحياتك، أو: وحياتي، أو: وحياة أبيك، أو: لولا فلان لكان كذا، لولا أن الكلب نبح لكان اللص سرقنا، لولا مجيء فلان لقُتل هذا الرجل، لولا صياح الديك لسرقنا اللصوص. فتقول: لولا رحمة الله، لولا فضل الله، لكن لا تنسب التأثير إلى هذه المخلوقات لولا ذلك الطبيب لكنت قد متّ، أو لحصل لي كذا، لولا الدواء الفلاني لما شفيت، وهذا كله شرك فإن الله هو الشافي. فينبغي أن يفطن المسلم إلى مثل هذه الأمور التي تقدح في التوحيد.

стр. 1281

تحريم اتخاذ القبور مساجد لحماية جناب التوحيد نهى النبي ﷺ عن اتخاذ القبور مساجد، فاستفاض عنه ﷺ أنه قال: (لعن الله اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد). كما نهى عن الصلاة في أوقات معينة، حيث جاء في الحديث: (أن النبي ﷺ نهى عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها)؛ لما في ذلك من التشبه بالذين يعبدون الشمس؛ لأنهم يتحرون السجود للشمس في هذه الأوقات: وقت الشروق، ووقت الغروب. ونهى ﷺ عن شد الرحال إلى مكان من الأمكنة بقصد التقرب إلى الله فيه، سوى المساجد الثلاثة، كما في الحديث: (لا تُشدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا) يقصد المسجد النبوي.

стр. 1282

نهي النبي ﷺ عن القيام للرجال تعظيماً لهم ونهى النبي ﷺ أن يقوم بعض أصحابه له على جهة التعظيم، فقال ﷺ لأصحابه حين رآهم يقومون له: (لا تقوموا كما يقوم الأعاجم يعظّم بعضهم بعضاً)، وهدد النبي ﷺ من يحب أن يتمثل الناس له قياماً فقال: (من أحب أن يتمثل له الرجال بين يديه قياماً فليتبوأ مقعده من النار)، فهذا أيضاً من الأسباب التي تحمي حمى التوحيد؛ لأنه حين يقوم الناس بعضهم لبعض تعظيماً فإن ذلك قد يخدش في جناب التوحيد، وحينما وقعت آية من آيات النبي ﷺ ومعجزة له، سجد معاذ له، فقال له النبي ﷺ : (ما هذا يا معاذ؟! لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، ولكن لا ينبغي السجود إلا لله ، وفي الحديث الآخر: (أن النبي ﷺ صلى بالصحابة جالساً، وصلوا وراءه قياماً، فأشار إليهم أن اجلسوا، ثم قال لهم بعد أن فرغ من الصلاة: كدتم أن تفعلوا آنفاً فعل فارس والروم لعظمائهم، يجلس الرجل ويمثل الناس قياماً بين يديه)؛ لذلك نهى عن هذا الفعل.

стр. 1283

تحريم التصوير كما حرم النبي ﷺ التصوير بكل أنواعه -أي: تصوير ذوات الأرواح- لما فيه من مضاهاة خلق الله، ولما فيه من اعتداء على حق الله ، فالله هو المصور كما قال تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ [الحشر:٢٤]، وفي الحديث: (يقول الله يوم القيامة: أين الذين ذهبوا يخلقون كخلقي؟! فليخلقوا بُرة فليخلقوا شعيرة)، فهل يستطيع هؤلاء المصورون أن يخلقوا حبة شعير؟! وإنما تحداهم الله يوم القيامة لِعِظَم الحكمة من تحريم التصوير، وهي: مضاهاة خلق الله، وليس فقط حماية جناب التوحيد من عودة الناس إلى عبادة الأصنام التي كانوا يعبدونها، لكن الحكمة لأن فيها تشبهاً بخلق الله، فإن تشبه المخلوق بفعل الخالق لا ينبغي، كما جاء في تحريم التعذيب بالنار، فإنه لا يحل التعذيب بالنار؛ لأنه لا يعذب بالنار إلا رب النار، وكذلك التصوير من خصائص الخالق ، فلا ينبغي مضاهاة خلق الله، والتشبه بفعل الله في خلق ذوات الأرواح؛ ولذلك جاء عن النبي ﷺ في تحريم التصوير قوله: (إن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه كلب ولا صورة)، وقال: (إن أشد الناس عذاباً يوم القيامة المصورون، يقال لهم: أحيوا ما خلقتم)، فتحداهم الله بأن يحيوا ما خلقوا. أفلا يتقي الله أناس لم يكتفوا باستباحة هذه التصاوير في بيوتهم، ولكن بدءوا يجترئون على حرمة بيوت الله، ويدخلون هذه التصاوير داخل المساجد، ويوقظون الفتن، ويدسون الشر في بيوت الله!! فإذا كانت الملائكة لا تدخل المساجد فأين تدخل؟! ووجود الصور داخل المساجد من ذرائع الوقوع في هذه المخالفة العظيمة، وإقرار هذا المنكر العظيم، فينبغي أن نراعي حرمة المسجد، فإن المسجد له حرمة عظيمة، ولا ينبغي أن نُدخل إلى المسجد شيئاً من هذه التصاوير التي نهى النبي ﷺ عنها، وتواترت الأحاديث في تحريمها والتحذير منها.

стр. 1284

نهي النبي ﷺ عن الغلو ونهى النبي ﷺ أصحابه عن الغلو فيه وفي مدحه، فقال ﵊: (لا تطروني-والإطراء: هو المبالغة في المدح- كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، فإنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله) وقال ﵊: (لا تتخذوا قبري عيداً، ولا تجعلوا بيوتكم قبوراً، وصلوا علي حيثما كنتم)، ولما جاء ذلك الوفد وقالوا له: أنت سيدنا وابن سيدنا، قال: (إنما السيد الله)، ولما جاء رجل وقال للنبي: ما شاء الله وشئت، قال النبي ﷺ : (أجعلتني لله نداً؟! بل ما شاء الله وحده)، ولما دخل على النبي ﷺ رجل فأخذته رعدة، أي: ارتعد من هيبة النبي ﷺ ، فقال له: (هوّن عليك! فإنما أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد بمكة) ﷺ .

стр. 1285

نهي النبي ﷺ عن رفع القبور والبناء عليها وكذلك نهى ﷺ عن رفع القبور، وتجصيصها، والبناء عليها، وإيقادها بالسرج، والعكوف عليها؛ خشية الافتتان بها والوقوع في تعظيمها، كما هو الآن حال كثير من الناس الذين يعبدون القبور عبادة حقيقية، فيذهبون إلى المقبورين، وقد قسموهم إلى تخصصات: فهذا لمن أراد أن ينتقم من جاره، وهذه لمن أرادت أن تنجب، وهذا لمن أراد أن ينجح ولده في الامتحانات وهكذا أصبح لكل واحد تخصص!! فيطلبون منهم النصر على الأعداء، ويطلبون منهم الشفاء، ويطلبون منهم الإنجاب؛ حتى وقعوا في ألوان من الشرك ما كانت تخطر على بال أحد أن يقع فيها ممن ينتمي إلى أمة محمد ﵌.

стр. 1286

نهي النبي ﷺ عن الوفاء بالنذر في مكان كان يعبد فيه غير الله ونهى النبي ﷺ عن الوفاء بالنذر في مكان كان يعبد فيه صنم، أو كان يقام فيه عيد من أعياد الجاهلية، فإن النبي ﷺ جاءه رجل فقال: (يا رسول الله! إني نذرت أن أنحر إبلاً ببوانة -وهي هضبة قريبة من ساحل البحر- فقال له النبي ﷺ : أكان فيها صنم من أصنام الجاهلية يعبد؟ فقال: لا. فقال: هل كان يقام فيها عيد من أعياد الجاهلية؟ قال: لا. قال: فأوف بنذرك)؛ فلم يكن التحذير من هذه الأماكن إلا مراعاة لجانب التوحيد، واحتياطاً حتى لا يدخل فيه شيء من الشرك. ونهج الخلفاء الراشدون ﵃ نهج النبي ﷺ في الاحتياط للتوحيد، والمحافظة على حماه؛ فهذا عمر بن الخطاب ﵁، لما رأى بعض الناس يأتي لشجرة الرضوان فيصلي عندها -وهي الشجرة التي بايع الصحابة عندها النبي ﵊ فأمر بقطعها؛ حتى لا يفتتن الناس بهذه الشجرة، وحتى لا يتبركوا بها، وقال عمر ﵁ وهو يستلم الحجر الأسود ويقبله: (والله إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك!!).

стр. 1287

آداب الاستئذان [١] دين الإسلام دين كامل شامل لجميع جوانب الحياة، فما ترك خيراً إلا ودلنا عليه، ولا شراً إلا وحذرنا منه، ومن شمولية هذا الدين أنه حرص على حرمة الإنسان في كل شيء، ومن ذلك حرمته في بيته؛ ولأجل ذلك شرع آداباً لمن أراد أن يدخل بيت غيره، وأمره بأوامر، ونهاه عن نواهٍ، وهي ما تعرف بآداب الاستئذان، فينبغي العلم بها وتطبيقها؛ للحاجة الماسة إليها في واقع الناس وحياتهم.

стр. 1288

اهتمام الشريعة بتعظيم حرمة البيوت الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على عبده ورسوله ﷺ الذي دعا إلى كل خير وصلاح، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في ألوهيته وربوبيته، ولا ند له في عظمته وكبريائه ومجده وأحديته، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وخيرته من بريته، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه، وسائر القائمين بحقوقه ونصرته أما بعد: فهذا موضوع قد ناقشناه من قبل مناقشة عابرة، والآن إن شاء الله تعالى نلخص القول فيه بحيث يتمكن من احتاج إلى الموضوع أن يرجع إليه، وهو: موضوع الأحكام التي تتعلق باحترام خصوصية الإنسان، وبعض الخصوصيات التي احترمتها الشريعة الإسلامية، والتي فاتت على كثير من الناس، وأعظم هذه الأبواب في الشريعة هو: أحكام الاستئذان، ثم يليه أمور أخرى سنذكرها إن شاء الله تعالى فيما بعد. ففيما يتعلق باحترام خصوصية بيت الإنسان وحرمته، ضمن الإسلام حق الفرد في ملك رقبة منزله، وأن يعيش فيه آمناً مطمئناً، محفوظاً من تطفل المتطفلين، وفضول الفضوليين، وعدوان الصائلين، حيث يلقي أعباء الحذر، ويتحرر من قيود التكلف، وحجر على الآخرين أن يطلعوا على ما في هذه البيوت من الخارج، أو أن يلجوها من غير إذن أربابها، وإن ولجوها بإذن أربابها فهناك قيود وضوابط تُلزمهم بغض البصر، وعدم الاطلاع على عورات البيت من داخله، ثم هناك آداب تلزمهم بأنهم إذا خرجوا وقد اطلعوا على شيء مما يختص به صاحب البيت، فلا يفشون له سراً، ولا يهتكون له ستراً، قال الله في سياق الامتنان على الإنسان بنعمة المسكن: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً﴾ [النحل:٨٠]، وإنما سمي مسكناً؛ لأنه محل الارتياح والسكينة والطمأنينة والاستقرار والأمان؛ فإن الإنسان إذا أفسد عليه هذا الملجأ الأخير فإلى أين يلجأ بعد ذلك؟! فمن ثَم اهتمت الشريعة جداً بتعظيم حرمة البيوت باعتبارها آية من آيات الله ، وهي سكن وراحة واطمئنان، فالبيت كالحرم الآمن لأهله، فلا يستبيحه أحد إلا بعلم أهله وإذنهم، وفي الوقت الذي يريدون، وعلى الحالة التي يحبون أن يلقوا الناس عليها، ولا يحل لأحد أن يتطفل على الحياة الخاصة للأفراد بالاستنصات، أو التجسس، أو اقتحام الدور ولو بالنظر من قريب، أو من بعيد، بمنظار أو بدونه إلخ. فالحاجة لتذكير الناس بحرمة البيوت، واحترام خصوصيات أهلها، حاجة ملحة ومتجددة، ويكفي في بيان أهمية هذا الأمر، وثقل وزنه في الشريعة أنّ الله أنزل فيه قرآناً يتلى في المحاريب إلى ما شاء الله تعالى؛ ليحفظ هذه الحرمة، ويصون هذه الخصوصية.

стр. 1289

إهمال الناس لآداب الاستئذان لقد تواترت شكوى أهل العلم عبر العصور من إهمال الناس لآداب الاستئذان، حتى صارت بينهم لشدة غربتها كأنها شرع منسوخ، يقول الإمام ابن مفلح رحمه الله تعالى: وصح عن ابن عباس ﵄ أنه قال: لم يؤمن بها أكثر الناس؛ يعني: آية الإذن. وهذا الكلام ليس على ظاهره، وإلا فمن كذب بحرف من القرآن فقد كفر، فما بالكم بمن يكذب بآية؟! فـ ابن عباس يريد الزجر، ويعني: أن الناس يسلكون سلوك من لم تنزل عليه هذه الآية في القرآن، فكأنهم ما سمعوها؛ لشدة هجرهم إياها، وليس الكلام على ظاهره في أن الناس لا يؤمنون بهذه الآية، وإلا لاستلزم ذلك تكفيرهم، فالمراد هنا الزجر وبيان غربة هذا الحكم. يقول: وصح عن ابن عباس ﵄ قال: (لم يؤمن بها أكثر الناس) يعني: آية الإذن (وإني لآمر جاريتي هذه تستأذن علي). فهذا واضح في أنه يقصد قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمْ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ﴾ [النور:٥٨]، والدليل على أنه قصد هذه الآية قوله: جاريتي، يعني: أمتي، وهي مما ملكت يمينه. وعن الشعبي في قوله تعالى: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمْ الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمَانُكُمْ﴾ [النور:٥٨] قال: لم تنسخ، قيل له: إن الناس لا يعملون به، قال: الله المستعان. وعن سعيد بن جبير قال: إن ناساً يقولون: نسخت هذه الآية، لا والله ما نسخت، ولكنها مما تهاون بها الناس. وقال الزمخشري: وكان أهل الجاهلية يقول الرجل منهم إذا دخل بيتاً غير بيته: حييتم صباحاً، أو حييتم مساءً، ثم يدخل. أي: أنّ هذه كانت طريقة الاستئذان في الجاهلية، فيقول: حييتم صباحاً، إن كان في الصباح، أو حييتم مساءً، ثم يهجم على البيت ويدخل، فربما أصاب الرجل مع امرأته في لحاف واحد، فصد الله عن ذلك، وعلم الأحسن والأجمل. يقول الزمخشري: وكم من باب من أبواب الدين هو عند الناس كالشريعة المنسوخة قد تركوا العمل به، وباب الاستئذان من ذلك، بينا أنت في بيتك إذ رعف عليك الباب بواحد. أي: أنه شبه هذا الهجوم المباغت من الذي لا يستأذن بهجوم الدم الذي يخرج من الأنف فجأة دون سابق إنذار، وهو الرعاف. يقول الزمخشري: وكم من باب من أبواب الدين هو عند الناس كالشريعة المنسوخة قد تركوا العمل به، وباب الاستئذان من ذلك، بينا أنت في بيتك إذ رعف عليك الباب بواحد من غير استئذان ولا تحية من تحايا إسلام ولا جاهلية، وهو ممن سمع ما أنزل الله فيه، وما قال رسول الله ﷺ ، ولكن أين الأذن الواعية؟! انتهى كلام الزمخشري رحمه الله تعالى. أما في عصرنا، فمن أراد أن يعرف شدة غربة أحكام الإسلام بين الخاصة فضلاًً عن العامة، فليتأمل موقفهم من أحكام الاستئذان وآدابه، وإذا تأمل الإنسان أحكام الإسلام السامية، وآدابه الراقية في باب احترام خصوصية الناس ومراعاة حرمة بيوتهم؛ لأدرك أننا متخلفون عن الإسلام، لا عن الحضارة المادية الكافرة بالله ورسله التي لا يزال المنبهرون بها يشيدون بفضائلها المزعومة، وقد أعماهم افتتانهم بهدي الكفار عن رؤية مثالب الواقع الاجتماعي الغربي الذي يعاني من التحلل والانهيار، فما عند القوم من الشر والبلاء والانحلال أضعاف ما عندهم من الخير، وما عندهم من الخير فلدينا أضعاف أضعافه، مما يغنينا عن التطفل على موائدهم، وهو أقرب إلينا من أيدينا وهو أصلاً مأخوذ منا كما هو معلوم في مناسبات أخرى، فهذه بضاعتنا المفروض أن ترد إلينا، ولكن المستغربين لا يفقهون، وحالهم كالذي قيل فيه: كالعيس في البيداء يقتلها الضما والماء فوق ظهورها محمول

стр. 1290

أحكام الاستئذان وآدابه لنبدأ في هذا البحث كمحاولة للتذكير بجملة من هذه الآداب الاجتماعية المهمة التي درست بين الناس كما يدرس وشي الثوب، فنبدأ أولاً بتعريف الاستئذان.

стр. 1291

معنى الاستئذان الاستئذان لغة: هو طلب الإذن؛ لأن السين هي سين الطلب، والإذن: من أذن بالشيء إذناً بمعنى أباحه، وعليه فإن الاستئذان: هو طلب الإباحة. أما شرعاً فالاستئذان: هو طلب الإذن في الدخول لمحل لا يملكه المستأذن. قال الله في آية الاستئذان: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور:٢٧]، فقوله: (بيوتاً غير بيوتكم): سيأتي إن شاء الله تعالى فيما بعد بيان ما هو بيت الرجل؟ لأن المقصود هنا الاستئذان في غير بيتك، فالبيت الذي تدخله بدون إذن هو البيت الذي تعيش فيه وحدك، ولا يوجد فيه غيرك، أو البيت الذي فيه زوجتك أو ما ملكت يمينك، وما عدا ذلك فليس بيتاً لك، فمثلاً: الغرفة المغلقة في البيت على بنتك أو ابنك البالغ، أو أختك، أو أمك، ليس بيتاً لك، صحيح أنك تملكه، أو أنك المستأجر وعقد الإيجار باسمك، لكن عندما نتكلم هنا في آداب الاستئذان على بيت الإنسان فالمراد المكان المغلق أمامه، إن كان يعلم أنه لا يوجد فيه أحد، أو توجد فيه زوجته أو أمته؛ فهذا هو بيته الذي لا يجب عليه أن يستأذن قبل دخوله، أما الغرفة المغلقة في داخل البيت على بنته البالغة، أو ابنه البالغ، فلا يدخلها أبداً إلا باستئذان، كما سنبين إن شاء الله تعالى. فالاستئذان شرعاً: طلب الإذن في الدخول لمحل لا يملكه المستأذن، والفقهاء يستعملون الاستئذان بالمعنى اللغوي فيقولون: الاستئذان لدخول البيوت، ويعنون به: طلب إباحة دخولها للمستأذن.

стр. 1292

تفسير معنى الاستئناس في قوله تعالى: (حتى تستأنسوا) يقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النور:٢٧]، يقول العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى: هذه الآية الكريمة أشكلت على كثير من أهل العلم، وسبب هذا الإشكال: التعبير عن الاستئذان بالاستئناس، فقال : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا)، فعبر عن الاستئذان بالاستئناس، مع أن الاستئذان والاستئناس مادتان مختلفتان، من حيث الحروف، ومن حيث المعنى. يقول الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: وحكى الطحاوي: أن الاستئناس في لغة اليمن: الاستئذان، وفي تفسير هذه الآية الكريمة بما يناسب لفظها وجهان، ولكل منهما شاهد من كتاب الله تعالى: الوجه الأول في تفسير هذه الآية: أن قوله تعالى: (حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا) من الاستئناس الذي هو ضد الاستيحاش -أي: حتى تذهب الوحشة عنكم- لأن الذي يقرع باب غيره لا يدري أيؤذن له أم لا، فهو كالمستوحش من خفاء الحال عليه، فإذا أذن له استأنس وزال عنه الاستيحاش، وفي حديث عمر الطويل في قصة اعتزال النبي ﷺ نساءه يقول: (فقلت: أستأنس يا رسول الله؟ قال: نعم، قال: فجلست) رواه البخاري في أواخر كتاب النكاح، فقوله: (أستأنس يا رسول الله؟) أي: أستأذن. ولما كان الاستئناس لازماً للإذن أطلق اللازم وأريد ملزومه الذي هو الإذن، وإطلاق اللازم وإرادة الملزوم أسلوب عربي معروف، والقائلون بالمجاز يقولون: إن ذلك من المجاز المرسل. وعلى أن هذه الآية أطلق فيها اللازم -الذي هو الاستئناس- وأريد ملزومه -الذي هو الإذن- يصير المعنى: يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأذنوا، ويشهد لهذا المعنى قوله تعالى: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاَّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ [الأحزاب:٥٣]، وقال تعالى في نفس هذه الآية: ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَداً فَلا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ [النور:٢٨]، فكلمة: (حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ) تدل على أن المراد من قوله: (حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا) أي: حتى يؤذن لك، أو تستأذن. وقال الزمخشري في هذا الوجه بعد أن ذكره: وهذا من قبيل الكناية والإرداف؛ لأن هذا النوع من الاستئناس يردف الإذن، فوضع موضع الإذن؛ لأنه يأتي بعد الإذن. هذا هو الوجه الأول في تفسير الآية: (حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا) أي: حتى تأتوا بالإذن الذي يوجب زوال الوحشة، ويحصل به الاستئناس. الوجه الثاني في تفسير الآية: (حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا) أي: حتى تستعلموا وتستكشفوا، فتستأنسوا: استفعال من آنس الشيء إذا أبصره ظاهراً مكشوفاً، أو علمه، والمعنى: حتى تستعلموا وتستكشفوا الحال هل يؤذن لكم أو لا؟ وتقول العرب: استأنس هل ترى أحداً؟ أي: انظر هل ترى أحداً؟ وتقول: استأنست فلم أر أحداً، أي: تعرفت واستعلمت، ومن هذا المعنى قول الله ﵎: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ﴾ [النساء:٦] أي: استكشفتم واستعلمتم وعلمتم أنهم قد رشدوا، ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء:٦] أي: إن علمتم رشدهم وظهر لكم، وقال تعالى عن موسى ﵇: ﴿إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَس﴾ [طه:١٠] (آنست) أي: اكتشفت، أو استكشفت، أو استعلمت، وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَاراً﴾ [القصص:٢٩] (آنس ناراً) أي: رآها مكشوفة. أيضاً في نسق التلاوة ما يدل على أن المراد بقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ [النور:٢٧] الاستئذان، وهو قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمْ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور:٥٩] وهم الكبار، فأين الكلام عن الكبار؟ هو في الآية السابقة التي فيها الاستئناس. ومن هذا المعنى قول نابغة ذبيان: كأن رحلي وقد زال النهار بنا بذي الجليل على مستأنس وحد ومنه أيضاً قول الحارث بن حلزة اليشكري يصف نعامة شبه بها ناقته: آنست نبأة وأفزعها القنا ص عصراً وقد دنا الإمساء قوله: آنست نبأة، أي: أحسست بصوت خفي. يقول الشنقيطي رحمه الله تعالى: وهذا الوجه الذي هو أن معنى تستأنسوا: تستكشفوا وتستعلموا هل يؤذن لكم؟ وذلك الاستعلام والاستكشاف إنما يكون بالاستئذان أظهر عندي، وإن استظهر بعض أهل العلم الوجه الأول، وهناك وجه ثالث في تفسير الآية تركناه لعدم اتجاهه عندنا. قلت: لا بأس من إيراده وإن كان في غاية الضعف، وهو: ما حكاه الزمخشري حينما قال: ويجوز أن يكون من الإنس، وهو أن يتعرف هل ثمة إنسان؟ وعلق عليه الناصر فقال: وذكر أيضاً وجهاً بعيداً، وهو أن المراد: ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ [النور:٢٧] أي: حتى تعلموا هل فيها إنسان أو لا. وهذا ضعيف من حيث المعنى؛ لأن الإنسان إذا استأذن هل معنى ذلك أنه يسأل: أيوجد إنسان في الداخل أم لا؟ وهل هذا هو معنى الاستئذان؟ لا، فإنّ موضوع الاستئذان هو طلب الإذن في الدخول ولو كان هناك إنسان في الداخل، كما سنوضحه فيما بعد، هذا أولاً. ثانياً: أن كلمة: (حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا) لو قلنا: إنّ معناها: حتى تعلموا هل يوجد إنسان في الداخل أم لا، فمعنى هذا أنه اشتق من كلمة الإنس. وقال الألوسي رحمه الله تعالى: وضُعِّف بأن فيه اشتقاقاً من جامد -أي: أن كلمة (الإنس) كلمة جامدة، فكيف يشتق منها مادة استأنس؟ - كما في المسرج أنه مشتق من السراج، وبأن معرفة من في البيت لا تكفي بدون الإذن، فيوهم جواز الدخول بلا إذن. أي: إذا عرفنا أن هناك أحداً في الداخل فهل ندخل بدون إذن؟ الجواب لا، فلذلك ضعف هذا الوجه من الناحيتين: الناحية الأولى: أنّه اشتقاق من جامد وهي كلمة (الإنس)، وهذا لا يصح. الناحية الثانية: أنّ محور القضية ليس هو: هل يوجد إنسان أم لا؟ وإنما محورها: هل يأذن أم لا؟ ولو كان موجوداً.

стр. 1293

حكم الاستئذان لا يجوز للإنسان أن يدخل بيت غيره بدون الاستئذان والسلام؛ لقول الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور:٢٧]، وهذا نهي صريح متجرد عن القرائن، فظاهره التحريم. قال الإمام الطبري رحمه الله تعالى: الاستئذان واجب على الناس أجمعين إن احتلموا، فالخطاب هنا للبالغين المكلفين؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمْ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور:٥٩]، فدل على أن الحد الفاصل للوجوب وعدم الوجوب هو بلوغ الحلم. وحكى النووي إجماع العلماء على مشروعية الاستئذان؛ بل قال المالكية: إن الاستئذان واجب وجوب الفرائض، وإنه لا يجوز لأحد أن يدخل بيتاً لغيره حتى يستأذن أهله، سواء كان المستأذن قريباً للمستأذن عليه، أو أجنبياً عنه، وهو مجمع على وجوبه، فمن ترك الاستئذان فهو عاصٍ لله تعالى ورسوله ﷺ ، ومن جحده فإنه يكفر؛ لأنه ورد الأمر به في الكتاب الكريم. وقد يفهم بعض الناس من كلمة الآداب عندما نقول: الآداب الشرعية، أو آداب الاستئذان، أنها أمور مستحبة، أو مجاملات يفضل للإنسان أن يلتزم بها وليست بواجبة، وهذا فهم خاطئ، فإن منها ما هو واجب، ومنها ما هو مستحب، ومنها ما هو مباح، فالاستئذان أدب واجب كما بينا.

стр. 1294

الحكمة من الاستئذان قال القاضي أبو بكر بن العربي رحمه الله تعالى: اعلموا -وفقكم الله- أن الله خصص الناس بالمنازل، وسترهم فيها عن الأبصار، وملكهم الاستمتاع بها على الانفراد، وحجر على الخلق أن يطلعوا على ما فيها من خارج، أو يلجوها بغير إذن أربابها؛ لئلا يهتكوا أستارهم، ويبلوا أخبارهم، وتحقيق ذلك ما روي في الصحاح عن سهل بن سعد ﵁ قال: (اطلع رجل في حجر النبي ﷺ ، ومع النبي ﷺ مدرى يحك بها رأسه -والمدرى: المشط- فقال ﵊: لو أعلم أنك تنظر لطعنت به في عينك، إنما جعل الاستئذان من أجل البصر، فمن دخل بعينه فقد دخل) أي: وإن كان بدنه من الخارج، فهذا يشير إلى هذا المعنى المهم، فهذه هي الحكمة من الاستئذان. وكما أن الإنسان يتخذ البيت لستر نفسه وعورات أهله، فإنه يتخذه أيضاً لستر أمواله ومتاعه، وكما ذكرنا فإنّ الإسلام يحترم الملكية الفردية، ويحترم الملكية الخاصة، وخصوصيات الإنسان، فكما يكره الإنسان اطلاع الغير على نفسه، أو على عورات أهله وحرمه، فكذلك يكره اطلاع الغير على أمواله ومتاعه، يقول الزمخشري في الكشاف: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَداً﴾ [النور:٢٨] يعني: من الآذنين ﴿فَلا تَدْخُلُوهَا﴾ [النور:٢٨] واصبروا حتى تجدوا من يأذن لكم، وانظر إلى هذا التعبير القرآني فإنه في غاية الدقة، فالله سبحانه لم يقل: (فإن لم يكن فيها أحد فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم) وإنما قال: (فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَداً)، فإذا طرقت باب أحد من الناس ولم يرد عليك، وتريد أن تكتب ورقة، فهل تتحرج من أن تكتب: حضرت ولم أجد أحداً؟ الجواب لا حرج في ذلك. وهناك فرق بين العبارتين السابقتين، أعني: قوله تعالى: (فإن لم تجدوا فيها أحداً)، وبين قولنا: (فإن لم يكن فيها أحد)، وأذكر هنا قاعدة معروفه عند المناطقة، وهي قاعدة صحيحة: أن عدم الوجدان لا يستلزم عدم الوجود، بمعنى: لو أنّ طالب علم مثلاً يكتب بحثاً حول الربا، فأتى بكتاب (الأم) للشافعي ﵀ مثلاً، وبحث عن مسألة معينه في باب الربا فما وجدها، فهل يجوز له أن يقول: فتشت في كتاب الأم للشافعي ولم أجد فيه هذه المسألة في موضوع الربا، أم يقول: لم يتعرض لهذه المسألة في كتابه هذا؟ الجواب يقول: فتشت في باب الربا فلم أجد فيه هذه المسألة، ولا يقول: لا توجد هذه المسألة في هذا الكتاب، أو لم يتعرض لها، لماذا؟ لأنه لا يجوز القطع بعدم الوجود إلا على أساس استقراء تام، أو دليل قطعي. ومثله قول الله : ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ﴾ [يونس:١٨] أي: لقد اتخذتم شركاء آخرين مع الله ، والله لا يعلم له شريكاً في السموات ولا في الأرض، فما هو الشيء الذي لا يعلمه الله؟ هو الشيء المعدوم الذي ليس بموجود، فما دام أنّ الله تعالى لا يعلمه فهو غير موجود، لكن الله يعلم كل ما في السموات وما في الأرض، ولا يغيب عنه شيء . إذاً: فهذا الطالب الذي يقول: فتشت عن هذه المسألة في كتاب الربا، أو في باب الربا من كتاب الأم فلم أجدها، قد أصاب، وأما من يطلق ويقول: ليس في كتاب الأم تعرض لهذه المسألة، فلم يصب، إلاّ أن يكون استقرأ الكتاب كاملاً؛ فلعلّ الشافعي تعرض لها في باب آخر، وهذا يحصل كثيراً. فالشاهد: أنّه في حالة عدم الوجدان يقول: أنا فتشت فلم أجد في حدود علمي، ولذلك تجد دقة المحدثين كالإمام الحافظ العراقي مثلاً في تخريج الحديث يقول: لا أعرفه. فانظر إلى الدقة والأدب، بينما يأتي بعض أفراخ هذا الزمان من طلبة العلم المتطفلين على علم الحديث فيجزم بالقطع أن هذا ليس موجوداً على الإطلاق، لكن انظر للعالم المتقن يقول: لا أعرفه. أي: أنا لا أعرفه، لكن يمكن أن غيره من العلماء يعرفه، لأنه لا يوجد أحد يحيط علماً بكل شيء، فيقول: لا أعرفه، وينسب التقصير إلى نفسه، وينفي المعرفة عن علمه، فلا بدّ أن يكون الإنسان دقيقاً، فعدم الوجدان يعني: أني بذلت جهدي ووسعي فلم أجد المراد، فتتحدث عن محصلتك وعن نفسك، لكن عدم الوجدان لا يستلزم عدم الوجود، فقد يكون موجوداً وأنت إما قصرت، وإما غاب عنك بأي صورة من الصور. فالشاهد هنا: أن قول الله : (فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَداً) نفي للوجدان، لكن هل يلزم منه عدم الوجود؟ لا؛ لأنّه يمكن أن يكون هناك أناس في الداخل، ولسبب من الأسباب -والبيوت أسرار، والبيوت عورات- لا يريدون أن يفتحوا، وهذا حق من حقوقهم، فلا بد أن نفهم هذا الأمر؛ لأن القرآن نفسه أشار إلى هذا المعنى بقوله : ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَداً فَلا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمْ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾ [النور:٢٨]. فالشاهد: أن من حكمة الاستئذان ستر عورات الأبدان، وعدم اطلاع الناس الآخرين عليها، وكذلك ستر الأموال، والمتاع، والأمور الخاصة التي لا يحبون اطلاع الناس عليها. قال الزمخشري: فإن لم تجدوا فيها أحداً من الآذنين فلا تدخلوها، واصبروا حتى تجدوا من يأذن لكم، ويحتمل: فإن لم تجدوا فيها أحداً من أهلها، ولكم فيها حاجة، فلا تدخلوها إلا بإذن أهلها. يعني: لو أنّ واحداً كان متأكداً أن صاحب البيت -مثلاً- مسافر، ولا يوجد أحد في البيت، فهل يجوز له أن يقتحم البيت ويدخل؟ لا؛ لأنّ حِكَم الاستئذان ليست مقصورة على ستر عورات الأبدان فقط؛ بل يدخل فيها ستر عورات البيوت والممتلكات. يقول الزمخشري: فإن لم تجدوا فيها أحداً من أهلها، ولكم فيها حاجة، فلا تدخلوها إلا بإذن أهلها؛ وذلك أن الاستئذان لم يشرع لئلا يطلع الدامر على عورة، ولا تسبق عينه إلى ما لا يحل النظر إليه فقط، وإنما شرع لئلا يوقف على الأحوال التي يطويها الناس في العادات عن غيرهم، ويتحفظون من اطلاع أحد عليها، ولأنه تصرف في ملك غيرك، فلا بد من أن يكون برضاه، وإلا أشبه القهر والتغلب. وقول الزمخشري هنا: وذلك أن الاستئذان لم يشرع لئلا يطلع الدامر على عورة فقط، الدامر: مأخوذ من الدمور، والدمور: هو الدخول بغير إذن، فكون الإنسان يهجم ويدخل مكاناً ليس ملكاً له بدون إذن فإنه يسمى: دامر، واشتقاقه من الدمار، وهو الهلاك؛ لأنه هجوم بما يكره، فكأن صاحبه دامر أي: هالك؛ لعظم ما ارتكب من الجريمة، فقد اقتحم حرمة الآخرين بدون إذن، وقيل: المعنى: أن إساءة المطلع مثل إساءة الدامر، وروي: (من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم فقد دمر)، وروي: (من سبق طرفه -أي: عينه- استئذانه فقد دمر عليهم)، أي: هجم ودخل بغير إذن. ومن حكم الاستئذان: بقاء البيت سكناً لصاحبه يأوي إليه لراحته، ويستقر فيه لينجز عملاً، أو يخلو بعبادة وذكر وتفكر، أو يطلب علماً، أو يرعى أهلاً وولداً، فهذا معنى (السكن)، وهذه المعاني هي ظلال هذه العبارة العظيمة ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً﴾ [النحل:٨٠]، فربما لا يريد الإنسان أن يقطع ما هو فيه من تلاوة قرآن، أو عبادة، أو صلاة، أو نحو ذلك، فهناك أعذار وأحوال كثيرة جداً قد تمنع الإنسان من مجرد الرد على المستأذن، أو الإذن له، فإما أنّه يريد أن يستريح، فإذا دُق الباب في كل وقت فإنه لا يستطيع أن ينام مثلاً، ولا يستطيع أن يأوي لراحته، أو يستقر فيه لينجز عملاً، أو يخلو بعبادة وذكر وتفكر، أو يطلب علماً، أو يرعى أهلاً وولداً، فلو ترك وقته نهباً لكل طارق فاتت عليه مصالحه، واضطربت أحواله، وتشتت أمره، مما قد يؤدي إلى تشويش فكره، فيسيء خلقه، ويضيق صدره. إن المعنى الحقيقي للاستئذان ليس كما يفهمه البعض: هل أنت موجود في الداخل حتى يلزمك أن تأذن لي؟ وإنما هو: هل أنت موجود أم غير موجود؟ فإن كنت موجوداً فهل ظروفك تناسب أن تأذن لي أم لا؟ فيأتي الرد من صاحب البيت إما بالقبول، وإما بالاعتذار.

стр. 1295

الاعتذار عن إجابة المستأذن الاعتذار له طريقتان دل عليهما القرآن الكريم: الطريقة الأولى: أن يكون الاعتذار صريحاً، وذلك بأن تقول: (ارجعوا). والطريقة الثانية: أن يكون الاعتذار ضمنياً. ويكون ذلك بعدم الرد، والناس قد تضطر في هذا الزمان إلى هذا النوع من الاعتذار الذي أبيح في القرآن الكريم؛ لقصور إدراك كثير من الناس عن فهم هذه الآداب الشرعية، فلو قيل له: ارجع، فقد يؤدي ذلك إلى بعض المصادمات، فيسكت دفعاً لتلك المفسدة، ومن الناحية التربوية نجد أن سكوت صاحب البيت أهون من أن يرسل الطفل ويقول له: أخبره أن أبي غير موجود، فيقول الطفل: يقول لك أبي: إنه غير موجود! فلا يستطيع أن يضبط الكلام، ولا يعرف الغرض من كلامك وهذا يؤدي إلى تحطيم أهم خلق ينبغي أن يغرس في الأطفال، وهو خلق الصدق، ويغرس أسوأ خلق ينبغي أن ينزه عنه الأطفال، وهو خلق الكذب، ومن الذي يعلمه هذه الخصلة؟ إنّه أبوه القدوة الذي يحطم عنده هذه القدوة، ويلقنه الكذب بدرس عملي، فمهما كلمه بعد ذلك عن الصدق وأهميته فإنه لا يتأثر، فاحتياطاً لتربية الأطفال ينبغي أن يقول لمن أراد أن يستأذن: ارجع، أو يسكت ولا يتكلم، وهذا هو الغالب في هذا الزمان أنه لا يتكلم؛ حماية للأطفال من أن يلقنوا الكذب منذ نعومة أظفارهم. إنّ عدم فهم حقيقة الاستئذان التي ذكرناها سابقاً كان سبباً في إلحاح بعض الناس في الاستئذان، والانتظار أمام الأبواب، وأعرف بعض الناس يدق الجرس حتى يحترق الجرس أحياناً! وفي بعض الأوقات صاحب البيت ينزع الكهرباء عن الجرس؛ حتى لا يحترق الجرس، فإذا انتهى الجرس فإنه يضرب الباب بيديه ورجليه، ويقول للذي معه: أنا متأكد أنه في الداخل، أنا سمعت صوته، فمثل هذا لم يفقه معنى الاستئذان.

стр. 1296

صفة الاستئذان الأصل في الاستئذان أن يكون باللفظ، وهنا أنبه على أمر مهم جداً: وهو احترام خصوصية الإنسان في حدود شرع الله ، فترى بعض الناس يأتي إلى الأطفال الصغار ويريد أن يتلصص إلى معرفة أسرار البيوت من خلالهم، وهذا كثير في النساء؛ لأن النساء يتمتعن -إلا الأخوات الملتزمات- بقدر من الفضول غريب، فيقول في نفسه: إنّ الطفل الصغير لن يستطيع أن يميز، فيتتبعون الأطفال لهذا الغرض، فبدلاً من أن يدخل ويتلصص بنفسه، ويتجسس على عورات البيوت؛ تراه يمسك الأطفال ويقول في نفسه: هذا مصدر آمن للتجسس على أحوال الناس، فيأتي بالطفل ويسأله عن أسرار البيت: ماذا حصل في كذا؟ وماذا قالوا في كذا؟ وماذا عندكم؟ وماذا عملتم في كذا؟ إلى آخر هذه الأشياء، فكيف التصرف في هذه الحالة؟ سنشوه صورة الكبار في عين الطفل، اقترحوا معنا حلاً للمشكلة هذه، قد يوجد في داخل بعض البيوت أسرار، كما يقول المثل العامي الذي يكون أحياناً حكيماً: البيوت أسرار، فلو أراد أحد أن يستغل براءة الطفل في أن يطلع على هذه الأسرار فكيف تحتاط لذلك؟ كلمة (تربية الأولاد) كلمة فضفاضة، ونحن نريد حلاً لمشكلة محددة. والحل: أن تعلم الطفل أن أي إنسان يسأله عن هذه الأمور أن يقول له: اسأل أبي، أو اسأل أمي، وتحفظه هذا بدون أن تشرح له؛ حتى لا يظهر الناس الكبار أمامه بصورة مشوهة، فإنك إذا قلت له: هذا فلان يتجسس، وهذا يرتكب معصية، ستشوش الكبار أمامه، لكن الأحسن من ذلك أن تعلمه أن من سأله عن أسرار البيت وخصوصياته أن يقول له: اسأل أبي، أو اسأل أمي، وهنا سوف يفهم هذا المتطفل أن هناك أحداً لقنه هذا الموضوع، وأنه منتبه لهذا العدوان. فالأصل في الاستئذان -كما قلنا سابقاً- أن يكون باللفظ، كما بين الله ، وصيغته المثلى أن يقول المستأذن: السلام عليكم، أأدخل؟ فيجمع بين السلام والاستئذان، وما أروع أن يبدأ بالسلام الذي هو ذكر الله باسم من أسمائه سبحانه، وله فضيلة عظيمة جداً كما هو معلوم، يقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور:٢٧]. قال الإمام أبو بكر الجصاص الحنفي رحمه الله تعالى: وأمر مع الاستئذان بالسلام؛ إذ هو من سنة المسلمين التي أمروا بها، ولأن السلام أمان منه لهم، وهو تحية أهل الجنة، ومجلبة للمودة، وناف للحقد والضغينة. لقد سبق أن تكلمنا من قبل عن فضائل السلام، والمسلم يتحسر على ما وصل إليه المسلمون! فتجد بعض الناس يتحرى ألاّ يقترب من الأمور التي فيها هذه الآداب الإسلامية، وبعض الناس يتكبر عن أن يرد السلام، ويظن أن هذه تحية من تحايا العرب المتخلفين، أما هم فتراهم يستعملون هذه التحايا الشيطانية الجاهلية: صباح الخير، ومساء الخير، إن لم تكن أيضاً باللغة الأجنبية كما يحصل الآن من بعض المنهزمين، وما درى هؤلاء المساكين أنهم في عدم إلقاء السلام عليهم قد أضروا أنفسهم بعقوبة شرعيه يعاقب بها الفاسق والمبتدع والكافر، وإن كان لا يستحق الرد، فهذا تشريف له أن تبدأه بالسلام. ومن العقوبة للمبتدع، أو الفاسق، أو العاصي، أنك لا تبدؤه بالسلام؛ لأن ذلك تشريف له، فترى الواحد من هؤلاء يستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، ويفضل الدونية في تحية صباح الخير، ومساء الخير, وغيرها من الألفاظ العجمية، بدلاً من: السلام عليكم، وهذا من السفه، واستبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير. عن ربعي بن خراش قال: حدثنا رجل من بني عامر قال: (إنه أستأذن على النبي ﷺ وهو في بيت، فقال: أألج -يعني: أأدخل-؟ فقال رسول الله ﷺ : اخرج إلى هذا فعلمه الاستئذان، وقل له: قل: السلام عليكم، أأدخل، فسمع الرجل ذلك من رسول الله ﷺ فقال: السلام عليكم، أأدخل؟ فأذن له، فدخل)، إن كثيراً من المواقف يحصل فيها خطأ في مراعاة آداب الاستئذان، ثم نجد الرسول ﵊ يعلم الناس هذا الأدب، وهذه وظيفة المربي دائماً: أنك ما تفوت فرصة إلا وتعلم الطفل، ونتكلم عن الطفل لأنه لا يزال عوداً غضاً طرياً يقبل التشكيل كالعجينة، أما الكبار فيصعب تشكيلهم إلى حد ما، إلا من كان ملتزماً حقيقياً بدين الله تعالى؛ فإنه إذا سمع حكم الله يقول: سمعنا وأطعنا.

стр. 1297

تعليم الأطفال آداب الاستئذان أما الطفل فلا تجعل له حصة خاصة بالتربية والتأديب؛ بل إنّ سلوكياتك أمامه هي دروس وتعليم، ولذلك إذا نشأ الطفل في بيت كل من فيه يحترم آداب الاستئذان؛ فإنه لا يحتاج أن يتعلم هذه الآداب؛ بل تصبح جزءاً من كيانه، فيعرف أن الاستئذان يكون كذا، وإذا وجد كل من يعطس في البيت يقول: الحمد لله، ثم يجاب عليه: يرحمكم الله، ثم يجاب عليه بكذا، فإنه سيفعل نفس السلوك تلقائياً بالتلقين والتقليد والمحاكاة، فأفضل شيء أن تغرس فيه منذ نعومة أظفاره هذه الآداب، فتصبح جزءاً من هويته ومن كيانه، بحيث لا يحصل أي عناء على الإطلاق في التفاعل مع هذه الآداب. وإذا بدأ الطفل يعي فلك أن تعلمه هذه الآداب في وقتها وحينها، فإذا أوقفته عند الباب فقل له مثلاً: قبل أن تدخل تقول: السلام عليكم، أأدخل؟ ويحاول أن ينطق الكلمة، فإذا قال ذلك فتعطيه هدية، وتشجعه على التزامه بهذا الأمر، وربما تحكي للآخرين أن هذا الطفل فعل كذا وكذا أمامه، والآخرون يظهرون انبهاراً بذلك، فيشعر أنه أتى بشيء عظيم، وشيء محبوب، ثم إذا قصر مرة أو مرتين أو عاند فلا تلح عليه أو تضغط عليه أو توبخه، وإنما تتركه إلى أن يتعود على ذلك، وتصبح عادة راسخة فيه. وإذا عطس أحد ولم يحمد الله، وقال له الطفل: يرحمك الله، فتفهمه مسألة جديدة، فتقول له: لا تقل له: يرحمك الله؛ لأنه لم يحمد لله، فأنت تغرس له أن الذي يعطس وما يقول: الحمد لله، لا تقل له: يرحمك الله، ويصعب أن تفهم الطفل نص الحديث بصورة نظرية، لكن عندما يعطس عاطس ولم يحمد الله فإن الطفل سيقول له: يرحمك الله؛ لأنه تعود على ذلك، فأنت تقول له: لا تقل له؛ لأنه لا يستحق أن نقول له: يرحمك الله؛ لأنه لم يقل: الحمد لله، فتضيف له مسألة جديدة، مع الإلحاح والقدوة العملية؛ فإنها تغرس هذه المفاهيم.

стр. 1298

ما هو الأولى في الاستئذان: تقديم السلام أو تقديم الاستئذان ؟ هل يقدم السلام أم الاستئذان؟ هل تقول: أأدخل؟ السلام عليكم، أم: السلام عليكم أأدخل؟ قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: واختلفوا في أنه هل يستحب تقديم السلام ثم الاستئذان، أو تقديم الاستئذان ثم السلام؟ أتدرون ما منشأ الخلاف هنا؟ الجواب منشأ الخلاف أنّ الآية السابقة فيها: ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور:٢٧]، فهل العطف بالواو هنا يقتضي الترتيب أم لا يقتضي الترتيب؟ أما هنا فمن المؤكد أنّه لا يقتضي الترتيب؛ لأن في حديث الرسول ﷺ : (قل: السلام عليكم، أأدخل؟)، فالسنة العملية بينت الآية بما يجب المصير إليه، ولا يجوز النظر فيما خالفه؛ لأنه متى ما ثبت تفسير الآية عن الرسول ﷺ فإنّه يجب المصير إلى هذا التفسير. يقول النووي رحمه الله تعالى: والصحيح الذي جاءت به السنة، وقاله المحققون أنه يقدم السلام، فيقول: السلام عليكم، أأدخل؟ القول الثاني: يقدم الاستئذان، ويقول: أأدخل؟ السلام عليكم. والثالث: التفصيل، وهو اختيار الماوردي من أصحابنا: إن وقعت عين المستأذن على صاحب المنزل قبل دخوله قدم السلام، وإلا قدم الاستئذان. قال الشوكاني: وليس عليه دليل. وقد صح عن النبي ﷺ حديثان في تقديم السلام، يقول العلامة المفسر محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى: ولا يخفى أن ما صح فيه حديثان عن النبي ﷺ مقدم على غيره، فلا ينبغي العدول عن تقديم السلام على الاستئذان، وتقديم الاستئناس -الذي هو الاستئذان- على السلام في قوله: ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا﴾ [النور:٢٧]، لا يدل على تقديم الاستئذان؛ لأن العطف بالواو لا يقتضي الترتيب، وإنما يقتضي مطلق التشريك. فإذا قلنا: جاء محمد وعلي، فالعطف بالواو لا يقتضي الترتيب، وإنما يفيد مطلق التشريك، أي: أنّ الاثنين اشتركا في المجيء، وأما من الأول منهما؟ فلا دليل عليه من هذه الجملة، أما إذا قلنا: جاء محمد ثم علي، فإن (ثم) تقتضي الترتيب والتراخي. وقال شيخ المفسرين الإمام الطبري رحمه الله تعالى في هذه الآية: ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا﴾ [النور:٢٧]: هو من المقدم الذي معناه التأخير، إنما هو: حتى تسلموا وتستأذنوا، فهذا فيه تقديم وتأخير؛ لأن العطف بالواو لا يقتضي الترتيب وإنما يقتضي مطلق التشريك، فيجوز عطف الأول على الأخير بالواو، كقوله تعالى: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران:٤٣] والركوع قبل السجود، فالعطف هنا يقتضي مطلق التشريك، وليس يقتضي الترتيب. وقال ﵎: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنْ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ [الأحزاب:٧] فهذا ليس فيه ترتيب؛ لأن نوحاً قبل نبينا ﵊. إلاّ أنّ هذا لا ينافي أن يعطف بالواو والمراد منها الترتيب، لكن لابد أن يدل دليل على اقتضائها الترتيب في ذلك الموضع. ومثال مجيئها للترتيب قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٥٨]، فلو تركت هكذا بدون دليل لجاز لك أن تبدأ في الطواف والسعي بأي واحدة منهما، ولكن جاء حديث يدل على أن المراد بالواو هنا الترتيب، وهو قول النبي ﵊: (أبدأ بما بدأ الله به)، وفي بعض الروايات: (ابدءوا بما بدأ الله به) بصيغة الأمر، فهذا يدل على أن (الواو) هنا تقتضي الترتيب وليس مطلق التشريك. وأيضاً في قول حسان رضي الله تعالى عنه: هجوتَ محمداً وأجبتُ عنه وعند الله في ذاك الجزاء برواية الواو: (وأجبت)، فهذه الواو تقتضي الترتيب؛ لأن هناك من هجا النبي ﷺ ، فدافع عنه حسان ﵁، فجواب الهجاء لا يكون إلا بعده. وإيضاح ذلك: أن الواو عند التجرد من القرائن والأدلة الخارجية لا تقتضي إلا مطلق التشريك بين المعطوف والمعطوف عليه، ولا ينافي ذلك أنه إن قام دليل على إرادة الترتيب في العطف كالحديث المذكور في البدء بالصفا، أو دلت على ذلك قرينة كالبيت المذكور، أنها تدل على الترتيب؛ لقيام الدليل أو القرينة على ذلك، والآية التي نحن بصددها لم يقم دليل راجح ولا قرينة على إرادة الترتيب فيها بالواو، وقد دلت الأحاديث الصحيحة على أن النبي ﷺ تكرر منه تعليم الاستئذان لمن لا يعلمه بأن يقول: السلام عليكم، أأدخل؟ وهذا بيان للمراد من القرآن الكريم، فيتعين المصير إليه، كما أنه ﷺ فعل ذلك، وأقر من أتى به، وأنكر على من خالفه.

стр. 1299

بيان النبي ﷺ لكيفية الاستئذان قولاً وفعلاً وتقريراً قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ [النور:٢٧] أي: حتى تستأذنوا، والاستئذان يكون ثلاثاً، ويبدأ فيه بالسلام، وكل هذا جاء في السنة، وهو يوضح ويفسر الآية الكريمة، ويبين أنه لا يصح أن يكون المراد بقوله: (حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا) أن يتنحنح أو نحو ذلك مما ذهب إليه البعض. أما تعليم النبي ﵊ فكما رواه ربعي بن خراش قال: (حدثنا رجل من بني عامر أنه استأذن على النبي ﷺ وهو في بيت، فقال: أألج؟ فقال النبي ﷺ لخادمه: اخرج إلى هذا فعلمه الاستئذان، فقل له: قل: السلام عليكم، أأدخل؟) وفي رواية أخرى: (أن النبي ﷺ قال لأمة له يقال لها روضة: قولي لهذا يقول: السلام عليكم، أأدخل؟ فسمعها الرجل فقالها، فقال له النبي ﷺ : ادخل). وعن كلدة بن الحنبلي ﵁: (أن صفوان بن أمية بعثه بلبن ولبأ وضغابيط إلى النبي ﷺ -والضغابيط: حشيش يؤكل-، والنبي ﷺ بأعلى الوادي، قال: فدخلت عليه ولم أسلم ولم أستأذن، فقال النبي ﷺ : ارجع فقل: السلام عليكم، أأدخل؟ وذلك بعدما أسلم صفوان). قلت: فانظر إلى قوله: (ارجع) كيف يعلمه الأدب، ولا يتسامح في مثل هذا، خاصة من المربي، ويكون ذلك برفق ولطف، لكن لا يفوت التعليم في هذه الأشياء، فإن بعض الناس يتحرج من مواجهة من فعل هذا التقصير، سواء كانوا تلامذة له أو نحو ذلك، وربما زين هذا المسلك قول بعض الصوفية: راحة القلب ألاّ ترى لأحد عليك حقاً، وهذا صحيح أن راحة البال في تعاملك مع الناس أن تؤدي ما عليك من الواجبات تجاههم ولا تنتظر حقاً منهم، فهذا ممكن إلا في حالة التربية والتأديب، فلا بأس للشيخ أو الأستاذ أو المربي أو الأب أو الأم أن يرى أن راحة البال ألاّ يكون لأحد عليه حق؛ من أجل أن يتحمل إساءة الناس، ويصفح عنهم، لكن هذا الأسلوب مع من كان مسئولاً عنهم لا ينفع؛ لأنه سيبقى السلوك السيئ بدون تقويم، فتعلم ابنك أن يحترمك، وتعلمه أن يحترم أستاذه، ويمكن للأب أن يعلم ابنه أن يتأدب معه، وأن يحترمه، وهذا فيه مصلحة الابن نفسه، ولا يقول: لا أرى لنفسي حقاً على أحد، ثم يصير الولد سيئ التربية، وهل ينفع أن نقول: عديم التربية؟ هل يصح ذلك؟ لا يصح؛ لأن كل واحد لا بد أن يكون متربياً، إلاّ أن هناك تربية حسنة، وهناك تربية سيئة، فالناس على قسمين: حسن التربية، وسيئ التربية، وليس هناك صنف ثالث بين القسمين. فالأب يمكن أن يعلم ابنه مثلاً ويخاطبه بطريقة معينة فيها الأدب والأسلوب المهذب والكلام الذي فيه التوقير، ولا حرج على الإطلاق في ذلك؛ بل إن هذا فيه مصلحة الولد حتى يتربى. أما السنة الفعلية فما ثبت أن أبا سعيد أو أبا مسعود رضي الله تعالى عنهما قال لـ عمر ﵁: (خرجنا مع النبي ﷺ وهو يريد سعد بن عبادة حتى أتاه فسلم، فلم يؤذن له - أي: لم يؤذن للرسول ﵊، ثم سلم الثانية فلم يؤذن له، ثم سلم الثالثة فلم يؤذن له، فقال: قضينا ما علينا، ثم رجع ﷺ فأذن له سعد) إلى آخر الحديث. وروى الإمام أحمد بسنده عن أنس أو غيره: (أن النبي ﷺ استأذن على سعد بن عبادة فقال: السلام عليك ورحمة الله)، فلا يجوز لأحد أن يحتجب عن الرسول ﵊ بحال من الأحوال، وأيضاً لا يجوز للإنسان بحال أن يحتجب عن أبيه وأمه، فمن الممكن أن يحتجب عن غيرهما لعذر من الأعذار، أما الوالدان فلا يجوز أن تحتجب عنهما أو أحدهما. ففي الحديث السابق: (أن النبي ﷺ استأذن على سعد بن عبادة فقال: السلام عليك ورحمة الله، فقال سعد: وعليك السلام ورحمة الله، ولم يسمع النبي ﷺ أي: أنّه رد في نفسه بحيث لا يسمعه الرسول ﵊، حتى سلم ثلاثاً، ورد عليه سعد ثلاثاً، ولم يسمعه، فرجع النبي ﷺ ، فاتبعه سعد فقال: يا رسول الله! بأبي أنت وأمي -يعني: أفديك بأبي وأمي- ما سلمت تسليمة إلا وهي بأذني، ولقد رددت عليك ولم أسمعك، أردت أن أستكثر من سلامك ومن البركة، ثم أدخله البيت، فقرب إليه زبيباً، فأكل النبي ﷺ ، فلما فرغ قال: أكل طعامكم الأبرار، وصلت عليكم الملائكة، وأفطر عندكم الصائمون). وهذا الحديث يلحن فيه كثير من الناس، ويأتون فيه بمصائب بسبب التصحيف، فيقول بعضهم: أكل طعامُكم الأبرار، يعني: أن الطعام هو الذي أكل الأبرارَ، فيجعلون الطعام فاعلاً، والأبرار مفعولاً. (وصلت عليكم الملائكة) بالصاد، وهم يقولون: وسلط من التسليط. وعن قيس بن سعد بن عبادة قال: (زارنا رسول الله ﷺ في منزلنا فقال: السلام عليكم ورحمة الله، فرد سعد رداً خفياً، فقلت: ألا تأذن لرسول الله ﷺ ؟! فقال: دعه يكثر علينا من السلام، فقال رسول الله ﷺ : السلام عليكم ورحمة الله، فرد سعد رداً خفياً، ثم قال رسول الله ﷺ : السلام عليكم ورحمة الله، ثم رجع رسول الله ﷺ واتبعه سعد، فقال: يا رسول الله! إني كنت أسمع سلامك، وأرد عليك رداً خفياً؛ لتكثر علينا من السلام، فانصرف معه رسول الله ﷺ . وعن عبد الله بن بسر ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ إذا أتى باب قوم لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه، ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر، ويقول: السلام عليكم، السلام عليكم، وذلك أن الدور لم يكن عليها يومئذ ستور). ومن السنة التقريرية ما رواه ابن عباس ﵄ أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ قال: (أتيت رسول الله ﷺ وهو في مشربة له فقلت: السلام عليك يا رسول الله! أيدخل عمر؟).

стр. 1300

آثار الصحابة في بيان كيفية الاستئذان أما آثار الصحابة ﵃: فعن ابن عمر ﵄: أنه آذته الرمضاء -أي: الحر- فأتى فسطاط امرأة من قريش، فقال: السلام عليكم، أأدخل؟ فقالت المرأة: ادخل بسلام، فأعاد، فأعادت، فقال لها: قولي: ادخل، فقالت ذلك فدخل. وقد فسر بعض العلماء قولها له: ادخل بسلام، أنها تريد: سلم، فأنت تستأذن فقط، فكأنه فهم من قولها أنها تتهمه بالجهل، وأنه لا يدري كيف يستأذن، فهي تقول له: ادخل بسلام، وهناك تفسير ذكره العلماء أقرب من هذا وأوضح، وهو: أن هذا الدخول دخول مشروط، أي: أنها تقول له: ادخل بشرط أن تدخل بسلام، تعني: لا تؤذنا، ولا تطلع عينك إلى أي شيء مما لا ينبغي أن تطلع عليه، فكأن الدخول هنا مشروط بشرط وهو: أن يدخل بسلام، فهو لا يدري هل سيلتزم بهذا أم لا؟ لأنه بشر، وقد يقع منه التقصير، والإخلال بهذا الشرط، فهي تقول له: ادخل بسلام، فيقول لها: السلام عليكم، أأدخل؟ فتقول له: ادخل بسلام، فعاد، فعادت، فقال لها: قولي: ادخل، يعني: خففي عني ولا تضيقي، فقالت: ادخل، فدخل. وروى مطرف عن مالك: أن زيد بن أسلم استأذن على ابن عمر فقال: أألج؟ فأذن له ابن عمر، قال زيد: فلما قضيت حاجتي أقبل عليّ ابن عمر فقال: مالك واستئذان العرب؟! إذا استأذنت فقل: السلام عليكم، فإذا رُد عليك السلام فقل: أأدخل؟ فإن أذن لك فادخل. وعن أبي هريرة ﵁ فيمن يستأذن قبل أن يسلم، قال: لا يؤذن له حتى يبدأ بالسلام. وعن عطاء قال: سمعت أبا هريرة ﵁ يقول: إذا قال: أأدخل؟ ولم يسلم، فقل: لا، حتى يأتي بالمفتاح، قلت: السلام؟ قال: نعم. وعن ابن بريدة قال: استأذن رجل على رجل من أصحاب النبي ﷺ وهو قائم على الباب، فقال: أأدخل؟ ثلاث مرات، وهو ينظر إليه، فلم يأذن له، ثم قال: السلام عليكم، أأدخل؟ فقال: ادخل، ثم قال: لو قمت إلى الليل تقول: أأدخل؟ ما أذنت لك، حتى تبدأ بالسلام.
следующие страницы →