Полный текст (2 122 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.
стр. 1366
إعفاء اللحية فطرة إنسانية
إن إعفاء اللحية فطرة إنسانية تقتضيها الفطرة السليمة؛ فإن الله ﵎ يقول: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم:٣٠]، قوله: (فأقم وجهك) يعني: سدد وجهك واستمر على الدين الذي شرعه الله لك من الحنيفية ملة إبراهيم ﵇، وحافظ على فطرتك السليمة التي فطر الله الخلق عليها، وهي معرفة الله وتوحيده، وتوابع ذلك من خصال الفطرة التي يتجه إليها الإنسان حتى لو لم يرد بها الشرع.
لو أن إنساناً ترك بدون أن تؤثر عليه عوامل البيئة المحيطة به، فإنه سيهتدي بالسليقة وبالفطرة إلى الستر واللباس، ولا يتعرى إلا إذا تأثر ببيئة فاسدة، فتراه يستحسن العري، ولا يشعر تجاهه بأي نفور، فهذا دليل على فساد الفطرة، لكن الإنسان السوي حتى لو لم يعرف عن شرع منزل يأمر مثلاً بقص الأظافر، فإنه بفطرته كإنسان سوف يدرك أن الفرق بين الإنسان وبين الوحوش الكاسرة وذوات المخالب أن يهذب أظافره، وهكذا في سائر خصال الفطرة، سواء الاختتان، أو إعفاء اللحية أو غير ذلك من الخصال، فهذه كلها يهتدي إليها الإنسان بفطرته حتى لو لم يرد شرع، فكيف وقد جاء بها الشرع؟! عن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (عشر من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، والاستنشاق، وقص الأظافر، وغسل البراجم، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء) قال أحد الرواة: (ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة) رواه مسلم.
فخصال الفطرة هي الهيئة التي ابتدأ الله خلق عباده عليها، وغرس في طباعهم فعلها والميل إليها واستحسانها، وجبلهم على النفور مما يضادها، بحيث لو ترك إنسان هذه الخصال لم تبق صورته على صورة الآدميين، وصاحب الفطرة السوية التي لم يطرأ عليها فساد بتأثير البيئة المحيطة يظل مدفوعاً بفطرته إلى كراهية ما في جسده مما ليس من زينته، ومحبة هذه الخصال الجبلية ولو لم يرد بها شرع منزل، فكيف وقد جاءت بها شرائع النبيين؟! لذلك يقول الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى: وأحسن ما قيل في تفسير الفطرة: إنها السنة القديمة التي اختارها الأنبياء، واتفقت عليها الشرائع، فكأنها أمر جبلي فطروا عليه.
إذاً: إذا كان إعفاء اللحية من خصال الفطرة، فإن حلق اللحية تغيير لفطرة الله وتغيير لخلق الله ﵎، يقول الله : ﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم:٣٠] قيل في تفسيرها: هي خبر بمعنى الطلب، يعني: لا تبدلوا خلق الله، ولا تغيروا خلق الله والهيئة التي فطركم الله عليها، وهذه الهيئة هي معرفة الله بتوحيده، وتوابع ذلك من خصال الفطرة.
ولذلك جاء ذكر بعض خصال الفطرة في تفسير قوله ﵎: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة:١٢٤]، فقد ذكروا أن من ضمن هذه الكلمات بعض خصال الفطرة، وقال الله حاكياً عن إبليس لعنه الله قوله: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء:١١٩]، فهذا ما توعد به إبليس بني آدم منذ البداية.
إذاً: هذا نص صريح في أن تغيير خلق الله بدون إذن من الشرع إطاعة لأمر الشيطان، قال: (وَلَآمُرَنَّهُمْ) فالذي يأمر بحلق اللحية أو بتغيير خلق الله هو إبليس، فحالق اللحية مطيع لإبليس فيما يأمر به، فالله لم يأمر بذلك إنما أمر بإعفاء اللحية، وهكذا أمر الرسول أيضاً ﵊، أما الذي يأمر بتغيير خلق الله فهو إبليس.
وقولنا: بغير إذن من الشرع، هذا قيد نضعه حتى لا يعترض معترض ويقول: إن هناك تغييراً في خلق الله أمرنا به الشرع وأوجبه أو استحبه لنا، كالختان فهو تغيير لخلق الله، وكذلك قص الأظافر تغيير لخلق الله ، وكذلك حلق الرأس عند التحلل من الإحرام، وكذلك خصال الفطرة الأخرى، فالتغيير الذي تعبدنا الله به ليس من التغيير المذموم.
أيضاً يقول الله ﵎: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [غافر:٦٤] إشارة إلى الأمر بتحسين الهيئة والتنظيم، كأنه قال: قد فطركم الله في أحسن صورة وأكمل هيئة فلا تضيعوها بما يقبحها ويشوهها، بل حافظوا على هذه الصورة ولا تغيروها عما جبلكم الله عليه، وحافظوا على ما يستمر به حسن هذه الصورة ولا تطيعوا الشيطان في أمره إياكم بتغيير خلق الله، وإذا كان النبي ﵌ قد قال: (لعن الله الواشمات والمستوشمات، والنامصات والمتنمصات، والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله) متفق عليه، فذكر علة اللعن المستدل به على الحرمة في قوله: (المغيرات خلق الله .
فالذي يحلق لحيته هل يحلقها للحسن أم لا يحلقها للحسن؟ بل يحلقها للحسن، فهو يريد أن تكون صورته أجمل، وفي الحقيقة هذا ينافي الفطرة؛ لأن زينة الرجل في اتجاه مخالف لزينة المرأة، المرأة يناسبها التزين بالذهب والأصباغ وغير ذلك من الأشياء، أما الرجل فلا يناسبه ذلك، بل الشيء المناسب لزينة الرجل هو أن يحافظ على رجولته.
ومن زينة المرأة ألا يكون لها لحية في وجهها، أما الرجل فزينته أن يكون ذا لحية، وألا يتزين ويلبس ملابس المرأة، والرجل يستقبح أن يلبس الملابس التي تختص بالنساء، فكما استقبح ذلك فليستقبح أيضاً التزين بحلق اللحية، للأسف الشديد وجد شيء لا يتخيله الإنسان، وهو أن بعض الشباب يتنمصون، وهذا شيء عجيب جداً! إذاً: حالق لحيته للحسن هو أولى بأن يوصف بأنه مغير لخلق الله ، ودخوله في الوعيد من باب أولى؛ لأن المرأة شرع لها من التزين أكثر مما شرع للرجل، وحلق اللحية في معنى النمص الذي هو إزالة شعر الوجه والحاجبين من المرأة للحسن، وهذا في حق الرجل أقبح.
стр. 1367
إعفاء اللحية من سمت الأنبياء والمرسلين
إن إعفاء اللحية من سمت الأنبياء عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام، وذكرنا من قبل في تفسير فطرة الله أنها من سنن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
يقول ﵎: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة:١٢٤] صح عن ابن عباس ﵄ أنه فسر الكلمات التي اختبر الله بها إبراهيم ﵇ بخصال الفطرة.
ودل القرآن العظيم على أن هارون ﵇ كان موفراً شعر لحيته، قال تعالى حاكياً عنه قوله لموسى ﵇: ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي﴾ [طه:٩٤] فلو كان حالقاً لما وقع الأخذ بلحيته.
وقال ﵎ بعدما ذكر في سورة الأنعام جملة من الأنبياء الكرام، ومنهم إبراهيم وهارون ﵉: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام:٩٠] أي: أمر الله الرسول ﵊ أن يقتدي بهؤلاء الأنبياء، ونحن مأمورون بالاقتداء بنبينا ﵊، فكما أن هارون ﵇ كان ذا لحية، فقد أمر الله نبيه ﵊ بأن يقتدي بهارون، وهو داخل في الائتساء به، وأمرنا نحن أن نقتدي بنبينا ﵌، قال الله ﵎: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١].
стр. 1368
إعفاء اللحية سبيل المؤمنين
إن إعفاء اللحية سبيل المؤمنين، يقول الله ﵎: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠].
وقال : ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ [لقمان:١٥].
وقال ﷺ : (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) متفق عليه.
وقال ﵊: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ) فقوله: (عضوا عليها بالنواجذ) كناية عن شدة التمسك بسنة الرسول ﷺ وسنة الخلفاء الراشدين من بعده.
ثم قال: (عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة) وهذا الحديث صحيح.
وقد ثبت عن الخلفاء الراشدين المهديين وغيرهم من الصحابة والتابعين لهم بإحسان أنهم كانوا ذوي لحى كبيرة، فكان أبو بكر ﵁ كث اللحية، وكان عمر كثير اللحية، وكان عثمان كبير اللحية، وكان علي ﵁ عريض اللحية قد أخذت ما بين منكبيه، فهؤلاء أعقل الأمة كلها بإجماع علمائها، ثم بعدهم الأتباع المحسنون والمجاهدون الصادقون الذين أخذوا كنوز كسرى وقيصر، ودانت لهم مشارق الأرض ومغاربها، لم يكن فيهم حالق للحيته، وكل هؤلاء الذين فتحوا العالم ومصروا الأمصار ما عرفوا حلق اللحية.
إذاً: هذا هو سبيل المؤمنين.
ومن دعاء المؤمنين عباد الرحمن قولهم: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان:٧٤] أي: اجعلنا مؤتمين بمن قبلنا؛ كي نصلح لأن يأتم بنا من بعدنا.
ولم ينقل عن أحد من السلف الصالح ﵏ أنه حلق لحيته؛ لعدم جوازه عندهم، ولو كان خيراً لسبقونا إليه، ونحن نقول عكس ما قال المشركون، قالوا في القرآن: ﴿لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ [الأحقاف:١١] قالوا احتقاراً للفقراء والضعفاء: لو كان القرآن والإسلام خيراً ما سبقنا إليه هؤلاء الضعفاء والفقراء والمساكين، أما نحن فنقول في كل أمر يعرض علينا: لو كان خيراً لسبقونا إليه، فلو كان في حلق اللحية خير لسبقنا إليه الصحابة والتابعون والمجاهدون والأئمة في كل زمان ومكان، فالصحابة والسلف لم يتركوا خصلة من خصال الخير إلا وقد بادروا إليها.
يقول الإمام ابن حزم رحمه الله تعالى في مراتب الإجماع: واتفقوا أن حلق جميع اللحية مثلة لا تجوز.
وهذا إجماع يحكيه الإمام ابن حزم.
قوله: مثلة يعني: تشويه، لا تجوز.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: يحرم حلق اللحية ولم يبحه أحد.
فلو فتشت في طول صفحات التاريخ الإسلامي وعرضه لم تجد من أئمة الهدى ومصابيح الدجى من كان يحلق لحيته، وإنما تسربت إلينا هذه الضلالة واستمرأها بعض المسلمين لما اتصلوا بالكفار، حين احتلوا بلادنا أو حين رحل بعضهم إلى بلاد الكفار، فاحتلوا عقولهم، فأعرضوا عن هدي سلفهم الصالح، واتبعوا غير سبيل المؤمنين حذو القذة بالقذة، واشتغلوا بتقليد اليهود والنصارى وعملوا شبراً بشبر وذراعاً بذراع.
والله ﵎ يقول: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الجاثية:١٨] ونحن إذا تتبعنا القرآن الكريم سنجد الشريعة والوحي الإلهي دائماً في مقابلة اتباع الهوى، يقول : ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [القصص:٥٠]، وقال: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤]، ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى﴾ [ص:٢٦] فقوله : (وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) هم كل من خالف شريعته ﷺ ، وهم الذين اتبعوا ما عليه المشركون من هديهم الظاهر، الذي هو من موجبات دينهم الباطل، وتوابع ذلك.
стр. 1369
أمر الشرع بمخالفة الكفار والنهي عن التشبه بهم
ويقول : ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد:١٦]، فقوله : (وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ) هذا نهي مطلق عن مشابهة الكفار.
وقال الحافظ ابن كثير: ولهذا نهى الله المؤمنين أن يتشبهوا بهم في شيء من الأمور الأصلية والفرعية.
إن ترك التشبه بالكفار في أعمالهم وأقوالهم وأهوائهم من المقاصد والغايات التي أسسها القرآن الكريم، وبينها وفصلها رسول الله ﵌، وحققها في أمور كثيرة من فروع الشريعة، في الصلاة والجنائز والصيام والأطعمة واللباس والزينة والآداب والعادات وغيرها.
قال ﵊: (ليس منا من عمل بسنة غيرنا) حتى عرف اليهود أن من خصائص الملة الحنيفية أنهم يتعمدون مخالفة المشركين والكفار من اليهود والنصارى وغيرهم.
اليهود الذين كانوا في المدينة عرفوا ذلك ولاحظوه من أفعال وأقوال النبي ﷺ ، فقالوا: (ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئاً إلا خالفنا فيه!) رواه مسلم.
والنبي ﵊ يقول أيضاً في الحديث الصحيح: (ومن تشبه بقوم فهو منهم).
وعن الحسن قال: قلما تشبه رجل بقوم إلا لحق بهم.
يعني: في الدنيا والآخرة.
وقال بعض مشيخة الأنصار ﵃: (يا رسول الله! إن أهل الكتاب يقصون عثانينهم) عثانينهم: جمع عثنون وهي اللحية.
وتأملوا كلمة (يقصون) جيداً، ما قال: يحلقون وإنما قال: يقصون يعني: يقصرونها.
قال بعض مشيخة الأنصار: (يا رسول الله! إن أهل الكتاب يقصون عنانينهم -يعني: لحاهم- ويوفرون سبالهم -يعني: شواربهم- فقال ﵊: قصوا سبالكم، ووفروا عنانينكم، وخالفوا أهل الكتاب)، وهذا حديث حسن.
وقال ﷺ : (خالفوا المشركين أحفوا الشوارب وأوفوا اللحى) متفق عليه.
ويقول ﷺ : (جزوا الشوارب وأرخوا اللحى وخالفوا المجوس) رواه مسلم.
ويقول الإمام أبو شامة رحمه الله تعالى: وقد حدث قوم يحلقون لحاهم، وهو أشد مما نقل عن المجوس من أنهم كانوا يقصرونها.
فمما ينبغي أن نتنبه إليه جيداً أن المشركين الذي كانوا يعيشون في عصر النبي ﵌ كانوا ذوي لحى، وهذه النقطة تسبب نوعاً من الاشتباه، وتلبس على بعض الناس هذا الأمر، والعرب ما عرفت حلق اللحية، ولعل هذا كان من بقايا دين إبراهيم ﵇ الذي بقيت عليه العرب.
فالعرب لم تترك زينة اللحى لا في الجاهلية ولا في الإسلام، فقد كان أبو جهل ملتحياً، وكان أبو لهب ملتحياً، وهكذا.
إذاً: الرسول ﵊ لما قال: (خالفوا المشركين، أحفوا الشوارب وأوفوا اللحى) يأتي بعض الناس ويتفلسفون ويقولون: الآن المشركون يعفون لحاهم! فنقول: هذا غير صحيح؛ لأن عامتهم يحلقونها، وهذه البلية ما جاءت إلا من قبلهم، لكن لو نسلم جدلاً أن المشركين يعفون اليوم لحاهم فهل نخالفهم بحلق لحانا؟! لا، فنقول لهؤلاء المغرر بهم: إنكم أسأتم فهم الحديث، والدليل على أنكم أسأتم فهمه أن المشركين الذين أمر الصحابة بمخالفتهم في هذه الأحاديث على لسان الرسول ﵊ كانوا ذوي لحى، إنما كانت المخالفة في التفاصيل وليس في أصل الفعل، والمعنى: أن اللحى تترك وتعفى لا تقص ولا تقصر مخالفةً للمجوس، فضلاً عمن يحلقها، والشوارب تقص ولا تترك مخالفة أيضاً لهؤلاء المشركين، حتى إن الغربيين كانوا يعفون لحاهم إلى أن أشاع الملك بطرس ملك روسيا حلق اللحية.
ومن الغربيين تسربت إلى المسلمين هذه السنة السيئة فيما بعد، فإذا حلقوا لحاهم فنحن نخالفهم في أصل الفعل؛ لأننا نفعل ذلك امتثالاً لأمر نبينا ﵊، وإذا أعفوا لحاهم نخالفهم في التفصيل وذلك بقص الشوارب.
نضيف إلى ذلك أن بعض الناس يلبسون في هذا الأمر بقولهم: إن هذا التعليل غير مستمر، أي: هم يقدحون في استمرار هذه العلة وهي مخالفة المشركين؛ لأن بعض المشركين اليوم لا يعفون لحاهم، فنقول: إن سنة أكثر المشركين اليوم هي حلق اللحية، بل ما تسربت هذه البدعة إلا من المشركين، وهم يستحسنون ذلك حتى تصبح وجوههم كوجوه النساء، وهم يعتبرون هذا من الزينة، وقد ذكرنا أن هذه زينة خاصة بالنساء، وآية ذلك أنك إذا تعودت أن ترى رجلاً معفياً لحيته، ثم رأيته فجأة قد حلق لحيته، فماذا يكون شعورك؟ تشمئز جداً، وتشعر كأنه مثل الأرنب الذي سلخ جلده، فأنت تنفر من المنظر؛ لأنك تعودت على رؤية الهيبة والوقار والزينة التي تليق بالرجال.
أما من أعفى لحيته من المشركين، فلماذا أعفاها؟ ربما يكون قد أعفاها اليهودي أو النصراني تديناً بذلك؛ اتباعاً لعيسى أو موسى، ولأن هذه سنة الأنبياء، ونحن نتفق معهم في هذه الفطرة.
وربما أعفى لحيته لأن إعفاء اللحية رجولة وفحولة، فنقول: بفعله هذا قد سلمت فطرته في هذه الجزئية، حيث رأى أن هذا من الرجولة، ففطرته سلمية في هذه الجزئية، وتوافقت شريعتنا فيها مع شريعتهم، ومثال ذلك: أن شريعتنا تأمر ببر الوالدين، وشريعتهم تأمر ببر الوالدين، فهل نترك بر الوالدين لأنهم يطيعون آباءهم؟! ونحن لا نزال نخالفهم في سنة قص الشوارب وهو أخذ ما طال عن الشفة؛ لقول النبي ﷺ : (من لم يأخذ من شاربه فليس منا)، فإذا كان بعض الكفار اليوم كاليهود مثلاً يعفون لحاهم والآخرون يحلقونها، فنحن مأمورون بمخالفة الحالقين والمقصرين لا بمخالفة من أعفاها، فاليهود كفار، وفيهم من يعفي اللحية، وفيهم من يحلقها أو يقصرها، فمن الذي نخالفه من الأصناف الثلاثة؟ نخالف فقط الذي يقصر أو يحلق، أما الذي يعفي فنحن نوافقه فيها، فلو كانت القاعدة أن ما يفعله الكفار يجب اجتنابه مطلقاً لوجب علينا ترك القتال؛ لأن اليهود يقاتلون! فهل نخالف اليهود في ترك القتال، ونتمرد على الفطرة؟! كلا، كذلك لا يقدح في استمرار التعليل بمخالفة المشركين أن أكثر المسلمين اليوم يحلقون لحاهم، ويقولون: أكثر المسلمين يحلقون لحاهم، وهم بذلك يتميزون عن المشركين، فنقول: إذا كان أكثر المسلمين يحلقون لحاهم فإن القرآن والسنة حجة عليهم، وليسوا هم حجة على القرآن والسنة، وقد دل القرآن على تحريم تغيير خلق الله وتحريم التشبه بالنساء، ودلت السنة على أن إعفاء اللحية من خصال الفطرة التي لا تتبدل بتبدل الأزمان، فانحراف البعض عنها لا يجعلنا نرفض ما شرعه الله لنا وفطرنا عليه لمجرد أن يفرط فيه بعض المنتسبين إليه؛ لأنهم مأمورون بامتثال هذا الأمر.
стр. 1370
إعفاء اللحية رجولة وفحولة ورأي الطب في هذه المسألة
إن إعفاء اللحية رجولة وفحولة؛ فإن الله ﵎ خلق الذكر والأنثى، وجعل وجود الشعر سمة مشتركة بينهما في موضع من البدن، وليس من هذه المواضع المشتركة اللحية والشارب، بل ميز الله ﵎ بهما الرجل عن المرأة، ولأن يلبس الرجل ملابس المرأة أخف من أن يحلق لحيته تشبهاً بها؛ لأن لحية الرجل هي الفارق الظاهر والمميز الواضح بين الرجل والمرأة، وقد شرع الله لكل من الزينة ما يناسب فطرته، وأباح الشرع للنساء التزين بالذهب والحرير وحرمهما على الرجال؛ لأنهما لا يناسبان كمال الرجولة.
وكما أن من جمال المرأة أن تعدم اللحية والشارب في وجهها؛ فإن جمال الرجل وهيبته ووقاره في لحيته وشاربه.
أما من وجهة نظر الطب، فالطب محايد لا دين له للأسف الشديد، فلنسمع ما تقوله المصادر الطبية المحترمة في هذا المجال.
معلوم من الناحية الطبية أن نمو اللحية في وجه الرجل هو أثر من أثار هرمون الذكورة الذي يسمى (التستوستيرون)، ونزول هذا الهرمون ينبت شعر اللحية والشارب في وجه الرجل، وهناك أمراض تطرأ على بعض الرجال وينشأ عنها مرض نقص الذكورة، وهذا المرض يكون مصحوباً بسقوط شعر اللحية من الوجه.
ونفس هرمون الذكورة لو حقن في أنثى سيؤدي إلى مرض عند المرأة يسمى اضمحلال الأنوثة أو نقص الأنوثة أو بعبارة أخرى يؤدي إلى الاسترجال عند المرأة، ومن أهم وأوضح الأعراض الناتجة عن ذلك عرض مشهور جداً في الطب يسمى الشعرانية يعني: كثرة نمو الشعر في مناطق لم تكن مشعرة كاللحية والشارب، فتجد المرأة التي يحصل فيها أعراض الرجولة أنه لابد أن يظهر فيها الشعر في مواضع من البدن ومنها اللحية والشارب.
فهذا رأي الطب الذي هو علم محايد لا يتمسك بدين، وهذا الكلام في كل المراجع الطبية، وإن شئتم فراجعوها.
стр. 1371
وجه كون حلق اللحية تشبهاً بالنساء
إذا كان إعفاء اللحية من جانب هو رجولة وفحولة فلا شك أن الجانب الآخر وهو حلق اللحية يعد تشبهاً بالنساء، فعن ابن عباس ﵄ قال: (لعن رسول الله ﷺ المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال) رواه البخاري.
وعن عبد الله بن عمرو ﵄ أنه رأى امرأة تمشي متقلدة قوساً وهي تمشي مشية الرجل فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ليس منا من تشبه بالرجال من النساء، ولا من تشبه بالنساء من الرجال) وهذا حديث صحيح.
فلا شك أن مشابهة حالق لحيته للمرأة أوضح من مشابهة من تقلدت القوس ومشت مشية الرجال، كما أنا المرأة إذا اتخذت لحية مصنوعة في وجهها فهي متشبهة بالرجال، أو اتخذت الشارب الصناعي في وجهها فهي أيضاً متشبهة بالرجال، وكذلك الرجل الذي يحلق لحيته التي زينه الله بها يكون قد تشبه بالنساء, وأنت إذا سألت رجلاً أو حتى صبياً من عامة المسلمين الملتزمين بالدين عن وجه الحليق: من يشبه؟ لقال: يشبه وجه المرأة، ووجه الصبي، ووجه اليهودي والنصراني.
ولله الحمد تجد أولاد الملتزمين بإعفاء اللحية إذا رأوا حليق اللحية فإنهم يفزعون ويتغيرون؛ لأنهم محتكون بملتحين! والعلماء أطلقوا على حالق اللحية لفظة بشعة، لكن نحن نعلم أن الإخوة الأفاضل الذين يحلقون لحاهم إنما هو نتيجة أنهم لا يعرفون حكم الله في هذه المسألة، فنعتذر عن وجود بعض الألفاظ الشديدة، لكن هذا يعكس مدى استبشاع السلف لهذا الفعل، ومن هذه الألفاظ الشديدة التي أطلقها العلماء على حالق اللحية لفظة: التخنث.
يقول الإمام حافظ المغرب أبو عمر بن عبد البر رحمه الله تعالى: ويحرم حلق اللحية، ولا يفعله إلا المخنثون من الرجال.
فلو أن رجلاً أتى فصبغ أطرافه بالحناء، ومعلوم أن الحناء زينة النساء، فيكون هذا الرجل الذي صبغ أطرافه بالحناء قد تشبه بالنساء، ولو كان ذا لحية وشارب وعمامة، فكذلك من حلق لحيته يكون قد تشبه بالنساء ولو كان ذا شارب وقميص وعمامة.
إذاً: لابد أن نلحظ أمراً مهماً جداً، وهو أن قضية التشبه لا يتوقف الاتصاف بها على القصد والنية كالإتلاف والقتل والضرب، فمن فعل ذلك اتصف به وإن لم يقصده؛ لأن قضية التشبه لا تفتقر إلى السؤال عن النية؟ بل يكفي في وصف الإنسان بأنه متشبه بالكفار أو بالنساء مجرد وقوعه في فعل التشبه، ولذلك نهى النبي ﵌ عن أعمال لم يقصد فاعلها التشبه، ولا خطر التشبه على باله، كالنهي عن الصلاة وقت طلوع الشمس ووقت الزوال ووقت الغروب؛ لكيلا نتشبه بالكفار الذين يسجدون للشمس في هذه الأوقات، مع أن المسلم لا يقصد بالسجود إلا الله تعالى، ومع ذلك يعتبر هذا تشبهاً، فإذا كان حلق اللحية تشبهاً بالنساء فعلى الجانب الآخر يكون إعفاء اللحية زينة وتكريماً.
стр. 1372
من أوجه تكريم الله لبني آدم وجود اللحى في الرجال
يقول ﵎: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء:٧٠] يقول بعض العلماء في تفسير الآية: من تكريمه إياهم: خلقه لهم على أكمل الهيئات وأحسنها.
وذكر بعض العلماء من أمثلة هذا التكريم: تزيين الرجال باللحى والنساء بالذوائب.
وقال : ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ [البقرة:١٣٨].
وقال : ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين:٤] وقال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار:٦ - ٨].
وقال : ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل:٨٨].
وقال ﵊ كما في الحديث الصحيح: (كل خلق الله حسن).
فلابد أن نوقن أن هذه الهيئة التي خلقنا الله عليها هي نعمة من الله وتكريم لنا، فوجود اللحية في الرجل نعمة، فحلق اللحية والإطاحة بها طعن في هذه الحكمة، وجحود لهذه النعمة، وكأنك تقول: الهيئة التي خلقتني عليها -يا رب- هيئة قبيحة! معاذ الله! إذاً: هذا كفر بهذه النعمة العظيمة، وانتكاس عن سنة النبي ﷺ ، وانحطاط إلى مستوى الكفرة الذين زين لهم سوء أعمالهم، فحلق اللحية ليس رقياً، بل يعتبر انحطاطاً عن هدي الرسول عليه الصلاة السلام، وانحطاطاً إلى مستوى الكفار الذين يحسبون أن التمدن والكمال إنما يكون في القضاء على أكثر الفوارق الظاهرة بين الرجل والمرأة، يقول الشاعر: يقضى على المرء في أيام محنته حتى يرى حسناً ما ليس بالحسن
стр. 1373
مكانة اللحية عند الفقهاء من السلف وتعظيمهم لها
بلغ من تعظيم الفقهاء للحية أن قال الأئمة أبو حنيفة وأحمد والثوري ﵏: إن اللحية إذا جني عليها فأزيلت بالكلية ولم ينبت شعرها، فعلى الجاني دية كاملة كما لو قتل صاحبها.
وقال فريق آخر من العلماء: فيها حكومة.
وعلق الإمام ابن مفلح رحمه الله تعالى معلقاً على مذهب أبي حنيفة وأحمد والثوري حيث قالوا: إن على الجاني دية كاملة كما لو قتل صاحبها فقال: لأنه أذهب المقصود كله، فأشبه ما لو أذهب ضوء العينين بحيث لم يعد مرة ثانية.
قيس بن سعد لم يكن له لحية، فقال الأنصار: (نعم السيد قيس لبطولته وشهامته، ولكن لا لحية له، فوالله لو كانت اللحية تشترى بالدراهم، لاشترينا له لحية ليكمل رجلاً) وقال بعض بني تميم من رهط الأحنف بن قيس: وددت أنا اشترينا للأحنف لحية بعشرين ألفاً، وكان الأحنف بن قيس فيه دمامة في ملامحه، وفيه نوع من الميل في رجليه، وكان أعور، وفيه نقص في كثير من الصفات الخلقية، لكنهم لم يذكوا حنفه ولا عوره ولا غير ذلك، وإنما ركزوا على عدم وجود لحية له؛ لأن من لا لحية له يرى عند العقلاء ناقصاً.
وذكر عن شريح القاضي أنه قال: وددت لو أن لي لحية بعشرة آلاف درهم.
فإذاً: نحن نتعجب من بعض أهل زماننا! يود أحدهم لو بذل مالاً عظيماً؛ ليعدم لحيته إلى الأبد حتى لا يعاني من حلقها دائماً! يقول الشاعر: ما يبلغ الأعداء من جاهل ما يبلغ الجاهل من نفسه فإذا كانت اللحية زينة وتكريماً ففي المقابل فحلق اللحية مهانة للإنسان في الحقيقة؛ لأن أئمة الإسلام وعلماء الإسلام لم يوجد من بينهم من حلق لحيته في حياته ولو مرة واحدة إلا إذا كان لعذر المرض.
إذاً: الأصل أنه لم يعرف أبداً عن أئمة الهدى هذه المعصية، بل إن بعض الأمراء في بعض الأزمان لم يكونوا متفقهين في الدين، ومع ذلك كانوا إذا أرادوا أن يؤدبوا فرداً من أفراد الرعية لخطأ ارتكبه يحلقون لحيته، ويركبونه دابة ويجولون به بين الناس في الأسواق تعزيراً له، لكن الفقهاء قالوا: يجوز للحاكم أو الأمير التعزير بحلق الرأس لا اللحية؛ لأن حلقها حرام.
ألا تتأمل أن الله ما شرع للرجال أن يحلقوا لحاهم في الحج أو العمرة عند التحلل من الإحرام، إنما شرع لهم حلق الرأس فقط أو التقصير؟! أما اللحية فهل هناك دليل من الكتاب أو السنة يدل على أن اللحية تحلق عند التحلل من الإحرام؟ ابن عمر والذي هو: كان إذا حج أو اعتمر قبض على لحيته فما فضل أخذه، ويتشبث بعض الناس بفعل ابن عمر ويقولون: ابن عمر فعل كذا، نقول: نعم ابن عمر فعل ذلك، لكن هل أنتم تتركون لحاكم وتأخذون ما زاد عن القبضة؟! قال بعض العلماء: إن ابن عمر أراد أن يجمع بين الحلق والتقصير، فذهب في معنى قوله تعالى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح:٢٧] أي: محلقين رءوسكم ومقصرين لحاكم، فكان يأخذ منها ما فضل على القبضة، والله تعالى أعلم.
بلغ أيضاً من تعظيم السلف لشأن اللحية أن رتبوا على حلقها عقوبة اجتماعية قاسية، وهي رد الشهادة، وقد جاء عن بعض الفقهاء: أن من تعمد حلقها يؤدب وترد شهادته.
وقال العلامة الدسوقي: يحرم على الرجل حلق لحيته أو شاربه، ويؤدب فاعل ذلك.
أيضاً: إذا كان إعفاء اللحية زينة وتكريماً، فحلقها مهانة؛ لأن حلقها مثلة، والمثلة مثل الذي يقطع أذن إنسان أو أنفه أو يفقأ عينه وغير ذلك.
فعن عبد الله بن يزيد الأنصاري ﵁ قال: (نهى رسول الله ﷺ عن النهبى والمثلة) رواه البخاري، والمثلة: هي التشويه.
وعن سمرة وعمران بن حصين ﵄ قالا: (ما خطبنا رسول الله ﷺ خطبة إلا أمرنا بالصدقة ونهانا عن المثلة) إسناده جيد.
وروى ابن عساكر عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى أنه قال: (إن حلق اللحية مثلة، وإن رسول الله ﷺ نهى عن المثلة).
وقال ابن حزم ﵀ في مراتب الإجماع: واتفقوا أن حلق جميع اللحية مثلة لا تجوز.
فإذا كان بعض العلماء عد قص اللحية مثلة، وعد بعضهم استئصال الشارب بالحلق مثلة، فماذا عن استئصال اللحية كلها؟ إن الوجه عضو مكرم، وهو مجمع المحاسن والحواس، فمن حق الوجه الصيانة لا المثلة والإهانة، وهذا ما علمناه رسول الله ﵌ بقوله: (إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه).
ولذلك يزجر العلماء عن لعبة الملاكمة أو بتعبير أدق عن الضرب في الوجه؛ لأنه لا يجوز أن تضرب المسلم أبداً في وجهه؛ لأن الوجه مكرم، وينبغي أن تحترم الوجه وتصونه عن أي إهانة أو مثلة.
فهنا أمر لضبط النفس حتى في حالة الغضب، إن كان ولابد أن يحصل بينك وبين أخيك نوع من العراك أو الشجار أو القتال فاجتنب الوجه، فلا تضرب الوجه.
يقول ﵊: (إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه)، وفي لفظ: (فلا يلطمن الوجه)، فلا تضرب أبداً أحداً على الوجه، لا تضرب ابنك ولا أخاك ولا أي أحد على الوجه؛ لأنه منهي عنه.
رأى سويد بن مقرن رضي الله تعالى عنه رجلاً لطم غلامه، فقال: (أوما علمت أن الصورة محترمة) رواه مسلم.
والصورة هي الوجه كما جاء في الحديث: (الصورة الرأس، فإذا قطع الرأس فلا صورة).
ونحن نعجب أيضاً من أهل زماننا الذين يهنئون من يشوه خلقته ويمثل بوجهه، ويحلق لحيته؛ بقولهم له: نعيماً، يقول الشيخ عائض القرني: جحيماً وليس نعيماً!
стр. 1374
فتاوى العلماء في إعفاء اللحية وحلقها
أخيراً نذكر بعض النقول ولا نطيل بذكرها؛ لإقناع هؤلاء الذين يتذرعون بكلام المذاهب، ويدعون أن المذاهب تجيز حلق اللحية، أي: مذاهب هذا الزمان، وبعض الناس في هذا الزمان يقولون: إن إعفاء اللحية من أمور العادات وليست من السنن، فنقول: لا التفات لهذا الكلام بعدما سمعنا الأدلة الصحيحة على هذا الحكم الشرعي.
هنا فتوى عن اللحية وردت من الشيخ جاد الحق علي جاد الحق لما كان مفتياً لجمهورية مصر العربية، وهذه الفتوى موجودة في الفتاوى الإسلامية الرسمية الصادرة باسم الأزهر برقم (١٢٨٢) مبادئ الفتوى: الأول: إطلاق اللحى من سنن الإسلام التي ينبغي المحافظة عليها.
الثاني: إتلاف شعر اللحية بحيث لا ينبت بعده جناية توجب الدية، على خلاف في مقدارها.
الثالث: إطلاق الأفراد المجندين للحى اتباع لسنة الإسلام، فلا يؤاخذون على ذلك، ولا ينبغي إجبارهم على إزالتها أو عقابهم بسبب إطلاقها.
وسئل فضيلة شيخ الأزهر جاد الحق كما في الكتاب (٦٠/ ٨١) المؤرخ في ١٢/ ٦/ ١٩٨١م منفرد برقم (١٩٤) سنة (١٩٨٥م)
و
السؤال
طلب بيان الرأي عن إطلاق الأفراد المجندين اللحى، حيث إن قسم القضاء العسكري قد طلب الإفتاء بخصوص ذلك الموضوع لوجود حالات لديها؟ أجاب المفتي فضيلة الشيخ جاد الحق علي جاد الحق قائلاً: إن البخاري روى في صحيحه عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: (خالفوا المشركين، وفروا اللحى وأحفوا الشوارب).
وفي صحيح مسلم عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: (أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى).
وفي صحيح مسلم أيضاً عن عائشة عن النبي ﷺ قال: (عشر من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظافر، وغسل البراجم، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء، قال بعض الرواة: ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة).
قال الإمام النووي في شرحه لحديث: (أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى): إنه وردت روايات خمس في ترك اللحية، وكلها على اختلاف في ألفاظها تدل على تركها على حالها، وقد ذهب كثير من العلماء إلى منع الحلق والاستئصال لأمر رسول الله ﷺ بإعفائها من الحلق.
ولا خلاف بين فقهاء المسلمين في أن إطلاق اللحى من سنن الإسلام فيما عبر عنه الرسول ﷺ في الحديث السابق الذي روته عائشة: (عشر من الفطرة).
ومما يشير إلى أن ترك اللحية وإطلاقها أمر تقره أحكام الإسلام وسننه، ما أشار إليه فقه الإمام الشافعي من أنه يجوز التعزير بحلق الرأس لا اللحية، وظاهر هذا حرمة حلقها على رأي أكثر المتأخرين.
ونقل ابن قدامة الحنبلي في المغني: أن الدية تجب في شعر اللحية عند أحمد وأبي حنيفة والثوري، وقال الشافعي ومالك: فيه حكومة عدل.
وهذا يشير أيضاً إلى أن الفقهاء قد اعتبروا التعدي بإتلاف شعر اللحية حتى لا ينبت جناية من الجنايات التي تستوجب المساءلة، إما بالدية الكاملة كما قال الأئمة أبو حنيفة وأحمد والثوري، أو حكومة يقدرها الخبراء والعدول كما قال الإمامان مالك والشافعي، ولا شك أن هذا الاعتبار من هؤلاء الأئمة يؤكد أن اللحى وإطلاقها أمر مرغوب فيه في الإسلام، وأنه من سننه التي ينبغي المحافظة عليها.
ولما كان إطلاق الأفراد المجندين للحى اتباعاً لسنة الإسلام، فلا يؤاخذون على ذلك، ولا ينبغي إجبارهم على إزالتها أو عقابهم بسبب إطلاقها؛ لأن الرسول ﷺ قال: (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق).
وهم متبعون لسنة عملية جرى بها الإسلام، ولما كانوا في إطلاقهم اللحى مقتدين برسول الله ﷺ لم يجب أن يؤثموا أو يعاقبوا، بل إن من الصالح العام ترغيب الأفراد المجندين وغيرهم في الالتزام بأحكام الدين وفرائضه وسننه؛ لما في ذلك من زيادة همتهم، ودفعهم لتحمل المشاق والالتزام عن طيب نفس، حيث يعملون بإيمان وإخلاص.
وتبعاً لهذا لا يعتبر امتناع الأفراد الذين أطلقوا اللحى عن إزالتها رافضين عمداً لأوامر عسكرية؛ لأنه باشتراط وجود هذا الأمر فإنها فيما يبدو لا تتصل من قريب أو بعيد بمهمة الأفراد أو تقل من جهدهم، وإنما قد تكسبهم سمات وخشونة الرجال، وهذا ما تتطلبه المهام المنوطة بهم.
ولا يقال: إن مخالفة المشركين تقتضي الآن حلق اللحى؛ لأن كثيرين من غير المسلمين في الجيوش وفي خارجها يطلقون اللحى؛ لأنه شتان بين من يطلقها عبادة في الدفاع عن سنة الإسلام، وبين من يطلقها لمجرد التجمل وإبقاء سمات الرجولة على نفسه، فالأول: منقاد لعبادة يثاب عليها إن شاء الله تعالى، والآخر: يرضى بها كالثوب الذي يرتديه ثم يزدريه بعد أن تنتهي مهمته.
ولقد عاب الله الناهين عن طاعته وتوعدهم: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى * أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى * أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى * أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى * أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق:٩ - ١٤] والله أعلم.
فهذه كلمة حق طيبة جزاه الله خيراً عنها.
نقول: حتى لو اعتبر هذا الأمر -إعفاء اللحية- من الأمور الشخصية ومن الحريات الشخصية، فلماذا يعطى كل إنسان حرية شخصية ما عدا من يفعل هذه الأشياء طاعة ومحبة لرسول الله ﵊؟! تجد المسلم يمتحن بسبب طاعة رسول الله ﷺ ويضطهد؛ لأنه أظهر محبة رسول الله ﷺ والاقتداء به! فأين ذهبت عقول القوم؟! اليهود في أمريكا وضعهم أقوى من وضعهم في إسرائيل نفسها، لكن لا يمكن أن ترى يهودياً حالقاً للحية، ولا ترى يهودياً ليس في وجهه شعر، إلا الصبي الصغير الأمرد الذي ما نبتت لحيته بعد، وترى لحاهم طويلة جداً، لكن تجدهم يطيلون الشوارب.
فإن كانت هذه البلاد الكافرة قد تركت لهم الحرية في إطلاق اللحى فنحن من باب أولى؛ لأن الإسلام أمرنا بذلك.
ونحن مضطرون أن نستدل بهدي أمريكا لمن يعبدون أمريكا، هناك منظمة في أمريكا أعضاؤها الآلاف من المجندين الأمريكان الذين ذهبوا إلى السعودية في حرب الخليج، وقام بعض الإخوة والدعاة الأفاضل جزاهم الله خيراً بدعوتهم، وإعطائهم النسخ من المصاحف المترجمة باللغة الانجليزية، ونشطوا جداً فيما بينهم؛ فانتشر الإسلام فيهم انتشاراً عجيباً، وأسلم الآلاف منهم، ولما كنت في بريطانيا قابلت أحد الإخوة الكنديين، وهو من الإخوة الأفاضل من أهل التوحيد والعلم، وله كتب قيمة جداً كلها بالإنكليزية، وكان يحاضر ويتكلم على قوله ﵎: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:٢١٦] فقال: إن هذا البلاء قد يترتب عليه كثير من الخير، كهذا الذي حصل من إسلام الآلاف من المجندين الأمريكان ودخولهم في حوزة الإسلام، وهؤلاء الجنود لما رجعوا إلى أمريكا كونوا منظمة باسم: منظمة العسكريين الأمريكان المسلمين! ويقول هذا الأخ: أنا ذهبت إلى هذه المنظمة حين دعوني وحاضرتهم عن الإسلام.
وقد نشرت جرائد الأسبوع الماضي هنا في مصر خبراً نختم به الكلام هو: أن الحكومة الأمريكية أصدرت قراراً بالسماح للمجندات الأمريكيات المنضمات إلى هذه المنطمة بارتداء الحجاب بناء على أن الدستور الأمريكي يكفل حرية الديانة واحترام الأديان إلى آخر هذا الكلام! فهذه هي أمريكا يا من تنظرون إليها بمنتهى الخضوع والخشوع، وكأن لسان حالكم يقول لـ بوش: فليتك تحلو والحياة مريرة وليتك ترضى والأنام غضاب وليت الذي بيني وبينك عامر وبيني وبين (الله) خراب وهذا هو الواقع!! إذا صح منك - أي: يا بوش - الود فالكل هين وكل الذي فوق التراب تراب أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 1375
تحريم الغيبة وأضرارها
حرم الله على المسلم أن يغتاب أخاه، وشبه غيبته بأكل لحمه ميتاً، فلها أضرار كثيرة تعود على الفرد والمجتمع؛ ولهذا كان التحذير منها شديداً على لسان رسول الله ﷺ ، وكان السلف ينكرون على أصحاب المجالس التي يذكر فيها مساوئ المسلمين وعيوبهم، وكانوا منشغلين بعيوب أنفسهم ومحاسبتها عن عيوب الآخرين.
стр. 1376
حرمة الغيبة شرعاً
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
ثم أما بعد: ففي سورة الحجرات يقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات:١١ - ١٢].
الموضوع الذي سنتناول قوله ﵎: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات:١٢].
قد يكون الإنسان حشا ذهنه بكثير من المعلومات حول موضوع معين كالموت مثلاً، فهو يعلم أنه سيموت، لكنه يحتاج بين وقت وآخر إلى أن يجدد العهد بالذكرى، ويذكر نفسه بالموت وما بعده، ومحاسبة الله إياه، وقد بين الله ﵎ أهمية هذه الذكرى في قوله : ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى:٩]، فأمرنا بالتذكير إن نفعت الذكرى، وبين في آية أخرى من هم الذين تنفعهم الذكرى، فقال : ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات:٥٥]، فالمؤمنون هم الذي ينتفعون بالذكرى، فهم إذا ذكِّروا ذكروا، كما قال النبي ﵌: (إن المؤمن خلق مفتناً تواباً نسياً، إذا ذُكِّر ذكر) يعني: معرضاً للفتنة والابتلاء والامتحان، (تواباً نسياًَ) يعني: كثير التوبة والنسيان، فتأتي الذكرى لتجدد عهد القلب بنصوص القرآن الكريم والسنة المطهرة، ليعود إلى الجادة ويجدد العهد مع الله .
ولا شك أن اللسان من أكبر الجوارح التي تحتاج إلى أن تلجم وأن تكبح عن الاسترسال في هذه الآفات المهلكات.
فقول الله ﵎ هنا: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات:١٢]، يعني: إن كرهتم أكل لحم الإنسان الميت طبعاً فاكرهوه شرعاً، فإن عقوبته أشد، يعني: هل منكم ذو فطرة سليمة وطبع مستقيم يقبل أن يأتي إلى جثة أخيه وهو ميت، فيقطعها ويأكل منها؟! هل يحب أحد منكم بطبيعته وفطرته أن يقبل من يفعل هذا؟! لا شك أن
الجواب
لا يوجد إنسان سوي الفطرة يقبل أن يأكل لحم أخيه وهو ميت.
قال ابن عباس ﵄: إنما ضرب الله هذا المثل للغيبة؛ لأن أكل لحم الميت حرام مستقذر، وكذا الغيبة حرام في الدين وقبيحة في النفوس.
وقال قتادة في تفسير الآية: كما يمتنع أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً كذلك يجب أن يمتنع من غيبته حياً.
ولم يقل: أيحب أحدكم أن يغتاب أخاه فكرهتموه، وإنما قال: (أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا)، وهذه عادة العرب الجارية في التعبير عن الغيبة بأكل اللحم، يقول الشاعر: فإن أكلوا لحمي وفرت لحومهم وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجداً
стр. 1377
تعريف الغيبة
بين النبي ﷺ حد الغيبة المحرمة، فعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (هل تدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ذكرك أخاك بما يكره، قيل: أرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته) أخرجه مسلم وغيره.
وهنا وضع النبي ﷺ حداً فاصلاً للغيبة: (هل تدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم)، وهذه عادة الصحابة في تأدبهم مع النبي ﷺ ، فقال: (ذكرك أخاك بما يكره)، وذكرك أخاك المسلم بما يكره، إما أن يكون باللسان، أو ما يقوم مقام اللسان، كحركة العين فيغمز بعينه، ويشير بيديه، ويكتب بقلمه، ويخرج لسانه، فأي شيء يقوم مقام اللسان في الغيبة فهو يدخل في قوله: (ذكرك أخاك بما يكره).
قوله: (قيل: أرأيت إن كان في أخي ما أقول؟) يعني: استوضح بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم: هل من الغيبة أنني أذكر أخي بشيء يكرهه، ولا أفتري عليه، إنما هو شيء فيه؟ وهذا لا يزال يقال حتى اليوم، رغم أن هذا منذ أكثر من أربعة عشر قرناً وضحه النبي ﷺ ، لكننا لا نزال نجد من الناس من يذكر نفس هذه الشبهة، فيقول: هذا شيء موجود فيه، وأنا لا أفتري عليه، أو يقول: أنا مستعد أن أواجهه بهذا؛ ليدفع عن نفسه صفة المغتاب.
إذا كنت ستواجهه بهذا ستنتقل من وزر الغيبة إلى وزر أذية أخيك المسلم؛ لأنك سوف تواجهه بما يؤذيه، فلم تخرج أيضاً من الأذية، فالفارق أن هذه أذية في غيبته، وهذه أذية في مواجهته، وكلها أذية، فقول بعض الناس الذين يلبس عليهم الشيطان في هذا الأمر: أنا مستعد أن أواجهه بهذا! أنا مستعد أن أقول هذا أمامه! نقول: هذه غيبة في غيبته، أما في حضوره فهذه أذية للمسلم حينما تذكره بما يكره.
قال النبي ﵊: (ذكرك أخاك بما يكره قيل: أرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته) يعني: إن كنت تذكره من وراء ظهره بشيء ليس فيه فهذا بهتان أشد من الغيبة؛ لأنه كذب وافتراء.
وروي (أن النبي ﵌ سئل: ما الغيبة؟ قال: أن تذكر من المرء ما يكره أن يسمع)، وفي بعض الألفاظ: (الغيبة: أن يذكر الرجل بما فيه من خلقه)، وفي بعض الروايات: (ما كنا نظن أن الغيبة إلا أن يذكره بما ليس فيه، قال: ذلك من البهتان).
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: (أنهم ذكروا عند رسول الله ﷺ رجلاً فقالوا: لا يأكل حتى يطعم، ولا يرحل حتى يرحل له) يعني: أنه لا يعتمد على نفسه، فوصفوه بالكسل أو بالضعف، حتى إنه لا يتولى أمور نفسه وإنما يتولاها له غيره، وإذا أراد أن يركب الجمل أو الدابة فإنه لا يضع الرحل والأشياء التي يركب عليها، وإنما لابد أن يخدمه الآخرون.
فقال النبي ﷺ فوراً لما سمعهم يقولون ذلك: (اغتبتموه، فقالوا: يا رسول الله! حدثنا بما فيه -أي: ذكرناه بشيء هو فيه- فقال النبي ﷺ : حسبك إذا ذكرت أخاك بما فيه) يعني: يكفيك من الإثم والوزر أن تذكره بما فيه - مما يكرهه.
قال الراغب: الغيبة أن يذكر الإنسان عيب غيره من غير محوج إلى ذكر ذلك، يعني: بدون سبب يحوجه إلى أن يذكر ذلك؛ لأن هناك حالات يجوز فيها أن يذكر الإنسان بما فيه.
وقال ابن الأثير: الغيبة: أن تذكر الإنسان في غيبته بسوء وإن كان فيه.
وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى تبعاً للغزالي: الغيبة ذكر المرء بما يكرهه، سواء كان ذلك في بدن الشخص أو دينه أو دنياه أو نفسه أو خَلقه أو خُلقه أو ماله أو ولده أو زوجه أو خادمه أو ثوبه أو حركته أو طلاقته أو عبوسته أو غير ذلك مما يتعلق به، سواء ذكرته باللفظ أو بالإشارة والرمز.
فكلما يمس المسلم وعرضه فإنه يدخل في حد الغيبة، أن تذكره بما يكرهه، ليس فقط في نفسه، وإنما في أي شيء يختص به في شكله بدنه دينه دنياه خُلقه ملابسه طريقة كلامه طريقة مشيته أولاده زوجته بيته دابته سيارته ثيابه حركته عبوسته أو غير ذلك مما يتعلق بالشخص، فالتعرض بذكره سواء باللفظ الصريح أو بالإشارة أو بالرمز كله من الغيبة؛ لأن هذا انتهاك لعرض المسلم، والعرض لفظ أوسع بكثير مما يظن بعض الناس؛ لأن بعض الناس يتصور أن العرض هو ما يتعلق بالتعفف عن الفواحش كالزنا ونحو ذلك، لا، العرض هو كل موضع قابل للذم أو المدح في الإنسان، فأي شيء فيك يقبل المدح والذم فهو عرضك، مثل الأمثلة التي ذكرناها.
وتحريم النيل من عرض المسلم أصل شرعي متين معلوم بالضرورة من دين الإسلام، وحفظ العرض أحد الضروريات الخمس التي شرعت من أجلها الشرائع، فمن مقاصد الشريعة العليا حفظ العرض، وقد خطب النبي ﵌ على مجمع يزيد على مائة ألف نفس من صحابته الأبرار في حجة الوداع، فقال في هذه الخطبة: (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا هل بلغت؟!) والأعراض: جمع عرض، وهو موضع المدح والذم من الإنسان، سواء كان في نفسه أو في سلفه أو من يلزمه أمره، وقيل: هو جانبه الذي يكون من نفسه وحسبه، ويحامي عنه أن ينتقص ويثلب.
стр. 1378
الأدلة الواردة في تحريم غيبة المسلم
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وماله، وعرضه).
ونظر عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما يوماً إلى الكعبة فقال: ما أعظمك وأعظم حرمتك! والمؤمن أعظم حرمة منك.
وقال ﷺ : (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رجل: (يا رسول الله! إن فلانة يذكر من كثرة صلاتها وصيامها وصدقتها، غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها) يعني: هي مشهورة جداً بالاجتهاد بكثرة الصلاة والصيام والصدقة، لكنها تفعل ذنباً واحداً فقط مع كثرة الصلاة والصيام والصدقة، قال: (غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها، فقال ﷺ : هي في النار، قال: يا رسول الله! فإن فلانة يذكر من قلة صيامها وصدقتها وصلاتها، وإنها تتصدق بالأثوار من الأقط -وهي قطع من الأقط وهو اللبن المجفف- ولا تؤذي جيرانها بلسانها، فقال: هي في الجنة).
وعن سفيان بن حسين قال: كنت عند إياس بن معاوية وعنده رجل تخوفت إن قمت من عنده أن يقع في، قال: فجلست حتى قام، فلما ذكرته لـ إياس فجعل ينظر في وجهي فلا يقول لي شيئاً حتى فزعت! يعني: جعل يحدق فيه ويستغرب كيف أنه تجرأ أن يتكلم على أخيه بعدما قام من المجلس، فانزعج من ذلك جداً، فقال لي: أغزوت الديلم؟ قلت: لا، قال: فغزوت السند؟ قلت: لا، قال: فغزوت الهند؟ فقلت: لا، قال: فغزوت الروم؟ قلت: لا، قال: فسلم منك الديلم والسند والهند والروم ولا يسلم منك أخوك هذا! فلم يعد سفيان إلى ذلك، يعني: تاب من أن يتكلم في أحد.
وعن سهل بن سعد الساعدي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة)، ولا شك أن هذه الضمانة الجسيمة لا تعلق إلا على أمر عظيم عند الله ، فضمان الجنة لا يكون إلا على شيء عظيم جداً ولا شك أن أعظم ما يهلك الناس هما الأجوفان: الفم والفرج، ولذلك قال النبي ﵇: (من تزوج فقد أعانه الله على على شطر دينه، فليتق الله في الشطر الثاني) أو كما قال، فنصف النجاة في الفرج، والنصف الآخر في اللسان، فمن استقام له هذان ضمن له النبي ﷺ الجنة، فلا يمكن أن تعلق هذه الضمانة الجسيمة إلا على أمر عظيم عند الله .
قال الإمام القرطبي رحمه الله تعالى: لا خلاف أن الغيبة من الكبائر، وأن من اغتاب أحداً عليه أن يتوب إلى الله .
وقال الفقيه الشافعي ابن حجر الهيتمي ﵀: كل منهما -أي: الغيبة والنميمة- حرام بالإجماع، وإنما الخلاف في الغيبة هل هي كبيرة أو صغيرة، ونقل الإجماع على أنها كبيرة، وقال آخرون: محله إن كانت في طلبة العلم وحملة القرآن، وإلا كانت صغيرة، يعني: أن بعض العلماء قالوا: إنها تكون كبيرة إذا كانت الغيبة في حق طلبة العلم أو حملة القرآن العظيم، وإن كانت في غيرهم فهي صغيرة.
وعن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قلت للنبي ﷺ : (حبسك من صفية كذا وكذا)، يعني: هي تشير بيدها تريد أن تقصد أنها قصيرة، فقال ﵊: (لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته)، هذه كلمة خلطت بماء البحر لتعكر منها ماء البحر، فهذا يدل على أن الغيبة من الذنوب التي يقول الإنسان فيها كلمة لا يلقي لها بالاً قد تهوي به في النار سبعين خريفاً، وقول النبي ﵊: (أتدرون ما هذه الريح؟! هذه ريح الذين يغتابون المؤمنين) وعن جابر رضي الله تعالى عنه قال: (كنا عند النبي ﷺ فهبت ريح منتنة، فقال رسول الله ﷺ : أتدرون ما هذه الريح؟ هذه ريح الذين يغتابون المؤمنين)، فلو كشفت الحجب، وشمت ريح الذين يقعون في الغيبة؛ لظهرت منهم هذه الرائحة التي ظهرت في ذلك الوقت.
وفي رواية أخرى عن جابر ﵁ قال: (هاجت ريح منتنة على عهد رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : إن ناساً من المنافقين اغتابوا ناساً من المسلمين فبعثت هذه الريح لذلك).
وقد يعرض
السؤال
إذا كان في عصر النبي ﵊ ظهرت هذه الريح وتبينت، فما الحكمة في أن ريح الغيبة ونتنها كانت تتبين على عهد رسول الله ﷺ ولا تتبين في يومنا هذا؟!
الجواب
لأن الغيبة كثرت الآن، وامتلأت الأنوف منها فلم تتبين للأنوف نتنها، ومثال هذا لو أن رجلاً دخل دار الدباغين الذين يدبغون الجلد، فإنه لا يقدر على القرار فيها من شدة الرائحة، وأهل تلك الدار يأكلون فيها الطعام ويشربون الشراب، ولا تتبين لهم الرائحة؛ لأنه قد امتلأت أنوفهم منها، وكذلك الغيبة في عصرنا شاعت جداً، فالناس يشتركون في تنفس الهواء المسموم، فما يكادون يحسون بنتن الغيبة.
وعن أبي برزة الأسلمي والبراء بن عازب ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ : (يا معشر من آمن بلسانه ولما يدخل الإيمان قلبه! لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف بيته)، يعني: كما أنه يتتبع عورات الآخرين يفضحه الله ولو في جوف بيته؛ لأن الجزاء من جنس العمل.
وعن أبي بكرة ﵁ قال: (بينما أنا أماشي رسول الله ﷺ وهو آخذ بيدي ورجل على يساره، فإذا نحن بقبرين أمامنا، فقال رسول الله ﷺ : إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، وبلى) أخبر النبي ﵊ أن هذين الرجلين الميتين المدفونين يعذبان في قبريهما، فقال: وما يعذبان في شيء يكبر عليها أن يحترزا منه، بل هو بسبب معصية كانا يرتكبانها، وكان يسهل عليهما جداً أن يحترزا منها، ولم يكن يشق عليهما تركها؛ لأن الإنسان إذا نهي عن شيء فإنه قد لا يشق عليه تركه، وقد يفرض على الإنسان أن يترك بعض المعاصي كالمستلذات من الشهوات أو المطعومات أو المشروبات ويشق عليه تركها؛ لأنها مستلذة، فمن المنهيات ما يشق تركه كالمستلذات، ومنها ما ينفر الطبع منه كالسموم والنجاسات، فهذه الأشياء الإنسان ينفر منها بطبعه، ومن المنهيات التي لا يشق على الإنسان تركها: الغيبة، قال: (إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير) قال بعض العلماء: يعني: في كبير في زعمكم أنتم، تحسبونه هيناً وهو عند الله عظيم، ففي نظركم تستحقرون هذا الذنب، لكنه عند الله كبير وعظيم.
وقوله: (بلى) يعني: حقاً إنه كبير يعاقب الله عليه، وقد عاقبهما سبحانه في القبر بعد موتهما بسبب هذين الذنبين، ثم قال: (فأيكم يأتيني بجريدة؟! فاستبقنا فسبقته، فأتيته بجريدة فشقها نصفين، فألقى على ذا القبر قطعة، وعلى ذا القبر قطعة، قال: إنه يهون عليهما ما كانتا رطبتين، وما يعذبان إلا في الغيبة والبول) والغيبة معروف معناها، والبول المراد به: أنه كان لا يستنزه من البول، وكان يهمل أمر التطهر من البول.
وعن جابر رضي الله تعالى عنهما مرفوعاً: (أما أحدهما فكان يغتاب الناس، وأما الآخر فكان لا يتأذى من البول).
وصح عن قتادة ﵁ قال: (ذكر لنا أن عذاب القبر ثلاثة أثلاث، ثلث من الغيبة، وثلث من البول، وثلث من النميمة).
وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس -يعني: أظفار نحاسية- يخمشون -يعني: يخدشون ويعذبون أنفسهم- يخمشون وجوههم وصدورهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟! قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس، ويقعون في أعراضهم).
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (كنا عند النبي ﷺ فقام رجل -يعني: غاب عن المجلس- فوقع فيه رجل من بعده، فقال النبي ﷺ : تخلل -من التخلل وهو استعمال الخلال لإخراج ما بين الأسنان من بقايا الطعام- فقال: ومم أتخلل وما أكلت لحماً؟ قال: إنك أكلت لحم أخيك).
وعن عمرو بن العاص ﵁ أنه مر على بغل ميت فقال لبعض أصحابه: لأن يأكل الرجل من هذا حتى يمتلئ بطنه، خير من أن يأكل لحم رجل مسلم.
стр. 1379
تحذير السلف من آفة الغيبة
الغيبة ضيافة الفساق كما قال بعض السلف، الضيافة هي ما يقدم للضيف، فالفساق يقدم بعضهم لبعض في المجالس لحوم الناس ليأكلوها بدل المشروبات والأطعمة.
стр. 1380
كلام إبراهيم بن أدهم ﵀ في ذم الغيبة
عن إبراهيم بن أدهم ﵀ أنه أضاف ناساً، فلما جلسوا على الطعام جعلوا يتناولون رجلاً؛ فقال إبراهيم: إن الذين كانوا قبلنا كانوا يأكلون الخبز قبل اللحم، فأنتم بدأتم باللحم قبل الخبز، يشير إلى قوله تعالى: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ [الحجرات:١٢]، فبدل أن يبدءوا بالخبز بدءوا أولاً بلحم الناس بغيبتهم.
وعن ابن سيرين: أنه ذكر الغيبة فقال: ألم تر إلى جيفة خضراء منتنة؟ هكذا يكون المغتاب.
стр. 1381
كلام سفيان الثوري في ذم الغيبة
عن محمد بن عبيد الطنافسي قال: كنا عند سفيان الثوري فأتاه رجل فقال: يا أبا عبد الله! أرأيت هذا الحديث الذي فيه: (إن الله ليبغض أهل البيت اللحميين)، وهذا ليس حديثاً مرفوعاً إلى النبي ﵊، ولعلها كلمة أو مثل شائع بين الناس، قال: هل هم الذين يكثرون أكل اللحم؟ قال: سفيان: لا، هم الذين يكثرون أكل لحوم الناس، هؤلاء هم اللحميون.
وسمع علي بن الحسين رجلاً يغتاب آخر فقال: إياك والغيبة! فإنها إدام كلاب الناس.
وعن عبد العزيز بن أبان أن سفيان الثوري ﵀ قال: إياك والغيبة! إياك والوقوع في الناس فيهلك دينك.
وسئل بشر بن الحارث عمن يغتاب الناس، أيكون عدلاً؟ قال: لا، إذا كان مشهوراً بذلك فهو الوضيع.
وقال الفضيل: سمعت سفيان يقول: لأن أرمي رجلاً بسهم أحب إلي من أن أرميه بلساني.
стр. 1382
كلام الحسن البصري في ذم الغيبة
قال الحسن: والله للغيبة أسرع في دين المؤمن من الأكلة في جسده، يعني: أن الغيبة أسرع في إفساد دينه من الأكلة إذا ضربت جسده، وهي تآكل في الجسد، والغيبة تكون بالقول، وتكون بغيره.
стр. 1383
كلام الإمام الغزالي في كل ما يدخل في الغيبة
يقول الغزالي رحمه الله تعالى: الذكر باللسان إنما حرم؛ لأن فيه تفهيم الغير نقصان أخيك وتعريفه بما يكره، يعني: الغيبة هي: ذكرك أخاك بما يكره، ويكون ذلك باللسان أصلاً، لكن قد يقوم غير اللسان مقام اللسان في توصيل هذه الرسالة، وهي انتقاص أخيك أو ذكره بما يكره، فسر تحريمها باللسان أن فيه تفهيم الغير نقصان أخيك، وفيها تعريفه بما يكره، فالتعريض به كالتصريح، والفعل فيه كالقول مثل الإشارة والإيماء والغمز والهمز والكتابة والحركة، فكل ما يفهم منه المقصود داخل في الغيبة وهو حرام.
стр. 1384
كلام الإمام النووي في ذم الغيبة وضابطها
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: إن الغيبة ذكرك الإنسان بما يكره، سواء ذكرته بلفظك أو في كتابتك، أو رمزت أو أشرت إليه بعينك أو يدك أو رأسك، وضابطه: كل ما أفهمت به غيرك نقصان مسلم فهو غيبة محرمة، ومن ذلك المحاكاة، وهي: أن يقلده في مشية أو حركة أو في طريقة كلامه، فالمحاكاة كأن يمشي متعارجاً أو مطأطئاً أو على غير ذلك من الهيئات، مريداً بذلك حكاية هيئة من يتنقصه، فكل ذلك حرام بلا خلاف، وقد يحمل بعض الشباب الترفيه عن أنفسهم على مثل هذه الأشياء، فتجده يقلد شيخاً معيناً أو يقلد خطيباً في حركته أو طريقة صوته، ويقصد بذلك الاستهزاء، فهذا من الغيبة المحرمة، وهذا في طلبة المدارس والجامعات شائع جداً، كسخرية الطلبة من أساتذتهم، وهو من سوء الخلق ومن نكران المعروف الذي يسديه إليه أستاذه، حتى الذي يعلمك علماً دنيوياً له حق عليك، ولا ينبغي الاشتغال بغيبته.
وبعض الناس عندهم هواية نقد الخطباء، فبمجرد أن يخرج من صلاة الجمعة يبدأ في الغيبة، مع أن الجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهما، فتكون أول القسيمة غيبة خطيب الجمعة، فيبدأ الأسبوع بالغيبة؛ والمفروض أن صلاة الجمعة تقوي عنده شحنة الإيمان والورع بعد خطبة الجمعة، لأنه سيبدأ يعد نفسه إلى الأسبوع الآتي، فلما يكون العد بادئاً بمصيبة الغيبة، إذاً بعدها بيوم ويومين سيعمل أعظم من ذلك، فالمفروض أن الإنسان بعد صلاة الجمعة يكون في أعلى درجات الاستعداد للاحتراز عن المعاصي؛ لأنه مازال أمامه أسبوع، فينبغي أن يكف الإنسان عن مثل هذا؛ لكن هناك هواية عند بعض الناس وهي النقد وغيبة الخطباء والكلام عليهم بمجرد ما يخرج من الخطبة، فهذا بلا شك مما لا ينبغي.
يقول الإمام النووي ﵀: ومن ذلك إذا ذكر مصنف كتاب بعينه غمزة في كتابه قائلاً: قال فلان: كذا، مريداً تنقصه والشناعة عليه، فهذا حرام، يعني: إذا كان يريد التنقص والتشنيع، لكن إن أراد بيان غلطه وبيان الحق، لا التشنيع، حتى لا يقلد، أو ليبين ضعفه في العلم، حتى لا يغتر به ويقبل قوله؛ فهذا ليس بغيبة، بل نصيحة واجبة يثاب عليها إذا أراد ذلك.
وإذا قال المصنف أو غيره: قال قوم أو جماعة كذا، أو هذا غلط أو خطأ أو جهالة وغفلة ونحو ذلك؛ فليس بغيبة؛ لأن الغيبة ذكر الإنسان بعينه، أو ذكر جماعة معينين.
ومن الغيبة المحرمة قولك: فعل بعض الناس كذا أو بعض الفقهاء أو بعض من يدعي العلم أو بعض المفتين أو بعض من ينسب إلى الصلاح أو يدعي الزهد، فإذا كان المخاطب الذي تخاطبه يفهم من الذي تقصده فهذه غيبة، وكأنك عينت اسمه، وهذا من الذي تقصده، فهذا من ذكرك لهذا الشخص بما يكره، وإن لم تذكره باسمه، لكونك ذكرت من صفاته ما يجعله متعيناً عند المستمعين.
ومن ذلك غيبة المتفقهين والمتعبدين، فإنهم يعرضون بالغيبة تعريضاً يفهم به كما يفهم بالصريح، فهو يؤدي إلى نفس الغاية، وهي التنقض وذكر المسلم بما يكرهه، فمثلاً يقال لأحدهم: كيف حال فلان؟! فيقول: الله يصلحنا، الله يغفر لنا وله، ربنا يصلحه، نسأل الله العافية، والظاهر أنه يريد الورع والتحرر من الغيبة من عدم التصريح في تنقصه، والظاهر أنه أيضاً يدعو له، لكن في الحقيقة هذه غيبة؛ لأنه يقصد بقوله: ربنا يعافينا، ربنا يكفينا شر الدنيا، ونحو ذلك؛ التنقص لأخيه المسلم.
فينبغي الاحتراز؛ لأن الشيطان يلبس على العباد الذين ليس عندهم علم بهذه الطريقة، فيغتاب بقوله: الله يصلحنا، الله يغفر لنا، الله يصلحه، نسأل الله العافية، نحمد الله الذي لم يبتلينا بالدخول على الظلمة، الله يعافينا من قلة الحياء.
هو يسأل: كيف فلان؟ ما أخباره؟ فيقول: الله يتوب علينا، وهو ما اغتابه في الظاهر، لكنه يقصد بذلك التنقص، وما أشبه ذلك مما يفهم منه تنقصه، فكل ذلك غيبة محرمة، وكذلك إذا قال: والله كلنا مذنبون وكلنا مقصرون، فهو يريد أن يعمم من أجل أن يخفف الجريمة، لكن بلا شك أنه قد أوصل رسالة في ذم أخيه، وبيان أنه سيئ، ومثله أن يقول: والله نحن كلنا بشر، وكلنا مبتلون كما ابتلي فلان، ويظن أنه عندما يتكلم بهذه الصيغة يخفف من جريمته، أو يقول مثلاً: كلنا نفعل هذا الشيء، وهذه أمثلة، وإلا فضابط الغيبة تفهيمك المخاطب نقص إنسان.
стр. 1385
كلام شيخ الإسلام في ذم الغيبة
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: فمن الناس من يغتاب موافقة لجلسائه وأصحابه وعشائره، يعني: يجلس في مجلس فيساير أهل المجلس، ولا يريد أن يخالفهم فتحصل بينه وبينهم الوحشة، فيساير الناس ويوافقهم كالإمعات، يكون مع الناس حيث كانوا، إن أساءوا يسيء معهم، وإن أحسنوا يحسن معهم، فهو تابع وذيل وموافق ومساير لما عليه أهل المجلس، فلا يريد أن يوحشهم بترك المشاركة في هذه الوليمة التي هي ضيافة الفساق.
يقول شيخ الإسلام: فمن الناس من يغتاب موافقة لجلسائه وأصحابه وعشائره مع علمه أن المغتاب بريء مما يقولون، أو فيه بعض مما يقولون، لكن يرى أنه لو أنكر عليهم قطع المجلس، واستثقله أهل المجلس ونفروا منه، فيرى موافقتهم من حسن المعاشرة وطيب المصاحبة، وقد يغضبون فيغضب لغضبهم ويخوض معهم، ومنهم من يخرج الغيبة في قوالب شتى، تارة في قالب ديانة وصلاح، فيقول: ليس لي عادة أن أذكر أحداً إلا بخير، ولا أحب الغيبة ولا الكذب، لكن أنا أخبركم بأحواله.
وهذه المقدمة لا تغني عنه شيئاً؛ لأنه بالفعل سيتورط في الغيبة، فيقول مثلاً: والله هذا مسكين، والله هذا رجل جيد، ولكن يفعل كذا وكذا، أو فيه كيت وكيت، وربما يقول: دعونا منه، ما نحب ذكر سيرة الناس، الله يغفر لنا وله، وهذه العبارة تفهم أيضاً التنقيص والاستنقاص وهضم جناب أخيه، فيخرجون الغيبة في قوالب صلاح وديانة، يخادعون الله بذلك! يقول شيخ الإسلام: وقد رأينا منهم ألواناً كثيرة من هذا وأشباهه، ومنهم من يرفع غيره رياءً، يعني: يتصنع إبداء الشفقة والرحمة على أخيه، ففي الظاهر يبين لك أنه مشفق عليه، لكن هو يريد اغتيابه، ثم يتصنع بالدعاء له عند إخوانه، ومن ذلك قوله: فلان حبيب! فلان طيب! أو طيب القلب! وهو يقصد بكلمة طيب أنه مغفل، والسياق يبين ذلك، وأحياناً يقولون: درويش، ويريد أنه يخدع بسرعة، فكلمة: قلبه طيب قد تكون مدحاً، لكن أحياناً السياق يوحي أنه يراد بها أنه يستغفل.
يقول شيخ الإسلام: ومنهم يرفع غيره رياء، فيرفع نفسه فيقول: لقد دعوت البارحة في صلاتي لفلان، وأنا كنت أدعو له بالأمس في الثلث الأخير، وفي السحر دعوت لفلان لما بلغني عنه كيت وكيت، والذي يفعل كذا وكذا، فهو في الحقيقة يرفع نفسه، وفي الظاهر أنه يتكلم كلاماً طيباً، لكن هو يرفع نفسه ويرائي ويجهر بعمل السر، وعمل السر لا يجهر به.
يقول مثلاً: في ثلث الليل الأخير من صلاتي دعوت لفلان؛ لأنه يفعل كذا وكذا، والظاهر أنه يريد له الخير، لكن هو يريد أن يرفع نفسه، ويضع أخاه ويحقره أو يقول: فلان بليد الذهن قليل الفهم، ومعنى هذا أن المتكلم أكثر ذكاء وأعلم وأفضل منه.
يقول شيخ الإسلام: ومنهم من يحمله الحسد على الغيبة، فيجمع بين أمرين قبيحين: الغيبة والحسد، وإذا أثني على شخص في حضوره أزال عنه ذلك بما استطاع من تنقصه في قالب دين وصلاح، أو في قالب حسد وفجور وقدح ليثبت ذلك عنه.
يعني: هو يغتاب لينفس عن الحسد الذي يملأ قلبه على خلق الله ، والحسد خلق لا يمكن أن يجتمع مع الإيمان، فالمؤمن لا يمكن أن يحسد، فالحسد قرين الكفر، فهو من أخلاق الكافر، خاصة إذا كان في أمور الدين، فهذا من أقبح أنواع الحسد.
وقول النبي ﵊: (لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به، ورجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق) ليس هذا هو الحسد المذموم، وإنما المقصود به الغبطة، وهي أن تتمنى مثل ما لأخيك من الخير، فهذا لا حرج فيه، فهو جائز، أما الحسد: فهو أن تتمنى زوال نعمته، فالحاسد عدو نعم الله ، ولا يرضيه من أخيه إلا أن تزول عنه نعم الله .
وإن كان الحسد قبيحاً في حق من يتنافسون على الدنيا فإنه ليس له أي مسوغ أو مبرر فيما بين أهل الدين وطلبة العلم، ونحن نسمع عن بعض طلبة العلم الديني فضلاً عن العلم الدنيوي صدور نوع من الأنانية الغريبة، والتحاسد في طلب العلم، وطلب العلم إنما يراد به النجاة في الآخرة، والجنة واسعة جداً، وفسيحة تسع كل خلق الله ، بل سيبقى فيها أماكن زائدة، فيخلق الله خلقاً يملئونها، فهي أكبر مما نتخيل قال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:١٣٣] هذا عرضها فما بالك بطولها، فالجنة واسعة، فيقبح بالمؤمن أن يحسد أخاه في الدين، فعليك أن تخرج كل الناس من الظلمات إلى النور بما تستطيع، وتزيدهم في الطاعات، فالعجيب جداً أن يوجد بعض أنواع من التحاسد في الدين، وخاصة بين طلبة العلم، فمثلاً: شخص يقف على كتاب مهم يخبئه ولا يظهره لإخوانه! لا يجوز هذا، تأملوا قول الله : ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:٣]، وغيرها من الآيات التي يعاتب الله فيها نبيه ﷺ من شدة حرصه على إيمان الكفار، وشدة حزنه على عدم استجابتهم، حتى كاد أن يموت من الحسرة والحزن عليهم ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:٣]، وقوله: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف:٦] ومثال هذا كشخص يريد أن يودع أحب إنسان إليه وقد ركب القطار، ثم بدأ القطار يتحرك ليسافر بهم سفراً بعيداً، فهو يريد أن يتحدث مع هذا الشخص الذي هو أحب إنسان إليه، ابنه أو أخاه أو صديقه، فإذا بالقطار يتحرك وهو يمشي معه، ويتبعه على آثارهم، ولا يريد أن يستسلم، وإلى آخر فرصة يحاول أن يسلم عليه أو يوصيه بوصية أو يعطيه متاعاً، ولا يفارقه بسرعة، فيظل يجري مع القطار من الخارج، فهذه صورة قريبة جداً تبين شفقة النبي ﵇ وعاطفته تجاه الكفار وصناديد الكفر الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله، قال تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف:٦] يعني: هم يمشون وأنت تجري وراءهم، وتتحسر وتحزن، وتحريص على أن تجتذبهم إلى الإيمان، وهم ينفرون منك، وأنت تتبعهم وتغتنم كل فرصة ممكنة، وتجري وراءهم (على آثارهم)، وتكاد تهلك من الحزن والحسرة والأسف؛ لأنهم لم يؤمنوا، فالله دائماً يواسيه، ويأمره أن يخفف عن نفسه حتى لا يهلك نفسه حسرة على هؤلاء الكفار، لأنه يدعوهم إلى الجنة والنجاة! فيجب أن تفرح لأخيك إذا كان مجتهداً في الطاعات، وإذا ازداد من طلب العلم، وإذا كان عندك بحث أو كتاب أو مرجع أو أي شيء يعينه على طلب العلم، فعليك أن تبذله له ابتداء فضلاً عن أن يطلبه منك فتخبئه أو يأتي شيخ عنده أسانيد وكذا وكذا فيخفي أمره! فبعض الشباب يجدون شيخاً في مكان فيسكتون حتى لا يعلم باقي إخوانهم بدروس الشيخ، فيأتون ويسمعون منه الحديث ويتعلمون منه العلم، فهذه نفسية أناس يريدون الدنيا، فالذي يريد الآخرة لا يحسد في العلم أحداً حسداً مذموماً، والذي يفعل هذا هو يريد الرياء، ويريد السمعة والجاه، وهذه كلها من أعراض الدنيا، فهذا طالب دنيا وليس بطالب علم شريف، فطالب العلم الشرعي يؤثر إخوانه بالعلم، ويبذل لإخوانه النصح، ويحرص على ما ينفعهم.
ونحن نرى كثيراً من هذه الأخلاق في بعض التجمعات الطلابية لاسيما في غير العلوم الشرعية، في طلبة الكليات أو البحوث والدراسات، فيحصل عندهم نوع من التنافس والحسد، فيخبئ أحدهم شيئاً من الملخصات والبحوثات عن إخوانه! فهذه النفسيات الغربية العجيبة لا يمكن أن تكون تأدبت ولا تهذبت بأخلاق وآداب الإسلام، قال تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر:٩]، فإن كان هذا قبيحاً في طلاب علوم الدنيا فهو أقبح وأشر في طلاب علوم الآخرة والجنة، فالذي يريد الجنة يحب الجنة لكل الناس.
أما الذي يحسد ويحب زوال النعم على الناس فهذا لا يمكن أن يكون مجداً للآخرة، هذا طالب دنيا، وإنما يتستر وراء الدين، لكن هو في الحقيقة يريد الدنيا، فإن كنت صادقاً في حب الله وحب رسوله فينبغي للصادق أن يحب أن يكون كل الناس طائعين لله، وكل الناس مقيمين للصلاة، وكل الناس يتعلمون العلم الشرعي ويستفيدون منه.
فمريد الآخرة يبذل ويضحي ويؤثر على نفسه، ويحب أن يكون كل الناس مطيعين لله ، لا أن يحسد أو يخبئ عن إخوانه أمور الآخرة، هذه إشارة عابرة فيما يتعلق بوباء الحسد بين بعض الفئات القليلة من طلاب العلم الشرعي.
يقول شيخ الإسلام: ومنهم من يحمله الحسد على الغيبة فيجمع بين أمرين قبيحين الغيبة والحسد، وإذا أثني على شخص في مجلس لا يتحمس، ولابد أن يدفع هذا الإحسان وهذا الثناء بأي صورة من صور التنقص، ويأتي بها في قالب دين وصلاح: نسأل الله العافية، هو رجل طيب، لكن كذا وكذا وكذا، أو لا يستطيع أن يخرجه من قالب دين وصلاح فيأتي به في قالب حسد وفجور وقدح ليسقط عنه ثناء الناس.
ومنهم من يخرج الغيبة في قالب تمسخر ولعب ليضحك غيره باستهزائه ومحاكاته واستصغار المستهزأ به.
وهذا خلق سيء لا يليق بالمسلم أبداً، لاسيما مع المدرسين، والآن يعتبرون أن هذا الموضوع جائز، وليس فيه أي ذنب، فيسخر منه وكأنه يشرب كوباً من الماء، وكأن المدرس ليس له أي حرمة، وإنما جريمته أنه مدرس يعلمه وينفعه، فما يكاد يشعر أحد بأن هذا إنسان مسلم محترم له حرمة، ويجب أن يصان عرضه، ولا ينبغي أن يقابل الإحسان بالإساءة، حتى لو كان يعلمه علوماً دنيوية مباحة فلا ينبغي أن يقابل هذا الإحسان بالغيبة، فنجد التنقص الشديد للمدرسين، والاستهزاء بهم أو تقليدهم ومحاكاتهم، وهذا تعرفونه جميعاً.
ومنهم من يخرج الغيبة في قالب التعجب، فيقول: تعجبت من فلان كيف لا يفعل كيت وكيت! ومن فلان كيف وقع منه كيت وكيت! وكيف فعل كيت وكيت! فيخرج الغيبة في معرض التعجب.
ومنهم من يخرج الغيب
стр. 1386
كلام الحارث المحاسبي في ذم الغيبة
يقول الحارث المحاسبي رحمه الله تعالى: إن علم إبليس أنك حذر خائف في كثير من أحوالك، لم يبدأ صاحبك بالتزين له بالغيبة والكذب، إن علم أنك من ذلك نافر وله مجانس، ولكن يدعكما أنت وصاحبك، مادام أنكما لا تريدان أن تتكلما في الغيبة، حتى إذا ذكرتما الله ، واستأنست قلوبكما، زين لكما فضول الكلام والراحة إلى الدنيا، فإذا خضتما في ذلك زين لكما الغيبة، فإن كنتما من الخائفين في كثير من أموركما أجرى الغيبة من قبل الغضب لله أو التعجب أو الإنكار أو التوجع لمن تغتابانه.
وهذه فتنة شائعة خاصة في أهل الدين، وهي إظهار الغيبة بحجة أنه يغضب لله ، فيقول: هذه غيرة على الدين، والغيبة جائزة في ستة أحوال وهي كذا وكذا وكذا، وهو يقصد به التشفي! فمشكلتنا أننا دائماً نبدأ من حيث انتهى الشرع، أقصى منطقة يؤاخذ فيها الشرع تكون بالنسبة لنا نقطة تشريع، وننطلق بعدها إلى بعيد جداً عن حدود الشرع، فالنصيحة للإخوة عموماً ترك الغيبة، وبعض البلاد قد اكتوت بنيران هذه الفتن، فحصدت الدين وحلقته كما تحلق الرءوس، يدخل لهم الشيطان من هذه الثغرة، فيقولون: نحن نغضب للمنهج والدفاع عن السلفية، والرد على أهل البدع إلى غير ذلك من هذه التزيينات الشيطانية، ويصبح من هذه الثغرة ينطلق الشيطان يفعل مفعوله، والذي لا يستطيع أن يضبط لسانه ولا قلمه فننصحه أن يكف وينسى أن هناك رخصاً في الغيبة؛ لأن مشكلتنا أننا أصلاً متمادون في هذا الذنب، ومترخصون فيه جداً، فينبغي الحذر من ذلك، وعدم الإنصات لمن يدعون أنهم يدافعون عن المنهج، وأنهم يدافعون عن كذا وكذا، وهم بسلوكهم إنما يقصدون تنقص خلق الله .
стр. 1387
مستمع الغيبة والمغتاب مشتركان في الإثم
مستمع الغيبة والمغتاب شريكان في الإثم، فقد روي عن أبي هريرة ﵁ قال: (جاء الأسلمي إلى رسول الله ﷺ -وهو ماعز - فشهد على نفسه بالزنا أربع شهادات يقول: أتيت امرأة حراماً، وفي كل ذلك يعرض عنه رسول الله ﷺ ، فذكر الحديث إلى أن قال له النبي ﵊: (فما تريد بهذا القول؟ قال: أريد أن تطهرني) ومعروف أنه إذا بلغ الحد الإمام فلا رجوع فيه، وهنا
السؤال
من أتى ذنباً يستوجب حداً في مثل هذا الزمان الذي لا تقام فيه الحدود إلا نادراً في بعض البلاد، هل يعمل مثل ماعز.
الجواب
لا، حتى لو كان في مجتمع الصحابة رضي الله تعالى عنهم -الذين هم خير أمة أخرجت للناس-، فلو كانت الحدود تقام فليس على كل من فعل ذنباً أن يذهب إلى الخليفة ويعترف عنده ليقام عليه الحد، بل الواجب عليه أن يستر نفسه حتى في ظل الدولة الإسلامية التي تقيم الحدود، وهو يكافأ إن ستر على نفسه في الدنيا أن يستر الله في الآخرة، فيقرره الله بذنوبه يوم القيامة فيقول له: أتذكر كذا؟ أتذكر كذا؟ فإذا ظن أنه هالك لا محالة، يقول الله له: (فأنا أسترها عليك اليوم كما سترتها عليك في الدنيا)، فإن الله حيي ستير يحب الحياء والستر، ومن أعظم ما يحبه أن يستر العبد على نفسه وعلى إخوانه.
فإذا ابتلي الإنسان بشيء من هذه المعاصي أو القبائح فينبغي أن يستر على نفسه ولا يحدث بذلك أحداً، وقد جاء في الحديث: (كل أمتي معافى إلا المجاهرون)، والمجاهرون هم الذين يأتي أحدهم الذنب بالليل فإذا أصبح يهتك ستر الله عليه ويقول: قد فعلت كيت، ويحكي للناس ما فعل، فهذا يعاقب بأن الله لا يغفر له ولا يعافيه؛ لأنه ضاد الله فيما يحبه، فالله ستير يحب الستر، وفي الحديث: (من ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة)، فينبغي الاهتمام بهذا الأمر، حتى ولو في ظل دولة الخلافة الإسلامية، فالعاصي غير مطالب بأن يذهب للإمام ويهتك ستر نفسه، لكنه مطالب طلباً أكيداً أن يستر على نفسه، ويرجو رحمة الله وعفوه، وإن جهر بذلك وفضح نفسه فإنه يعاقب، فإذا بلغت توبته إلى هذا الحد، وحرص على أن يطهره الله، وبلغ الإمام ذنبه؛ فلا رجوع في الحد، لذلك لما اعترف ماعز بالزنا أراد النبي ﵇ أن يدفع عنه ذلك فقال له: (لعلك فعلت كذا أو كذا)، بما هو أخف من الفاحشة، فأقر وصرح تصريحاً لا لبس فيه بأنه أتى بالفعل هذا الحرام، فقال له النبي ﷺ : (فما تريد بهذا القول؟ قال: أريد أن تطهرني، فأمر به رسول الله ﷺ أن يرجم فرجم، فسمع رسول الله ﷺ رجلين من أصحابه يقول أحدهما لصاحبه: انظروا إلى هذا الذي ستر الله عليه فلم تدعه نفسه حتى رُجِمَ رَجْمَ الكلب! قال: فسكت رسول الله ﷺ ، فمر بجيفة حمار شائل برجله -والشائل: هو كل ما ارتفع، والارتفاع ينشأ من التعفن والغازات في داخل أمعاء الحمار فتتراكم فترفع الرجلين، فالعضلات تتصلب، والغازات تدفعه من شدة التعفن- فقال: أين فلان وفلان؟ فقالا: ها نحن يا رسول الله! فقال لهما: كلا من جيفة هذا الحمار، فقالا: يا رسول الله! غفر الله لك، من يأكل من هذا؟! فقال رسول الله ﷺ : ما نلتما من عرض هذا الرجل آنفاً أشد من أكل هذه الجيفة، فوالذي نفسي بيده إنه الآن في أنهار الجنة) وقوله: (أشد) بصيغة أفعل التفضيل، فما وجه هذه التفضيل؟ معناه أن الذنب الذي ارتكبتماه بغيبة هذا المسلم الذي أقيم عليه الحد وطهر منه أشد عند الله من أكل جيفة الحمار المتعفن؛ لأن من يأكل جيفة الحمار لا يكون قد آذى مسلماً، لكن من وقع في الغيبة فقد آذى مسلماً، وانتهك عرضه، وانشغلت ذمته بحقوق العباد، فهذا خير ممن يأكلون لحوم البشر! وقول النبي ﵊: (كلا من جيفة هذا الحمار) فخاطب المتكلم وجليسه، وقال: (ما نلتما)، استعمل صيغة المثنى، مع أن الذي اغتاب كان واحداً، لكن الآخر استمع وأقر ولم ينكر عليه، فهذا نذير خطر؛ وما أكثر ما يجلس الإنسان في مجالس آكلي لحوم البشر! وهذه بلية موجودة حتى في أهل الدين والطاعة، كيف تجلس في مجالس الغيبة وتسكت وتقر، إما أن تزيل المنكر وتنكر على هذا المتكلم وإما أن تترك المكان وتفارقه، وإن كنت لا تقوى على هذين الأمرين فاتق مخالطة الناس ما استطعت، فإن من أكثر المخالطة لا يكاد يسلم في هذا الزمان من الوقوع في الغيبة.
والمغتاب لو أنه في كل مجلس يجد من يزجره أو يهجره ويترك المجلس؛ لانتبه وأحس بجريمته، فإن كان لا يستحي من الله فقد يخشى هجرة الناس إياه، فلو أنه في كل مجلس وجد من يزجره لتوقف عن الغيبة وانتهى عنها، لكن نحن نساعده بالسكوت والإقرار إن لم يكن بالمشاركة والمؤازرة.
إذاً: هذا الحديث دليل على أن الذي يسمع المنكر ويسكت ويقر كمرتكب الجريمة، وكلاهما سواء في الوزر؛ ولذلك قال: (كلا) وقال: (ما نلتما من عرض أخيكما) فنسب الوزر إليهما جميعاً.
ومثله قوله تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا﴾ [الشمس:١٤] هل عقر الناقة كل القبيلة أم واحد؟ هو واحد، لكن الباقون كانوا مقرين وموافقين، فنسب الفعل إليهم أجمعين.
وعن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: (كانت العرب يخدم بعضهم بعضاً في الأسفار، وكان مع أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما رجل يخدمهما، فاستيقظا ولم يهيئ لهما طعاماً، فقال أحدهما لصاحبه: إن هذا ليوائم نوم بيتكم -يعني: أن نومه يشبه نوم البيت لا نوم السفر، يريد بذلك أن يعيبه بكثرة النوم، يعني: أنه ينبغي له في حالة السفر أن ينام نوماً خفيفاً ويكمل الرحلة- فلما تأخر عن إعداد الطعام لهما، قال أحدهما لصاحبه: إن هذا ليوائم -يعني: يوافق- نوم بيتكم، فأيقظاه، فقالا: ائت رسول الله ﷺ فقل له: إن أبا بكر وعمر يقرئانك السلام وهما يستأدمانك -يعني: يطلبان منك الإدام، وهو ما يؤكل مع الخبز- فلما ذهب الرجل الخادم إلى الرسول ﵊ قال له: إن أبا بكر وعمر يقرئانك السلام وهما يستأدمانك، فقال الرسول رداً عليه: إنهما قد ائتدما، فلما رجع وأخبرهما فزع أبو بكر وعمر وجاءا مسرعين إلى الرسول ﷺ فقالا: يا رسول الله! بعثنا إليك نستأدمك، فقلت قد ائتدما، فبأي شيء ائتدمنا؟! قال: بلحم أخيكما، والذي نفسي بيده! إني لأرى لحمه بين أنيابكما)، وفي رواية: (والذي نفسي بيده! إني لأرى لحمه من ثناياكما، قالا: فاستغفر لنا، قال: هو فليستغفر لكما) يعني: صاحب الحق هو الذي يطلب عفوه، ويستغفر لكما.
فقول النبي ﵊: (قد ائتدما)، وقوله أيضاً: (بين أنيابكما)، وقوله: (هو فليستغفر لكما)، كل هذا يدل على أنهما سواء في الوزر، مع أن الذي تكلم واحد، والآخر لم ينكر عليه.
يقول الإمام النووي رحمه الله تعالى: اعلم أن الغيبة كما يحرم على المغتاب ذكرها يحرم على السامع استماعها وإقرارها، فيجب على من سمع إنساناً يبتدئ بغيبة محرمة أن ينهاه إن لم يخش ضرراً ظاهراً، فإن خافه وجب عليه الإنكار بقلبه، ومفارقة ذلك المجلس إن تمكن من مفارقته، فإن قدر على الإنكار بلسانه أو على قطع الغيبة بكلام آخر لزمه ذلك، فإن لم يفعل عصى، فإن قال بلسانه: اسكت وهو يشتهي بقلبه استمرارها -ويحب أن يزود الكلام ليتشفى، خاصة إذا كان بينه وبينه عداوة، ويقول ذلك نفاقاً؛ لا يخرجه عن الإثم، ولابد من كراهته بقلبه، يعني: لو كان يشتهي الزيادة، فمعنى ذلك أن قلبه يحب المعصية، ومعلوم أن إنكار المنكر بالقلب فرض عين على كل مسلم، لا يعذر فيه أحد أبداً، لكن الإنكار باللسان وباليد أحياناً لا يستطيعه الإنسان، لذلك يقول الرسول ﷺ : (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)، ثم سكت بعده؛ لأن القلب لا سلطان لأحد عليه، لكن قال: (وذلك أضعف الإيمان)، فلابد أن يكره المسلم الإثم بقلبه، ومتى اضطر إلى المقام في ذلك المجلس الذي فيه الغيبة وعجز عن الإنكار أو أنكر فلم يسمع منه ولم يمكنه المفارقة بطريق؛ حرم عليه الاستماع والإصغاء للغيبة، وفي هذه الحالة طريقه: أن يذكر الله تعالى بلسانه أو بقلبه، ويفكر في أمر آخر ليشتغل عن استماعها، ولا يضره بعد ذلك السماع من غير استماع وإصغاء في هذه الحالة المذكورة، فإن تمكن بعد ذلك من المفارقة وهم مستمرون في الغيبة وجب عليه المفارقة، قال الله : ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام:٦٨].
وعن عمرو بن عتبة بن أبي سفيان أنه قال لمولى له: نزه سمعك عن استماع الخنا، كما تنزه لسانك عن القول به، فإن المستمع شريك القائل: وسمعك صن عن سماع القبيح كصون اللسان عن النطق به فإنك عند سماع القبيح شريك لقائله فانتبه
стр. 1388
أهمية الاشتغال بعيوب النفس
من الأمور المهمة جداً التي تعين الإنسان على أن ينشغل عن الغيبة ويبرأ منها: أن يشتغل بعيوب نفسه، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يبصر أحدكم القذى في عين أخيه وينسى الجذع في عينه) القذى: هو ما يقع في العين أو الماء أو الشراب من التراب أو التبن أو القش أو أي شيء من هذا، هذا هو القذى، ودائماً يكون شيئاً صغيراً، أما الجذع فهو واحد جذوع النخل، وهو كبير بالنسبة للقذى، فالرسول ﵊ يقول: إنك تنشغل بعيب الناس مع أن فيك ما هو أخطر وأشد جسامة من عيب أخيك، فإذا أردت أن تنتقد أخاك في الإسلام، وتدقق حتى ترى منه أدق العيوب وتنتقد من أجلها، ففي عينك الجذع ولا تراه، لكنك تدقق في رؤية عيب أخيك! فالإنسان لنقصه وحب نفسه يتوفر على تدقيق النظر في عيب أخيه، فيدرك عيب أخيه مع خفائه، فيعمى به عن عيب في نفسه ظاهر لا خفاء به، ولو أنه اشتغل بعيب نفسه عن التفرغ لعيوب الناس، لكف عن أعراض الناس وسد الباب إلى الغيبة، ومعروف في علم النفس حيلة الإسقاط، والإسقاط: إنسان يشعر بنقص معين أو هو يعمل ذنباً معيناً فيدافع لا شعورياً عنه، حتى يبرئ نفسه من هذا الذنب، فيرمي به الآخرين، والمولع بذم الناس فيه عيوب، لكن هو لا شعورياًَ يحاول أن يدفعها عن نفسه، وينفيها بأن ينتقص الآخرين، فلو علم ذلك لأدرك أنه إذا أكثر ذم الناس فهو يكشف عن العيوب المستكنة في نفسه.
يقول بعض العلماء: عجبت لمن يبكي على موت غيره دموعاً ولا يبكي على موته دما وأعجب من ذا أن يرى عيب غيره عظيماً وفي عينه عن عيبه عمى هو أعمى عن عيب نفسه، لكن بصره حاد عندما يريد أن يرى عيوب الآخرين!
стр. 1389
كلام السلف في الاشتغال بعيوب النفس
يقول الإمام أبو حاتم ابن حبان رحمه الله تعالى: الواجب على العاقل لزوم السلامة بترك التجسس عن عيوب الناس، مع الاشتغال بإصلاح عيوب نفسه، فإن من اشتغل بعيوبه عن عيوب غيره أراح بدنه ولم يتعب قلبه، فكلما اطلع على عيب لنفسه هان عليه ما يرى مثله من عيب أخيه، ومن سنة القتال: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ [التوبة:١٢٣]، فابدأ بالعدو الأقرب عن العدو الأبعد، فنفسك التي بين جنبيك هي العدو الأول أو الأقرب إليك، فاجتهد بمجاهدتها أولاً.
يقول: وإن من اشتغل بعيوب الناس عن عيوب نفسه عمي قلبه، وتعب بدنه، وتعذر عليه ترك عيوب نفسه، وإن من أعجز الناس من عاب الناس بما فيهم، وأعجز منه من عابهم بما فيه، ومن عاب الناس عابوه، يقول الشاعر: المرء إن كان عاقلاً ورعاً أشغله عن عيوب غيره ورعه كما العليل السقيم أشغله عن وجع الناس كلهم وجعه كما يقول الشاعر أيضاً: لا يشفي كلوم غيري كلومي ما به به وما بي بي الجراح التي في غيرك تؤلمك أكثر أم الجرح الذي في جسدك وفي بدنك؟! جراح غيرك لا تشفي جراحك أنت، وكل بجرحه.
وعن مجاهد عن ابن عباس ﵄ أنهم ذكروا رجلاً فقال: إذا أردت أن تذكر عيوب صاحبك فاذكر عيوبك.
قال أبو البحتري العنبري: يمنعني من عيب غيري الذي أعرفه عندي فوق العيب عيبي لهم بالظن مني لهم ولست من عيبي في ريب إن كان عيبي غاب عنهم فقد أخفى عيوبي عالم الغيب يعني: يمنعني من ذكر غيري بعيوبه ما أعرفه في نفسي من العيوب.
قوله: (عيبي لهم بالظن مني لهم) يعني: عيبي لهم بأشياء مظنونة، لكن أنا على يقين من عيبي إن كنت في حالة ظن من عيوبهم.
وعن بكر قال: تساب رجلان فقال أحدهما: حلمي عنك ما أعرف من نفسي، يعني: الذي يجعلني أحلم وأصبر ولا أرد عليك أنني أعرف من نفسي عيوباً أكثر من التي تعيرني بها.
وقيل للربيع بن خثيم: ما نراك تغتاب أحداً، فقال: لست عن حالي راضياً حتى أتفرغ لذنب الناس، ثم أنشد: لنفسي أبكي لست أبكي لغيرها لنفسي من نفسي عن الناس شاغل ولقي زاهد زاهداً، فقال له: يا أخي! إني لأحبك في الله، قال الآخر: لو علمت مني ما أعلم من نفسي لأبغضتني في الله، فقال له الأول: لو علمت منك ما تعلم من نفسك لكان لي في ما أعلم من نفسي شغل عن بغضك.
قبيح من الإنسان أن ينسى عيوبه ويذكر عيباً في أخيه قد اختفى ولو كان ذا عقل لما عاب غيره وفيه عيوب لو رآها قد اكتفى وعن عون بن عبد الله رحمه الله تعالى قال: لا أحسب الرجل ينظر في عيوب الناس إلا من غفلة قد غفلها عن نفسه.
وعن محمد بن سيرين رحمه الله تعالى قال: كنا نحدث أن أكثر الناس خطايا أفرغهم لذكر خطايا الناس.
وقال الفضيل بن عياض: ما من أحد أحب الرياسة إلا حسد وبغى، وتتبع عيوب الناس، وكره أن يذكر أحد بخير.
وقال مالك بن دينار: كفى بالمرء خيانة أن يكون أميناً للخونة، وكفى المرء شراً ألا يكون صالحاً ويقع في الصالحين.
وقال أبو عاصم النبيل: لا يذكر الناس بما يكرهون إلا سفلة لا دين له، يعني: غوغاء وأسافل.
لا تكشفن مساوي الناس ما ستروا فيهتك الله ستراً عن مساويك واذكر محاسن ما فيهم إذا ذكروا ولا تعب أحداً منهم بما فيك قال بكر بن عبد الله: إذا رأيتم الرجل موكلاً بعيوب الناس ناسياً لعيبه، فاعلموا أنه قد مكر به.
وسمع أعرابي رجلاً يقع في الناس فقال: قد استدللت على عيوبك لكثرة ذكرك لعيوب الناس؛ لأن الطالب لها يطلبها بقدر ما فيه منها: وأجرأ من رأيت بظهر غيب على عيب الرجال أخو العيوب وقال آخر: شر الورى من بعيب الناس مشتغلاً مثل الذباب يراعي موضع العلل وقال ابن السماك ي: سبعك بين لحييك، تأكل به كل من مر عليك، قد آذيت أهل الدور في الدور، حتى تعاطيت أهل القبور، أي: ما سلم منك أحد تأكل أعراض الأحياء وتؤذيهم، ثم تحولت بعد ذلك إلى أهل القبور.
يقول: حتى تعاطيت أهل القبور، فما ترثي لهم وقد جرى البلى عليهم، وأنت هاهنا تنبشهم، إنما نرى نبشهم أخذ الخرق عنهم، يعني: يوصف الإنسان بأنه نباش إذا كان يأخذ أكفان الموتى، فيقول: لا، النبش ليس هو سرقة أكفان الموتى، إنما هو النبش الحقيقي الخطير، وهو نبش عيوب الموتى.
قال: إذا ذكرت مساويهم فقد نبشتهم، إنه ينبغي لك أن يدلك على ترك القول في أخيك ثلاث خلال: أما واحدة: فلعلك أن تذكره بأمر هو فيك، فما ظنك بربك إذا ذكرت أخاك بأمر هو فيك؟! يعني: نفس العيب الذي تغتاب به أخاك هو موجود فيك أنت، فما جوابك عند الله؟! ولعلك تذكره بأمر فيك أعظم منه، فذلك أشد استحساناً لمقته إياك.
ولعلك تذكره بأمر قد عافاك الله منه، فهل هذا جزاؤه إذ عافاك؟! يعني: إما يكون ذنبك مثل ذنبه، وإما أن يكون أعظم من ذنبه، وإما أنك عوفيت، فهل جزاء الله أن عافاك أن تغير هذا المسلم؟! أما سمعت: ارحم أخاك واحمد الذي عافاك؟! إن شئت أن تحيا ودينك سالم وحظك موفور وعرضك صين لسانك لا تذكر به عورة امرئ فكلك عورات وللناس ألسن وعينك إن أبدت إليك مساوئاً فصنها وقل يا عين للناس أعين قال أبو عبد الرحمن السلمي رحمه الله تعالى: سمعت محمد بن عبد الله بن شاذان يقول: سمعت المدائني يقول: رأيت أقواماً من الناس لهم عيوب فسكتوا عن عيوب الناس فستر الله عيوبهم، وزالت عنهم تلك العيوب، ورأيت أقواماً لم تكن لهم عيوب، فاشتغلوا بعيوب الناس؛ فصارت لهم عيوب! لأن من اغتاب اغتيب، ومن عاب عيب.
فبحثه عن عيوب الناس يورث البحث عن عيوبه، ولعل في قاعدة: الجزاء من جنس العمل زاجراً للذين يخوضون في عيوب الناس، فيكفوا عنها خشية أن يعاملوا بالعدل، فإن البلاء موكل بالقول: لو شاء ربك كنت أيضاً مثلهم فالقلب بين أصابع الرحمن قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء:٩٤].
وعن إبراهيم قال: إني لأرى الشيء مما يعاب لا يمنعني من غيبته إلا مخافة أن أبتلى به.
وعن الأعمش قال: سمعت إبراهيم يقول: إني لأرى الشيء أكرهه فما يمنعني أن أتكلم فيه إلا مخافة أن أبتلى بمثله.
وقال ابن مسعود ﵁: لو سخرت من كلب لخشيت أن أكون كلباً، وإني أكره أن أرى رجلاً فارغاً ليس في عمل آخرة ولا دنيا.
وقال عمرو بن شرحبيل: لو رأيت رجلاً يرضع عنزاً فضحكت منه لخشيت أن أصنع مثل الذي صنع.
وقال ابن سيرين: عيرت رجلاً وقلت يا مفلس، فأفلست بعد أربعين سنة.
وعن الحسن قال: كانوا يقولون من رمى أخاه بذنب قد تاب منه لم يمت حتى يبتليه الله به.
وقال الإمام الزهري رحمه الله تعالى: حدثني عروة أن المسور بن مخرمة أخبره أنه وفد على معاوية ﵁ فقضى حاجته ثم خلا به، فقال: يا مسور! ما فعل طعنك على الأئمة؟! يعني: أنت كثير النقد للخليفة فقال: دعنا من هذا وأحسن، يعن: لا داعي أن نفتح هذا الموضوع، قال: لا والله لتكلمني بذات نفسك بالذي تعيب علي، أي: صارحني وواجهني بما تنتقده علي، قال المسور: فلم أترك شيئاً أعيبه عليه إلا بينت له، فقال معاوية رضي الله تعالى عنه: لا أبرأ من الذنب، فهل تعد لنا يا مسور ما نلي من الإصلاح في أمر العامة، فإن الحسنة بعشر أمثالها، أم تعد الذنوب وتترك المحاسن؟! فـ معاوية رضي الله تعالى عنه قال: أنا لا أبرأ من الذنب؛ لأني بشر غير معصوم، لكن هل في المقابل كما أحصيت السيئات وضعت في الكفة الأخرى الحسنات؟ صحيح أن الدولة الأموية ليست كالخلافة الراشدة ولا كالدولة العباسية، لكنها في إطار الخلافة الإسلامية، ونحن الآن نتمنى أن ترجع إلينا حتى الخلافة العثمانية فيا ليت أنها هي التي تحكمنا الآن، فأوضاع العالم الإسلامي الآن معروفة وكيفما تكونوا يولى عليكم، قال بعض السلف: أعمالكم عمالكم، يعني: كيفما تكونوا يولى عليكم، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا﴾ [الأنعام:١٢٩].
فالشاهد أنه قال: لا أبرأ من الذنب، فهل تعد لنا -يا مسور - ما نلي من الإصلاح في أمر العامة، فإن الحسنة بعشر أمثالها أم تعد الذنوب وتترك المحاسن؟ قال: ما نذكر إلا الذنوب، قال: فإنا نعترف لله بكل ذنب أذنبناه، فهل لك -يا مسور - ذنوب في خاصتك تخشى أن تهلك إن لم تغفر؟ قال: نعم.
قال: فما يجعلك لرجاء المغفرة أحق مني؟ يعني: إذا كان كنت ترتكب ذنوباً بينك وبين الله ترجو أن الله ينجيك من الهلاك بسبب هذه الذنوب، فما يجعلك برجاء المغفرة أحق مني؟ يعني: أنت لماذا تغلق باب الرحمة في وجهي؟ ولماذا لا أطمع في رحمة الله وأن يعفو الله عني ذنوبي؟! قال: فما يجعلك برجاء المغفرة أحق مني؟ فوالله ما ألي من الإصلاح أكثر مما تلي، ولكن والله لا أخير بين الله وغيره إلا اخترت الله على ما سواه، وإني على دين يقبل فيه العمل، ويجزى فيه بالحسنات، ويجزى فيه بالذنوب إلا أن يعفو الله عنها، قال: فخصمني، يعني: غلبني، قال عروة: فلم أسمع المسور ذكر معاوية إلا صلى عليه، أي: بعد ذلك تاب من هذا الأمر، فكان إذا ذكر معاوية يدعو له.
وعن أبي راشد قال: جاء رجل من أهل البصرة إلى عبيد الله بن عمر فقال: إني رسول إخوانك من أهل البصرة إليك، فإنهم يقرئونك السلام ويسألونك عن أمر هذين الرجلين علي وعثمان وما قولك فيهما؟ هذا الرجل شد الرحال من ال
стр. 1390
شرح حديث أبي هريرة في النذر
إن النذر لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل، ويسوء أمره إذا كان على سبيل المعاوضة، وكأن العبد لا يفعل طاعة يتقرب بها إلى ربه إلا إذا أعطاه ربه ما يريد، وهذا هو البخل بعينه، فأنى للعبد أن يعامل ربه بهذه المعاملة، فلا جرم أن ذهب بعض العلماء إلى حرمة هذا النوع من النذر.
ومع ذلك فإذا وقع النذر فإنه يجب الوفاء به.
стр. 1391
حكم النذر
الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم! صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم؛ إنك حميد مجيد، اللهم! بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم؛ إنك حميد مجيد.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﵌ قال: (قال الله : لا يأتي النذر على ابن آدم بشيء لم أقدره عليه، ولكنه شيء أستخرج به من البخيل، يؤتيني عليه ما لا يؤتيني على البخل).
وفي رواية: (يؤتيني عليه ما لم يكن آتاني من قبل)، رواه الإمام أحمد وهو صحيح على شرط الشيخين كما ذكر الألباني.
هذا الحديث يدل بمجموع ألفاظه على أن النذر لا يشرع عقده، بل هو مكروه، وظاهر النهي في بعض طرقه أنه حرام، وقد قال بذلك أقوام، أي: أن قلة من العلماء قالوا: إنه حرام.
إلا أن قوله ﵎: (أستخرج به من البخيل) يشعر أن الكراهة أو الحرمة خاصة بنذر المجازاة أو المعاوضة، دون نذر الابتداء والتبرر، فهو قربة محضة؛ لأن للناذر فيه غرضاً صحيحاً، وهو أن يثاب عليه ثواب الواجب، وهو فوق ثواب التطوع؛ لأن النذر هنا مجرد تعبد وتقرب بقربةً محضة لله ﵎ بالقيام أو بالصدقة أو بالصلاة أو بالذبح أو بأي شيء من العبادات التي يتقرب بها إلى الله ﵎، وهذا لا يدخل في باب الكراهة؛ لأنَّه عبادة محضة.
وثواب النذر فوق ثواب التطوع؛ لأنه يجب الوفاء به، فهو يثاب عليه.
وفي كلتا الحالتين متى عقد أو متى نذر الإنسان نذراً وجب عليه الإتيان به، حتى لو أنشأ هذا النذر المكروه الذي هو نذر المعاوضة أو نذر المجازاة، فهذا النذر الذي هو قربةٌ محضة هو المراد بقوله ﵎: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان:٧]، أي: يوفون بالنذر الذي هو قربة محضة.
стр. 1392
حكم نذر المعاوضة
أما النوع الذي تكلمنا عنه آنفاً -وهو نذر المعاوضة- فهو كقول الإنسان: لئن شفى الله مريضي لأفعلن كذا.
أو: لئن حصل كذا لأذبحن كذا.
فهذا داخل في الكراهة، وهذا مرفوض كما بينا.
ومن العلماء من قال بتحريمه؛ لأنه لا يخلو من سوء أدب مع الله ﵎، فإنه إن لم يشف الله مريضك فماذا ستفعل؟! لن تتصدق، وإذا لم ينجح ابنك في الامتحان فلن تصوم، فهذا فيه سوء أدب مع الله، ومن أجل ذلك حرمه بعضهم.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في (فتح الباري): وقد أخرج الطبري بسند صحيح عن قتادة في قوله ﵎: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان:٧] قال: كانوا ينذرون طاعة الله من الصلاة والصيام والزكاة والحج والعمرة ومما افترض عليهم، فسماهم الله أبراراً: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا * يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان:٥ - ٧] أي: فسماهم الله أبراراً لأنهم كانوا ينذرون طاعة الله ﵎ من هذه الأنواع التي افترضها عليهم كالصلاة والصيام والزكاة والحج وما إلى ذلك، وهذا صريح في أن الثناء وقع في غير نذر المجازاة.
وقال الحافظ ﵀ قبل ذلك: وجزم القرطبي في (المفهم) بحمل ما ورد في الأحاديث من النهي على نذر المجازاة، فقال: هذا النهي -يعني: النهي عن النذر- محله أن يقول -مثلاً-: إن شفى الله مريضي فعلي صدقةٌ كذا.
ووجه الكراهة أنه لما وقف فعل القربة المذكورة على حصول الغرض المذكور ظهر أنه لم يتمحض له نية التقرب إلى الله ﵎.
فكونه علق هذا النذر أو العبادة كالصيام أو الصلاة والصدقة أوالنسك أو الذبح أو أي شيء من هذا على حصول غرض من الأغراض دل على أنه لم يخلص فيه، ولم يمحض النية ولم يخلصها صافية لمجرد التعبد لأجل الله ﵎ فحسب، وإنما يريد المجازاة، يعني: إن رزقه الله كذا فسوف يفعل كذا، وإن شفى الله مريضه فسوف يفعل كذا، فهذا هو الذي يحمل عليه ما ورد في النهي عن النذر.
يقول الحافظ: ووجه الكراهة أنه لما وقف فعل القربة المذكرة على حصول الغرض المذكور ظهر أنه لم يتمحض له نية التقرب إلى الله تعالى لما صدر منه، بل سلك فيها مسلك المعاوضة، فيوضحه أنه لو لم يشف مريضه لم يتصدق بما علقه على شفائه، وهذه حالة البخيل، فإنه لا يخرج شيئاً إلا بعوض عاجل، يزيد على ما أخرج غالباً، وهذا المعنى هو المشار إليه في الحديث بقوله: (إن النذر لا يؤخر شيئاً من قضاء الله، ولا يدفع شيئاً من قضاء الله، وإنما يستخرج به من البخيل).
أي: أن هذه عادة البخيل لا يبذل إلا إذا حصل على عوض عاجل، وغالباً يكون العوض أكثر وأكبر مما تطيب به نفسه، فلذلك إنما الحديث بهذه الصفة، فيقول هذه حالة البخيل، فإنه لا يخرج من ماله شيئاً إلا بعوض عاجل يزيد على ما أخرج غالباً، وهذا المعنى هو المشار إليه في الحديث بقوله: (وإنما يستخرج به من البخيل ما لم يكن البخيل يخرجه)، يعني: لولا النذر لما أخرج شيئاً، وقد ينظم إلى هذا اعتقاد جاهل يظن أن النذر يوجب حصول ذلك الغرض.
وهناك محذور آخر في نذر المعاوضة ونذر المجازاة، وهو: أنه ربما توهم الجاهل أنه لن يحصل له شفاء إلا إذا نذر ولن ينجح في الامتحان إلا إذا نذر، فإذا انضم إلى ذلك الاعتقاد أن الله ﵎ يفعل معه ذلك الغرض لأجل ذلك النذر، فهذا هو المعنى المشار إليه بقوله ﷺ في الحديث أيضاً: (فإن النذر لا يرد من قدر الله شيئاً) فإذا انضاف إلى معنى المشاركة والمجازاة والمعاوضة وعدم تمحض النية للتقرب إلى الله بالنذر اعتقاد وتوهم الشخص الجاهل أن النذر يغير من قدر الله، أو أن الله لا يفعل ذلك إلا إذا نذر، فهذا أبطله أيضاً الرسول ﷺ في الحديث بقوله: (فإن النذر لا يرد من قدر الله شيئاً)، فالحالة الأولى تقارب الكفر، والثانية خطأ صريح، ويقصد بالحالة الأولى: أنه يسلك مسلك المعاوضة، يعني: أنه إذا شفى الله مريضه أوفى بنذره، وإذا لم يشف مريضه لا يتصدق بما علقه على شفائه، فهذه الحالة تقرب من الكفر، والحالة الثانية يقول القرطبي: إنها خطأ، ففيها تخاذل خاطئ نتيجة عدم معرفته بهذا الحديث، وعدم ففقه لهذا المعنى؛ لأنه يظن أن هذا الأمر لا يحصل إلا إذا نذر، فيعتبر النذر سبباً من الأسباب المشروعة الموصلة إلى غرضه، وهذا مخالف للشرع، كما في الحديث: (وإن النذر لا يرد من قدر الله ﵎ شيئاً)، ولذلك قال القرطبي: الحالة الأولى تقارب الكفر، والثانية خطأ صريح.
إلا أن الحافظ تعقب القرطبي رحمه الله تعالى بقوله: بل تقرب من الكفر أيضاً.
أي أن الحالة الثانية أيضاً تقرب من الكفر.
ثم نقل القرطبي عن العلماء حمل النهي الوارد في الخبر على الكراهة، وقال: الذي يظهر لي أنه على التحريم في حق من يخاف عليه ذلك الاعتقاد الفاسد.
أي: إذا خيف على إنسان هذا الاعتقاد الفاسد وهو أن ينذر نذراً معتقداً أن النذر سبب من الأسباب الشرعية في حصول الغرض، وأن النذر يؤثر في قضاء الله فهذا يحرم عليه النذر، فيكون إقدامه على ذلك محرماً، والكراهة هي في حق من لم يعتقد ذلك.
فهذا الكلام الذي قاله القرطبي فيه تفصيل حسن في هذا الباب.
قال القرطبي: ويؤيده قصة ابن عمر رضي الله ﵎ عنهما راوي الحديث في النهي عن النذر، فإنها في نذر المجازاة.
وهذه القصة التي يشير إليها القرطبي هي ما أخرجه الحاكم عن سعيد بن الحارث أن عبد الله بن عمر ﵄ سأله رجل من بني كعب يقال له: مسعود بن عمرو فقال: يا أبا عبد الرحمن! إن ابني كان بأرض فارس فيمن كان عند عمر بن عبيد الله، وإنه وقع بالبصرة طاعون شديد، فلما بلغني ذلك نذرت إن الله جاء بابني بأن أمشي إلى الكعبة.
فجاء مريضاً فمات، فما ترى؟ يعني أن ابنه عاد من البصرة، لكنه عاد مريضاً، ثم لبث مريضاً فمات بعد ذلك، فقال ابن عمر ﵄: أولم تُنهوا عن النذر؟ إن رسول الله ﷺ قال: (النذر لا يقدم شيئاً ولا يؤخره، وإنما يستخرج به من البخيل أوف بنذرك).
فأمره أن يفي بنذره.
قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين.
ووافقه الذهبي.
ففي هذا الحديث تحذيرٌ للمسلم من أن يقدم على نذر المجازاة، فعلى الناس أن يعرفوا ذلك، حتى لا يقعوا فيما نهى عنه النبي ﷺ وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً.
هذا ما تيسر في تفسير ذلك الحديث الذي رواه أبو هريرة عن النبي ﷺ قال: (قال الله : لا يأتي النذر على ابن آدم بشيء لم أقدره عليه، ولكنه شيء استخرج به من البخيل؛ يؤتيني عليه ما لا يؤتيني على البخل) وفي رواية: (يؤتيني عليه ما لم يكن آتاني من قبل).
والله أعلم.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 1393
فتاوى مسجد ابن تيمية
стр. 1394
حكم حديث: (إن أولياء الله الذين إذا رآهم الناس ذكروا الله)
السؤال
هل صح عن النبي ﷺ أنه قال: (أولياء الله الذين إذا رآهم الناس ذكروا الله).
الجواب
هذا الحديث جاء عن ابن عباس ﵄ مرفوعاً: (أولياء الله الذين إذا رؤوا ذكر الله)، قال الألباني في السلسلة الصحيحة: أخرجه المروزي في زوائد الزهد لـ ابن المبارك، والطبراني في الكبير، وأبو نعيم في أخبار أصبهان، والضياء في المختارة.
وقوّاه الشيخ ناصر الدين الألباني رحمه الله تعالى في السلسلة الصحيحة، المجلد الرابع، برقم (١٧٣٣).
وهذا الحديث يبين علامة من علامات الأولياء الذين قال الله عنهم: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٢ - ٦٣].
فبين النبي ﷺ علامة من علاماتهم، هي أنهم إذا رآهم الناس وشاهدوهم تذكروا برؤيتهم الله .
стр. 1395
حكم حيض المرأة بعد دخول وقت الصلاة
السؤال
إذا حاضت المرأة بعد أذان الظهر بنحو عشر دقائق، أو خمس دقائق، أو بمقدار صلاة ركعة واحدة، فهل تقضي الظهر عندما تطهر من الحيض أم يسقط عنها؟
الجواب
تقضي الظهر إذا أدركت منه مدة قدر ركعة، لقول النبي ﷺ : (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة).
فالمرأة إذا حاضت بعد دخول وقت الظهر فإنها تقضي صلاة الظهر؛ لأنه بدخول وقت الظهر قد وجب عليها أن تصلي الظهر، وبدخول وقت يساوي الوقت الذي يستغرق لصلاة ركعة واحدة تجب عليها الصلاة؛ لقول النبي ﷺ : (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة)، وإذا طهرت قبل غروب الشمس بمقدار ركعة واحدة وجب عليها أن تصلي الظهر وتصلي العصر، وكذلك إذا طهرت قبل صلاة الفجر -ولو بمقدار ركعة واحدة- فإنها تقضي المغرب والعشاء.
стр. 1396
حكم إيداع الأموال في البنوك وأخذ الفوائد عليها
السؤال
ما قولكم في رأي الشرع فيمن أودع أمواله في البنوك ولم يعقد مع صاحب البنك القرض الذي يجري فيه الربا -أي: الذي ورد فيه الخبر: (كل قرض جرّ منفعة فهو ربا)، والحكم يدور مع العلة، فإذا كان تحريم مثل هذا القرض بسبب وجود علة الربا -وهي الفائدة- فإنه سيودع أمواله في البنك بدون أن يتفق معهم على أخذ فائدة، والهدف من وضع الأموال في البنك هو حفظها من التعرض للضياع، وليس المقصود منه الاتجار والربح، ثم إن هيئة البنك تستثمر تلك الأموال في عمليات تحقق لها ربحاً، وقد لا تستثمرها، فهل يجوز للمسلم أن يتقاضى جزءاً معيناً حددته هيئة البنك عند سحب الأموال وعدمه مقابل ما أودع؟
الجواب
ننبه أولاً على أن صيغة السؤال في المسائل الشرعية ينبغي أن تكون بلفظ ما (حكم الشرع) وليس من أدب السؤال قول (ما رأي الشرع) إذ الحكم يجب امتثاله، أما قول (ما رأي الشرع) فيدل على أن ذلك وجهة نظر يمكن الأخذ بها ويمكن أن تترك.
أما جواب السؤال فإنه لا يجوز للمسلم أن يودع أمواله في البنوك التي تتعامل بالربا، إلا إذا كان يخشى عليها من الضياع، ولا يجوز له أن يدفعها للبنك بناءً على أنه يأخذ فائدة من البنك، وإذا كان الشخص يخشى على نقوده من السرقة ونحو ذلك فله أن يودعها في البنك بدون فائدة؛ لأنه مضطر إلى ذلك، أما أخذ الفائدة من البنك فهو تعامل بالربا، وهو محرم بالكتاب والسنة والإجماع.
أما القول بإن ترك الفائدة للبنوك الكافرة عون لها على المسلمين، وعدم أخذ هذه الأموال مثل إعطائهم مالاً يعينهم على حرب المسلمين فليس الأمر كذلك، وإنما تركها تعفف من المسلم عما حرم الله عليه، كما يترك لهم قيمة ما حرم الله من الخمر والخنزير، وكما يجوز له الصدقة على فقرائهم إذا كانوا غير حربيين.
وقد أجاب على هذا السؤال فضيلة الشيخ عبد الله بن قعود، والشيخ عبد الله بن غديان، والشيخ عبد الرزاق عفيفي، والشيخ: عبد العزيز بن عبد الله بن باز.
стр. 1397
حكم العمل في البنوك الربوية
السؤال
أحد الناس يعمل في أحد البنوك بالمملكة السعودية، فهل العمل في البنوك التي تتعامل بالربا حرام أم مباح؟ وإذا كان حراماً فهل يستقيل من هذا العمل؟
الجواب
العمل في البنوك وهي بوضعها الحالي تتعامل بالربا حرام، فلا يجوز لك أن تستمر في العمل في البنك الذي تعمل فيه، وأكثر العلماء يقولون: أكثر المعاملات في البنوك المصرفية الحالية تشتمل على الربا، فهو حرام بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، وقد حكم النبي ﷺ بأن من أعان آكل الربا وموكله بكتابة له أو شهادة أو ما أشبه ذلك كان شريكاً لآكله وموكله في اللعنة والطرد من رحمة الله، ففي صحيح مسلم وغيره من حديث جابر ﵁: (لعن رسول الله ﷺ آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه، وقال: هُم سواء)، والذين يعملون في البنوك المصرفية أعوان لأرباب البنوك في إدارة أعمالها، كتابة، أو تقييداً، أو شهادة، أو نقلاً للأوراق، أو تسليماً للنقود، أو تسلماً لها، إلى غير ذلك مما فيه إعانة للمرابين.
وبهذا يعرف أن عمل الإنسان في المصارف الحالية حرام، فعلى المسلم أن يتجنب ذلك، وأن يبتغي الكسب من الطرق التي أحلها الله، وهي كثيرة، وليتق الله ربه، ولا يعرض نفسه للعنة الله ورسوله، وهذا فيه الكفاية إن شاء الله تعالى.
وقد أجاب على هذا السؤال العلماء الذين أجابوا على السؤال السابق.
стр. 1398
حكم بيع الأدوية والسلع التي عليها صور
السؤال
ما الحكم إذا كان الصيدلي يبيع بعض الأدوية والأشياء الأخرى التي على أغلفتها بعض الصور المحرمة، مع العلم بأنه ليس من السهل طمس هذه الصور، بالإضافة إلى أنه ربما لا يباع الدواء عند طمس الصورة الموجودة على غلافه؟
الجواب
إذا كان الأمر كما ذكر جاز بيع الدواء الذي عليه صورة.
стр. 1399
حكم بيع أدوات التجميل
السؤال
ما الحكم إذا باع الصيدلي أدوات التجميل الخاصة بالنساء، علماً أن غالبية من يستعملنها من المتبرجات الفاجرات العاصيات لله ورسوله اللاتي يستخدمن هذه الأشياء للتزين لغير أزواجهن والعياذ بالله؟
الجواب
إذا كان الأمر كما ذكر فلا يجوز له البيع لهن؛ لأنه من التعاون على الإثم والعدوان، وقد نهى الله تعالى عنه بقوله تعالى: ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢].
стр. 1400
حكم سجود الشكر وسجود التلاوة بدون حجاب وبدون تكبير
السؤال
هل يجوز سجود الشكر وسجود التلاوة بدون حجاب وبدون تكبير؟
الجواب
يجوز سجود الشكر وسجود التلاوة بدون حجاب، ويكبر عند السجود وعند الرفع منه.
стр. 1401
حكم الكلام مع من هو مقيم على المعصية بعد النصح له
السؤال
هل الكلام بسبب المرافقة في العمل مع من هو مقيم على المعصية بعد النصح له فيه شيء؟
الجواب
ينبغي أن تستمر على نصحه وتعامله بالحكمة والموعظة الحسنة، وتجادله بالتي هي أحسن، وتدعو الله له لعل الله أن يهديه، وبالله التوفيق.
стр. 1402
حكم من تأوّل صفات الله
السؤال
من المعلوم أن بعض العلماء الذين نهجوا منهج الخلف في فهم صفات الله قد لجئوا لأسلوب تأويل هذه الصفات؛ خشية الوقوع في التشبيه، فما الحكم في هؤلاء؟
الجواب
هم يؤولون قوله تعالى: (استوى على العرش) بمعنى: (استولى!) أو (يد الله) بمعنى: قوة الله، وهكذا، والذي يجب هو أن نسلك مسلك السلف في إجراء هذه الصفات على ظاهرها، بدون تشبيه وبدون تعطيل كما هو معلوم.
يقول الشنقيطي ﵀: ونحن نرجو أن يغفر الله تعالى للذين ماتوا على هذا الاعتقاد؛ لأنهم لا يقصدون تشبيه الله بخلقه، وإنما يحاولون تنزيهه عن مشابهة خلقه، فقصدهم حسن، ولكن طريقهم إلى ذلك القصد سيء، وإنما نشأ لهم ذلك السوء بسبب أنهم ظنوا لفظ الصفة التي مدح الله بها نفسه يدل ظاهره على مشابهة صفة الخلق.
أي: لما سمعوا قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] فأول ما سمعوا كلمة (بيدي) تخيلوا ما هو معهود لديهم من صفات المخلوقين فوقعوا في التشبيه، ثم قالوا: ينبغي أن نبطل هذا التشبيه؛ لأنه كفر فقادهم ذلك إلى التعطيل، فنفوا الصفة.
فهم في بداية الأمر وقعوا في التشبيه أصلاً، وظنوا أن ظاهر اللفظ هو التشبيه، فلذلك وقعوا في النفي حتى يتفادوا التشبيه، ولو أنهم منذ البداية قالوا: إن ظاهرها هو ما يليق بالله لَمَا وقعوا في التشبيه ولا في التعطيل.
يقول: فنفوا الصفة التي ظنوا أنها لا تليق قصداً منهم لتنزيه الله، وأوّلوها بمعنىً آخر يقتضي التنزيه في ظنهم، فقالوا: (استوى على العرش) أي: استولى على العرش.
فهم كما قال الشافعي رحمه الله تعالى: رام نفعاً فضر من غير قصد ومن البر ما يكون عقوقا يقول: ونحن نرجو أن يغفر الله لهم خطأهم، وأن يكونوا داخلين في قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب:٥].
وخطؤهم المذكور لاشك فيه، ولا يصح أن يأتي إنسان فيقول: هناك علماء وأئمة يؤولون صفات الله فكيف تخالفونهم؟ فأقول: لسنا نحن الذين نخالفهم، لكنهم خالفوا من هُم أجلّ منهم قدراً وأعظم منهم علماً، ألا وهم أئمة السلف في القرون الخيرية الأولى ومن تبعهم بإحسان.
إذاً: ليست المسألة أن إنساناً متأخراً يتعقب علماء الخلف، وإنما بعض رجال الخلف خالفوا قول السلف الذين هم أعلم الأمة بدينهم، فيكون خطؤهم المذكور لا شك فيه، ولو وفقهم الله لتطهير قلوبهم من التشبيه أولاً وجزموا بأن ظاهر صفات الخالق هو التنزيه عن مشابهة صفة المخلوق لسلموا مما وقعوا فيه.
فمثلاً: لو أنهم من البداية سمعوا قوله تعالى: ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤] فقالوا: استوى استواءً يليق بجلال الله، ولا ندري كيف هو؛ لأنه لا يعلم كيف هو إلا هو لسلموا.
فأي شيء تتخيله عن الله بعقلك فاعلم أن الله ليس على تلك الصفة، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] فلا شك في أن النبي ﷺ عالم كل العلم بأن الظاهر المتبادر مما مدح الله به نفسه في آيات الصفات هو التنزيه التام عن صفات المخلوقين، ولو كان يخطر في ذهن النبي ﷺ أن ظاهر هذه الصفات لا يليق بالله لأنه تشبيه بصفات الخلق لبادر كل المبادرة إلى بيان ذلك، ولكنه لم يفصّل؛ لأنه يعلم أن الصحابة يفهمون أن ظاهر هذه الصفات هو ما يليق بالله وليس ما يقتضي التشبيه؛ لأنه لا يجوز في حق النبي ﷺ تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه، ولا سيما في العقائد وفيما ظاهره الكفر والتشبيه.
إذاً: لو كان ظاهره يخالف ما يليق بالله لنفاه النبي ﷺ ، فكونه لم يبين ذلك فمعناه أن الظاهر هو ما يليق بالله، وليس الظاهر هو ما يعرفه المخلوقون، فسكوت النبي ﷺ عن بيان هذا يدل على أن ما زعمه المؤولون لا أساس له من الصحة.
стр. 1403
حكم اتخاذ القبور مساجد
السؤال
بعض الناس -خاصة الصوفية- يستدلون بآية في سورة الكهف على جواز اتخاذ قبور الصالحين مساجد، فيقولون: إذا كان من المقرر شرعاً تحريم بناء المساجد على القبور فهناك أدلة على جواز ذلك، ومن هذه الأدلة قوله ﵎ في سورة الكهف: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ [الكهف:٢١]، ووجه دلالة الآية على ذلك أن الذين قالوا: (لنتخذن عليهم مسجداً) كانوا نصارى -حسب ما هو مذكور في كتب التفسير-، فيكون اتخاذ المسجد على القبر من شريعتهم، وشريعة من قبلنا شريعة لنا إذا حكاها الله ولم يعقبها بما يدل على ردها، كما في هذه الآية الكريمة.
فما صحة هذا الاستدلال؟!
الجواب
يقول فضيلة العلامة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني: الجواب على هذه الشبهة من وجهين: أولاً: إن الصحيح المتقرر في علم الأصول أن شريعة من قبلنا ليست شريعة لنا، وهم بنوا هذا الاستدلال على أن شرع من قبلنا شرع لنا، فيكون هذا أمراً غير متفق عليه، والقول الراجح في علم الأصول أن شريعة من قبلنا ليست شريعة لنا لأدلة كثيرة، من هذه الأدلة قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة:٤٨]، وقول النبي ﷺ : (أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي) وقال في آخر هذه الخمس: (وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس كافة) فمعناه: إن شريعتي غير شرائع الأنبياء قبلي.
فإذاً: الأنبياء السابقين كموسى وعيسى ونوح وغيرهم كان كل نبي منهم أو رسول يأتي بشريعة لقومه خاصة، فكونها لقومه خاصة معنا أنها لا تلزم غيرهم، وحينئذٍ لا تلزمنا نحن المسلمين، وإنما الذي يلزمنا هو بعثة النبي ﵌ وشريعته، فإذا تبين هذا فلسنا ملزمين بالأخذ بما في الآية، أي: لو وافقنا ابتداءً على أن الآية تفيد أن في شريعة النصارى أنهم يبنون المساجد على قبور الصالحين فإذا ثبت أن شرع من قبلنا ليس شرعاً لنا فلا يجوز لهؤلاء الناس أن يستدلوا بالآية على أن شرع من قبلنا شرع لنا؛ لأن هذه القاعدة غير صحيحة، بل الصحيح أن لنا شريعة خاصة ولهم شريعة خاصة.
إذاً: لا يلزمنا المخالف بالأخذ بما فهمه من الآية من جواز بناء المساجد على القبور.
أما الوجه الثاني الذي يرد به على استدلالهم بآية سورة الكهف فنقول: هبْ أن الصواب قول من قال: شريعة من قبلنا شريعة لنا.
فإذا فرضنا هذا جدلاً فإن العلماء الذين يقولون: إن شرع من قبلنا شرع لنا يشترطون أن لا يخالف شرعنا، فإن خالفه فالذي يقدم شرعنا؛ لأن شرعنا أتى لينسخ هذه الشرائع.
وما ورد في هذه الآية مشروط بإذا لم يرد في شرعنا ما يخالفه، وهذا الشرط معدوم هنا؛ لأن الأحاديث تواترت في النهي عن بناء المساجد على القبور، فذلك دليل على أن ما في الآية ليس شريعة لنا.
وهناك وجه ثالث في الرد، وهو أنه لا يلزم أن تفيد الآية أن بناء المساجد على القبور كان شرعاً عندهم؛ لأن غاية ما فيها أنه: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ [الكهف:٢١]، وليس فيها تصريح بأن الذين قالوا ذلك كانوا مؤمنين، وليس هناك ما يدل على أنهم كانوا مؤمنين صالحين متمسكين بشريعة نبي مرسل، بل الظاهر خلاف ذلك.
والحافظ ابن رجب ﵀ في شرح حديث: (لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) يقول: وقد دل القرآن على مثل ما دل عليه هذا الحديث، وهو قول الله في قصة أصحاب الكهف: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ [الكهف:٢١]، فجعل اتخاذ القبور على المساجد من فعل أهل الغلبة على الأمور، وذلك يشعر بأن مستنده القهر والغلبة واتباع الهوى، وأنه ليس من فعل أهل العلم والفضل المتبعين لما أنزل الله على رسله من الهدى.
وقال الشيخ علي بن عروة: حكى ابن جرير في قوله تعالى: (قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ) قولين: الأول: أن القائلين هم المسلمون منهم.
والثاني: أنهم أهل الشرك منهم، فالله أعلم.
يقول: والظاهر أن الذين قالوا ذلك هم أصحاب الكلمة والنفوذ، ولكن هل هم محمودون أم لا؟ فيه نظر؛ لأن النبي ﷺ قال: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذّر ما صنعوا).
إذاً: لم يقتصر على عدم كونه في شريعتهم، بل لعنهم الله من أجل بناء المساجد على القبور.
وقد روينا عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه لما وجد قبر دانيال في زمانه بالعراق أمر بأن يخفى عن الناس، وأن تدفن تلك الرقعة التي وجدها عنده فيها شيء من المواعظ والأخبار وغيرها.
يقول الألوسي: واستدل بالآية على جواز البناء على قبور العلماء، واتخاذ المساجد عليها، وجواز الصلاة عندها، وممن ذكر ذلك الشهاب الخفاجي في حواشيه على البيضاوي، وهو قول باطل عاطل فاسد كاسد.
ثم أتى بالأحاديث الثابتة في تحريم بناء المساجد على القبور، وأتبعها بكلام الحافظ الهيتمي في بيان أن ذلك من الكبائر.
ثم قال: وقد أفتى جمع بهدم كل ما بقرافة مصر من الأبنية، حتى قبة الإمام الشافعي عليه الرحمة التي بناها بعض الملوك أفتوا أنها تهدم، وينبغي لكل أحد هدم ذلك ما لم يخش منه مفسدة، فيتعين الرفع للإمام أخذاً من كلام ابن الرفعة في الصلح، فإن الله قص علينا بلا إنكار.
أي: إن قالوا: إن ربنا حكى كلام هذه الفئة: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ [الكهف:٢١] ولم ينكر عليهم نقول: نعم لم ينكر سياق القرآن صراحة عليهم، ولكن إنكار الرسول ﷺ عليهم ولعنهم على هذا الفعل واضح، وإنكار الرسول كإنكار الله، ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠].
فيقال لهم: هل تنكرون السنة؟ فإن كانوا ينكروا السنة فإنهم فرقة ضالة تنبأ بها النبي ﵊، وإن كانوا يؤمنون بالسنة فقد ثبت في السنة إنكار الرسول ﷺ لهذا الفعل، وأنه لعن الذين يتخذون المساجد على القبور، فالآية ليست خارجة مخرج المدح لهؤلاء الناس، وليس فيها -أيضاً- ما يحضنا على التأسي بهم.
ومتى يمكن القول بأن عدم إنكار الله على هؤلاء القوم يعني إباحة هذا الفعل؟ نقول: ذلك إذا كان في وسطهم شخص معصوم، فمتى لم يثبت أن فيهم معصوماً -أي: نبياً مرسلاً- فلا يدل فعلهم -فضلاً عن عزمهم- على مشروعية ما كانوا بصدده؛ لأنه ما كان فيهم رسول، لكن هؤلاء الناس لم يأت ما يدل على الوثوق بفعلهم.
وتأول بعض العلماء اتخاذهم للمسجد على القبور بأنه ليس المعنى الذي نفهمه الآن من بناء المساجد على القبور في مكان واحد، قال: وإنما هو اتخاذ مسجد قريب من كهفهم، وليس المقصود اتخاذ المساجد على القبور بالصورة التي نعرفها في هذا الزمان.
وأيضاً فإن الإنسان الذي يستدل بهذه الآية على جواز بناء المساجد على القبور مَثَله كمثل الإنسان الذي يستدل بقوله تعالى في شأن سليمان ﵇: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ [سبأ:١٣] على جواز صناعة التماثيل والأصنام، فأما في شرعنا فهذه الأشياء محرمة قطعاً، وكذلك بناء المساجد على القبور.
стр. 1404
حكم الاستمناء
السؤال
ما حكم الاستمناء في الشريعة الإسلامية؟
الجواب
الاستمناء هو استدعاء المني بغير جماع.
وقد ذهب إلى تحريم الاستمناء جمهور العلماء من المالكية والشافعية والحنفية.
قال القاضي أبو بكر بن العربي: وعامة العلماء على حرمته، وهو الحق الذي لا ينبغي أن يدان الله إلا به.
انتهى كلام ابن العربي.
وأدلة تحريمه هي: أولاً: قوله تعالى في مدح المؤمنين المفلحين في سورة المؤمنون: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون:١ - ٢]، إلى أن مدحهم بقوله : ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون:٥ - ٧].
فقوله تعالى: (فمن ابتغى) أي: من طلب شيئاً (وراء ذلك) أي: سوى ذلك المذكور في قوله تعالى: (إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم) (فأولئك هم العادون) أي: الظالمون المتجاوزون الحلال إلى الحرام، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة:٢٢٩]، فالآيات تدل بعمومها على تحريم ما عدا صنفي الأزواج والإماء.
وقد سئل الإمام مالك عن حكم الاستمناء فتلا قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون:٥ - ٧].
ومن ثم قال بعض العلماء في هذه الفعلة: إنه كالفاعل بنفسه! وهي معصية أحدثها الشيطان، وأجراها بين الناس حتى صارت قيلة، ويا ليتها لم تقل، ولو قام الدليل على جوازها لكان ذو المروءة يعرض عنها لدناءتها، والاستمناء ضعيف في الدليل، عار بالرجل الدنيء، فكيف بالرجل الكبير؟! وممن استدل بهذه الآية على التحريم الإمام الشافعي ﵀، ومن المفسرين البغوي، والقرطبي، وابن العربي، وابن كثير، والنسفي، والخازن، وغيرهم، ولو فرض وجود خلاف فيه فقد قال القاضي أبو بكر بن العربي رحمه الله تعالى: وهذا من الخلاف الذي لا يجوز العمل به، وليت شعري لو كان فيه نص صريح بالجواز أكان ذو همة يرضاه لنفسه؟! ثانياً: قال الله : ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور:٣٣]، وهذا أمر يدل بظاهره على وجوب الاستعفاف، فهو أمر ظاهره وجوب الاستعفاف، ووجوب اجتناب ما ينافي العفة كالزنا واللواط والاستمناء ونحوها، فتكون هذه الأشياء واجبة الاجتناب محرمة الفعل؛ لأن الاستعفاف الواجب لا يتحقق إلا باجتنابها جميعاً.
قال الشافعي رحمه الله تعالى في هذه الآية: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور:٣٣]: معناها -والله أعلم-: ليصبروا حتى يغنيهم الله تعالى وهو كقوله: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ [النساء:٦] ليكف عن أكله بسلف أو غيره.
انتهى كلام الشافعي.
والمقصود بالاستعفاف في آية اليتيم (وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ) أن القيّم على مال اليتيم لا يأكل من مال اليتيم شيئاً قليلاً ولا كثيراً، وليستعفف ما دام غنياً، وعلى هذا قول الله : (وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا) أي: ليتركوا هذا الشيء قليله وكثيره، ما عدا الأزواج والإماء، فلا يُقرب أي شيء يخالف قضاء الوطر عن غير هذا الطريق، فيفهم من ذلك الأسلوب -أي: من كلمة: (وليستعفف) - أنه يجب حفظ الفرج من جميع أنواع الشهوة، وأن من لم يجد السبيل إلى النكاح ففرض عليه أن يصبر حتى يغنيه الله من فضله فيجد السبيل إلى ما أحل الله.
وزيادة في إيضاح معنى هذه الآية نقول: هل الاستمناء من الاستعفاف أم لا؟ فإن قلنا: لا فيلزم اجتنابه؛ لأن الآية تدل على تحريم ما ينافي الاستعفاف، وإن قلنا: إنه من الاستعفاف لزم القول بوجوبه -أي: الاستمناء- لأن الآية تأمر بالاستعفاف، وهذا حدث في الدين وخرق لإجماع المسلمين.
ومما يؤيد هذا الاستدلال أن الله تعالى ذكر الاستعفاف والنكاح ولم يجعل بينهما واسطة، قال: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور:٣٣] أي: حتى ينكحوا.
فذكر الله الاستعفاف والنكاح، ولم يجعل بينهما واسطة، فاقتضى ذلك تحريم الاستمناء، ولو كان مباحاً لبينّه في هذا الموطن؛ لأنه مقام بيان؛ إذ أحوج ما يكون الرجل إلى جواز الاستمناء إذا لم يجد سبيلاً إلى النكاح، لاسيما عند توقان نفسه إلى الوطء، وقاعدة الأصوليين: (السكوت في مقام البيان يفيد الحصر)، ودليل هذه القاعدة قول الله : ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم:٦٤]، أي أن الله سبحانه إذا سكت عن بيان شيء في مقام البيان فإنه يفيد انحصاره فيما ذكر فقط، ولا يتعداه إلى غيره، ففي قوله تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور:٣٣] حصر المسألة بين أمرين اثنين فقط هما: الاستعفاف أو النكاح، فاستدل بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم:٦٤] على ما نحن بصدده الإمام الكيا الهراسي والإمام القرطبي وغيرهما، قالوا: هذا المقام هو مقام بيان حكم الاستمناء، فلو كان مباحاً لبينه الله ، فدل على أنه ليست هناك سعة في هذا الأمر.
ثالثاً: أخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء).
ووجه دلالة هذا الحديث على المقصود أن الشارع أرشد عند العجز عن مؤن النكاح إلى الصوم فقال: (من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء)، ولو كان الاستمناء مباحاً لبينه في هذا الموطن، لكنه سكت عنه، فدل على أن ذلك حرام؛ لأن السكوت في مقام البيان يفيد الحصر، كما بيّنا أن سكوت الشارع في معرض البيان لشيء من أفعال المكلفين عن شيء آخر يشبهه أو يجانسه لا يكون نسياناً ولا ذهولاً -تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا-، ولكن يفيد قصر الحكم على ذلك الشيء المبين حكمه، ويكون ما عداه -وهو المسكوت عنه- مخالفاً له في الحكم ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم:٦٤].
وقد استدل بعض العلماء بهذا الحديث على حرمة الاستمناء؛ لأنه ﷺ أرشد عند العجز عن التزويج إلى الصوم فقال: (ومن لم يستطع فعليه بالصوم) الذي يقطع الشهوة، فلو كان الاستمناء مباحاً لكان الإرشاد إليه أسهل، وهذا الفعل لو كان مباحاً لكان الرسول ﵊ أرشد إليه، فهو أسهل من الصيام، وإن كان الصيام فيه ترك والاستمناء فيه فعل، لكن الاستمناء أسهل من الصوم؛ لأن الصوم وإن كان تركاً لكنه أشد من الفعل، وأشق على النفس من كثير من الأعمال؛ لأن الصوم حبس للنفس وكبح لها عن شهواتها، وفي الحديث: (كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله تعالى: إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه من أجلي)، فهذه المزّية لم تكن للصوم إلا لما فيه من المشقة، أما الاستمناء -وإن كان فعلاً لا تركاً- فهو سهل يسير موافق لغرض النفس، ولا يستغرق من الزمان ما يستغرقه الصوم، فلا جرم أن العدول عنه إلى الصوم دليل على حرمته، فيكون في الحديث دلالة على حرمة الاستمناء من وجهين: الوجه الأول: السكوت عنه في معرض البيان، حيث قال: (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم) ولم يفتح أي باب آخر لقضاء الشهوة سوى هذا الباب، وهو باب النكاح أو الصيام، ولم يذكر الاستمناء.
الوجه الثاني: أنه عدل عنه إلى الصوم الذي هو أصعب.
وقد وردت جملة أخبار عن جماعة من الصحابة ﵃ أنهم سألوا رسول الله ﷺ أن يرخص لهم في الاختصاء -وهو حرام في الآدميين؛ لأنه من تغيير خلق الله- ليدفعوا به مشقة العزوبة عن أنفسهم، ويستريحوا من عناء شهواتهم وعناء مقاومتها، فلم يرخص لهم النبي ﷺ ، وأرشدهم إلى الصوم، فلو كان الاستمناء جائزاً لأرشدهم إليه؛ لأنه أسهل من الاختصاء، والاختصاء إجراء عملية جراحية لإزالة الخصيتين، فهذا الأمر لو كان مباحاً لكان أسهل من الاختصاء وأسهل من الصوم، فلمّا لم يرشد إليه دل على أنه حرام؛ لأن السكوت في مقام البيان يفيد الحصر.
ومن هذه الأحاديث ما جاء عن أبي هريرة ﵁ قال: (قلت: يا رسول الله! إني رجل شاب، وأنا أخاف على نفسي العنَتَ، ولا أجد ما أتزوج به النساء، فائذن لي أن أختصي، فسكت عني، ثم قلت مثل ذلك فسكت عني، ثم قلت مثل ذلك فسكت عني، ثم قلت مثل ذلك، فقال النبي ﷺ : يا أبا هريرة! جف القلم بما أنت لاق، فاختصِ على ذلك أو ذر) وهذا الحديث إسناده صحيح، وعلّقه البخاري في صحيحه بصيغة الجزم.
فالنبي ﵊ عزّاه بالقدر، أي: إن كنت عاجزاً عن الكسب أو عن ت
стр. 1405
الأضرار الشرعية والصحية للاستمناء
من الأدلة المهمة في هذه المسألة القاعدة الأصولية المتقررة أن الضرر يزال، وهي مأخوذة من قول النبي ﷺ : (لا ضرر ولا ضرار) أي أن الإنسان لا يضر نفسه ولا يضر غيره.
فيؤخذ من هذا الحديث تحريم جميع أنواع الضرر، وأي شيء يحدث ضرراً فينبغي أن يدفع هذا الضرر، وينبغي أن يزال، فالأصل في المضار التحريم، وهذا الحديث هو من حديث عبادة بن الصامت، أخرجه ابن ماجة، وقوله ﷺ : (لا ضرر ولا ضرار) خبر معناه النهي، مثل قوله تعالى: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة:١٩٧] أي: لا ترفثوا، ولا تفسقوا، ولا تجادلوا في الحج.
فالمقصود من قوله: (لا ضرر) أي: لا تضر نفسك، ولا تضر غيرك، والمضار الناتجة عن هذا الفعل الخسيس الدنيء مقررة عند الأطباء، وهي كثيرة جداً، منها: ضعف البصر، وتقليل حدة الوطر إلى حد بعيد، وإضعاف الأعضاء عموماً، وخصوصاً الأعضاء التناسلية، مما يؤثر -فيما بعد- أقوى تأثير على الباءة.
ومن ذلك -أيضاً- إضعاف الأعصاب عامة، واضطراب آلة الهضم، وإيقاف نمو الأعضاء -خاصةً التناسلية- عن نموها الطبيعي، وإحداث التهاب منوي في الخصيتين، وألم في فقرات الظهر، وتقوس الظهر وانحناؤه، كما أنه يحل ماء صاحبه فيصير رقيقاً لا يقوى على التلقيح، وربما يؤثر على الجنين فيكون ضعيفاً.
ومن ذلك أيضاً: أنه يسبب رعشة الأطراف، خصوصاً الرجلين، وضعف القوة الذهنية، وقلة الفهم، وصفرة الوجه، واستعداد فاعل هذا الفعل الدنيء للإصابة بالسل والعياذ بالله، وغيرها مما لا يكاد يحصى من الأضرار الصحية، فضلاً عن الضرر في الدين بالجرأة على ما حرم الله ، وظلمة القلب، واسوداد الوجه من المعصية، ووقوع الوحشة بين فاعل تلك الفعلة وبين الله ، ووقوع الوحشة بينه وبين الناس، خصوصاً أهل الخير منهم، قال النبي ﷺ : (استح من الله كما تستحي رجلاً من صالحي قومك) أي: لو أن رجلاً من صالحي قومك اطلع عليك لاستحييت منه، فكيف باطلاع الله ؟! ومن مضار هذا الفعل الدنيء التسبب في تقليل الحياء عند الشخص، وقد قال النبي ﷺ : (إن لكل دين خلقاً، وخلق الإسلام الحياء) وقال ﷺ : (إن الحياء والإيمان قُرناء جميعاً، فإذا رفع أحدهما رفع الآخر).
وقد قال ﷺ : (البر ما اطمأنت إليه النفس، والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس)، وهذا الفعل القبيح الدنيء لا شك أنه مما لا يحب من يرتكبه أن يطلع عليه الناس.
وهذا الفعل القبيح بغيض إلى الله ، قال النبي ﷺ : (إن الله تعالى يحب معالي الأمور وأشرافها، ويكره سفسافها).
والاستمناء من أخطر الأمراض والأدواء، وأشدها ضرراً على الجسم والعقل والدين، فبينما ترى الشاب -من هؤلاء المصابين بهذا الفعل الشنيع- قوي الأعضاء، جمّ النشاط، يشتعل ذكاءً وفتوةً، ويلتهب حماساً وقوة، تجري نضرة الشباب في وجهه، ويغلي دم الحياة في عروقه، ثم سرعان ما تراه -وقد أنهكه ذلك الفعل الدنيء- خائر الأعضاء، فاقد النشاط، قد استحال ذكاؤه إلى غباوة وبلادة، وانقلب حماسه وقوته إلى ضعف ووهن، وصارت نضرته صفرة تنبئ بحلول داء عياء، وهبطت حرارة الدم فيه بنسبة ما أخرج من الماء، والتحق بالشيوخ الهرمى وهو لم يزل بعد في سن الشباب، كل هذه البلايا بسبب ذلك الفعل الخبيث! ولا غرو، فإن ماء الرجل قوة عقله، ونضارة وجهه، ومخ ساقه، وخلاصة عروقه، فاستخراجه على غير الوجه المشروع يؤدي حتماً إلى أسوأ النتائج.
ومما لا شك فيه أن هذا الفعل حرام عند المالكية، والشافعية، والحنفية، وجمهور الأمة.
وممن نص على حرمته الإمام البغوي، والقاضي أبو بكر بن العربي، والحافظان ابن كثير وابن الملقن، والإمام المجتهد التقي ابن دقيق العيد، والعلامة ابن الهمام، والمحقق ابن قاسم العبادي، وشيخ الإسلام الشيخ عبد الله الشرقاوي، ومفتي بغداد السيد الألوسي، وجماعة يطول ذكرهم.
ومن الأدلة التي يستدل بها على تحريم هذه المسألة بعض الأحاديث التي لو صحت لكانت من أصرح الأدلة في تحريم هذا الفعل، ولكنها أحاديث ضعيفة، فلا بأس بأن نذكرها على سبيل الإخبار بضعفها.
عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: (سبعة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولا يجمعهم مع العالمين، ويدخلهم النار في أول الداخلين، إلا أن يتوبوا، ومن تاب تاب الله عليه: الناكح يده، والفاعل، والمفعول به، ومدمن الخمر، والضارب والديه حتى يستغيثا، والمؤذي جيرانه حتى يلعنه الناس، والناكح حليلة جاره) يعني الزاني بها.
فهذا أحد الأحاديث التي يستدل بها على تحريم هذا الفعل، لكنه حديث ضعيف.
وهناك بعض الروايات عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (سبعة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ويقول لهم: ادخلوا النار مع الداخلين: الفاعل، والمفعول -يعني اللواط- والناكح يده، وناكح البهيمة، وناكح المرأة في دبرها، وجامع المرأة وابنتها، والزاني بحليلة جاره، والسابع: المؤذي جيرانه حتى يلعنه الناس، إلا أن يتوب).
فهذان الحديثان صريحان في تحريم هذا الفعل، لكنهما ضعيفان، ويغني عنهما ما سبق أن سردناه من الأدلة.
следующие страницы →