Полный текст (2 122 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.
стр. 1331
أدلة عامة على أن المستقبل للإسلام
الأدلة على أن المستقبل للإسلام كثيرة جداً، وقد ذكرنا منها -من غير نصوص الوحي من الكتاب والسنة- أقوال المفكرين والمشاهير من الغربيين الذين يقرون بهذه الحقيقة مع أننا في أشد حالات الضعف والهوان، فالأمة الإسلامية لن تتخلى عن عقيدتها بالرغم من الذل الذي تتجرعه كل وقت، ومع ذلك هم يخافون من الأمة، فلماذا؟ لأنهم يعرفون مكامن القوة في هذه الأمة.
ومن الأدلة -أيضاً- أن الإسلام هو دين الفطرة، وهذا الدين حفظه الله من التحريف، فهو منهج حياة شامل، يسهل كل مقومات الحياة، والبشرية الآن في حالة تعطش إلى الإسلام، ومن يرى أحوال الكفار أو يسمعها أو يقرأها سيحكم بأن هذه الأمم كلها انهارت، وليست الشيوعية فقط الذي انهارت، بل العالم الغربي الآن منغمس في حمئة الرذيلة، وأسباب الانهيار تعمل فيه بأقصاها ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ﴾ [آل عمران:١٩٦].
وإذا أردنا أن نتكلم عن انهيار النظم البشرية فلن نضع أمريكا في مؤخرة القائمة، بل هي في أول هذه القائمة؛ لأنها مع قوتها المادية الهائلة منهارة انهياراً شديدة جداً، ومن الخيانة أن كثيراً من الكتاب والناس يعودون من تلك البلاد فيمدحونها مدحاً شديداً حتى يصوروا للناس أنها الفردوس المفقود، لكن من خبر الأمر على حقيقته وجد أننا متقدمون عنهم بمراحل عظيمة جداً مع ما نحن فيه من الانحراف عن الإسلام، ولنعلم أن إخواننا الذين يعيشون هناك ممن فيهم خير وفيهم ولاء لله ورسوله ﵊ يعتبرون عودتهم إلى بلادهم الإسلامية -على ما فيها من فساد- أمنية عظيمة جداً، لكنهم دخلوا في أسر الدنيا، فقل من يضحي حتى يعود إلى بلاد المسلمين، فهم جميعاً في حاله شقاء وضنك وعذاب وحرمان من نعمة الحياة بين المسلمين.
فالمقصود أن الانهيار ليس فقط في الشيوعية، ولكن أمريكا -كذلك- في قمة من ينهار في الحقيقة، والبشرية الآن كلها تبحث عن منقذ، فليس عندهم قيم في أمور البشرية على الإطلاق، ليس عندهم أي شيء يقدموه للبشرية.
ومن الأدلة -أيضاً- أن بشائر الصحوة الإسلامية في كل أرجاء العالم الإسلامي -بل في أعماق أوروبا وأمريكا نفسها- تطل من جديد، مع أن الجهود الدعوية التي تبذل في كل البلاد الإسلامية دون المستوى المطلوب بكثير جداً، ومع ذلك فتجد انتشاراً كبيراً جداً لهذه الصحوة، فهذا مما يبشر باقتراب هذا الوعد والأجل المحتوم، يقول الله ﵎: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ [يوسف:١١٠]، ويقول الله ﵎: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ [الشورى:٢٨]، فبعد القنوط والإياس يأتي النور والحياة، لكن هذا الدين لم يقم إلا على تضحيات وبذل وأشلاء وجماجم، ولم توقد مصابيح الهداية إلا بدماء الشهداء الأبرار الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة.
стр. 1332
عدم اليأس من النصر بسبب حال المسلمين اليوم
عن خباب ﵁ قال: (أتيت رسول الله ﷺ وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة وقد لقينا من المشركين شدة، فقلت: يا رسول الله! ألا تدعوا لنا؟ فقعد وهو محمر وجهه فقال: لقد كان من قبلكم ليمشط بمشاط الحديد ما دون عظامه من لحم أو عصب ما يصرفه ذلك عن دينه، ويوضع المنشار على مفرق رأسه فيشق باثنين ما يصرفه ذلك عن دينه، والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ما يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون)، فتأمل هذا الحديث، وانظر إلى الحال التي نحن فيها الآن من الضعف، فالحال في كثير من بلاد المسلمين ليست كالحالة التي نطق فيها النبي ﵊ بهذا الحديث، قال الصحابي: (وقد لقينا من المشركين شدة)، فقد كان المشركون يعذبون الصحابة أشد العذاب، ولما هرعوا إلى النبي ﵌ عدل عن الدعاء لهم بتسليتهم وتعزيتهم بأن هذه سنة من الله ماضية، ولابد من البلاء، وبشرهم بالنصر وهم في هذه الحالة من الضعف، والدعوة كانت في بدايتها، والصحابة كانوا يعذبون أشد العذاب، وهذا كما جاء في الحديث الآخر: (شكونا إلى رسول الله ﷺ حر الرمضاء فلم يشكنا) يعني: لم يُزِل شكوانا، ولم يدع لنا.
لأن هذه سنة ماضية من الله .
وفي هذه الحالة من الاضطهاد الشديد بشرهم رسول الله صلى الله علي وسلم بالأمل، وأحيا في نفوسهم الأمل بالتمكين للدين، بل حلف على ذلك وهو الصادق المصدوق فقال: (والذي نفسي بيده ليتمن الله هذا الأمر)، ونحن الآن نقسم -أيضاً- على أن الله سيتم هذا الأمر كما وعد الصادق المصدوق ﷺ ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [ص:٨٨].
ونختم الكلام بقصة سراقة بن مالك عندما كان يطارد الرسول ﵌ وصاحبه أبا بكر ﵁ كما في حديث الهجرة، فكان يتعثر به فرسه كلما هم أن يلحق الرسول ﷺ وصاحبه بدافع الطمع في الجائزة المغرية التي نصبتها قريش لمن يأتي برسول الله ﷺ وصاحبه أو بخبر عنهما، ثم ساخت قوائم فرسه في الأرض، فطلب منهما أن ينقذاه على أن يرجع، وعاهد النبي ﵊ وصاحبه على أن يكفيهما من وراءهما، ويضلل قريش حتى لا تصل إلى طريقهما، فخطر في نفسه أن يرجع ويغدر، ويعود من جديد في ملاحقتهما طمعاً في تلك الجائزة، وفي هذه اللحظة التي حدث فيها نفسه بهذه النية وهذا الهم طمعاً في الجائزة إذا برسول الله ﵌ يقول له: (يا سراقة! كيف بك وسواري كسرى في يديك؟!)، يقول الشيخ سيد قطب رحمه الله تعالى في كتابه (المستقبل لهذا الدين): يعده سواري كسرى ملك الفرس، والله وحده يعلم ما هي الخواطر التي دارت في رأس سراقة حول هذا العرض العجيب من ذلك المطارد الوحيد إلا من صاحبه الذي لا يغني شيئاً عنه، والمهاجر سراً معه، ولكن الرسول ﷺ كان عارفاً بالحق، وعارفاً بالباطل الذي عليه أهل الجاهلية في الأرض كلها يوم ذاك، كان واثقاً من أن هذا الحق لابد أن ينتصر على الباطل، وأنه لا يمكن أن يوجد الحق في صورته هذه وأن يوجد الباطل في صورته هذه ثم لا يكون ما يكون، كانت الشجرة القديمة قد تآكلت جذورها كلها بحيث لا يصلحها ري ولا سماد، كانت قد خرفت بحيث يتحتم أن تجتث، وكانت البذرة الطيبة في يده معدة للغرس والنماء، وكان واثقاً من هذا كله ثقة اليقين، ونحن اليوم في مثل هذا الموقف بكل ملابساته وكل سماته مع الجاهلية كلها من حولنا، فلا يجوز من ثم أن ينقصنا اليقين في العاقبة المحتومة، العاقبة التي يشير إليها كل شيء من حولنا على الرغم من جميع المظاهر الخادعة التي تحيط بنا.
إن حاجة البشرية اليوم إلى هذا المنهج ليست بأقل من حاجتها يوم ذاك، وإن وزن هذا المنهج اليوم بالقياس إلى كل ما لدى البشرية من مناهج لا يقل عنه يوم ذاك، ومن ثم ينبغي أن لا يخالجنا الشك بأن ما وقع مرة في مثل هذه الظروف لابد أن يقع، ولا يجوز أن يتطرق إلى قلوبنا الشك بسبب ما نراه من حولنا من التصرفات الوحشية التي تكال لطلائع البعث الإسلامي في كل مكان.
стр. 1333
الأسئلة
стр. 1334
واجب الشباب تجاه القضية الفلسطينية
السؤال
ما هو واجب الشباب المسلم تجاه القضية الفلسطينية؟
الجواب
تحرير فلسطين لابد أن يبدأ من دولة خلافة إسلامية، ودولة الخلافة لن تقوم إلا على أيدي رجال لهم صفات حددها الله ﵎، وهذه الصفات الآن غير موجودة فينا، والتغيير يبدأ من أنفسنا، فيجب أن يبدأ التغيير من أنفسنا وأن يبدأ التحول من أنفسنا، عملاً بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١]، ولا شك في أنه سيكون هناك جهاد في فلسطين، بل إن نفس الأنظمة العربية تعرف أن إسرائيل تعد لحرب قادمة، وهم يحددون تاريخها بعد عدة سنوات، وهذا شيء معروف، وهذا الوضع لن يدوم.
سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1335
حكم السفر إلى بلاد الغرب لطلب المال والراحة
السؤال
توجد الآن صحوة إسلامية كبيرة واسعة لا نظير لها في البلاد الإسلامية، والشباب المسلم يتعرض لمتاعب اقتصادية وأمنية مما يجعل الكثير منهم يفكر في الهجرة إلى بلاد الغرب، فما هو الحكم الشرعي في السفر إلى بلاد الغرب الكافرة؟ وهل هناك صحوة إسلامية حقيقة في الغرب؟
الجواب
مصطلح الصحوة الإسلامية يستعمل هناك أيضاً، والكلام في ذلك يطول، فهناك صحوة نسبية، والوجود الإسلامي في الغرب ما هو إلا قطرة في بحر لجي من الفتن يغشاه موج من فوقه موج من فوقه ظلمات، فالوضع ليس كما نحاول أن نقنع به أنفسنا، فالإخوة هناك غرباء في الدين، وغرباء عن الوطن، وكل أنواع الغربة تحققت فيهم، ونحن نعرف قصة الرجل الذي رأى حماراً وهو يريد أن يأكل الحمار فقال: ما أشبه أذنيه بأذني الأرنب! فهو يريد أن يقنع نفسه حتى يأكله.
وهكذا بعض الإخوة يريد أن يبيح لنفسه أن يذهب إلى تلك البلاد للإقامة؛ فيحاول أن يتخذ لنفسه هذه المعاذير، فيقول: إن هناك إخوة في المركز الإسلامي، لكن جميع الإخوة -بلا استثناء- يعانون أشد العناء، وما من أخ إلا وأمله الأسمى في الحياة أن يعود إلى بلاد المسلمين، لكن المشكلة أنه تعود على نمط الحياة هناك، ويرى أن عليه أن يتكيف على الأوضاع هنا إذا عاد، ويطلع على سوء أخلاق الناس وشدة الحياة، وغير ذلك من عوامل التنفير، لكن العاقل دائماً يعرف كيف يزن الأمور ويحسن تقدير العواقب.
فالذي يظن أنه سيذهب هناك ويحصل بعض المصالح بدون أن تمسه هذه الفتن أشبهه بطائر يريد أن يأخذ الحبة من الفخ، فأين ذلك الطائر الذي يستطيع أن يلتقط الحبة دون أن يقع في الفخ؟! وهذا يذكرنا بقصة القرد الذي رأى سمكة تصارع أمواج الطوفان، وتصعد وتغطس في حالة عناء من أمواج شديدة، ولا تتمكن من الاستقرار داخل الماء، فأشفق عليها هذا القرد، وأراد أن ينجيها، فأخذها من الأمواج ووضعها في منطقة رملية جافة حتى لا تعاني من الأمواج، فهلكت، وهذه هي النتيجة، فنحن بوصفنا مسلمين -ولا أقول: كمسلمين.
لأن هذا تعبير فيه نظر؛ لأننا في الحقيقة مسلمون- نحن لا تناسبنا الحياة في تلك البلاد، ولا تصلح لأمثالنا، فتلك البلاد لا تصلح لمن عنده دين ولا لمن عنده أخلاق.
حتى الناس الذين ليس عندهم دين في أوروبا أو أمريكا إذا وصل ابنه إلى التاسعة من عمره يسافر به إلى بلاد المسلمين ثم يعود؛ لأنه يعرف المصير المدمر المقطوع به إذا بقي بأولاده في تلك البلاد، فهم يعيشون في جحيم في الحقيقة، ولا تتصور الصورة المزيفة التي تعطى للشباب عن تلك البلاد.
إن السفارة الأمريكية والبريطانية وكذا السفارات الغربية تفزع من امتداد الطابور الطويل الذي يقف أمامها طمعاً في الحصول على تأشيرة الدخول إلى الجنة الموعودة.
وأقترح على السفارة الأمريكية وغيرها أن تكتب لافتة أمام السفارة يكتب عليها (إنما نحن فتنة فلا تكفر) حتى يقيموا الحجة على من يريد أن يدخل تلك البلاد قبل أن يدخلها.
أقول: إن من يدخل هناك يكفر، لكن لا تنس أن الشباب الإسلامي الذي يتواجد هناك في المراكز الإسلامية قليل جداً، ولو قارنت بين الذين يترددون على المساجد ويحافظون على دينهم وبين الذين يذوبون في الطوفان المدمر ويضيعون تماماً ويتركون دينهم وأخلاقهم وكل شيء لرأيت النسبة بعيدة، فالأصل أن الناس هناك يفتنون، والذي ينجو نادر.
فالشاهد أن تلك البلاد لا تصلح لمعيشة المسلم الذي يريد أن يحافظ على دينه، والحقيقة أن الحديث ذو شجون، ويطول جداً إذا تعمقنا فيه، لكن يكفينا قول النبي ﵊: (أنا بريء من كل مسلم يقيم بين ظهراني المشركين لا تتراءى نارهما)، وقوله ﵊: (برئت الذمة ممن أقام مع المشركين في بلادهم) وكنت أذكر الأخوة هناك بالحديث، وإياك أعني واسمعي يا جارة.
ونحن نعلم حديث الرجل الذي قتل تسعاً وتسعين نفساً، فدل على راهب فسأله: هل لي من توبة؟ فقال له: وأنى لك التوبة؟! فقتله وكمل به المائة، فهو آيسه من رحمة الله، فسأل عن أعلم أهل الأرض، فدل على العالم، فقال: من يحول بينك وبين التوبة؟! وبعد أن أرشده إلى التوبة ورغبه فيها، أمره بالتحول وتغيير البيئة، فقال: هناك بلدة فيها قوم صالحون يعبدون الله فاعبد الله معهم.
ولما أتت الملائكة لتقبض روحه اختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فملائكة العذاب قالت: لم يعمل أي شيء من أعمال الخير، وملائكة الرحمة تقول: أتى تائباً إلى الله .
فاتفقوا على أن أول قادم عليهم يحكم بينهم، فقيض الله ملكاً، فحكم أن يقيسوا المسافة، فهل هو أقرب إلى البلدة الصالحة أم البلدة غير الصالحة، وفي بعض الروايات أنه لما قبض اقترب بشبر، فزحف حتى يكون أقرب إلى البلدة الصالحة، وقد يكون هذا سبباً من أسباب نجاته، وفي رواية أن الله أمر الأرض أن تمتد حتى يكون أقرب إلى البلدة الصالحة، وعندما نتذكر هذا الحديث ونحن نتكلم عن الهجرة إلى بلاد الشياطين والكفار وأصحاب الجحيم والسعير نرى أن الذي يسأل الناس هنا أكرم له وأفضل من أن يذهب هناك فيفسد دينه، ويفسد -أيضاً- دنياه، فتكون دنياه لا بركة فيها.
فأين نحن من هذا الحديث؟ هذا الرجل جاهد حتى يكون أقرب إلى البلدة الصالحة، فما أبعد المسافة بين بلاد الكفار وبلاد المسلمين، فلماذا تذهب هناك؟! نعم هناك نشاط إسلامي، والإخوة هناك ينقسمون إلى معذورين وآثمين، هناك معذورون من بعض المسلمين، هم من بلادهم مطرودون، وما هناك بلاد تؤويهم، فلا حرج عليهم حينئذ لأسباب كثيرة، لكن لا شك في أن هناك قسماً كبيراً جداً من الآثمين الذين لا يحل لهم بأي حال من الأحوال البقاء فيها، وأنا أكرر كلمة قالها الشيخ عباس المدني حفظه الله، قال لبعض إخواننا لما كان هناك في أوروبا: لا أقول لكم: إنكم تغرقون، بل أنتم في الحقيقة غرقى.
وضرب لهم مثلاً فقال: لو أن عندنا مليار مارك -وهي العملة الألمانية- فأخذت منه ماركاً واحداً، فكم خسر المليار؟ إن المليار لم يخسر شيئاً، لكن كم خسر المارك؟ لقد خسر المليار.
يعني أن الإنسان حين يخرج من المجتمع الإسلامي يخسر كل هذا المجتمع، والمجتمع لا يخسر شيئاً، الخاسر في الحقيقة هو، وأنا أقول هذا ونحن نعيش في الفتن، ونعاني جميعاً كل العناء، لكن من أراد إلا التحول فأرض الله واسعة كما أخبر الله، فيهاجر إلى مكان أفضل أمناً، وأفضل من حيث الرزق، وأفضل من حيث الدين، ولا يذهب إلى مكان أسوأ، فالعاقل يختار ما هو أحسن، ويقدم الدين على الدنيا، فأرض الله واسعة، فيجتهد في الهجرة إلى أي بلاد من بلاد المسلمين بعيداً عن هذا الجحيم في الغرب.
стр. 1336
واجبنا نحو مخططات الكفار
السؤال
نعرف مخططات الغرب وعداءهم للإسلام، فما الواجب علينا شرعاً تجاه هذه المخططات اليوم؟
الجواب
هذا سؤال هام جداً، فيحتاج إلى إجابة مفصلة، ولكني أجمل فأقول: الطريق إلى تحقيق مآرب الأمة الإسلامية التي منها تحرير القدس التي تباع الآن بأخس الأثمان والتي حفتها الخيانة من أول يوم في تاريخ هذه القضية، الطريق إلى تحقيق كل أهداف الأمة الإسلامية -ومنها تحرير فلسطين- لابد من أن يمر بإحدى الدول الإسلامية، فمن هي هذه الدولة؟ هي الدولة التي تتمكن من إقامة الخلافة الإسلامية من جديد على أرضها، إذاً: كيف تقوم هذه الدولة؟ إن أي دولة إسلامية تقوم فيها خلافة إسلامية وكيان إسلامي سوف تقلب موازين العالم كله، ومن أجل هذا ستكون الحرب التي يشنها الغرب على المسلمين، فكيف تقوم هذه الدولة؟ لقد وصف القرآن لنا ذلك فقال: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [الإسراء:٥]، فهذا وعد من الله؛ لأن الله قال: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ [الإسراء:٨] يعني إن عدتم إلى الإساءة عدنا إلى تسليط عبادنا عليكم، فما صفات هؤلاء؟ وصف الله هؤلاء الذين يصلحون لهذه المهمة الإسلامية بقوله: ﴿عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [الإسراء:٥] جمعوا بين القوة والأمانة، كما قال يوسف ﵇ ﴿إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٥٥]، وكما قال مخاطب سليمان ﵇ ﴿وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾ [النمل:٣٩]، فكذلك هنا ﴿عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [الإسراء:٥] يحققون عبودية الله وحده، وفي نفس الوقت يأخذون بأسباب القوة، وليست فقط القوة، ولكنهم أولو بأس شديد.
ونحن نعلم أن الرسول ﵊ تنبأ أن اليهود لن ينعموا أبداً بما يسمونه السلام الأبدي، بل لابد من قتال بينهم وبين المسلمين يمكن الله فيه للمسلمين، وينصر المسلمين فيه، حتى إن الشجر والحجر يعينان المسلم، يقول ﵊: (لن تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود، حتى يختبئ اليهودي وراء الشجر والحجر فيقول الشجر والحجر: يا مسلم! يا عبد الله! هذا يهودي ورائي تعالى فاقتله إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود).
فالشاهد أن الرسول ﵇ لم يخبر عن الشجر أنه سيقول: يا عربي! يا قومي! يا بعثي! يا مصري! يا فلسطيني! فلن ينادي بهذه المسميات أبداً، وإنما يقول: (يا مسلم! يا عبد الله!)، فهؤلاء فقط هم الذين يحققون هاتين الصفتين: الإسلام والعبودية لله، وهم القادرون على ذلك.
فالخلافة لن تعود إلا على منهاج النبوة، لقول النبي ﵌: (ثم تكون خلافة على منهاج النبوة)، فالأمة مخاطبة، والجماعات الإسلامية مخاطبة، والآحاد والأفراد كلهم مخاطبون بأمر واحد، كل واحد منا لله عهد عليه، وليذكره من الآن، فنحن نقترب جداً من وقت النصر والتمكين لهذا الدين في الأرض، وقد جعل الله تعالى للنصر طريقاً، هذا الطريق هو آية في سورة الرعد: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١] فلو أن كل واحد بجد وبهمة عالية عاهد الله على أن يغير ما في نفسه مما لا يرضي الله من صفات أو أخلاق أو تفريط في حق الله وفي جنب الله، وعزم على أن يصلح نفسه من الآن ولم يؤجل، ولو أن الأمة قامت بتوبة جماعية كتوبة قوم يونس عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام؛ لكافأنا الله بأن يغير ما بنا من أحوال ومن تردي ومن هوان.
ثم بعد ذلك الأخذ بكل أسباب القوة في سبيل التمكين لهذا الدين، فبعض الناس يهربون من مواجهة الواقع، ويحسبون أن السنن الكونية تجامل وتحابي، فلأننا موحدون سوف تنزل علينا الملائكة وتنصرنا حتى لو قاتلنا بالسهام والحراب والسيوف! إن السنن لا تحابي أحداً حتى الأنبياء، فالأنبياء جرحوا وقاتلوا وعانوا كثيراً جداً، قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ [آل عمران:١٤٦]، وكثير من الناس يفزعه البون الشاسع الذي بيننا وبين الكفار في الحضارة والقوة والعلم والمال وغير ذلك فيستسلم ويتخاذل، ولا يجد سبيلاً إلا أن يقول: سوف تنزل معجزات من السماء تنصرنا على أعداء الله، سوف تنزل الملائكة وتحارب معنا! نعم، لكن ألم يقل الله : ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال:٦٠]؟ ألم يصف الله عباده الذين سيقتلون اليهود ويذلونهم فقال: ﴿عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [الإسراء:٥]؟ ليس بأساً فقط، لكنه بأس شديد، فبعض الناس يهربون من مواجهة الحقيقة إلى الأحلام والأماني، وبعضهم يقول: ننتظر حتى يخرج المهدي، وكل شيء سوف يحل، والسنن سوف تحابينا لأننا موحدون! السنن لا تحابي أحداً، فالكافر إذا زرع الأرض وحرثها ورعى الزرع ينتج، والأرض لا تقل له: أنت كافر لن أزرع لك، وفي نفس الوقت المسلم الموحد إذا قصر في حرثها فلن تقول له: سوف أنبت لك لأنك موحد! يجب أن نكون على يقين بأن الله له سنن، كما قال : ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٤٠]، فيوم لك ويوم عليك، وهكذا دواليك، ودولة الباطل ساعة ودولة الحق إلى قيام الساعة، ولابد من أن تكون العاقبة للتقوى: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف:١٢٨].
إذا تأملنا حال بريطانيا فبريطانيا في يوم من الأيام كانت تسمى الأمبراطورية التي لا تغرب عنها الشمس، والآن بريطانيا عبارة عن كوكب يدور في فلك أمريكا، فصارت تابعة لأمريكا، والله ﵎ قادر بقوته على أن يزيل أمريكا ويصغرها ويذلها إذا خرج من يشترون الحياة الدنيا بالآخرة، فالذي ينصر المؤمنين ليس هو الأسلحة ولا المال، وإنما هو الله : ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ﴾ [الحج:٤٠]، لكن ينبغي الأخذ بالأسباب، واستفراغ الوسع في الأخذ بهذه الأسباب، فكل ما يمكن أن يكون قوة تضاف إلى رصيد المسلمين فينبغي عدم التفريط فيه إلى أن يأذن الله بالتمكين لهذا الدين.
أما مكائد المشركين وحيلهم فالله زودنا بما ندفع به هذا، قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا * فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ [الطارق:١٥ - ١٧]، فهم ينفقون الأموال، لكن قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال:٣٦]، ويقول تعالى: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [الحج:٧١].
فالمسألة هي الأخذ بالأسباب، واحترام السنن الكونية، واحترام السنن الشرعية أيضاً، وعدم التعجل والتهور، فحينئذ يكافئ الله ﵎ من يقيمون دينهم بأنفسهم ويجتهدون في بثه ونشره والجهاد في سبيله، يقول : ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ﴾ [القصص:٥] فهي منة، ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص:٥]، ويقول ﵎: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ [الأعراف:١٣٧]، فهذا الوضع الذي نحن فيه من المذلة والهوان والضعف والقهر وخيانة الحكام كل هذا ليس جديداً، فأمثاله كثيرة جداً في التاريخ الإسلامي.
فقد حصل أن الأمة نهضت من الكبوة وفاقت من السكرة بعد أن بقيت فلسطين في يد الصليبين ما يزيد على تسعين سنة، ومع ذلك حررت، وفلسطين الآن لها في أيدي اليهود مدة تقل عن المدة التي استولى الصليبيون فيها على بيت المقدس، وقيض الله نور الدين زنكي وصلاح الدين الأيوبي فمكن الله لهذا الدين على أيدهما.
وكذلك فتنة التتار، وحصلت كثير من المواقف التي كانت قريبة من حالنا، فالأمل في سنن الله، وقراءة التاريخ تعطينا العبرة، فهذا شيء ممكن، وليس صعباً أن يمكن الله ﵎ للمسلمين على ما هم فيه من ضعف.
ولكن من أين يبدأ الحل؟ وما هي الحقيقة حتى لا نهرب من مواجهتها؟ الحل أن يبدأ التحول من الآن وبلا تأجيل، فكل واحد منا يراجع نفسه، فينظر في كيفية حاله مع الله؛ وهل يقصر في حقوق الله؟ وهل يبذل كل ما عنده لله؟ وهكذا يراجع ويصلح حاله مع الله ويبدأ يبذل، ففي هذه الحالة ينطبق علينا قوله ﵎: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١] هذه هي الغاية، فإذا غيرنا أنفسنا حتماً فسيغير الله تعالى حالنا، والله تعالى أعلم.
стр. 1337
مقتطفات الدعوة وأهدافها
الدعوة إلى الله تعالى من أفضل الأعمال وأجل القربات، وهي مهمة الأنبياء والرسل ﵈ التي أرسلهم الله تعالى بها، وما دام أنها كذلك فلابد على من يسلك سبيلها أن ينطلق من منطلقات ثابتة تجعله ينجح في دعوته، وعليه كذلك أن يلتزم بالمنهج الصحيح في الدعوة وهو منهج الأنبياء ﵈، وأن يبذل كل ما في وسعه، ولا يستعجل النتائج، فليس عليه إلا أن يعمل ويدعو، والهداية بيد الله تعالى.
стр. 1338
شرح حديث: (مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم)
الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم! صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم! بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضاً، فكان منها طائفة طيبة قبلت الماء وأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا منها وسقوا وزرعوا، وأصاب طائفة أخرى منها إنما هي قيعان، لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله تعالى، ونفعه ما بعثني الله به، فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به).
هذا الحديث رواه البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري ﵁.
قوله ﷺ : (إن مثل ما بعثني الله به من الهدى) المثل المراد به هنا: الصفة العجيبة، وليس المراد به القول السائر.
والهدى: هو الدلالة الموصلة إلى المطلوب، والمراد بالعلم هنا: معرفة الأدلة الشرعية لا الفروع المذهبية.
فقوله ﵊: (إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم) الهدى المذكور فيه هو الطريق الذي يدل على المقصود وهو الجنة، والعلم المقصود به علم الوحيين.
وقوله: (كمثل غيث أصاب أرضاً) أي: كمثل مطر أصاب أرضاً (فكان منها طائفة طيبة) فهذه الأرض أنواع منها طائفة طيبة وهي أفضلها (قبلت الماء) أي: قبلت هذا الماء وشربته وارتوت به (وأنبتت الكلأ والعشب الكثير) الكلأ: هو النبت يابساً كان أو رطباً، فإنه يسمى بالكلأ، أما العشب فيختص بالنبت الرطب، فعطف العشب على الكلأ من باب عطف الخاص على العام.
قوله: (وكان منها أجادب) هذا هو القسم الثاني من هذه الأرض و (أجادب) جمع جدباء، وهي الأرض الصلبة التي تمسك الماء فلا تشربه سريعاً، وقيل: هي الأرض التي لا نبات بها.
مأخوذة من الجدب وهو القحط.
قال: (وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس) لأنها أمسكت الماء، لكنها لم تنبت شيئاً (فشربوا منها وسقوا وزرعوا) أي: بما أخذوه منها من الماء.
قوله: (وأصاب طائفة أخرى منها) هذا هو القسم الثالث من الأرض، وهو أردؤها، قال ﷺ : (وأصاب طائفة أخرى منها إنما هي قيعان، لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ) والقيعان: جمع قاع، وهو الأرض المستوية الملساء التي لا تنبت.
قال: (فذلك مثل من فقه في دين الله تعالى ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم)، وهو القسم الأول الذي علم العلم الشرعي فانتفع بعلم الوحي، ثم علم غيره (ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به).
يقول القرطبي رحمه الله تعالى في شرح هذا الحديث: ضرب النبي ﵌ لما جاء به من الدين مثلاً بالغيث العام الذي يأتي الناس في حال حاجتهم إليه، وكذا كان حال الناس قبل مبعثه ﷺ ، فكما أن الغيث يحيي البلد الميت؛ فكذلك علوم الدين تحيي القلب الميت، ثم شبه السامعين له بالأرض المختلفة التي ينزل بها الغيث، شبه من يستمع إلى ما أنزل إليه ﷺ بهذه الأرض المختلفة حيث ينزل بها الغيث، فمنهم -أي: من هؤلاء الناس- العالم المعلم، أي أنه يتعلم هذا الوحي ثم يعمل به ثم يعلم غيره، فهو بمنزلة الأرض الطيبة شربت فانتفعت في نفسها وأنبتت فنفعت غيرها، ومنهم الجامع للعلم المستغرق لزمانه فيه، غير أنه لم يعمل بنوافله، أو لم ينفعه فيما جمع له، لكنه أداه لغيره، فهو بمنزلة الأرض التي لا تنتفع بالماء لكنها تمسكه بغيره.
وإنما جمع في المثل بين الطائفتين الأوليين المحمودتين لاشتراكهما في الانتفاع بهما، أي أنه ذكر أولاً طائفتين ثم قال: (وأصاب طائفة أخرى منها إنما هي قيعان) فجمع بين الطائفتين لاجتماعها في صفة الانتفاع بهما.
وذكر الطائفة الثالثة مذمومة لعدم النفع بها فقال ﵊: (وأصاب طائفة أخرى منها إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ).
стр. 1339
نصوص ترغب في تعليم الناس ودعوتهم إلى الله
لقد جاءت نصوص كثيرة جداً في الترغيب في التعليم، ودعوة الآخرين إلى طاعة الله وطاعة رسول الله ﷺ ، منها: قوله ﷺ : (ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وحفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، وذكرهم الله فيمن عنده).
ومنها -أيضاً-: قول صفوان بن عسال المرادي ﵁: (أتيت النبي ﷺ وهو في المسجد متكئ على برد له أحمر، فقلت: يا رسول الله! إني جئت أطلب العلم، فقال ﷺ : مرحباً بطالب العلم، إن طالب العلم تحفه الملائكة بأجنحتها، ثم يركب بعضهم بعضاً حتى يبلغوا السماء الدنيا من محبتهم لما يطلب) يعني: من شدة ازدحامهم عليه حتى يبلغوا السماء الدنيا من محبتهم لما يطلب.
وقال ﷺ : (الدنيا ملعونة ملعون ما فيها، إلا ذكر الله وما والاه، وعالماً أو متعلماً).
وقال ﷺ : (معلم الخير يستغفر له كل شيء حتى الحيتان في البحر)، وقال في الحديث الآخر: (إن الله وملائكته وأهل السماوات والأرض، حتى النملة في جحرها، وحتى الحوت ليصلون على معلم الناس الخير)، على الذين يعلمون الناس الخير.
وإن من وجوه تفضيل العالم على العابد: أن العالم نفعه يتعدى إلى غيره، أما العابد فنفعه قاصر على نفسه، وأصل الحديث رواه أبو أمامة الباهلي ﵁ قال (ذكر لرسول ﷺ رجلان أحدهما عابد والآخر عالم، فقال ﵊: فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم) كالفرق في الفضل بين الرسول ﵇ وبين أقل واحد من الصحابة، ثم قال رسول الله ﷺ -وكأنه يذكر هذه الأفضلية-: (إن الله وملائكته وأهل السماوات والأرض، حتى النملة في جحرها وحتى الحوت ليصلون على معلمي الناس الخير) أي: ولذلك قال ﵊: (لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم)، فهذه من الأدلة التي بها يستدل على فضل العلم والتعلم ودعوة الآخرين إليه.
يقول الله ﵎: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:١ - ٣]، فحكم على كل الناس بالخسران، ثم استثنى هؤلاء: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾ [العصر:٣]، وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله، وفي الغالب إذا دعا الإنسان غيره إلى الحق فربما قوبل بالأذى، فيطلب منه الصبر على هذا الأذى، فقال تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:٣].
стр. 1340
مفهوم الدعوة إلى الله
الدعوة في اللغة: مأخوذة من الدعاء، وهو النداء لجمع الناس على أمر الله، فإذا كان عندك أناس تجمعهم على أمر الله فقد دعوتهم وحضضتهم على العمل به.
والدعوة مطلقاً يراد بها: الدعوى إلى قضية يراد إثباتها، أي: الدفاع عنها حقاً كانت أو باطلاً، بغض النظر عن هذه القضية، فمن الدعوة إلى الباطل قول الله ﵎: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ [يوسف:٣٣]، فقد كان النسوة يدعونه إلى ما حرم الله ﵎، فهذا من استعمال كلمة الدعوة في اللغة في الدعوة إلى الباطل، ومن الدعوة إلى الباطل ما ورد أنه تخاصم رجل من المهاجرين ورجل من الأنصار، فأراد كل منهما أن يستنصر بطائفته، فقال المهاجري: يا للمهاجرين.
وقال الأنصاري: يا للأنصار.
فقال ﷺ حينما بلغه ذلك: (أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم؟!) فسماها دعوى الجاهلية.
أما الدعوة الحق فمثل قوله ﵎: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ [الرعد:١٤]، ومن ذلك قوله ﷺ في كتابه إلى هرقل عظيم الروم: (أدعوك بدعاية الإسلام) أي: بدعوة الإسلام.
ومنها قول مؤمن آل فرعون: ﴿وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾ [غافر:٤١] فهنا وردت كلمة الدعوة بالمعنيين الحق والباطل: ﴿وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ﴾ [غافر:٤١] فهذه دعوة حق، ﴿وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾ [غافر:٤١] هذه دعوة باطل.
ومن معاني كلمة الدعوة: المحاولة القولية أو الفعلية والعملية لإمالة الناس إلى مذهب أو ملة.
ومن معانيها: الابتهال والسؤال، تقول: دعوت الله أدعوه أي: أبتهل إليه بالسؤال وأرغب فيما عنده من الخير.
قال الله ﵎: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى دَارِ السَّلامِ﴾ [يونس:٢٥]، قال في لسان العرب: ودعاء الله خلقه إليها كما يدعو الرجل الناس إلى مدعاة، أي: إلى مأدبة يتخذها وطعام يدعو الناس إليه.
فمعنى الدعوة هنا في قوله: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى دَارِ السَّلامِ﴾ [يونس:٢٥] كالدعوة التي يوصلها من يدعو الناس إلى مأدبة أو وليمة، أو شيء من هذا حتى يشرفهم بتناوله.
فدعوة الله عباده إلى دار السلام هي دعوته عباده إلى أسباب دخولها ﴿وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى دَارِ السَّلامِ﴾ [يونس:٢٥] يعني: يأمركم أو يطلب منكم ويدعوكم إلى أن تتخذوا الأسباب التي توصلكم إلى دار السلام، وهي الالتزام بدينه ﵎، فمن استجاب صار من حزب الله ﴿أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة:٢٢].
أما المعرضون فهم أتباع الشياطين، يقول الله تعالى حاكياً عن إبليس: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ [إبراهيم:٢٢]، فبين إبليس المقصود من الشرك الذي وقعوا فيه: ﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ [إبراهيم:٢٢]، وقد كان الشرك بمجرد أنه دعاهم فاستجابوا له: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبراهيم:٢٢]، فسمى هذه الدعوة والاستجابة له شركاً، أي أنهم أشركوا مع الله ﵎.
وقال تعالى عن إبليس: ﴿إِنَّمَا يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر:٦]، فكل طائفة لها دعوة.
وقال أيضاً: ﴿أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٢١]، فعلى كل إنسان أن ينتمي إلى أحد الحزبين: حزب الله أو حزب الشيطان، فكل إنسان يدب على هذه الأرض إما أنه من حزب الله المفلحين، وإما أنه من حزب الشيطان الخاسرين، وكل الأحزاب -سواء أكانت أحزاباً سياسية، أم أحزاباً طائفية، أم أي نوع من الأحزاب- التي تخالف ما عليه الكتاب والسنة، وتخالف منهج الفرقة الناجية ومنهج النبوة هي قطعاً من حزب الشيطان.
والذي لا ينتمي إلى الدعوة إلى الله، ولا ينتمي إلى أي اتجاهات سياسية أو فكرية مخربة أو مدمرة، ويظن أنه بهذا لا له ولا عليه هو منتمٍ في الحقيقة لحزب الشيطان، وإعراضه عن دعوة الله إياه إلى دار السلام يجعله ممن أعرض عن خالقه وبارئه ﵎، وإن كان دون غيره في الضلال، لكن النار دركات والجنة درجات.
стр. 1341
مفهوم لفظ الدعاة
الدعاة واحدهم داع وداعية، فالهاء تدخل عليها للمبالغة، والداعي -أيضاً- إما داعٍ إلى الحق وإما داعٍ إلى الباطل، فمن استعمال كلمة الداعي إلى الحق قوله ﵎ في حق رسوله ﷺ ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب:٤٦]، ومنها قوله عن الجن: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ﴾ [الأحقاف:٣١]، ومن الدعوة إلى الحق قوله ﷺ : (من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه).
أما الداعي إلى الباطل فكما جاء في قوله ﷺ : (دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها)، يعني: يزينون للناس الأفعال التي تقودهم إلى أبواب جهنم، وهذا أيضاً يكون من أولياء الشيطان في كل زمان ومكان، وأبواب جهنم يتنوع الآتون إليها، فمنهم من يأتي من جانب الأمور الكفرية كالردة والطعن في الإسلام، ومنهم من يأتي من جانب البدعة، ومنهم من يأتي من جانب الشهوات، فأبواب جهنم تتنوع بحسب تنوع هذه الدلالات.
ومن ذلك -أيضاً- قوله ﷺ : (ومن دعا إلى ضلالة كان عليه آثام من تبعه).
стр. 1342
منطلقات الدعوة إلى الله تعالى
أما منطلقات الدعوة فالمقصود بها المنطلقات التي ينبغي أن ننطلق منها إذا أردنا أن نسلك هذا الطريق الذي يجازي الله ﵎ من يسلكه بالأجر والمثوبة.
стр. 1343
الدعوة إلى الإسلام لكونه ديناً لا لبيان أفضليته على النظم الأرضية
ليست طبيعة دعوة الإسلام كغيرها من المذاهب والأنظمة، فأصحاب هذه المذاهب لا يعتمدون إلا على أنفسهم في تطبيقها وإشاعتها في المجتمع؛ لأنها مذاهب وضعية ابتدعوها، وهم المسئولون عنها وعن تطبيقها والتزام المجتمع بها.
وهذا نلمسه كثيراً في الدعوات الأرضية الوضعية، أهلها هم الذين يكونون مسئولين عنها وعن تطبيقها وعن إشاعتها وعن رعايتها، وإذا ضاعوا ضاعت معهم هذه الدعوة، ونجد أنه في المقابل ينجرف كثير من المسلمين الذين يمارسون الدعوة إلى الإسلام إلى السبيل ذاته، ويسعون في الطرق والأساليب نفسها، فتراهم يتنافسون أو يتصارعون هم وأصحاب المذاهب الأخرى على طريق واحدة من الأسلوب والمعالجة والتصور، وينسون في الحقيقة أنهم ليسوا إلا دعاة إلى الله جل وعلا، للقيام بمهمة معينة تدخل في حدود طاقاتهم مقابل ما يمتن الله به عليهم من تحقيق المجتمع الإسلامي المنشود.
وآية ذلك أنك ترى بعضهم في غمار هذا التقليد والنسيان لهويتهم لا يهتمون من الإسلام إلا بما فيه من الواجهة الاجتماعية الطهورية -على سبيل المثال- ليقارعوا به الأنظمة الأخرى.
فمثلاً: هناك أناس يقولون: النظام الاجتماعي في الفكرة الشمولية أحسن نظاماً من الإسلام، ويذكرون محاسنه، فتجد في المقابل الذين ينتمون لهذه الدعوة يقعون في هذه الفخ، ويسلكون نفس الطريق، فيقولون: النظام الاجتماعي في الإسلام أفضل، ويتكلمون في هذا الجانب من خلال نفس هذه الزوايا الضيقة التي يعرضون منها الإسلام لمقارعة المذاهب الأخرى، وعندئذ يسقط الفرق بينهم وبين أولئك الآخرين في ميزان الله تعالى وحكمه؛ إذ لا قيمة لشيء من الأحكام والأنظمة الإسلامية إلا من حيث كونه ديناً يخضع الإنسان من خلاله لسلطان الله وألوهيته، فينبغي أن يدخلوا هذا الدين من باب العبودية لله ﵎، لا لأن الإسلام سيحل لهم مشاكلهم الاقتصادية.
ولا شك أن طاعة الله من بركاتها كثرة الخيرات ورفع المحن والآفات، لكن المدخل الذي ينبغي أن يدخل منه الإنسان إلى الإسلام ليس لأن في الإسلام الرفاهية، وليس لأن في الإسلام العدالة الاجتماعية، وليس لأن في الإسلام كذا وكذا من هذه الميزات الضيقة التي تمتاز بها بعض المذاهب الأرضية، فينبغي أن يدعى الناس إلى الإسلام بوصفه ديناً شاملاً لكل حياتهم، يدخلون من باب العبودية لله ﵎، أما مقارنة الإسلام بمذهب مثل الشيوعية أو الرأسمالية أو غيرها من المذاهب الأرضية فهذا هو كما يقول الشاعر: ألم ترى أن السيف ينقص قدره إذا قيل إن السيف أمضى من العصا فهل تمدح السيف عندما تقول: إن السيف أمضى من العصا وتقارنه به؟ فلا يقاس دين إلهي ونظام إلهي بهذه النظم الأرضية، ولا يصح أن ندخل من نفس هذه الزاوية الضيقة إلى قلوب الناس، وهذا هو السر في أن كثيراً من الناس لا يفهمون من معنى (الحكم بما أنزل الله) في نطاق الدعوة الإسلامية إلا ما يظهر منه فقط في واجهة المجتمع، ويتكون منه النظام العام، ويتبادر إلى أذهانهم أن الحكم بما أنزل الله في الحدود، وفي إقامة الشريعة، وفي الأحكام الظاهرة في المجتمع، وينسون أن هناك مسئولية واجبة عليهم بجانب الحكم بما أنزل الله في إقامة الحدود وغيرها من المجالات هي الحكم بما أنزل الله في كل ما يخصك من حياتك، وأنَّه ما من حالة تكون أنت فيها إلا ولله فيها حكم، فالمجلس الذي تجلسه له حكم عند الله، فهو إما واجب أو مستحب حين يكون مجلس علم وذكر، والجلوس أمام الأفلام والتلفزيون حكمه أنه حرام أو مكروه على الأقل، وهكذا كل شيء من الأفعال والتصرفات يدخل تحت حكم من الأحكام، ونومك له حكم من الأحكام، وهو أنه من المباحات، وإن أضفت إليه نية التعبد يصبح عبادة تتقرب بها إلى الله .
فالحكم بما أنزل الله يدخل في معاملة الإنسان نفسه وأهل بيته وأسرته وأولاده، ويدخل في علاقاته مع الآخرين، فما أكثر ما يغفل هؤلاء الناس عنه، بل قد يعرضون عنه تماماً، فترى ازدواجية في الشخصية، حيث ترى الشخص الذي يطالب بحكم الله هو الذي يضيع -مثلاً- صلاة الفجر، ولا يكون أميناً في تعاملاته، ولا يحكم بما أنزل الله في نفسه، وهو الشخص الذي لا ينكر على أهله ولا يعاتبهم بالمعروف كما أمر الله ﵎.
فالحكم بما أنزل الله أعم من أن يكون في الحدود وفيما يتعلق بالآخرين؛ بل هو عام لكل مسلم في نفسه وفي رعيته.
ومع ذلك نجزئ الإسلام ونخصه بهذه الزاوية الضيقة تقليداً لغيرنا من السياسيين أو الحزبيين أو نحوهم، فالإسلام نظام شامل لكل حياة المسلم، يحكم المسلم في كل أحواله وأموره.
وإذا نظرنا نظرة واحدة إلى مبحث الحكم في أي كتاب من كتب أصول الفقه ندرك عموم كلمة (الحكم) وكيف أنها تشمل كل حياة المسلم الفرد، والمسلمين مجتمعاً ودولة، ولا يخلو المسلم -كما ذكرنا- في شيء من تصرفاته عن حكم من الأحكام الشرعية المعروفة.
стр. 1344
القيام بأعباء الدعوة إلى الله من جملة التكاليف الشرعية
المنطلق الثالث: اليقين بأن القيام بأعباء الدعوة واجب من جملة التكاليف التي خاطب الله بها المسلمين، بغض النظر عن النتائج والآمال، فأعباء الدعوة من البيان والحكمة والموعظة الحسنة، والتضحية في سبيل هذه الدعوة، كل هذه الأعمال هي واجب من جملة التكاليف التي خاطب الله بها المسلمين؛ بغض النظر عن النتائج والآمال، فبعض الناس يحملون أنفسهم ما لم يكلفهم الله تعالى به؛ جلباً للنتائج، وتطلعاً إلى الغايات، وربما قفزوا ووثبوا في ظل تطلعاتهم فوق كثير من الأسباب والوسائل الواجبة عليهم مما يدخل تحت إمكانهم ويخضع لطاقاتهم مما لا نشك أن الله أوجبه علينا.
فبعض الناس يضعون تطلعات وأهدافاً بعيدة هي ليست مستحيلة، لكنها بعيدة بالنسبة لواقع هؤلاء الدعاة، فهم يقفزون فوق هذه الأسباب حتى يصلوا إلى هذه التطلعات، ولأنها بعيدة جداً قد يسقطون في منتصف الطريق، في حين أن هناك واجبات لا يشك ولا يختلف اثنان في وجوبها على كل من ينتظم في سلك هذه الدعوة.
فمن هذه الواجبات: تزكية المرء نفسه، أن يزكي المرء نفسه، وأن يوجه هذه الدعوة قبل كل شيء إلى نفسه قبل أن يخاطب بها الآخرين؛ لأنه لا يستقيم الظل والعود أعوج، وشواهد ذلك كثيرة في الكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:٤٤]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [هود:٨٨] وهكذا.
ومن ذلك أيضاً: الالتجاء الشديد إلى الله ﵎، وكثرة ذكر الله في الخلوات والجلوات، ومراقبة النفس، والسعي إلى تزكيتها بكل الوسائل.
ومن تلك الواجبات التي لن يقوم بها غيرك: مراقبة الدعاة لبيوتهم، والقيام بدقة على إصلاح حال الأهل والأولاد، وإشاعة ذكر الله وعبادته بين أعضاء الأسرة، هذا واجب، فهل تنتظر غيرك ليقوم به؟! كلا! فلا بد من أن يقوم به رب البيت، كما قال ﵊: (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته).
فإذا صدق أهل كل أسرة الإسلام واستقاموا عليه، ثم فعلوا ذلك مع أهليهم ومن يقومون عليهم يكافئهم الله ﵎ بالتمكين؛ لأن هذا اجتهاد في تغيير النفس، اجتهاد في تحقيق الشرط الذي شرطه الله تعالى فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١]، وقال : ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور:٥٥].
وقال أيضاً: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص:٥]، فالتمكين في الأرض مكافأة على الاستقامة على طريق الله ﵎، قال تعالى: (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ) فهي منة من الله تعالى ومكافأة منه .
стр. 1345
صور من رحمة الأنبياء ﵈ بأقوامهم
وإذا نظرنا إلى سيرة الأنبياء عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام نرى حقيقة هذا المعنى، معنى الخوف على الناس من عذاب الله والشفقة والرحمة بهؤلاء القوم، فمثلاً: فرعون الذي طغى وتجبر وقال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨]، وقال: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر:٢٩]، فهل هناك ذنب أعظم من أن يقول: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] أن يقول: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨]؟! فشر الناس في زمانه كان فرعون لعنه الله، فإذا بالله ﵎ يبعث إليه رسولين هما موسى وهارون ﵉، ويقول لهما: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤]، فإن القول اللين يكون أقرب إلى قبوله، فباستطاعتك أن تلين قلبه ويستجيب لك، فهل هذا ضعف في الدين؟ هل هذا تنازل من موسى وهارون لفرعون بلين ورفق وحكمة؟ كلا! إذاً ينبغي أن لا يكون هذا الفكر هو الذي يسيطر على أذهان بعض الناس، وهو أن الأصل في الدعوة الغلظة والشدة والجفاء مع الناس، بل الأصل هو الرفق، كما ﵊: (من يحرم الرفق يحرم الخير كله)، وكأن كلمة (يحرم) معناها: الحرمان من شيء عظيم، وقال ﷺ : (إن الله رفيق يحب الرفق)، وقال ﷺ : (ما كان الرفق في شيء إلا زانه، ولا نزع من شيء إلا شانه).
ولا يعني هذا أن الداعية يقر المنكرات أو يحب أعداء الله، لكننا نخاف على خلق الله من عذاب الله، ونترفق بهم، وننوع أساليبنا في رفق ولين وحكمة حتى يستجيبوا لداعي الله تعالى.
إن الذي يريد أن يروج بضاعته إذا أردت أن تشتري منه يترفق بك، ويلين لك القول، ويبتسم في وجهك، ومن هنا فقد تعجبك السلعة كلما كان البائع ناجحاً في عرض بضاعته وترغيب الناس فيها، وهو يدعو إلى سلعة! فكيف بالذي يدعو إلى الله ويدعو إلى الجنة؟ لا شك أنه ينبغي أن يكون تاجراً حاذقاً ماهراً حتى يوفقه الله ﵎.
وفي قصة نوح ﵇ يقول الله ﵎: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف:٥٩]، فهل كان نوح ﵇ يفعل نوعاً من التكتيك السياسي أو العسكري أو نحوه؟ كلا.
يقول نوح ﵇: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف:٥٩]، وهو صادق في هذه الكلمة ﵇.
ويقول ﵎ -أيضاً- حاكياً عن نوح ﵇: ﴿يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ * أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف:٦١ - ٦٣] قال: (لعلكم ترحمون) فهو حريص على أن يرحموا من عذاب الله ، ولكنهم شتموا نوحاً ﵇ -كما في سورة نوح- وفعلوا به العجائب، وأعرضوا عنه أشد الإعراض، ولكن انظر إلى نبي الله نوح ﵇ في جوابه لهم، فهو لم يغضب لنفسه، إنما أجابهم جواباً مصبوغاً بالرحمة والشفقة واللطف، قال تعالى: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ * أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف:٦١ - ٦٣].
وإذا تأملنا في قصة حبيب النجار حينما دعا قومه إلى الله سنجد ذلك المعنى، قال تعالى: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ * وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلا يُنقِذُونِ * إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾ [يس:٢٠ - ٢٥]، فقتلوه بعد هذا الخطاب العظيم، فكان مشفقاً عليهم في حياته وبعد قتله، فبعدما انتقل إلى الجنة قال: ﴿يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [يس:٢٦ - ٢٧].
أي: لو أن قومي علموا حسن عاقبتي وما لقيت عند ربي من الإكرام والفضل العظيم لما فعلوا معي ذلك، ولما أعرضوا عن دعوة الأنبياء، ولما تركوا الاستجابة لربهم ، فأشفق على قومه في الحياة الدنيا وبعدما قتلوه.
وأكثر ما يسبب انحراف المنحرفين عن الحق وعن اتباع الحق ما قد يشعرون به في الداعية من التعالي والأنانية وحب الانتصار للنفس أو للجماعة، فيكون رد الفعل تعالياً أشد، وأنانية أقوى، واندفاعاً أسرع إلى الانتصار للذات.
هذا ما يتعلق بالمنطلق الثاني، وهو أن أعمال الدعوة ينبغي أن تنبعث من شعور غامر بالشفقة والرحمة على عباد الله أجمعين.
стр. 1346
أعمال الدعوة إلى الله عبادة
أول هذه المنطلقات أن أعمال الدعوة عبادة يتقرب بها المسلم إلى الله ، فالدعوة مثل أي عبادة أخرى، كالصلاة والصيام والزكاة والحج والذكر، فالدعوة عبادة، وليست تقصر عن تعريف العبادة، فلا يعملها المسلم لهوى في نفسه، أو لرغبة في العلو في الأرض، فلا يدع إلى الله لأنه يريد العلو في الأرض، أو لأنه يريد أن يشتهر، أو لأنه يريد أن يجتمع الناس حوله، أو لأي شيء من هذه الأغراض؛ فإن هذا يعد انحرافاً عن المنطلقات الصحيحة التي ينبغي أن تنطلق منها الدعوة، بل عليه أن ينتمي إلى هذه الدعوة وينقاد إليها امتثالاً لأمر الله ﵎؛ لأنه كما أمره بالصلاة وكما أمره بالزكاة والصيام؛ أمره -أيضاً- بالدعوة إليه ودلالة الخلق عليه ﵎.
والله تعالى يثيب الإنسان في البهائم كما في الحديث: (في كل ذات كبد رطبة أجر)، فإذا كنت مأجوراً إذا أحسنت إلى حيوان أو بهيمة فسقيتها أو أنقذتها من الهلكة فما بالك إذا أنقذت إنساناً أو أنقذت مسلماً من الهلكة إن أوشك على الغرق أو الحرق أو التلف فأنقذت روحه؟! وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة:٣٢] والحياة هنا حياة البدن، فما بالك بمن يحيي روح هذا الإنسان وقلبه ويدرجه ضمن أولياء الله وعباد الله الصالحين حتى يسلك الطريق إلى دار السلام؟! لا شك أن ثوابه أعظم.
ومع ذلك نجد أننا في غفلة عن هذا النفع الذي ينتفع به جميع خلق الله ﵎ لأجل العمل الصالح، فهل أحد منا يشعر أن النملة في حجرها تستغفر لمن يعلم الناس الخير؟! لقد أخبرنا بذلك الصادق المصدوق ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى، وحتى الحيتان في البحر تستغفر لمعلم الناس الخير، فأي فضل فوق هذا؟! فنحن في غفلة عن هذا، وكل ما خلق الله ﵎ يدعو للداعي إلى الله تعالى كما في الحديث الذي ذكرناه آنفاً: (إن الله تعالى وملائكته، حتى النملة في جحرها وحتى الحوت في البحر ليصلون -أي: يستغفرون ويدعون- على معلم الناس الخير)، فأي فضل فوق هذا؟! ومن يزهد في مثل هذا؟! فالشاهد أن أعمال الدعوة هي عبادة يتقرب بها إلى الله ﵎ كأي عبادة أخرى، وليست دعوة إلى العصبية، أو إلى الحزبية، أو إلى العلو في الأرض والارتفاع على الآخرين، أو استجابة لداعية الهوى، إنما يعملها المسلم انقياداً لأمر وتكليف جاء من الله في قوله ﵎: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:١٠٤]، ويقول : ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت:٣٣].
كما أنه يعملها طمعاً في ثواب الله الذي أشرنا إليه آنفاً، وقد قال ﷺ : (لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم)، وفي رواية: (خير لك مما طلعت عليه الشمس)، خير من أن تقتني كل ما على وجه هذه الأرض، بل كل ما طلعت عليه الشمس.
وقال ﷺ : (الدال على الخير كفاعله).
إذاً: هذا هو المنطلق الصحيح الذي ينبغي أن ينطلق منه كل داعٍ إلى الله .
وإذا أردنا أن تتضح الصورة أكثر فبالضد تعرف الأشياء، فما هي العوامل أو الأشياء التي تقدح في الانطلاق من هذا المنطلق؟ ما هي مظاهر الانحراف عن هذا المنطلق؟ هي عدة أمور: أولها: هيجان الرغبات النفسية والشخصية، وقيام حجاب الأنانية، وحب الذات فيمن يسير على هذا الطريق، وهذا علاجه أن يديم الإنسان ذكر الله بقلب حاضر، ويكون كما قال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف:٢٠١]، وقوله : ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٥].
ومن مظاهر الانحراف عن هذا المنطلق: تحول هذه العبادة بمرور الزمن إلى مجرد فكرة أو مذهب سطحي يقارع به المذاهب الأخرى، دون أن يعيش في الحقيقة الإسلامية الكلية المتمثلة في قوله ﵎: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣].
ومن مظاهر هذا الانحراف: التناقض بين الفكر والعمل، فبعض الناس يتذاكرون أمور الدعوة إلى الإسلام، وينفقون الساعات الطوال في مناقشة أمور الدعوة وأحوال المسلمين، وينسون في غمار حديثهم أهم الواجبات الدينية، كالقيام إلى الصلاة في أول وقتها، ثم لا يقومون إليها إلا آخر الوقت متثاقلين، أو يصلون بسرعة خاطفة شأن من يريد أن يسرع ليتخلص من عبء يلازمه.
أن بعض الناس يسهرون الليل الطويل في مناقشة الدعوة ومشكلات المسلمين وما حدث لهم، ويظن أحدهم أنه بهذا يعمل في الدعوة للإسلام، فهذا لا بأس به، لكنه قرب الفجر بقليل ينام وقد سهر الليل الطويل ويضيع صلاة الفجر، فهذا -أيضاً- من مظاهر الانحراف، فلا ينبغي أن يناقض الفكر الذي يدعو إليه السلوك العملي الذي ينبغي أن تطبقه في نفسك.
فهذا هو المنطلق الأول، وهو أن أعمال الدعوة تنبعث عبادة يتقرب بها العبد إلى الله ، لا يعملها لهوى في نفسه أو رغبة في العلو في الأرض.
стр. 1347
مظاهر الانحراف عن هذا المنطلق
стр. 1348
الشعور بالشفقة والرحمة على عباد الله تعالى
المنطلق الثاني: أن تنبعث أعمال الدعوة من شعور غامر بالشفقة والرحمة على عباد الله أجمعين، فعليك أن تنطلق من هذا المنطلق وأن تشعر أنك رحمة للناس ولست عذاباً ينصب عليهم، وهذه الرحمة هي صفة رسول الله ﷺ ، يقول : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧]، وقال ﷺ : (الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء)، وقال بعض الصحابة للنبي ﷺ في شأن المشركين: (لو لعنتهم يا رسول الله! فقال ﵊: إنما بعثت رحمة ولم أبعث لعاناً) رواه مسلم.
بل كان ﷺ يشفق شفقة كبيرة على قومه إذ لم يستجيبوا له وأعرضوا عنه، فكان يشتد به الحزن ويلم به الوجد عليهم، حتى كاد يهلك نفسه ﵊، لقد كاد أن يموت ويهلك من الحزن والحسرة عليهم أنهم لم ينجوا من عذاب الله ﵎، حتى نزل الوحي يهون عليه أكثر من مرة انفعاله بإعراضهم عنه ﷺ ، مثل قوله ﵎: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف:٦] أي: لعلك تهلك نفسك أسفاً على هؤلاء إذ لم يؤمنوا بك.
وقال ﵎: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:٣]، وقال : ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر:٨].
فلهذا ينبغي أن يستقر هذا المعنى في قلوبنا، وهو أن تنبعث أعمال الدعوة من شعور غامر بالرحمة لعباد الله ﵎، يقول ﷺ : (لا تنزع الرحمة إلا من شقي)، وقال ﷺ : (لا يرحم الله من لا يرحم الناس)، وقال ﷺ : (إن مثلي ومثل أمتي كمثل رجل استوقد ناراً، فجعلت الدواب والفراش يقعن فيه، فأنا آخذ بحجزكم وأنتم تقتحمون فيها)، فهو يريد أن ينقذ هذه الفراش من النار وهي رغم ذلك تنجذب إلى ناحية الضوء ولا تدري أن في ذلك هلاكها، فكذلك النبي ﷺ يريد أن ينجي الناس من أن يقتحموا النار ويهلكوا أنفسهم في النار والحال أنهم تجذبهم الشهوات التي تورد النيران فينجذبون إلى النار وإلى ما يؤدي إلى دخول النار من الشهوات والضلالات، وهو يردهم شفقة وخوفاً عليهم، فيمسك هذا من يده وهذا من جانبه وهذا من قميصه، يريد أن ينجي من استطاع من عذاب النار، لكنهم يقاومونه رغماً عنه ويلقون بأنفسهم في جهنم، والعياذ بالله! فانظر كيف صور النبي ﷺ في هذا الحديث صفة الرحمة، يقول تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧]، فهو رحمة لجميع الأمم، رحمة للمسلمين الذين آمنوا به، ثم رحمة لليهود، ورحمة للنصارى، ورحمة لكل أنواع الكفرة والمشركين، حتى البهائم والحيوانات، فقد شرع لنا رسول الله ﷺ أن نرحم حتى هذه العجماوات، قال ﷺ : (وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته)، حتى الحيوان إذا أردت أن تذبحه فلا تعذبه بذلك.
وقال في شأنه ﷺ : ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩].
إن بعض الناس يتصور أن القوة في الدين إنما تكون بالغلظة والجفاء والقسوة على خلق الله، بل والتكبر عليهم والاستعلاء ومعاملتهم بالقسوة، ولا يدري المسكين أن قلبه بيد ربه يحوله متى شاء، كما قال : ﴿كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا﴾ [النساء:٩٤]، تبينوا فضل الله عليكم، فهو الذي هداكم، فلا تستكبر على خلق الله ولا تتعالَ على عباد الله، فأنت ليس بيدك شيء، وهذا الفضل أعطاك الله إياه وحرم هذا الشخص منه، وهو قادر على أن يعكس الأمر فتضل أنت ويهتدي هذا الشخص، فالعبادة فضل من الله ومنة من الله ﵎.
وكذلك لا ينظر الإنسان إلى الناس في ذنوبهم كأنه رب يطلع عليهم وسوف يحاسبهم ويعذبهم، فإنما هو مثلهم عبد مذنب خطاء، وخير الخطائين التوابون.
стр. 1349
مصادر الدعوة إلى الله تعالى
стр. 1350
القرآن الكريم
ما هي المصادر التي ننتقي منها الأساليب التي نسلكها في الدعوة إلى الله ؟ أول هذه المصادر هو القرآن الكريم، فإن الله فصل أخبار الرسل الكرام وما جرى لهم مع قومهم، وما قص الله علينا ذلك إلا لنستفيد منه ونتزود من معانيه، كما قال : ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [هود:١٢٠]، أي أنهم أسوة لك في ذلك، كما قال : ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام:٩٠]، فهم أسوة لك، وأنت أسوة لأمتك.
ثم قال في آية أخرى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١]، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف:١١١]، وقال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف:٣٥]، أمره بالتأسي بهم، فكيف يصبر مثلهم إن لم يعرف شيئاً من سيرتهم وآثارهم؟!
стр. 1351
السنة النبوية وسير السلف والاستنباطات الفقهية الدعوية
المصدر الثاني: السنة النبوية التي حوت مادة غزيرة من أساليب الدعوة، خاصة إذا ضممنا إليها السيرة الصحيحة، فمن عرف ذلك استفاد كيف يتصرف فيما يلاقيه من مواقف؛ اقتداء بالنبي ﷺ ، وأيضاً سيرة السلف الصالح من الصحابة والتابعين لهم بإحسان؛ لأنهم كانوا أعلم من غيرهم بفقه الدعوة إلى الله ، ولما اختصهم الله به من الفضائل العظيمة.
وكذلك استنباطات الفقهاء من الأدلة الشرعية، كما في أحكام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد والدعوة.
وكذلك التجارب التي يمر بها الإنسان وتمر بها الدعوات ينبغي الاستفادة منها، وذلك يكون في الأمور الاجتهادية، فقد قال ﵊: (لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين)، سواء كانت تجارب خاصة للشخص نفسه أم تجارب للآخرين.
ولا يصح التمسك بالمذهبية في الدعوة؛ لأن المنهج الصحيح في الدعوة هو الذي يتلقى من المصادر السابقة التي أشرنا إليها، والمسلم مطالب بأن يتمسك بما يقضي به دينه.
стр. 1352
ضرورة التزام المنهج الصحيح في الدعوة إلى الله
التزام النهج الصحيح هو الذي يقرب من الغاية، بخلاف غيره من المناهج الخاطئة.
كذلك التزام النهج الصحيح وبذل الوسع فيه يعفي المسلم من المسئولية عن النتائج، يقول الله ﵎: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦]، فإذا سلكت المسلك الصحيح احتراماً للسنن الشرعية والسنن الكونية فأنت في هذه الحالة غير مطالب بالنتائج، فإذا قدر لك البلاء في الطريق فاصبر عليه وسوف تعان عليه من الله ﵎، أما إذا استحمق الإنسان وتصرف تصرفات تخل بالسنن الشرعية وتخل بالسنن الكونية ولا تحترمها فحينئذٍ سيقال: على نفسها جنت براقش.
وهو الذي يجني العاقبة السيئة لهذه التصرفات، وبالتالي يكون محاسباً أمام الله على تقصيره.
فإذا سلكت المنهج الصحيح، وعرفت أن هذا هو المنهج الصحيح في الدعوة إلى الله، فليس لك أن تنحرف عنه أبداً بحجة صعوبته وأنه طريق صعب، فهذا ليس عذراً، ثم هل هذا هو منهج الأنبياء أم ليس منهج الأنبياء؟ فإن كان هو منهج الأنبياء فليس لك عذر في التنكب عن هذا الصراط بحجة صعوبته، أو لأنه طريق طويل، أو لأن الناس لا يقبلون عليه ويحاربونه ويؤذون من يسلكه، أو تتعجل الغاية وتقول: أنا عجل، أريد أن أرى الثمار بسرعة، فتتعجل هذه الغاية.
أو تنساق وراء العاطفة النبيلة والرغبة في الشهادة في سبيل الله، فتريد فقط أن تنال درجة الشهادة، فتفعل أشياء ظاناً أنها تزيد في هذه الدرجة بمجرد هذه الأماني فقط دون أن تنضبط بالضوابط الشرعية والضوابط الكونية، فأنت مسئول ومحاسب عن مشروعية العمل الذي تعمله هل يرضاه الله أم لا يرضاه الله؟ إن بعض الناس يريد أن ينال الشهادة في سبيل الله فيقع في قتل بعض المسلمين، ويظن أن هذا هو طريق الشهادة في سبيل الله، ويترتب عليه ما يترتب من تأخير الدعوة وفتنة الناس عن دينهم، وما إلى ذلك.
فهل مجرد هذه الرغبة الصادقة تبيح له أن يقتل مسلماً أياً كان ذلك المسلم حتى لو كان عاصياً أو فاسقاً؟! فينبغي الانضباط بمشروعية العمل، أن يكون الله ﵎ قد شرعه، فالخطأ لا يصير ثواباً بمجرد العاطفة النبيلة؛ لأن الوصول إلى المقصود لا يكون في السير على طريق لا يؤدي إليه، مهما كان السائر عليه جاداً حريصاً على الوصول إليه، فإنه في النهاية لن يصل إليه وإن كانت نيته صادقة في الوصول إليه.
فالنية والعاطفة النبيلة لا تشفع لك، فلا بد من أن تتأكد أنك على الطريق الذي يؤدي إلى المقصود، وعلى الطريق الذي سلكه الأنبياء عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام.
من أمثلة ذلك: الجهاد، فإنه لم يشرع في مكة، والرسول ﵊ كان مؤيداً بالوحي، وقد حصل أنه في منى طلب المسلمون أن يميلوا على المشركين ميلة واحدة فيقتلونهم، فقال لهم ﵊: (إني لم أؤمر بقتال)، كان تكليفاً من الله ﵎.
وصلح الحديبية لم تتسع له صدور كثير من المسلمين، حتى عمر رضي الله ﵎ عنه، ومع ذلك سماه الله فتحاً مبيناً، وفيه نزل قوله : ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح:١]، مع أن كثيراً من المسلمين رأوا أن هذا إعطاء للدنية في دينهم، وأنه من التخاذل.
فينبغي أن توزن الأشياء بموازين الشرع، وتنضبط بالضوابط الشرعية، بغض النظر عن أصحاب العواطف النبيلة والرغبات أو النيات الصادقة، فإذا تبينت الوسيلة الصحيحة للداعية فيجب عليه أن يسلكها، وإذا بان أن هذا هو الطريق فعليه أن لا يتأثر بالعواطف والقصود الطيبة والحماس لخدمة الإسلام؛ لأن الحماس لا بد له من وقود، ووقوده هو العلم والوعي، هذا هو الوقود الذي يمد العمل والدعوة في الحركة الصحيحة.
стр. 1353
لماذا يتبع منهج الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ؟
ذكرنا أن الله قد أمر نبيه ﷺ بالاقتداء بمنهج الأنبياء، فقال بعدما ذكر جملة من الأنبياء في سورة الأنعام: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام:٩٠]، وقال : ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل:١٢٣]، وأرشد المؤمنين جميعاً إلى التأسي به ﷺ ، فقال : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:٢١]، وقال : ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الممتحنة:٤].
فالنبي ﵊ أسوة حسنة لكل المسلمين مهما اختلفت صفاتهم، أسوة حسنة للشاب المستقيم في شبابه، أسوة حسنة للمؤمن الداعية في دعوته، أسوة حسنة للزوج مع زوجته، أسوة حسنة للوالد مع أولاده في العاطفة وحسن الخلق، أسوة حسنة للمربي في تربية أصحابه، أسوة حسنة للمجاهد الشجاع، أسوة حسنة للقائد المنتصر، أسوة حسنة للسياسي الناجح، أسوة حسنة للجار الأمين، أسوة حسنة للمعاهد الوفي والحاكم المستقيم، والعالم العامل، وهذه صفات لا تجتمع أبداً في أي زعيم أو مصلح، ولهذا أمر الله بطاعته ﷺ طاعة مطلقة بلا قيود، فقال : ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧]؛ لأنه أسوة ونموذج كامل مطلقاً من كل الوجوه، وقال : ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء:١١٥]، وقال ﵎: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥]، وقال : ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران:٣١].
أما غيره ﷺ -كائناً من كان- فطاعته مشروطة بطاعة الله ورسوله ﷺ .
وإنما خص الأنبياء بالأمر بالاقتداء بمنهجهم وهداهم لأمور: الأول: أن الأنبياء كانوا أسوة لرسولنا، ونحن أمرنا أن نأتسي برسولنا ﷺ .
الثاني: أن الأنبياء معصومون من الشرك والضلال والزيغ والأهواء والفسوق والعصيان، وهم أشرف الناس نسباً، وأفضلهم أخلاقاً، وأعظمهم أمانة، وأقواهم حجة، يقول الله ﵎: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام:١٢٤]، ويقول في موسى: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه:٤١].
الثالث: لأن جميع الأنبياء كانوا دعاة إلى نفس هذه الدعوة، وهي الإسلام، قال الله ﵎: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩]، وقال: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥].
الرابع: جميع الأنبياء كانوا منتمين إلى حزب واحد هو حزب الله ﵎، يقول الله : ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران:٨١]، فكان بين الأنبياء ولاء أقوى بكثير من أي ولاء يكون بين حزب من الأحزاب، فبعضهم أشياع لبعضهم، وهم فيما بينهم ونصراء، وكذلك كل المؤمنين الذين يسلكون نفس هذا السبيل، يقول الله ﵎ بعدما حكى قصة نوح ﵇: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ﴾ [الصافات:٨٣]، أي: من أنصاره وأهل حزبه.
الخامس: لأن منهج الأنبياء عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام هو المنهج الوحيد الكفيل بإعادة الخلافة -بإذن الله ﵎ على منهاج النبوة، فإن الرسول ﷺ لما ذكر المراحل التي سوف تمر بها هذه الأمة ختمها بقوله ﵊: (ثم تكون خلافة على منهاج النبوة)، فبعد الانحدار والضعف والضياع الذي تمر به الأمة تعود خلافة لا على أي منهاج، وإنما المنهج الوحيد الذي يعيد الخلافة هو منهاج النبوة، الذي أوضحه الله في قوله: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨]، وقال ﵎: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام:١٥٣]، فمنهاج النبوة هو منهاج الفرقة الناجية، كما جاء في الحديث الصحيح في قوله ﷺ : (وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة)، وهي الطائفة المنصورة التي قال فيها ﵊: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم أو خذلهم حتى يأتيهم أمر الله وهم على ذلك)، وهذه الطائفة هم أهل السنة والجماعة، فالذي يمثل منهاج النبوة هو هذه الطائفة المنصورة التي تتمسك بالكتاب والسنة.
стр. 1354
الأضرار الناتجة عن الخروج عن المنهج الصحيح في الدعوة
إذا تأملنا في الأضرار التي تنتج عن الخروج عن النهج الصحيح في الدعوة فإننا سنرى أن هذه الأضرار تقع ولو مع حسن نية أصحابها، فالخروج عن نهج الأنبياء يؤدي إلى الفشل وعدم بلوغ الغاية، حتى لو وصلها فسرعان ما يدفع عنها ويرمى بعيداً عنها.
وأيضاً يؤدي الانحراف عن هذا المنهج إلى لحوق الأذى بالعاملين في الدعوة، وضياع جهودهم بغير طائل، وترك اللين في موضعه إلى الغلظة وإلى القسوة يؤدي إلى نفور المدعو، حتى لو كان الداعي مخلصاً، فينبغي أن يرفق ويلين مع من يدعوه، قال الله ﵎: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩].
стр. 1355
أهل السنة والجماعة
стр. 1356
العلاقة بين السنة والجماعة
السنة تطلق على الاعتقاد الحق، وعلى أهل الاعتقاد الحق، وقد تطلق السنة على جزئي من جزئيات هذا الاعتقاد، وكذلك كلمة الجماعة تطلق على أهل الاعتقاد الحق أو الاعتقاد الحق أيضاً مثل السنة، وقد يعبر بالجماعة عن أصل من أصولها، فالكلمتان تماماً مثل الإيمان والإسلام، أو الفقير والمسكين، فلفظ السنة والجماعة إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا، فإذا أتت إحدى الكلمتين منفردة في نص شملت المعنيين، شملت الاعتقاد الحق وأهل الاعتقاد الحق، لكن إذا اجتمعتا فقلت: أهل السنة والجماعة فإنهما تفترقان في المعنى، فتصبح السنة عبارة عن الاعتقاد الحق، والجماعة عبارة عن أهل الاعتقاد الحق، فيصير لكل واحد منهما معنى يخصه، فيصير معنى السنة: طريقة رسول الله ﷺ ، أو الاعتقاد الحق، أو الاتجاه الحق في مسائل الاعتقاد وغيرها، أما الجماعة فهم أصحاب ذلك الاعتقاد أو المنهج الصحيح.
стр. 1357
اختصاص اسم أهل السنة بأهل السنة دون غيرهم
لشيوع هذا المصطلح ووضوحه صار لا يطلق على كثير من أصحاب المقالات، ولهذا لما سئل الإمام مالك ﵀: ما هي السنة؟ قال: هي ما لا اسم له سوى السنة.
أي: الطائفة الذين ليس لهم اسم غير السنة، أو المنهج الذي ليس له اسم غير السنة، ثم تلا قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام:١٥٣]، ولما سئل الإمام مالك رحمه الله تعالى عن أهل السنة قال: أهل السنة الذين ليس لهم لقب يعرفون به؛ لا جهمي، ولا قدري، ولا رافضي.
فأهل السنة لا ينتمون إلى أحد غير رسول الله ﷺ .
وأهل السنة غير محتاجين إلى اسم، فالذي يحتاج إلى اسم هو الذي يشذ عن الأصل، وهو الذي يعرف باسم رافضي، أو جهمي، أو قدري، أو جبري، وهكذا، فالذي يدعى بلقب معين هو الذي طرأ على الأصل، أما الأصل فلا يميز باسم؛ لأنه لم ينشق عن غيره، وإنما انشق عنه مخالفوه، فأهل السنة هم الأصل الذي انشق عنه كل المخالفين، والمخالف هو الذي سرعان ما يشتهر ببدعة حينما يتنكب السبيل، والأصل لا يحتاج إلى سمة خاصة تميزه، وإنما الذي يحتاج لاسم ومدلول هو الفرع المنشق، وأهل السنة هم أصحاب الطريقة الوسط، السائرون على الصراط المستقيم، المخالفون لأهل البدع.
стр. 1358
نشأة اسم أهل السنة والجماعة
قد يتبادر إلى الذهن أن هذا أمر ليس له أهمية كبيرة، لكن حينما نتأمل الخبط الذي يحصل من بعض أعداء أهل السنة والجماعة نحس بخطر الكلام عن هذا الأمر، فمسألة ابتداء التسمية بذلك بحث له أهمية كبرى؛ لأن بعض الناس يتحدثون عن مذهب السنة وكأنه فرقة أو طائفة في الإسلام كسائر الفرق.
فنحن الآن نناقش نشأة الاسم، وليس المسمى وهو مذهب أهله، وذلك لأن هذا هو الإسلام، فالسنة والجماعة هو الإسلام الذي نزل على محمد ﷺ ، فلو قيل: متى تأسس المنهج السلفي؟ قلنا: يوم نزل جبريل على رسول الله ﵊ في غار حراء وقال له: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق:١] هذه هي بداية التاريخ، وإن شئت فعد به إلى إبراهيم، وإن شئت فعد به إلى نوح وإلى آدم عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام، فالمذهب قائم، وهو الأصل بلا شك، لكن متى اشتهرت هذه التسمية؟ إن الكثير من الناس في هذا الزمان يحلو لهم الكلام على السنة كما يتحدثون عن أي فرقة أخرى، ويقولون: نشأت في كذا وكذا، أو: في القرن كذا.
وكأنها فرقة من الفرق لها بداية زمنية محددة.
فمثلاً: هذا زكي نجيب محفوظ، الفيلسوف الهرم الذي أفنى حياته في الصد عن سبيل الله ﵎ يدعي أن السنة فرقة أو طائفة طرأت في التاريخ، وليست هي الأصل والجذر لهذا الدين، وهناك الدكتور مصطفى الشكعة في كتابه (إسلام بلا مذاهب)، يتحدث عن السنة ويقول: إن تسمية جمهرة المسلمين بأهل السنة متأخرة، يرجع تاريخها إلى القرن السابع الهجري يعني: بعد الإمام أحمد -وهذا كلامه- بأربعة قرون.
ولعله قال ذلك ليشير إلى شيخ الإسلام ابن تيمية، كما يحلو لكثير من الناس ادعاء أن هذا المنهج تأسس في القرن السابع، ثم أحياه الوهابيون بعد ذلك في القرن الثاني عشر.
وهذا من التضليل ومن المجازفة.
وبعض الناس ينسبون المذهب إلى الإمام أحمد فيقولون: إن أهل السنة هؤلاء أسس مذهبهم الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله تعالى-/ وبعضهم ينسبون بداية المذهب إلى أبي الحسن الأشعري، وهؤلاء قد أخطئوا في الفهم؛ لأن السبب في بروز اسم الإمام أحمد أو الإمام أبي الحسن الأشعري ﵏ هو أن هؤلاء كان لهم دور تاريخي بارز جداً في الفترة التي عاشوا فيها، وتصدوا لأهل البدع الذين ضلوا في مسائل الاعتقاد، فلأجل ذلك اشتهرت تسميتهم واقترانهم بمذهب أهل السنة، فهم ليسوا مؤسسي المذهب، فالإمام أحمد تقبل المحنة لأن إخوانه من أهل العلم كانوا قد قبضوا وتوفوا، كالإمام الشافعي والإمام أبي حنيفة والإمام مالك، فهؤلاء لم يدركوا المحنة، وأدركها الإمام أحمد، فانتصر هو ودافع عن السنة ودافع عن العقيدة أمام أهل البدع، وابتلي في ذلك، واشتهر حتى اقترن به اسم المذهب، لكنه ليس هو مؤسس المذهب.
وإذا ألغينا ابن تيمية من التاريخ الإسلامي تماماً فهل سيضيع مذهب أهل السنة والجماعة؟ لن يضيع، فـ ابن تيمية نفض التراب عنه فقط، ذكر الناس به بعدما فرضت عليهم السياسة مذهب الأشاعرة وأنستهم مذهب أهل السنة، وكانوا يضطهدون أهل السنة، فـ ابن تيمية نفض الغبار فقط ليعود المعدن الأصيل نقياً صافياً بلا شوائب ولا معكرات.
وتجد أن الموسوعة الميسرة في المذاهب والأديان المعاصرة نهج أصحابها نفس المنهج، حيث يتكلمون عن منهج أهل السنة والجماعة أو المنهج السلفي على أنه شيء طرأ على التاريخ الإسلامي، وليس هو أصل دين الإسلام الذي ربى عليه رسول الله ﷺ أصحابه رضي الله ﵎ عنهم.
وقد حاول بعض الناس -أيضاً- أن يدعو إلى التقريب بين السنة والشيعة، فألف كتاباً سماه (لا سنة ولا شيعة) ومعنى ذلك أنه لا دين ولا إسلام؛ لأنه يريد التقريب فيظن أن السنة مذهب، والشيعة مذهب فقال: لا سنة ولا شيعة.
كلا! كيف لا سنة والسنة هي الدين الصحيح؟! يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: وطريقتهم -أي: طريقة أهل السنة- هي دين الإسلام، لكن لما أخبر النبي ﷺ : أن أمته ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة صار المتمسكون بالإسلام المحض الخالص عن الشوب هم أهل السنة والجماعة.
إذاً حصل التمييز بالاسم، فالأصل هو اسم الإسلام، لكن حصل التمييز باسم أهل السنة والجماعة لما ظهر أهل البدع والانحراف، لكن المنهج موجود وهو دين الإسلام، فمنهج أهل السنة والجماعة هو دين الإسلام الصحيح الذي نزل على رسول الله ﷺ .
فحصل التمييز بالاسم لما حدث الافتراق الذي أخبر النبي ﷺ عنه، كخروج الخوارج والشيعة ونحوهم.
يقول الدكتور مصطفى حلمي حفظه الله: إن أهل السنة والجماعة هم الامتداد الطبيعي للمسلمين الأوائل الذين تركهم رسول الله ﷺ وهو عنهم راض.
والإمام عبد الله بن محمد بن حبان توفي سنة أربع وثلاثين وأربعمائة، والإمام أبو ذر الهروي توفي سنة أربع وثلاثين وأربعمائة، وكل منهما له كتاب اسمه: (السنة)، فكانوا يصنفون كتباً في العقيدة تحت اسم السنة؛ لشيوع هذا المصطلح في زمانهم.
قال: ومحمد بن سيرين توفي سنة عشر ومائة من الهجرة، يقول: لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم.
إذاً هذا ابن سيرين في بداية القرن الثاني وأواخر القرن الأول يقول: فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم.
فكان هناك تمييز بين أهل السنة وبين أهل البدع في أواخر القرن الأول، فهذا كان هو الاصطلاح السائد قبل أن يخلق أبو حنيفة ومالك والأشعري وأحمد والشافعي وابن تيمية، وغيرهم من أئمة الإسلام.
وفي رسالة المأمون العباسي إلى نائبه على بغداد إسحاق بن إبراهيم الخزاعي -وكان كتب تقريراً في الإمام أحمد بن حنبل - يقول: نسبوا أنفسهم إلى السنة أهل الحق والجماعة.
فهذه كلها تشير إلى أن المنهج لا يسأل عن ابتدائه، لكن شاع استعمال كلمة أهل السنة حينما تفرقت الأمة، كما أخبر بذلك النبي ﵌.
стр. 1359
مفهوم الجماعة
كذلك نجد لفظ الجماعة يعني موافقة الحق على وجه العموم، كما قال ابن مسعود: (الجماعة ما وافق الحق وإن كنت وحدك)، ثم نجد أن كلمة الجماعة خصت -أيضاً- بمسائل العقيدة التي انحرف فيها المبتدعة، فمن ذلك -مثلاً- قول أبي حنيفة ﵀: الجماعة أن تفضل أبا بكر وعمر وعلياً وعثمان، ولا تنتقص أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ ، ولا تكفر الناس بالذنوب، وتصلي على من يقول: لا إله إلا الله وخلف من يقول: لا إله إلا الله، وتمسح على الخفين إلخ.
فذكر أشياء اختص بها أهل السنة دون أهل البدع، رغم أن السنة ليست فقط هذه الأشياء، والعقيدة ليست فقط هذه الأشياء، لكنه ذكر أهم الأشياء التي تميز أهل السنة عن أهل البدع الذين كان يتكلم في شأنهم، فيقول: الجماعة أن تفضل أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً.
لماذا؟ لأن أهل البدع خالفوا في ذلك، ولا تنتقص أحداً من أصحاب رسول الله، وذلك لأن هؤلاء خالفوا في ذلك، فيراد بكلمة الجماعة أحياناً التميز العقائدي عن أهل البدع في بعض هذه القضايا الخاصة.
وكما عرف الإمام أبو حنيفة الجماعة ببعض أصولها نجد شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى -أيضاً- يجعل الالتزام بمصادر التلقي عند أهل السنة هو الفيصل بين أهل السنة والجماعة وبين من عداهم، فيقول شيخ الإسلام ابن تيمية: فمن قال بالكتاب والسنة والإجماع كان من أهل السنة والجماعة.
فهنا نظر شيخ الإسلام من زاوية أخرى، وهي الالتزام بمصادر التلقي المعتبرة عند أهل السنة والتي يهدرها غيرهم من المبتدعة، ويقول شيخ الإسلام: فمن قال بالكتاب والسنة والإجماع كان من أهل السنة والجماعة؛ لأن الجماعة هي الاجتماع وضدها الفرقة، وهم يَزنُون بهذه الأصول الثلاثة جميع ما عليه الناس من أقوال وأعمال مما له تعلق بالدين.
ولما كان من أصول أهل السنة والجماعة لزوم الجماعة وترك قتال الأئمة، بخلاف أهل الأهواء الذين يرون القتال للأئمة من أصول دينهم وجدنا من يفسر الجماعة بأنها جماعة المسلمين إذا اجتمعوا على إمام، ومنه ما جاء في الحديث: (تلزم جماعة المسلمين وإمامهم)، ومنه ما رواه الطبري بسنده أن عمر بن حريث سأل سعيد بن زيد فقال: فمتى بويع أبو بكر؟ قال: (يوم مات رسول الله ﷺ كرهوا أن يبقوا بعض يوم وليسوا في جماعة)، فهنا جاء التعبير عن الجماعة بالوحدة السياسية واجتماع المسلمين على الخليفة أو أمير المؤمنين.
ومن أصول أهل السنة الاعتصام بحبل الله جميعاً، وعدم التفرق والتنازع، روى البخاري عن علي ﵁ قال: (اقضوا كما كنتم تقضون، فإني أكره الاختلاف حتى يكون الناس جماعة) وقوله: (فإني أكره الاختلاف) أي: الخلاف الذي يؤدي إلى النزاع والفرقة (حتى يكون الناس جماعة) وبهذا المعنى سمي العام الذي تنازل فيه الحسن لـ معاوية ﵄ عن الخلافة سمي بعام الجماعة، لاجتماع الناس وانقطاع الحرب.
стр. 1360
سبب تسمية أهل السنة بالجماعة
أما سبب تسمية أهل السنة بالجماعة فيقول الإمام عبد القاهر البغدادي ﵀: إن أهل السنة لا يكفر بعضهم بعضاً، وليس بينهم خلاف يوجب التبري والتكفير، فهم -إذاً- أهل الجماعة القائمون بالحق، والله تعالى يحفظ الحق وأهله، فلا يقعون في تنابذ وتناقض، وليس فريق من فرق المخالفين إلا وفيهم تكفير بعضهم لبعض، وتبري بعضهم من بعض، كالخوارج والروافض والقدرية، حتى اجتمع سبعة منهم في مجلس واحد فافترقوا عن تكفير بعضهم بعضاً، وهذه علامة بارزة جداً للفرق المخالفة لأهل السنة والجماعة، فتجد أن الفرقة الواحدة قد تتشعب منها عشر فرق، وكل فرقة تكفر الأخرى وتلعنها، وتوجب التبرؤ منها، وأن من لم يتبرأ منها فهو كافر، وهذه من أعظم المميزات لأهل البدع عن أهل الحق والسنة، فأهل السنة مهما اختلفوا فإنهم ما داموا محافظين على الضوابط الشرعية -لا يكفر بعضهم بعضاً، ولا يوجب بعضهم التبري من بعض.
وخلاصة القول أن الجماعة تعني الحق من الاعتقاد، أو أصحاب الاعتقاد الحق، وقد يعبر عن معنى الجماعة بأصل من أصولها، كما قال بعضهم: الجماعة أن تفضل أبا بكر وعمر.
وهذا أصل من أصول الجماعة فقط، وإلا فهي تعني كل مسائل العقيدة وإطلاقها على الاعتقاد الحق، كقولهم: الشذوذ عن الإجماع يعتبر مفارقة للجماعة.
كمن شذ عن الجماعة وأباح الغناء مثلاً، فهذا يعتبر شذوذاً وخروجاً عن الجماعة، أي: خروجاً عن الاعتقاد الحق.
стр. 1361
مفهوم السنة
السنة: هي الطريقة أو السيرة، حميدة كانت أو ذميمة، ومن استعمال السنة لهذا المعنى اللغوي العام قوله ﵊: (من سن في الإسلام سنة حسنة ومن سن في الإسلام سنة سيئة)، وتطلق السنة ويراد بها السيرة الحميدة المستقيمة، يقال: فلان من أهل السنة، أي: من أهل الطريقة المستقيمة المحمودة.
أما في الشرع فتطلق السنة على عدة معان: منها: أنها تطلق على سيرة الرسول ﷺ ، وعند المحدثين: هي ما أثر عن النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير أو صفة، وعند الفقهاء: السنة ما ليس بواجب.
أي: طلب فعله طلباً غير جازم، بحيث يثاب فاعله ولا يأثم تاركه، وتسمى: الإحسان، والنافلة، والندب، والمستحب، والسنة، هذا عند الفقهاء.
وتطلق -أيضاً- على ما يقابل البدعة، كما قال الحافظ ابن حزم ﵀: وأهل السنة الذين نذكرهم أهل الحق، ومن عداهم فأهل البدعة.
ولا يعنينا الآن تتبع تلك الاصطلاحات، إنما الذي يعنينا أن نعرف بمصطلح السنة أو أهل السنة كدلالة على اتجاه معين في الاعتقاد.
يقول الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: السنة طريقة النبي ﷺ التي كان عليها هو وأصحابه، السالمة من الشبهات والشهوات.
ثم صار في عرف كثير من العلماء من أهل الحديث وغيرهم أن السنة عبارة عما سلم من الشبهات في الاعتقادات، خاصة في مسائل الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وكذلك مسائل القدر وفضائل الصحابة ﵃.
وصنفوا في هذا العلم تصانيف سموها كتب السنة، وخص هذا الاصطلاح السنة بأمور العقيدة؛ لأنها أهم فقه من الدين وأهم جزء من الدين، ولذلك صنف كثير من العلماء -خاصة في القرون الأولى- مصنفات تحت اسم السنة، وليس فيها إلا مسائل الاعتقاد، كالسنة لـ ابن أبي عاصم والشريعة للآجري، وهكذا، وإنما قصد هذا العلم باسم السنة لأن خطره عظيم، والمخالف فيه على شفا هلكة.
وتطلق السنة على ما كان عليه السلف الصالح في مسائل الإمامة والتفضيل، مسألة من أولى بالإمامة من غيره، والكف عما شجر بين الصحابة ﵃، وهذا من الإطلاق للسنة على بعض مسمياتها، كما يقال: تسمى الصلاة إيماناً، والطهور إيماناً، فيطلق اسم الإيمان على جزئياته، وكذلك السنة تطلق على بعض مسمياتها؛ لأنهم يريدون بمثل هذا الإطلاق التنبيه على أن المسمى ركن أعظم وركن أكبر، كقوله ﷺ : (الحج عرفة)، لكن هل الحج عرفة فقط؟ أي: هل الواجب الوحيد في الحج أو الركن الوحيد هو عرفة؟ كلا، فهناك أشياء كثيرة غير وقفة عرفات، لكن المقصود أن هذا أهم أركان الحج.
أو لأنه الوصف الفارق بينهم وبين غيرهم في الاعتقاد، فهو الذي يميز أهل السنة عن غيرهم من أهل البدع.
وقد كان الصحابة رضي الله ﵎ عنهم مقتدين بالنبي ﷺ مهتدين بهديه، وقد جاء مدحهم في القرآن الكريم، وأثنى عليهم رسول الله ﷺ الذي كان خلقه القرآن، فالقرآن هو المتبوع حقيقة، فحينما نقول: أهل السنة، أو: سنة النبي ﵊ نجملها بقول عائشة: (كان خلقه القرآن)، فالسنة هي المبينة لكتاب الله ﵎، لكن النبي ﷺ كان خلقه القرآن، فالمتبوع في الحقيقة هو القرآن، لكن السنة تأتي كمذكرة تذكيرية لما في القرآن، وقد تأتي -أيضاً- بأحكام مستقلة، فمن اتبع السنة اتبع القرآن، والصحابة كانوا أولى الناس بذلك، فكل من اقتدى بهم فهو من الفرقة الناجية التي روي في صفتها: (ما أنا عليه اليوم وأصحابي)، وهم المقصودون في رواية أخرى مفسرة، وهي قوله ﵊: (وهم الجماعة) لأن الجماعة في وقت الإخبار كانوا على ذلك الوصف، وقد قال ابن مسعود ﵁: (الجماعة ما وافق الحق وإن كنت وحدك)، وقال أبو شامة: حيث جاء الأمر بلزوم الجماعة فالمراد به لزوم الحق واتباعه، وإن كان المتمسك بالحق قليلاً والمخالف له كثيراً؛ لأن الحق هو الذي كانت عليه الجماعة الأولى من عهد النبي ﷺ وأصحابه، ولا نظرة إلى كثرة أهل الباطل بعدهم.
فلفظ السنة -كما ذكرنا- ينبئ عن اتباع القرآن في شخص رسول الله ﵊ الذي كان خلقه القرآن، وأيضاً لفظ السنة يتناول العبادات والاعتقادات، ثم خصت بالقسم الأهم وهو العقيدة، لاسيما المسائل التي شذ فيها أهل البدع.
فالسنة أساساً هي طريقة النبي ﷺ التي تبين معاني القرآن، ثم السنة هي طريقة الصحابة الذين مدحهم القرآن والسنة وطبقوهما تطبيقاً عملياً، ثم السنة تشمل بعد ذلك العبادات والاعتقادات، ثم خصت بالاعتقادات؛ لأنها أشد خطراً من العبادات، ومما يميز أهل السنة الاعتقادات التي شذ فيها أهل البدع عن أهل السنة، فامتاز بها أهل السنة والجماعة، مثل: السنة والشيعة؛ لأن هذا الاصطلاح يراد به التمييز بين موقف كلا الفريقين من الصحابة ومن الأئمة.
стр. 1362
اللحية لماذا ؟
إعفاء اللحية من خصال الفطرة التي يشترك فيها كل البشر، ولم يشذ عن ذلك إلا من مُسخت فطرته، أو قلد من مسخت فطرته، وقد كان جميع الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام ذوي لحى، وكذلك أتباعهم كانوا ذوي لحى، ولم ينتشر حلق اللحى إلا في الأزمنة المتأخرة، وقد تكاثرت الأدلة على وجوب إعفاء اللحية وحرمة حلقها أو تقصيرها.
стр. 1363
حكم إعفاء اللحية وأدلة ذلك
الحمد لله معز من أطاعه واتقاه، ومذل من أضاع أمره وعصاه، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه الذين كان هواهم تبعاً لهداه.
أما بعد: فإن من عادة الناس أنهم إذا تهيئوا لخطر فإنهم يستعدون له، ويأخذون له عدته ويتأهبون لمواجهته، فمثلاً: من أصابه سم أو لدغته عقرب أو حية فإنه يسارع إلى تناول ما يضاد هذا السم؛ كي يتلافى خطره، والناس في حالة الحروب إذا خشوا القذائف الكيماوية فإنهم يتأهبون بالأقنعة الواقية ضد هذه الغازات السامة وغير ذلك، ونحن في هذه الأيام نعيش في جو أشد تسمماً، فنحن نعيش في المحنة التي يمر بها الإسلام، والحملة الشيطانية الخبيثة التي تستهدف صد الناس عن دين ربهم ﵎، والتي تطلق بين الحين والآخر قنابل الدخان كي يتم الزحف تحت هذه الستائر الدخانية، فإن كثيراً من الملاحدة والزنادقة الذين يخرجون من جحورهم في هذه المحن وفي ظل هذه الظروف الصعبة، ومن وراء هذا الشر؛ يتفوهون في وسط هذا الجو الملتهب بعبارات لا يمكن أبداً أن يجرءوا على أن ينطقوا بها في الجو العادي، لكن في وسط هذه الحملة المستعرة يستغلون ما يحصل من الفتن التي تجري في هذه الأيام، فهؤلاء من الملاحدة والزنادقة يسيرون بهذه السموم والشبهات، ويطعنون في الدين حتى صار الإسلام نفسه الآن في عرف القوم مرادفاً للإرهاب، وصار المسلمون هم الأصوليين والمتطرفين والإرهابيين فحسبهم الله ونعم الوكيل! ونحن دائماً محتاجون إلى أن نتسلح بالأدلة؛ حتى نكون على بصيرة من ديننا وعلى يقين مما نحن عليه من الحق بإذن الله ﵎.
ومن القضايا التي نحتاج إلى تجديد العهد بها، خاصة وقد مر زمان طويل دون أن نتكلم فيها، هي قضية حكم إعفاء اللحية، وأدلة ذلك.
نحن نتعرض لكثير من الضغوط في هذه الأيام من كل جانب، من الحملات الإعلامية، من الأسر في البيوت، من الآباء خوفاً على أبنائهم، وربما يستجيب كثير من الناس تحت وطأة هذه الضغوط إلى هذا الأمر، فيترخصون بدون عذر في مثل هذا الأمر.
إن قضية اللحية في الحقيقة ليست مجرد شعيرات، لكن اللحية هي شعيرة من شعائر الإسلام، وسوف نرى من خلال الأدلة التي نبسطها اليوم إن شاء الله تعالى باختصار أن هذه القضية ليست بالسهولة التي يتخيلها كثير من الناس بأنها مجرد شعيرات، وقد يتفلسف بعضهم فيقول: المهم مراعاة الشعور وليس تربية الشعور، وما إلى ذلك من العبارات المنمقة، التي يصدون بها الناس عن حكم الله ﵎ في هذه المسألة، فعلى غرار ما تكلمنا من قبل بشيء في موضوع الحجاب تحت عنوان: الحجاب لماذا؟ كذلك أيضا ًنتناول هذه القضية على نفس هذا الغرار: اللحية لماذا؟ أو لماذا نعفي لحانا؟
стр. 1364
أدلة إعفاء اللحية وحرمة حلقها أو تقصيرها
إن إعفاء اللحية طاعة لله وطاعة لرسول الله ﵌، وقد قال الله ﵎: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ﴾ [الأحزاب:٣٦]، وتأمل وصف الإيمان؛ لأن المؤمن هو الذي من شأنه أن يستجيب لحكم الله ورسوله فقوله: (وَمَا كَانَ) يعني: ما ينبغي أبداً ﴿لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦].
وقال : ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣].
في الآية الأولى قال: ﴿إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا﴾ [الأحزاب:٣٦]، وفي الآية الثانية: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور:٦٣] فمما أمر به رسول الله ﵌ إعفاء اللحى.
فقد روى ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: (أن النبي ﷺ أمر بإحفاء الشوارب وإعفاء اللحية) رواه مسلم.
وهذا الأمر ورد بصيغ متعددة كلها تدل على ترك اللحية على حالها مثل قوله ﵌: (أعفوا اللحى) (أوفوا اللحى) (أرخوا اللحى) (أرجوا اللحى) (وفروا اللحى)، فهذه كلها أوامر متنوعة تؤدي إلى غرض واحد.
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : (جزوا الشوارب وأرخوا اللحى وخالفوا المجوس) رواه مسلم أيضاً.
(جاء رجل من المجوس إلى النبي ﵌ وقد حلق لحيته وأطال شاربه، فقال له النبي ﷺ : ما هذا؟! قال: هذا ديننا -يعني: هذا ديننا معشر المجوس- فقال رسول الله ﷺ : لكن في ديننا أن نحفي الشوارب وأن نعفي اللحية).
وأخرج الحارث بن أبي أسامة عن يحيى بن كثير قال: (أتى رجل من العجم المسجد وقد وفر شاربه وجز لحيته، فقال له رسول الله ﷺ : ما حملك على هذا؟! فقال: إن ربي أمرني بهذا -يعني: كسرى- فقال رسول الله ﷺ : إن الله أمرني أن أوفر لحيتي وأحفي شاربي).
.
(ولما كتب رسول الله ﵌ كتابه إلى كسرى يدعوه إلى الإسلام وبعث به عبد الله بن حذافة ﵁ دفعه عبد الله إلى عظيم البحرين، ودفعه عظيم البحرين إلى كسرى، فلما قرأه كسرى مزقه، فدعا عليهم رسول الله ﷺ أن يمزقوا كل ممزق، وبعد أن شق كتاب رسول الله ﷺ كتب كسرى إلى باذان -وهو عامل كسرى على اليمن- أن ابعث إلى هذا الرجل الذي في الحجاز رجلين جلدين قويين يأتياني به -يعني: يأسران الرسول ﵊ ويحضرانه إلى هذا الخبيث كسرى لعنه الله- فبعث باذان قهرمانه وهو بابويه مع رجل آخر من الفرس فجاءا حتى قدما المدينة على رسول الله ﷺ ، ولما دخلا عليه ﷺ وقد حلقا لحاهما وأعفيا شواربهما كره رسول الله ﷺ النظر إليهما وقال: ويلكما من أمركما بهذا؟ قالا: أمرنا بهذا ربنا -يريدان كسرى- فقال رسول الله ﷺ : ولكن ربي أمرني بإعفاء لحيتي وقص شاربي، وقال لهما رسول الله ﷺ : إن ربي قتل ربكما الليلة -سلط عليه ابنه شيرويه فقتله- فرجعا حتى قدما على باذان) إلى آخر الحديث، وهذا الحديث رواه ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى، وحسنه الألباني.
فظهر من هذه القصة كيف كره النبي ﷺ النظر إلى ذينك الرجلين، ولا شك أن هذا يحمل كل مؤمن صادق في إيمانه واتباعه لرسول الله ﷺ ألا يفعل فعلاً يتأذى منه رسول الله ﵌.
ونحن إذا تأملنا أحوال الجماعات الوطنية والأحزاب السياسية والفرق الرياضية والفنية وغير ذلك من هذه التجمعات نرى كل واحد منهم يجتهد في إرضاء قائده وزعيمه، ويتبعه في سيرته ولباسه وهيئته، ولا يأتي بفعل يؤذيه، والعجب كل العجب ممن يحلقون لحاهم كيف ينتسبون إلى رسول الله ﷺ ، مع أنهم يرتكبون فعلاً يتأذى منه رسول الله ﵌، دون أن يجدوا في أنفسهم أدنى حرج من ذلك؟! هناك قصة حكيت عن رجل من الشعراء تأثر رجل فارسي بكلامه في الحكمة والمعرفة، واعتقد أن صاحب هذه الأشعار رجل عظيم في دينه، قد زكى روحه وجسده، فسافر من بلده إليه كي يراه، فلما وصل إلى باب هذا الشاعر المشهور رآه وهو واقف يحلق لحيته، فقال له مستنكراً ومتعجباً: يا سبحان الله! أتحلق لحيتك؟! فقال الشاعر متفلسفاً: نعم، أحلق لحيتي، ولكني لا أجرح قلب أحد.
يعني: أجرح وجهي بالموسى، لكن لا أجرح قلوب الناس، فرد عليه الرجل الفارسي بالبداهة: بل إنك تجرح قلب رسول الله ﷺ ، فلما سمع الشاعر ذلك غشي عليه، فلما أفاق قال بالفارسية شعراً معناه: جزاك الله خيراً لقد فتحت عيني، وأوصلتني إلى روح قلبي.
على أي الأحوال فإن إعفاء اللحية طاعة، والطاعة تكون لأمر، والأمر هو أمر الله وأمر رسول الله ﷺ ، وأتينا بالأحاديث التي فيها: (أمر رسول الله ﷺ بإعفاء اللحية) ثم بالأحاديث التي فيها نفس الأمر: (اعفوا)، (أوفوا)، (أرخوا)، (أرجوا)، (وفروا).
ثم نقول: إن صيغة الأمر تدل على وجوب امتثال هذا الأمر، بحيث يثاب فاعله ويعاقب تاركه، وعلى الجهة المقابلة فحلق اللحية يعد معصية محرمة، فقد قال الله ﵎: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب:٣٦]، وقال : ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن:٢٣].
وتقدم أمره ﵌ بإعفاء اللحى، ومخالفة هذا الأمر معصية محرمة يقول : ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧]، وقال ﷺ : (ما نهيتكم عنه فاجتنبوه) متفق عليه.
والأمر بإعفاء اللحى وتوفيرها يستلزم النهي عن حلقها، وعن تقصيرها حتى تكون أقرب إلى الحلق، وهذا أمر مهم جداً لابد أن نلحظه، المعصية ليست فقط بحلق اللحية، بل تقصير اللحية في حد ذاته معصية؛ لأن هذا هو الذي كان يفعله المجوس، فقد كانوا يقصون لحاهم، ولذلك أتى الأمر بمخالفتهم، فمن يقصر لحيته ومن يحلقها فكلاهما مخالف لأمر النبي ﵇.
والقاعدة تقول: إن الأمر بالشيء نهي عن ضده، إذا أمرت بالسكوت فهو نهي عن الكلام، وإذا أمرت بالقيام فهو نهي عن القعود، فكذلك إذا أمرت بإعفاء اللحية فهو يتضمن أو يستلزم النهي عن ضده وهو حلقها أو تقصيرها.
يقول ﵌ أيضاً في الحديث: (لا تنتفوا الشيب فإنه نور المسلم)، وهذا حديث حسن.
قوله: (لا تنتفوا الشيب) أي: الشعرات البيضاء، ولا فرق في نتف الشيب، سواء كان في اللحية أم في الرأس، ولذلك جاء عن أنس ﵁ قال: (يكره أن ينتف الرجل الشعرة البيضاء من لحيته ورأسه) رواه مسلم.
فالذي يحلق لحيته قد أزال الشعر الأبيض والأسود، فإذا كان الرسول ﷺ قد نهى أن ينتف الرجل الشعرات البيضاء من لحيته أو من رأسه، فالذي يحلق لحيته قد أزال الشعر الأسود فضلاً عن الأبيض الذي هو نور المسلم، وقد روي أن عمر رضي الله تعالى عنه وابن أبي ليلى ردا شهادة من كان ينتف لحيته.
وقال الغزالي والنووي عليهما الرحمة: ونتفها -يعني: اللحية- في أول نباتها تشبه بالمرد، ومن المنكرات الكبار.
والمرد جمع أمرد، وهو الغلام الذي طر شاربه وبلغ بروز لحيته ولما تبد.
стр. 1365
إعفاء اللحية سنة وطريقة محمدية
إن إعفاء اللحية سنة محمدية، فقد قال الله : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:٢١]، وقال : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء:٦٤].
وقال ﷺ : (وخير الهدى هدى محمد ﷺ رواه مسلم.
وثبت في صفته الخلقية ﷺ أنه كان كث اللحية عظيمها، فعن أنس ﵁ قال: (كانت لحيته ﷺ قد ملأت من هاهنا إلى هاهنا، وأمر يده على عارضيه).
وكان الصحابة رضي الله تعالى عنهم يعرفون أنه ﷺ يقرأ في الظهر وفي العصر باضطراب لحيته، ينظرون إليه من الخلف وهو يصلي، وذلك عندما سئلوا (بم كنتم تعرفون قراءته؟ قالوا: باضطراب لحيته) يعني: باهتزازها، وهذا الحديث في صحيح البخاري.
(وكان ﵌ إذا توضأ أخذ كفاً من ماء فأدخله تحت حنكه فخلل به لحيته)، وهذا يدل على عظم لحيته ﵊ بحيث أنه يحتاج إلى تخليلها.
والأحاديث في ذلك كثيرة كلها تؤكد أنه ﵌ كان عظيم اللحية، فيا عجباً! ممن يدعون حبه ﷺ ثم هم لا يحبون صورته، بل يفضلون عليه صورة أعدائه! والله ﵎ يقول: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران:٣١].
تجد الناس يتناقلون كلاماً لا يفقهون معناه، ويقولون: اللحية سنة، نعم هي سنة لكن بالمعنى اللغوي: الطريقة، أي: طريقة النبي ﵊، كما تقول: صلاة الجمعة سنة، يعني: طريقة الرسول ﷺ ، لكن ما حكمها من حيث الأحكام الخمسة التكليفية الخمسة؟ هي من حيث الأحكام الخمسة واجبة؛ لأمر رسول الله ﷺ ، وللأدلة التي سوف نذكرها.
يقول : ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١].
فالمحبة التي لا تضطر صاحبها إلى اتباع المحبوب والتشبه به ادعاء للمحبة، وليست بمحبة حقيقية، وقد قال بعض الصحابة رضي الله تعالى عنه: (بينما أنا أمشي بالمدينة إذا إنسان خلفي يقول: ارفع إزارك فإنه أتقى وأنقى، فالتفت فإذا هو رسول الله ﷺ -يعني: أتقى لربك وأنقى لثوبك حتى لا يتسخ- فقلت: يا رسول الله! إنما هي بردة ملحاء -يعني: هذه الثياب التي ألبسها ثياب رثة أو رخيصة، لا يخشى منها أن يكون هناك كبر أو خيلاء حتى يراعى فيها الاتقاء والإنقاء- فقال له ﵊: أما لك في أسوة؟! قال: فنظرت فإذا إزاره إلى نصف ساقيه ﵌ وهذا الحديث حسن لغيره.
فيا حالق اللحية! ماذا يكون جوابك إذا أخذت تسرد المعاذير لرسول الله ﷺ وهو يقول لك: (أما لك في أسوة؟)؟! إذا كان إعفاء اللحية سنة رسول الله ﵌ وطريقته فعلى هذا يكون حلق اللحية تطرفاً وانحرافاً عن هديه ﵊، وخير الهدي ﵌.
ففي الحقيقة هؤلاء المحاربون لدين الله والصادون عن سبيل الله والمشنعون على أهل طاعة الله هم المتطرفون كما ذكرنا ذلك من قبل مراراً؛ لأن معنى التطرف: هو الأخذ بأطراف الأمور، إما إلى الإفراط أو التفريط، إما إلى الغلو وإما إلى الجفاء، فكلاهما انحراف عن القسط والوسط والاعتدال الذي هو خاصية هذه الأمة: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:١٤٣].
فهذا هو الاعتدال، فنحن اختلفنا معهم في حد الوسط، وحد الاعتدال، فنحن نرفع عقيدتنا دائماً بهذا الشعار المقدس: (خير الهدي هدي محمد ﷺ ، لا يمكن أن يكون هناك هدي أحسن وخير من هديه ﵊؛ لأن هدي محمد ﷺ هو خير الهدي.
فكل ما شرعه رسول الله ﵊ أو أمر به أو تكلم فيه من أمور الدين، فنجزم جزماً قاطعاً -ولو خالفنا من على ظهر الأرض قاطبة- أن هذا هو الاعتدال، وأن الانحراف عنه يمنة أو يسرة هو الانحراف وهو التطرف، يقول الشاعر: وكلا طرفي قصد الأمور ذميم.
إذاً: كل من حاد عن فعل أو أمر أو شأن رسول الله ﷺ فهو المنحرف، سواء كان ذلك في الغلو أو في الجفاء، بالإفراط أو بالتفريط، فهؤلاء هم المتطرفون بحق، فنحن نقولها بكل يقين وبكل قوة: إن هؤلاء المجرمين هم المتطرفون حقيقة، وإن لم يعلموا في الدنيا من المتطرفون فسوف يعلمون حين يردون على ربهم ﵎ من هم المتطرفون؟! والله ﵎ يقول: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠] وهؤلاء يقولون: من يطع الرسول فقد صار متطرفاً، من يطع الرسول فهو إرهابي، من يطع الرسول فهو أصولي، إلى آخر هذه الأسماء التي ما أنزل الله بها من سلطان.
فإذا كانت سنته ﵌ قولاً وفعلاً وصفة هي إعفاء اللحية، كان حلقها إعراضاً عن طريقته المنيفة، ورغبة عن سنته الشريفة، وقد قال ﷺ : (من رغب عن سنتي فليس مني) كما في الحديث المتفق عليه.
وقال ﵊: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) رواه مسلم.
هل أحد من الصحابة أمرنا أن نحلق اللحية أو كان يحلقها؟ لا يعرف الصحابة ولا السلف ولا القرون الأولى حلق اللحية، حتى الخلف لا يعرفون حلق اللحية، وإنما هذه الظاهرة لم تعرف إلا مؤخراً منذ أجيال قريبة جداً؛ لما بدأ الاحتكاك بالإنكليز والفرنسيين الكافرين.
ويقول ﵌ في الحديث الحسن: (ليس منا من عمل بسنة غيرنا) وذكرنا آنفاً الحديث الذي فيه: (أن كسرى لما أرسل رجلين إلى النبي ﷺ ودخلا عليه وقد حلقا لحاهما وأعفيا شواربهما، كره رسول الله ﷺ النظر إليهما، وقال: من أمركما بهذا؟ قالا: أمرنا بهذا ربنا -يعنيان كسرى-، فقال رسول الله ﷺ : ولكن ربي أمرني بإعفاء لحيتي وقص شاربي)، وهذا حديث حسن كما ذكرنا.
كثير من الناس يفتش عن كلمتين: عن كلمة السنة، وكلمة المكروه، كلمة السنة حتى يضيع ويفرط ما يسميه سنة، وكلمة المكروه حتى يرتكب ما هو مكروه! وهذا قلب للأمور في الحقيقة؛ لأن المكروه أحد قسمي الأشياء التي يطلب تركها؛ لأن الأحكام خمسة، وهي ثلاثة أقسام: ما يطلب فعله، وما يطلب تركه، والمخير بين فعله وتركه وهو المباح الذي لا ثواب فيه ولا عقاب.
فالمطلوب فعله هو ما أمر به على وجه الحث واللزوم، بحيث يثاب فاعله ويعاقب تاركه، وهذا هو الواجب والفريضة.
أو ما أمر فعله لا على وجه الحث واللزوم، بحيث يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه، وهذا هو السنة أو الإحسان أو النافلة أو المندوب.
والمطلوب تركه إما حرام وإما مكروه، والمكروه داخل في المطلوب تركه، لكن بعض الناس يقولون: إن بعض المشايخ قالوا: إن الدخان (السجاير) مكروه، إذن ندخن! وبعض الناس يقولون: إن إعفاء اللحية سنة، إذن نحلقها! نقول: إن هذا قلب للأمور، ومن علامات الخذلان؛ لأن التأسي به ﵌ هو المحبوب لله ﵎ في كل الشئون وإن لم يكن واجباً؛ لأن المحب الصادق في المحبة لا ينظر إلى الفرق بين الواجب وبين السنة، بل هو يتبع المحبوب لأجل حبه له، فما بالك إذا كان واجباً كإعفاء اللحية؟!
стр. 1366
إعفاء اللحية فطرة إنسانية
إن إعفاء اللحية فطرة إنسانية تقتضيها الفطرة السليمة؛ فإن الله ﵎ يقول: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم:٣٠]، قوله: (فأقم وجهك) يعني: سدد وجهك واستمر على الدين الذي شرعه الله لك من الحنيفية ملة إبراهيم ﵇، وحافظ على فطرتك السليمة التي فطر الله الخلق عليها، وهي معرفة الله وتوحيده، وتوابع ذلك من خصال الفطرة التي يتجه إليها الإنسان حتى لو لم يرد بها الشرع.
لو أن إنساناً ترك بدون أن تؤثر عليه عوامل البيئة المحيطة به، فإنه سيهتدي بالسليقة وبالفطرة إلى الستر واللباس، ولا يتعرى إلا إذا تأثر ببيئة فاسدة، فتراه يستحسن العري، ولا يشعر تجاهه بأي نفور، فهذا دليل على فساد الفطرة، لكن الإنسان السوي حتى لو لم يعرف عن شرع منزل يأمر مثلاً بقص الأظافر، فإنه بفطرته كإنسان سوف يدرك أن الفرق بين الإنسان وبين الوحوش الكاسرة وذوات المخالب أن يهذب أظافره، وهكذا في سائر خصال الفطرة، سواء الاختتان، أو إعفاء اللحية أو غير ذلك من الخصال، فهذه كلها يهتدي إليها الإنسان بفطرته حتى لو لم يرد شرع، فكيف وقد جاء بها الشرع؟! عن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (عشر من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، والاستنشاق، وقص الأظافر، وغسل البراجم، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء) قال أحد الرواة: (ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة) رواه مسلم.
فخصال الفطرة هي الهيئة التي ابتدأ الله خلق عباده عليها، وغرس في طباعهم فعلها والميل إليها واستحسانها، وجبلهم على النفور مما يضادها، بحيث لو ترك إنسان هذه الخصال لم تبق صورته على صورة الآدميين، وصاحب الفطرة السوية التي لم يطرأ عليها فساد بتأثير البيئة المحيطة يظل مدفوعاً بفطرته إلى كراهية ما في جسده مما ليس من زينته، ومحبة هذه الخصال الجبلية ولو لم يرد بها شرع منزل، فكيف وقد جاءت بها شرائع النبيين؟! لذلك يقول الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى: وأحسن ما قيل في تفسير الفطرة: إنها السنة القديمة التي اختارها الأنبياء، واتفقت عليها الشرائع، فكأنها أمر جبلي فطروا عليه.
إذاً: إذا كان إعفاء اللحية من خصال الفطرة، فإن حلق اللحية تغيير لفطرة الله وتغيير لخلق الله ﵎، يقول الله : ﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم:٣٠] قيل في تفسيرها: هي خبر بمعنى الطلب، يعني: لا تبدلوا خلق الله، ولا تغيروا خلق الله والهيئة التي فطركم الله عليها، وهذه الهيئة هي معرفة الله بتوحيده، وتوابع ذلك من خصال الفطرة.
ولذلك جاء ذكر بعض خصال الفطرة في تفسير قوله ﵎: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة:١٢٤]، فقد ذكروا أن من ضمن هذه الكلمات بعض خصال الفطرة، وقال الله حاكياً عن إبليس لعنه الله قوله: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء:١١٩]، فهذا ما توعد به إبليس بني آدم منذ البداية.
إذاً: هذا نص صريح في أن تغيير خلق الله بدون إذن من الشرع إطاعة لأمر الشيطان، قال: (وَلَآمُرَنَّهُمْ) فالذي يأمر بحلق اللحية أو بتغيير خلق الله هو إبليس، فحالق اللحية مطيع لإبليس فيما يأمر به، فالله لم يأمر بذلك إنما أمر بإعفاء اللحية، وهكذا أمر الرسول أيضاً ﵊، أما الذي يأمر بتغيير خلق الله فهو إبليس.
وقولنا: بغير إذن من الشرع، هذا قيد نضعه حتى لا يعترض معترض ويقول: إن هناك تغييراً في خلق الله أمرنا به الشرع وأوجبه أو استحبه لنا، كالختان فهو تغيير لخلق الله، وكذلك قص الأظافر تغيير لخلق الله ، وكذلك حلق الرأس عند التحلل من الإحرام، وكذلك خصال الفطرة الأخرى، فالتغيير الذي تعبدنا الله به ليس من التغيير المذموم.
أيضاً يقول الله ﵎: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [غافر:٦٤] إشارة إلى الأمر بتحسين الهيئة والتنظيم، كأنه قال: قد فطركم الله في أحسن صورة وأكمل هيئة فلا تضيعوها بما يقبحها ويشوهها، بل حافظوا على هذه الصورة ولا تغيروها عما جبلكم الله عليه، وحافظوا على ما يستمر به حسن هذه الصورة ولا تطيعوا الشيطان في أمره إياكم بتغيير خلق الله، وإذا كان النبي ﵌ قد قال: (لعن الله الواشمات والمستوشمات، والنامصات والمتنمصات، والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله) متفق عليه، فذكر علة اللعن المستدل به على الحرمة في قوله: (المغيرات خلق الله .
فالذي يحلق لحيته هل يحلقها للحسن أم لا يحلقها للحسن؟ بل يحلقها للحسن، فهو يريد أن تكون صورته أجمل، وفي الحقيقة هذا ينافي الفطرة؛ لأن زينة الرجل في اتجاه مخالف لزينة المرأة، المرأة يناسبها التزين بالذهب والأصباغ وغير ذلك من الأشياء، أما الرجل فلا يناسبه ذلك، بل الشيء المناسب لزينة الرجل هو أن يحافظ على رجولته.
ومن زينة المرأة ألا يكون لها لحية في وجهها، أما الرجل فزينته أن يكون ذا لحية، وألا يتزين ويلبس ملابس المرأة، والرجل يستقبح أن يلبس الملابس التي تختص بالنساء، فكما استقبح ذلك فليستقبح أيضاً التزين بحلق اللحية، للأسف الشديد وجد شيء لا يتخيله الإنسان، وهو أن بعض الشباب يتنمصون، وهذا شيء عجيب جداً! إذاً: حالق لحيته للحسن هو أولى بأن يوصف بأنه مغير لخلق الله ، ودخوله في الوعيد من باب أولى؛ لأن المرأة شرع لها من التزين أكثر مما شرع للرجل، وحلق اللحية في معنى النمص الذي هو إزالة شعر الوجه والحاجبين من المرأة للحسن، وهذا في حق الرجل أقبح.
стр. 1367
إعفاء اللحية من سمت الأنبياء والمرسلين
إن إعفاء اللحية من سمت الأنبياء عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام، وذكرنا من قبل في تفسير فطرة الله أنها من سنن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
يقول ﵎: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة:١٢٤] صح عن ابن عباس ﵄ أنه فسر الكلمات التي اختبر الله بها إبراهيم ﵇ بخصال الفطرة.
ودل القرآن العظيم على أن هارون ﵇ كان موفراً شعر لحيته، قال تعالى حاكياً عنه قوله لموسى ﵇: ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي﴾ [طه:٩٤] فلو كان حالقاً لما وقع الأخذ بلحيته.
وقال ﵎ بعدما ذكر في سورة الأنعام جملة من الأنبياء الكرام، ومنهم إبراهيم وهارون ﵉: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام:٩٠] أي: أمر الله الرسول ﵊ أن يقتدي بهؤلاء الأنبياء، ونحن مأمورون بالاقتداء بنبينا ﵊، فكما أن هارون ﵇ كان ذا لحية، فقد أمر الله نبيه ﵊ بأن يقتدي بهارون، وهو داخل في الائتساء به، وأمرنا نحن أن نقتدي بنبينا ﵌، قال الله ﵎: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١].
стр. 1368
إعفاء اللحية سبيل المؤمنين
إن إعفاء اللحية سبيل المؤمنين، يقول الله ﵎: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠].
وقال : ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ [لقمان:١٥].
وقال ﷺ : (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) متفق عليه.
وقال ﵊: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ) فقوله: (عضوا عليها بالنواجذ) كناية عن شدة التمسك بسنة الرسول ﷺ وسنة الخلفاء الراشدين من بعده.
ثم قال: (عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة) وهذا الحديث صحيح.
وقد ثبت عن الخلفاء الراشدين المهديين وغيرهم من الصحابة والتابعين لهم بإحسان أنهم كانوا ذوي لحى كبيرة، فكان أبو بكر ﵁ كث اللحية، وكان عمر كثير اللحية، وكان عثمان كبير اللحية، وكان علي ﵁ عريض اللحية قد أخذت ما بين منكبيه، فهؤلاء أعقل الأمة كلها بإجماع علمائها، ثم بعدهم الأتباع المحسنون والمجاهدون الصادقون الذين أخذوا كنوز كسرى وقيصر، ودانت لهم مشارق الأرض ومغاربها، لم يكن فيهم حالق للحيته، وكل هؤلاء الذين فتحوا العالم ومصروا الأمصار ما عرفوا حلق اللحية.
إذاً: هذا هو سبيل المؤمنين.
ومن دعاء المؤمنين عباد الرحمن قولهم: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان:٧٤] أي: اجعلنا مؤتمين بمن قبلنا؛ كي نصلح لأن يأتم بنا من بعدنا.
ولم ينقل عن أحد من السلف الصالح ﵏ أنه حلق لحيته؛ لعدم جوازه عندهم، ولو كان خيراً لسبقونا إليه، ونحن نقول عكس ما قال المشركون، قالوا في القرآن: ﴿لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ [الأحقاف:١١] قالوا احتقاراً للفقراء والضعفاء: لو كان القرآن والإسلام خيراً ما سبقنا إليه هؤلاء الضعفاء والفقراء والمساكين، أما نحن فنقول في كل أمر يعرض علينا: لو كان خيراً لسبقونا إليه، فلو كان في حلق اللحية خير لسبقنا إليه الصحابة والتابعون والمجاهدون والأئمة في كل زمان ومكان، فالصحابة والسلف لم يتركوا خصلة من خصال الخير إلا وقد بادروا إليها.
يقول الإمام ابن حزم رحمه الله تعالى في مراتب الإجماع: واتفقوا أن حلق جميع اللحية مثلة لا تجوز.
وهذا إجماع يحكيه الإمام ابن حزم.
قوله: مثلة يعني: تشويه، لا تجوز.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: يحرم حلق اللحية ولم يبحه أحد.
فلو فتشت في طول صفحات التاريخ الإسلامي وعرضه لم تجد من أئمة الهدى ومصابيح الدجى من كان يحلق لحيته، وإنما تسربت إلينا هذه الضلالة واستمرأها بعض المسلمين لما اتصلوا بالكفار، حين احتلوا بلادنا أو حين رحل بعضهم إلى بلاد الكفار، فاحتلوا عقولهم، فأعرضوا عن هدي سلفهم الصالح، واتبعوا غير سبيل المؤمنين حذو القذة بالقذة، واشتغلوا بتقليد اليهود والنصارى وعملوا شبراً بشبر وذراعاً بذراع.
والله ﵎ يقول: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الجاثية:١٨] ونحن إذا تتبعنا القرآن الكريم سنجد الشريعة والوحي الإلهي دائماً في مقابلة اتباع الهوى، يقول : ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [القصص:٥٠]، وقال: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤]، ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى﴾ [ص:٢٦] فقوله : (وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) هم كل من خالف شريعته ﷺ ، وهم الذين اتبعوا ما عليه المشركون من هديهم الظاهر، الذي هو من موجبات دينهم الباطل، وتوابع ذلك.
стр. 1369
أمر الشرع بمخالفة الكفار والنهي عن التشبه بهم
ويقول : ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد:١٦]، فقوله : (وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ) هذا نهي مطلق عن مشابهة الكفار.
وقال الحافظ ابن كثير: ولهذا نهى الله المؤمنين أن يتشبهوا بهم في شيء من الأمور الأصلية والفرعية.
إن ترك التشبه بالكفار في أعمالهم وأقوالهم وأهوائهم من المقاصد والغايات التي أسسها القرآن الكريم، وبينها وفصلها رسول الله ﵌، وحققها في أمور كثيرة من فروع الشريعة، في الصلاة والجنائز والصيام والأطعمة واللباس والزينة والآداب والعادات وغيرها.
قال ﵊: (ليس منا من عمل بسنة غيرنا) حتى عرف اليهود أن من خصائص الملة الحنيفية أنهم يتعمدون مخالفة المشركين والكفار من اليهود والنصارى وغيرهم.
اليهود الذين كانوا في المدينة عرفوا ذلك ولاحظوه من أفعال وأقوال النبي ﷺ ، فقالوا: (ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئاً إلا خالفنا فيه!) رواه مسلم.
والنبي ﵊ يقول أيضاً في الحديث الصحيح: (ومن تشبه بقوم فهو منهم).
وعن الحسن قال: قلما تشبه رجل بقوم إلا لحق بهم.
يعني: في الدنيا والآخرة.
وقال بعض مشيخة الأنصار ﵃: (يا رسول الله! إن أهل الكتاب يقصون عثانينهم) عثانينهم: جمع عثنون وهي اللحية.
وتأملوا كلمة (يقصون) جيداً، ما قال: يحلقون وإنما قال: يقصون يعني: يقصرونها.
قال بعض مشيخة الأنصار: (يا رسول الله! إن أهل الكتاب يقصون عنانينهم -يعني: لحاهم- ويوفرون سبالهم -يعني: شواربهم- فقال ﵊: قصوا سبالكم، ووفروا عنانينكم، وخالفوا أهل الكتاب)، وهذا حديث حسن.
وقال ﷺ : (خالفوا المشركين أحفوا الشوارب وأوفوا اللحى) متفق عليه.
ويقول ﷺ : (جزوا الشوارب وأرخوا اللحى وخالفوا المجوس) رواه مسلم.
ويقول الإمام أبو شامة رحمه الله تعالى: وقد حدث قوم يحلقون لحاهم، وهو أشد مما نقل عن المجوس من أنهم كانوا يقصرونها.
فمما ينبغي أن نتنبه إليه جيداً أن المشركين الذي كانوا يعيشون في عصر النبي ﵌ كانوا ذوي لحى، وهذه النقطة تسبب نوعاً من الاشتباه، وتلبس على بعض الناس هذا الأمر، والعرب ما عرفت حلق اللحية، ولعل هذا كان من بقايا دين إبراهيم ﵇ الذي بقيت عليه العرب.
فالعرب لم تترك زينة اللحى لا في الجاهلية ولا في الإسلام، فقد كان أبو جهل ملتحياً، وكان أبو لهب ملتحياً، وهكذا.
إذاً: الرسول ﵊ لما قال: (خالفوا المشركين، أحفوا الشوارب وأوفوا اللحى) يأتي بعض الناس ويتفلسفون ويقولون: الآن المشركون يعفون لحاهم! فنقول: هذا غير صحيح؛ لأن عامتهم يحلقونها، وهذه البلية ما جاءت إلا من قبلهم، لكن لو نسلم جدلاً أن المشركين يعفون اليوم لحاهم فهل نخالفهم بحلق لحانا؟! لا، فنقول لهؤلاء المغرر بهم: إنكم أسأتم فهم الحديث، والدليل على أنكم أسأتم فهمه أن المشركين الذين أمر الصحابة بمخالفتهم في هذه الأحاديث على لسان الرسول ﵊ كانوا ذوي لحى، إنما كانت المخالفة في التفاصيل وليس في أصل الفعل، والمعنى: أن اللحى تترك وتعفى لا تقص ولا تقصر مخالفةً للمجوس، فضلاً عمن يحلقها، والشوارب تقص ولا تترك مخالفة أيضاً لهؤلاء المشركين، حتى إن الغربيين كانوا يعفون لحاهم إلى أن أشاع الملك بطرس ملك روسيا حلق اللحية.
ومن الغربيين تسربت إلى المسلمين هذه السنة السيئة فيما بعد، فإذا حلقوا لحاهم فنحن نخالفهم في أصل الفعل؛ لأننا نفعل ذلك امتثالاً لأمر نبينا ﵊، وإذا أعفوا لحاهم نخالفهم في التفصيل وذلك بقص الشوارب.
نضيف إلى ذلك أن بعض الناس يلبسون في هذا الأمر بقولهم: إن هذا التعليل غير مستمر، أي: هم يقدحون في استمرار هذه العلة وهي مخالفة المشركين؛ لأن بعض المشركين اليوم لا يعفون لحاهم، فنقول: إن سنة أكثر المشركين اليوم هي حلق اللحية، بل ما تسربت هذه البدعة إلا من المشركين، وهم يستحسنون ذلك حتى تصبح وجوههم كوجوه النساء، وهم يعتبرون هذا من الزينة، وقد ذكرنا أن هذه زينة خاصة بالنساء، وآية ذلك أنك إذا تعودت أن ترى رجلاً معفياً لحيته، ثم رأيته فجأة قد حلق لحيته، فماذا يكون شعورك؟ تشمئز جداً، وتشعر كأنه مثل الأرنب الذي سلخ جلده، فأنت تنفر من المنظر؛ لأنك تعودت على رؤية الهيبة والوقار والزينة التي تليق بالرجال.
أما من أعفى لحيته من المشركين، فلماذا أعفاها؟ ربما يكون قد أعفاها اليهودي أو النصراني تديناً بذلك؛ اتباعاً لعيسى أو موسى، ولأن هذه سنة الأنبياء، ونحن نتفق معهم في هذه الفطرة.
وربما أعفى لحيته لأن إعفاء اللحية رجولة وفحولة، فنقول: بفعله هذا قد سلمت فطرته في هذه الجزئية، حيث رأى أن هذا من الرجولة، ففطرته سلمية في هذه الجزئية، وتوافقت شريعتنا فيها مع شريعتهم، ومثال ذلك: أن شريعتنا تأمر ببر الوالدين، وشريعتهم تأمر ببر الوالدين، فهل نترك بر الوالدين لأنهم يطيعون آباءهم؟! ونحن لا نزال نخالفهم في سنة قص الشوارب وهو أخذ ما طال عن الشفة؛ لقول النبي ﷺ : (من لم يأخذ من شاربه فليس منا)، فإذا كان بعض الكفار اليوم كاليهود مثلاً يعفون لحاهم والآخرون يحلقونها، فنحن مأمورون بمخالفة الحالقين والمقصرين لا بمخالفة من أعفاها، فاليهود كفار، وفيهم من يعفي اللحية، وفيهم من يحلقها أو يقصرها، فمن الذي نخالفه من الأصناف الثلاثة؟ نخالف فقط الذي يقصر أو يحلق، أما الذي يعفي فنحن نوافقه فيها، فلو كانت القاعدة أن ما يفعله الكفار يجب اجتنابه مطلقاً لوجب علينا ترك القتال؛ لأن اليهود يقاتلون! فهل نخالف اليهود في ترك القتال، ونتمرد على الفطرة؟! كلا، كذلك لا يقدح في استمرار التعليل بمخالفة المشركين أن أكثر المسلمين اليوم يحلقون لحاهم، ويقولون: أكثر المسلمين يحلقون لحاهم، وهم بذلك يتميزون عن المشركين، فنقول: إذا كان أكثر المسلمين يحلقون لحاهم فإن القرآن والسنة حجة عليهم، وليسوا هم حجة على القرآن والسنة، وقد دل القرآن على تحريم تغيير خلق الله وتحريم التشبه بالنساء، ودلت السنة على أن إعفاء اللحية من خصال الفطرة التي لا تتبدل بتبدل الأزمان، فانحراف البعض عنها لا يجعلنا نرفض ما شرعه الله لنا وفطرنا عليه لمجرد أن يفرط فيه بعض المنتسبين إليه؛ لأنهم مأمورون بامتثال هذا الأمر.
стр. 1370
إعفاء اللحية رجولة وفحولة ورأي الطب في هذه المسألة
إن إعفاء اللحية رجولة وفحولة؛ فإن الله ﵎ خلق الذكر والأنثى، وجعل وجود الشعر سمة مشتركة بينهما في موضع من البدن، وليس من هذه المواضع المشتركة اللحية والشارب، بل ميز الله ﵎ بهما الرجل عن المرأة، ولأن يلبس الرجل ملابس المرأة أخف من أن يحلق لحيته تشبهاً بها؛ لأن لحية الرجل هي الفارق الظاهر والمميز الواضح بين الرجل والمرأة، وقد شرع الله لكل من الزينة ما يناسب فطرته، وأباح الشرع للنساء التزين بالذهب والحرير وحرمهما على الرجال؛ لأنهما لا يناسبان كمال الرجولة.
وكما أن من جمال المرأة أن تعدم اللحية والشارب في وجهها؛ فإن جمال الرجل وهيبته ووقاره في لحيته وشاربه.
أما من وجهة نظر الطب، فالطب محايد لا دين له للأسف الشديد، فلنسمع ما تقوله المصادر الطبية المحترمة في هذا المجال.
معلوم من الناحية الطبية أن نمو اللحية في وجه الرجل هو أثر من أثار هرمون الذكورة الذي يسمى (التستوستيرون)، ونزول هذا الهرمون ينبت شعر اللحية والشارب في وجه الرجل، وهناك أمراض تطرأ على بعض الرجال وينشأ عنها مرض نقص الذكورة، وهذا المرض يكون مصحوباً بسقوط شعر اللحية من الوجه.
ونفس هرمون الذكورة لو حقن في أنثى سيؤدي إلى مرض عند المرأة يسمى اضمحلال الأنوثة أو نقص الأنوثة أو بعبارة أخرى يؤدي إلى الاسترجال عند المرأة، ومن أهم وأوضح الأعراض الناتجة عن ذلك عرض مشهور جداً في الطب يسمى الشعرانية يعني: كثرة نمو الشعر في مناطق لم تكن مشعرة كاللحية والشارب، فتجد المرأة التي يحصل فيها أعراض الرجولة أنه لابد أن يظهر فيها الشعر في مواضع من البدن ومنها اللحية والشارب.
فهذا رأي الطب الذي هو علم محايد لا يتمسك بدين، وهذا الكلام في كل المراجع الطبية، وإن شئتم فراجعوها.
следующие страницы →