← Джавами‘

Джавами‘ · id 37018

دروس الشيخ محمد إسماعيل المقدم

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (2 122 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

حكم الكلام مع من هو مقيم على المعصية بعد النصح له السؤال هل الكلام بسبب المرافقة في العمل مع من هو مقيم على المعصية بعد النصح له فيه شيء؟ الجواب ينبغي أن تستمر على نصحه وتعامله بالحكمة والموعظة الحسنة، وتجادله بالتي هي أحسن، وتدعو الله له لعل الله أن يهديه، وبالله التوفيق.

стр. 1402

حكم من تأوّل صفات الله السؤال من المعلوم أن بعض العلماء الذين نهجوا منهج الخلف في فهم صفات الله قد لجئوا لأسلوب تأويل هذه الصفات؛ خشية الوقوع في التشبيه، فما الحكم في هؤلاء؟ الجواب هم يؤولون قوله تعالى: (استوى على العرش) بمعنى: (استولى!) أو (يد الله) بمعنى: قوة الله، وهكذا، والذي يجب هو أن نسلك مسلك السلف في إجراء هذه الصفات على ظاهرها، بدون تشبيه وبدون تعطيل كما هو معلوم. يقول الشنقيطي ﵀: ونحن نرجو أن يغفر الله تعالى للذين ماتوا على هذا الاعتقاد؛ لأنهم لا يقصدون تشبيه الله بخلقه، وإنما يحاولون تنزيهه عن مشابهة خلقه، فقصدهم حسن، ولكن طريقهم إلى ذلك القصد سيء، وإنما نشأ لهم ذلك السوء بسبب أنهم ظنوا لفظ الصفة التي مدح الله بها نفسه يدل ظاهره على مشابهة صفة الخلق. أي: لما سمعوا قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] فأول ما سمعوا كلمة (بيدي) تخيلوا ما هو معهود لديهم من صفات المخلوقين فوقعوا في التشبيه، ثم قالوا: ينبغي أن نبطل هذا التشبيه؛ لأنه كفر فقادهم ذلك إلى التعطيل، فنفوا الصفة. فهم في بداية الأمر وقعوا في التشبيه أصلاً، وظنوا أن ظاهر اللفظ هو التشبيه، فلذلك وقعوا في النفي حتى يتفادوا التشبيه، ولو أنهم منذ البداية قالوا: إن ظاهرها هو ما يليق بالله لَمَا وقعوا في التشبيه ولا في التعطيل. يقول: فنفوا الصفة التي ظنوا أنها لا تليق قصداً منهم لتنزيه الله، وأوّلوها بمعنىً آخر يقتضي التنزيه في ظنهم، فقالوا: (استوى على العرش) أي: استولى على العرش. فهم كما قال الشافعي رحمه الله تعالى: رام نفعاً فضر من غير قصد ومن البر ما يكون عقوقا يقول: ونحن نرجو أن يغفر الله لهم خطأهم، وأن يكونوا داخلين في قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب:٥]. وخطؤهم المذكور لاشك فيه، ولا يصح أن يأتي إنسان فيقول: هناك علماء وأئمة يؤولون صفات الله فكيف تخالفونهم؟ فأقول: لسنا نحن الذين نخالفهم، لكنهم خالفوا من هُم أجلّ منهم قدراً وأعظم منهم علماً، ألا وهم أئمة السلف في القرون الخيرية الأولى ومن تبعهم بإحسان. إذاً: ليست المسألة أن إنساناً متأخراً يتعقب علماء الخلف، وإنما بعض رجال الخلف خالفوا قول السلف الذين هم أعلم الأمة بدينهم، فيكون خطؤهم المذكور لا شك فيه، ولو وفقهم الله لتطهير قلوبهم من التشبيه أولاً وجزموا بأن ظاهر صفات الخالق هو التنزيه عن مشابهة صفة المخلوق لسلموا مما وقعوا فيه. فمثلاً: لو أنهم من البداية سمعوا قوله تعالى: ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤] فقالوا: استوى استواءً يليق بجلال الله، ولا ندري كيف هو؛ لأنه لا يعلم كيف هو إلا هو لسلموا. فأي شيء تتخيله عن الله بعقلك فاعلم أن الله ليس على تلك الصفة، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] فلا شك في أن النبي ﷺ عالم كل العلم بأن الظاهر المتبادر مما مدح الله به نفسه في آيات الصفات هو التنزيه التام عن صفات المخلوقين، ولو كان يخطر في ذهن النبي ﷺ أن ظاهر هذه الصفات لا يليق بالله لأنه تشبيه بصفات الخلق لبادر كل المبادرة إلى بيان ذلك، ولكنه لم يفصّل؛ لأنه يعلم أن الصحابة يفهمون أن ظاهر هذه الصفات هو ما يليق بالله وليس ما يقتضي التشبيه؛ لأنه لا يجوز في حق النبي ﷺ تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه، ولا سيما في العقائد وفيما ظاهره الكفر والتشبيه. إذاً: لو كان ظاهره يخالف ما يليق بالله لنفاه النبي ﷺ ، فكونه لم يبين ذلك فمعناه أن الظاهر هو ما يليق بالله، وليس الظاهر هو ما يعرفه المخلوقون، فسكوت النبي ﷺ عن بيان هذا يدل على أن ما زعمه المؤولون لا أساس له من الصحة.

стр. 1403

حكم اتخاذ القبور مساجد السؤال بعض الناس -خاصة الصوفية- يستدلون بآية في سورة الكهف على جواز اتخاذ قبور الصالحين مساجد، فيقولون: إذا كان من المقرر شرعاً تحريم بناء المساجد على القبور فهناك أدلة على جواز ذلك، ومن هذه الأدلة قوله ﵎ في سورة الكهف: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ [الكهف:٢١]، ووجه دلالة الآية على ذلك أن الذين قالوا: (لنتخذن عليهم مسجداً) كانوا نصارى -حسب ما هو مذكور في كتب التفسير-، فيكون اتخاذ المسجد على القبر من شريعتهم، وشريعة من قبلنا شريعة لنا إذا حكاها الله ولم يعقبها بما يدل على ردها، كما في هذه الآية الكريمة. فما صحة هذا الاستدلال؟! الجواب يقول فضيلة العلامة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني: الجواب على هذه الشبهة من وجهين: أولاً: إن الصحيح المتقرر في علم الأصول أن شريعة من قبلنا ليست شريعة لنا، وهم بنوا هذا الاستدلال على أن شرع من قبلنا شرع لنا، فيكون هذا أمراً غير متفق عليه، والقول الراجح في علم الأصول أن شريعة من قبلنا ليست شريعة لنا لأدلة كثيرة، من هذه الأدلة قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة:٤٨]، وقول النبي ﷺ : (أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي) وقال في آخر هذه الخمس: (وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس كافة) فمعناه: إن شريعتي غير شرائع الأنبياء قبلي. فإذاً: الأنبياء السابقين كموسى وعيسى ونوح وغيرهم كان كل نبي منهم أو رسول يأتي بشريعة لقومه خاصة، فكونها لقومه خاصة معنا أنها لا تلزم غيرهم، وحينئذٍ لا تلزمنا نحن المسلمين، وإنما الذي يلزمنا هو بعثة النبي ﵌ وشريعته، فإذا تبين هذا فلسنا ملزمين بالأخذ بما في الآية، أي: لو وافقنا ابتداءً على أن الآية تفيد أن في شريعة النصارى أنهم يبنون المساجد على قبور الصالحين فإذا ثبت أن شرع من قبلنا ليس شرعاً لنا فلا يجوز لهؤلاء الناس أن يستدلوا بالآية على أن شرع من قبلنا شرع لنا؛ لأن هذه القاعدة غير صحيحة، بل الصحيح أن لنا شريعة خاصة ولهم شريعة خاصة. إذاً: لا يلزمنا المخالف بالأخذ بما فهمه من الآية من جواز بناء المساجد على القبور. أما الوجه الثاني الذي يرد به على استدلالهم بآية سورة الكهف فنقول: هبْ أن الصواب قول من قال: شريعة من قبلنا شريعة لنا. فإذا فرضنا هذا جدلاً فإن العلماء الذين يقولون: إن شرع من قبلنا شرع لنا يشترطون أن لا يخالف شرعنا، فإن خالفه فالذي يقدم شرعنا؛ لأن شرعنا أتى لينسخ هذه الشرائع. وما ورد في هذه الآية مشروط بإذا لم يرد في شرعنا ما يخالفه، وهذا الشرط معدوم هنا؛ لأن الأحاديث تواترت في النهي عن بناء المساجد على القبور، فذلك دليل على أن ما في الآية ليس شريعة لنا. وهناك وجه ثالث في الرد، وهو أنه لا يلزم أن تفيد الآية أن بناء المساجد على القبور كان شرعاً عندهم؛ لأن غاية ما فيها أنه: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ [الكهف:٢١]، وليس فيها تصريح بأن الذين قالوا ذلك كانوا مؤمنين، وليس هناك ما يدل على أنهم كانوا مؤمنين صالحين متمسكين بشريعة نبي مرسل، بل الظاهر خلاف ذلك. والحافظ ابن رجب ﵀ في شرح حديث: (لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) يقول: وقد دل القرآن على مثل ما دل عليه هذا الحديث، وهو قول الله في قصة أصحاب الكهف: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ [الكهف:٢١]، فجعل اتخاذ القبور على المساجد من فعل أهل الغلبة على الأمور، وذلك يشعر بأن مستنده القهر والغلبة واتباع الهوى، وأنه ليس من فعل أهل العلم والفضل المتبعين لما أنزل الله على رسله من الهدى. وقال الشيخ علي بن عروة: حكى ابن جرير في قوله تعالى: (قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ) قولين: الأول: أن القائلين هم المسلمون منهم. والثاني: أنهم أهل الشرك منهم، فالله أعلم. يقول: والظاهر أن الذين قالوا ذلك هم أصحاب الكلمة والنفوذ، ولكن هل هم محمودون أم لا؟ فيه نظر؛ لأن النبي ﷺ قال: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذّر ما صنعوا). إذاً: لم يقتصر على عدم كونه في شريعتهم، بل لعنهم الله من أجل بناء المساجد على القبور. وقد روينا عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه لما وجد قبر دانيال في زمانه بالعراق أمر بأن يخفى عن الناس، وأن تدفن تلك الرقعة التي وجدها عنده فيها شيء من المواعظ والأخبار وغيرها. يقول الألوسي: واستدل بالآية على جواز البناء على قبور العلماء، واتخاذ المساجد عليها، وجواز الصلاة عندها، وممن ذكر ذلك الشهاب الخفاجي في حواشيه على البيضاوي، وهو قول باطل عاطل فاسد كاسد. ثم أتى بالأحاديث الثابتة في تحريم بناء المساجد على القبور، وأتبعها بكلام الحافظ الهيتمي في بيان أن ذلك من الكبائر. ثم قال: وقد أفتى جمع بهدم كل ما بقرافة مصر من الأبنية، حتى قبة الإمام الشافعي عليه الرحمة التي بناها بعض الملوك أفتوا أنها تهدم، وينبغي لكل أحد هدم ذلك ما لم يخش منه مفسدة، فيتعين الرفع للإمام أخذاً من كلام ابن الرفعة في الصلح، فإن الله قص علينا بلا إنكار. أي: إن قالوا: إن ربنا حكى كلام هذه الفئة: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ [الكهف:٢١] ولم ينكر عليهم نقول: نعم لم ينكر سياق القرآن صراحة عليهم، ولكن إنكار الرسول ﷺ عليهم ولعنهم على هذا الفعل واضح، وإنكار الرسول كإنكار الله، ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠]. فيقال لهم: هل تنكرون السنة؟ فإن كانوا ينكروا السنة فإنهم فرقة ضالة تنبأ بها النبي ﵊، وإن كانوا يؤمنون بالسنة فقد ثبت في السنة إنكار الرسول ﷺ لهذا الفعل، وأنه لعن الذين يتخذون المساجد على القبور، فالآية ليست خارجة مخرج المدح لهؤلاء الناس، وليس فيها -أيضاً- ما يحضنا على التأسي بهم. ومتى يمكن القول بأن عدم إنكار الله على هؤلاء القوم يعني إباحة هذا الفعل؟ نقول: ذلك إذا كان في وسطهم شخص معصوم، فمتى لم يثبت أن فيهم معصوماً -أي: نبياً مرسلاً- فلا يدل فعلهم -فضلاً عن عزمهم- على مشروعية ما كانوا بصدده؛ لأنه ما كان فيهم رسول، لكن هؤلاء الناس لم يأت ما يدل على الوثوق بفعلهم. وتأول بعض العلماء اتخاذهم للمسجد على القبور بأنه ليس المعنى الذي نفهمه الآن من بناء المساجد على القبور في مكان واحد، قال: وإنما هو اتخاذ مسجد قريب من كهفهم، وليس المقصود اتخاذ المساجد على القبور بالصورة التي نعرفها في هذا الزمان. وأيضاً فإن الإنسان الذي يستدل بهذه الآية على جواز بناء المساجد على القبور مَثَله كمثل الإنسان الذي يستدل بقوله تعالى في شأن سليمان ﵇: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ [سبأ:١٣] على جواز صناعة التماثيل والأصنام، فأما في شرعنا فهذه الأشياء محرمة قطعاً، وكذلك بناء المساجد على القبور.

стр. 1404

حكم الاستمناء السؤال ما حكم الاستمناء في الشريعة الإسلامية؟ الجواب الاستمناء هو استدعاء المني بغير جماع. وقد ذهب إلى تحريم الاستمناء جمهور العلماء من المالكية والشافعية والحنفية. قال القاضي أبو بكر بن العربي: وعامة العلماء على حرمته، وهو الحق الذي لا ينبغي أن يدان الله إلا به. انتهى كلام ابن العربي. وأدلة تحريمه هي: أولاً: قوله تعالى في مدح المؤمنين المفلحين في سورة المؤمنون: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون:١ - ٢]، إلى أن مدحهم بقوله : ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون:٥ - ٧]. فقوله تعالى: (فمن ابتغى) أي: من طلب شيئاً (وراء ذلك) أي: سوى ذلك المذكور في قوله تعالى: (إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم) (فأولئك هم العادون) أي: الظالمون المتجاوزون الحلال إلى الحرام، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة:٢٢٩]، فالآيات تدل بعمومها على تحريم ما عدا صنفي الأزواج والإماء. وقد سئل الإمام مالك عن حكم الاستمناء فتلا قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون:٥ - ٧]. ومن ثم قال بعض العلماء في هذه الفعلة: إنه كالفاعل بنفسه! وهي معصية أحدثها الشيطان، وأجراها بين الناس حتى صارت قيلة، ويا ليتها لم تقل، ولو قام الدليل على جوازها لكان ذو المروءة يعرض عنها لدناءتها، والاستمناء ضعيف في الدليل، عار بالرجل الدنيء، فكيف بالرجل الكبير؟! وممن استدل بهذه الآية على التحريم الإمام الشافعي ﵀، ومن المفسرين البغوي، والقرطبي، وابن العربي، وابن كثير، والنسفي، والخازن، وغيرهم، ولو فرض وجود خلاف فيه فقد قال القاضي أبو بكر بن العربي رحمه الله تعالى: وهذا من الخلاف الذي لا يجوز العمل به، وليت شعري لو كان فيه نص صريح بالجواز أكان ذو همة يرضاه لنفسه؟! ثانياً: قال الله : ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور:٣٣]، وهذا أمر يدل بظاهره على وجوب الاستعفاف، فهو أمر ظاهره وجوب الاستعفاف، ووجوب اجتناب ما ينافي العفة كالزنا واللواط والاستمناء ونحوها، فتكون هذه الأشياء واجبة الاجتناب محرمة الفعل؛ لأن الاستعفاف الواجب لا يتحقق إلا باجتنابها جميعاً. قال الشافعي رحمه الله تعالى في هذه الآية: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور:٣٣]: معناها -والله أعلم-: ليصبروا حتى يغنيهم الله تعالى وهو كقوله: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ [النساء:٦] ليكف عن أكله بسلف أو غيره. انتهى كلام الشافعي. والمقصود بالاستعفاف في آية اليتيم (وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ) أن القيّم على مال اليتيم لا يأكل من مال اليتيم شيئاً قليلاً ولا كثيراً، وليستعفف ما دام غنياً، وعلى هذا قول الله : (وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا) أي: ليتركوا هذا الشيء قليله وكثيره، ما عدا الأزواج والإماء، فلا يُقرب أي شيء يخالف قضاء الوطر عن غير هذا الطريق، فيفهم من ذلك الأسلوب -أي: من كلمة: (وليستعفف) - أنه يجب حفظ الفرج من جميع أنواع الشهوة، وأن من لم يجد السبيل إلى النكاح ففرض عليه أن يصبر حتى يغنيه الله من فضله فيجد السبيل إلى ما أحل الله. وزيادة في إيضاح معنى هذه الآية نقول: هل الاستمناء من الاستعفاف أم لا؟ فإن قلنا: لا فيلزم اجتنابه؛ لأن الآية تدل على تحريم ما ينافي الاستعفاف، وإن قلنا: إنه من الاستعفاف لزم القول بوجوبه -أي: الاستمناء- لأن الآية تأمر بالاستعفاف، وهذا حدث في الدين وخرق لإجماع المسلمين. ومما يؤيد هذا الاستدلال أن الله تعالى ذكر الاستعفاف والنكاح ولم يجعل بينهما واسطة، قال: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور:٣٣] أي: حتى ينكحوا. فذكر الله الاستعفاف والنكاح، ولم يجعل بينهما واسطة، فاقتضى ذلك تحريم الاستمناء، ولو كان مباحاً لبينّه في هذا الموطن؛ لأنه مقام بيان؛ إذ أحوج ما يكون الرجل إلى جواز الاستمناء إذا لم يجد سبيلاً إلى النكاح، لاسيما عند توقان نفسه إلى الوطء، وقاعدة الأصوليين: (السكوت في مقام البيان يفيد الحصر)، ودليل هذه القاعدة قول الله : ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم:٦٤]، أي أن الله سبحانه إذا سكت عن بيان شيء في مقام البيان فإنه يفيد انحصاره فيما ذكر فقط، ولا يتعداه إلى غيره، ففي قوله تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور:٣٣] حصر المسألة بين أمرين اثنين فقط هما: الاستعفاف أو النكاح، فاستدل بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم:٦٤] على ما نحن بصدده الإمام الكيا الهراسي والإمام القرطبي وغيرهما، قالوا: هذا المقام هو مقام بيان حكم الاستمناء، فلو كان مباحاً لبينه الله ، فدل على أنه ليست هناك سعة في هذا الأمر. ثالثاً: أخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء). ووجه دلالة هذا الحديث على المقصود أن الشارع أرشد عند العجز عن مؤن النكاح إلى الصوم فقال: (من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء)، ولو كان الاستمناء مباحاً لبينه في هذا الموطن، لكنه سكت عنه، فدل على أن ذلك حرام؛ لأن السكوت في مقام البيان يفيد الحصر، كما بيّنا أن سكوت الشارع في معرض البيان لشيء من أفعال المكلفين عن شيء آخر يشبهه أو يجانسه لا يكون نسياناً ولا ذهولاً -تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا-، ولكن يفيد قصر الحكم على ذلك الشيء المبين حكمه، ويكون ما عداه -وهو المسكوت عنه- مخالفاً له في الحكم ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم:٦٤]. وقد استدل بعض العلماء بهذا الحديث على حرمة الاستمناء؛ لأنه ﷺ أرشد عند العجز عن التزويج إلى الصوم فقال: (ومن لم يستطع فعليه بالصوم) الذي يقطع الشهوة، فلو كان الاستمناء مباحاً لكان الإرشاد إليه أسهل، وهذا الفعل لو كان مباحاً لكان الرسول ﵊ أرشد إليه، فهو أسهل من الصيام، وإن كان الصيام فيه ترك والاستمناء فيه فعل، لكن الاستمناء أسهل من الصوم؛ لأن الصوم وإن كان تركاً لكنه أشد من الفعل، وأشق على النفس من كثير من الأعمال؛ لأن الصوم حبس للنفس وكبح لها عن شهواتها، وفي الحديث: (كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله تعالى: إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه من أجلي)، فهذه المزّية لم تكن للصوم إلا لما فيه من المشقة، أما الاستمناء -وإن كان فعلاً لا تركاً- فهو سهل يسير موافق لغرض النفس، ولا يستغرق من الزمان ما يستغرقه الصوم، فلا جرم أن العدول عنه إلى الصوم دليل على حرمته، فيكون في الحديث دلالة على حرمة الاستمناء من وجهين: الوجه الأول: السكوت عنه في معرض البيان، حيث قال: (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم) ولم يفتح أي باب آخر لقضاء الشهوة سوى هذا الباب، وهو باب النكاح أو الصيام، ولم يذكر الاستمناء. الوجه الثاني: أنه عدل عنه إلى الصوم الذي هو أصعب. وقد وردت جملة أخبار عن جماعة من الصحابة ﵃ أنهم سألوا رسول الله ﷺ أن يرخص لهم في الاختصاء -وهو حرام في الآدميين؛ لأنه من تغيير خلق الله- ليدفعوا به مشقة العزوبة عن أنفسهم، ويستريحوا من عناء شهواتهم وعناء مقاومتها، فلم يرخص لهم النبي ﷺ ، وأرشدهم إلى الصوم، فلو كان الاستمناء جائزاً لأرشدهم إليه؛ لأنه أسهل من الاختصاء، والاختصاء إجراء عملية جراحية لإزالة الخصيتين، فهذا الأمر لو كان مباحاً لكان أسهل من الاختصاء وأسهل من الصوم، فلمّا لم يرشد إليه دل على أنه حرام؛ لأن السكوت في مقام البيان يفيد الحصر. ومن هذه الأحاديث ما جاء عن أبي هريرة ﵁ قال: (قلت: يا رسول الله! إني رجل شاب، وأنا أخاف على نفسي العنَتَ، ولا أجد ما أتزوج به النساء، فائذن لي أن أختصي، فسكت عني، ثم قلت مثل ذلك فسكت عني، ثم قلت مثل ذلك فسكت عني، ثم قلت مثل ذلك، فقال النبي ﷺ : يا أبا هريرة! جف القلم بما أنت لاق، فاختصِ على ذلك أو ذر) وهذا الحديث إسناده صحيح، وعلّقه البخاري في صحيحه بصيغة الجزم. فالنبي ﵊ عزّاه بالقدر، أي: إن كنت عاجزاً عن الكسب أو عن ت

стр. 1405

الأضرار الشرعية والصحية للاستمناء من الأدلة المهمة في هذه المسألة القاعدة الأصولية المتقررة أن الضرر يزال، وهي مأخوذة من قول النبي ﷺ : (لا ضرر ولا ضرار) أي أن الإنسان لا يضر نفسه ولا يضر غيره. فيؤخذ من هذا الحديث تحريم جميع أنواع الضرر، وأي شيء يحدث ضرراً فينبغي أن يدفع هذا الضرر، وينبغي أن يزال، فالأصل في المضار التحريم، وهذا الحديث هو من حديث عبادة بن الصامت، أخرجه ابن ماجة، وقوله ﷺ : (لا ضرر ولا ضرار) خبر معناه النهي، مثل قوله تعالى: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة:١٩٧] أي: لا ترفثوا، ولا تفسقوا، ولا تجادلوا في الحج. فالمقصود من قوله: (لا ضرر) أي: لا تضر نفسك، ولا تضر غيرك، والمضار الناتجة عن هذا الفعل الخسيس الدنيء مقررة عند الأطباء، وهي كثيرة جداً، منها: ضعف البصر، وتقليل حدة الوطر إلى حد بعيد، وإضعاف الأعضاء عموماً، وخصوصاً الأعضاء التناسلية، مما يؤثر -فيما بعد- أقوى تأثير على الباءة. ومن ذلك -أيضاً- إضعاف الأعصاب عامة، واضطراب آلة الهضم، وإيقاف نمو الأعضاء -خاصةً التناسلية- عن نموها الطبيعي، وإحداث التهاب منوي في الخصيتين، وألم في فقرات الظهر، وتقوس الظهر وانحناؤه، كما أنه يحل ماء صاحبه فيصير رقيقاً لا يقوى على التلقيح، وربما يؤثر على الجنين فيكون ضعيفاً. ومن ذلك أيضاً: أنه يسبب رعشة الأطراف، خصوصاً الرجلين، وضعف القوة الذهنية، وقلة الفهم، وصفرة الوجه، واستعداد فاعل هذا الفعل الدنيء للإصابة بالسل والعياذ بالله، وغيرها مما لا يكاد يحصى من الأضرار الصحية، فضلاً عن الضرر في الدين بالجرأة على ما حرم الله ، وظلمة القلب، واسوداد الوجه من المعصية، ووقوع الوحشة بين فاعل تلك الفعلة وبين الله ، ووقوع الوحشة بينه وبين الناس، خصوصاً أهل الخير منهم، قال النبي ﷺ : (استح من الله كما تستحي رجلاً من صالحي قومك) أي: لو أن رجلاً من صالحي قومك اطلع عليك لاستحييت منه، فكيف باطلاع الله ؟! ومن مضار هذا الفعل الدنيء التسبب في تقليل الحياء عند الشخص، وقد قال النبي ﷺ : (إن لكل دين خلقاً، وخلق الإسلام الحياء) وقال ﷺ : (إن الحياء والإيمان قُرناء جميعاً، فإذا رفع أحدهما رفع الآخر). وقد قال ﷺ : (البر ما اطمأنت إليه النفس، والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس)، وهذا الفعل القبيح الدنيء لا شك أنه مما لا يحب من يرتكبه أن يطلع عليه الناس. وهذا الفعل القبيح بغيض إلى الله ، قال النبي ﷺ : (إن الله تعالى يحب معالي الأمور وأشرافها، ويكره سفسافها). والاستمناء من أخطر الأمراض والأدواء، وأشدها ضرراً على الجسم والعقل والدين، فبينما ترى الشاب -من هؤلاء المصابين بهذا الفعل الشنيع- قوي الأعضاء، جمّ النشاط، يشتعل ذكاءً وفتوةً، ويلتهب حماساً وقوة، تجري نضرة الشباب في وجهه، ويغلي دم الحياة في عروقه، ثم سرعان ما تراه -وقد أنهكه ذلك الفعل الدنيء- خائر الأعضاء، فاقد النشاط، قد استحال ذكاؤه إلى غباوة وبلادة، وانقلب حماسه وقوته إلى ضعف ووهن، وصارت نضرته صفرة تنبئ بحلول داء عياء، وهبطت حرارة الدم فيه بنسبة ما أخرج من الماء، والتحق بالشيوخ الهرمى وهو لم يزل بعد في سن الشباب، كل هذه البلايا بسبب ذلك الفعل الخبيث! ولا غرو، فإن ماء الرجل قوة عقله، ونضارة وجهه، ومخ ساقه، وخلاصة عروقه، فاستخراجه على غير الوجه المشروع يؤدي حتماً إلى أسوأ النتائج. ومما لا شك فيه أن هذا الفعل حرام عند المالكية، والشافعية، والحنفية، وجمهور الأمة. وممن نص على حرمته الإمام البغوي، والقاضي أبو بكر بن العربي، والحافظان ابن كثير وابن الملقن، والإمام المجتهد التقي ابن دقيق العيد، والعلامة ابن الهمام، والمحقق ابن قاسم العبادي، وشيخ الإسلام الشيخ عبد الله الشرقاوي، ومفتي بغداد السيد الألوسي، وجماعة يطول ذكرهم. ومن الأدلة التي يستدل بها على تحريم هذه المسألة بعض الأحاديث التي لو صحت لكانت من أصرح الأدلة في تحريم هذا الفعل، ولكنها أحاديث ضعيفة، فلا بأس بأن نذكرها على سبيل الإخبار بضعفها. عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: (سبعة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولا يجمعهم مع العالمين، ويدخلهم النار في أول الداخلين، إلا أن يتوبوا، ومن تاب تاب الله عليه: الناكح يده، والفاعل، والمفعول به، ومدمن الخمر، والضارب والديه حتى يستغيثا، والمؤذي جيرانه حتى يلعنه الناس، والناكح حليلة جاره) يعني الزاني بها. فهذا أحد الأحاديث التي يستدل بها على تحريم هذا الفعل، لكنه حديث ضعيف. وهناك بعض الروايات عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (سبعة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ويقول لهم: ادخلوا النار مع الداخلين: الفاعل، والمفعول -يعني اللواط- والناكح يده، وناكح البهيمة، وناكح المرأة في دبرها، وجامع المرأة وابنتها، والزاني بحليلة جاره، والسابع: المؤذي جيرانه حتى يلعنه الناس، إلا أن يتوب). فهذان الحديثان صريحان في تحريم هذا الفعل، لكنهما ضعيفان، ويغني عنهما ما سبق أن سردناه من الأدلة.

стр. 1406

طرق التخلص من هذه المعصية لا شك أن دواء هذه العادة هو عمارة الأوقات بالطاعات. والدواء الأنفع الذي لا شك في أنه أقرب الطرق إلى العفة هو امتثال أمر النبي ﷺ حين قال: (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء). ومن أنفع الأدوية عمارة الأوقات بالطاعات، وإدمان الذكر، والتفكر في الموت والآخرة. ومنها تجنب الوحدة، ومصاحبة الصالحين، ولزوم جماعة المسلمين في المساجد، وفي الجنائز، وفي صلوات العيد، وفي حلقات العلم وحلق الذكر، فهذه من أنفع الأدوية؛ لأن النبي ﷺ قال: (الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد، والثلاثة لا يقربهم الشيطان) ويقول ﷺ : (لو يعلم الناس ما أعلم من الوحدة ما سار راكب وحده بليل أبداً) وفي بعض الأحاديث: (نهى رسول الله ﷺ عن الوحدة، أن يبيت الرجل وحده، أو أن يسافر وحده). ومن أقوى الأسباب الفراغ، فعند الفراغ يخلو الشيطان بذلك الشاب، فيغريه بارتكاب ما حرم الله ، فمن أنفع الأدوية -كما ذكرنا- مصاحبة الصالحين الذين يذكرونه إذا نسي ويعينونه إذا ذكر. ولابد من تجنب أهل الفسق وصحبة أهل السوء الذين هم أصدقاء في الظاهر وأعداء ألّداء في الحقيقة والباطن. وهكذا شغل الفراغ بما ينفع في الدين أو الدنيا، كلعب بعض الرياضات المفيدة، مع استصحاب نوايا حسنة بهذه الأنواع من الرياضة التي تقوي البدن ويستفيد منها المسلم. ومن ذلك تجنب أماكن الفساد التي فيها الصور المحرمة، وتجنب الجرائد القبيحة، وتجنب أجهزة الفساد كالتلفزيون وغيره؛ فإن من يقومون على أمرها هم ممن يحبون إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا. ومن أنفعها -كما ذكرنا- الدواء الأول، وهو لزوم الصوم، وهو الذي ذكره النبي ﵌ كما سبق. ومن ذلك -أيضاً- المواظبة على قراءة القرآن، فهو يغني عن كل هذه النصائح الكثيرة بعد الصيام. ومنها دواء واحد مجمل بعد هذا التفصيل، وهو الذي ورد في قول النبي ﵌: (عليكم بالصدق؛ فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً، وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً). وقد يقول قائل: ما علاقة الصدق بقضية مثل هذه القضية الفقهية؟! والجواب أن هذه الكلمة -الصدق- هي أعم وأوسع في معناها مما يتبادر إلى الأذهان، فإن الرسول ﷺ من حنكته وفطنته جمع لك كل هذا الكلام وأضعاف أضعافه في هذه الكلمة (الصدق) فإنك إذا سئلت: هل تسرق؟ فإن قلتَ: لا وأنت قد سرقت وقعت في الكذب، فخالفت العهد الذي عاهدت الله عليه، والله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة:١١٩]، والرسول ﷺ يقول: (عليكم بالصدق)؛ لأن الصدق من شأنه أنه هادٍ إلى البر، والبر يشمل جميع أنواع الخيرات، فلذلك كان بعض الشيوخ إذا أتاه بعض أتباعه أو تلامذته تائباً وسأله عن التوبة، وأراد هذا الشيخ أن لا يشتت ذهنه، وأن لا يشوش فكره بكثرة التكاليف يقول له: عليك بالصدق. فيأمره بالصدق لأنه إذا أمره بالصدق فأتى فقال له: صليت أم لم تصل؟ فإذا كان التزم الصدق فسيقول: لم أصل. وإن خالف فسيقع في الكذب، فإن لزم الصدق فإنه سوف يتحرج من أن يقع في الفعل الذي يوجب توبيخه ومعاتبته، فمن ثم كانت الوصية من النبي ﷺ بلزوم الصدق؛ لأن الإنسان إذا استطاع أن يتصف بصفة الصدق وتحرى الصدق -أي: التدقيق والاحتياط الشديد في الصدق- فإنه تفتح له جميع أبواب الخيرات، قال ﷺ (فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً).

стр. 1407

بطلان القصة التي أوردها العيدروس بشأن كتاب إحياء علوم الدين بعض الناس يمارس أحياناً نوعاً من الإرهاب الفكري، وهذا يحصل من بعض الصوفية وأصحاب المنامات، فيمارسونه ضد من يكشف أخطاءهم ويبين ألاعيبهم، فترى في المنام أنه يخوفك إن أنت خالفته، ويهددك بأنه سيحصل لك كذا وكذا، وهذا النوع من الإرهاب لا يخيف إلا ذوي العقول الخفيفة، لكن الإنسان لا يبالي أبداً ما دام على الحق من الكتاب والسنة الذين هما المقياس الذي يحكم به على أي شيء، حتى لو كان مخالفه صاحب سلطة ونفوذ ما دام معه الكتاب والسنة. وكتاب (إحياء علوم الدين) من الكتب التي تحتاج إلى دراسة مستفيضة، وقد ارتبطت كثير من الأخطاء التي وجدت في هذا الكتاب بمراحل حياة الإمام الغزالي رحمه الله تعالى، فقد مرّ الإمام الغزالي بمراحل ومحن نفسية كثيرة. والإمام الغزالي -كما يشهد له كثير من العلماء- من الأذكياء النوادر في العالم بلا شك، وقد أثرى المكتبة الإسلامية بمؤلفاته، وكان على فقه عظيم جداً، وهو من أصحاب الوجوه في المذهب الشافعي، وله مؤلفات في أصول الفقه، ومؤلفات في العقيدة والأخلاق وغيرها، لكن ما اشتهر الإمام الغزالي بشيء من كتبه كما اشتهر بكتابه (إحياء علوم الدين) وليس المجال مجال التفصيل في حسنات هذا الكتاب، ولا مجال تفصيل في أخطائه أو أخطاره التي لو عششت في قلب أو عقل مؤمن ستقوده إلى كثير من الضلالات للأسف الشديد. وهناك بعض الصوفية اختلقوا وكذبوا كذبةً، وجعلها الشيخ عبد القادر العيدروس بمثابة العصا التي يسميها عصا العيدروس، وهي العصا التي يخوف بها كل من يتكلم في كتاب (إحياء علوم الدين)! فأي شخص ينكر على الغزالي وعلى إحيائه شيئاً فإن العيدروس سيرفع هذه العصا مخوفاً إياه من عاقبة ذلك الفعل، وهذا في كتاب (تعريف الأحياء بفضائل الإحياء) للشيخ عبد القادر العيدروس. وقد روى في هذا الكتاب قصة عجيبة، لكنها لا تستهوي من يتحرى الصدق، ويتحرى العلم وصحة الدليل وموافقة الكلام للكتاب والسنة، مهما رأى من التشويه والتهويل. فيقول: ذكر اليافعي أن أبا الحسن بن حربهم الفقيه المشهور المغربي كان قد بالغ في الإنكار على كتاب إحياء علوم الدين، وكان مطاعاً مسموع الكلمة، فأمر بجمع ما ظفر به من نسخ الإحياء وهم بإحراقها في الجامع يوم الجمعة، فرأى ليلة تلك الجمعة كأنه دخل الجامع، فإذا هو بالنبي ﷺ ، ومعه أبو بكر وعمر ﵄، والإمام الغزالي ﵀ قائم بين يدي النبي ﷺ ، فلما أقبل ابن حربهم -الذي أراد إحراق كتاب الإحياء- قال الغزالي: هذا خصمي يا رسول الله، فإن كان الأمر كما زعم تبتُ إلى الله! وهل هذاك توبة تقبل بعد الموت؟! فالإمام الغزالي ﵀ قد انتقل إلى الدار الآخرة، فكيف يتوب إلى الله وهو في دار الآخرة؟! قال: وإن كان حصل لي شيء من بركتك واتّباع سنتك فخذ لي من خصمي. ثم إن الغزالي ناول النبي ﷺ كتاب الإحياء، فتصفحه النبي ﷺ ورقة ورقة من أوله إلى آخره، ثم قال: والله إن هذا لشيء حسن! ثم ناوله الصديق ﵁، فنظر فيه فاستجاده وقال: نعم، والذي بعثك بالحق إنه لشيء حسن. ثم ناوله الفاروق عمر ﵁، فنظر فيه وأثنى عليه كما فعل الصديق، فأمر النبي ﷺ بتجريد الفقيه علي بن حربهم عن القميص، وأن يضرب ويحدّ حدّ المفتري، فخلعت ثيابه وضُرب على ظهره، فلما ضُرب خمسة أسواط شفع فيه الصديق ﵁، وقال: يا رسول الله! لعله ظن فيه خلاف سنتك، فأخطأ في ظنه! فرضي الإمام الغزالي، وقبل شفاعة الصديق، ثم استيقظ ابن حربهم وأثر السياط في ظهره -أي: جُلد وهو نائم- فقام وأعلَمَ أصحابه، وتاب إلى الله من إنكاره على الإمام الغزالي واستغفر، ولكنه بقي مدة طويلة متألماً من أثر السياط! فهل صحيح ما حصل في قصة عصا العيدروس؟! وهل يعقل أن إماماً مثل الإمام علي بن حربهم الذي اتخذ موقفه بناءً على أدلة وعلى علم ثم يحدث له ما حدث؟! فأين العلم في مثل هذه الرؤيا المختلطة؟! فهل هذه تخوفنا كي لا نتعرض لكتاب الإحياء ولكي نقبل كل ما فيه مما يخالف الكتاب والسنة؟! وإن الإمام الغزالي ﵀ -كما يقول بعض العلماء- قد حشى كتابه بالكذب على رسول الله ﷺ بذكر الأحاديث الضعيفة والموضوعة والمختلقة على النبي ﵌. فهذا الشيخ الأستاذ عبد الرحمن دمشقية في كتابه: (أبو حامد الغزالي والتصوف) يقول: ألا قاتل الله ملفق هذه الفرية، ما أكذبه! ألم يعلم أن رسول الله ﷺ كان أُمّياً لا يقرأ ولا يكتب، أم أن تعصبه الأعمى أغفله عن هذه الحقيقة التي أراد الله أن يجعلها علامة على كذبه؟! ألا فليتبوأنّ مقعده من النار هو وأمثاله ممن يكذبون على رسول الله ﷺ متعمدين، فقد جاء في الصحيح قوله ﷺ : (من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار) رواه مسلم، وهو حديث متواتر. والأمر الآخر الذي يشهد بكذبه أن الإحياء فيه من الأباطيل التي لا يقرّها ولا يقول بها أجهل الناس بالإسلام، فكيف يرضى النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه بهذه العجائب؟! ولو فرضنا -جدلاً- أن رسول الله ﷺ قرأ الإحياء وقلّبه صفحة صفحة -حسبما يقول هذا المدّعي- فهل أقرّ النبي ﷺ فيه ما نقله الغزالي عن أبي تراب النخشبي إذ يقول: لئن رأيت أبا يزيد مرة واحدة كان أنفع لك من أن ترى الله سبعين مرة؟! وهذا موجود في الإحياء، الجزء الرابع، صفحة (٣٥٦). وهل أقرّ النبي ﷺ قول أبي يزيد لأحد أعيان بسطام: قولك سبحان الله شرك؛ لأنك سبحت نفسك فعظمتها وما عظمت ربك؟! ألم يطّلع ﷺ في الإحياء على ما يقارب ستمائة حديث بين ضعيف وموضوع؟! ألم يقرأ قول الغزالي في آداب الخلوة: ويخلو بنفسه في زاوية، ويقتصر على الفرائض والرواتب، ولا يقرن همه بقراءة قرآن، ولا بالتأمل في تفسير، ولا يكتب حديثاً؟! ألم يقرأ قول الغزالي: القلوب وإن كانت محترقة بحب الله تعالى فإن البيت الشعري الغريب يهيج منها ما لا تهيج تلاوة القرآن؟! فهل البيت الشعري يؤثر في القلوب ويهيجها أكثر مما يفعل القرآن الكريم؟! وقول الغزالي -أيضاً- رحمه الله تعالى: اعلم أن الغناء أشد تهييجاً للوجد من القرآن لوجوه عديدة! ثم ذكر التفاصيل في موضع آخر. ألم يقرأ قول الغزالي عن أصحاب مرتبة الصديقين بأنهم قوم رأوا الله سبحانه وحده، ثم رأوا الأشياء به، فلم يروا في الدارين غيره، ولا اطّلعوا في الوجود على سواه، وهذا هو النظر بعين التوحيد، وهو يعرّفك أنه الشاكر وأنه المشكور، وأنه المحب وأنه المحبوب، وهذا نظر من عرف أنه ليس في الوجود غيره، فهو الشاكر وهو المشكور! وهذا الكلام يقترب كثيراً من وحدة الوجود. ألم يطّلع رسول الله ﷺ في هذه الرؤيا المكذوبة على تقسيم الغزالي الناس إلى صنفين، حيث قال: الصنف الأول: وهم الأذكياء، الذين لا يطلبون الجنة، بل يحتقرونها، وإنما يطلبون مجالسة رب العزة دائماً، والصنف الثاني: وهم البُلْه -أي: السذج - الذين يتمتعون في الجنة بالنسوان والطعام الشراب كالبهائم، مستبدلين الذي هو أدنى بالذي هو خير؟! ألم يقرأ قوله: وما حكي من تفرق المشايخ وإخبارهم عن اعتقادات الناس وضمائرهم يخرج عن الحق؟! ألم يقرأ رسول الله ﷺ قول الغزالي: واستمع بقلبك لما يوحى، فلعلك تجد على النار هدى، ولعلك من سرادقات العرش تنادى بما نودي به موسى: إني أنا ربك؟! أيكون الغزالي معصوماً من كل زلّة ومنزّهاً عن كل ما اقترف، حتى إن رسول الله ﷺ يقرأ كتابه ورقةً ورقةً فلا يجد فيها خطأً يسيراً أو ملاحظة صغيرة على الأقل؟! أهذا هو الإحياء الذي زعموا أن الرسول ﷺ تصفحه ورقة ورقة ثم قال: والله إن هذا لشيء حسن؟! وأن أبا بكر ﵁ قال: نعم، والذي بعثك بالحق إنه لشيء حسن؟! إن هذه الرواية المختلقة لم تكن إلا بمثابة تخويف وتهديد لكل من يهم بإنكار هذه الأباطيل الواردة في كتاب الإحياء، فلا يخافن أحد من هذه الأساطير الصوفية، ولا يترددن في إنكار أي شيء باطل يراه، فإن إنكار المنكر هو ركيزة هذا الدين، وما تركه قوم إلا استحقوا غضب الله وعقابه، والصوفية أوهموا الناس عكس ذلك، فإذا أنكر أحد هذه المنكرات الموجودة في مثل هذا الكتاب خوفوه بمثل هذه الأكاذيب، قال الله : ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠]، وقال سبحانه: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [التوبة:٧١]، وقد ترك بنو إسرائيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فاستحقوا اللعن على ألسنة أنبيائهم، قال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَو

стр. 1408

بيان بعض ضلالات الصوفية لقد عهدنا في الصوفية أسلوب الترهيب من الإنكار على مخالفيهم لصريح شرع الله، وذلك أنهم يلفقون قصصاً لا أصل لها ليخوفوا بها من ينكر عليهم، قال النبهاني: قال المناوي: قال لي فقيه عصرنا -أي: فقيه عصره- شيخنا الرملي: إن بعض المنكرين رأى أن القيامة قد قامت، ونصبت أوانٍ في غاية الكبرَ، وأغلي فيها ماء يتطاير منه الشرر، وجيء بجماعة ضبائر ضبائر، فوضعت فيه حتى تهرى اللحم والعظم، فقال: من هؤلاء؟ قال: الذين ينكرون على ابن عربي وابن الفارض!! ومن ابن عربي وابن الفارض حتى يعذّب هذا العذاب كل من ينكر عليهما كما يزعمون؟ إن ابن عربي يقول في كتابه (فصوص الحكم): فيحمدني وأحمده ويعبدني وأعبده ففي حال أقر به وفي الأعيان أجحده ولو أردت زيادة لتعرف من هو ابن عربي -الذي يرهبوننا ويخوفننا من أن ننكر عليه- فاسمع ما يقول: فلولاه ولولانا لما كان الذي كانا وإنا عينه فاعلم إذا ما قلت إنسانا فلا تحدق بإنسان فقد أعطاك برهانا فقل حقاً وكن خلقاً تكن بالله رحمانا وقال أيضاً: العبد ربّ والربّ عبد فليت شعري من المكّلفْ إن قلت عبد فذاك رب أو قلت ربّ أنى يكلّف وبما أن حكاية الكفر ليست بكفر فنذكر مقالته الكفرية -والعياذ بالله- حيث يقول: وما الكلب والخنزير إلا إلهنا وما الله إلا راهب في كنيسة هذا هو ابن عربي الذي يعظمونه، ويقولون: احمل كلامه على غير ظاهره! أما ابن الفارض فهو الذي ينادي ربه مخاطباً إياه بضمير المؤنث! وهو يقول: لها صلواتي بالمقام أقيمها وأشهد فيها أنها لي صلت كلانا مصلّ واحد ساجد إلى حقيقته بالجمع في كل سجدةِ وما كان بي صلى سواي ولم تكن صلاتي لغيري في أدا كل ركعةِ وما زلت إياها وإياي لم تزل ولا فرق من ذاتي لذاتي أحبّتِ فالصوفية يظنون أن الناس لا ينكرون هذا التحريف لحقائق وأصول دين الإسلام، فيذكرون مثل هذه الروايات المكذوبة حتى على النبي ﷺ ، ولا حيلة لهم بغير هذا الطريق؛ لأنه ليس لهم سلاح غير المنامات والتخويف الكلامي، أما السنّة والعلم والأدلة فلا يستطيعون أن يرفعوا بذلك رأساً؛ لأن مثل هذه الكتب وهذه الأفكار تضمنت من العجائب ما يشهد على رده الأدلة الشرعية، بل الأدلة قائمة ضدها، فإذا عجز أحدهم عن القيام في حلبة العلم ومواجهة الأدلة بالأدلة والحجة بالحجة لجأ إلى الأحلام وإلى الاختلاق الصوفي. ويأتي العيدروس بشواهد على كتاب الإحياء وتعظيمه، حتى إنه ينسب إلى الإمام النووي رحمه الله تعالى أشياء لا يمكن أن تصح عن الإمام النووي، منها أنه قال: كاد الإحياء أن يكون قرآناً! وقال: أجمع العلماء العارفون بالله على أنه لا شيء أنفع للقلب وأقرب إلى رضا الرب من متابعة حجة الإسلام الغزالي ومحبة كتبه. ونحن لا نتكلم في الإمام أبي حامد، فإنه إمام، ونسأل الله أن يعفو عنه ويجزيه خيراً؛ لأنه له آراء مشرقة في هذا الكتاب وفي غيره، وإنما نتكلم عن المواضع المخالفة للكتاب والسنة. وقال العيدروس: قال الشيخ الكازروني: لو محيت جميع العلوم لاستُخرِجَتْ من الإحياء. ونقل عن علي بن أبي بكر السقاف قوله: لو قلّب أوراق الإحياء كافر لأسلم! يقول الأستاذ دمشقية: لكنني أتساءل: أي كافر من الملل الأخرى اجترأ أن يوافق أبا تراب النخشبي في قوله: لئن رأيت أبا يزيد مرة واحدة كان أنفع لك من أن ترى الله سبعين مرة؟! هل هناك كافر عندما يسمع هذا الكلام يسلم؟ ومن منّا يوافق أبا يزيد البسطامي في قوله حين قال له رجل: سبحان الله. فقال له: قولك: سبحان الله شرك؛ لأنك عظّمت نفسك فسبّحتها وما سبحتَ ربك؟! فهل هذه الأقوال تنقل الكافر من الكفر إلى حظيرة الإسلام، ولم نقصد التوسع في هذا الأمر، لكن هذا خلاصة. ومما ينبّه عليه -أيضاً- أن العيدروس يعتبر كتاب الإحياء أشبه بصكوك الغفران التي كانت تباع بها الجنة أيام الكنيسة الرومانية! لقد كان ضمان الجنة أو الحرمان منها من قبل البابا، وكلمة (البابا) كلمة فيها تعظيم عند النصارى لكافر نجس، فهم يعظمونه بكلمة (البابا)، وهي تعني أباهم هُم، ونحن لا نعترف بها؛ لأن فيها تعظيماً لهذا الشخص المعادي لله ولرسوله ﷺ . فكان بابواتهم في الكنيسة الرومانية يحجزون للناس أماكن في الجنة حسب النقود التي يدفعونها لهم كما يزعمون. وهذه الخدعة الموجودة عند النصارى أصبحت تتكرر عند الصوفية، وتزداد لمن يحصّل كتاب الإحياء عند العيدروس. يقول الشيخ عبد الوهاب الشعراني في طبقات الأولياء: إن الشيخ مدْيَن الأشموني جاءته امرأة، وقالت له: هذه ثلاثون ديناراً وتضمن لي على الله الجنة. فقال الشيخ موافقاً لها: هذه لا تكفي! فقالت: لا أملك غيرها. فضمن لها على الله دخول الجنة، فماتت فبلغ ورثتها ذلك، فجاءوا يطلبون الثلاثين ديناراً من الشيخ، وقالوا: هذا الضمان لا يصح. فجاءتهم في المنام وقالت لهم: اشكروا لي فضل الشيخ؛ فإني دخلت الجنة. فرجعوا عن الشيخ. وهذا الشيخ أحمد الرفاعي يطلب شراء بستان من صاحبه، فيقول له صاحب البستان: تشتريه مني بقصر في الجنة؟ فقال: من أنا حتى تطلب مني هذا يا ولدي؟! اطلب شيئاً من الدنيا. فقال: يا سيدي! شيئاً من الدنيا لا أريد، فإن أردت البستان فاشتره بما أطلب. فنكّس السيد أحمد الرفاعي رأسه ساعة، واصفر لونه وتغير، ثم رفع وقد تبدلت الصفرة احمراراً، وقال: يا إسماعيل! قد اشتريت منك البستان بما طلبت. فقال: يا سيدي! اكتب لي خط يدك. فكتب له السيد أحمد الرفاعي ورقة فيها: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما اشترى إسماعيل بن عبد المنعم من العبد الفقير الحقير أحمد بن أبي الحسن الرفاعي ضامناً على كرم الله تعالى قصراً في الجنة، تجمعه حدود أربعة، الأول إلى جنة عدن، والثاني إلى جنة المأوى، والثالث إلى جنة الخلد، والرابع إلى جنة الفردوس، بجميع حوره وولدانه، وفرشه وستره، وأنهاره وأشجاره، عوض بستان في الدنيا، وله الله شاهد وكفيل! فهذه بعض الأمثلة التي تبين ألاعيب القوم التي شابهت إلى حد كبير الرهبنة، والغلو في الدين وفي الرجال، وأكاذيب الكنيسة وأربابها، وبيع العقارات في الجنة هو من جملة هذا التقارب والتشابه، فلا البابا -كما يسمى- قادر على ضمان الجنة لأحد، بل ولا لنفسه، ولا الشيخ عبد الله العيدروس، ولا عبد القادر العيدروس، ولا أحد قادر على ضمان الجنة لأحد، بل ولا لنفسه، فقد جاء في الحديث الصحيح ما يفيد نهي النبي ﷺ عن تزكية الأخ أخاه، فكيف بمن يضمن للناس الجنة؟! بل ومن يريهم إياها، كما فعل الشيخ العيدروس في عبد الله بن أحمد بن كثير! ولما توفي عثمان بن مظعون ﵁ وكفّن في أثوابه دخل رسول الله ﷺ ، فقالت أم العلاء الأنصارية: رحمة الله عليك أبا السائب، فشهادتي عليك لقد أكرمك الله -تقول ذلك لـ عثمان - فقال النبي ﷺ : (وما يدريك أن الله أكرمه؟). وهذا كقول بعض الناس لمن يموت: لقد استراح. ! وما يدريك أنه استراح؟! هل الإنسان اطلع على الغيب؟! هل بمجرد أنه كان مريضاً أو عانى في دنياه يقال: فلان استراح، وربنا أكرمه؟! إن الرسول ﷺ قال: (وما يدريك أن الله أكرمه؟ فقالت: بأبي أنت يا رسول الله، فمن يكرمه الله؟!) أي: إذا ما أكرم الله عثمان بن مظعون فمن سيكرم؟! فقال ﵇: (أما هو فقد جاءه اليقين، وإني لأرجو له الخير، والله ما أدري -وأنا رسول الله- ما يُفعل بي) أي: في الدنيا، أما في الآخرة فإنه يعرف. فقالت أم العلاء: فوالله لا أزكي أحداً بعده أبداً. فكيف لو يعلم رسول الله ﷺ أن قوماً يضمنون الجنة للآخرين بمجرد قراءتهم كتاباً؟! قال الموافق لمصنفه والمخالط له: أنه ملئ بمادة الفلسفة وشيء من رسائل إخون الصفا، وفيه متناقضات كثيرة. وقد ولى كل إلى ربه وحسابه على الله، ونرجو للمسلمين جميعاً الخير، لكن هذا كان مجرد بيان، كي لا نتردد في بيان الحق، ولا نأبه بمثل ما يسمى عصا العيدروس أو أنصار العيدروس ممن يخالفون الكتاب والسنة، ويلوحون بهذه العصا لمن اجترأ على انتقادهم وكشف زيفهم بأدلة الكتاب والسنة. اللهم! اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلّغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهوّن به علينا مصائب الدنيا، ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يرحمنا، سبحانك -اللهم- وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 1409

مسئولية الرجل عن الأسرة لقد حمّل الله الرجل مسئولية الزوجة والأولاد، وجعل له القوامة عليهم من حيث الإنفاق والرعاية والتربية الإيمانية والحث على طاعة الله ورسوله ﷺ ، وأعداء الله يحرصون على تفكيك الأسرة وتشتيتها فكرياً وعقلياً وعقدياً؛ لكي يفسدوا المسلمين، فيتحقق لهم ما يريدونه من السيطرة على هذه الأمة، وإبعادها عن دينها، وأخذ خيراتها، فعلى المسلم أن ينتبه من غفلته، ويكون مستعداً لمجابهة الأخطار التي تهدد كيان الأسرة، ويعالج الخلل والخطأ والنقص في التعامل مع أسرته.

стр. 1410

الحرب العالمية ضد المرأة المسلمة وطرق التخلص منها الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: فنعود إلى موضوع القضايا التربوية التي سبق أن شرعنا فيها منذ مدة، وقد توقفنا عند مسئولية الرجل عن حماية الأسرة. فقد قرر الإسلام مكانة عظيمة للأسرة، ويتجلى ذلك في اهتمام الشريعة الإسلامية بشئون الأسرة سواء في كتاب الله أو في سنة رسول الله ﵌، وما تضمن من أحكام الزواج والرضاع والطلاق والإرث ونحو ذلك. واستطاعت الأجيال المتعاقبة أن ترسخ معاني إسلامية عميقة في الأسرة في مجتمعاتنا، وأحس أعداء المسلمين -وهم يحاولون هدم هذه الأمة- صلابة هذه اللبنات وقوة هذا الحصن، ومن أجل ذلك كان هجومهم في الأزمان الأخيرة مركزاً على الأسرة، فاستخدموا كل القوى التي يمكن أن تصل إليها أيديهم وما أكثرها! ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال:٣٠]. فمن هذه الأساليب: سن القوانين التي تفكك الأسرة في كثير من بلاد المسلمين. ومن ذلك أيضاً: شن الحملات على الأسرة عن طريق الفن، بواسطة وسائل النشر والإعلان من قصص ومجلات وصحف وإذاعة وتلفزيون ومسرح وسينما، وما زالوا في طريقهم ماضين. احتفل هؤلاء بمرور مائة سنة على تحرير المرأة الذي بدأه قاسم أمين منذ قرن كامل، وبعد قرن كامل من هذه الثورة الانقلابية على دين الله من هذا الرجل نرى الآن حصادها وشؤمها وثمراتها المريرة، وكيف أنها بدأت ناعمة هادئة يدعي صاحبها أنه يريد تطبيق كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، ولكن المسلمين هم الذين يسيئون فهم النصوص إلى آخر هذه الأحابيل والحيل، وانتهت بالاحتفال الذي أقيم بمرور مائة سنة على تحرير المرأة -بزعمهم- وتكلم -لا أقول: ناقصات العقل والدين- ولكن عديمات العقل والدين من التلميذات التاريخيات لـ قاسم أمين ودعوته المشئومة. فامرأة من لبنان تجهر وتقول: أنا ملحدة وأفخر بأني ملحدة! وترفض أن توصف بأنها مسلمة. وتقول نوال السعداوي في رسالة للمؤتمر: ينبغي أن نتحدى إرادة الله والعياذ بالله! ومثل هذا مما لا يسوغ نقله وحكايته، وإن كانت حكاية الكفر ليست كفراً، فهذا من حصاد هذه الدعوة المشئومة للتمرد على أحكام الشريعة فيما يتعلق بالأسرة والمرأة. وهذه الحملات مصدرها أعداء الدين، وقد يدعم هذه الحملات سيطرة النزعة المادية على سواد الناس، وانشغال الناس بجلب المال والكسب والرزق يجعلهم لا يلتفتون إلى خطر هذه الأشياء؛ لأنهم في شغل شاغل عن إدراك ما يحاك لهم. الأسرة المسلمة كانت مستهدفة من قبل أعدائها، وأصبحت الآن مهددة من قبل أصحابها المسئولين عنها، فنحن دائماً نلقي اللوم على الآخرين من أعداء الدين الذين بالفعل يحاربون الإسلام، لكن ننسى أن أصابع الاتهام ترتد إلينا نحن أنفسنا في كثير من الأحيان! فالنبي ﵌ قال: (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته)، وقال في الحديث نفسه: (والرجل راع في أهله ومسئول عن رعيته)، وكلمة (مسئول) أصبح لها معنىً عرفياً عند الناس، تعني: موظف في مكان معين، أو شخصية رسمية مسئولة، وننسى المعنى الحقيقي لكلمة مسئول، فإن معناها: أنه سوف يسأل أمام الله، فكلمة (مسئول) تشير إلى هذا المعنى العظيم والخطير، وهو: أن العبد مسئول بين يدي الله ومحاسب. فحينما يقول النبي ﵌: (والرجل راع في أهله ومسئول عن رعيته)، لا يتصورن الأب أن الزوجة والأولاد يملكهم كما يمتلك العبيد أو كما تمتلك الأشياء، فيظن أن له أن يقصر أو لا يقصر، ويتصرف كما يشاء، يضرب يسيء يهين يفعل ما يشاء، لا، بل عليه أن يدرك أنه ممتحن ومبتلى بهذه الولاية وهذه المسئولية، وأنه سوف يحاسب أمام الله عن كل سلوك مع أهل بيته من زوجة وأولاد. فأمر مهم جداً أن يفهم معنى: (مسئول عن رعيته) وهذا هو لب القضية التي نتناولها؛ لأننا بصفة أساسية نخاطب الرجل الوارث باعتبار أن: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء:٣٤]. ومن أبرز مظاهر هذه القوامة: أن يقوم الرجل بواجباته الأدبية والتربوية والمادية وغيرها نحو هذه الرعية التي ولاه الله عليها. معنى (مسئول عن رعيته): أنه سيقف أمام الله ، وكما سيحاسب على الصلاة والزكاة والصيام وغيرها فإنه سيحاسب عن تصرفاته وسلوكه تجاه أهله وأولاده. ولم يهمل الإسلام الجناح الآخر في العملية التربوية، خاصة وأن المرأة في بعض المراحل تكاد تستبد بالعملية التربوية خاصة في المراحل الأولى في فترة الرضاعة وما بعدها من الحضانة؛ لأن الطفل يكون شديد الالتصاق بها، وهذه المرحلة أخطر، وهناك أحكام شرعية تشير إلى تخصيص الأم بالحضانة عند انفصال الزوجين، وغير ذلك من الأحكام التي تركز في المراحل الأولى على الأم، كما قال الشاعر: الأم مدرسة إذا أعددتها أعدت شعباً طيب الأعراق فالنبي عليه الصلاة السلام لم يهمل ولم يغفل هذا الركن الرئيس في التربية، فقال ﵊ في نفس الحديث: (والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها)، فالأم أيضاً مسئولة أمام الله عن هذه العبادة الخطيرة، وهي: حسن رعاية أولادها وزوجها وبيتها. فعلى كل أب وأم أن يستشعرا هذه المسئولية نحو الأسرة، وأن ينتقل هذا الموضوع إلى دائرة الاهتمام، فيصبح شيئاً نلفت النظر إليه، وننتبه إلى خطره، وإلى عظيم أثره في مستقبل هؤلاء الأولاد، بل في مستقبلنا نحن حينما نحاسب أمام الله في الآخرة. فلفت النظر إلى الاهتمام بهذه القضية وخطرها هو أول خطوة على الطريق الصحيح، ونحن الآن ينطبق علينا قول الشاعر: تكاثرت الظباء على خراش فما يدري خراش ما يصيد فالتيار العام في زمن الغربة الثانية يهدم في كل مكان، ونادراً ما تجد شيئاً يبني، فالمدرس يَهدم ويُهدم وكذا الأبوان ووسائل الإعلام شلة الأصدقاء المجلات الجرائد الأجهزة المرئية والمسموعة وهكذا! فمعظم العوامل المؤثرة عوامل هدامة في زمن الغربة الثانية، وقد رجع الإسلام غريباً كما بدأ غريباً. فلا شك أن هناك خطراً داهماً ماحقاً يهدد كياننا، والأسرة هي القلعة الأخيرة التي يمكن نجاتها من هذه السهام وهذا التهديد، فآخر قلعة يمكن أن يتحصن بها المسلمون ويحافظوا على أولادهم هي الأسرة. نرجع بذاكرتنا إلى عقود كثيرة من الزمان أكثر من خمسة وسبعين سنة، فالحكم الشيوعي في الجمهوريات الإسلامية انتهبها وسرقها تحت ما يسمى بالاتحاد السوفيتي الهالك المفكك، ونستغرب الآن حينما تحررت نسبياً كثير من هذه الجمهوريات، من هذا الدب الأحمر؛ كيف استطاع هؤلاء أن يحافظوا على هويتهم وعلى عقيدتهم في ظل الحرب الإلحادية المركزة ليل نهار!! نجد أن الأسرة هي الكيان الوحيد الذي صمد خلال هذه الفترة سواء في فترات الحكم الشيوعي في هذه الجمهوريات الإسلامية السابقة أو في أوروبا في البوسنة والهرسك وكوسوفو، فالمعقل الوحيد المتبقي على ضعفه هو الأسرة، حتى كانوا يبنون غرفاً تحت الأرض يخفون فيها دينهم، ويعلمون الأولاد الصلاة والقرآن تحت الأرض، ولو علم الشيوعيون بذلك لكان جزاء الأبوين القتل، وأي إنسان يعلم الناس اللغة العربية أو القرآن أو يتكلم بمعنى الإسلام أو يضاد الدعوة إلى الإلحاد وإنكار وجود الله كان جزاؤه القتل في أبشع مجازر وجرائم شهدتها الإنسانية على أيدي هؤلاء الشيوعيين. فكانت القلعة الحصينة هي الأسرة، فأكثر شعوب العالم الإسلامي غزيت بما يهدد عقيدتها في عدة مجالات، ولا شك أن أخطر المجالات على الإطلاق هي مناهج التعليم، غزينا في الأسواق في المتاجر في المصانع في وسائل الإعلام في أدوات تكوين الرأي العام. ليس هذا فحسب، بل حيل في كثير من بلاد المسلمين بين الدعاة العاملين وبين الناس بعد تشويههم بأنهم متطرفون وأنهم رجعيون إلى آخر هذه القائمة من المصطلحات التي ما أريد بها إلا أن يصد الناس عن دين الله . فلم يبق لهذه العناصر في كثير من البلاد إلا مجال الأسرة، وبقيت هي المنطلق الوحيد لهؤلاء الدعاة، فلا ينبغي أن نلقي اللوم دائماً على الأعداء ونبرئ أنفسنا، بل كثير منا يتحمل من هذا الأمر أكبر نصيب من المسئولية؛ لأنه باستطاعتنا أن نغير في داخل الأسرة التي لا سلطان لأحد عليها بالإكراه، فإذا تبوأ الأب المسلم والأم المسلمة موقعهما التربوي داخل الأسرة فإنهما ما زالا قادرين على بناء سياج يحمي أولادهم من الأخطار في خارج البيت والأسرة.

стр. 1411

أهم الأخطار التي تهدد كيان الأسرة

стр. 1412

من الأخطار التي تهدد كيان الأسرة الشغل المتواصل الأمر السادس: الشغل المتواصل، فقد أصبح رب الأسرة في معظم الأحيان عاجزاً عن أن يجد الوقت الذي يجتمع فيه بنفسه أو بأفراد أسرته، ويوجههم ويحدثهم ويستمع إليهم، حتى إن زوجته لا يتاح لها أن تجلس معه وتتفاهم معه على الخطة الرشيدة التي يجب أن يسير بموجبها أفراد الأسرة، وقد قلنا من قبل: لابد من وجود سياسة تربوية موحدة بين الأبوين، ويكون هناك اتفاق على أمور أساسية جداً لمصلحة الأولاد، حتى لو كان بينهما خلاف فلا ينبغي أن يظهر أبداً أمام الأبناء، بل يكون خلاف الأبوين سرياً ومكتوماً ولا يطلع عليه الأولاد، فلا بد من الاتفاق على التكامل في الناحية التربوية. فالأب إذا كان يأمر بشيء والأم تأمر بعكسه، يحتار الطفل بينهما، أو الأم تعاند الأب أمام الأولاد، وتحاول أن تكسر كلامه، وتخرق توجيهاته، فهذا كله يدفع ثمنه الأولاد، ولا مخرج منه إلا بالاتفاق على أساليب تربوية معينة تدور على التنسيق والتكامل بين الطرفين، والآن الرجل في الصباح يسارع إلى عمله الدنيوي، ولا يعود إلا متأخراً ليأخذ قسطاً من الراحة، وخلال هذه الفترة تمنع الحركات والهمسات، ولا يستطيع أحد أن يتكلم معه، ثم لا يعود في المساء إلا في ساعة متأخرة من الليل ليجد أهل البيت نياماً! بعض الآباء يستعملون البيت مثل الفندق أو (اللوكندة) يأتي ليبيت فيه ثم في الصباح ينصرف، ولا علاقة له بالعملية التربوية، فيعود في المساء ليجد الأولاد نياماً، ويذهب في الصباح أيضاً وهم نائمون، ولا شك أن هذا أمر مستنكر من عموم الناس، وهو من المتدينين أشد استنكاراً؛ لأن هذا الأخ المتدين سيجد نفسه بعد مدة -بمرور الزمن- في واد وزوجته وأولاده في واد آخر، يحلم أن أولاده سيكونون ملتزمين، ومن أين سيأتي الالتزام بهذه الطريقة؟! لا بد أن يكون هناك توجيه وتربية وتخطيط وآداب ومعاونة، أما مجرد الأماني فلا تنفع، قال الله: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ﴾ [النساء:١٢٣]. هذا شيء طبيعي، ويأتي بعد ذلك الأب يشكو أن ابنه منحرف مع الأولاد ويفعل كذا وكذا أو لا يصلي أو إلى آخر هذه الشكاوى، فهل ستأتي له من السماء وتنزل عليه هذه الاستقامة أم لا بد من الأخذ بهذه الأسباب؟! فبمرور الوقت تزداد الهوة والفجوة بين الطرفين، لا شك أنه سيندم ولاة ساعة مندم، وهذا الشغل لم يقتصر على الرجل، بل شمل في بعض الأسر المرأة التي تترك بيتها طوال النهار، وتكل تربية أبنائها وإعداد بيتها للخادمة؛ فيكون من ذلك الضياع التام. إما الخادمة وأحياناً يكون الشارع، وأحياناً ملاجئ الإيواء التي يسموها الحضانة وغيرها من الأسماء، لكن هي أماكن مجرد إيواء، هل ممكن أن يقدم للطفل من الرعاية في هذه الأماكن عشر معشار ما تقدمه الأم في البيت؟ لا يمكن أبداً.

стр. 1413

من الأخطار التي تهدد كيان الأسرة روح اللامبالاة الأمر الثاني: روح اللامبالاة، وهي روح منتشرة في كثير من الناس، مع أن الشرع الشريف يربي في المسلمين الشعور بالمسئولية، ولا أدل على ذلك من قول الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم:٦]، وقول النبي ﷺ : (إن الله سائل كل راع عما استرعاه حتى ليسأل الرجل عن أهل بيته). فنحن نتكلم كثيراً عن الحكم بما أنزل الله ثم نقتصر فقط على دائرة الحدود، الحكم بما أنزل الله في كل الأمور الشرعية، أنت إذا رجعت إلى أي كتاب فستجد فصلاً كبيراً اسمه: الحكم والحاكم والمحكوم فيه والمحكوم به والمحكوم عليه إلى آخره، فحكم الله في كل شيء، فأنت مطالب أن تحكم بما أنزل الله في بيتك، وأن تدير هذا البيت وفق شريعة الله ، فكثير من الآباء يوجد عندهم روح اللامبالاة بالأولاد، وهذا مضاد للإسلام الذي خاطب الآباء بقوله: (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته)، وقال في نفس الحديث: (الرجل راع في أهله وهو مسئول عن رعيته)، وقال صلى الله عليه وآله سلم: (إن الله سائل كل راع عما استرعاه حتى ليسأل الرجل عن أهل بيته). فلا تظن أنك إذا أسأت إلى الأولاد أو إلى الزوجة أن الزوجة ستصبر، وأن الأولاد لجهلهم بحقوقهم ما زالوا صغاراً لا يدركون أنك مقصر، أو يستحيون أن يحاسبوك، لا تظن أنك قد نجوت بهذا، فالسؤال منتظر لك يوم القيامة، فستسأل عن سلوكياتك معهم. الإسلام نمى في المسلمين الشعور بالمسئولية نحو الأبناء، فليس هناك أمر يحدث في المجتمع ولا يكون له تأثير، وما أروع حديث السفينة الذي يجعل أي عمل من أي فرد له تأثير على المجتمع كله، فهذا الحديث يبين لنا أن روح اللامبالاة تقضي على الأمة كلها. المسلمون في بلادهم عبارة عن أناس يركبون هذه السفينة، إذ لو أن ذاك الرجل الذي أراد أن يخرق في موضعه من السفينة خرقاً ترك وشأنه، يثقب ثقباً في السفينة ليشرب ولا يؤذي من فوقه، ولم يؤخذ على يده؛ هلك وهلكوا، وآل الأمر من أصغر خرق إلى أوسع خرق، ثم البحر يبتلعهم جميعاً، فإذا استسلمنا جميعاً لروح اللامبالاة فلا شك أن ركاب السفينة جميعاً سيغرقون. ومظاهر الشعور باللامبالاة كثيرة جداً، وهذا الكلام ينكأ كثيراً من الجراح عند بعض الناس؛ لأن بعض الآباء لم يعرف ابنه في السنة كم ذهب إلى المدرسة، وليس عنده أي خبر على أنه ابنه كثير الغياب، وهو يظن أنه خلق لينفق المال، وهو غير مقصر مع أولاده ما دام أنه يعطيهم مالاً، فيهمل أولاده تماماً حتى أن بعضهم لا يعرف ابنه في أي سنة دراسية بلغ أو في أي مدرسة يدرس، فهناك نوع من اللامبالاة والإهمال يعكس فعلاً تمكن الأمية التربوية في مجتمعنا.

стр. 1414

من الأخطار التي تهدد كيان الأسرة لزوم التقاليد الاجتماعية وقلة العلم بالدين الأمر الثالث: لزوم التقاليد الاجتماعية المتعفنة وقلة العلم بالدين، فنرى كثيراً من هذه التقاليد التي لم يشرعها الله تحل محل الدين في كثير من بلاد المسلمين، ومما مكن لها السيطرة الجهل وتخلف الوعي الإسلامي، فالعادات والتقاليد متمكنة تمكناً راسخاً، بحيث ينضاف إليها تخلف الوعي الإسلامي والجهل بأحكام الإسلام. وهذه الأمور تختلف من مكان إلى مكان، لكنها في كل مكان تسيء في عملية بناء الأسرة بناءً متيناً أو تؤثر في محاولة الإبقاء عليها أمام هذه الأعراف، فالتقاليد الاجتماعية المتعفنة راسخة وظاهرة وكثيرة ومعروفة مع الجهل بالدين، فتسيطر على الناس التقاليد والأحوال الاجتماعية بسبب الجهل بالشريعة الإسلامية.

стр. 1415

من الأخطار التي تهدد كيان الأسرة تسلط المرأة على إدارة البيت الأمر الرابع -وهو من الأمور التي أحدثت الاعوجاج في أوضاعنا الاجتماعية وخاصة التربوية-: تسلط المرأة على إدارة البيت، فمن النقص أن ينزل الرجل نفسه في غير منزلتها اللائقة بها، فالله جعل الرجال قوامين على النساء، وإذا فسد القوام فسد جميع الأقوام، فالرجل له مقام ربان السفينة. فمن هو قائم على شيء فهو أفضل منه، فما دام الرجل قواماً على المرأة فهو بلا شك أكمل من المرأة، وأقدر على الإدارة من المرأة، فشأنه أن يكون مطاعاً لا مطيعاً، ومتبوعاً لا تابعاً. وما المرء إلا حيث يجعل نفسه فإن شاء أعلاها وإن شاء سفلها وقد استشرى داء تسلط المرأة وطغيانها في أوساطنا بسبب التفلت، وهو من أخطر الأمور وأكثرها إيذاء، وينتج عنه كثير من الاضطرابات النفسية، أو يزيد من الاضطرابات النفسية إن كانت موجودة، وهذه المصيبة يدفع ثمنها غالياً. فقد تقترح المرأة أن تلبس البنات لباساً لا يقره الإسلام بحجة أنهن صغيرات، وأن الناس هكذا يعملون، وأن المصلحة في مسايرة الزمان، وتظل توسوس لزوجها كما يوسوس الشياطين إلى أن ينهزم الرجل ويستسلم. قد ترى المرأة تقوم بألوان من الاستقلالات التي لا يقرها الإسلام، ويضعف الرجل ويوافق، ويكون في هذا هدم للأسرة، فهذا انتكاس وقلب للأوضاع، حيث تبقى المرأة هي المسيطرة على الرجل، وقد قال النبي ﵌ عند الكلام على أمارات الساعة: (أن تلد الأمة ربتها) يعني: ينقلب المخدوم خادماً، والخادم مخدوماً. وليست القوامة أن شخصية المرأة تلغى، لكن جعل الله القوامة في حدود شرعه، فلا شك أن القوامة هي عملية تنظيمية وليست عملية استبدادية أو استعبادية كما يزعم أعداء الله وأعداء المرأة الذين يزعمون أنهم أنصارها، فمهما يكن من أمر فلا شك أن إلغاء شخصية الرجل أكبر خطراً وأعظم أثراً.

стр. 1416

من الأخطار التي تهدد كيان الأسرة طغيان الحنان والشفقة الأمر الخامس: طغيان الأمومة الحانية والأبوة المشفقة، وهذه مبالاة بصورة مرضية، وتسمى الحانية الزائدة، فقد تطغى على الأم الأمومة الحانية أو على الأب مشاعر الأبوة المشفقة، وتتعدى حدودها، وإزاء هذا الفيض من العاطفة، والسيل المتدفق من الحنان، والميل الشديد لاسترضاء الولد وإدخال السرور عليه؛ وقف الإسلام وقفة المذكر المنبه، فلكل شيء حدود، فهذا الحنان وهاتيك العاطفة قد تنسيان الأب مهمته في التوجيه والتربية، فينقلب عندئذ إلى منفذ لأوامر الأطفال الصغار، ويفلت منه الزمام تماماً بحيث تبقى وظيفته هي عبارة عن منفذ لأوامر الأطفال الصغار! فيكون الولد ملكاً في البيت ما يأمر به من أمر إلا يسمع له ويطاع، حتى لو خرب ميزانية المنزل، فمثلاً يريد لعباً من المحل الفلاني رآها وهو يمشي في الطريق، أو يريد يرى قريبه، فينقلب الأب منفذاً، ويتخلى عن التاج الذي وضعه الشرع على رأسه، ويصبح هذا التاج فوق رأس الطفل، وتصبح وظيفة الأب هي تنفيذ أوامر الأطفال الصغار، ويسارع في تحقيق رغباتهم مع أنهم لا يعرفون من الحياة شيئاً، ولا يدرون ما ينفعهم ولا ما يضرهم. فكثير من أجيال المسلمين اليوم لم يجدوا في والديهم إلا الحنان المحض أو الإهمال اللامبالي، فهذا هو التطرف، وهو الأخذ بأطراف الأمور، إما إغراق في الحنان بصورة فيها تطرف وغلو بحيث إنه يصل إلى أن الولد يمسك زمامه، ويوجهه إلى ما يريد، خاصة في بعض الأسر المترفة التي عندها يسار، فيقول الأب: عندنا أموال فلماذا ننكد عليه؟ فيظل مهما أمر يقول الأبوان: سمعنا وأطعنا يا مولاي! ويحصل هذا القلب للأوضاع، فالمرءوس يصير هو الرئيس. والإهمال واللامبالاة بالأولاد غالباً يكون من الأب بسبب انشغاله بالرزق أو سفره إلى الخارج كي يجلب لهم المال، وأحياناً قد يسافر الأب والأم معاً إلى الخارج، ويبقى الأطفال ضحية للضياع ولأصدقاء السوء، وفي ذلك من المفاسد ما لا يخفى. وبسبب هذا التطرف من ناحية الحنان المحض الزائد أو من ناحية الإهمال واللامبالاة المطلقة رأينا أجيالاً فيها الميوعة والضعف والانهزامية واللامبالاة. يقول الدكتور محمد الصباغ حفظه الله تعالى تعليقاً على هذه النقطة: سمعت من الأستاذ مالك بن نبي ﵀ أن رجلاً جاء يسترشده لتربية بنت ولدت حديثاً، فسأله: كم عمرها؟ قال: شهر، قال: فاتك القطار! قال: وكنت أظن في بادئ الأمر أنني مبالغ، ثم عندما نظرت وجدت أنما قلته هو الحق، وذلك أن الولد يبكي فتعطيه أمه الثدي، فينطبع في نفسه أن الصراخ هو الوسيلة إلى الوصول إلى ما يريد، ويكبر على هذا، فإذا ضربه اليهود بكى في مجلس الأمن، ويظن أن البكاء والصراخ يوصله إلى حقه! وبعض الناس يسمع هذا الكلام ويخطئ في تنفيذه، فهذا الكلام له ضوابط، فالطفل لغته الوحيدة التي يستطيع بها التفاهم مع المحاطين به هي البكاء، فبعض الناس يقول: ما دام أن الطفل يبكي إذاً نعاقبه وإن كان رضيعاً ابن شهر أو شهرين، مع أن البكاء هو طريقة الحصول على الطعام، فالطفل لا يستطيع أن يقول للناس: أريد أن أرضع، فالبكاء هي اللغة والوسيلة الوحيدة التي يستطيع الطفل أن يعبر بها عما أراده، والبكاء أنواع: بكاء بسبب المرض، بكاء بسبب الجوع، بكاء بسبب الحر، بكاء يريد به أن ينظف وتزال عنه القاذورات مثلاً، فأسباب البكاء كثيرة، فاللغة الوحيدة للطفل هي لغة البكاء، لكن دلالاتها تختلف، والأم التي عندها خبرة تربوية عالية تستطيع أن تميز كل نوع من أنواع البكاء، وتعرف أن هذا بسبب المرض، وهذا بسبب الجوع، وهذا بسبب الحر وهكذا. عندما كان الرجل في سابق الأيام مسيطراً على البيت كانت جلادته وصلابته تخففان من لين الوالدة، أما بعد أن استنوق الجمل في كثير من الأوصاف، -استنوق: أي: صار الجمل ناقة-، وأصبح الرجل يتصف بهذه الأوصاف، ولا مهمة له إلا القيام بالخدمات وجلب الأغراض والحاجيات، ودفع المال والنفقات؛ لم يعد يملك من أمر بيته إلا اليسير كما هو شأن هذا الجيل المائع المنهار. وعلى المرأة المسلمة وظيفة أساسية وهي أن تحافظ على وضعية زوجها وأبي أولادها أمام الأولاد؛ لأنها إذا حاولت هدم هذه الوضعية فالجميع سيدفع الثمن، الزوج والزوجة والأولاد، فحينما تريد أن تنتقم من الأب بأن تشوه صورته أمام أولادها تنقص قدره، وتظن أنها سوف تفوز بانحياز الأولاد إليها؛ فإن هذا يفقدها سلاحاً في غاية الأهمية، وضرورياً لصيانة هؤلاء الأولاد، وإذا غاب سلطان الأب وضعف على الأولاد، فلا شك أن هذا ثمنه فادح.

стр. 1417

من الأخطار التي تهدد كيان الأسرة عدم النظر إلى العواقب أول هذه الأمور التي تعرض الأسر للخطر: عدم تقدير المستقبل، فكثيراً ما يتصرف الناس بعض التصرفات، ثم لا يقدرون أثرها في المستقبل، وهذا أمر خطير في التعامل مع الطفل منذ فترة الولادة مباشرة كما سنبين بالتفصيل، وربما تمتد إلى فترة المرحلة الابتدائية، فنظرة بعض الآباء للطفل أنه عبارة عن لعبة يتلهى بها، وينظر إليه بازدراء، وأنه ما يأتي منه شيء، وهو ما زال صغيراً، فيحرم كثير من الخير الذي كان يمكن أن يحصله، وأيضاً تزرع فيه كثير من الأمور الهدامة لنفسية هذا الطفل، مما يجعله لا يثق بنفسه أو ينشأ مشوهاً نفسياً. فالآباء يفعلون كثيراً من التصرفات دون أن يدركوا أن هذه التصرفات لها أثرها على أولادهم في المستقبل، وعندما نقول: الآباء ندرج ضمن هؤلاء أيضاً المدرسين؛ لأن الطفل يقضي مع المدرس وقتاً ليس بالهين في المدرسة، ويتلقى العلم على الأساتذة، ويتسرب إليه من رفقائه كثير من المفاهيم، ونحن نتصور أنه شيء هين عادي، لكن هو يترك أثراً في نفسية هذا الطفل خاصة إذا تكرر، فمثلاً الطفل الذي يرسم رسماً ليس فيه روح، فيأتي إلى المدرس أو المدرسة وهو منبهر أنه رسم في حصة الرسم الشيء المطلوب منه حديقة أو بحراً أو كذا، فالمدرسة دائماً ترد على كل طالب مهما كان مجيداً للرسم: سيأتي نفس هذا الرسم! فهذه أكبر كلمة تقال! وهي كلمة عابرة، والمدرسة متصورة أنه شيء سهل هين، لكن الطفل يصطدم صدمة شديدة، ويفقد الثقة بنفسه؛ لأنه قيل له الألفاظ المعروفة، فيبوء بالخيبة والفشل، ولا يجد أملاً! تصوروا أن هذه حوادث عابرة تترك تأثيراً عظيماً في الطفل حتى الطفل الرضيع والجنين في بطن أمه يتأثرا بكثير من الأشياء كما سنبين. ومثلاً يرد الطفل على الهاتف، فيسأل المتصل عن أمه أو أخيه أو أبيه فيقول له: قل له: إنه غير موجود، ويتصور أنه حادث عادي، دون أن يدرك أن هذه السلوكيات في المستقبل لها أثر هدام في سلوكيات الأبناء. فأكبر خطر وأكبر مشكلة أننا نتعامل مع الطفل دائماً بعقلياتنا نحن، فالشيء الذي نراه مساوياً تماماً لعقلنا نكافئه عليه، ونعاقبه إذا قصر في هذا مع أنه لا يد له في ذلك، وأنت لما كنت طفلاً كنت مثله، وكانت إمكاناتك قليلة، وخبراتك قليلة، وإنما تتعلم عن طريق التجربة والخطأ والتلقين والقدوة وغير ذلك من الوسائل، ومن الخطأ الشديد تعذيب الأولاد بالضرب والإهانة والتحقير، ويريدون بذلك أن يتصرف الطفل تصرفاً سليماً صحيحاً. فترى الأب يغضب ويعاقب ابنه للتشفي منه في حين أنه ليس عليه ذنب، فالشرع الشريف قد رفع عنه القلم، ولم يؤاخذه حتى على الصلاة إلى سن العاشرة، وقبلها يؤمر فقط بالصلاة إذا بلغ السابعة فما بالك بما دون ذلك؟! فالشاهد أننا مع الأطفال نتهاون في التصرف أمامهم بتصرفات دون أن نقدر خطرها عليهم في المستقبل، ونتصور أن السكوت على أمر ما هين يسير، ولكن السكوت على هذا الشيء قد يهدم الأسرة هدماً تاماً! قد يتصور الأب أن أولاده الصغار لا يستحقون أن يخصهم بجزء من وقته الثمين، فهو يضحك ويسخر منهم، ولا يأمر واحداً منهم بخير، ولا ينهاه أو يحذره من شر، ولا يقدر المستقبل، ولا يدري أن هذا الطفل الصغير سيكون بعد مدة وجيزة رجلاً كبيراً، وقد يكون له شأنه في البيت وفي المجتمع كله. هذا هو الأمر الأول الذي ينبع من أنفسنا، ونسيء به إلى أبنائنا، وهو عدم تقدير المستقبل، ولا نحس بخطورة الإهمال الذي نتمادى فيه تجاه الأولاد، فهذا له ثمن فيما بعد، فهو يراك -مثلاً- حينما تعق أباك أو تعق أمك، فهذا درس عملي له، وسوف يتسرب إليه نفس هذا الشيء فيما بعد، ويفعل نفس الشيء فيعقك أنت، قال تعالى: ﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾ [النبأ:٢٦]. فالسلوكيات التي تمر بصورة عفوية ولا ندرك خطرها في المستقبل، هي تنزرع في أعماق هذا الطفل حينما يشب وينشأ عليها، فهذا هو الأمر الأول: عدم تقدير المستقبل والنظر إلى عواقب سلوكياتنا مع الأبناء.

стр. 1418

مقتطفات من كلام الصباغ حول تربية الأسرة يقول الأستاذ الدكتور/ الصباغ حفظه الله تعالى: أشغال الناس كثيرة ومتنوعة، وهي التي تلهيهم عن العملية التربوية، وبالتالي تؤدي إلى ارتفاع الفجوة بين الآباء وبين الأبناء. يقول: غير أن هناك نوعاً غريباً جداً من أنواع هذا الشغل، وهو ما يكون للدعوة وإصلاح الناس، وذلك خطأ في تصور الدعوة والعمل فيها، والمرء مطالب بأن يصلح أهله أشد المطالبة، يقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦]. وقال ﵎: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه:١٣٢]، وإهمال الداعية لأهله سيوقعهم في الانحراف والمخالفة، والاشتغال الكامل بوظائف الدعوة هو باب من أبواب الخير، لكن إذا كان على حساب الفروض العينية والمتعينة على الرجل من تربية أولاده والحفاظ على دينهم؛ فإنه يدخل ضمن المشاغل المدمرة. فلا تغلب الدعوة على حساب الواجب العائلي الذي إذا قصرت فيه فلن يكون خيراً في حين أن الآخرين الأبعد منك من الناس من يقوم تجاههم بالواجب الكفائي في دعوتهم. وحينما يحصل الانفصال بين الأولاد من جانب وبين الأب من جانب آخر، فقد لا يستطيع أن يستمر في الدعوة إلى الله ، ويقال له: إن كنت صادقاً فأصلح بيتك، ويكون هذا الوضع الخاص مضعفاً لتأثيره في الناس؛ لأنه لابد من القدوة، ويكون هذا سبباً في أن يتعكر صفوه، وتتنغص عليه لذاته، وتواجهه مشكلات قد تحول بينه وبين الاستمرار في الدعوة إلى الله .

стр. 1419

بعض اقتراحات الدكتور الصباغ في تربية الأهل اقترح الدكتور الصباغ بعض الاقتراحات في تربية الأهل فقال: أولاً: لابد أن تخصهم بجلسة أسبوعية كأقل تقدير، وإن استطعت أن تكون في مدة أقل كان أحسن، ويكون فيها درس عائلي للأسرة وللأهل. ثانياً: إقامة حلقات للأولاد يتولاها أناس ظلهم خفيف، ودينهم جيد، وبيانهم مشرق، وإن كانت مستوياتها مختلفة للابتدائي والمتوسط والثانوي والجامعي فهو أفضل: (فالمرء على دين خليله). هذه أمور هي بأيدينا، وهذه الأسباب في المحافظة على الأهل والأولاد وتربيتهم وأداء واجب الرعاية نحوهم، ونستطيع بها أن نقاوم هذا المد الجارف من الضلال والانحراف الذي يكتسح المجتمع. فلنتق الله فيها، ولنصلح الفاسد، ولنحذر غرق سفينة المجتمع، فالأسرة هي القلعة الأخيرة التي ينبغي أن نوقف حياتنا وإمكاناتنا لحمايتها وحفظها، وإنا لمسئولون كما قال النبي ﵌: (إن الله سائل كل راع عما استرعاه، حتى ليسأل الرجل عن أهل بيته). سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

стр. 1420

وصية الصباغ للزوج حديث العهد بالعرس يوصي الأستاذ الدكتور/ محمد الصباغ حفظه الله تعالى الزوج العروس فيقول له: لا تشتغل طويلاً عن أهلك، واعلم -يا أخي- أن الجلوس إلى عروسك ومحادثتها ليس وقتاً ضائعاً، لاسيما إذا كانت المحادثة تسير في طريق هادف، وتسعى نحو قصد محدود. بعض الدعاة يكون خارج البيت مع إخوانه الذين يتعاون معهم في الدعوة، وإذا عاد إلى البيت يعود بهم إلى البيت، وكل هذا على حساب رعيته التي رعايتها متعينة عليه! فلابد من التوازن بين الحقوق والواجبات، هذا التوازن قد أرسى قواعده النبي ﷺ في الحديث المعروف حينما قال: (فأعط كل ذي حق حقه). فالإنسان له عدة صفات: فهو مسلم مطالب بالصلاة والصيام والزكاة والحج وطلب العلم إلى آخره، وداعية مطالب بكذا وكذا، وزوج مطالب بحقوق للزوجة، ومزور مطالب بحقوق ضيوفه، وأب مطالب بحقوق أولاده، وعليه حقوق لربه ، وحقوق لصحته، وهكذا (فأعط كل ذي حق حقه)، ولا تعطي البعض وتترك البعض: (فأعط كل ذي حق حقه). فبعض الناس يرى أن الجلوس مع الزوجة لتوجيهها ومحادثتها وتعليمها وقت ضائع، وهذا كثير ما ينبع من مشكلة موجودة في مجتمعنا وفي تقاليدنا، ويكمن وراءها كثير من المصائب الاجتماعية، وهي مشكلة احتقار المرأة، فبعض الناس تربى على أن المرأة كيان محتقر، لا كرامة لها ولا شخصية ولا قيمة، ويتداولون في ذلك بعض القصص التي لم تصح، وليست من ديننا في شيء، وهي قصص موجودة في بعض كتب الأدب، وليست من القرآن ولا الأحاديث، لكن انظر إلى قول النبي ﷺ : (إنما النساء شقائق الرجال)، ومع ذلك نجد الاحتقار العميق للمرأة، والتكبر عليها، والنظر إليها نظرة ازدراء، مما ينعكس في الاهتمام بها؛ لأنها لا تستحق أصل الاحترام، أو المعاملة الكريمة، أو المجاملة أو غير ذلك، ونسمع أشياء فظيعة جداً من بعض الناس في معاملته لامرأته، ويرى أن الإحسان للمرأة بالكلام الطيب متناف مع الرجولة، ويستنكف أن يكلم المرأة بلطف! ويظن أن ذلك تذلل لها، والمفروض أن يكون شامخاً في السحاب، كيف ينزل إلى مستواها؟! ونسي أن الرسول ﵊ لما راعى فطرة المرأة في هذا الجانب بالذات جعل الكلمة الطيبة صدقة، يثاب عليها المسلم، بل أعظم من ذلك وأكبر شيء قاله خير مؤدب ومعلم عرفته البشرية ﵌: (لا يصلح الكذب إلا في ثلاث: وجعل منها حديث الرجل إلى امرأته)، بمعنى: أنه يمكن أن يكذب عليها ويثاب، كيف هذا مع أن الكذب من الكبائر؟! ليس المقصود بالكذب أن تعدها بشيء ثم لا تفي به، وإنما المقصود به: المجاملة التي لا تكلفك شيئاً سوى أن تخرج كلمة طيبة فقط، وماذا سوف تخسر؟ والذي يمنع الزوج من الإحسان إلى المرأة بالكلام الطيب غالباً أنه الكبر، فهو كامن راسخ في نفسيته، واحتقاره المرأة وازدرائها يكون قد تشربه من الجو المحيط به في تنشئته أو من مصادر ثقافية معينة شوهت عند هذه المفاهيم، مثل أشياء تنسب للإسلام وليست من الإسلام، مثل الحديث الموضوع المزعوم: (شاوروهن وخالفوهن) يعني: شاور المرأة وانظر ماذا تقول، ثم خذ بخلافه، كيف هذا؟! ما أكثر ما تشير المرأة بقول يزن عشرات العقول من الرجال! كما حصل حينما أخذ النبي ﷺ بمشورة أم سلمة ﵂ في قصة الحديبية. وتوجد كثير من الألفاظ سيئة وبذيئة لا نستطيع أن ننطق بها، وكثير من الأشياء الموجودة في التراث فيها تحقير للمرأة، وإهدار لحقوقها ولكرامتها، وأنها كيان كقطعة أثاث في البيت! وأنها ينبغي لها أن تتلقى الإهانة تلو الإهانة، ولا تكترت بذلك ولا تتأثر، وكيف تتأثر وهي امرأة محتقرة ولا كرامة لها؟! النبي ﵊ أباح للرجل الكذب في حديثه إلى امرأته، فما معنى الكذب؟ ليس معناه أن يعد وعداً فيخلف أو يكذب في شيء خارج دائرة المجاملات، والمجاملات أحياناً نفهمها خطأ، ونتصور أن المجاملة بشيء في أقصى درجته قد يكون مستحباً، لا، المجاملة قد تكون واجبة وفريضة في بعض الأحوال، أليس رد السلام مجاملة وهو واجب؟! قال الله: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء:٨٦]، فهذه مجاملة داخلة تحت حكم شرعي واجب، وتشميت العاطس مجاملة اجتماعية وهي واجبة. فموضوع المجاملة واسع، قد يكون فيه واجبات، وقد يكون فيه مستحبات، وقد يكون فيه مباحات، فمجاملة المرأة أمر مهم جداً، فالرجل إذا كسب زوجته فإن ذلك في مصلحته، فإنه يستطيع حينئذٍ أن يتعاون معها على تربية أولاده تربية حسنة، ويستطيع أن يؤمن بيته من الزلازل التي تهدد استقراره. فمن السياسة مع الزوجة المداراة والتلطف والمجاملة حتى لمجرد المصلحة، والمجاملة تدخل تحت إطار الكلمة الطيبة، وليس فيها إخلاف وعد ولا تزوير، بل هي في دائرة المدح كما يقول الشاعر: خدعوها بقولهم حسناء والغواني يغرهن الثناء ففطرة المرأة أنها تحب أن تمدح، فالشرع راعى هذا الجانب، وفطرة المرأة أنها تحب أن تتزين، فاستثنى لها الشرع لبس الحرير والذهب، وهذا كله مراعاة لهذه الفطرة، فالحرير والذهب حرام على الرجال، ومباح وحلال للنساء، وأباح لهن اللعب بالدمى مراعاة لفطرة الأمومة التي تبدأ عندهن منذ الطفولة الباكرة، فمباح للطفلة أن تلعب بالدمى حتى يغذى فيها هذا الشعور، ألم يقل الله ﵎: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف:١٨]؟! وهذا إشارة إلى طبيعة المرأة حتى وهي طفلة صغيرة، فقد تجد طفلة لم تر تلفازاً ولا خالطت أناساً غير ملتزمين، ومع هذا تحب أن تقف أمام المرآة، وتسرح شعرها، وتلبس كذا، وتريد أن تسمع الثناء على أنها جميلة أو أنها تلبس ملابس جميلة وكذا وكذا. فالكذب مع المرأة هو مراعاة لهذه الفطرة، فالشرع أباح للرجل أن يكذب في مجاملته لامرأته، كأنه يحبها كذا وكذا وأنه هو العاشق الموله وأنه كذا وما الذي سوف يخسره؟! بل سيكسب بذلك كثيراً جداً، ولا يخسر شيئاً، وإذا ركب رأسه وعاند فإنه سيدفع الثمن؛ لأن سوء العلاقة حتماً سينعكس على تربية الأولاد. كلما كسب الرجل زوجته كانت الثمرة حسنة جداً في حق الأولاد، ومن المجاملة أن يقول عن طبخها مثلاً: إنه أحسن طبخ في العالم، ويمدح الملابس والشكل، وهذا كله مما يباح الكذب فيه، ويرجى أن يثاب المرء في ذلك، فهل هناك تقدير لنفسية المرأة أكثر من هذا؟! ومع ذلك نجد الحواجز الكثيرة عن هذا بسبب الشعور بالكبر، قال ﷺ : (الكبر بطر الحق وغمط الناس)، فكيف يتنزل من عليائه لهذا المخلوق الحقير في نظره؟ هو قد لا يقول الحقيقة، لكن سلوكياته تنبئ عن شعور كامل في قلبه باحتقار المرأة وإهدار كرامتها. فالشاهد: أن الرجل ينبغي له أن يجتهد في معاملة زوجته بالمعروف، ولو بالمجاملة، والعلماء حينما تكلموا عن العشق ذكروا أن هناك عشقاً مباحاً وهو عشق الرجل لامرأته! والعشق: هو صرف المحبة، والزوجة يباح عشقها، والسبيل إليها متيسر شرعاً بخلاف الأجنبية، فعشقها يكون بلاء في الدين والدنيا، ولذلك قال ﵊: (لم ير للمتحابين مثل النكاح)، فأحسن حل إذا حصل العشق هو الزواج. الشاهد من هذا: أن العلماء ذكروا أن عشق الزوجة هو العشق المباح؛ لأنه لا ضرر فيه، ولا يوصل إلى حرام من خلوة محرمة ونحو ذلك، وإنما هو حلال، والشريعة اتخذت كثيراً من الإجراءات التي توطد العلاقة بين الزوجين. يقول الدكتور الصباغ حفظه الله تعالى: لا تنشغل طويلاً عن أهلك، واعلم أن الجلوس إلى عروسك ومحادثتها ليس وقتاً ضائعاً لاسيما لو تأملنا الحديث في الحالات التي أبيح فيها السمر بعد العشاء، وهي طلب علم أو مؤانسة ضيف أو محادثة أهل. وفي الحديث: (كل شيء ليس من ذكر الله فهو لهو ولعب إلا أربع: وذكر منها: وملاعبة الرجل امرأته)، فاللعب مع المرأة ليس من اللهو الباطل، بل هو مما يعين على الحق، ويعين على العفاف، لاسيما مع حديث العهد بالزواج، فإنه يحتاج إلى نوع من الألفة في المراحل الأولى، والشرع لم يهمل هذا، فقد خصص الشرع للزوجة الثانية أسبوعاً كاملاً يلازمها زوجها إذا كانت بكراً، ولا يذهب للزوجات الأخريات؛ ليحصل الائتلاف وزوال الوحشة بينهما في هذه الفترة. وبعض الناس قد يغالي في فهم هذا الحكم، فبعضهم لا يخرج لصلاة الجماعة، فهذا غلو، والمقصود أنه لا يترك المبيت الذي هو الأساس. يقول الصباغ: إنك بذلك تفهم زوجك، وتطيق لها أيضاً أن تفهمك، وهذا الفهم هو الخطوة الأولى للمعاشرة الحسنة، وكم رأينا في واقع الناس أزواجاً يقضون العشر والعشرين من السنين ولا يفهم أحدهما الآخر، وكان ذلك سبباً من أسباب النكد والشقاق. إنك يا أخي بجلوسك إلى أهلك ومحادثتك إياها تفسح المجال لك لتقنعها بكثير من آرائك التي تبدو غريبة عليها بادئ الأمر. فبعض الناس يشتكي من زوجته، ويريد أن تلتزم أو يشتكي أنها تقصر في كذا وكذا، فحينما تسأله: ما الدور الذي قمت به كي توجهها وتحبب إليها الحق؟ كيف علمتها؟ لا تجد شيئاً، وقد تجد من يريد أن يعذر نفسه فيقول: كلمتها ولم تستجب! هذا فقط! إن تنويع أساليب الدعوة مهم كالرفق والتلطف، والكلام بالمعروف وبالتي هي أحسن، وهذا لا أثر له ولا وجود له، ويريد البيت مثل الثكنة العسكرية، أوامر ضابط لجندي فقط، ويريد أنه يأمر والزوجة تسمع وتطيع. يقول الصباغ: الكلام أول مرة لا يترك الأثر المطلوب، ولا يلمس الإنسان نتيجته، ولكن التكرار، وحسن اختيار الوقت المناسب، والأسلوب المناسب في عرض الفكرة، وضرب الأمثلة الكثيرة؛ لابد أن يترك أثراً كبيراً في الإنسان. واعلم -يا أخي- أن الحديث الطويل الهادف غير الممل، والمؤانسة المهذبة؛ يمدان الحياة الزوجية بالقوة والنماء وأفضل الغذاء، ولتضع نصب عينك ما رواه عقبة بن عامر ﵁ قا

стр. 1421

من آداب المجلس بُعث النبي ﵊ ليتمم مكارم الأخلاق، فعلّم أمته آداباً عظيمة، فيها خيرات كثيرة، ومصالح عديدة، ومن تلك الآداب: آداب المجلس، فينبغي على المسلم أن يتأدب بذلك في مجالسه؛ حتى تكون مجالسه مباركة خيرة.

стр. 1422

سبب نزول قوله تعالى: (ألم ترى إلى الذين نهو عن الجوى ثم يعودون) الآية الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين. أما بعد: فيقول الله ﵎: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * ألَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلا تَتَنَاجَوْا بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المجادلة:٧ - ١٠]. قال ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله سبحانه: (ألم تر إلى الذين نهو عن النجوى) قال: اليهود، وكذا قال مقاتل بن حيان، وزاد: كان بين النبي ﷺ وبين اليهود موادعة، وكانوا إذا مر بهم رجلٌ من أصحاب النبي ﷺ جلسوا يتناجون بينهم، حتى يظن المؤمن أنهم يتناجون بقتله أو بما يكره، فإذا رأى المؤمن ذلك خشيهم فترك طريقه عليهم، فنهاهم النبي ﷺ عن النجوى، فلم ينتهوا، وعادوا إلى النجوى، فأنزل الله : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [المجادلة:٨]. وهذه روايات نذكرها من باب جمع ما قيل في الآية وإن لم نقف على من صححها، ومن ذلك ما روى ابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (كنا نتناوب رسول الله ﷺ فنبيت عنده تكون له الحاجة، أو يطرقه أمر من الليل فيبعثنا والمحتسبون وأهل النوب؛ فكنا نتحدث، فخرج علينا رسول الله ﷺ : فقال: ما هذه النجوى؟ ألم تُنهوا عن النجوى؟ قلنا: تبنا إلى الله يا رسول الله! إنا كنا في ذكر المسيح -يعني: المسيح الدجال - قال: فرقاً منه؟ فقال: ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي منه، قلنا: بلى يا رسول الله! قال: الشرك الخفي: أن يقوم الرجل يعمل لمكان الرجل)، قال ابن كثير: هذا إسناد ضعيف؛ فيه بعض الضعفاء. على أي الأحوال الآية في حق قومٍ نهوا عن النجوى ثم لم يمتثلوا هذا النهي، وإنما عادوا لما نهوا عنه؛ فهذا يكفينا إذا لم يصح في سبب النزول حديث. وقوله سبحانه: ((وَيَتَنَاجَوْنَ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ)) أي: يتحدثون فيما يختص بأحوالهم، ويكون فيه إثم ومعصية، أما العدوان فهو إثم يتعلق بغيرهم، ومنه معصية الرسول ﷺ ومخالفته، حيث كانوا يصرون عليها ويتواصون بها.

стр. 1423

حكم تحية الرسول بغير ما حياه الله قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾ [المجادلة:٨] عن عائشة ﵂ قالت: (دخل على رسول الله ﷺ يهود فقالوا: السام عليك يا أبا القاسم! فقالت عائشة: وعليكم السام، قالت: فقال رسول الله ﷺ : يا عائشة! إن الله لا يحب الفحش ولا التفحش، قلت: ألا تسمعهم يقولون: السام عليك -يعني: الموت- فقال رسول الله ﷺ : أوما سمعت أني قلت: وعليكم، فأنزل الله: ((وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ)) [المجادلة:٨]). وفي رواية في الصحيح: (أنها ﵂ لما قالوا: السام عليك يا محمد! قالت: عليكم السام والذام واللعنة، فنهاها رسول الله ﷺ وقال: إنه يستجاب لنا فيهم، ولا يستجاب لهم فينا). ونستفيد من هذا أن الجواب يكون هكذا في رد تحية أهل الكتاب؛ لأنهم يلحنون في القول، وربما ذكروا مثل هذه الأشياء، كقولهم: السام عليكم، أو السام عليك، وهم يقصدون بذلك الدعاء على المؤمنين بالموت والهلكة، فعلمنا النبي ﵊ أن نجيبهم فقال: (وعليكم) يعني: نفس الشيء الذي تدعون به علينا فنحن ندعو به عليكم، فإن كان قال: السام، فعليه السام -أي: الموت- أيضاً. ويحتمل أنه أراد أنها من الدعاء على حسب نية القائل، ويحتمل أنه أراد أن يذكرهم بأن هذا أمر مقدور عليه وعليهم لا يستوجب الشماتة أو الدعاء؛ لأن الموت من سنن الله ﵎، فكل الناس صائر إلى الموت، فكأنه قال: وعليكم، أي: أن الموت مكتوب عليكم كما هو مكتوب علينا، لكن إن كان قصدهم الدعاء ثم أجاب بقوله: وعليكم، فإنه بين أنه يستجاب لنا فيهم إذا دعونا عليهم، أما إذا دعوا هم على المؤمنين فلا يجيب الله ﵎ لهم في المؤمنين. وعن أنس بن مالك ﵁: (أن رسول الله ﷺ بينما هو جالس مع أصحابه إذا أتى عليهم يهوديٌ فسلم عليهم، فردوا عليه، فقال نبي الله ﷺ : هل تدرون ما قال؟ قالوا: سلم يا رسول الله! قال: بل قال: سأم عليكم، أي: تسأمون دينكم، فقال رسول الله ﷺ : ردوه، فردوه عليه، فقال نبي الله ﷺ : أقلت: سأم عليكم؟ قال: نعم، فقال رسول الله ﷺ : إذا سلم عليكم أحدٌ من أهل الكتاب فقولوا: عليك) يعني: عليك ما قلت، وهذا مخرج في الصحيح.

стр. 1424

معاملة اليهود والمنافقين للنبي ﷺ قال : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾ [المجادلة:٨]، جاء في بعض الأحاديث أنهم كانوا يحيونه بما لم يحيه به الله، فكانوا يقولون: السام عليكم، وهو يقول: السلام عليكم، كما حياه الله بذلك، ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ [المجادلة:٨] فهذا يدل على أنهم في الباطن مكذبون بالرسول ﷺ ، فإما أن يكونوا منافقين، وإما أن يكونوا من اليهود، كما جاء في تفسير هذه الآية، فإنهم حينما يفعلون ذلك يستبطئون نزول عذاب الله، ويقولون: لو كان هذا نبياً حقاً لنزل العذاب. وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ [المجادلة:٨] أي: أنهم يحرفون الكلام وفيه إيهام السلام وليس بسلام، وإنما هو شتمٌ في الباطن، وهذه عادتهم، كما كانوا يقولون للنبي ﵊ راعينا، وإنما يقصدون بذلك وصفه بالرعونة، ولذلك نهينا عن أمثال هذه العبارات، وإنما أمرهم الله أن يقولوا: انظرنا، ولا يقولوا: راعنا. والملاحدة يعرفون في لحن القول الذي يلحنونه ليؤذوا رسول الله ﵌؛ فهم يشتمونه في الباطن، ويقولون في أنفسهم: لو كان هذا نبياً لعذبنا الله بما نقول له في الباطن؛ لأنهم يخفون هذه النوايا الخبيثة، والله يعلم ما يسرون، ويقولون: لو كان هذا نبياً حقاً لأوشك أن يعاجلنا الله بالعقوبة في الدنيا، فقال الله ﵎: ﴿حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ﴾ [المجادلة:٨]، وأما الدنيا فيحصل فيها الاستدراج والإمهال،، فليس التفسير الوحيد لعدم نزول العذاب أنه ليس نبياً؛ لأن عدم نزول العذاب قد يكون لأسباب كثيرة، وقد يكون رحمةً بهم أنفسهم، لعلهم يتوبون، أو لوجود الرسول ﷺ بينهم، فلا يحول ذلك دون نزول العذاب، أو لغير ذلك من الأسباب، لكنهم يعلقون على عدم نزول العذاب الدنيوي هذا الأمر فقط، فقال : ﴿حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ﴾ [المجادلة:٨] أي: يكفيهم جهنم، وهل بعد ذلك عذاب؟ حيث يخلدون في عذاب الله أبد الآبدين، فهي تكفيهم؛ لأنهم في الدار الآخرة يصلونها فبئس المصير. روى الإمام أحمد بسنده عن عبد الله بن عمرو ﵄: (أن اليهود كانوا يقولون لرسول الله ﷺ : سامٌ عليك، ثم يقولون في أنفسهم: لولا يعذبنا الله بما نقول: فنزلت هذه الآية: ((وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ)) [المجادلة:٨]). قال ابن كثير: إسناده حسن. وقال العوفي عن ابن عباس ﵄: ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾ [المجادلة:٨] قال: كان المنافقون يقولون لرسول الله ﷺ إذا حيوه: سام عليك، قال الله: ﴿حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [المجادلة:٨].

стр. 1425

النهي عن التناجي بالإثم والعدوان ومعصية الرسول قال الله مأدباً عباده المؤمنين ألا يكونوا مثل الكفرة والمنافقين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلا تَتَنَاجَوْا بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ﴾ [المجادلة:٩] يعني: كما يتناجى الجهلة من كفرة أهل الكتاب ومن مالأهم على ضلالهم من المنافقين، فلا تتناجوا مثلهم على الإثم والعدوان ومعصية الرسول، ولا تفعلوا فعلهم، وإنما: ﴿وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [المجادلة:٩] أي: حين يحشركم يخبركم بجميع أعمالكم وأقوالكم التي قد أحصاها عليكم، وسيجزيكم بها.

стр. 1426

النجوى يوم القيامة، وبيان ستر الله على عباده المؤمنين روى الإمام أحمد بسنده عن صفوان بن محرز قال: كنت آخذاً بيد ابن عمر ﵄ إذ عرض له رجلٌ فقال: كيف سمعت رسول الله ﷺ يقول في النجوى يوم القيامة؟ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الله يدني المؤمن فيضع عليه كنفه، ويستره من الناس، ويقرره بذنوبه، فيقول له: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟)، فالأمر كما قال : ﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ [المجادلة:٦] فالإنسان تمر السنوات الطويلة فينسى المعاصي، لكنها محصية عند الله بمنتهى الدقة، كما جاء في بعض الروايات: (حتى فثاثة التين بأصبعه) أي: إذا كان الإنسان جالساً وفت التين بإصبعه فسوف يسأل عنها، ويذكر بها، فكيف بالآثام؟ وكيف بالكبائر العظام؟! فيقرره الله بجميع ذنوبه، حتى الابتسامة والضحكة تحفظ عليه في كتابه فيقول له ربه: (أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ حتى إذا قرره بذنوبه، ورأى في نفسه أنه قد هلك، قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، ثم يعطى كتاب حسناته، وأما الكفار والمنافقون فيقول الأشهاد: ﴿هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود:١٨])، وهذا الحديث أخرجه الشيخان في الصحيحين. ففي هذا الحديث تفصيل لمعنى الحساب اليسير المذكور في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الانشقاق:٧ - ٩]، فالحساب اليسير كما جاء في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ هو العرض، وقد صح قوله ﷺ : (من نوقش الحساب عذب)، والحساب اليسير فسره ﷺ بما يجب المصير إليه، فحينئذٍ لا ينظر في خلافه؛ فإذا صح عن النبي ﷺ تفسير فلا يجوز النظر فيما يخالفه؛ فإنه أعلم الناس بكلام الله ﵎، فقد فسر الحساب اليسير بأنه مجرد عرض الأعمال، كما جاء في الحديث السابق أن النبي ﷺ قال: (إن الله يضع كنفه على المؤمن ويستره من الناس، ثم يقرره بذنوبه، فيذكره بجميع ذنوبه) وتأمل يوماً مقداره خمسون ألف سنة مما تعدون، وهو يقرره بذنوبه: أتذكر ذنب كذا؟ أتذكر ذنب كذا؟ أتذكر ذنب كذا؟ وهو يقول: بلى يا رب! بلى يا رب! ويقر على نفسه بجميع المعاصي، حتى إذا وصل إلى آخرها، وظن أنه هالك لا محالة، حينئذٍ يقول الله ﵎ له: (فإني قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم) وهذا من كرم الله ﵎؛ لأنه ستير يحب الستر، ومن رحمته ﵎ على عباده أنه يوجب عليهم أن يستروا أنفسهم، وينهاهم أن يفضحوا أنفسهم، كما قال ﷺ : (كل أمتي معافىً إلا المجاهرين، قيل: ومن المجاهرون يا رسول الله؟! قال ﵊: هو العبد الذي يبيت في الليل، فيعمل المعاصي، ثم يصبح في الناس فيقول: قد فعلت، وقد فعلت)، فهذا يعاقب؛ لأنه لم يستر نفسه، فمن ابتلي بشيء من القاذورات -المعاصي- وسترها الله عليه، فيجب أن يستر نفسه، حتى لو كانت المعصية تستوجب حداً، فيستر نفسه، ولا يفضحها، ولا يكشف ستر الله عليه، فإذا منَّ الله عليه بالستر في الدنيا فيرجى أن يستر عليه في الآخرة، كما في هذا الحديث، أما أن يجاهر بالمعاصي فهذا من إشاعة الفاحشة بين المؤمنين، وقد ورد الوعيد الشديد في ذلك، كما في قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ [النور:١٩]، فمما حرمه الله إشاعة الفاحشة بأي صورة من صور الإشاعة، كأن يجهر الإنسان بالمعاصي التي سترها الله عليه. فعلى المسلم أن يستر نفسه، ويستر إخوانه، كما قال ﷺ : (من ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة)، ويجب ألا يتداول الإنسان في كلامه وفي مجالسه ما يفضح نفسه من الحوادث والأشياء البشعة، فلا يجوز للإنسان أن يحكيها، وبعض الناس يتساهلون في هذا، ويظنون أنهم لا يرتكبون شيئاً محظوراً!

стр. 1427

نشر الحوادث والجرائم في الجرائد والتلفزيون من إشاعة الفاحشة بين المسلمين ما ينشر في الجرائد من حوادث القتل والانتحار والفواحش، وأن هذا فعل كذا وفعل كذا؛ هذا كله مما يخدم مقاصد الشيطان في إفساد المسلمين؛ لأن الأشياء إذا اعتادت الأذن على سماعها هانت على القلوب، وخف استعظامها في القلوب، فبالتالي تعين على ارتكاب المعاصي، وربما فتحت حكاية هذه الشرور أبواباً من الحيل للوصول إلى الحرام لم تكن تخطر ببال الناس، بل كان الناس منها في عافية، فإذا علم الإنسان -مثلاً- أن هذا الشخص كان في ضائقة، وحصلت له محن شديدة، فانتحر بالطريقة الفلانية، ويأتون بالتفاصيل، فربما يخلو الشيطان بالإنسان، فيهلكه بهذه الحيلة المحرمة! وإذا أراد أن يسرق يقول: فلان عمل كذا، فيفعل مثله، ولذلك تجد الأولاد الصغار يفسدون بسبب هذه الأشياء، وهذا من بلاء التلفزيون الذي هو دجال هذا الزمان، الذي اخترق على المسلمين بيوتهم، وصار يعيث فيها فساداً. حكي لي أن صبيين صغيرين دخل عليهما أبوهما فوجدهما ماسكين كوبين من الماء، ويتخبطان ببعض، ويقول أحدهما للآخر: الكلام ذا يقال في صحتك! فهما يقلدان السكارى، ولا يلوم الأب إلا نفسه؛ لأنه هو الذي أدخل التلفزيون إلى بيته، فهذا أقل شيء يمكن أن يقع من الفساد، ولولا أني لا أحب أن أشيع الفاحشة لحكيت أشد من ذلك مما يقع في البيوت من جراء وجود هذا الجهاز الخبيث في بيوت المسلمين. فالرجل يظهر أنه غيور، وأنه رجل شهم، وإذا دخل الرجال إلى بيته يحجزهم عن نسائه، ثم يأتي بأفسق الفساق في العالم كله ويدخلهم بيته؛ لتتعلم بناته الرقص! وكيف تعمل المرأة مع معشوقها! وكيف يتكلمون! وفي أثناء ذلك يحصل نوع من تعويد قلوب المسلمين على استمراء هذه المنكرات، وإظهار المرأة الناشز الفاسقة التي تتمرد على زوجها وتفسق عن أمر ربها بأنها مظلومة؛ لأن الشخص الذي يعمل التمثيلية أو يضع هذه القصة هو الذي يتحكم، والناس لا ينتبهون إلى هذا، فهو يريد أن يصل إلى القلوب بطريقة شيطانية ملتوية؛ حتى يغير وينشئ فكرة معينة، فتجد -مثلاً- أنهم في القضايا التي تتعلق بالأمور الشرعية يحاولون أن يظهروا المجرم على أنه مظلوم، حتى المجرم الذي تعدى حق الله ﵎! فيقولون: إن المرأة مظلومة ومقهورة، وربما يأتون بالزوج حتى يتمكنون من الطعن في الحكم شرعي، والطعن في أحكام الطلاق، والطعن في تعدد الزوجات، والطعن في أي شيء من الأمور الشرعية، فمن أجل ذلك لا ينبغي أبداً للمسلم بأي حال من الأحوال أن يوجد مثل هذا الجهاز في بيته. وأنا لا أدري كيف يفعل الأخ حينما ينظر هذه المناظر القذرة أمام بناته ونسائه وأبنائه في هذا الدجال الجديد! هل يغلق التلفزيون أم أنه يظل جالساً مع بناته ينظر إلى هذه الفواحش؟! نسأل الله العافية.

стр. 1428

الحكمة في الأمر بالستر والنهي عن إشاعة الفاحشة الإنسان منهي عن إشاعة الفاحشة بأن يحكي ما ستره الله عليه؛ فالإنسان إذا ستر على نفسه في الدنيا يجازى أن يستره الله في الآخرة، أما إذا هتك ستر نفسه فليبشر بالفضيحة في الدنيا وفي الآخرة. والحكمة من ذلك: أن المجاهرة بالمعاصي تهون استعظامها في القلوب، وتجرئ الناس عليها؛ بحيث تجعل المعصية شيئاً طبيعياً جداً، فالمرأة -مثلاً- تقتل زوجها وتضعه في أكياس! والأولى أن الناس تستفظعه، لكن تكراره يجعل القلوب تألفه، وتتعود عليه، وربما تتفتق هذه الفكرة في ذهن امرأة أخرى ما كانت تخطر ببالها هذه الحيلة! فهذا كله من إشاعة الفاحشة في المؤمنين، فمن أجل ذلك حرم الله ﵎ كشف الستر عن المسلم، فمن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة.

стр. 1429

تحريم الخوض في أعراض المسلمين بعض الناس يظنون أن الخوض في أعراض الناس بطولة، وأن المتكلم في ذلك إنسان متابع لأخبار الناس، ويعرف ما لا يعرفه الآخرون، فيخوضون في أعراض الناس بأدنى أدنى شبهة، أو بأضعف أضعف قرينة، ويظنون أنهم يسلمون من العاقبة الوخيمة في الآخرة! ينبغي للإنسان ألا يخوض في عرض أحد من المسلمين؛ فإن الربا من أعظم الجرائم ومن أعظم الكبائر، بل إن أقل وأهون درجة من الربا مثل أن ينكح الرجل أمه والعياذ بالله! ذكر ذلك ﵊، ثم في نفس الحديث قال: (وإن أربى الربا استطالة الرجل في عرض أخيه) أو كما قال ﷺ ، فأهون الربا وأقل درجة من الربا ذنبها يساوي أن ينكح الرجل أمه، لكن أعلى درجة من الربا -وهي أقبح وأغلظ في العقوبة- هي استطالة الرجل في عرض أخيه! فينبغي أن يفطن المسلمون لذلك، فالإنسان لا يصغي سمعه ولا يرهف سمعه لمن يخوض في عرض أي رجل من المسلمين، وكلمة العرض أعم من المعنى الضيق الذي يتبادر إلى أذهان الناس في هذا الزمان، فالعرض ليس متعلقاً فقط بمسألة الإحصان والفروج، وإنما العرض: كل موضع في الإنسان قابل للمدح أو القدح، سواء ملابسه شكله هيئته مشيته كلامه أموره الخاصة أولاده، فلا يجوز للإنسان أن يتكلم في عرض أخيه؛ فعرض أخيه: كل موضع فيه يقبل المدح أو القدح، فهذا هو العرض، وليس هو المعنى الضيق الذي يتبادر إلى أذهان الناس.

стр. 1430

تقرير الله لعبده على ذنوبه يوم القيامة يقول ﷺ : (إن الله يدني المؤمن فيضع عليه كنفه، فيستره من الناس، ويقرره بذنوبه، ويقول له: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ حتى إذا قرره بذنوبه، ورأى في نفسه أنه قد هلك، قال: فإني سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، ثم يعطى كتاب حسناته، وأما الكفار والمنافقون: ﴿وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود:١٨])، وفي الحديث الآخر: (من نوقش الحساب عذب)، أما مجرد العرض: أتذكر كذا؟ أتذكر كذا؟ فهذا هو الحساب اليسير، أما الحساب العسير فهو المناقشة، فمن نوقش حسابه فلابد أن يعذب، وفي بعض الأحاديث أن العبد ينكر هذه الذنوب، فيقول: ما فعلت، ويحلف على ذلك، فالله ﵎ يقول: (إنني لن أقبل لك شهيداً دون نفسك، فيختم على فيه، وتنطق جوارحه، فيقول: ويلٌ لكنَّ إنما عنكنَّ كنت أناضل)، فتنطق جوارحه بما فعل من المعاصي، كما قال ﵎: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس:٦٥]، وقال ﵎: (وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ).

стр. 1431

تعريف النجوى وحكم التناجي قال ﵎: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المجادلة:١٠] النجوى هي: المسارة، بأن يسر الإنسان في أذن صاحبه كلاماً، ويخفضان الصوت، هذه هي المسارة، وقد يتوهم الناظر إليهما أنهما يريدان به ومصدر هذه النجوى هو الشيطان، يعني: يصدر هذا الفعل من المتناجيين عن تسويل الشيطان وتزيينه، فهو الذي يزين لهم ذلك. وقوله: ﴿لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المجادلة:١٠] أي: ليسوءهم، ولكن: ﴿وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [المجادلة:١٠] ومن أحس من ذلك شيئاً فليستعذ بالله، وليتوكل على الله؛ فإنه لا يضره شيء بإذن الله، وقد وردت السنة بالنهي عن التناجي، إذا كان في ذلك إيذاء للمؤمن. قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: حدثنا وكيع حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجين اثنان دون صاحبهما؛ فإن ذلك يحزنه)، وأخرجه الشيخان وغيرهما. ورواه الإمام مسلم بلفظ آخر: (إذا كنتم ثلاثة فلا يتناج اثنان دون الثالث إلا بإذنه؛ فإن ذلك يحزنه).

стр. 1432

حكم القيام للقادم قال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة:١١]، في هذا الموضع من كتب التفسير يذكر العلماء أموراً مهمة من الآداب الشرعية، فعامة العلماء المفسرين حينما يصلون إلى هذا الموضع في سورة المجادلة يذكرون الأمور الشرعية المتعلقة بآداب المجلس. قوله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة:١١]. وهنا مسألة من أحكام القرآن، وهي: حكم القيام للقادم، فهل يشرع إذا دخل عليك إنسان -لاسيما إذا كان كبير السن أو من أهل العلم والمنزلة والفضل- أن تقوم له على سبيل الإكرام والتعظيم؟ اختلف العلماء في ذلك خلافاًَ كبيراً، ومن أشهر من ألف في هذه المسألة شيخ الإسلام الإمام محيي الدين أبو زكريا يحيى بن شرف الدين النووي، والأفضل ألا نقول: محيي الدين؛ لأنه كان يكره ذلك، وكذلك شيخ الإسلام ابن تيمية كان يكره أن يلقب بـ تقي الدين، لكن جرت عادة اللسان بذلك، فـ النووي قال: لا أجعل في حل من لقبني محيي الدين، واسم كتابه (الترخيص في القيام لذوي المزية والفضل من أهل الإسلام) وهذا الكتاب للإمام النووي، ونعرض الأدلة التي اعتمد عليها في هذه المسألة باختصار إن شاء الله:

стр. 1433

فتوى شيخ الإسلام ابن تيمية في حكم القيام للقادم نختم الكلام بفتيا لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في القضية؛ فإنه رحمه الله تعالى سئل عن النهوض والقيام الذي يعتاده الناس من الإكرام عند قدوم شخص معين معتبر هل يجوز أم لا؟ وإذا كان يغلب على ظن المتقاعد عن ذلك أن القادم يخجل أو يتأذى باطناً، وربما أدى ذلك إلى بغضٍ وعداوة ومقت، وأيضاً المصادفات في المحافل وغيرها، وتحريك الرقاب إلى جهة الأرض والانخفاض، هل يجوز ذلك أم يحرم إلى آخر السؤال؟ يقول ﵀: الحمد لله رب العالمين، لم تكن عادة السلف على عهد النبي ﷺ وخلفائه الراشدين أن يعتادوا القيام كلما يرونه ﵇، كما يفعله كثير من الناس، بل قد قال أنس بن مالك ﵁: (لم يكن شخص أحب إليهم من النبي ﷺ ، وكانوا إذا رأوه لم يقوموا له؛ لما يعلمون من كراهته لذلك)، لكن ربما قاموا للقادم من مغيبه تلقياً له. أي: إذا قدم مسافر -مثلاً- فيمكن أن تقوم لتحييه أو تلتزمه وتسلم عليه، كما روي عن النبي ﷺ أنه قام لـ عكرمة، وقال للأنصار لما قدم سعد بن معاذ: (قوموا إلى سيدكم)، وكان قد قدم ليحكم في بني قريظة؛ لأنهم نزلوا على حكمه. يقول شيخ الإسلام: والذي ينبغي للناس أن يعتادوا اتباع السلف على ما كانوا عليه على عهد رسول الله ﷺ ؛ فإنهم خير القرون، وخير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، فلا يعدل أحدٌ عن هدي خير الورى وهدي خير القرون إلى ما هو دونه، وينبغي للمطاع ألا يقر ذلك مع أصحابه؛ بحيث إذا رأوه لم يقوموا له إلا في اللقاء المعتاد. وأما القيام لمن يقدم من سفر ونحو ذلك تلقياً له فحسن، وإذا كان من عادة الناس إكرام الجائي بالقيام ولو ترك لاعتقد أن ذلك لترك حقه أو قصد خفضه ولم يعلم العادة الموافقة للسنة؛ فالأصلح أن يقام له؛ لأن ذلك أصلح لذات البين، وإزالة للتباغض والشحناء، وأما من عرف عادة القوم الموافقة للسنة فليس في ترك ذلك إيذاء له. يعني: من كان يعلم أن هؤلاء الناس إذا دخل عليهم قادم لا يقومون؛ لأنهم سنيون سلفيون، ولأنهم يعلمون الحديث، ويقصدون بذلك معنىً شرعياً، وهو: الاقتداء بالسلف وبالصحابة بفعلهم، وهو يعلم أنهم يفعلون ذلك تديناً؛ فلا يجوز له أن يكره ذلك منهم، ولكن كلام شيخ الإسلام فيمن إذا دخل ولم تقم له، وهو لا يعلم هذا الحكم، ولا يعلم هذه الأحاديث، ولا يعلم أنهم يتدينون بذلك، بل يرى هذا تنقص، وأنهم لا يحترمونه؛ فأجاز شيخ الإسلام حينئذ القيام إذا كان في تركه فسادٌ لذات البين. يقول شيخ الإسلام: وليس هذا القيام المذكور في قوله ﷺ : (من سره أن يتمثل له الرجال قياماً فليتبوأ مقعده من النار)؛ فإن ذلك أن يقوموا له وهو قاعد. هذا تأويل شيخ الإسلام لهذا الحديث، يعني: أن يكون جالساً وهم يقفون على رأسه، وليس المراد أن يقوموا لمجيئه إذا جاء، ولهذا فرقوا بين أن يقال: قمت إليه، وقمت له، فالقائم للقادم ساواه في القيام بخلاف القائم للقاعد. وقد ثبت في صحيح مسلم: (أن النبي ﷺ لما صلى بهم قاعداً في مرضه صلوا قياماً فأمرهم بالقعود، وقال: لا تعظموني كما يعظم الأعاجم بعضها بعضاً)، فنهاهم عن القيام في الصلاة وهو قاعد، وإن كان هذا الحكم نسخ فيما بعد، وقال: (لا تعظموني كما يعظم الأعاجم بعضها بعضاً)؛ لأنه كان جالساً وهم كانوا قائمين، فنهاهم عن ذلك، وقد نهاهم عن القيام في الصلاة وهو قاعد لئلا يتشبهوا بالأعاجم الذين يقومون لعظمائهم وهم قعود. يقول شيخ الإسلام: وجماع ذلك كله الذي يصلح: اتباع عادات السلف وأخلاقهم، والاجتهاد عليها بحسب الإمكان؛ فمن لم يعتقد ذلك ولم يعرف أنه العادة، وكان في ترك معاملته بما اعتاد من الناس من الاحترام مفسدة راجحة؛ فإنه يدفع أعظم الفسادين بالتزام أدناهما، كما يجب فعل أعظم الصلاحين بتفويت أدناهما. وسبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

стр. 1434

قول الألباني في حكم القيام للقادم هناك مذهب آخر في هذه المسألة، ونحن نذكر هذه الأدلة من باب أن الإنسان يكون على معرفة بمذهب من يخالفه، وأنه يعتمد على أدلة لا على هوى؛ حتى يفرق بين الإنكار في المسائل المتفق عليها والمسائل المختلف فيها، ويرتفع أفق الإنسان بمعرفة مآخذ المذهب المخالف، فمن العلماء من يمنعون القيام للقادم مطلقاً، وممن ينتصر لهذا القول العلامة المحدث محمد ناصر الدين الألباني حفظه الله، واستدل بحديث أبي مجلز قال: دخل معاوية بيتاً فيه عبد الله بن الزبير وعبد الله بن عامر، فقام ابن عامر وثبت ابن الزبير، وكان أدربهما -وفي بعض النسخ: أرزنهما، لكن الأصح أدربهما- فقال معاوية: (اجلس يا ابن عامر!). فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من أحب أن يتمثل الناس له قياماً فليتبوأ مقعده من النار)، قال الألباني: صحيح، رجال إسناده ثقات، رجال الشيخين، قال: وللحديث شاهد مرسل في قصة طريفة، أخرجه الخطيب من طريق عبد الرزاق بن سليمان بن علي بن الجعد، قال: سمعت أبي يقول: لما أحضر المأمون أصحاب الجواهر فناظرهم على متاعٍ كان معهم، ثم نهض المأمون لبعض حاجته، فقام كل من كان في المسجد إلا ابن الجعد فإنه لم يقم، قال: فنظر إليه المأمون كهيئة المغضب، ثم استخلاه -أي: خلا به- فقال له: يا شيخ! ما منعك أن تقوم لي كما قام أصحابك، قال: أجللت أمير المؤمنين للحديث الذي نأثره عن النبي ﷺ . قال: وما هو؟ قال: علي بن الجعد: سمعت المبارك بن فضالة يقول: سمعت الحسن يقول: قال النبي ﷺ : (من أحب أن يتمثل له الناس قياماً فليتبوأ مقعده من النار). قال: فأطرق المأمون متفكراً في الحديث، ثم رفع رأسه فقال: لا يشترى إلا من هذا الشيخ، قال: فاشترى منه في ذلك اليوم بقيمة ثلاثين ألف دينار. يقول الألباني: فصدق في علي بن الجعد -وهو ثقة ثبت- قول الله : ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٢ - ٣]؛ لأنه إذا خالف التجار الآخرين خشي ذهاب البيع عليه، ولكنه خشي أن يخالف نهي النبي ﵊، وعومل الآخرون بنقيض قصدهم، وفاتتهم البيعة! ونحو هذه القصة ما أخرجه الدينوري في المنتقى من المجالسة قال: حدثنا أحمد بن علي البصري قال: وجه المتوكل إلى أحمد بن العدل وغيره من العلماء، فجمعهم في داره، ثم خرج عليهم، فقام الناس كلهم إلا أحمد بن العدل، فقال المتوكل لـ عبيد الله: إن هذا الرجل لا يرى بيعتنا -يعني: أنه لم يقم لي لأنه لا يعتبرني، ولا يعتد بإمامتي- فقال له: بلى يا أمير المؤمنين! ولكن في بصره سوء، يعني: نظره ضعيف فلم يرك، فقال أحمد بن العدل: يا أمير المؤمنين! ما في بصري من سوء، ولكنني نزهتك من عذاب الله تعالى؛ قال النبي ﷺ : (من أحب أن يتمثل له الرجال قياماً فليتبوأ مقعده من النار)، فجاء المتوكل وجلس إلى جنبه! وروى ابن عساكر في تاريخ دمشق بسنده عن الأوزاعي قال: حدثني بعض حرس عمر بن عبد العزيز قال: خرج علينا عمر بن عبد العزيز ونحن ننتظره يوم الجمعة، فلما رأيناه قمنا، فقال: إذا رأيتموني فلا تقوموا، ولكن توسعوا. يقول الألباني ﵀ في فقه الحديث: دلنا هذا الحديث -يشير إلى حديث: (من أحب أن يتمثل له الناس قياماً فليتبوأ مقعده من النار) - على أمرين: الأول: تحريم حب الداخل على الناس القيام منهم له، وهو صريح الدلالة؛ بحيث إنه لا يحتاج إلى بيان، يعني: أن الوعيد الذي فيه (فليتبوأ مقعده من النار) وعيد شديد جداً، كما في قوله: (من كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)، فهذا من الكبائر القلبية الغليظة، ولا خلاف في هذا. الثاني: كراهة القيام من الجالسين للداخل ولو كان لا يحب القيام، وذلك من باب التعاون على الخير، وعدم فتح باب الشر، وهذا معنىً دقيق دلنا عليه راوي الحديث معاوية ﵁، وذلك بإنكاره على عبد الله بن عامر قيامه له، واحتج عليه بالحديث، وذلك من فقهه في الدين، وعلمه بقواعد الشريعة التي منها سد الذرائع، ومعرفته بطبائع البشر، وتأثرهم بأسباب الخير والشر. يعني: أنه يعتمد على قاعدة سد الذرائع؛ ولذلك قال بالكراهة ولم يقل بالتحريم، يقول: فإنك إذا تصورت مجتمعاً صالحاً كمجتمع السلف الأول لم يعتاد القيام لبعض فمن النادر أن تجد فيهم من يحب هذا القيام الذي يرديه في النار، وذلك لعدم وجود لما يذكره به، وهو القيام نفسه، وعلى العكس من ذلك: إذا نظرت إلى مجتمع كمجتمعنا اليوم قد اعتادوا القيام المذكور، فإن هذه العادة -لا سيما مع الاستمرار عليها- تذكره به، ثم إن النفس تتوق إليه، وتشتهيه؛ حتى تحبه، فإذا أحبه هلك، فكان من باب التعاون على البر والتقوى أن يترك هذا القيام، حتى لمن نظن أنه لا يحبه؛ خشية أن يجره قيامنا له إلى أن يحبه، فنكون قد ساعدنا على إهلاك نفسه، وهذا لا يجوز. ومن الأدلة الشاهدة على ذلك: أنك ترى بعض أهل العلم -الذين يظن فيهم حسن الخلق- تتغير نفوسهم إذا ما وقع نظرهم على فردٍ لم يقم لهم! هذا إذا لم يغضبوا عليه، ولم ينسبوه إلى قلة الأدب، ويبشروه بالحرمان من بركة العلم؛ بسبب عدم احترامه لأهله بزعمهم، بل إن فيهم من يدعوهم إلى القيام، ويخدعهم بمثل قوله: أنتم لا تقومون لي كجسم من عظم ولحم، وإنما تقومون للعلم الذي في صدري! وكأن النبي ﷺ عنده لم يكن لديه علم؛ لأن الصحابة كانوا لا يقومون له، أو أن الصحابة لا يعظمون النبي ﵊ التعظيم اللائق به، فهل يقول بهذا أو ذاك مسلم؟! ثم يقول الشيخ ﵀: ومن أجل هذا الحديث وغيره ذهب جماعة من أهل العلم إلى المنع من القيام للغير، كما في فتح الباري. ثم قال: ومحصل المنقول عن مالك إنكار القيام ما دام الذي يقام لأجله لم يجلس، ولو كان في شغل نفسه؛ فإنه سئل عن المرأة تبالغ في إكرام زوجها؛ فتتلقاه وتنزع ثيابه، وتقف حتى يجلس؟ أي: أن الإمام مالك سئل عن امرأة حينما يدخل عليها زوجها تبالغ في إكرامه؛ فأول شيء أنها تتلقاه وتقابله، ثم تنزع ثيابه، ثم تقف حتى يجلس؛ إكراماً لزوجها، فقال: أما التلقي فلا بأس به، وأما القيام حتى يجلس فلا؛ فإن هذا من فعل الجبابرة، وقد أنكره عمر بن عبد العزيز. يقول الألباني: قلت: وليس في الباب ما يعارض دلالة هذا الحديث أصلاً، والذين خالفوا فذهبوا إلى جواز هذا القيام بل استحبابه استدلوا بأحاديث بعضها صحيح وبعضها ضعيف، والكل عند التأمل في طرقها ومتونها لا ينهض للاستدلال على ذلك. ومن أمثلة القسم الأول: حديث: (قوموا إلى سيدكم)، ففيه زيادة في الحديث: (فأنزلوه). لأنه كان مجروحاً. ومن أمثلة القسم الآخر الضعيف: حديث قيامه ﷺ حين أقبل عليه أخوه من الرضاعة، فأجلسه بين يديه. فهو حديث ضعيف معضل الإسناد، ولو صح فلا دليل فيه أيضاًَ. ثم ذكر في موضع آخر حديث أنس ﵁ قال: (ما كان في الدنيا شخص أحب إليهم رؤيةً من رسول الله ﷺ ، وكانوا إذا رأوه لم يقوموا له؛ لما كانوا يعلموا من كراهيته لذلك). قال: إسناده صحيح على شرط مسلم. ثم قال الألباني ﵀: وهذا الحديث مما يقوي ما دل عليه الحديث السابق من المنع من القيام للإكرام؛ لأن القيام لو كان إكراماً شرعاً لم يجز له ﷺ أن يكرهه من أصحابه، وهو أحق الناس بالإكرام، وهم أعرف الناس بحقه ﷺ ، وأيضاً فقد كره الرسول ﷺ هذا القيام له من أصحابه، فعلى المسلم -خاصة إذا كان من أهل العلم وذوي القدوة- أن يكره ذلك لنفسه؛ اقتداءً به ﷺ ، وأن يكرهه لغيره من المسلمين؛ لقوله ﷺ : (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه من الخير)، فلا يقوم له أحد، ولا هو يقوم لأحد، بل كراهتهم لهذا القيام أولى بهم من النبي ﷺ ؛ وذلك لأنهم إن لم يكرهوه اعتادوا القيام بعضهم لبعض، وذلك يؤدي بهم إلى حبهم له، وهو سبب يستحقون عليه النار، كما في الحديث السابق، وليس كذلك رسول الله ﷺ ؛ فإنه معصوم من أن يحب مثل هذه المعصية، فإذا كان مع ذلك قد كره القيام له؛ كان واضحاً أن المسلم أولى بكراهته له.

стр. 1435

إكرام الناس على حسب مراتبهم وإنزالهم منازلهم ثم ذكر الإمام النووي رحمه الله تعالى أطرافاً مما جاء في تنزيل الناس منازلهم، وإكرامهم على حسب مراتبهم، وما جاء في احترام وإكرام فضلاء المسلمين، وتوقير أولي السن والورع والعلم والدين، والرفق بطلبة العلم وأولي الفضل والفهم؛ تعظيماً لحرمات المؤمنين المسلمين، ومسارعةً إلى رضا رب العالمين، قال: وهو دليل لما قدمته، وعاضد لما أسلفته: قال الله : ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الحج:٣٠]، وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:٣٢]. ثم روى حديث أبي سعيد ﵁ أن النبي ﷺ قال: (يأتيكم رجال من قبل المشرق يتعلمون، فإذا جاءوكم فاستوصوا بهم خيراً). وعن عامر بن إبراهيم قال: كان أبو الدرداء ﵁ إذا رأى طلبة العلم قال: (مرحباً بطلبة العلم)، وكان يقول: (إن رسول الله ﷺ أوصى بكم). وذكر حديث أبي موسى الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن من إجلال الله تعالى إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المقسط) أي: الحاكم العادل. وقال ﷺ : (ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويعرف شرف كبيرنا). وهناك حديث ضعيف ذكره عن ميمون بن أبي شبيب أن عائشة ﵂ مر بها سائل فأعطته كسرة، ومر بها رجل عليه ثياب وهيئة فأقعدته فأكل، فقيل لها في ذلك، فقالت: قال رسول الله ﷺ : (أنزلوا الناس منازلهم)، ولكن ميموناً لم يدرك عائشة. وذكر أيضاً عن عائشة أنها قالت: (أمرنا رسول الله ﷺ أن ننزل الناس منازلهم)، وهذا رواه مسلم في مقدمة الصحيح. وعن إسحاق الشهيدي قال: كنت أرى يحيى القطان رحمه الله تعالى يصلي العصر، ثم يستند إلى أصل منارة مسجده، فيقف بين يديه علي بن المديني والشاذكوني وعمرو بن علي وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين وغيرهم، يسألونه عن الحديث وهم قيام على أرجلهم، إلى أن تحين صلاة المغرب، لا يقول لواحدٍ منهم: اجلس، ولا يجلسون هيبةً وإعظاماً. وذكر أيضاً عن الإمام البغوي أنه قال: وكذلك تجوز إقامة الإمام والوالي الرجل على رأسه في موضع الحرب، ومقام الخوف. يعني: أن بعض الأئمة يحملون حديث: (من أحب أن يتمثل الناس أو الرجال له قياماً فليتبوأ مقعده من النار) على أن يكون الإنسان جالساً والناس قيام على رأسه، كالجنود والحراس ونحوهم، ويستثنون حالة الحرب والخوف؛ حتى يدخل الرعب في قلوب الأعداء، كما حصل في صلح الحديبية حينما كان يقف المغيرة بن شعبة ﵁ قائماً على رأس رسول الله ﷺ ومعه السيف، وعليه المغفر. يقول النووي: هذا الذي قاله البغوي رحمه الله تعالى متفق عليه. يعني: استثناء هذه الحالة، وهو أن يقف على رأس السلطان بالهيبة والسلاح إرهاباً للأعداء في حالة الخوف والحرب، والحديث مشهور في الصحيح.

стр. 1436

أدلة المانعين من القيام للقادم ثم ذكر الإمام النووي رحمه الله تعالى الباب الثاني في الأحاديث التي يستدل بها على النهي عن القيام وما أجاب به عنها أهل المعرفة والحذق والأفهام. ثم روى حديث أنس ﵁ قال: (لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله ﷺ ، وكانوا إذا رأوه لم يقوموا؛ لما يعلمون من كراهته لذلك)، وهذا الحديث صحيح. الحديث الثاني: قوله ﷺ : (من أحب أن يتمثل له الرجال قياماً فليتبوأ مقعده من النار). الحديث الثالث: عن أبي أمامة قال: (خرج رسول الله ﷺ متوكئاً على عصا، فقمنا إليه، فقال: لا تقوموا كما تقوم الأعاجم يعظم بعضهم بعضاً) وهو حديث ضعيف. ثم أجاب الإمام النووي ﵀ عن هذه الأحاديث فقال: أما الجواب عن الحديث الأول -وهو أقرب ما يحتج به- فمن وجهين: أحدهما: أن النبي ﷺ خاف عليهم وعلى من بعدهم الفتنة بإفراطهم في تعظيم الرسول ﷺ ، كما جاء في حديث الآخر: (لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، فإنما أنا عبدٌ، فقولوا: عبد الله ورسوله)، فقوله هذا من نفس هذا الباب؛ لسد الافتتان به والغلو في تعظيمه ﵌، فكره رسول الله ﷺ قيامهم له لهذا المعنى، ولم يكره قيام بعضهم لبعض، بل قام ﷺ لبعضهم، وقاموا لغيره بحضرته، ولم ينكر ذلك، بل أقره، وأمر به في حديث القيام لـ سعد. يقول: وقد قدمنا في الباب الأول بيان هذا كله، وهذا جواب واضح لا يرتاب فيه إلا جاهلٌ أو معاند. الوجه الثاني في الجواب عن هذا الحديث: أن النبي ﷺ كان بينه وبين أصحابه ﵃ من الأنس وكمال الود والصفا ما لا تحتمل زيادته بالإكرام بالقيام، فلم يكن في القيام مقصود، بخلاف غيره، فإن فرض صاحبٌ للإنسان قريبٌ من هذه الحالة فلا حاجة إلى القيام. أما الحديث الثاني -وهو قوله: (من أحب أن يتمثل له الرجال قياماً فليتبوأ مقعده من النار)، يعني: فليجلس على مقعده من النار- فقد أولع أكثر الناس بالاحتجاج به، والجواب عنه من أوجه، والأصح والأولى والأحسن، بل الذي لا حاجة إلى ما سواه: أنه ليس فيه دلالة؛ وذلك أن معناه الصريح الظاهر منه: الزجر الأكيد والوعيد الشديد للإنسان أن يحب تمثل الناس قياماً له، وليس فيه تعرض للقائم بنهي ولا غيره، وهذا متفق عليه. يعني: يحرم على الإنسان أن يحب قيام الناس له، فالإمام النووي يقول: هذا ليس فيه دلالة على المسألة التي نتكلم فيها؛ فالكلام ليس على حب القادم أن يتمثل الناس له قياماً، فهذا حرام، لكن الكلام في القائم نفسه، فهل في هذا الحديث وعيد له أم لا؟ فمذهب الإمام النووي أنه ليس هناك تعرضٌ لحال الذي يقوم، وإنما فيه تعرض لتحريم محبة القادم أن يتمثل الناس له قياماً، فالمنهي عنه هو محبته للقيام. يقول: وليس فيه تعرضٌ للقائم بنهي ولا غيره، وهذا متفق عليه، وهو أنه لا يحل للآتي أن يحب قيام الناس له، والمنهي عنه هو محبته القيام، ولا يشترط كراهيته لذلك، وخطور ذلك بباله، حتى إذا لم يخطر ذلك بباله فقاموا له أو لم يقوموا فلا ذم عليه، وإذا كان معنى الحديث ما ذكرناه فمحبته أن يقام له محرم، فإذا أحب ذلك فقد ارتكب التحريم، سواءً قيم له أو لم يقم له. يعني: لو أن رجلاً يحب أن يقوم الناس له -وهذا عمل قلبي-، وهم لم يقوموا له؛ فهو يأثم، حتى لو لم يقوموا له. قال: فمدار التحريم على المحبة، ولا تأثير لقيام القائم، ولا نهي في حقه بحال، فلا يصح الاحتجاج بهذا الحديث. فإن قال من لا تحقيق عنده: إن قيام القائم سببٌ لوقوع هذا في المنهي عنه، قلنا: هذا سؤال فاسدٌ لا يستحق سائله جواباً؛ فإن تبرع عليه قيل ما قدمناه: إن الوقوع في المنهي عنه يتعلق بالمحبة فحسب. الجواب الثاني: أنه حديث مضطرب، والاضطراب يوجب ضعف الحديث، وهذا الجواب فيه نظر كما قال الإمام النووي ﵀. ثم ذكر عن بعض الأئمة أنهم قالوا: إنما كره القيام على طريق الكبر، فأما على طريق المودة فلا، فكل من أحب أن تقوم له فلا تقم له. أي: إذا علمت أنه يحب أن تقوم له فلا تقم له، وأظن أن من هذا -والله أعلم- ما يحصل في المدارس؛ حيث إن المدرس يحب أن يقوم التلاميذ له. قال: من يغلظ على من لا يقوم، مخالف لسمت السلف، وهذا دليل على أنه يحب القيام له، حيث يغضب على من لا يقوم له، فالخوف عليه أكثر؛ لأنه وقع في الوعيد بما لا يحتمل التأويل؛ لأنه أحب أن يتمثل الناس له قياماً، فهذه من الكبائر القلبية. وبعض العلماء قالوا: إن هذا الوعيد فيمن يأمرهم بذلك ويلزمهم إياه على طريق النخوة والكبر. وأما أبو موسى فقال: معنى الحديث: أن يقوم الرجال على رأسه، كما يقام بين يدي الملوك. أما الحديث الثالث -وهو: (لا تقوموا كما يقوم الأعاجم يعظم بعضهم بعضاً) - فهو ضعيف لا يصح الاحتجاج به، والوجه الثاني أنه على سبيل التعظيم، فهذا هو المذموم. أي: إذا كان على سبيل النخوة والكبر والتعظيم. أما حديث أبي بكرة -وهو: (لا يقوم الرجل للرجل من مجلسه) - فأيضاً ضعيف، ويحتمل أن يكون المعنى: لا تقم من مجلس صلاة وسماع الوعظ والتذكير والعلم ونحو ذلك، على سبيل الإيثار فيما لا إيثار فيه، فلا يقوم الرجل للرجل من مجلسه إذا كان في مجلس علم، ولا يضح بموقعه الأحسن ويؤثر غيره به، فلا ينبغي الإيثار في هذا الموضع، وهذا التأويل ذكره بعض العلماء، وهكذا ما أشبه هذا من القربات التي يكره الإيثار فيها، فمن القصور أن تقام الصلاة وهناك مكان فارغ في الصف المقدم فيقول الإنسان لأخيه: تفضل، فيقول: تفضل أنت! هذا جهل، بل ينبغي أن يتسابقا في أعمال الآخرة التي فيها تنافس، كما قال تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٦]. أما حديث: (ولا تنافسوا) فهذا في الدنيا، أما في الآخرة فكان الصحابة يبتدرون السواري إذا أذن المأذن، وكانوا إذا أقيمت الصلاة يتسارعون إلى الصفوف الأولى، والنبي ﵊ رغبهم في هذا، وبين أنهم يستهمون إذا حصل النزاع على الأذان والصف الأول، فيقترعون على ذلك أيهم أولى، وهكذا الدور في التسميع على الشيخ لا ينبغي الإيثار فيه، فإذا جاء دور الطالب وآثر غيره به، فهذا من الزهد في الخير، فينبغي أن يحرص الإنسان أن يكون مقدماً في مجالس العلم ومجالس الفضل، والإيثار يكون في الطعام والشراب وحظوظ النفس ومتاع الدنيا، فيهدي إخوانه، ويؤثر على نفسه، كما في قوله ﵎: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر:٩]، فهو محتاج إلى الطعام ويتصدق، ومحتاج إلى الملابس ويعطي ولا يلبس هو، فهذا الإيثار محمود في أمر الدنيا، وحظوظ النفس، أما أمور الدين ومعالي الأمور فلا. كان بعض الصحابة إذا كانوا اثنين يجلس واحد منهما في البيت والآخر يجاهد، ويقول الابن لأبيه: يا أبت! لولا أنها الجنة لآثرتك على نفسي! فهكذا ينبغي أن نكون، فالحق في التقرب لله تعالى لا يجوز تفويته، بخلاف الطعام ونحوه؛ فإن الحق فيه للنفس، وإن كان لله تعالى فيه حقٌ في بعض المواطن فنفعه ومقصوده يعود إلى الآدمي، وقد أوضحت هذا الفرق بشواهده وما يرد عليه من أكل الميت عند المخمصة، وجوابه في باب التيمم من شرح المهذب، وهذا القدر هنا كافٍ، والله أعلم. ثم أنهى الإمام النووي الكتاب بقوله: نختم الباب ببيتين على عادة الأئمة والحفاظ: قيامي والعزيز إليك حقٌ وترك الحق ما لا يستقيم فهل أحدٌ له عقلٌ ولبٌ ومعرفةٌ يراك ولا يقوم هذا ما تيسر من تلخيص كلام الإمام النووي رحمه الله تعالى.

стр. 1437

أدلة المجيزين القيام للقادم يقول ﵀: الله تعالى أمر باللطف بالمسلمين، وإكرام أهل العلم والورع والدين، فقال تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر:٨٨]، ومن اللطف بهم والإكرام: أن يحترموا بإلانة القول لهم، والقيام لا على طريق الرياء والإعظام، بل على ما ذكرناه من التكريم والاحترام، وعلى هذا استمر ما لا يحصى من علماء الإسلام وأهل الصلاح والورع وغيرهم من الأفاضل الأعلام، فالذي يختار: القيام لأهل الفضل والمزية من أهل العلم وقرابته والوالدين والصالحين وسائر أخيار البرية، فقد جاءت بذلك جمل من الأخبار، وأقوال السلف الكرام الأبرار، وأفعال العلماء والصلحاء أهل الورع والزهاد وغيرهم من الأخيار. ثم عقد باباً فيما ورد في الترخيص من الآثار والأخبار، وما قال فيه الأعيان من العلماء والأخيار. وذكر بسنده عن أبي سعيد الخدري ﵁: (أن يهود نزلوا على حكم سعد بن معاذ رضي الله تعالى عنه، فأرسل إليه، فجاء على حمار، فلما بلغ قريباً من المسجد قال النبي ﷺ : قوموا إلى خيركم أو سيدكم)، وهناك رواية مشهورة على ألسنة الناس بلفظ: (قوموا لسيدكم)، لكن الوارد: (قوموا إلى سيدكم)، وأضف إلى قرينة وجود (إلى) كلمة (أنزلوه)؛ لأنه كان على حمار، وكان مجروحاً ﵁. وروى الحافظ البيهقي وأبو موسى الأصبهاني بسندهما عن الإمام مسلم قال: لا أعلم في قيام الرجل للرجل حديثاً أصح من هذا، وهذا القيام على وجه البر لا على وجه التعظيم. يقول النووي: وقد أفصح الإمام مسلم رضي الله تعالى عنه بحقيقة المطلوب في هذا الكلام المختصر رحمه الله تعالى ورضي الله عنه. وقال الخطابي والبغوي بعد رواية حديث أبي سعيد ﵁ السابق: في هذا الحديث أن قيام المرءوس للرئيس الفاضل والوالي العادل، وقيام المتعلم للعالم مستحب غير مكروه، وإنما جاءت الكراهة فيمن كان بخلاف هذه الصفات، فيحمل كراهة القيام للقادم فيمن كان فاجراً أو فاسقاً أو غير ذلك من الصفات الدنيئة، أو إن كان قيامه من أجل الدنيا أو الرياء. قال البغوي والخطابي: وما روي من قوله ﷺ : (من أحب أن يتمثل له الرجال صفوفاً) فهو إذا كان يأمرهم بذلك، ويلزمهم به على مذهب الكبر والنخوة. وعن ابن شهاب عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه عن جده كعب ﵁ في حديث توبته الطويل المشهور فذكره إلى قوله: (وانطلقت إلى رسول الله ﷺ حتى دخلت المسجد -يعني: لما بشر بنزول التوبة من الله عليهم- فإذا برسول الله ﷺ جالسٌ حوله الناس، فقام إليَّ طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني، والله! ما قام إليَّ من المهاجرين غيره، ولا أنساها لـ طلحة)؛ لأنه قام يهنئه بالتوبة، وهذا حديث متفق على صحته. وعن عائشة ﵂ قالت: (ما رأيت أحداً أشبه سمتاً ودلاً وهدياً برسول الله ﷺ من فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، وكانت إذا دخلت على النبي ﷺ قام إليها فقبلها، وأجلسها في مجلسه، وكان النبي ﷺ إذا دخل عليها قامت من مجلسها فقبلته، وأجلسته في مجلسها) رواه أبو داود والترمذي والنسائي، وحسنه الترمذي، يقول النووي: وهذا الحديث من أصرح الأدلة في المسألة. وروى النووي ﵀ حديثاً مثل حديث عائشة، وهو: أن عمر بن السائب حدثه أنه بلغه: (أن رسول الله ﷺ كان جالساً يوماً، فأقبل أبوه من الرضاعة، فوضع له بعض ثوبه فقعد عليه، ثم أقبلت أمه -يعني: من الرضاعة- فوضع لها شق ثوبه من الجانب الآخر فجلست عليه، ثم أقبل أخوه من الرضاعة، فقام رسول الله ﷺ فأجلسه بين يديه)، وهذا الحديث ضعيف. وروى النووي أيضاً بسنده عن ابن شهاب: أن أم حكيم بنت الحارث بن هشام كانت تحت عكرمة بن أبي جهل، فأسلمت يوم الفتح بمكة، وهرب زوجها من الإسلام حتى قدم اليمن، فارتحلت أم حكيم حتى قدمت عليه باليمن، فدعته إلى الإسلام، فأسلم، فقدم على رسول الله ﷺ ، فلما رآه رسول الله ﷺ وثب إليه فرحاً وما عليه رداء حتى بايعه، هكذا رواه الإمام مالك مرسلاً، وهذا والحديث الذي قبله وإن كانا مرسلين يصح الاحتجاج بهما في هذه المسألة؛ وذلك لأن أكثر الفقهاء قالوا بجواز الاحتجاج بالمرسل، وقال الشافعي وأكثر أهل الحديث: لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد. ومذهب الشافعية هو التساهل في الأخذ بالحديث المرسل، لاسيما إذا كان عن كبار التابعين، وقال الشافعي ﵀ كلاماً حاصله: إذا روي المرسل مسنداً أو مرسلاً من طريق أخرى، وقال به بعض الصحابة أو عوام أهل العلم؛ جاز الاحتجاج به. وقوله: عوام أهل العلم ليس المقصود عوام الناس؛ فالعامي مأخوذ من العمى، وهو الذي يقوده غيره، لكن المقصود بعوام أهل العلم: عامة أهل العلم. قال النووي: وقد وجد في هذا الحديث ما يجوز الاحتجاج به، وهو ما قدمناه من الشواهد له، وما سنذكره بعده من أقوال العلماء. والله أعلم. وأيضاًَ ذكر الحديث الذي رواه أبو داود عن أبي هريرة ﵁: (كان النبي ﷺ يحدثنا فإذا قام قمنا قياماً حتى نراه قد دخل بعض بيوت أزواجه)، وهذا الحديث إن صح، ليس له تعلق كبير بالمسالة، فكلامنا على القيام للقادم، أما كون جماعة من الناس يجلسون، وبعدما فرغوا قاموا، فليس في هذه المسألة، إلا أن يقال: إنهم قاموا إكراماً له ﵊، يقول الإمام النووي: إسناد هذا الحديث إسنادٌ صحيح، ورواته كلهم مشهورون بالعدالة، إلا هلالاً فإنه ليس بمشهور. وروى أيضاً عن أبي هشام الرفاعي قال: قام وكيع لـ سفيان، فأنكر عليه قيامه، فقال: أتنكر عليّ قيامي وأنت حدثتني عن عمرو بن دينار عن ابن عباس رضي الله تعالى عنها قال: قال رسول الله ﷺ : (إن من إجلال الله تعالى إجلال ذي الشيبة المسلم) يعني إن من تعظيم الله أن تعظم المسلم الذي شاب في الإسلام، فأخذ سفيان بيده، فأجلسه إلى جانبه. وعن محمد بن الصلت قال: كنت عند بشر بن الحارث -يعني: الحافي الزاهد ﵁ فجاءه رجل فسلم عليه، فقام إليه بشر، فقمت لقيامه، فمنعني من القيام، فلما خرج الرجل قال لي بشر: يا بني! تدري لما منعتك من القيام له؟ قلت له: لا، قال: لأنه لم يكن بينك وبينه معرفة، وكان قيامك لقيامي، فأردت ألا يكون لك حركة إلا لله خالصة. وعن أبي أحمد بن عدي الحافظ عن عبد المؤمن بن أحمد بن حوثرة قال: كان أبو زرعة الرازي رحمه الله تعالى لا يقوم لأحد، ولا يجلس أحداً مكانه إلا ابن وارة، فإني رأيته يفعل ذلك معه. يعني: لمكانته في الإمامة والعلم. وقال الإمام أبو عبد الرحمن السلمي في كتابه (آداب الصحبة): ويقوم لإخوانه إذا أبصرهم مقبلين، ولا يقعد إلا بقعودهم، وأنشد: فلما بصرنا به مقبلا حللنا الحبى وابتدرنا القياما فلا تنكرن قيامي له فإن الكريم يجل الكراما وروى الحافظ أبو موسى بإسناده عن الإمام أبي سعيد النقاش قال: النبلاء من الرجال والعلماء يكرهون قيام الرجل لهم؛ لكراهة رسول الله ﷺ ، وهو مباحٌ لبعض الناس أن يقوم للناس. ثم قال النووي: هذا ما تيسر ناجزاً من الأحاديث وأقوال الأئمة في الترخيص في القيام، وحاصله: أنه ثبت ذلك من فعل رسول الله ﷺ بنفسه الكريمة، وبأمره بذلك الأنصار، وبتقريره حين فُعل بحضرته، ومن فعل جماعة من الصحابة والسلف رضي الله تعالى عنهم في مواطن وجهات مختلفة، وفعل أئمة الناس في الحديث والفقه والزهد في أعصارهم.

стр. 1438

آداب التخلي [١] لقد نظم الإسلام كل شئون المسلم العامة والخاصة، بل نظم أخص المسائل وأدقها بالنسبة للمسلم، فقد وضع أحكاماً وآداباً للاستنجاء وقضاء الحاجة، وبيَّن ما يكره وما يستحب في هذه المسألة، وهذا دليل على شمولية هذا الدين وعمومه.

стр. 1439

مقدمة بين يدي باب الاستنجاء وآداب التخلي إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل على محمد النبي الأمي وأزواجه أمهات المؤمنين وذريته وأهل بيته، كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. دين الإسلام هو دين حياتي، يتعامل مع الحياة، وينظم كل شئون المسلم، حتى في الأمور التي هي أصلاً من العادات، فالشرع تعرض لها بأمر أو نهي، وبذلك تنتقل من العادة المحضة إلى العبادة، بحيث يصير هذا المأمور به أو المنهي عنه حداً من حدود الله ﵎. فينبغي أن يتعبد المسلم بطاعة ربه والاقتداء بنبيه ﵌ فيما شرع من هذه الأشياء، وقد تعجب بعض أهل الكتاب من هذه الطبيعة للإسلام، فقال بعضهم لأحد الصحابة ﵃: لقد علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة! يعني: قضاء الحاجة. ويقول بعض الصحابة رضي الله ﵎ عنهم: (ما ترك رسول الله ﷺ أمراً إلا ذكر لنا منه علماً، ولا طائراً يطير بجناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علماً)، فصلى الله عليه وآله وسلم. فهذا هو الإسلام وهذا الدين إذا نظرت إليه من أي زاوية من الزوايا قلت: إنه لا يمكن إلا أن يكون من عند الله ، وإنه الدين الحق، وشريعته الخالدة، وكلمة الله التي لا تبديل لها. إذا نظرت إلى الإسلام من جانب العقيدة تجد التوحيد الذي فيه تطهير القلب وتنظيفه من نجاسة الشرك، ومن كل الأخلاق الرديئة والعقائد الفاسدة، وفيه تزكية للنفس بالعقائد الصالحة، وهكذا إذا نظرت إليه من جانب العبادات أو المعاملات أو العادات. ولننظر في باب: الاستنجاء وآداب التخلي، الذي هو من الأمور الشخصية المحضة، فإن الإسلام جعل فيه تشريعاً وأمراً ونهياً وآداباً وحدوداً لله حدها، ويجب على كل مسلم أن يتعلمها؛ كي يلتزم بها، وهذه آية من آيات تنظيم الإسلام لأدق شئون الإنسان، فما من الناس إلا وهو يحتاج إلى هذا الآداب حتى يكون متبعاً لكتاب الله ومقتدياً برسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم. والاقتداء بالنبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم لا يكون فقط في الواجبات أو المأمورات، وليس فقط أيضاً في الآداب الشرعية، وإنما أيضاً في العادات المحضة، قال الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى في كتابه الأربعين: اعلم أن مفتاح السعادة في اتباع السنة والاقتداء برسول الله ﷺ في جميع مصادره وموارده وحركاته وسكناته، حتى في هيئة أكله وقيامه ونومه وكلامه، ولست أقول ذلك في آدابه فقط، بل في جميع أمور العادات، فبه يحصل الاتباع المطلق، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١] وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧]. ثم يقول: فلا ينبغي التساهل في امتثال ذلك، فتقول: هذا مما يتعلق بالعادات فلا معنى للاتباع فيه، فإن ذلك يغلق عليك باباً عظيماً من أبواب السعادة. وهذا في العادات المحضة فكيف بالآداب؟! بل كيف بالأوامر والنواهي التي فيها حلال وحرام ومستحب ومكروه وواجب؟!

стр. 1440

تعريف الاستنجاء والاستجمار والاستطابة نبدأ بتوفيق الله في ذكر بعض مسائل الاستنجاء وآداب التخلي، ونحاول أن نلتزم بالخطة الأصلية التي وضعها صاحب الكتاب الذي نشرحه وهو كتاب (منار السبيل بشرح الدليل). قال المؤلف ﵀: [باب الاستنجاء وآداب التخلي. الاستنجاء: هو إزالة ما خرج من السبيلين بماء طهور أو حجر طاهر مباح منقٍ، فالإنقاء بالحجر ونحوه أن يبقى أثر لا يزيله إلا الماء، ولا يجزئ أقل من ثلاث مسحات تعم كل مسحة المحل، والإنقاء بالماء عود خشونة المحل كما كان وظنه كافياً. ويسن الاستنجاء بالحجر ونحوه، ثم بالماء، فإن عكس كره، ويجزئ أحدهما، والماء أفضل. ويكره استقبال القبلة واستدبارها في الاستنجاء. ويحرم بروث وعظم وطعام ولو لبهيمة، فإن فعل لم يجزه بعد ذلك إلا الماء، كما لو تعدى الخارج موضع العادة. ويجب الاستنجاء لكل خارج إلا الطاهر والنجس الذي لم يلوث المحل]. هذا هو الفصل الأول من هذا الباب، فيبدأ بذكر تعريف الاستنجاء. الاستطابة والاستنجاء والاستجمار هي كلمات تدل على إزالة الخارج من السبيلين، والاستطابة والاستنجاء يكونان بالماء وبالأحجار، أما الاستجمار فيختص بالأحجار. فالاستطابة هي: الاستنجاء بالماء أو بالأحجار، يقال: استطاب وأطاب إذا استنجى، سمي استطابة؛ لأنه يطيب جسده بإزالة الخبث عنه. أما الاستنجاء فهو استفعال من نجوت الشجرة يعني: قطعتها، فكأنه بهذا التطهير قطع الأذى عنه؛ فلذلك سمي استنجاء. أما ابن قتيبة: الاستنجاء مأخوذ من النجوة، والنجوة: هي ما ارتفع من الأرض؛ لأن من أراد قضاء الحاجة بحث عن شيء مستتر من الأرض فاستتر به فمنه سمي الاستنجاء. أما الاستجمار فهو استفعال من الجمار، وهي الحجارة الصغيرة؛ وذلك لأنه يستعملها الإنسان في استجماره.
следующие страницы →