Полный текст (2 122 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.
стр. 1296
صفة الاستئذان
الأصل في الاستئذان أن يكون باللفظ، وهنا أنبه على أمر مهم جداً: وهو احترام خصوصية الإنسان في حدود شرع الله ، فترى بعض الناس يأتي إلى الأطفال الصغار ويريد أن يتلصص إلى معرفة أسرار البيوت من خلالهم، وهذا كثير في النساء؛ لأن النساء يتمتعن -إلا الأخوات الملتزمات- بقدر من الفضول غريب، فيقول في نفسه: إنّ الطفل الصغير لن يستطيع أن يميز، فيتتبعون الأطفال لهذا الغرض، فبدلاً من أن يدخل ويتلصص بنفسه، ويتجسس على عورات البيوت؛ تراه يمسك الأطفال ويقول في نفسه: هذا مصدر آمن للتجسس على أحوال الناس، فيأتي بالطفل ويسأله عن أسرار البيت: ماذا حصل في كذا؟ وماذا قالوا في كذا؟ وماذا عندكم؟ وماذا عملتم في كذا؟ إلى آخر هذه الأشياء، فكيف التصرف في هذه الحالة؟ سنشوه صورة الكبار في عين الطفل، اقترحوا معنا حلاً للمشكلة هذه، قد يوجد في داخل بعض البيوت أسرار، كما يقول المثل العامي الذي يكون أحياناً حكيماً: البيوت أسرار، فلو أراد أحد أن يستغل براءة الطفل في أن يطلع على هذه الأسرار فكيف تحتاط لذلك؟ كلمة (تربية الأولاد) كلمة فضفاضة، ونحن نريد حلاً لمشكلة محددة.
والحل: أن تعلم الطفل أن أي إنسان يسأله عن هذه الأمور أن يقول له: اسأل أبي، أو اسأل أمي، وتحفظه هذا بدون أن تشرح له؛ حتى لا يظهر الناس الكبار أمامه بصورة مشوهة، فإنك إذا قلت له: هذا فلان يتجسس، وهذا يرتكب معصية، ستشوش الكبار أمامه، لكن الأحسن من ذلك أن تعلمه أن من سأله عن أسرار البيت وخصوصياته أن يقول له: اسأل أبي، أو اسأل أمي، وهنا سوف يفهم هذا المتطفل أن هناك أحداً لقنه هذا الموضوع، وأنه منتبه لهذا العدوان.
فالأصل في الاستئذان -كما قلنا سابقاً- أن يكون باللفظ، كما بين الله ، وصيغته المثلى أن يقول المستأذن: السلام عليكم، أأدخل؟ فيجمع بين السلام والاستئذان، وما أروع أن يبدأ بالسلام الذي هو ذكر الله باسم من أسمائه سبحانه، وله فضيلة عظيمة جداً كما هو معلوم، يقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور:٢٧].
قال الإمام أبو بكر الجصاص الحنفي رحمه الله تعالى: وأمر مع الاستئذان بالسلام؛ إذ هو من سنة المسلمين التي أمروا بها، ولأن السلام أمان منه لهم، وهو تحية أهل الجنة، ومجلبة للمودة، وناف للحقد والضغينة.
لقد سبق أن تكلمنا من قبل عن فضائل السلام، والمسلم يتحسر على ما وصل إليه المسلمون! فتجد بعض الناس يتحرى ألاّ يقترب من الأمور التي فيها هذه الآداب الإسلامية، وبعض الناس يتكبر عن أن يرد السلام، ويظن أن هذه تحية من تحايا العرب المتخلفين، أما هم فتراهم يستعملون هذه التحايا الشيطانية الجاهلية: صباح الخير، ومساء الخير، إن لم تكن أيضاً باللغة الأجنبية كما يحصل الآن من بعض المنهزمين، وما درى هؤلاء المساكين أنهم في عدم إلقاء السلام عليهم قد أضروا أنفسهم بعقوبة شرعيه يعاقب بها الفاسق والمبتدع والكافر، وإن كان لا يستحق الرد، فهذا تشريف له أن تبدأه بالسلام.
ومن العقوبة للمبتدع، أو الفاسق، أو العاصي، أنك لا تبدؤه بالسلام؛ لأن ذلك تشريف له، فترى الواحد من هؤلاء يستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، ويفضل الدونية في تحية صباح الخير، ومساء الخير, وغيرها من الألفاظ العجمية، بدلاً من: السلام عليكم، وهذا من السفه، واستبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير.
عن ربعي بن خراش قال: حدثنا رجل من بني عامر قال: (إنه أستأذن على النبي ﷺ وهو في بيت، فقال: أألج -يعني: أأدخل-؟ فقال رسول الله ﷺ : اخرج إلى هذا فعلمه الاستئذان، وقل له: قل: السلام عليكم، أأدخل، فسمع الرجل ذلك من رسول الله ﷺ فقال: السلام عليكم، أأدخل؟ فأذن له، فدخل)، إن كثيراً من المواقف يحصل فيها خطأ في مراعاة آداب الاستئذان، ثم نجد الرسول ﵊ يعلم الناس هذا الأدب، وهذه وظيفة المربي دائماً: أنك ما تفوت فرصة إلا وتعلم الطفل، ونتكلم عن الطفل لأنه لا يزال عوداً غضاً طرياً يقبل التشكيل كالعجينة، أما الكبار فيصعب تشكيلهم إلى حد ما، إلا من كان ملتزماً حقيقياً بدين الله تعالى؛ فإنه إذا سمع حكم الله يقول: سمعنا وأطعنا.
стр. 1297
تعليم الأطفال آداب الاستئذان
أما الطفل فلا تجعل له حصة خاصة بالتربية والتأديب؛ بل إنّ سلوكياتك أمامه هي دروس وتعليم، ولذلك إذا نشأ الطفل في بيت كل من فيه يحترم آداب الاستئذان؛ فإنه لا يحتاج أن يتعلم هذه الآداب؛ بل تصبح جزءاً من كيانه، فيعرف أن الاستئذان يكون كذا، وإذا وجد كل من يعطس في البيت يقول: الحمد لله، ثم يجاب عليه: يرحمكم الله، ثم يجاب عليه بكذا، فإنه سيفعل نفس السلوك تلقائياً بالتلقين والتقليد والمحاكاة، فأفضل شيء أن تغرس فيه منذ نعومة أظفاره هذه الآداب، فتصبح جزءاً من هويته ومن كيانه، بحيث لا يحصل أي عناء على الإطلاق في التفاعل مع هذه الآداب.
وإذا بدأ الطفل يعي فلك أن تعلمه هذه الآداب في وقتها وحينها، فإذا أوقفته عند الباب فقل له مثلاً: قبل أن تدخل تقول: السلام عليكم، أأدخل؟ ويحاول أن ينطق الكلمة، فإذا قال ذلك فتعطيه هدية، وتشجعه على التزامه بهذا الأمر، وربما تحكي للآخرين أن هذا الطفل فعل كذا وكذا أمامه، والآخرون يظهرون انبهاراً بذلك، فيشعر أنه أتى بشيء عظيم، وشيء محبوب، ثم إذا قصر مرة أو مرتين أو عاند فلا تلح عليه أو تضغط عليه أو توبخه، وإنما تتركه إلى أن يتعود على ذلك، وتصبح عادة راسخة فيه.
وإذا عطس أحد ولم يحمد الله، وقال له الطفل: يرحمك الله، فتفهمه مسألة جديدة، فتقول له: لا تقل له: يرحمك الله؛ لأنه لم يحمد لله، فأنت تغرس له أن الذي يعطس وما يقول: الحمد لله، لا تقل له: يرحمك الله، ويصعب أن تفهم الطفل نص الحديث بصورة نظرية، لكن عندما يعطس عاطس ولم يحمد الله فإن الطفل سيقول له: يرحمك الله؛ لأنه تعود على ذلك، فأنت تقول له: لا تقل له؛ لأنه لا يستحق أن نقول له: يرحمك الله؛ لأنه لم يقل: الحمد لله، فتضيف له مسألة جديدة، مع الإلحاح والقدوة العملية؛ فإنها تغرس هذه المفاهيم.
стр. 1298
ما هو الأولى في الاستئذان: تقديم السلام أو تقديم الاستئذان ؟
هل يقدم السلام أم الاستئذان؟ هل تقول: أأدخل؟ السلام عليكم، أم: السلام عليكم أأدخل؟ قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: واختلفوا في أنه هل يستحب تقديم السلام ثم الاستئذان، أو تقديم الاستئذان ثم السلام؟ أتدرون ما منشأ الخلاف هنا؟
الجواب
منشأ الخلاف أنّ الآية السابقة فيها: ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور:٢٧]، فهل العطف بالواو هنا يقتضي الترتيب أم لا يقتضي الترتيب؟ أما هنا فمن المؤكد أنّه لا يقتضي الترتيب؛ لأن في حديث الرسول ﷺ : (قل: السلام عليكم، أأدخل؟)، فالسنة العملية بينت الآية بما يجب المصير إليه، ولا يجوز النظر فيما خالفه؛ لأنه متى ما ثبت تفسير الآية عن الرسول ﷺ فإنّه يجب المصير إلى هذا التفسير.
يقول النووي رحمه الله تعالى: والصحيح الذي جاءت به السنة، وقاله المحققون أنه يقدم السلام، فيقول: السلام عليكم، أأدخل؟ القول الثاني: يقدم الاستئذان، ويقول: أأدخل؟ السلام عليكم.
والثالث: التفصيل، وهو اختيار الماوردي من أصحابنا: إن وقعت عين المستأذن على صاحب المنزل قبل دخوله قدم السلام، وإلا قدم الاستئذان.
قال الشوكاني: وليس عليه دليل.
وقد صح عن النبي ﷺ حديثان في تقديم السلام، يقول العلامة المفسر محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى: ولا يخفى أن ما صح فيه حديثان عن النبي ﷺ مقدم على غيره، فلا ينبغي العدول عن تقديم السلام على الاستئذان، وتقديم الاستئناس -الذي هو الاستئذان- على السلام في قوله: ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا﴾ [النور:٢٧]، لا يدل على تقديم الاستئذان؛ لأن العطف بالواو لا يقتضي الترتيب، وإنما يقتضي مطلق التشريك.
فإذا قلنا: جاء محمد وعلي، فالعطف بالواو لا يقتضي الترتيب، وإنما يفيد مطلق التشريك، أي: أنّ الاثنين اشتركا في المجيء، وأما من الأول منهما؟ فلا دليل عليه من هذه الجملة، أما إذا قلنا: جاء محمد ثم علي، فإن (ثم) تقتضي الترتيب والتراخي.
وقال شيخ المفسرين الإمام الطبري رحمه الله تعالى في هذه الآية: ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا﴾ [النور:٢٧]: هو من المقدم الذي معناه التأخير، إنما هو: حتى تسلموا وتستأذنوا، فهذا فيه تقديم وتأخير؛ لأن العطف بالواو لا يقتضي الترتيب وإنما يقتضي مطلق التشريك، فيجوز عطف الأول على الأخير بالواو، كقوله تعالى: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران:٤٣] والركوع قبل السجود، فالعطف هنا يقتضي مطلق التشريك، وليس يقتضي الترتيب.
وقال ﵎: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنْ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ [الأحزاب:٧] فهذا ليس فيه ترتيب؛ لأن نوحاً قبل نبينا ﵊.
إلاّ أنّ هذا لا ينافي أن يعطف بالواو والمراد منها الترتيب، لكن لابد أن يدل دليل على اقتضائها الترتيب في ذلك الموضع.
ومثال مجيئها للترتيب قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٥٨]، فلو تركت هكذا بدون دليل لجاز لك أن تبدأ في الطواف والسعي بأي واحدة منهما، ولكن جاء حديث يدل على أن المراد بالواو هنا الترتيب، وهو قول النبي ﵊: (أبدأ بما بدأ الله به)، وفي بعض الروايات: (ابدءوا بما بدأ الله به) بصيغة الأمر، فهذا يدل على أن (الواو) هنا تقتضي الترتيب وليس مطلق التشريك.
وأيضاً في قول حسان رضي الله تعالى عنه: هجوتَ محمداً وأجبتُ عنه وعند الله في ذاك الجزاء برواية الواو: (وأجبت)، فهذه الواو تقتضي الترتيب؛ لأن هناك من هجا النبي ﷺ ، فدافع عنه حسان ﵁، فجواب الهجاء لا يكون إلا بعده.
وإيضاح ذلك: أن الواو عند التجرد من القرائن والأدلة الخارجية لا تقتضي إلا مطلق التشريك بين المعطوف والمعطوف عليه، ولا ينافي ذلك أنه إن قام دليل على إرادة الترتيب في العطف كالحديث المذكور في البدء بالصفا، أو دلت على ذلك قرينة كالبيت المذكور، أنها تدل على الترتيب؛ لقيام الدليل أو القرينة على ذلك، والآية التي نحن بصددها لم يقم دليل راجح ولا قرينة على إرادة الترتيب فيها بالواو، وقد دلت الأحاديث الصحيحة على أن النبي ﷺ تكرر منه تعليم الاستئذان لمن لا يعلمه بأن يقول: السلام عليكم، أأدخل؟ وهذا بيان للمراد من القرآن الكريم، فيتعين المصير إليه، كما أنه ﷺ فعل ذلك، وأقر من أتى به، وأنكر على من خالفه.
стр. 1299
بيان النبي ﷺ لكيفية الاستئذان قولاً وفعلاً وتقريراً
قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ [النور:٢٧] أي: حتى تستأذنوا، والاستئذان يكون ثلاثاً، ويبدأ فيه بالسلام، وكل هذا جاء في السنة، وهو يوضح ويفسر الآية الكريمة، ويبين أنه لا يصح أن يكون المراد بقوله: (حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا) أن يتنحنح أو نحو ذلك مما ذهب إليه البعض.
أما تعليم النبي ﵊ فكما رواه ربعي بن خراش قال: (حدثنا رجل من بني عامر أنه استأذن على النبي ﷺ وهو في بيت، فقال: أألج؟ فقال النبي ﷺ لخادمه: اخرج إلى هذا فعلمه الاستئذان، فقل له: قل: السلام عليكم، أأدخل؟) وفي رواية أخرى: (أن النبي ﷺ قال لأمة له يقال لها روضة: قولي لهذا يقول: السلام عليكم، أأدخل؟ فسمعها الرجل فقالها، فقال له النبي ﷺ : ادخل).
وعن كلدة بن الحنبلي ﵁: (أن صفوان بن أمية بعثه بلبن ولبأ وضغابيط إلى النبي ﷺ -والضغابيط: حشيش يؤكل-، والنبي ﷺ بأعلى الوادي، قال: فدخلت عليه ولم أسلم ولم أستأذن، فقال النبي ﷺ : ارجع فقل: السلام عليكم، أأدخل؟ وذلك بعدما أسلم صفوان).
قلت: فانظر إلى قوله: (ارجع) كيف يعلمه الأدب، ولا يتسامح في مثل هذا، خاصة من المربي، ويكون ذلك برفق ولطف، لكن لا يفوت التعليم في هذه الأشياء، فإن بعض الناس يتحرج من مواجهة من فعل هذا التقصير، سواء كانوا تلامذة له أو نحو ذلك، وربما زين هذا المسلك قول بعض الصوفية: راحة القلب ألاّ ترى لأحد عليك حقاً، وهذا صحيح أن راحة البال في تعاملك مع الناس أن تؤدي ما عليك من الواجبات تجاههم ولا تنتظر حقاً منهم، فهذا ممكن إلا في حالة التربية والتأديب، فلا بأس للشيخ أو الأستاذ أو المربي أو الأب أو الأم أن يرى أن راحة البال ألاّ يكون لأحد عليه حق؛ من أجل أن يتحمل إساءة الناس، ويصفح عنهم، لكن هذا الأسلوب مع من كان مسئولاً عنهم لا ينفع؛ لأنه سيبقى السلوك السيئ بدون تقويم، فتعلم ابنك أن يحترمك، وتعلمه أن يحترم أستاذه، ويمكن للأب أن يعلم ابنه أن يتأدب معه، وأن يحترمه، وهذا فيه مصلحة الابن نفسه، ولا يقول: لا أرى لنفسي حقاً على أحد، ثم يصير الولد سيئ التربية، وهل ينفع أن نقول: عديم التربية؟ هل يصح ذلك؟ لا يصح؛ لأن كل واحد لا بد أن يكون متربياً، إلاّ أن هناك تربية حسنة، وهناك تربية سيئة، فالناس على قسمين: حسن التربية، وسيئ التربية، وليس هناك صنف ثالث بين القسمين.
فالأب يمكن أن يعلم ابنه مثلاً ويخاطبه بطريقة معينة فيها الأدب والأسلوب المهذب والكلام الذي فيه التوقير، ولا حرج على الإطلاق في ذلك؛ بل إن هذا فيه مصلحة الولد حتى يتربى.
أما السنة الفعلية فما ثبت أن أبا سعيد أو أبا مسعود رضي الله تعالى عنهما قال لـ عمر ﵁: (خرجنا مع النبي ﷺ وهو يريد سعد بن عبادة حتى أتاه فسلم، فلم يؤذن له - أي: لم يؤذن للرسول ﵊، ثم سلم الثانية فلم يؤذن له، ثم سلم الثالثة فلم يؤذن له، فقال: قضينا ما علينا، ثم رجع ﷺ فأذن له سعد) إلى آخر الحديث.
وروى الإمام أحمد بسنده عن أنس أو غيره: (أن النبي ﷺ استأذن على سعد بن عبادة فقال: السلام عليك ورحمة الله)، فلا يجوز لأحد أن يحتجب عن الرسول ﵊ بحال من الأحوال، وأيضاً لا يجوز للإنسان بحال أن يحتجب عن أبيه وأمه، فمن الممكن أن يحتجب عن غيرهما لعذر من الأعذار، أما الوالدان فلا يجوز أن تحتجب عنهما أو أحدهما.
ففي الحديث السابق: (أن النبي ﷺ استأذن على سعد بن عبادة فقال: السلام عليك ورحمة الله، فقال سعد: وعليك السلام ورحمة الله، ولم يسمع النبي ﷺ أي: أنّه رد في نفسه بحيث لا يسمعه الرسول ﵊، حتى سلم ثلاثاً، ورد عليه سعد ثلاثاً، ولم يسمعه، فرجع النبي ﷺ ، فاتبعه سعد فقال: يا رسول الله! بأبي أنت وأمي -يعني: أفديك بأبي وأمي- ما سلمت تسليمة إلا وهي بأذني، ولقد رددت عليك ولم أسمعك، أردت أن أستكثر من سلامك ومن البركة، ثم أدخله البيت، فقرب إليه زبيباً، فأكل النبي ﷺ ، فلما فرغ قال: أكل طعامكم الأبرار، وصلت عليكم الملائكة، وأفطر عندكم الصائمون).
وهذا الحديث يلحن فيه كثير من الناس، ويأتون فيه بمصائب بسبب التصحيف، فيقول بعضهم: أكل طعامُكم الأبرار، يعني: أن الطعام هو الذي أكل الأبرارَ، فيجعلون الطعام فاعلاً، والأبرار مفعولاً.
(وصلت عليكم الملائكة) بالصاد، وهم يقولون: وسلط من التسليط.
وعن قيس بن سعد بن عبادة قال: (زارنا رسول الله ﷺ في منزلنا فقال: السلام عليكم ورحمة الله، فرد سعد رداً خفياً، فقلت: ألا تأذن لرسول الله ﷺ ؟! فقال: دعه يكثر علينا من السلام، فقال رسول الله ﷺ : السلام عليكم ورحمة الله، فرد سعد رداً خفياً، ثم قال رسول الله ﷺ : السلام عليكم ورحمة الله، ثم رجع رسول الله ﷺ واتبعه سعد، فقال: يا رسول الله! إني كنت أسمع سلامك، وأرد عليك رداً خفياً؛ لتكثر علينا من السلام، فانصرف معه رسول الله ﷺ .
وعن عبد الله بن بسر ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ إذا أتى باب قوم لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه، ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر، ويقول: السلام عليكم، السلام عليكم، وذلك أن الدور لم يكن عليها يومئذ ستور).
ومن السنة التقريرية ما رواه ابن عباس ﵄ أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ قال: (أتيت رسول الله ﷺ وهو في مشربة له فقلت: السلام عليك يا رسول الله! أيدخل عمر؟).
стр. 1300
آثار الصحابة في بيان كيفية الاستئذان
أما آثار الصحابة ﵃: فعن ابن عمر ﵄: أنه آذته الرمضاء -أي: الحر- فأتى فسطاط امرأة من قريش، فقال: السلام عليكم، أأدخل؟ فقالت المرأة: ادخل بسلام، فأعاد، فأعادت، فقال لها: قولي: ادخل، فقالت ذلك فدخل.
وقد فسر بعض العلماء قولها له: ادخل بسلام، أنها تريد: سلم، فأنت تستأذن فقط، فكأنه فهم من قولها أنها تتهمه بالجهل، وأنه لا يدري كيف يستأذن، فهي تقول له: ادخل بسلام، وهناك تفسير ذكره العلماء أقرب من هذا وأوضح، وهو: أن هذا الدخول دخول مشروط، أي: أنها تقول له: ادخل بشرط أن تدخل بسلام، تعني: لا تؤذنا، ولا تطلع عينك إلى أي شيء مما لا ينبغي أن تطلع عليه، فكأن الدخول هنا مشروط بشرط وهو: أن يدخل بسلام، فهو لا يدري هل سيلتزم بهذا أم لا؟ لأنه بشر، وقد يقع منه التقصير، والإخلال بهذا الشرط، فهي تقول له: ادخل بسلام، فيقول لها: السلام عليكم، أأدخل؟ فتقول له: ادخل بسلام، فعاد، فعادت، فقال لها: قولي: ادخل، يعني: خففي عني ولا تضيقي، فقالت: ادخل، فدخل.
وروى مطرف عن مالك: أن زيد بن أسلم استأذن على ابن عمر فقال: أألج؟ فأذن له ابن عمر، قال زيد: فلما قضيت حاجتي أقبل عليّ ابن عمر فقال: مالك واستئذان العرب؟! إذا استأذنت فقل: السلام عليكم، فإذا رُد عليك السلام فقل: أأدخل؟ فإن أذن لك فادخل.
وعن أبي هريرة ﵁ فيمن يستأذن قبل أن يسلم، قال: لا يؤذن له حتى يبدأ بالسلام.
وعن عطاء قال: سمعت أبا هريرة ﵁ يقول: إذا قال: أأدخل؟ ولم يسلم، فقل: لا، حتى يأتي بالمفتاح، قلت: السلام؟ قال: نعم.
وعن ابن بريدة قال: استأذن رجل على رجل من أصحاب النبي ﷺ وهو قائم على الباب، فقال: أأدخل؟ ثلاث مرات، وهو ينظر إليه، فلم يأذن له، ثم قال: السلام عليكم، أأدخل؟ فقال: ادخل، ثم قال: لو قمت إلى الليل تقول: أأدخل؟ ما أذنت لك، حتى تبدأ بالسلام.
стр. 1301
مشروعية الاستئذان ثلاث مرات
الاستئذان يكون ثلاث مرات، ويقول المستأذن في كل واحدة منها: السلام عليكم، أأدخل؟ فإن لم يؤذن له عند الثالثة فليرجع، ولا يزد على الثلاث، وهذا لا ينبغي أن يختلف فيه؛ لثبوته عن النبي ﷺ ثبوتاً لا مطعن فيه، فقد روى البخاري بسنده عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (كنت في مجلس من مجالس الأنصار إذ جاء أبو موسى ﵁ كأنه مذعور، فقال: استأذنت على عمر ثلاثاً فلم يؤذن لي، فرجعت، فقال: ما منعك؟ قلت: استأذنت ثلاثاً فلم يؤذن لي فرجعت، وقد قال رسول الله ﷺ : (إذا استأذن أحدكم ثلاثاً فلم يؤذن له فليرجع) فقال عمر: والله لتقيمن عليه بينة، أمنكم أحد سمعه من النبي ﷺ ؟ فقال أبي بن كعب: والله لا يقوم معك إلا أصغر القوم).
أي: أن أبا موسى ذهب يشتكي إلى الصحابة أن عمر هدده، وفي بعض الروايات أنه حدد له ميعاداً، وإذا لم تأت بأحد يشهد معك لأوجعن ظهرك، فأراد أبي بن كعب أن يرد على عمر فقال: والله لا يقوم معك إلا أصغر القوم.
يقول الإمام النووي رحمه الله تعالى: معناه: أن هذا حديث مشهور بيننا، معروف لكبارنا وصغارنا، حتى أن أصغرنا يحفظه وسمعه من الرسول ﷺ ، وكان أصغر القوم أبا سعيد الخدري، قال: فقمت معه، فأخبرت عمر أن النبي ﷺ قال ذلك.
قلت: وهذا الحديث نص صريح صحيح عن النبي ﷺ في أن الاستئذان ثلاث مرات، فإن لم يؤذن له بعد الثالثة فليرجع.
ورواه مسلم بسنده عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (كنت جالساً بالمدينة في مجلس الأنصار، فأتانا أبو موسى فزعاً أو مذعوراً، قلنا: ما شأنك؟ قال: إن عمر أرسل إليّ أن آتيه فأتيت بابه، فسلمت ثلاثاً فلم يرد عليّ فرجعت، فقال: ما منعك أن تأتينا؟ فقلت: إنني أتيتك، فسلمت على بيتك ثلاثاً فلم يردوا عليّ فرجعت).
انظر إلى الدقة يقول: فلم يردوا علي، ولم يقل: فلم أجد أحداً، أو فلم يكن هنالك أحد، لكن قال: فلم يردوا عليّ، فهذه أيضاً طريقة من طرق الاعتذار الضمني.
قال: (وقد قال رسول الله ﷺ : (إذا استأذن أحدكم ثلاثاً فلم يؤذن له فليرجع)، فقال عمر: أقم عليها البينة وإلا أوجعتك، فقال أبي بن كعب: لا يقوم معه إلا أصغر القوم، قال أبو سعيد: قلت: أنا أصغر القوم، قال: فاذهب معه.
قال: أبو سعيد: فقمت معه، فذهبت إلى عمر فشهدت).
وفي بعض الروايات قال: (فو الله لأوجعن ظهرك وبطنك أو لتأتين بمن يشهد على هذا، فقال أبي بن كعب: فوالله لا يقوم معك إلا أحدثنا سناً، قم يا أبا سعيد! فقمت حتى أتيت عمر فقلت: قد سمعت رسول الله ﷺ يقول هذا).
وفي لفظ أنه قال: إن كان هذا شيء حفظته من رسول الله ﷺ فهات وإلا فلأجعلنك عظة، قال أبو سعيد: فأتانا فقال: ألم تعلموا أن رسول الله ﷺ قال: (الاستئذان ثلاث؟)، أبو موسى بعدما رجع وهو مفزوع ومرعوب من تهديد عمر، دخل على الصحابة فقال: ألم تعلموا أن رسول الله ﷺ قال: (الاستئذان ثلاث؟) قال: فجعلوا يضحكون)، انظر إلى السلاسة في تعامل الصحابة، فهم بشر كالبشر، وفيهم الدعابة في موضعها، فهم رأوا أبا موسى جاء مذعوراً بهذه الطريقة، فجعلوا يضحكون، قال: فقلت: (أتاكم أخوكم المسلم قد فزع وأنتم تضحكون! انطلق فأنا شريكك في هذه العقوبه، فأتاه فقال: هذا أبو سعيد).
وفي بعض الروايات: أن عمر قال: (خفي عليّ هذا من أمر رسول الله ﷺ ، ألهاني عنه الصفق في الأسواق)، وفي بعض الروايات أن أبا موسى ذهب، فقال عمر: (إن وجد بينة تجدوه عند المنبر عشية، وإن لم يجد بينة فلن تجدوه، فلما أن جاء العشي ووجدوه قال: أبا موسى! ما تقول؟ أقد وجدت؟ قال: نعم.
أبي بن كعب قال: عدل يا أبا الطفيل! ما يقول هذا؟ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك يا ابن الخطاب! فلا تكونن عذاباً على أصحاب رسول الله ﷺ ، قال: سبحان الله! إنما سمعت شيئاً فأحببت أن أتثبت).
وفي لفظ: أن عمر قال لـ أبي: (يا أبا المنذر! أأنت سمعت من رسول الله ﷺ ؟ فقال: نعم، فلا تكن يا ابن الخطاب عذاباً على أصحاب رسول الله ﷺ .
فهذه الروايات الصحيحة عن أبي سعيد وأبي موسى وأبي بن كعب ﵃ تدل دلالة صحيحة صريحة على أن الاستئذان هو المعبر عنه في الآية بالاستئناس، وأنّ السلام المذكور فيها لا يزاد فيه على ثلاث مرات، وأن الاستئناس المذكور في الآية هو الاستئذان المكرر ثلاثاً؛ لأن خير ما يفسر به كتاب الله بعد كتاب الله سنة رسول الله ﷺ الثابتة عنه.
стр. 1302
الحكمة من تثليث الاستئذان
ما الحكمة من تثليث الاستئذان؟ عن قتادة في معنى قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ [النور:٢٧] قال: هو الاستئذان ثلاثاً، فمن لم يؤذن له فليرجع، أما الأولى: فليسمع الحي، وأما الثانية: فليأخذوا حذرهم، وأما الثالثة: فإن شاءوا أذنوا وإن شاءوا ردوا، ولا تقفن على باب قوم ردوك عن بابهم، فإن للناس حاجات، ولهم أشغال، والله أولى بالعذر.
فهذا فيه بيان حكمة الاستئذان ثلاث مرات: الأولى: معرفة أن ثمة شخصاً بالباب ليسمع الحي.
الثانية: ليأخذوا حذرهم من ستر عورات مكشوفة، أو إعداد مكان، أو نحو ذلك.
الثالثة: إن شاءوا أذنوا، وإن شاءوا ردوا.
وقوله: ولا تقفن على باب قوم ردوك عن بابهم.
هذا نهي للإنسان إذا اعتذر له صراحة أو ضمناً أن يعكف عند الباب، فإن فيه أذى.
قال: فإن للناس حاجات، ولهم أشغال، والله أولى بالعذر.
فقد يكون عند صاحب البيت موعد في نفس الوقت، أو يريد أن يخرج لمشوار مهم جداً: كموعد مع طبيب، أو الذهاب إلى العمل والوظيفة، وهناك حرج من مواجهة المستأذن، فهو يريد أن يمشي وربما تمشي معه نساؤه -مثلاً- فلو بقي ذلك الرجل واقفاً له على الباب فكيف يخرج إلى مصالحه؟ فهذا معنى قول السلف: فإن للناس حاجات، ولهم أشغال.
فالوقوف أمام البيت سيعيق أهل البيت عن الحركة الحرة، فانتبهوا لهذا جيداً، فمن استأذن فلم يؤذن له فلابد أن ينصرف، بخلاف من أتى ولم يستأذن، كما سنبين فيما بعد.
وعن أمير المؤمنين علي ﵁ قال: الأولى إعلام، والثانية مؤامرة -أي: شورى بين أهل البيت، فيتشاورون: هل نأذن أم لا نأذن؟ لسبب أو لآخر، وليس المراد من المؤامرة المعنى المعروف- والثالثة: عزمة قرار وعزيمة، إما أن يؤذن له، وإما أن يرد.
وقال الإمام ابن عبد البر في التمهيد: وقال بعضهم: المرة الأولى من الاستئذان: استئذان، والمرة الثانية: مشورة، هل يؤذن في الدخول أم لا؟ والثالثة: علامة الرجوع، ولا يزيد على ذلك على ثلاث.
وقال القاضي أبو بكر بن العربي: وحكمة التعداد في الاستئذان أن الأولى: استعلام، والثانية: تأكيد، والثالثة: إعذار.
وقد فصل الحنفية دون غيرهم في مدة الانتظار بين كل استئذانين، فقالوا: يمكث بعد كل مرة مقدار ما يفرغ الآكل، والمتوضئ، والمصلي أربع ركعات، وهذا لا دليل عليه، والمسألة نسبية، فإذا كان أحد على عمل من هذه الأعمال فينتظر حتى يفرغ منه، وإن لم يكن على عمل منها كانت عنده فرصة في أن يأخذ فيها حذره، ويصلح شأنه قبل أن يدخل الداخل.
وقال القاضي ابن العربي أيضاً: قال جماعة: الاستئذان فرض، والسلام مستحب، ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا﴾ [النور:٢٧]، وبيانه أن التسليم كيفية في الإذن.
يعني: كلمة السلام جاءت لتشرح لنا (حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا).
وروى مطرف عن مالك عن زيد بن أسلم: أنه استأذن على ابن عمر فقال: أألج؟ فأذن له ابن عمر، قال زيد: فلما قضيت حاجتي أقبل عليّ ابن عمر فقال: مالك واستئذان العرب؟! إذا استأذنت فقل: السلام عليكم، فإذا رد عليك السلام فقل: أأدخل؟ فإن أذن لك فادخل، فعلمه سنة السلام.
стр. 1303
حكم الاستئذان بغير الصيغ المشروعة
ذهب البعض إلى أن كل ما تعارفه الناس من ألفاظ الاستئذان يقوم مقام اللفظ المأثور، فإن الأعراف أحياناً تتغير، كما قال ابن عطية: لكل قوم في الاستئذان عرفهم في العبارة، فقد روى أبو بكر بن الخطيب بسنده عن أبي الملك مولى أم مسكين بنت عاصم بن عمر بن الخطاب قال: أرسلتني مولاتي إلى أبي هريرة ﵁، فجاء معي، فلما قام بالباب قال: أنذر؟ قالت: أنذرون.
(أنذر) كلمة فارسية في الاستئذان معناها: أأدخل؟ وأنذرون يعني: ادخل، وهي كلمة الإذن.
فالشاهد: أنّ بعض العلماء استدل بهذا الأثر على جواز استعمال ما تعارف عليه الناس، وهذا ذكرناه لمجرد الإحاطة بما قيل في هذه المسألة، وإلاّ فإن السنة قد فسرت الآية بطريقة واضحة وصريحة، وقد نص بعض المالكية على كراهة الاستئذان بالذكر؛ لما فيه من جعل اسم الله تعالى آلة.
أي: مثل قول بعض الناس: سبحان الله، أو: لا إله إلا الله، أو: يا ساتر! مع أنّ اسم (ساتر) ليس من الأسماء الحسنى، وإنما الذي في الأحاديث هو (ستّير) قال في الفواكه الدواني: وما يفعله بعض الناس في الاستئذان بنحو سبحان الله، ولا إله إلا الله، فهو بدعة مذمومة؛ لما فيه من إساءة الأدب مع الله تعالى في استعمال اسمه في الاستئذان.
فهذه أشياء ينبغي أن توضح للناس؛ لأن الناس يفعلونها بنية حسنة، فيحتاجون إلى من يعلمهم، فتجد بعض الناس مثلاً يكتبون على مقبض باب البيت: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [النور:٣٥]، أو: (سبحان الله)، أو: (بسم الله) وهذا امتهان لاسم الله، أو تجد بعضهم يأتي بصينية، ويقدم عليها المشروبات، ويكون قد كُتب عليها ذكر، أو نقشت عليها صورة الكعبة، فلا ينبغي أن تمتهن مثل هذه الأمور، ويجب الحذر من مثل هذا، فاسم الله، وما فيه ذكر الله لا يجوز أن يمتهن.
стр. 1304
أحكام من استأذن ثلاثاً فلم يؤذن له
وهنا مسألة أيضاً وهي: أن من استأذن ثلاث مرات، وتأكد أنهم سمعوه فله حالتان: الحالة الأولى: أن يتحقق أنهم سمعوه بالفعل، ولم يأذنوا له.
الحالة الثانية: أن يغلب على ظنه ذلك.
أما المسألة الأولى: فإن تحقق وتأكد تماماً أنهم سمعوه، ولم يجب رب المنزل، فينبغي أن يفهم المستأذن أن رب المنزل لا يرغب له في الإذن بالدخول؛ وحينئذ عليه أن ينصرف، حتى ولو تأكد أن صاحب المنزل موجود بداخله، ولا شك أنّ من اللباقة ومن الذوق ألاّ يتخذ هذا الأمر ذنباً لا يغفر، وإذا قابله بعد ذلك يقول له: أتيت وطرقت الباب فلم ترد عليّ! فيوبخه، ويلومه، ويعنفه، وهذا لا ينبغي؛ بل عليه أن يتغاضى ويتغافل عن هذا، ولا يعاتبه، ولا يحوجه إلى الاعتذار، ولا يضطره إلى أن يذكر له السبب الذي من أجله لم يفتح له، فضلاً عن التوبيخ.
стр. 1305
حكم قول (أنا) في الاستئذان وغيره
بعض الناس يتحرج جداً من كلمة (أنا)، فيحسبون أن الرسول ﷺ لما كره من جابر كلمة (أنا)، وقال له: (أنا، أنا!) أن هذه فيها تشبه بإبليس، وهذا المعنى راسخ عند العوام، حتى إن بعضهم إذا كلمته واضطررت إلى استعمال كلمة (أنا) يقول: أعوذ بالله من أن أقول: (أنا)، فهم يظنون أن هذا تشبه بإبليس، حتى قال بعضهم: كلمة (أنا) لم تزل مشئومة على أصحابها، ولا شك أن هذه الكلمة لا تزال جارية على ألسنة الطغاة والمتجبرين في سياق ذكر مفاخرهم، والزهو بأنفسهم.
فالحكم على كلمة (أنا) ليس على إطلاقه، والسياق يفرق، فأحياناً يجوز استعمالها، وأحياناً لا يجوز استعمالها، فلا يجوز استعمالها في أمر الاستئذان، ولا يجوز أيضاً أن يستعملها الإنسان في الزهو، أو الفخر، نحو: أنا الذي عملت، وأنا الذي صنعت إلى آخر هذه العبارات، كما يفعل الطغاة والمتجبرون، ولذلك يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في المكروه من الألفاظ في (زاد المعاد): وليحذر كل الحذر من طغيان ثلاث كلمات: من طغيان أنا، ولي، وعندي، فإن هذه الألفاظ الثلاثة ابتلي بها إبليس وفرعون وقارون، فـ ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ [الأعراف:١٢] لإبليس، و ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ﴾ [الزخرف:٥١] ابتلي بها فرعون، و ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ [القصص:٧٨] ابتلى بها قارون، وأحسن ما وضعت له (أنا) في قول العبد: أنا العبد المذنب المخطئ المستغفر المعترف ونحوه، ولي في قوله: لي الذنب، ولي الجرم، ولي المسكنة، ولي الفقر والذل، وعندي في قوله: اغفر لي جدي وهزلي، وخطئي وعمدي، وكل ذلك عندي.
يعني: أنها تستعمل استعمالاً صحيحاً واستعمالاً مذموماً كما بينا.
فليس الأمر كما أطلق من ظن أن كلمة (أنا) مكروهة لمجرد مشابهة إبليس، خاصة أن هناك نصوصاً كثيرة تناقض هذا القول، حيث استعملت فيها كلمة (أنا) في موضعها، فلا حرج من استعمالها في موضعها، فمن ذلك قول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الكهف:١١٠]، وقال حكاية عن نبيه ﷺ : ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٣]، وقال: ﴿وَمَا أَنَا مِنْ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص:٨٦]، وقال: ﴿إِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [العنكبوت:٥٠]، وقال النبي ﷺ (أنا) في عدة أخبار مثل قوله: (أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب)، وقوله أيضاً ﷺ : (أنا سيد ولد آدم ولا فخر)، وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من أصبح منكم اليوم صائماً؟ قال أبو بكر: أنا، قال: من عاد منكم اليوم مريضاً؟ قال أبو بكر: أنا) فقول أبي بكر (أنا) لا محذور فيه؛ لأنّه كان حاضراً في المجلس ويرونه، بخلاف ما لو كان في الاستئذان.
(قال: من شهد منكم اليوم جنازة؟ قال أبو بكر: أنا، قال: من أطعم اليوم مسكيناً؟ قال أبو بكر: أنا، قال مروان بن معاوية: بلغني أن النبي ﷺ قال: ما اجتمعت هذه الخصال في رجل في يوم إلا دخل الجنة).
وعن أبي بكر ﵁ قال: أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني إذا أنا قلت في كتاب الله بما لا أعلم؟! وقال علي ﵁: أنا الذي سمتني أمي حيدرة.
وعن بريدة: (أن النبي ﷺ أتى المسجد وأبو موسى يقرأ، قال: فجئت فقال: من هذا؟ قلت: أنا بريدة).
وفي الصحيح في حديث أم هانئ: (فقلت: أنا أم هانئ).
стр. 1306
عدم وقوف المستأذن قبالة الباب
ينبغي ألاّ يقف المستأذن قبالة الباب إذا كان الباب مفتوحاً، وكذلك إذا كان مغلقاً؛ خشية أن يفتح له فيرى من أهل المنزل ما لا يحبون أن يراه، وهذا بخلاف ما لو كان الباب عن يمينه، أو عن يساره، فإنه إذا فتح الباب لا يرى ما في داخل البيت.
وبعض الناس يتنطعون، فتراه يطرق الباب ثم يختبئ بعيداً عن الباب تماماً، وهذا خطأ، فقد وجد في هذه الأيام وسائل حديثة كالكاميرات التلفزيونية التي توضع عند أبواب بعض البيوت، أو العدسات التي توضع في الأبواب بحيث يرى الشخص الذي يستأذن فأصبحت هذه وسيلة للتحقق من شخصية المستأذن، فإذا اختبأت بعيداً عن الباب فإنه لا يراك.
فلابد أن نفهم هذه الأشياء، وأن نعرف حدودنا، فيقف المستأذن بجانب الباب؛ بحيث يراعي حرمة البيت، فإذا فتح الباب فإنه لا يرى شيئاً في داخل البيت، وفي نفس الوقت يقف في مكان يستطيع من يستأذن عليهم أن يروه، فعن عبد الله بن بسر ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ إذا أتى باب قوم لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه، ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر، ويقول: السلام عليكم السلام عليكم؛ وذلك أن الدور لم يكن عليها يومئذ ستور).
وعن سعد بن عبادة ﵁ أنه استأذن وهو مستقبل الباب، فقال له النبي ﷺ : (لا تستأذن وأنت مستقبل الباب)، وفي رواية قال: (جئت إلى النبي ﷺ وهو في بيت، فقمت مقابل الباب فاستأذنت، فأشار إليّ أن تباعد، ثم جئت فاستأذنت، فقال: وهل الاستئذان إلا من أجل النظر؟!).
وعن هزيل بن شرحبيل قال: (جاء رجل فوقف على باب رسول الله ﷺ يستأذن، فقام على الباب، وفي رواية: مستقبل الباب، فقال له النبي ﷺ : هكذا عنك أو هكذا، فإنما الاستئذان من النظر).
ويروى عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ عن رسول الله ﷺ أنه قال: (لا يحل لامرئ مسلم أن ينظر إلى جوف بيت حتى يستأذن، فإن فعل فقد دخل) يعني: إذا نظر بعينه فكأنه دخل (ولا يؤم قوماً فيخص نفسه بدعوة دونهم حتى ينصرف، ولا يصلي وهو حاقن حتى يتخفف).
وهذا الحديث يضعفه بعض العلماء، ويحسنه بعضهم.
وفي بعض الأحاديث أيضاً: (لا تأتوا البيوت من أبوابها، وائتوها من جوانبها فاستأذنوا وإلا فارجعوا).
فإذا كان الباب مغلقاً فقد أوضحنا حكمه، وأما إن كان الباب مفتوحاً فهو مغلق بالتحريم الشرعي للدخول حتى يفتحه الإذن من ربه، بمعنى: أنه لا يجوز لك أن تنظر إلى داخله، ولذلك يقول القرطبي: لأن الشرع قد أغلقه بالتحريم للدخول حتى يفتحه الإذن من ربه.
وقد توجد في الباب عدسات أو شيء من هذا القبيل، فالمفروض أنه يمكِّن صاحب البيت من التعرف عليه؛ حتى ينظر هل يناسبه أن يأذن له أم لا؟
стр. 1307
رجوع المستأذن إذا لم يؤذن له
ذكرنا سابقاً: أن اعتذار صاحب البيت عن الإذن بدخول المستأذن إما أن يكون اعتذاراً ضمنياً، وإما أن يكون صريحاً، وقد دلّ قول الله ﵎: ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا﴾ [النور:٢٨] على حالة الاعتذار الضمني، فربما كان صاحب البيت موجوداً في البيت، لكنه لم يشأ أن يرد على المستأذن، فيصدق على المستأذن أنه لم يجد فيها أحداً؛ لأن الله تعالى نفى الوجدان ولم ينف الوجود، ولو قال: (فإن لم يكن فيها أحد) لما كان هذا المنزع اللطيف، والسر الدقيق، فتأملوا قول الله تعالى: (فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا)، ولم يقل: (فإن لم يكن)، فإذا استأذن شخص ثلاثاً وسُكت عنه وجب عليه أن ينصرف بعد الثلاث؛ لحديث عبد الله بن بسر: (أن النبي ﷺ كان إذا أتى باباً يريد أن يستأذن لم يستقبله، وجاء يميناً أو شمالاً، فإن أذن له وإلا انصرف)، وفي حديث أبي سعيد: (فإن أذن لك وإلا فارجع) يعني بعد الثلاث.
أما إذا استأذن شخص ثلاثاً أو أقل وأجيب بقول صاحب الدار: ارجعوا، فالواجب الانصراف فوراً، وهو على يقين أن هذا أفضل له، فلا ينفخ الشيطان في صدره، ولا يحمّي أنفه ويقول: كيف يهينني؟! كيف لا يحترمني؟! فيقال لمثل هذا: أما تعرف أعذار الناس؟! وما هذا إلاّ بسبب الجهل بآداب الإسلام، فيجب على الإنسان إذا قيل له: ارجع، أن يرجع فوراً وهو على يقين أن هذا أزكى له؛ لأن الله قال: ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾ [النور:٢٨]، فما قال الله فيه أنه أزكى لنا فلا شك أن لنا فيه خيراً وأجراً.
وعن قتادة قال: قال رجل من المهاجرين: لقد طلبت عمري كله هذه الآية فما أدركتها: أن أستأذن على بعض إخواني فيقول لي: ارجع.
فأرجع وأنا مغتبط؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾ [النور:٢٨].
إذاً: فالواجب على من لم يؤذن له أن ينصرف فوراً، ولا يجوز له أن يقف على الباب، ولا أنْ يلح بالاستئذان، ولا أنْ يتكلم بكلام قبيح، أو أن يقعد على الباب لينتظر؛ لأن للناس حاجات وأشغالاً في المنازل، فلو قعد على الباب وانتظر ضاق ذرعهم، وشغل قلوبهم، ولا تلتئم حاجاتهم، فكان الرجوع خيراً له ولهم.
يقول قتادة: فمن لم يؤذن له-يعني: بعد الثلاث- فليرجع، أما الأولى: فليسمع الحي، وأما الثانية: فليأخذوا حذرهم، وأما الثالثة: فإن شاءوا أذنوا، وإن شاءوا ردوا، ولا تقفن على باب قوم ردوك عن بابهم؛ فإن للناس حاجات ولهم أشغالاً، والله أولى بالعذر.
وقال الشوكاني رحمه الله تعالى: والرجوع أفضل من الإلحاح وتكرار الاستئذان والقعود على الباب؛ لأن في ذلك بعداً عن الريبة والدناءة.
стр. 1308
إذا لم يؤذن للمرء فهل يجوز له أن يبقى أمام الباب
هناك استنباط دقيق جداً في غاية الروعة للإمام أبي بكر الجصاص الحنفي رحمه الله تعالى، حيث قال: إن قول الله ﵎: ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا﴾ [النور:٢٨] لا يتعرض لتحريم الدخول إلا بإذن؛ لأن الآية السابقة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور:٢٧] قد نصت على أنه يحرم على الإنسان أن يدخل إلا بإذن، فهو يبين أن قوله تعالى بعد ذلك: ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَداً فَلا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمْ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾ [النور:٢٨] لا علاقة لها بمسألة تحريم الدخول إلا بإذن؛ لأنّ هذا قد سبق الإشارة إليه، وإنما يؤسس حكماً جديداً، ولا يؤكد الحكم السابق.
فما هو هذا الحكم الجديد؟ ما الواجب على من قيل له ارجع؟ يجيب على ذلك قوله تعالى: (فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ) أي: أنه يجب عليه أن يرجع في الحال، ولا يفتح حواراً، ولا يلح.
قال الإمام الجصاص رحمه الله تعالى: قوله تعالى: (وَإِنْ قِيلَ لَكُمْ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ) بعد قوله: (فَلا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ)، يدل على أن للرجل أن ينهى من لا يجوز له دخول داره عن الوقوف على باب داره أو القعود عليه؛ لقوله تعالى: (وَإِنْ قِيلَ لَكُمْ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ)، ويمتنع أن يكون المراد بذلك حضر الدخول إلا بإذن؛ لأن هذا المعنى قد تقدم ذكره مصرحاً به في الآية، فواجب أن يكون لقوله: (وَإِنْ قِيلَ لَكُمْ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا) فائدة مجددة، وهو أنه متى أمره بالرجوع عن باب داره وجب عليه التنحي عنه؛ لئلا يتأذى به صاحب الدار في دخول حرمه وخروجه، وفيما ينصرف عليه أموره في داره مما لا يحب أن يطلع عليه غيره.
فهذه مسألة مستقلة عن موضوع الاستئذان، فالواجب على من قيل له: ارجع، أن يرجع، وبالتالي يحرم عليه أن يفعل أي شيء من الأشياء التي ذكرناها.
أما ما ذكرناه من أنه لا يجوز له أن يقعد على الباب وينتظر، فلا يرد عليه أن ابن عباس ﵄ كان يأتي باب الأنصار لطلب الحديث، فيقعد على الباب حتى يخرج صاحب البيت، ولا يستأذن، فإذا خرج الرجل قال: يا ابن عم رسول الله ﷺ ! لو أخبرتني؟ فيقول: هكذا أمرنا أن نطلب العلم.
فـ ابن عباس ما كان يستأذن، والكلام هنا فيمن استأذن ولم يؤذن له، أو قيل له: ارجع، أما ابن عباس فكان يأتي ويجلس عند باب من يطلب منه الحديث، وتسف الرياح في وجهه التراب، وإذا خرج صاحب البيت للصلاة مثلاً سأله وطلب منه الحديث، فكلامنا فيمن استأذن فلم يؤذن له صراحة أو ضمناً.
стр. 1309
إذا استأذن فقيل له ادخل بسلام
آخر هذه المسائل: إذا قيل له: ادخل بسلام فهل يدخل؟ كان طلحة بن مصرف إذا قيل له ذلك قال: إن شاء الله، فيستثني، أي: أدخل بسلام إن شاء الله، فيحتاط.
وكان ابن عمر إذا قيل له ذلك لم يدخل، وعلل ذلك بأنه شرط لا يدري أيفي به أم لا، وقال: إنما أنا بشر.
عن مجاهد قال: جاء ابن عمر من حاجة وقد آذاه حر الرمضاء، فأتى فسطاط امرأة من قريش فقال: السلام عليكم، أأدخل؟ فقالت: ادخل بسلام، فأعاد، فأعادت، وهو يراوح بين قدميه، فقال: قولي: ادخل، قالت: ادخل، فدخل.
وعن عبد الرحمن بن جدعان قال: كنت مع عبد الله بن عمر ﵄، فاستأذن على أهل بيت، فقيل: ادخل بسلام، فأبى أن يدخل عليه.
قال شارح (الأدب المفرد): لعل الإباء كان لمصلحة دينية.
وقال ابن عطية: كأنه توقف لما قالت: بسلام؛ لاحتمال اللفظ أن تريد: ادخل بسلامك لا بشخصك.
وقال الألباني رحمه الله تعالى: وذلك لأن مثل ابن عمر لا يمكن أن تخفى عليه سنة الاستئذان بالسلام، وعليه فلا بد أن يكون قد سلم عند الاستئذان، فلما قيل له: ادخل بسلام، فيكون هذا الأمر -والحالة هذه- لا معنى له، بل لعله إلى الاستهزاء أقرب؛ ولذلك لم يدخل عليهم، ولعله مما يؤيد هذا التأويل ما أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه بسند آخر صحيح بلفظ: عن أبي مجلز قال: كان ابن عمر إذا استأذن فقيل له: ادخل بسلام، رجع، وقال: لا أدري أدخل بسلام أم بغير سلام.
فهذا هو الذي فهمه الشيخ الألباني رحمه الله تعالى، وأما العلماء الآخرون فقالوا: هي تشترط عليه شرطاً، وهو لا يدري أيفي بهذا الشرط أم لا، وقال: إنما أنا بشر؛ فلذلك كان يمتنع من الدخول ويقول: لا أدري أأدخل بسلام أم بغير سلام، فالتعليل الأخير أقوى، وهو: أنها أذنت له بشرط أن يدخل بسلام؛ ولكونه بشراً غير معصوم خشي ألاّ يفي بهذا الشرط، فامتنع عن الدخول بهذا الشرط احتياطاً وتورعا، ً أو طلب منها أن تأذن له بالدخول بدون الشرط المذكور، والله ﵎ أعلم.
وعن معاوية بن خديج قال: قد قدمت على عمر بن الخطاب ﵁، فاستأذنت عليه، فقالوا لي: مكانك حتى يخرج إليك، فقعدت قريباً من بابه، قال: فخرج إلي، فدعا بماء، فتوضأ ثم مسح على خفيه، فقلت: يا أمير المؤمنين! أمن البول هذا؟ قال: من البول أو من غيره.
فلا بأس أن من استأذن فقيل له: حتى أخرج، أن يقعد قريباً من الباب.
نكتفي الليلة بهذا القدر، ونكمل البحث إن شاء الله الأسبوع القادم، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 1310
آداب الاستئذان [٢]
تميزت الشريعة الإسلامية عن غيرها من الشرائع بميزات كثيرة، منها: أنها أوجبت الاستئذان لمن أراد أن يدخل بيت غيره، وحرمت عليه أن يطلع على بيوت غيره بدون إذن أهلها، وشرعت كذلك الاستئذان في داخل البيت نفسه، كالاستئذان على الأم والأخت والأبناء البالغين، ومن كمالها وسموها أن شرعت الاستئذان للأطفال الذين لم يبلغوا الحلم في أوقات معينة، وأجازت دخول بعض البيوت بدون إذن في حالات مخصوصة، وكل ذلك لحكَم عظيمة، ومقاصد سامية، قصر عن معرفتها كثير من الناس.
стр. 1311
اليهود وما يقترفونه من جرائم ضد المسلمين
الحمد لله رب العالمين، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: لا شك أننا لا نستطيع أن ننفصل عن الواقع الذي يمسنا في أخص خصائصنا وهو عقيدتنا وديننا، فما حصل في الفترات الأخيرة من عدوان اليهود -لعنهم الله- على إخواننا المسلمين في فلسطين، لاشك أنه يحزن كل مؤمن، ومن لم يعتصر قلبه مرارة وغيظاً على أعداء الله فليراجع إيمانه، وليشك في إسلامه، فإن المسلمين كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر.
стр. 1312
إرادة اليهود تخدير المسلمين وإضعافهم معنوياً
وهذه المشكلة ليست في الحقيقة لب المشكلة؛ بل لب المشكلة هو أن موضوع غزة وأريحا والأشياء التي فعلوها قبل ذلك كانت عملية البدء بالأسهل فالأصعب، أو الترقي من الأسهل فما فوقه، على أساس أن تكون هناك فترة يحصل فيها ترويض لمشاعر المسلمين، ومحاولة لإعدام الحساسية عندهم، خاصة الحساسية العقدية، وذلك عن طريق إضعاف المناعة في الأمة كما هو معلوم.
واليهود في كل أحوالهم ينطلقون من عقيدة راسخة، فاسم دولتهم اسم ديني وهو: (إسرائيل)، ودستور الدولة اليهودية هو التوراة، وليس لهم دستور كأي دولة في العالم، وكل منطلقاتهم تنطلق من عقيدة، هذه العقيدة هي: أنه لا حظ للمسلمين في القدس، وقد قال بن غوريون وهو يصيغ هذه العقيدة في كلمة مركزة له، قال: إنه لا معنى لإسرائيل بدون القدس، ولا معنى للقدس بدون الهيكل.
فنحن نتكلم وبعض الناس يتعامل مع المشكلة وكأنهم في حالة تخدير، أو مغيبون تماماً عن الوعي، مع أن هذه حقائق صارخة، فاليهود أعدوا الخطط لهدم المسجد الأقصى، نموذج الهيكل الذي ينوون إعادة بنائه موجود، وما حصل من السفاح المجرم شارون في صبرى وشاتيلا وغيرها هو في الحقيقة عملية مقصودة؛ لأنها نوع من اختبار الحساسية، مثلما يفعل مع من يستحق البنسلين مثلاً، فإنه يعمل له أولاً اختبار حساسية ليرى رد فعل الجسم كيف سيكون، ونفس الشيء هنا؛ لأنهم يظنون أن الوقت قد اقترب لإعادة بناء الهيكل، وذلك لن يكون إلا بعد هدم المسجد الأقصى، نسأل الله ألا يمكنهم من ذلك، فهذا اختبار حساسية ليروا نتائج ما تمخض عنه ترويض المسلمين في خلال تلك السنوات الماضية، فشاء الله أن يعرف العالم كله أن هذه الأمة ولو هزمت، أو تخاذلت جيوشها، فإنها لا تهزم روحها، ولا يهزم إيمانها على الإطلاق.
وهذه الأحداث وما فيها من مآسٍ ومرارة وإجرام يهودي لا تستغرب من أمثال اليهود، فقد حصل بالأمس أو صباح اليوم أن خطف جنود اليهود واحداً من إحدى المدن الفلسطينية، وأخذوا يعذبونه ويحرقون السجائر في جسده بعد الضرب والركل، وأحرقوا عينيه وأجزاء أخرى من بدنه إلى أن استشهد رحمه الله تعالى، ثم رموه بعد ذلك، وهذه وحشية ليس لها مثال، وهذا شيء لا يستنكر من اليهود أعداء البشرية كلها، وقد قال فيهم هتلر: أنا أبدت نصف اليهود، وتركت النصف الباقي حتى تعرف البشرية لماذا قتلت النصف الأول.
أي: حتى يذوق الناس أخلاق اليهود، وطبائع اليهود، ولؤم اليهود ومكرهم.
ولكن جميع محاولات إضعاف المناعة في الأمة المسلمة باءت بالفشل، وكل المحاولات التي جرت في هذه الفترات الأخيرة تبخرت وتلاشت كالفقاقيع، وهذا أسلوب معروف، فإن الأطباء عندما يريدون أن يزرعوا جسماً أجنبياً في داخل جسم المريض، فلابد قبل الزراعة أن يعطوا المريض أدوية تضعف المناعة، بحيث يكون الجسم مهيأ لقبول ذلك الجسم الغريب إذا زرع فيه ولا يرفضه، وكذلك أيضاً عملية الغزو الفكري للمسلمين، وترويض المسلمين، وتخدير المسلمين، وتزييف التاريخ، والحملات الإعلامية، وتسليط الشهوات والشبهات على الشباب المسلم، وتخويف الناس من التدين، والصد عن سبيل الله، وكل هذه الصور تصب في مجرى واحد وهو: إضعاف المناعة عندهم؛ حتى يسهل لليهود بعد ذلك أن يركبونا كالحمير، كما ينصون على ذلك في تلمودهم: إن البشر لم يخلقوا إلا ليركبهم اليهود كالحمير، وهذا في التلمود أحد كتبهم التي يقدسونها، والتي ينطلقون منها، فذهاب هذا الخبيث السفاح المجرم النجس حتى يدنس المسجد الأقصى، إنما هو محاولة لاختبار ما سيفعله المسلمون، وهنا تنبيه وهو: أن المسجد الأقصى ليس هو قبة الصخرة، ولا الجزء الصغير المبني، بل كل هذه الساحة هي المسجد الأقصى.
стр. 1313
التعاون النصراني الصليبي مع اليهود
هناك نوع من التوحد النصراني الصليبي في مسألة مساندة اليهود، وبيان ذلك: أن كل الملل الثلاث ينتظرون قادمين سوف يأتي بهم الله تعالى، وهذا من سنن الله الكونية القدرية، فاليهود ينتظرون مجيء المسيح كما يزعمون، وفي الحقيقة هم ينتظرون المسيح، ولكن المسيح الدجال الذي سيؤمن به اليهود ويتبعونه.
وأيضاً النصارى ينتظرون المجيء الثاني للمسيح، وذلك بصفته إلهاً، فالمسيح الذي جاء أولاً ثم رفع إلى السماء هم يعتقدون بمجيئه مرة ثانية، وهم مجتمعون على أنه لا يمكن أن يعود أو يحصل هذا الأمر إلا إذا حكمت إسرائيل واستولت على القدس، فهذه قضية عقدية، وبعض رؤساء أمريكا كانوا يتبنون هذه القضية بمنتهى الحماس، ومنهم ريجن وغيره، فهذه أرضية مشتركة بين اليهود والنصارى، وهذا سر توحدهم في هذا الباب.
والمسلمون أيضاً ينتظرون مجيء المهدي، وينتظرون أيضاً نزول المسيح ﵇، وهو يحكم بالقرآن عند نزوله، وينتظرون أيضاً المسيح الدجال، الذي سيقاتلونه، وسينضم إليه اليهود كما هو معلوم، فالعقيدة متداخلة، ولا مناص من أن تكون الحرب في النهاية حرباً دينية كما أخبر الصادق المصدوق ﷺ ، وكما يخبرنا أيضاً الواقع.
стр. 1314
فشل الأعداء في محاولة إضعاف معنويات المسلمين
إن كل ما حصل من محاولة ترويض المسلمين، وتقليم أظافرهم قد تلاشى، وظهر أنه ليس له أي أثر، وأظهر أن الأمة ما زالت حية، وما زالت تنبض، وما زالت تحس، رغم كل ما دبر تجاه عقيدتها وإسلامها، فالمسلمون لن ييأسوا، فقد حرر المسلمون القدس بعد مائة سنة تقريباً من احتلال الصليبيين له، والسنوات هي لحظات في عمر الدعوات.
والدرس الذي نستخلصه من الأحداث التي نعيشها هو: أن تكلفة الكرامة أرخص بكثير جداً من تكلفة الذل؛ بل إن الذي يذل مرة لا يحصد شيئاً بعد ذلك، فهي مكاسب وقتية سرعان ما تزول، لكن تكلفة الكرامة والعزة والإباء أرخص بكثير، وما الأفغان عنا ببعيد، وما الشيشان عنا ببعيد، وما هؤلاء المساكين المدنيون العزّل الذين لا سلاح لهم عنا ببعيد، والناس يتكلمون على أن إسرائيل لم تعلن حرباً الآن! فنقول: وما الذي يفعله اليهود أعداء الله الآن؟ أليست حرباً؟! إنها حرب، وفوق ذلك هي حرب ليس فيها أي قدر من التكافؤ، وهذه دناءة وخسة ونذالة، وكما قال بعض الصحفيين: إن طفلاً فلسطينياً خاطب جندياً يهودياً مدججاً بالسلاح قائلاً له: لو كنت رجلاً فاترك السلاح وتعال صارعني، يقول: ففزع اليهودي من هذا الكلام، وهم في حالة معاناة نفسية شديدة جداً من هذا الاستبسال وهذه التضحية، مع عدم وجود أي قدر من التكافؤ على الإطلاق، فهذا جيش مدجج بالسلاح وبأحدث الأسلحة، ويضربونهم بالطيران والقاذفات والصواريخ، وهؤلاء ما يملكون سوى أن يفتحوا صدورهم للموت! إن الأغبياء من أعداء الإسلام لم يفقهوا حتى الآن حقيقة نفسية المؤمن، وحقيقة نفسية المسلم، وقد أخبرنا الرسول ﵊ بدائنا، فأخبرنا بدوائنا، ثم أخبرنا بالداء حينما قال ﵊: (يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، قلنا: أمن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير) فنحن الآن زيادة على المليار (بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله المهابة من صدور عدوكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن، قلنا: وما الوهن؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت)، وهذا هو لب القضية: (حب الدنيا وكراهية الموت).
إنَّ المؤمن يشتغل بعمارة الآخرة وإن خرب الدنيا، فحينما يأتيه خبر الصادق المصدوق في القرآن وفي السنة بأنه إذا استشهد في سبيل الله يدخل الجنة، ويغفر له عند أول دفعة من دمه، ويجار من عذاب القبر، ويأمن الفزع الأكبر، ويحلى حلية الإيمان، ويزوج بسبعين من الحور العين، ويشفع في سبعين إنساناً من أقاربه إلى آخر هذه الميزات العظيمة التي يجنيها الشهيد، وهو موقن أنها انتقال من حياة إلى حياة، فهو يرتفع شهيداً ولا يسقط شهيداً، إنما يرتفع إلى السماء ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ [آل عمران:١٦٩]، فهذا هو مفتاح شخصية المجاهد المسلم المؤمن الذي لا يكره الموت، وهذا هو الفرق بيننا وبينهم.
وتفسير كل ما يحصل هو: أن اليهود أعداء الله، وهم الأمة الغضبية التي غضب الله عليها، وكتب عليها الشقاء، فهم لا يتمنون الموت كما أخبر الله عنهم: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنْ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنْ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ﴾ [البقرة:٩٦]، وهذا التفسير ليس صعباً لمن فقه عقيدة المسلمين، وقال الله ﵎ أيضاً عنهم: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة:٩٥]، ﴿وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا﴾ [الجمعة:٧]، فهم لا يمكن أن يتمنوا الموت، وهذه هي عقيدة اليهود، ولا شك أنهم أقوى من المسلمين بكثير وبمراحل في السلاح وفي القوة المادية، أما من حيث العقيدة فهم قوم كتب الله عليهم الشقاء والذل والصغار، فأما المؤمنون فقد شخص لهم الرسول ﵊ الداء بقوله: (حب الدنيا وكراهية الموت)، وقد شخص الدواء بعض الخلفاء حينما قال لبعض المجاهدين: احرص على الموت توهب لك الحياة.
وكما قال خالد ﵁ وهو يقاتل أعداء الله: (جئتكم بقوم يحبون الموت كما تحبون الحياة).
فمن أجل هذا الفارق يحصل ما ترونه الآن من أطفال وشباب عُزَّل أمام هذا الجيش المدجج بالسلاح، هذا التحدي يثير استغراب العالم كله: أناس مستضعفون مقابل هذه القوة الغاشمة المجرمة الظالمة، ومع التخاذل المخزي من المسلمين الذين هم في أوضاع أحسن بكثير من أوضاع هؤلاء، ومع ذلك يثبت هؤلاء هذا الثبات.
стр. 1315
الجهاد هو الحل
إن المشكلة لا يمكن أن تحل سلمياً كما يقولون، ولن يحظى المسلمون أبداً بما يسمونه بالسلام العادل والدائم إلخ، فهذا لا يمكن، وليس هذا رجماً بالغيب، وإنما هو انطلاق من قول الله ﵎: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ [الإسراء:٨] أي: وإن عدتم إلى الإفساد عدنا إلى تسليط عباد لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعداً مفعولاً، فهذا وعد الله ، وهو سنة ماضية، فكلما عاد اليهود للإفساد سلط الله عليهم من يسومهم سوء العذاب إلى يوم القيامة كما أخبر الله ، وهذا هو الواقع مهما كانوا في قوة ومنعة وأسلحة، ويقول النبي ﷺ : (لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود، حتى إن اليهودي ليختبئ وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر والشجر: يا مسلم! يا عبد الله! هذا يهودي ورائي تعال فاقتله، إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود)، والغريب أن اليهود يعرفون هذا الحديث، ومن ثم فإنهم يستكثرون من زراعة شجر الغرقد.
فانظر إلى هذه الموالاة، حتى الحجر والشجر يوالي المسلم، ويوالي من يرفع راية التوحيد.
إن اليهود يريدون أن يهدموا المسجد الأقصى؛ ليقيموا هيكل سليمان على أنقاضه، وسليمان ﵇ لو كان موجوداً الآن لقاتل اليهود الذين ينتسبون إليه مع المسلمين، فإن هذه الشرائع التي كان عليها سليمان وموسى وعيسى وجميع الأنبياء قد نسخت، ولم تعد توصل إلى الجنة، وسُدّت هذه الأبواب ببعثة النبي ﵊، ونسخت جميع الشرائع السابقة.
فلب القضية وجوهرها عقيدة، فالمفروض على المسلمين أن ينطلقوا من هذا المنطلق، فهؤلاء كفار يريدون أن يهدموا المسجد الأقصى ويقيموا الهيكل، وهذا دين قد نسخ، وما هم عليه أيضاً دين باطل؛ لأنهم لم يؤمنوا بالنبي محمد ﷺ الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل، فمهما طال الليل فلا بد أن يحصل فرج وتنفيس بإذن الله ﵎، وما يظن أبداً بهذه الأمة أنها تموت، ولا يمكن ذلك، فقد تهزم ولكن لا تفنى، وإذا كان ديجول الرجل الكافر يقول لأمته بعد الحرب العالمية: لقد خسرت فرنسا معركة ولم تخسر حرباً.
يعني: أن الأمر سجال، فيوم لك ويوم عليك، وأما العاقبة فإنها للتقوى، كما قال الله تعالى: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه:١٣٢]، ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف:١٢٨]، فالنهاية لا بد أن تكون للتقوى وللمتقين.
وأقل شيء أن نجتهد في الدعاء لإخواننا، وأن ننحاز دائماً، وننصح كل من يختار الحزب الآخر أن يعود من جديد إلى حزب الله ، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمْ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة:٥٥ - ٥٦]، وقوله: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة:٢١]، فهذه سنة لن تتبدل ولن تتغير، ولكن المنافقين لا يفقهون ولا يعلمون، فنسأل الله أن ينصر إخواننا، وأن يذل اليهود وينكس راياتهم، وأن يعلي كلمة التوحيد في ربوع الأرض كلها.
стр. 1316
حرمة النظر والتطلع في بيوت الغير بدون علمهم
دلت الأحاديث الصحيحة على أنه يحرم على المستأذن أن ينظر في بيوت الغير على حين غفلة منهم، ومن دون أن يتنبهوا لوجوده، فيحتاطوا لذلك، وحينما نقول: يحرم أن ينظر الإنسان في بيوت الغير بدون إذن منهم، نعني بذلك النظر من خلال باب مفتوح أو غيره؛ لأننا قلنا: إن كان الباب مفتوحاً فإن الشرع قد أغلقه بتحريم النظر فيه، حتى يفتحه الإذن من صاحبه، فالنظر سواء كان من باب، أو جدار، أو شق في الباب، أو ثقب في الحائط، أو نافذة، أو كوة، أو فروج في بيت شعر أو خيمة فيها فتحات، فلا يجوز لإنسان أن ينظر في بيوت الغير على حين غفلة منهم دون أن يتنبهوا لوجوده فيحتاطوا لذلك، فمن ذلك حديث سهل بن سعد الساعدي ﵁ قال: (اطلع رجل من حجرة في حجر النبي ﷺ ، ومع النبي ﷺ مدرى -مشط- يحك به رأسه، فقال ﵊: لو علمت أنك تنظر لطعنت به في عينك، إنما جعل الاستئذان من أجل البصر).
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: (من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم فقد حل لهم أن يفقئوا عينه)، وفي رواية: (من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم ففقئوا عينه فلا دية ولا قصاص)؛ لأنها عين خائنة، فهي هدر.
وعنه ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لو أن رجلاً اطلع عليك بغير إذن فحذفته بحصاة ففقأت عينه ما كان عليك جناح).
وعن ثوبان مولى رسول الله ﷺ أن النبي ﷺ قال: (لا يحل لامرئ أن ينظر إلى جوف بيت حتى يستأذن، فإن فعل فقد دخل).
وعن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ قال: من ملأ عينه من قاعة بيت قبل أن يؤذن له فقد فسق.
وعن أبي سويد العبدي قال: أتينا ابن عمر ﵄ فجلسنا ببابه ليؤذن لنا، فأبطأ علينا الإذن، فقمت إلى جحر في الباب فجعلت أطلع فيه، ففطن بي، فلما أذن لنا جلسنا، فقال: أيكم اطلع آنفاً في داري؟ قلت: أبطأت علينا فنظرت، فلم أتعمد ذلك.
أي: أنه اعتذر له عن ذلك.
وعن مسلم بن نذير قال: استأذن رجل على حذيفة ﵁ فاطلع -يعني: أنه وهو يستأذن اطلع على داخل البيت- وقال: أدخل؟ فقال حذيفة ﵁: أما عينك فقد دخلت، وأما استك فلم تدخل.
وعن القعقاع بن عمرو قال: صعد الأحنف بن قيس فوق بيته فأشرف على جاره فقال: سوءة سوءة، -أي: أنه لم يتعمد النظر- دخلت على جاري بغير إذن، لا صعدت فوق هذا البيت أبداً.
وذلك تكفيراً عن هذا الشيء الذي لم يقصده.
فلا يحل لإنسان أبداً أن يطلع من مكان عال على جيرانه الذين هم دونه، وهذا خلق من صميم أخلاق الإسلام، وقد كان من أخلاق الجاهلية، حتى إنّ عنترة الشاعر الجاهلي المعروف يفتخر قائلاً: وأغض طرفي إن بدت لي جارتي حتى يواري جارتي مأواها ويقول مسكين الدارمي: ما ضر جاري إذ أجاوره ألا يكون لبيته ستر أعمى إذا ما جارتي خرجت حتى يواري جارتي الخدر فرعاية حرمة الجار، وغض البصر عن عورات الجيران كان موجوداً في الجاهلية، فزادت حرمة الجار في ظل الإسلام، ونحن الآن في زمان كما قال بعض العلماء صرنا في زمان ليس فيه آداب الإسلام، ولا أخلاق الجاهلية، ولا أحلام ذوي المروءة.
إلا من رحم الله.
стр. 1317
حكم من جنى على عين من يطلع إلى داره
مسألة: إذا نظر المستأذن إلى داخل البيت قبل أن يؤذن له، فجنى صاحب البيت على عينه فهل يضمن؟ وهل عليه دية؟ وهل هناك قصاص؟ يقول الشنقيطي رحمه الله تعالى: اعلم أن أقوى الأقوال دليلاً وأرجحها فيمن نظر من كوة إلى داخل منزل قوم ففقئوا عينه التي نظر إليهم بها ليطلع على عوراتهم: أنه لا حرج عليهم في ذلك: من إثم، ولا غرم دية العين، ولا قصاص، وهذا لا ينبغي العدول عنه؛ لثبوته عن النبي ﷺ ثبوتاً لا مطعن فيه؛ ولذا لم نذكر هنا أقوال من خالف في ذلك من أهل العلم؛ لسقوطها عندنا؛ لمعارضتها النص الثابت عنه ﵌، ومن هذه الأحاديث: (لو أن امرأً اطلع عليك بغير إذن فحذفته بحصاة ففقأت عينه لم يكن عليك جناح) أي: ليس عليك إثم، وهذه نكرة في سياق النفي، فهي تعم رفع كل حرج أو إثم أو دية أو قصاص، وقوله ﵊: (من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم فقد حل لهم أن يفقئوا عينه)، فما دام حلالاً فهو لا يستلزم أي إثم أو دية أو قصاص؛ لأن كل ما أحله الله على لسان نبيه ﷺ لا مؤاخذة على فعله البتة بنوع من أنواع المؤاخذة.
فهذه العين خائنة يجوز أخذها؛ لأنها هدر لا عقل فيها ولا قود ولا إثم، ومما يؤكد ذلك: أن الرسول ﵊ هم أن يفعل ذلك، فالأحاديث الماضية أحاديث قولية، وأما من ناحية السنة الفعلية فقد هم النبي ﵊ أن يعاقب هذا الخائن الذي يتلصص ويتجسس على عورات الناس بهذه العقوبة.
فعن أنس ﵁: (أن رجلاً اطلع في بعض حجر النبي ﷺ ، فقام إليه بمشقص أو مشاقص وجعل يختله ليطعنه).
وعن سهل بن سعد: (أن رجلاً اطلع من جحر في باب رسول الله ﷺ ، ومع رسول الله ﷺ مدرى يحك به رأسه، فلما رآه رسول الله ﷺ قال: لو أعلم أنك تنظرني لطعنت به في عينيك، وإنما جعل الإذن من قبل البصر) رواه البخاري.
والمشقص نصل السهم إذا كان طويلاً غير عريض، وقوله: (من جحر) الجحر: هو كل ثقب مستدير في أرض أو حائط، والحجر: جمع حجرة من حجر البيت.
يقول الشنقيطي: وهذه النصوص الصحيحة التي ذكرنا لا ينبغي العدول عنها، ولا تأويلها بغير مستند صحيح من كتاب أو سنة؛ ولذلك اخترنا ما جاء فيها من أن تلك العين الخائنة يحل أخذها وتكون هدراً، ولم نلتفت إلى قول من أقوال من خالف ذلك، ولا لتأويله النصوص بغير مستند يجب الرجوع إليه.
فلو أنَّ أحدنا اليوم رأى رجلاً يتلصص عليه من النافذة، أو من ثقب في الباب فأخذ سيخاً -مثلاً- وفقأ به عينه الخائنة، فماذا سيفعلون به يا ترى؟ لابد أن يكون عندنا فقه بالواقع، ومعرفة بالمواءمة بين أحكام الشرع وبين الواقع، وكونك تفقأ عينه هذا مباح في ظل الشريعة الإسلامية بما أن هذا هو الراجح من حيث الدليل، أما الآن فنحن في ظل القوانين الوضعية، وأنا لا أدري بماذا تحكم المحاكم في مثل هذا، ولكن ما أظنها تصل إلى حد إباحة أخذ هذه العين الخائنة بلا مؤاخذة، فلابد أن تضع في اعتبارك أنك لو فقأت عينه فستعاقب بمقتضى القوانين الوضعية، وإن كنت لا تأثم عند الله، ولا تستحق العقوبة، لكن من حيث الواقع لا بد أن تنظر قبل أن تخطو حتى تدرك عواقب الأمور؛ حتى لا تبقى مظلوماً من الجهتين: من جهة أن هذا الخائن نظر في بيتك بدون إذنك، وهذا ظلم وانتهاك لحرمتك، ومن جهة أنك ربما ستعاقب بصورة أو بأخرى في مقابل شيء أحله الله ، فلا بد من أن نفقه مثل هذه الأشياء، ونضعها في اعتبارنا.
стр. 1318
هل إرسال الرسول ليحضر شخصاً يعد إذناً لذلك الشخص بالدخول ؟
وهنا مسألة يتعرض لها العلماء وهي: هل إرسال الرسول ليحضر شخصاً يعد إذناً لذلك الشخص بالدخول؟ يقول الشنقيطي رحمه الله تعالى: اعلم أن صاحب المنزل إذا أرسل رسولاً إلى شخص ليحضر عنده، فإن أهل العلم قد اختلفوا هل يكون الإرسال إليه إذناً؟ لأنه طلب حضوره بإرساله إليه، وعلى هذا القول إذا جاء منزل من أرسل إليه فله الدخول بلا إذن جديد؛ اكتفاء بالإرسال إليه.
أو على القول الآخر: فلا بد من أن يستأذن إذا أتى المنزل استئذاناًً جديداً.
فهذه مسألة مختلف فيها، وقد جاءت بعض الأحاديث تؤيد المذهب الأول، مثل قول الرسول ﵊: (رسول الرجل إلى الرجل إذنه)، وقوله: (إذا دعي أحدكم إلى طعام فجاء مع رسول فإن ذلك له إذن).
أما الفريق الآخر القائلون: إنه يستأذن إذا قدم إلى منزل المرسِل، ولا يكتفى بإرسال الرسول، فاستدلوا بما رواه البخاري عن أبي هريرة قال: (دخلت مع رسول الله ﷺ فوجد لبناً في قدح، فقال: أبا هر! الحق أهل الصفة فادعهم إليّ، قال: فأتيتهم فدعوتهم، فأقبلوا فاستأذنوا فأذن لهم، فدخلوا)، الشاهد قوله: (فاستأذنوا)، مع أنه قد أرسل إليهم أبا هريرة، ولم يكتفوا بالإرسال عن الاستئذان، ولو كان كافياً لبينه النبي ﵊؛ لأنه لا يؤخر البيان عن وقت الحاجة.
واستدلوا أيضاً بقوله تعالى: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ [النور:٢٧] فالعموم هنا يشمل الجميع، سواء من أُرسل إليه أو من لم يرسل إليه.
وجمع بعض العلماء بين القولين فقال: إذا طال العهد بين الطلب والمجيء احتاج إلى استئناف الإذن، وإلا فلا.
يعني: إذا طال الوقت بين إرسال الرسول ومجيء هذا المرسل إليه فإنه يحتاج إلى إذن جديد، وكذلك أيضاً إذا لم يطل العهد، ولكن كان المستدعي في مكان يحتاج معه إلى الإذن في العادة.
وعلى أي الأحوال: إذا وجد مقتضى الاستئذان فلا بد من الاستئذان في مثل هذه الحالة.
стр. 1319
أحكام الاستئذان داخل البيوت وآدابه
стр. 1320
وجوب الاستئذان على الأم والأخت والأبناء البالغين ونحوهم
في ضوء قول النبي ﵊: (إنما جعل الاستئذان من أجل البصر) بين المحققون من العلماء: أن الرجل يلزمه أن يستأذن على أمه وأخته وبنيه وبناته البالغين؛ لأنه إن دخل على من ذكر بغير استئذان فقد تقع عينه على عورات من ذكر، وذلك لا يحل له، وهذا إذا بلغ الإنسان سناً صار لعورته فيها حكم، بمعنى: أنه لا يجوز الاطلاع عليها، فهذا هو الضابط في قضية الاستئذان، فمثلاً: الأطفال الصغار ليس لعورتهم حكم، أما الابن البالغ، أو البنت البالغة، أو الأخت البالغة، أو الأم، وكل من لا يحل لك النظر إلى عورته، فهذا لا بد من الاستئذان عليه، فقد ذكرنا من قبل أن الرجل إذا كانت بنته في داخل غرفة في البيت مغلقة عليها، فلابد أن يستأذن عليها، ولا يقول: أنا أبوها وهي بنتي، وكذلك الأخ لا يدخل على أخته، أو العكس، أما هذه الفوضى التي تحصل في بعض البيوت فإنها مخالفة للشرع، فإذا كان هناك شخص يحرم عليك أن تنظر إلى عورته، ففي هذه الحالة لا يحل لك أبداً أن تدخل عليه إلا باستئذان، ولا يصح أن يحتج أحد بقوله تعالى: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾ [النور:٢٧]، فيقول: هذا بيتي، والله تعالى إنما حرم أن يدخل الإنسان غير بيته! لأننا نقول له: صحيح أنه بيتك باعتبار أنك مستأجره والعقد باسمك، أو أنك تملكه، أما في حكم الشرع: فما دام أنه كان مغلقاً على شخص بهذه المثابة فهو ليس بيتك، لذلك يقول الإمام ابن عطية رحمه الله تعالى: بيت الإنسان: هو البيت الذي لا أحد معه فيه.
فلو كان هناك رجل يعيش في بيت لوحده، ومعه المفتاح يفتح ويدخل، فليس هناك مشكلة، ولا يحتاج إلى استئذان، فبيت الإنسان هو البيت الذي لا أحد معه فيه، أو البيت الذي فيه زوجته وأمته، وما عدا هذا فليس بيتاً له.
نعيد عبارة الإمام ابن عطية رحمه الله تعالى، يقول: بيت الإنسان هو البيت الذي لا أحد معه فيه، أو البيت الذي فيه زوجته وأمته، وما عدا هذا فهو غير بيته.
انتهى كلام ابن عطية، وعليه فإن كان يسكن معه فيه إحدى محارمه كأمه أو أخته أو عمته، فلا يكون بيتاً له، ويجب عليه ما أوجبه الله عليه عند الدخول في بيت غير بيته من الاستئذان على أهله.
وقال الشيخ أبو الحسن المنوفي رحمه الله تعالى: الاستئذان واجب وجوب الفرائض، وقد انعقد الإجماع على وجوبه، فمن تركه فهو عاصٍ لله ورسوله ﷺ .
فإذا كان كذلك فلا تدخل بيتاً فيه أحد حتى تستأذن ثلاثاً، سواء كان ذلك المتواجد فيه محرماً أو غيره مما لا يحل لك النظر إلى عورته.
يقول الله : ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمْ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور:٥٩] عن ابن عمر ﵄: أنه كان إذا بلغ بعض ولده الحلم عزله فلم يدخل عليه إلا بإذن، وهذا النص محتمل للأمرين: أن ابن عمر نفسه لا يدخل على ابنه إلا بإذن أو أن الولد لا يدخل على أبيه إلا بإذن في كل الأوقات، وقبل أن يبلغ الحلم يستأذن في الأوقات الثلاثة التي سنبينها.
وعن جابر رضي الله تعالى عنه قال: يستأذن الرجل على ولده وأمه وإن كانت عجوزاً، وأخيه وأخته وأبيه.
قوله: يستأذن الرجل على ولده، أي: البالغ، وكلمة (الولد) تشمل الذكر والأنثى، قال الله تعالى: ﴿يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء:١١]، فكلمة (الأولاد) تشمل النوعين.
وعن ابن مسعود ﵁ قال: يستأذن الرجل على أبيه وأمه وأخيه وأخته.
وعن عطاء بن يسار: أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ فقال: (أستأذن على أمي؟ فقال: نعم، فقال: إنها معي في البيت، فقال رسول الله ﷺ : استأذن عليها، فقال الرجل: إني خادمها، فقال رسول الله ﷺ : استأذن عليها، أتحب أن تراها عريانة؟ قال: لا، قال: فاستأذن عليها)، وهذا مرسل جيد.
وعن هزيل بن شرحبيل قال: سمعت ابن مسعود رضي الله تعالى عنه يقول: عليكم أن تستأذنوا على أمهاتكم.
وعن علقمة فقال: جاء رجل إلى عبد الله قال: أستأذن على أمي؟ فقال: ما على كل أحيانها تحب أن تراها.
وعن مسلم بن نذير قال: سأل رجل حذيفة ﵁ فقال: أستأذن على أمي؟ فقال: إن لم تستأذن رأيت ما تكره.
وفي رواية: إن لم تستأذن رأيت ما يسوءك.
وعن أبي موسى ﵁ قال: إذا دخل أحدكم على والدته فليستأذن.
وعن موسى بن طلحة قال: دخلت مع أبي على أمي، فدخل واتبعته فدفع في صدري وقال: أتدخل بغير إذن؟ فيفهم منه أن الرجل يدخل على زوجته بلا إذن، أما الابن فلا يدخل على أمه بغيراستئذان.
وعن عطاء قال: سألت ابن عباس ﵄ فقلت: أستأذن على أختي؟ فقال: نعم، فأعدت فقلت: أختان في حجري -يعني: هو الذي يربيهما- وأنا أمونهما، وأنفق عليهما، أستأذن عليهما؟ قال: نعم، أتحب أن تراهما عريانتين؟! ثم قرأ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمْ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنْ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾ [النور:٥٨] قال: فلم يؤمر هؤلاء بالإذن إلا في هذه العورات الثلاث، قال: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمْ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور:٥٩] أي: الذين مر ذكرهم في الآيات التي ذكرناها من قبل وهم الكبار، قال ابن عباس: فالإذن واجب على الناس كلهم.
وعن ابن جريج قال: سمعت عطاء بن أبي رباح يخبر عن ابن عباس ﵄ قال: ثلاث آيات قد جحدهن الناس: قال الله: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣] قال: ويقولون: إن أكرمهم عند الله أعظمهم شأناً! والإذن كله قد جحده الناس، فقلت له: أستأذن على أخواتي أيتام في حجري معي في بيت واحد؟ قال: نعم، فرددت على من حضرني، فأبى قال: أتحب أن تراها عريانة؟! قلت: لا، قال: فاستأذن، فراجعته أيضاً، قال: أتحب أن تطيع الله؟ قلت: نعم، قال: فاستأذن.
فقال لي سعيد بن جبير: إنك لتردد عليه! - أي ألححت في السؤال وكررت- قال: أردت أن يرخص لي.
وجاء في (الموسوعة الفقهية): يتفق المحرمون للدخول على المحارم ونحوهم إلا باستئذان على أن حرمة الدخول على ذوات المحارم وعلى الرجال بغير استئذان أيسر من ترك الاستئذان على الأجنبيات؛ لجواز نظره إلى الشعر والصدر والساق من ذوات محارمه دون الأجنبيات.
فهؤلاء يقولون: إن حرمة الدخول على ذوات المحارم وعلى الرجال أخف من النساء الأجنبيات.
وقال فريق آخر بعكس ذلك، فقال ابن جريج: وأخبرني ابن طاوس عن أبيه قال: ما من امرأة أكره إلي أن أرى عورتها من ذات محرم.
قال: وكان يشدد في ذلك.
стр. 1321
حكم استئذان الرجل على زوجته
إذا لم يكن مع الرجل في بيته إلا امرأته، فإن الأظهر أنه لا يجب عليه أن يستأذن عليها، وإنما يستحب للرجل إشعار زوجته بدخوله، وذلك بأي طريقة، كأن يتنحنح أو ينادي، والسلام هو الأولى وهو المطلوب، لكن يجوز ما ذكرنا، فإذا لم يكن مع الرجل في بيته إلا امرأته فإن الأظهر أنه لا يجب عليه أن يستأذن عليها؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور:٢٧]، وقد قلنا سابقاً: إن بيت الرجل هو البيت الذي هو فيه وحده، أو الذي فيه الزوجة أو الأمة؛ لأنه لا حشمة بين الرجل وامرأته، ويجوز بينهما من الأحوال والملابسات ما لا يجوز لأحد غيرهما، ولو كان أباً أو أماً أو ابناً كما لا يخفى.
ويدل لهذا قول موسى بن طلحة بن عبيد الله: دخلت مع أبي على أمي، فدخل فاتبعته، فدفع في صدري حتى أقعدني على استي، ثم قال: أتدخل بغير إذن؟! فنرى هنا أن طلحة -وهو زوجها- قد دخل بغير إذن.
وعن ابن جريج قال: قلت لـ عطاء: أيستأذن الرجل على امرأته؟ قال: لا.
قال ابن كثير رحمه الله تعالى: وهذا محمول على عدم الوجوب، وإلا فالأولى أن يعلمها بدخوله ولا يفاجئها به؛ لاحتمال أن تكون على هيئة لا تحب أن يراها عليها.
وأيضاً: فإنه قد يروعها، فلو كانت المرأة لوحدها ليلاً في البيت فيدخل عليها زوجها بدون استئذان فقد يروعها ويخيفها، وينتج عن ذلك ما لا يحمد عقباه، فالمفروض عليه الاستئذان حتى لا يروعها، فيندب ويستحب للرجل إيذان أهله بدخوله بنحو التنحنح وطرق النعل ونحو ذلك؛ لأنها ربما كانت على حالة لا تريد أن يراها زوجها عليها، قالت زينب امرأة عبد الله بن مسعود ﵁: كان عبد الله إذا جاء من حاجة فانتهى إلى الباب تنحنح وبزق؛ كراهة أن يهجم منا على أمر يكرهه.
وقال أبو عبيدة: كان عبد الله -يعني: ابن مسعود - إذا دخل الدار استأنس.
يعني: تكلم ورفع صوته كي يشعروا بدخوله، قال الإمام ابن مفلح رحمه الله تعالى: ويستحب أن يحرك نعله في استئذانه عند دخوله حتى إلى بيته، قال أحمد: إذا دخل على أهله يتنحنح، وقال مهنا: سألت أحمد عن الرجل يدخل إلى منزله ينبغي له أن يستأذن؟ قال: يحرك نعله إذا دخل، وقال الميموني أنه سأل أبا عبد الله: يستأذن الرجل على أهله -يعني: زوجته-؟ قال: ما أكره ذلك، إن استأذن ما يضره؟ قلت: زوجته وهو يراها في جميع حالاتها؟ فسكت عني.
فهذه نصوص أحمد رحمه الله تعالى لم يستحب فيها الاستئذان على زوجته وقوله: أأدخل؟ لأنه بيته ومنزله، واستحب -إذا دخل- النحنحة، أو تحريك النعل؛ لئلا يراها على حالة لا يعجبها ولا تعجبه.
ويقول الداخل إلى بيته ما ورد من الأذكار عند دخوله.
стр. 1322
هل يستأذن الرجل على مطلقته الرجعية
المطلقة الرجعية: هي المطلقة الطلقة الأولى أو الثانية وما زالت في فترة العدة، وتقيم عنده في البيت.
ففي وجوب استئذان الرجل على مطلقته الرجعية قولان مبنيان على أنه: هل يلزم من الطلاق الرجعي تحريمها على مطلقها أم لا؟ فمن قال: إنها ليست محرمة كالحنفية وبعض الحنابلة قال: لا يجب الاستئذان بل يندب، ويكون دخوله عليها كدخوله على زوجته غير المطلقة.
ومن قال: إنها محرمة كالشافعية والمالكية وبعض الحنابلة قال بوجوب الاستئذان قبل الدخول عليها.
стр. 1323
سلام الرجل على أهله إذا دخل عليهم
لا يجب الاستئذان عند الدخول على الزوجة، ويستحب الاستئذان، ويستحب أن يسلم الرجل على أهله إذا دخل منزله، فعن أبي مالك الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا ولج الرجل بيته فليقل: اللهم إني أسألك خير المولج وخير المخرج، باسم الله ولجنا، وباسم الله خرجنا، وعلى الله ربنا توكلنا، ثم ليسلم على أهله)، وهذا الحديث فيه كلام لكنه يتقوى بشواهده.
ويروى عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يا بني! إذا دخلت على أهلك فسلم يكن سلامك بركة عليك وعلى أهل بيتك).
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إن للإسلام صوىً ومناراً كمنارات الطريق إلى أن قال: وأن تسلم على أهلك إذا دخلت عليهم، وأن تسلم على القوم إذا مررت بهم، فمن ترك من ذلك شيئاً فقد ترك سهماً من الإسلام، ومن تركهن كلهن فقد ولى الإسلام ظهره).
وعن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ثلاثة كلهم ضامن على الله: وفيه: ورجل دخل بيته بسلام فهو ضامن على الله)، وفي بعض الروايات: (ثلاثة كلهم ضامن على الله: إن عاش رزق وكفي، وإن مات أدخله الله الجنة: من دخل بيته فسلم فهو ضامن على الله)، ومعنى ضامن أي: صاحب الضمان، كما تقول: تامر ولابن، أي: صاحب التمر واللبن، فمعنى قوله: (ثلاثة كلهم ضامن على الله): أنه في رعاية الله، فكلمة (على) تتضمن معنى الوجوب والمحافظة، وذلك على سبيل الوعد من الله بأن يكلأه من الضرر في الدنيا والدين.
وعن المقداد ﵁: (أن النبي ﵊ كان يجيء من الليل فيسلم تسليماً لا يوقظ نائماً، ويسمع اليقظان)، وهذا من الآداب التي ينبغي أيضاً أن تراعى، فإن كان هناك أناس نائمون فلا ينبغي إزعاجهم بالأصوات، ولكن يسلم تسليماً لا يوقظ نائماً، ويسمع اليقظان.
وعن أبي الزبير أنه سمع جابراً يقول: إذا دخلت على أهلك فسلم عليهم تحية من عند الله مباركة طيبة، قال: ما رأيته إلا يوجبه -يعني: يوجب رد السلام- قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء:٨٦]، وقال قتادة: إذا دخلت بيتك فسلم على أهلك، فهم أحق من سلمت عليهم.
стр. 1324
كراهة طروق الرجل أهله ليلاً
يكره طروق الأهل ليلاً لمن جاء من سفر، فإذا كان الرجل مسافراً سفراً بعيداً، فلا يأتي أهله فجأة دون أن يكون قد أخبرهم من قبل، فإن كان ولا بد آتياً فليبت في المسجد، أو في مكان آخر، ولا يفاجئهم في الليل، فعن جابر ﵁ قال: (كان النبي ﷺ يكره أن يأتي الرجل أهله طروقاً)، والطروق: هو المجيء بالليل من سفر أو من غيره على غفلة، يقال لكل آت بالليل: طارق، وأصل الطروق: الدق والضرب، وبذلك سميت الطريق؛ لأن المارة تدقها بأرجلها، وسمي الآتي بالليل طارقاً؛ لأنه غالباً يحتاج إلى دق الباب.
وعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا أطال أحدكم الغيبة فلا يطرقن أهله ليلاً).
وعن أنس ﵁: (أن النبي ﷺ كان لا يطرق أهله ليلاً، وكان يأتيهم غدوة أو عشياً).
وعن جابر ﵁ قال: (نهى رسول الله ﷺ أن يطرق الرجل أهله ليلاً يتخونهم أو يطلب عثراتهم).
ففي هذا الحديث نص على بعض الحكمة من ذلك، فربما كان مجيء الرجل على أهله بهذه الطريقة المفاجأة، وبدون سابق إعلام يدخل في نفس أهله أنه يشك فيهم، وقد يوقع في قلب زوجته أنه يسيء بها الظن.
وأسوأ ما يفسد العلاقات -سواء بين الزوجين أو بين الآباء والأبناء- المعاملة التي فيها تخوين، أو سوء ظن أو شك، خاصة أن بعض الناس يكون عندهم نوع من الوساوس الخطيرة في هذا المجال، فيعيش في ضنك، ويعيش الناس معه أيضاً في ضنك وفي عذاب، فهذه الأشياء لم يتجاهلها الشرع الشريف، وهذه إحدى الحكم من هذا الأمر، حتى الأبناء ينبغي للإنسان أن يتعامل معهم بثقة، فلا تعامل الابن دائماً على أنه متهم، وتمسكه وتفتش ثيابه، وتنظر ماذا عمل، فإن زرع عدم الثقة في نفسه قد يجعل عنده رغبة في التحدي، وأنه سيعمل ما يشاء ولن تقدر على معرفة ذلك، وهذا نوع من الصراع الداخلي ينشأ من هذا الأسلوب التربوي الذي لا داعي له؛ لأنه إذا لم يكن له سبب مبرر فلا داعي أن تلقي في روع الناس أنك تشك فيهم؛ ولذلك راعت الشريعة هذا المعنى.
وقال النبي ﵊: (إنك إن تتبعت عورات المسلمين أفسدتهم، أو كدت أن تفسدهم)، فتتبع العورات، والتشكك في الناس، والمعاملة على أساس الريبة؛ هذه هي التي تأتي بالفساد، والمطلوب هو العكس، فمن المفروض أن تزرع في أبنائك أنك تثق فيهم، وأنك تحترمهم، وغير ذلك، مما يزرع الثقة فيهم، وبالتالي يسمو لأن يكون على هذا المستوى من الثقة وأنه يستحقها بخلاف العكس.
يقول الحافظ ابن حجر في حديث جابر: قوله: (إذا أطال أحدكم الغيبة) يشير إلى أن علة النهي إنما توجه حينئذ، فالحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، فلما كان الذي يخرج لحاجته مثلاً نهاراً ويرجع ليلاً، لا يتأتى له ما يحذر من الذي يطيل الغيبة؛ كان طول الغيبة مظنة الأمن من الهجوم، فيقع الذي يهجم بعد طول الغيبة غالباً على ما يكره.
أي: أن الشخص الذي يخالف هذا الأمر الشرعي، ويأتي بعد طول الغيبة بدون سابق إنذار أو إعلام غالباً ما يلقى ما يكرهه، يقول: إما أن يجد أهله على غير أهبة من التنظيف والتزين المطلوب من المرأة، فيكون ذلك سبب النفرة بينهما، وقد أشار إلى ذلك بقوله لـ جابر حين قدم معه من سفر: (إذا دخلت ليلاً فلا تدخل على أهلك حتى تستحد المغيبة، وتمتشط الشعثة)، وفي رواية أنه قال: (أمهلوا حتى تدخلوا ليلاً -يعني: عشاء-؛ حتى تستحد المغيبة) أي: حتى تدخل ليلاً، والمقصود به في أول الليل، والنهي يكون عن الطروق في وسط الليل، أما لو أتى في أول الليل فإنه لا يدخل في النهي، ولذلك جاء في بعض الأحاديث: (إن أحسن ما دخل الرجل على أهله إذا قدم من سفر أول الليل)، فالذي يخالف هذا الهدي النبوي غالباً ما يقع على ما يكره، إما أن يرى زوجته غير متأهبة لذلك، وإما أن يرى منها ما يحدث النفرة بينهما.
يقول الحافظ ابن حجر: ويؤخذ منه كراهة مباشرة المرأة في الحالة التي تكون فيها غير متنظفة؛ لئلا يطلع منها على ما يكون سبباً لنفرته منها، وإما أن يجدها على حالة غير مرضية، والشرع محرض على الستر، وقد أشار إلى ذلك بقوله ﵊: (أن يتخونهم ويتطلب عثراتهم)، فعلى هذا من علم أهله بوصوله، وأنه سيقدم في وقت كذا -مثلاً- فلا يتناوله هذا النهي، وإنما النهي فيمن يأتي بغتة في وسط الليل، أو في آخره، ففي حديث ابن عمر قال: (قدم النبي ﷺ من غزوة فقال: لا تطرقوا النساء، وأرسل من يؤذن الناس أنهم قادمون) أي: يخبر أهل البيوت أن هذا الجيش قادم.
قال ابن أبي جمرة: فيه النهي عن طروق المسافر أهله على غرة من غير تقدم إعلام منه لهم بقدومه، والسبب في ذلك ما وقعت إليه الإشارة في الحديث.
стр. 1325
استئذان الأطفال الذين لم يبلغوا الحلم
ذهب الجمهور إلى وجوب أمر الصغير المميز بالاستئذان قبل الدخول في الأوقات الثلاثة، فهو أمر للآباء أن يأمروا الأبناء، لكن هل هو واجب على الأطفال الصغار؟ لا؛ لأن الطفل غير مكلف، فلا يجب عليه هذا الحكم، وإنما الواجب أن الأب يربي الطفل ويعوده على هذه الأمور، وهذا من روعة الشريعة الإسلامية، وكيف أنها لم تترك شيئاً مما يحتاجه الناس إلا وقد عالجته، لكنه يخفى على من يخفى، ويظهر لمن يظهر، فيجب على الولي أن يأمر الصغير المميز بالاستئذان، والمميز: هو الذي يقدر على أن يصف ما يراه بشدة، وكذلك يستطيع أن يميز مثلاً بين العبادة وبين اللعب.
أما غير المميز فلا يدخل في هذا الحكم، والآية الكريمة لم تذكر قيد التمييز، وإنما هو كلام لبعض الفقهاء، وعدم وجود فيد التمييز له حكمة عظيمة جداً من الناحية النفسية؛ لأن الطفل حتى قبل سن التمييز يجب أن تحفظ عينه عن أن يرى أشياء لا يحسن أن يراها؛ لأنها قد يكون لها تأثير سيئ جداً فيما بعد، والآية المشار إليها هي قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمْ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ﴾ [النور:٥٨]، فالبالغون من الأولاد أو البنات أو الأقارب في البيت، لا بد أن يستأذنوا في أي حال من الأحوال، وكذلك ملك اليمين من العبيد والإماء، وكذلك الأطفال الذين لم يبلغوا الحلم، فهؤلاء أيضاً يستأذنون، لكن في ثلاثة أوقات، وهذا من تيسير الشريعة، فهم كما قال الله تعالى: ﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ﴾ [النور:٥٨]، فتراهم يتحركون في البيت بكثرة، فيخدمون مثلاً في البيت، أو يأتون بأشياء، ويدخل أحدهم ويخرج ويتصرف بحريته في البيت، فالشريعة هنا راعت حاجة الناس، ويسرت عليهم في هذا الأمر، إلا في ثلاثة أوقات فلا بد أن يدرب الأولاد على عملية الاستئذان، وهذه الثلاثة الأوقات سماها الله ثلاث عورات، وهذه الأحكام لا يمكن أن تجدها في شريعة من الشرائع على الإطلاق سوى هذه الشريعة الإلهية الحقة: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤].
والتساهل في هذه الأمور له عواقب من أسوأ ما يكون، فلولا أهمية هذه المسألة ما أنزل الله فيها وحياً يتلى في المحاريب إلى أن يأتي أمر الله .
فيقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمْ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنْ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ الآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النور:٥٨]، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه كان إذا بلغ بعض ولده الحلم عزله فلم يدخل عليه إلا بإذن.
وقال القرطبي ﵀: وكان أنس بن مالك دون البلوغ، لكنه كان يستأذن على النبي ﷺ ، وكذلك الصحابة مع أبنائهم وغلمانهم رضي الله تعالى عنهم.
وقد جرى عرف الناس على التحفظ والتحرز في غير الأوقات الثلاثة، فلا حرج من دخول الصغار بدون إذن حينئذ، وذلك لأنهم من الطوافين الذين يكثر دخولهم وخروجهم، ولا يجد الناس بداً من ذلك؛ لأن في الاستئذان حينئذ حرجاً عند كل دخول وخروج، أما إذا بلغ الأطفال الحلم فإنهم يدخلون في حكم الأجانب، وعليهم كلما أرادوا الدخول أن يستأذنوا كما يستأذن المحارم؛ لقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمْ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النور:٥٩].
فهذا التأديب الإسلامي الرفيع الراقي أمر يغفله الكثيرون في حياتهم المنزلية، مستهينين بما ينشأ عن التفريط فيه من صدمات نفسية، وانحرافات سلوكية، ظانين أن الصغار قبل البلوغ لا يتنبهون لهذه المشاهد، في حين يقرر علماء التربية وعلماء النفس: أن وقوع عين الطفل على شيء من هذه العورات، أو اطلاعه على هاتيك الأحوال، قد يترتب عليه معاناة نفسية، واضطرابات سلوكية لا تحمد عقباها، فتحصل له صدمة إذا وقعت عينه على ما لا ينبغي أن يطلع عليه، فالحرمة بين الأبوين وبين الأبناء لا بد أن يحافظ عليها صيانة لهذا الجانب؛ لأن الأولاد يضعون نوعاً من القداسة للأب والأم، فالتهاون في هذه الأمور قد يخدش هذا الجانب، ويصدم الأطفال.
فهذه الأمور تلفتنا إلى ضرورة حفظ تلك الأعين البريئة من كل ما يلوث فطرتها النقية، ويجني على صحتها النفسية، ويهدد استقامتها الخلقية، سواء في ذلك داخل البيت أو خارجه، وسواء في ذلك أوقات العورات الثلاث أو في غيرها، أي: أن هذه الآية تلفت نظرنا إلى وجوب حفظ حواس الأطفال، وحفظ عيونهم من أن يقعوا على ما لا ينبغي أن يطلعوا عليه، وليس هذا فقط في الثلاث عورات، أو في البيوت، فالمفروض حمايتهم في كل مكان، فقد يوجد التفلت والتسيب في بعض البيوت، حيث يحصل تساهل قبيح، بل إفراط مشين في كشف الأبدان والأحوال التي سماها القرآن الكريم عورات، فما دامت عورة فيجب أن تستر، ويستقبح كشفها أمام الصغار، فبعض الناس يتساهل في هذا بحجة أن الصغار لا يفهمون، ناهيك عما يعرض من مشاهد مماثلة لها في التلفاز أو غيره، فكل ذلك مما يناقض الحكم التشريعية السامية التي ترمي إلى حماية هؤلاء الأطفال من التنبيه المبكر للغرائز، وتعكير صفو الفطرة، وانحراف السلوك، وكم من حادثة مشينة كانت وليدة التقليد والمحاكاة، ونتيجة الانحراف عن هذا الأدب الإسلامي السامي.
стр. 1326
الحالات التي يجوز فيها دخول البيوت بدون استئذان
ذكرنا فيما سبق وجوب الاستئذان، وهنا نذكر أشياء تستثنى من ذلك، ولا يجب فيها الاستئذان، فهناك بيوت يمكن أن تدخل بدون استئذان، وهي كالتالي: أولاً: البيوت غير المسكونة التي فيها متاع للناس، فهذه يجوز دخولها من غير استئذان؛ بناء على الإذن العام بدخولها في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾ [النور:٢٩]، وذلك إذا تعلق بها منفعتهم؛ كدفع الحر والبرد في الخانات والرباطات، ومثلها في هذا الوقت الفنادق، ومنفعة قضاء الحاجة في المواضع المعدة لذلك، وغير ذلك من المنافع.
وقد اختلف العلماء في المراد بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾ [النور:٢٩] فقال قتادة ومجاهد والضحاك ومحمد بن الحنفية: إنها البيوت التي تبنى على الطرقات يأوي إليها المسافرون، ومثلها الخانات، والخانات: جمع خان، وهو حانوت التاجر، وهي مواطن سكن مؤقتة يدخل الناس إليها دون استئذان، أما بالنسبة للفنادق: فالغرف التي فيها أناس لا يجوز دخولها، وأما صالة الفندق فيجوز دخولها؛ لأنها مكان عام، وفي الغالب فإن الغرف لا يمكن دخولها إلا إذا كانت خالية.
وقال مجاهد: لا يسكنها أحد؛ بل هي موقوفة ليأوي إليها كل ابن سبيل.
وقال الحسن البصري وإبراهيم النخعي والشعبي: إنها الدكاكين التي في الأسواق (المحلات)، وقد استظل علي بن أبي طالب ﵁ في ظل خيمة فارسي بالسوق من المطر دون إذن منه.
وروى سفيان عن عبد الله بن دينار قال: كان ابن عمر يستأذن في حوانيت السوق، فذكر ذلك لـ عكرمة، فقال: ومن يطيق ما كان ابن عمر يطيق؟! وليس في فعله ذلك دلالة على أنه رأى دخولها بغير إذن محظوراً، ولكنه احتاط لنفسه، وذلك مباح لكل أحد.
وذهب ابن جرير وابن عطية إلى أنه لا يدخل الحوانيت إلا بإذن أربابها، فلا يدخل أي محل مفتوح إلا بإذن صاحبه، لكن قال الأولون: إنه لا ريب أن الحانوتي -أي: صاحب المحل، نسبة إلى الحانوت وهو المحل أو المتجر- إذا فتح متجره فهو يفتحه رغبة في دخول الزبائن، وأنه راغب في البيع، وهذا سبب كافٍ لإباحة دخول المتاجر بدون إذن، وقد تعارف الناس على ذلك.
قال الشعبي: لأنهم جاءوا ببيوعهم فجعلوها فيها، وقالوا للناس: هلم.
وقال عطاء: المراد بها الخرب التي يدخلها الناس للبول والغائط، ففي هذا أيضاً متاع، وقال محمد بن الحنفية أيضاًَ: أراد تعالى بذلك دور مكة.
وبين الإمام مالك رحمه الله تعالى الأصل في قول محمد بن الحنفية هذا، فقال: وتجويز محمد بن الحنفية دخول بيوت مكة بغير استئذان مبني على القول بأن بيوت مكة غير متملكة، وأن الناس فيها شركاء.
يعني: بناء على أن مكة فتحت عنوة، وتعقب بأن الله قيد هذه البيوت المذكورة في الآية بأنها بيوت غير مسكونة، وبيوت مكة مسكونة، وأدخل جابر بن زيد في ذلك كل مكان فيه انتفاع وله فيه حاجة، وبنى المالكية ذلك على العرف فقالوا: يباح له أن يدخل بغير استئذان كل محل مطروق؛ كالمسجد، والحمام، والفندق، وبيت العالم والقاضي والطبيب، وهو المكان الذي يستقبل فيه الناس؛ لوجود الإذن العام بدخوله.
وقد سمى الشيخ عليش هذه البيوت: بيوت ذي الإذن العام لجميع الناس، فهي بيوت مختصة بأن فيها إذناً عاماً لجميع الناس؛ كبيت الحاكم والعالم والكريم الذي يدخله عامة الناس بلا إذن خاص.
وقال الحنفية: إن البيوت إذا لم يكن لها ساكن، وللمرء فيها منفعة، يجوز له أن يدخلها من غير استئذان؛ كالخانات والرباطات التي تكون للمارة، والخرابات التي تقضى فيها حاجة البول والغائط؛ لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾ [النور:٢٩].
وقال الإمام ابن العربي رحمه الله تعالى: القول بالعموم في البيوت هو الصحيح، ولا دليل على التخصيص.
وقال أيضاً: من فسر المتاع بأنه جميع الانتفاع فقد طبق المفصل، وجاء بالفيصل.
وهذا الأسلوب رائق رائع من الإمام أبي بكر بن العربي رحمه الله تعالى، وكتب ابن العربي عموماً فيها هذه الأساليب البليغة، والتعبيرات الجميلة، فأنا أوصي من يريد أن يقوي لغته أن يستخرج هذه التعبيرات، ويكتبها، ويحفظها، ويستعملها، فكثيراً ما يأتي ابن العربي بعبارات رائقة ورشيقة وشائقة من الناحية اللغوية، وكما تلاحظون هنا يقول: من فسر المتاع بأنه جميع الانتفاع فقد طبق المفصل، وجاء بالفيصل.
وبين أيضاً أن دخول الداخل في هذه البيوت إنما هو لما له من الانتفاع، فالطالب يدخل المدرسة للعلم، والساكن يدخل في الخان للمبيت فيه، أو لطلب من نزل لحاجته إليه، والزبون يدخل الدكان للابتياع، والحاقن يدخل الخلاء للحاجة، وكل يؤتى على وجهه من بابه.
إذاً: هذا هي حالة الاستثناء الأولى: أن ندخل بيوتاً غير مسكونة فيها متاع لنا بدون إذن.
الحالة الثانية: ترك الاستئذان لدخول بيت إحياء: لنفس أو مال، فقد يكون الإنسان في ظرف لو أنه انتظر حتى يستأذن فقد تفوت المصلحة، فإذا كان هناك في بيت مثلاً حريق، أو مال سيتلف، ففي هذه الحالة يقتحم البيت بغير إذن؛ إحياء للنفس أو حفظاً للمال.
وقد أورد الحنفية عدداً من الفروع الدالة على ذلك، وقواعد المذاهب الأخرى لا تأبى ما ذهب إليه الحنفية، إلا الحنابلة فإنهم لم يجيزوا دخول البيت إذا خيف ضياع المال إلا باستئذان أما إذا كان لدفع عدو يريد أن يزهق نفساً مسلمة فيجوز دخوله بغير استئذان؛ لما في دفع العدو من إحياء نفوس المسلمين وأموالهم.
الحالة الثالثة: أجاز الحنفية والمالكية دخول البيت الذي يتعاطى فيه المنكر بغير استئذان بقصد تغيير المنكر، أي: لابد أن تكون نيته تغيير المنكر، وليس الدخول والاطلاع على العورات، كما إذا سمع في دار صوت المزامير والمعازف فله أن يدخل عليهم بغير إذن، وعللوا ذلك بعلتين: الأولى: أن الدار لما اتخذت لتعاطي المنكر فقد سقطت حرمتها، وإذا سقطت حرمتها جاز دخولها بغير إذن.
الثانية: أن تغيير المنكر فرض، فلو شرط الإذن لتعذر التغيير.
وهذه الحالة إذا تجاهروا بالمنكر، أما إذا لم يتجاهروا بالمنكر فلا، فمثلاً: لم تسمع مزماراً، ولم تشم رائحة الخمر، وليس هناك أي شيء يدل على وجود المنكر، فهنا لا يجوز التوصل إلى المنكر عن طريق التجسس، فشرط المنكر الذي ينكر أن يكون ظاهراً من غير تجسس، أما لو كان المنكر مختفياً فلا؛ لأنه لم يستوف شروط المنكر الذي يجب تغييره، فأحد شروط تغيير المنكر أن يكون منكراً، وأن يكون ظاهراً بغير تجسس.
وأما الشافعية فقد كانوا أكثر تفصيلاً للأمر من الحنفية، حيث قالوا: إن المنكر إن كان مما يفوت استدراكه جاز له دخوله لمنع ذلك المنكر بغير استئذان، كما إذا أخبره من يثق بصدقه أن رجلاً خلا برجل ليقتله، أو خلا بامرأة ليزني بها، فيجوز له في مثل هذه الحال أن يتجسس، ويقدم على الكشف والبحث؛ حذراً من فوات ما لا يستدرك من إزهاق روح معصوم، وانتهاك عرض محرم، وارتكاب المحظورات، أما إذا لم يفت استدراكه، كما إذا دخل معها البيت ليساومها على أجرة الزنا ثم يخرجان ليزنيا في بيت آخر، أو إذا كان مما يمكن إنكاره ورفعه بغير دخول؛ لم يحل له الدخول بغير استئذان، كما إذا سمع المحتسب أصواتاً منكرة من دار تظاهر أهلها بأصواتهم؛ أنكرها خارج الدار، ولم يهجم عليها بالدخول؛ لأن المنكر ظاهر، وليس له أن يكشف عما سواه.
стр. 1327
المستقبل للإسلام
لقد ضمن الله تعالى البقاء لدينه، وجعل العاقبة للمتقين ولو كره الكافرون، فعوامل البقاء والانتشار في دين الإسلام تمهِّد له اليوم ليحكم العالم وإن كان جهد المسلمين في هذا الجانب قليلاً، وهذا هو ما تكشفه النصوص، وتوضحه وتؤيده أقوال وكتابات كثير من مفكري وقادة الغرب من غير المسلمين.
стр. 1328
أقوال بعض المفكرين الغربيين في أن المستقبل للإسلام
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: فقد طرح المستشرق الإنكليزي المعاصر استبن سؤالاً يقول فيه: هل يمكن أن نقع يوماً تحت وطأة الخطر الإسلامي؟ ثم أراد أن يأتي ببعض الأجوبة، فقال: أجل، إنهم اليوم دعاة متفرقون، لا نرى عزماً أكيداً لدى كبارهم يحملهم على التضحية، ولا نرى عند ذوي الرأي والوجاهة فيهم أنهم يستطيعون الجلوس معاً جلسة جدية يتحدثون فيها عن مشاكلهم فضلاً عن أن يتكلموا عن حلها، ففي طوال ثلاثة عشر قرناً ونصف قرن من تاريخ الإسلام يصعب أن نشير إلى حالة واحدة اجتمع فيها ممثلون من جميع أقطار العالم الإسلامي ليتشاورا في مشاكل تعنيهم جميعاً، وليقروا اتباع طريق واحد في العمل.
يقول: إن المسلمين قد يستمرون مدة طويلة من الزمن في هذا التفرق والتشرذم، لكن ينبغي أن لا نبالغ في تقدير طول هذه المدة؛ لأن هناك ظاهرة كثيراً ما يهملها الباحثون في حركات المجتمع الإسلامي مهما كان نوعها، وهي أنها تنضج بسرعة مدهشة، حتى إن وجودها -كما أشار الأستاذ لاسنيون أحد المستشرقين الفرنسيين- يندر أن يخطر على بال أحد قبل أن يندلع لهيبها ويروع العالم، والمسألة الكبرى هي مسألة الزعامة، فحينما يجد الإسلام صلاح الدين الجديد رجلاً يجمع بين الحنكة السياسية العظيمة وبين شعور برسالته الدينية يبلغ أعماق نفسه فإن ما عدا ذلك ينحل من تلقاء نفسه.
اهـ أما الأمريكي جورج تتسون فيقول في كتاب الشرق الأوسط في مؤلفات الأمريكيين: إن المآثر التي قامت بها الشعوب التي تتكلم اللغة العربية بين القرن التاسع إلى القرن الثاني عشر كانت عظيمة لدرجة تخمل أجسامنا، وإن شعوب الشرق الأوسط سبق لها أن قادت العالم في مرحلتين طول ألفي عام على الأقل قبل أيام اليونان، وفي العصور الوسطى لمدة أربعة قرون، وليس ثمة ما يمنع تلك الشعوب من أن تقود العالم مرة ثالثة في المستقبل القريب أو البعيد.
اهـ ويقول أستاذ فرنسي لطلابه إبان الاحتلال الألماني لفرنسا في الحرب العالمية الثانية -والذي حكى هذه القصة طالب عربي كان يتلقى العلم عليه في ذلك الوقت-، قال لمن يريد أن يربيهم للمستقبل من أبناء بلاده منبهاً إياهم ومعزياً أولاد بلاده الفرنسيين عن الاحتلال الألماني: إن الخطر الذي داهمهم من الألمان ليس هو الذي يخافه عليهم وعلى مستقبلهم، وإنما الخطر الجدير بالخوف هو ما يمكن أن تأتي به هذه الشعوب التي تربض خلف البحر الأبيض المتوسط؛ لأن خطرها هو الذي يهز الكيان ويزلزل الأركان.
اهـ قال هذا والعرب والمسلمون في أشد حالات الضعف.
ويقول لورن استرون: لقد كنا نخوف بشعوب مختلفة، ولكننا بعد الاختبار لم نجد مبرراً لمثل هذا الخوف، لقد كنا نخوف من قبل بالخطر اليهودي والخطر الأطلس باليابان وتزاعمها على الصين، وبالخطر البلشفي، إلا أن هذا التخوف كله ما وجدناه كما تخيلناه؛ لأننا وجدنا اليهود أصدقاء لنا، وعلى هذا يكون كل مضطهد لهم عدونا الألد، ثم رأينا أن البلاشفة حلفاء لنا أثناء الحرب العالمية الثانية، أما الشعوب الصفراء فإن هناك دولاً ديمقراطية كبرى تتكفل بمقاومتها، ولكن الخطر الحقيقي كامن في المسلمين، وفي قدرتهم على التوسع والإخضاع، وفي الحيوية المدهشة العنيفة التي يمتلكونها، ألا إنهم السد الوحيد في وجه الاستعمار الأوربي.
اهـ وهذا سلا زار يصرح في حديث له فيقول: الخطر الحقيقي هو الذي يمكن أن يحدثه المسلمون من تغيير نظام العالم.
فقيل له: إنهم في شغل عن أن يفكروا في هذا لخلافاتهم ونزاعاتهم، فقال: إني أخشى أن يخرج من بينهم من يوجه خلافهم إلينا.
اهـ **ويقول أحد علماء (السربون) في إحدى مؤلفاته: إن العالم فيه ثلاث قوى: قوة الشرق، وقوة الغرب، وهناك قوة ثالثة لو عرفت نفسها لأمكنها أن ترث القوتين، وهذه القوة هي القوة الكامنة وراء يقظة المسلمين؛ لأن لهم نظرة انفردوا بها عن العالم في تنشأة الرجال.
اهـ وقال أحد المسئولين في وزارة خارجية فرنسا سنة (١٩٥١م): ليست الشيوعية خطراً على أوروبا فيما يبدو لي، فهي حلقة لحلقات سابقة، وإذا كان هناك خطر فهو خطر سياسي عسكري فقط، ولكنه على أي حال ليس خطراً حضارياً تتعرض معه مقومات وجودنا الفكري والإنساني للزوال والفناء، إن الخطر الحقيقي الذي يهددنا تهديداً مباشراً عنيفاً هو الخطر الإسلامي، والمسلمون عالم مستقل كل الاستقلال عن عالمنا الغربي، فهم يملكون تراثهم الروحي خاصة، ويتمتعون بحضارة تاريخية ذات أصالة، وهم جديرون أن يقيموا بها قواعد عالم جديد دون حاجة إلى الاستغراب -أي: دون حاجة إلى إذابة شخصيتهم الحضارية والروحية بصورة خاصة في الشخصية الحضارية الغربية- وفرصتهم في تحقيق أحلامهم هي في اكتساب التقدم الصناعي الذي أحرزه الغرب، فإذا أصبح لهم علمهم، وإذا تهيأت لهم أسباب الإنتاج الصناعي في نطاقه الواسع انطلقوا في العالم يحملون تراثهم الحضاري الفتي، وانتشروا في الأرض يزيلون منها قواعد الروح الغربية، ويقذفون رسالتهم إلينا عبر التاريخ، وقد حاولنا خلال حكمنا الطويل في الجزائر أن نتغلب على الشخصية التاريخية لسعة هذا البلد فلم نأل جهداً في فرض شخصية غربية لهم، فكان الإخفاق الكامل من نتائج مجهودنا الضخم الطويل.
إن العالم الإسلامي يقعد اليوم فوق ثروة خيالية من الذهب الأسود والمواد الأولية الضرورية للصناعة الحديثة، وهو في حاجة إلى الاستقلال في استغلال هذه الإمكانات الضخمة الكامنة في بطون سهوله وجباله وصحاريه، فهو -وتأمل هذه العبارة- في عين التاريخ عملاق مقيد، عملاق لم يكتشف نفسه بعد اكتشافاً تاماً، فهو حذر، وهو قلق، وهو كاره لماضيه في عصر الانحطاط، راغب رغبة يخالطها شيء من الكسل -أو بعبارة أخرى من الفوضى- في مستقبل أحسن وحرية أوفر، فلنعط هذا العالم ما يشاء، ولنقو في نفسه الرغبة في الإنتاج، ولنصنع له ما يشاء من منجزات الصناعة الحديثة، شرط أن نبتعد به عن الإنتاج الصناعي والفني -ويقصد الإنتاج التكنولوجي-، فإذا عجزنا عن تحقيق هذه الخطة، وتحرر العملاق من قيود جهله وعقدة الشعور بعجزه من مباراة الغرب في الإنتاج فقد بؤنا بالإخفاق الذريع، وأصبح خطر العالم العربي وما وراءه من الطاقات الإسلامية الضخمة خطراً داهماً يتعرض به التراث الحضاري الغربي لكارثة تاريخية ينتهي بها الغرب، وتنتهي معه وظيفته القيادية.
اهـ أما (جوستريونغ) فقد كتب كتاب (أثناء الحساب الأخير) الذي اخترعه ويعني به تصفية الحساب، وهو يعني أن العالم الإسلامي سيفيق، وسوف ينتقم من العالم الغربي واليهود الصهاينة ويتولى هو حسابهم.
يقول: إن العالم الإسلامي قد أفلت من قبضة الموت الذي أعده ونسق أكفانه الاستعمار الأوروبي، وإن العالم الإسلامي يسرع الخطا إلى الشباب، فيصفي حسابه مع الاستعمار الأوربي الصهيوني، وهو حساب عسير رهيب.
اهـ وجاء في مجلة التاريخ الجاري الأمريكية مقال بعنوان: محمد ﵊ يتهيأ للعودة.
وفي عنوان آخر: إن المسلمين رقدوا خمسمائة سنة، وهم يتحركون الآن ويتوثبون إلى استنفار.
وقال الفير نشادور: إن هذا المسلم الذكي الشجاع قد ترك لنا حيث حل آثار علمه وفنه، آثار مجده وفخاره، إن هذا المسلم الذي نام نوماً عميقاً مئات السنين قد استيقظ وأخذ ينادي: هأنذا لم أمت، إني أعود إلى الحياة، لا لأكون أداة طيعة أو كتلاً بشرية تسيرها العواصم الكبرى.
ثم قال: ومن يدري! قد يعود اليوم الذي تصبح فيه بلاد الفرنج مهددة بالمسلمين، فيهبطون من السماء لغزو العالم مرة ثانية في الوقت المناسب أو الزمن الموقوت، لست أدعي النبوة، ولكن الأمارات الدالة على هذه الاحتمالات كثيرة لا تقوى الذرة ولا الصورايخ على وقف تيارها.
اهـ هذا ما يقوله شخص يستقرئ أحداث التاريخ وعبره، فماذا يقول الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ﵌.
стр. 1329
أحاديث نبوية في أن المستقبل للإسلام
أوحي إلى رسول الله ﵌ كثير من النصوص التي تبشر بأن المستقبل حتماً للإسلام، وهذه حقيقة نوقن بها تماماً كما نؤمن أن الشمس غداً ستشرق من المشرق، يقول الله ﵎ في شأن هؤلاء الكفار: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ [التوبة:٣٢]، تخيل أن اليهود والنصارى يحاولون إطفاء نور الله بأفواههم، والله يأبى إلا أن يتم نوره.
فهم الآن في كل بقاع العالم الإسلامي يحاولون إطفاء نور الله، يحاولون وأد الصحوة الإسلامية بأفواههم، وبكل ما أوتوا من قوة، انظر إلى هذا التمثيل! تخيل نوراً عظيماً، وهناك أناس يحاولون أن يطفئوه، كل واحد ينفخ ليطفئه بفمه، ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣٢ - ٣٣] حتى وإن كرهوا فلابد من أن تحقق كلمة الله .
فعن تميم الداري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام، وذلاً يذل الله به الكفر) فهذه نبوءة بأن الإسلام سوف يسيطر على كل الكرة الأرضية.
وعن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى، فقلت: يا رسول الله! إن كنت لأظن حين أنزل الله: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣٣] أن ذلك يكون تاماً؟! قال: إنه سيكون من ذلك ما شاء الله).
فقولها: (أن ذلك يكون تاماً) يعني أن وعد الله بظهور هذا الدين على سائر الأديان سوف يتحقق لا محالة، فبشرها ﵊ وقال: (إنه سيكون من ذلك ما شاء الله).
وعن حذيفة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكاً عاضاً، فيكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكاً جبرياً) وهو ما نحن فيه الآن ومنذ زمن بعيد، قال: (ثم تكون ملكاً جبرياً، فيكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة).
إذاً: سوف ينتهي هذا الليل الحالك بإشراق شمس الإسلام من جديد (ثم تكون خلافة على منهاج النبوة) وفي هذا إشارة إلى أنه بقدر ما تقترب الدعوة من منهاج النبوة بقدر ما تكون هي المؤهلة لإعادة التمثيل لهذه الخلافة.
ويقول -أيضاً- ﷺ : (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك)، ويقول أيضاً: (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها)، ويقول -أيضاً- ﷺ : (مثل أمتي مثل المطر لا يدرى أوله خير أم آخره)، ويقول -أيضاً- ﵊: (بشر هذه الأمة بالسناء والنصر والتمكين، ومن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة نصيب).
стр. 1330
تحقق وعد الرسول ﷺ بفتح القسطنطينية
وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: (بينما نحن حول رسول الله ﷺ نكتب إذ سئل رسول الله ﷺ : أي المدينتين تفتح أولاً أقسطنطينية أم رومية -أي: روما-؟ فقال رسول الله ﷺ : مدينة هرقل تفتح أولاً) يعني القسطنطينية، وتحقق هذا بعد حوالى ثمانمائة سنة على يد السلطان محمد الفاتح العثماني.
ولهذا السلطان ترجمة طيبة، لكن نشير إشارة عابرة إلى شيء مهم جداً يعكس أننا لابد من أن نهتم دائماً بالجيل القادم، ولابد من أن نربي أولادنا لأجل أن يحملوا هذه الرسالة، وإذا كنا قد هدينا إلى الالتزام وإلى الإسلام في سن متأخرة -إذ ربما التزم بعض الإخوة بعد أن دخل الجامعة أو في الثانوية- فنرجو أن يكون الجيل المقبل -إن شاء الله- أسعد حظاً في أن ينشأ من صغره على هدف يعيش من أجله.
أما قصة محمد الفاتح فهي -باختصار شديد- أنه كان ابن السلطان، فكان يؤدبه شيخ وهو طفل صغير، ومؤدبه يدعى آق شمس الدين، وكان هذا العالم المربي هو الذي يربيه ويهذبه ويعلمه، وكان هذا الشيخ يأخذ يد الطفل الصغير محمد الفاتح بين وقت وآخر، ويذهب به إلى الساحل الذي يفصل آسيا عن أوروبا؛ لأن اسطنبول يقع جزء منها في آسيا وجزء منها في أوروبا، وكانت تسمى (الآستانة) في الحقيقة، لكن أتاتورك سماها اسطنبول، واسمها كان (إسلام بول) أي: مدينة الإسلام.
فكان يأخذ محمد الفاتح وهو صبي صغير إلى الساحل بصفة مستمرة، ويقول له: انظر إلى هذه المدينة التي هناك، هذه المدينة هي القسطنطينية، وقد قال رسول الله ﷺ : (إنكم ستفتحون القسطنطينية، فنعم الجيش جيشها، ونعم الأمير أميرها)، ثم ينصرف، ثم يأخذه بعد ذلك مرة أخرى ويسحبه بيده وهو طفل صغير، فظل مداوماً على هذا حتى تولد لدى هذا الصبي الصغير الهمة في أن يدخل في دعوة النبي ﵌ بالمغفرة لهذا الجيش، وبالمدح والثناء لأميره: (فنعم الأمير أميرها ونعم الجيش جيشها) فعاش لأجل هذا الهدف فقط لا لغاية أخرى، وهذا الشيخ كان يعلم أن هذا الرجل سيكون في يوم من الأيام سلطاناً، فأراد أن يساهم في تحقيق هذا النصر العظيم، فأوجد في هذا الصبي من صغره هذه الهمة، فيعيش ليؤدي هذه الرسالة، ويحمل هذا الشرف، ليس كل همه أن يجمع المال، وأن يخرج بمنصب مرموق، وأن يعيش عيشة طيبة، فهذه همة دون، أما أصحاب الهمم العالية فهم يهتمون بمعالي الأمور.
فعليك أن تربي أولادك إذ لا يبعد أن يكون ابنك الصغير الذي يركض في المهد ويصرخ ويصيح هو الذي سوف يمكن الله للإسلام على يديه، ولا تحتقر ما في هذه الأجيال والأطفال من طاقات، فينبغي الاهتمام الشديد بالأجيال المقبلة، ونرجو أن تكون أسعد حظاً من جيلنا.
стр. 1331
أدلة عامة على أن المستقبل للإسلام
الأدلة على أن المستقبل للإسلام كثيرة جداً، وقد ذكرنا منها -من غير نصوص الوحي من الكتاب والسنة- أقوال المفكرين والمشاهير من الغربيين الذين يقرون بهذه الحقيقة مع أننا في أشد حالات الضعف والهوان، فالأمة الإسلامية لن تتخلى عن عقيدتها بالرغم من الذل الذي تتجرعه كل وقت، ومع ذلك هم يخافون من الأمة، فلماذا؟ لأنهم يعرفون مكامن القوة في هذه الأمة.
ومن الأدلة -أيضاً- أن الإسلام هو دين الفطرة، وهذا الدين حفظه الله من التحريف، فهو منهج حياة شامل، يسهل كل مقومات الحياة، والبشرية الآن في حالة تعطش إلى الإسلام، ومن يرى أحوال الكفار أو يسمعها أو يقرأها سيحكم بأن هذه الأمم كلها انهارت، وليست الشيوعية فقط الذي انهارت، بل العالم الغربي الآن منغمس في حمئة الرذيلة، وأسباب الانهيار تعمل فيه بأقصاها ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ﴾ [آل عمران:١٩٦].
وإذا أردنا أن نتكلم عن انهيار النظم البشرية فلن نضع أمريكا في مؤخرة القائمة، بل هي في أول هذه القائمة؛ لأنها مع قوتها المادية الهائلة منهارة انهياراً شديدة جداً، ومن الخيانة أن كثيراً من الكتاب والناس يعودون من تلك البلاد فيمدحونها مدحاً شديداً حتى يصوروا للناس أنها الفردوس المفقود، لكن من خبر الأمر على حقيقته وجد أننا متقدمون عنهم بمراحل عظيمة جداً مع ما نحن فيه من الانحراف عن الإسلام، ولنعلم أن إخواننا الذين يعيشون هناك ممن فيهم خير وفيهم ولاء لله ورسوله ﵊ يعتبرون عودتهم إلى بلادهم الإسلامية -على ما فيها من فساد- أمنية عظيمة جداً، لكنهم دخلوا في أسر الدنيا، فقل من يضحي حتى يعود إلى بلاد المسلمين، فهم جميعاً في حاله شقاء وضنك وعذاب وحرمان من نعمة الحياة بين المسلمين.
فالمقصود أن الانهيار ليس فقط في الشيوعية، ولكن أمريكا -كذلك- في قمة من ينهار في الحقيقة، والبشرية الآن كلها تبحث عن منقذ، فليس عندهم قيم في أمور البشرية على الإطلاق، ليس عندهم أي شيء يقدموه للبشرية.
ومن الأدلة -أيضاً- أن بشائر الصحوة الإسلامية في كل أرجاء العالم الإسلامي -بل في أعماق أوروبا وأمريكا نفسها- تطل من جديد، مع أن الجهود الدعوية التي تبذل في كل البلاد الإسلامية دون المستوى المطلوب بكثير جداً، ومع ذلك فتجد انتشاراً كبيراً جداً لهذه الصحوة، فهذا مما يبشر باقتراب هذا الوعد والأجل المحتوم، يقول الله ﵎: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ [يوسف:١١٠]، ويقول الله ﵎: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ [الشورى:٢٨]، فبعد القنوط والإياس يأتي النور والحياة، لكن هذا الدين لم يقم إلا على تضحيات وبذل وأشلاء وجماجم، ولم توقد مصابيح الهداية إلا بدماء الشهداء الأبرار الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة.
стр. 1332
عدم اليأس من النصر بسبب حال المسلمين اليوم
عن خباب ﵁ قال: (أتيت رسول الله ﷺ وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة وقد لقينا من المشركين شدة، فقلت: يا رسول الله! ألا تدعوا لنا؟ فقعد وهو محمر وجهه فقال: لقد كان من قبلكم ليمشط بمشاط الحديد ما دون عظامه من لحم أو عصب ما يصرفه ذلك عن دينه، ويوضع المنشار على مفرق رأسه فيشق باثنين ما يصرفه ذلك عن دينه، والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ما يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون)، فتأمل هذا الحديث، وانظر إلى الحال التي نحن فيها الآن من الضعف، فالحال في كثير من بلاد المسلمين ليست كالحالة التي نطق فيها النبي ﵊ بهذا الحديث، قال الصحابي: (وقد لقينا من المشركين شدة)، فقد كان المشركون يعذبون الصحابة أشد العذاب، ولما هرعوا إلى النبي ﵌ عدل عن الدعاء لهم بتسليتهم وتعزيتهم بأن هذه سنة من الله ماضية، ولابد من البلاء، وبشرهم بالنصر وهم في هذه الحالة من الضعف، والدعوة كانت في بدايتها، والصحابة كانوا يعذبون أشد العذاب، وهذا كما جاء في الحديث الآخر: (شكونا إلى رسول الله ﷺ حر الرمضاء فلم يشكنا) يعني: لم يُزِل شكوانا، ولم يدع لنا.
لأن هذه سنة ماضية من الله .
وفي هذه الحالة من الاضطهاد الشديد بشرهم رسول الله صلى الله علي وسلم بالأمل، وأحيا في نفوسهم الأمل بالتمكين للدين، بل حلف على ذلك وهو الصادق المصدوق فقال: (والذي نفسي بيده ليتمن الله هذا الأمر)، ونحن الآن نقسم -أيضاً- على أن الله سيتم هذا الأمر كما وعد الصادق المصدوق ﷺ ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [ص:٨٨].
ونختم الكلام بقصة سراقة بن مالك عندما كان يطارد الرسول ﵌ وصاحبه أبا بكر ﵁ كما في حديث الهجرة، فكان يتعثر به فرسه كلما هم أن يلحق الرسول ﷺ وصاحبه بدافع الطمع في الجائزة المغرية التي نصبتها قريش لمن يأتي برسول الله ﷺ وصاحبه أو بخبر عنهما، ثم ساخت قوائم فرسه في الأرض، فطلب منهما أن ينقذاه على أن يرجع، وعاهد النبي ﵊ وصاحبه على أن يكفيهما من وراءهما، ويضلل قريش حتى لا تصل إلى طريقهما، فخطر في نفسه أن يرجع ويغدر، ويعود من جديد في ملاحقتهما طمعاً في تلك الجائزة، وفي هذه اللحظة التي حدث فيها نفسه بهذه النية وهذا الهم طمعاً في الجائزة إذا برسول الله ﵌ يقول له: (يا سراقة! كيف بك وسواري كسرى في يديك؟!)، يقول الشيخ سيد قطب رحمه الله تعالى في كتابه (المستقبل لهذا الدين): يعده سواري كسرى ملك الفرس، والله وحده يعلم ما هي الخواطر التي دارت في رأس سراقة حول هذا العرض العجيب من ذلك المطارد الوحيد إلا من صاحبه الذي لا يغني شيئاً عنه، والمهاجر سراً معه، ولكن الرسول ﷺ كان عارفاً بالحق، وعارفاً بالباطل الذي عليه أهل الجاهلية في الأرض كلها يوم ذاك، كان واثقاً من أن هذا الحق لابد أن ينتصر على الباطل، وأنه لا يمكن أن يوجد الحق في صورته هذه وأن يوجد الباطل في صورته هذه ثم لا يكون ما يكون، كانت الشجرة القديمة قد تآكلت جذورها كلها بحيث لا يصلحها ري ولا سماد، كانت قد خرفت بحيث يتحتم أن تجتث، وكانت البذرة الطيبة في يده معدة للغرس والنماء، وكان واثقاً من هذا كله ثقة اليقين، ونحن اليوم في مثل هذا الموقف بكل ملابساته وكل سماته مع الجاهلية كلها من حولنا، فلا يجوز من ثم أن ينقصنا اليقين في العاقبة المحتومة، العاقبة التي يشير إليها كل شيء من حولنا على الرغم من جميع المظاهر الخادعة التي تحيط بنا.
إن حاجة البشرية اليوم إلى هذا المنهج ليست بأقل من حاجتها يوم ذاك، وإن وزن هذا المنهج اليوم بالقياس إلى كل ما لدى البشرية من مناهج لا يقل عنه يوم ذاك، ومن ثم ينبغي أن لا يخالجنا الشك بأن ما وقع مرة في مثل هذه الظروف لابد أن يقع، ولا يجوز أن يتطرق إلى قلوبنا الشك بسبب ما نراه من حولنا من التصرفات الوحشية التي تكال لطلائع البعث الإسلامي في كل مكان.
стр. 1333
الأسئلة
стр. 1334
واجب الشباب تجاه القضية الفلسطينية
السؤال
ما هو واجب الشباب المسلم تجاه القضية الفلسطينية؟
الجواب
تحرير فلسطين لابد أن يبدأ من دولة خلافة إسلامية، ودولة الخلافة لن تقوم إلا على أيدي رجال لهم صفات حددها الله ﵎، وهذه الصفات الآن غير موجودة فينا، والتغيير يبدأ من أنفسنا، فيجب أن يبدأ التغيير من أنفسنا وأن يبدأ التحول من أنفسنا، عملاً بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١]، ولا شك في أنه سيكون هناك جهاد في فلسطين، بل إن نفس الأنظمة العربية تعرف أن إسرائيل تعد لحرب قادمة، وهم يحددون تاريخها بعد عدة سنوات، وهذا شيء معروف، وهذا الوضع لن يدوم.
سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1335
حكم السفر إلى بلاد الغرب لطلب المال والراحة
السؤال
توجد الآن صحوة إسلامية كبيرة واسعة لا نظير لها في البلاد الإسلامية، والشباب المسلم يتعرض لمتاعب اقتصادية وأمنية مما يجعل الكثير منهم يفكر في الهجرة إلى بلاد الغرب، فما هو الحكم الشرعي في السفر إلى بلاد الغرب الكافرة؟ وهل هناك صحوة إسلامية حقيقة في الغرب؟
الجواب
مصطلح الصحوة الإسلامية يستعمل هناك أيضاً، والكلام في ذلك يطول، فهناك صحوة نسبية، والوجود الإسلامي في الغرب ما هو إلا قطرة في بحر لجي من الفتن يغشاه موج من فوقه موج من فوقه ظلمات، فالوضع ليس كما نحاول أن نقنع به أنفسنا، فالإخوة هناك غرباء في الدين، وغرباء عن الوطن، وكل أنواع الغربة تحققت فيهم، ونحن نعرف قصة الرجل الذي رأى حماراً وهو يريد أن يأكل الحمار فقال: ما أشبه أذنيه بأذني الأرنب! فهو يريد أن يقنع نفسه حتى يأكله.
وهكذا بعض الإخوة يريد أن يبيح لنفسه أن يذهب إلى تلك البلاد للإقامة؛ فيحاول أن يتخذ لنفسه هذه المعاذير، فيقول: إن هناك إخوة في المركز الإسلامي، لكن جميع الإخوة -بلا استثناء- يعانون أشد العناء، وما من أخ إلا وأمله الأسمى في الحياة أن يعود إلى بلاد المسلمين، لكن المشكلة أنه تعود على نمط الحياة هناك، ويرى أن عليه أن يتكيف على الأوضاع هنا إذا عاد، ويطلع على سوء أخلاق الناس وشدة الحياة، وغير ذلك من عوامل التنفير، لكن العاقل دائماً يعرف كيف يزن الأمور ويحسن تقدير العواقب.
فالذي يظن أنه سيذهب هناك ويحصل بعض المصالح بدون أن تمسه هذه الفتن أشبهه بطائر يريد أن يأخذ الحبة من الفخ، فأين ذلك الطائر الذي يستطيع أن يلتقط الحبة دون أن يقع في الفخ؟! وهذا يذكرنا بقصة القرد الذي رأى سمكة تصارع أمواج الطوفان، وتصعد وتغطس في حالة عناء من أمواج شديدة، ولا تتمكن من الاستقرار داخل الماء، فأشفق عليها هذا القرد، وأراد أن ينجيها، فأخذها من الأمواج ووضعها في منطقة رملية جافة حتى لا تعاني من الأمواج، فهلكت، وهذه هي النتيجة، فنحن بوصفنا مسلمين -ولا أقول: كمسلمين.
لأن هذا تعبير فيه نظر؛ لأننا في الحقيقة مسلمون- نحن لا تناسبنا الحياة في تلك البلاد، ولا تصلح لأمثالنا، فتلك البلاد لا تصلح لمن عنده دين ولا لمن عنده أخلاق.
حتى الناس الذين ليس عندهم دين في أوروبا أو أمريكا إذا وصل ابنه إلى التاسعة من عمره يسافر به إلى بلاد المسلمين ثم يعود؛ لأنه يعرف المصير المدمر المقطوع به إذا بقي بأولاده في تلك البلاد، فهم يعيشون في جحيم في الحقيقة، ولا تتصور الصورة المزيفة التي تعطى للشباب عن تلك البلاد.
إن السفارة الأمريكية والبريطانية وكذا السفارات الغربية تفزع من امتداد الطابور الطويل الذي يقف أمامها طمعاً في الحصول على تأشيرة الدخول إلى الجنة الموعودة.
وأقترح على السفارة الأمريكية وغيرها أن تكتب لافتة أمام السفارة يكتب عليها (إنما نحن فتنة فلا تكفر) حتى يقيموا الحجة على من يريد أن يدخل تلك البلاد قبل أن يدخلها.
أقول: إن من يدخل هناك يكفر، لكن لا تنس أن الشباب الإسلامي الذي يتواجد هناك في المراكز الإسلامية قليل جداً، ولو قارنت بين الذين يترددون على المساجد ويحافظون على دينهم وبين الذين يذوبون في الطوفان المدمر ويضيعون تماماً ويتركون دينهم وأخلاقهم وكل شيء لرأيت النسبة بعيدة، فالأصل أن الناس هناك يفتنون، والذي ينجو نادر.
فالشاهد أن تلك البلاد لا تصلح لمعيشة المسلم الذي يريد أن يحافظ على دينه، والحقيقة أن الحديث ذو شجون، ويطول جداً إذا تعمقنا فيه، لكن يكفينا قول النبي ﵊: (أنا بريء من كل مسلم يقيم بين ظهراني المشركين لا تتراءى نارهما)، وقوله ﵊: (برئت الذمة ممن أقام مع المشركين في بلادهم) وكنت أذكر الأخوة هناك بالحديث، وإياك أعني واسمعي يا جارة.
ونحن نعلم حديث الرجل الذي قتل تسعاً وتسعين نفساً، فدل على راهب فسأله: هل لي من توبة؟ فقال له: وأنى لك التوبة؟! فقتله وكمل به المائة، فهو آيسه من رحمة الله، فسأل عن أعلم أهل الأرض، فدل على العالم، فقال: من يحول بينك وبين التوبة؟! وبعد أن أرشده إلى التوبة ورغبه فيها، أمره بالتحول وتغيير البيئة، فقال: هناك بلدة فيها قوم صالحون يعبدون الله فاعبد الله معهم.
ولما أتت الملائكة لتقبض روحه اختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فملائكة العذاب قالت: لم يعمل أي شيء من أعمال الخير، وملائكة الرحمة تقول: أتى تائباً إلى الله .
فاتفقوا على أن أول قادم عليهم يحكم بينهم، فقيض الله ملكاً، فحكم أن يقيسوا المسافة، فهل هو أقرب إلى البلدة الصالحة أم البلدة غير الصالحة، وفي بعض الروايات أنه لما قبض اقترب بشبر، فزحف حتى يكون أقرب إلى البلدة الصالحة، وقد يكون هذا سبباً من أسباب نجاته، وفي رواية أن الله أمر الأرض أن تمتد حتى يكون أقرب إلى البلدة الصالحة، وعندما نتذكر هذا الحديث ونحن نتكلم عن الهجرة إلى بلاد الشياطين والكفار وأصحاب الجحيم والسعير نرى أن الذي يسأل الناس هنا أكرم له وأفضل من أن يذهب هناك فيفسد دينه، ويفسد -أيضاً- دنياه، فتكون دنياه لا بركة فيها.
فأين نحن من هذا الحديث؟ هذا الرجل جاهد حتى يكون أقرب إلى البلدة الصالحة، فما أبعد المسافة بين بلاد الكفار وبلاد المسلمين، فلماذا تذهب هناك؟! نعم هناك نشاط إسلامي، والإخوة هناك ينقسمون إلى معذورين وآثمين، هناك معذورون من بعض المسلمين، هم من بلادهم مطرودون، وما هناك بلاد تؤويهم، فلا حرج عليهم حينئذ لأسباب كثيرة، لكن لا شك في أن هناك قسماً كبيراً جداً من الآثمين الذين لا يحل لهم بأي حال من الأحوال البقاء فيها، وأنا أكرر كلمة قالها الشيخ عباس المدني حفظه الله، قال لبعض إخواننا لما كان هناك في أوروبا: لا أقول لكم: إنكم تغرقون، بل أنتم في الحقيقة غرقى.
وضرب لهم مثلاً فقال: لو أن عندنا مليار مارك -وهي العملة الألمانية- فأخذت منه ماركاً واحداً، فكم خسر المليار؟ إن المليار لم يخسر شيئاً، لكن كم خسر المارك؟ لقد خسر المليار.
يعني أن الإنسان حين يخرج من المجتمع الإسلامي يخسر كل هذا المجتمع، والمجتمع لا يخسر شيئاً، الخاسر في الحقيقة هو، وأنا أقول هذا ونحن نعيش في الفتن، ونعاني جميعاً كل العناء، لكن من أراد إلا التحول فأرض الله واسعة كما أخبر الله، فيهاجر إلى مكان أفضل أمناً، وأفضل من حيث الرزق، وأفضل من حيث الدين، ولا يذهب إلى مكان أسوأ، فالعاقل يختار ما هو أحسن، ويقدم الدين على الدنيا، فأرض الله واسعة، فيجتهد في الهجرة إلى أي بلاد من بلاد المسلمين بعيداً عن هذا الجحيم في الغرب.
следующие страницы →