Полный текст (2 122 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.
стр. 1436
أدلة المانعين من القيام للقادم
ثم ذكر الإمام النووي رحمه الله تعالى الباب الثاني في الأحاديث التي يستدل بها على النهي عن القيام وما أجاب به عنها أهل المعرفة والحذق والأفهام.
ثم روى حديث أنس ﵁ قال: (لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله ﷺ ، وكانوا إذا رأوه لم يقوموا؛ لما يعلمون من كراهته لذلك)، وهذا الحديث صحيح.
الحديث الثاني: قوله ﷺ : (من أحب أن يتمثل له الرجال قياماً فليتبوأ مقعده من النار).
الحديث الثالث: عن أبي أمامة قال: (خرج رسول الله ﷺ متوكئاً على عصا، فقمنا إليه، فقال: لا تقوموا كما تقوم الأعاجم يعظم بعضهم بعضاً) وهو حديث ضعيف.
ثم أجاب الإمام النووي ﵀ عن هذه الأحاديث فقال: أما الجواب عن الحديث الأول -وهو أقرب ما يحتج به- فمن وجهين: أحدهما: أن النبي ﷺ خاف عليهم وعلى من بعدهم الفتنة بإفراطهم في تعظيم الرسول ﷺ ، كما جاء في حديث الآخر: (لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، فإنما أنا عبدٌ، فقولوا: عبد الله ورسوله)، فقوله هذا من نفس هذا الباب؛ لسد الافتتان به والغلو في تعظيمه ﵌، فكره رسول الله ﷺ قيامهم له لهذا المعنى، ولم يكره قيام بعضهم لبعض، بل قام ﷺ لبعضهم، وقاموا لغيره بحضرته، ولم ينكر ذلك، بل أقره، وأمر به في حديث القيام لـ سعد.
يقول: وقد قدمنا في الباب الأول بيان هذا كله، وهذا جواب واضح لا يرتاب فيه إلا جاهلٌ أو معاند.
الوجه الثاني في الجواب عن هذا الحديث: أن النبي ﷺ كان بينه وبين أصحابه ﵃ من الأنس وكمال الود والصفا ما لا تحتمل زيادته بالإكرام بالقيام، فلم يكن في القيام مقصود، بخلاف غيره، فإن فرض صاحبٌ للإنسان قريبٌ من هذه الحالة فلا حاجة إلى القيام.
أما الحديث الثاني -وهو قوله: (من أحب أن يتمثل له الرجال قياماً فليتبوأ مقعده من النار)، يعني: فليجلس على مقعده من النار- فقد أولع أكثر الناس بالاحتجاج به، والجواب عنه من أوجه، والأصح والأولى والأحسن، بل الذي لا حاجة إلى ما سواه: أنه ليس فيه دلالة؛ وذلك أن معناه الصريح الظاهر منه: الزجر الأكيد والوعيد الشديد للإنسان أن يحب تمثل الناس قياماً له، وليس فيه تعرض للقائم بنهي ولا غيره، وهذا متفق عليه.
يعني: يحرم على الإنسان أن يحب قيام الناس له، فالإمام النووي يقول: هذا ليس فيه دلالة على المسألة التي نتكلم فيها؛ فالكلام ليس على حب القادم أن يتمثل الناس له قياماً، فهذا حرام، لكن الكلام في القائم نفسه، فهل في هذا الحديث وعيد له أم لا؟ فمذهب الإمام النووي أنه ليس هناك تعرضٌ لحال الذي يقوم، وإنما فيه تعرض لتحريم محبة القادم أن يتمثل الناس له قياماً، فالمنهي عنه هو محبته للقيام.
يقول: وليس فيه تعرضٌ للقائم بنهي ولا غيره، وهذا متفق عليه، وهو أنه لا يحل للآتي أن يحب قيام الناس له، والمنهي عنه هو محبته القيام، ولا يشترط كراهيته لذلك، وخطور ذلك بباله، حتى إذا لم يخطر ذلك بباله فقاموا له أو لم يقوموا فلا ذم عليه، وإذا كان معنى الحديث ما ذكرناه فمحبته أن يقام له محرم، فإذا أحب ذلك فقد ارتكب التحريم، سواءً قيم له أو لم يقم له.
يعني: لو أن رجلاً يحب أن يقوم الناس له -وهذا عمل قلبي-، وهم لم يقوموا له؛ فهو يأثم، حتى لو لم يقوموا له.
قال: فمدار التحريم على المحبة، ولا تأثير لقيام القائم، ولا نهي في حقه بحال، فلا يصح الاحتجاج بهذا الحديث.
فإن قال من لا تحقيق عنده: إن قيام القائم سببٌ لوقوع هذا في المنهي عنه، قلنا: هذا سؤال فاسدٌ لا يستحق سائله جواباً؛ فإن تبرع عليه قيل ما قدمناه: إن الوقوع في المنهي عنه يتعلق بالمحبة فحسب.
الجواب الثاني: أنه حديث مضطرب، والاضطراب يوجب ضعف الحديث، وهذا الجواب فيه نظر كما قال الإمام النووي ﵀.
ثم ذكر عن بعض الأئمة أنهم قالوا: إنما كره القيام على طريق الكبر، فأما على طريق المودة فلا، فكل من أحب أن تقوم له فلا تقم له.
أي: إذا علمت أنه يحب أن تقوم له فلا تقم له، وأظن أن من هذا -والله أعلم- ما يحصل في المدارس؛ حيث إن المدرس يحب أن يقوم التلاميذ له.
قال: من يغلظ على من لا يقوم، مخالف لسمت السلف، وهذا دليل على أنه يحب القيام له، حيث يغضب على من لا يقوم له، فالخوف عليه أكثر؛ لأنه وقع في الوعيد بما لا يحتمل التأويل؛ لأنه أحب أن يتمثل الناس له قياماً، فهذه من الكبائر القلبية.
وبعض العلماء قالوا: إن هذا الوعيد فيمن يأمرهم بذلك ويلزمهم إياه على طريق النخوة والكبر.
وأما أبو موسى فقال: معنى الحديث: أن يقوم الرجال على رأسه، كما يقام بين يدي الملوك.
أما الحديث الثالث -وهو: (لا تقوموا كما يقوم الأعاجم يعظم بعضهم بعضاً) - فهو ضعيف لا يصح الاحتجاج به، والوجه الثاني أنه على سبيل التعظيم، فهذا هو المذموم.
أي: إذا كان على سبيل النخوة والكبر والتعظيم.
أما حديث أبي بكرة -وهو: (لا يقوم الرجل للرجل من مجلسه) - فأيضاً ضعيف، ويحتمل أن يكون المعنى: لا تقم من مجلس صلاة وسماع الوعظ والتذكير والعلم ونحو ذلك، على سبيل الإيثار فيما لا إيثار فيه، فلا يقوم الرجل للرجل من مجلسه إذا كان في مجلس علم، ولا يضح بموقعه الأحسن ويؤثر غيره به، فلا ينبغي الإيثار في هذا الموضع، وهذا التأويل ذكره بعض العلماء، وهكذا ما أشبه هذا من القربات التي يكره الإيثار فيها، فمن القصور أن تقام الصلاة وهناك مكان فارغ في الصف المقدم فيقول الإنسان لأخيه: تفضل، فيقول: تفضل أنت! هذا جهل، بل ينبغي أن يتسابقا في أعمال الآخرة التي فيها تنافس، كما قال تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٦].
أما حديث: (ولا تنافسوا) فهذا في الدنيا، أما في الآخرة فكان الصحابة يبتدرون السواري إذا أذن المأذن، وكانوا إذا أقيمت الصلاة يتسارعون إلى الصفوف الأولى، والنبي ﵊ رغبهم في هذا، وبين أنهم يستهمون إذا حصل النزاع على الأذان والصف الأول، فيقترعون على ذلك أيهم أولى، وهكذا الدور في التسميع على الشيخ لا ينبغي الإيثار فيه، فإذا جاء دور الطالب وآثر غيره به، فهذا من الزهد في الخير، فينبغي أن يحرص الإنسان أن يكون مقدماً في مجالس العلم ومجالس الفضل، والإيثار يكون في الطعام والشراب وحظوظ النفس ومتاع الدنيا، فيهدي إخوانه، ويؤثر على نفسه، كما في قوله ﵎: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر:٩]، فهو محتاج إلى الطعام ويتصدق، ومحتاج إلى الملابس ويعطي ولا يلبس هو، فهذا الإيثار محمود في أمر الدنيا، وحظوظ النفس، أما أمور الدين ومعالي الأمور فلا.
كان بعض الصحابة إذا كانوا اثنين يجلس واحد منهما في البيت والآخر يجاهد، ويقول الابن لأبيه: يا أبت! لولا أنها الجنة لآثرتك على نفسي! فهكذا ينبغي أن نكون، فالحق في التقرب لله تعالى لا يجوز تفويته، بخلاف الطعام ونحوه؛ فإن الحق فيه للنفس، وإن كان لله تعالى فيه حقٌ في بعض المواطن فنفعه ومقصوده يعود إلى الآدمي، وقد أوضحت هذا الفرق بشواهده وما يرد عليه من أكل الميت عند المخمصة، وجوابه في باب التيمم من شرح المهذب، وهذا القدر هنا كافٍ، والله أعلم.
ثم أنهى الإمام النووي الكتاب بقوله: نختم الباب ببيتين على عادة الأئمة والحفاظ: قيامي والعزيز إليك حقٌ وترك الحق ما لا يستقيم فهل أحدٌ له عقلٌ ولبٌ ومعرفةٌ يراك ولا يقوم هذا ما تيسر من تلخيص كلام الإمام النووي رحمه الله تعالى.
стр. 1437
أدلة المجيزين القيام للقادم
يقول ﵀: الله تعالى أمر باللطف بالمسلمين، وإكرام أهل العلم والورع والدين، فقال تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر:٨٨]، ومن اللطف بهم والإكرام: أن يحترموا بإلانة القول لهم، والقيام لا على طريق الرياء والإعظام، بل على ما ذكرناه من التكريم والاحترام، وعلى هذا استمر ما لا يحصى من علماء الإسلام وأهل الصلاح والورع وغيرهم من الأفاضل الأعلام، فالذي يختار: القيام لأهل الفضل والمزية من أهل العلم وقرابته والوالدين والصالحين وسائر أخيار البرية، فقد جاءت بذلك جمل من الأخبار، وأقوال السلف الكرام الأبرار، وأفعال العلماء والصلحاء أهل الورع والزهاد وغيرهم من الأخيار.
ثم عقد باباً فيما ورد في الترخيص من الآثار والأخبار، وما قال فيه الأعيان من العلماء والأخيار.
وذكر بسنده عن أبي سعيد الخدري ﵁: (أن يهود نزلوا على حكم سعد بن معاذ رضي الله تعالى عنه، فأرسل إليه، فجاء على حمار، فلما بلغ قريباً من المسجد قال النبي ﷺ : قوموا إلى خيركم أو سيدكم)، وهناك رواية مشهورة على ألسنة الناس بلفظ: (قوموا لسيدكم)، لكن الوارد: (قوموا إلى سيدكم)، وأضف إلى قرينة وجود (إلى) كلمة (أنزلوه)؛ لأنه كان على حمار، وكان مجروحاً ﵁.
وروى الحافظ البيهقي وأبو موسى الأصبهاني بسندهما عن الإمام مسلم قال: لا أعلم في قيام الرجل للرجل حديثاً أصح من هذا، وهذا القيام على وجه البر لا على وجه التعظيم.
يقول النووي: وقد أفصح الإمام مسلم رضي الله تعالى عنه بحقيقة المطلوب في هذا الكلام المختصر رحمه الله تعالى ورضي الله عنه.
وقال الخطابي والبغوي بعد رواية حديث أبي سعيد ﵁ السابق: في هذا الحديث أن قيام المرءوس للرئيس الفاضل والوالي العادل، وقيام المتعلم للعالم مستحب غير مكروه، وإنما جاءت الكراهة فيمن كان بخلاف هذه الصفات، فيحمل كراهة القيام للقادم فيمن كان فاجراً أو فاسقاً أو غير ذلك من الصفات الدنيئة، أو إن كان قيامه من أجل الدنيا أو الرياء.
قال البغوي والخطابي: وما روي من قوله ﷺ : (من أحب أن يتمثل له الرجال صفوفاً) فهو إذا كان يأمرهم بذلك، ويلزمهم به على مذهب الكبر والنخوة.
وعن ابن شهاب عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه عن جده كعب ﵁ في حديث توبته الطويل المشهور فذكره إلى قوله: (وانطلقت إلى رسول الله ﷺ حتى دخلت المسجد -يعني: لما بشر بنزول التوبة من الله عليهم- فإذا برسول الله ﷺ جالسٌ حوله الناس، فقام إليَّ طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني، والله! ما قام إليَّ من المهاجرين غيره، ولا أنساها لـ طلحة)؛ لأنه قام يهنئه بالتوبة، وهذا حديث متفق على صحته.
وعن عائشة ﵂ قالت: (ما رأيت أحداً أشبه سمتاً ودلاً وهدياً برسول الله ﷺ من فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، وكانت إذا دخلت على النبي ﷺ قام إليها فقبلها، وأجلسها في مجلسه، وكان النبي ﷺ إذا دخل عليها قامت من مجلسها فقبلته، وأجلسته في مجلسها) رواه أبو داود والترمذي والنسائي، وحسنه الترمذي، يقول النووي: وهذا الحديث من أصرح الأدلة في المسألة.
وروى النووي ﵀ حديثاً مثل حديث عائشة، وهو: أن عمر بن السائب حدثه أنه بلغه: (أن رسول الله ﷺ كان جالساً يوماً، فأقبل أبوه من الرضاعة، فوضع له بعض ثوبه فقعد عليه، ثم أقبلت أمه -يعني: من الرضاعة- فوضع لها شق ثوبه من الجانب الآخر فجلست عليه، ثم أقبل أخوه من الرضاعة، فقام رسول الله ﷺ فأجلسه بين يديه)، وهذا الحديث ضعيف.
وروى النووي أيضاً بسنده عن ابن شهاب: أن أم حكيم بنت الحارث بن هشام كانت تحت عكرمة بن أبي جهل، فأسلمت يوم الفتح بمكة، وهرب زوجها من الإسلام حتى قدم اليمن، فارتحلت أم حكيم حتى قدمت عليه باليمن، فدعته إلى الإسلام، فأسلم، فقدم على رسول الله ﷺ ، فلما رآه رسول الله ﷺ وثب إليه فرحاً وما عليه رداء حتى بايعه، هكذا رواه الإمام مالك مرسلاً، وهذا والحديث الذي قبله وإن كانا مرسلين يصح الاحتجاج بهما في هذه المسألة؛ وذلك لأن أكثر الفقهاء قالوا بجواز الاحتجاج بالمرسل، وقال الشافعي وأكثر أهل الحديث: لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد.
ومذهب الشافعية هو التساهل في الأخذ بالحديث المرسل، لاسيما إذا كان عن كبار التابعين، وقال الشافعي ﵀ كلاماً حاصله: إذا روي المرسل مسنداً أو مرسلاً من طريق أخرى، وقال به بعض الصحابة أو عوام أهل العلم؛ جاز الاحتجاج به.
وقوله: عوام أهل العلم ليس المقصود عوام الناس؛ فالعامي مأخوذ من العمى، وهو الذي يقوده غيره، لكن المقصود بعوام أهل العلم: عامة أهل العلم.
قال النووي: وقد وجد في هذا الحديث ما يجوز الاحتجاج به، وهو ما قدمناه من الشواهد له، وما سنذكره بعده من أقوال العلماء.
والله أعلم.
وأيضاًَ ذكر الحديث الذي رواه أبو داود عن أبي هريرة ﵁: (كان النبي ﷺ يحدثنا فإذا قام قمنا قياماً حتى نراه قد دخل بعض بيوت أزواجه)، وهذا الحديث إن صح، ليس له تعلق كبير بالمسالة، فكلامنا على القيام للقادم، أما كون جماعة من الناس يجلسون، وبعدما فرغوا قاموا، فليس في هذه المسألة، إلا أن يقال: إنهم قاموا إكراماً له ﵊، يقول الإمام النووي: إسناد هذا الحديث إسنادٌ صحيح، ورواته كلهم مشهورون بالعدالة، إلا هلالاً فإنه ليس بمشهور.
وروى أيضاً عن أبي هشام الرفاعي قال: قام وكيع لـ سفيان، فأنكر عليه قيامه، فقال: أتنكر عليّ قيامي وأنت حدثتني عن عمرو بن دينار عن ابن عباس رضي الله تعالى عنها قال: قال رسول الله ﷺ : (إن من إجلال الله تعالى إجلال ذي الشيبة المسلم) يعني إن من تعظيم الله أن تعظم المسلم الذي شاب في الإسلام، فأخذ سفيان بيده، فأجلسه إلى جانبه.
وعن محمد بن الصلت قال: كنت عند بشر بن الحارث -يعني: الحافي الزاهد ﵁ فجاءه رجل فسلم عليه، فقام إليه بشر، فقمت لقيامه، فمنعني من القيام، فلما خرج الرجل قال لي بشر: يا بني! تدري لما منعتك من القيام له؟ قلت له: لا، قال: لأنه لم يكن بينك وبينه معرفة، وكان قيامك لقيامي، فأردت ألا يكون لك حركة إلا لله خالصة.
وعن أبي أحمد بن عدي الحافظ عن عبد المؤمن بن أحمد بن حوثرة قال: كان أبو زرعة الرازي رحمه الله تعالى لا يقوم لأحد، ولا يجلس أحداً مكانه إلا ابن وارة، فإني رأيته يفعل ذلك معه.
يعني: لمكانته في الإمامة والعلم.
وقال الإمام أبو عبد الرحمن السلمي في كتابه (آداب الصحبة): ويقوم لإخوانه إذا أبصرهم مقبلين، ولا يقعد إلا بقعودهم، وأنشد: فلما بصرنا به مقبلا حللنا الحبى وابتدرنا القياما فلا تنكرن قيامي له فإن الكريم يجل الكراما وروى الحافظ أبو موسى بإسناده عن الإمام أبي سعيد النقاش قال: النبلاء من الرجال والعلماء يكرهون قيام الرجل لهم؛ لكراهة رسول الله ﷺ ، وهو مباحٌ لبعض الناس أن يقوم للناس.
ثم قال النووي: هذا ما تيسر ناجزاً من الأحاديث وأقوال الأئمة في الترخيص في القيام، وحاصله: أنه ثبت ذلك من فعل رسول الله ﷺ بنفسه الكريمة، وبأمره بذلك الأنصار، وبتقريره حين فُعل بحضرته، ومن فعل جماعة من الصحابة والسلف رضي الله تعالى عنهم في مواطن وجهات مختلفة، وفعل أئمة الناس في الحديث والفقه والزهد في أعصارهم.
стр. 1438
آداب التخلي [١]
لقد نظم الإسلام كل شئون المسلم العامة والخاصة، بل نظم أخص المسائل وأدقها بالنسبة للمسلم، فقد وضع أحكاماً وآداباً للاستنجاء وقضاء الحاجة، وبيَّن ما يكره وما يستحب في هذه المسألة، وهذا دليل على شمولية هذا الدين وعمومه.
стр. 1439
مقدمة بين يدي باب الاستنجاء وآداب التخلي
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل على محمد النبي الأمي وأزواجه أمهات المؤمنين وذريته وأهل بيته، كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
دين الإسلام هو دين حياتي، يتعامل مع الحياة، وينظم كل شئون المسلم، حتى في الأمور التي هي أصلاً من العادات، فالشرع تعرض لها بأمر أو نهي، وبذلك تنتقل من العادة المحضة إلى العبادة، بحيث يصير هذا المأمور به أو المنهي عنه حداً من حدود الله ﵎.
فينبغي أن يتعبد المسلم بطاعة ربه والاقتداء بنبيه ﵌ فيما شرع من هذه الأشياء، وقد تعجب بعض أهل الكتاب من هذه الطبيعة للإسلام، فقال بعضهم لأحد الصحابة ﵃: لقد علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة! يعني: قضاء الحاجة.
ويقول بعض الصحابة رضي الله ﵎ عنهم: (ما ترك رسول الله ﷺ أمراً إلا ذكر لنا منه علماً، ولا طائراً يطير بجناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علماً)، فصلى الله عليه وآله وسلم.
فهذا هو الإسلام وهذا الدين إذا نظرت إليه من أي زاوية من الزوايا قلت: إنه لا يمكن إلا أن يكون من عند الله ، وإنه الدين الحق، وشريعته الخالدة، وكلمة الله التي لا تبديل لها.
إذا نظرت إلى الإسلام من جانب العقيدة تجد التوحيد الذي فيه تطهير القلب وتنظيفه من نجاسة الشرك، ومن كل الأخلاق الرديئة والعقائد الفاسدة، وفيه تزكية للنفس بالعقائد الصالحة، وهكذا إذا نظرت إليه من جانب العبادات أو المعاملات أو العادات.
ولننظر في باب: الاستنجاء وآداب التخلي، الذي هو من الأمور الشخصية المحضة، فإن الإسلام جعل فيه تشريعاً وأمراً ونهياً وآداباً وحدوداً لله حدها، ويجب على كل مسلم أن يتعلمها؛ كي يلتزم بها، وهذه آية من آيات تنظيم الإسلام لأدق شئون الإنسان، فما من الناس إلا وهو يحتاج إلى هذا الآداب حتى يكون متبعاً لكتاب الله ومقتدياً برسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.
والاقتداء بالنبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم لا يكون فقط في الواجبات أو المأمورات، وليس فقط أيضاً في الآداب الشرعية، وإنما أيضاً في العادات المحضة، قال الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى في كتابه الأربعين: اعلم أن مفتاح السعادة في اتباع السنة والاقتداء برسول الله ﷺ في جميع مصادره وموارده وحركاته وسكناته، حتى في هيئة أكله وقيامه ونومه وكلامه، ولست أقول ذلك في آدابه فقط، بل في جميع أمور العادات، فبه يحصل الاتباع المطلق، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١] وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧].
ثم يقول: فلا ينبغي التساهل في امتثال ذلك، فتقول: هذا مما يتعلق بالعادات فلا معنى للاتباع فيه، فإن ذلك يغلق عليك باباً عظيماً من أبواب السعادة.
وهذا في العادات المحضة فكيف بالآداب؟! بل كيف بالأوامر والنواهي التي فيها حلال وحرام ومستحب ومكروه وواجب؟!
стр. 1440
تعريف الاستنجاء والاستجمار والاستطابة
نبدأ بتوفيق الله في ذكر بعض مسائل الاستنجاء وآداب التخلي، ونحاول أن نلتزم بالخطة الأصلية التي وضعها صاحب الكتاب الذي نشرحه وهو كتاب (منار السبيل بشرح الدليل).
قال المؤلف ﵀: [باب الاستنجاء وآداب التخلي.
الاستنجاء: هو إزالة ما خرج من السبيلين بماء طهور أو حجر طاهر مباح منقٍ، فالإنقاء بالحجر ونحوه أن يبقى أثر لا يزيله إلا الماء، ولا يجزئ أقل من ثلاث مسحات تعم كل مسحة المحل، والإنقاء بالماء عود خشونة المحل كما كان وظنه كافياً.
ويسن الاستنجاء بالحجر ونحوه، ثم بالماء، فإن عكس كره، ويجزئ أحدهما، والماء أفضل.
ويكره استقبال القبلة واستدبارها في الاستنجاء.
ويحرم بروث وعظم وطعام ولو لبهيمة، فإن فعل لم يجزه بعد ذلك إلا الماء، كما لو تعدى الخارج موضع العادة.
ويجب الاستنجاء لكل خارج إلا الطاهر والنجس الذي لم يلوث المحل].
هذا هو الفصل الأول من هذا الباب، فيبدأ بذكر تعريف الاستنجاء.
الاستطابة والاستنجاء والاستجمار هي كلمات تدل على إزالة الخارج من السبيلين، والاستطابة والاستنجاء يكونان بالماء وبالأحجار، أما الاستجمار فيختص بالأحجار.
فالاستطابة هي: الاستنجاء بالماء أو بالأحجار، يقال: استطاب وأطاب إذا استنجى، سمي استطابة؛ لأنه يطيب جسده بإزالة الخبث عنه.
أما الاستنجاء فهو استفعال من نجوت الشجرة يعني: قطعتها، فكأنه بهذا التطهير قطع الأذى عنه؛ فلذلك سمي استنجاء.
أما ابن قتيبة: الاستنجاء مأخوذ من النجوة، والنجوة: هي ما ارتفع من الأرض؛ لأن من أراد قضاء الحاجة بحث عن شيء مستتر من الأرض فاستتر به فمنه سمي الاستنجاء.
أما الاستجمار فهو استفعال من الجمار، وهي الحجارة الصغيرة؛ وذلك لأنه يستعملها الإنسان في استجماره.
стр. 1441
حكم الاستنجاء من الريح والنوم
مسألة: ليس على من نام أو خرجت منه ريح استنجاء.
يقول الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: ولا نعلم في هذا خلافاً، قال الإمام أحمد: ليس في الريح استنجاء في كتاب الله ولا في سنة رسول الله ﷺ إنما عليه الوضوء، يقول: وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: (من استنجى من الريح فليس منا) عزاه في المغني إلى الطبراني في معجمه الصغير، لكن قال الألباني في إرواء الغليل حديث رقم (٤٥): حديث ضعيف جداً، وعزوه للمعجم الصغير وهم.
إذاً: الاستنجاء من الريح ليس من الدين، بل هو بدعة.
وعن زيد بن أسلم في قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة:٦] قال: إذا قمتم من النوم.
يعني: إذا قمتم من النوم وأردتم الصلاة فاغسلوا وجوهكم، لم يأمر الشرع بالاستنجاء من الريح والنوم، ولم يأت نص بذلك، وليس هذا في معنى المنصوص عليه حتى يقاس عليه؛ لأن الاستنجاء إنما شرع لإزالة النجاسة ولا نجاسة هنا؛ لأن النوم في حد ذاته لا يوجد به نجاسة حتى يزيلها، وكذلك إخراج الريح لا يستلزم الاستنجاء.
يقول الإمام النووي رحمه الله تعالى في المجموع: وأجمع العلماء على أنه لا يجب الاستنجاء من الريح.
إذاً: الدليل هنا هو الإجماع وليس الحديث الضعيف، فقد أجمع العلماء على أنه لا يجب الاستنجاء من الريح والنوم ولمس النساء والذكر، وحكي عن الشيعة أنه يجب، والشيعة لا يعتد بخلافهم، وخلافهم لا يقدح في صحة الإجماع.
قال الشيخ نصر في الانتخاب: إن استنجى لشيء من هذا فهو بدعة.
وقال الجرجاني: يكره الاستنجاء من الريح، والله أعلم.
стр. 1442
شروط ما يصلح الاستنجاء به
ذكر العلماء شروطاً في الشيء الذي يصلح أن يستنجى به، وقد ذكر المؤلف ﵀ حداً مختصراًَ جداً لهذا الأمر فقال: (الاستنجاء هو إزالة ما خرج من السبيلين بماء طهور أو حجر طاهر مباح منقٍ).
أي: فإذا استعمل ماء في إزالة النجاسة فيتعين أن يكون هذا الماء ماءًَ مطلقاًَ، فلا يصح ولا يجوز إزالة النجاسة بمائع غير الماء المطلق.
قوله: (أو حجر طاهر) فيه احتراز من الحجر النجس، ثم قال: (مباح منق) وسنذكر التفصيل إن شاء الله.
стр. 1443
الشرط الرابع: عدم جواز الاستنجاء بما له حرمة أو متصل بحيوان
يشترط فيما يستنجى به: ألا تكون له حرمة، وهذه من المصائب والبلايا التي لا يلتفت لها كثير من الناس.
يقول الإمام ابن قدامة ﵀ ﵎: ولا يجوز الاستنجاء بما له حرمة، كشيء كتب فيه فقه أو حديث رسول الله ﷺ ؛ لما فيه من هتك الشريعة والاستخفاف بحرمتها، فهو في الحرمة أعظم من الروث والرمة، ولا يجوز بمتصل بحيوان كَيَدِهِ وعقبه وذنب بهيمة وصوفها المتصل بها.
قال بعض أصحابنا: يجمع المستجمر به ست خصال: أن يكون طاهراً جامداً منقياً غير مطعوم ولا حرمة له ولا متصل بحيوان.
يقول ابن قدامة ﵀: أما الطعام فتحريمه من طريق التنبيه؛ لأن النبي ﷺ نهى عن الروث والرمة في حديث ابن مسعود، لكونه زاد إخواننا من الجن، فزادنا مع عظم حرمته أولى.
وهذا تنبيه إلى أنه لا يستنجي الإنسان بما هو زاد إخوانه الآدميين من الفواكه أو الخبز أو أي شيء مما يؤكل، لأنه إذا كان النبي ﷺ نهى عن الاستنجاء بالعظام؛ لأنها زاد إخواننا من الجن، فزادنا مع عظم حرمته أولى ألا يستنجى به.
يقول الإمام النووي رحمه الله تعالى في المجموع: فرع: قال أصحابنا: ومن الأشياء المحترمة التي يحرم الاستنجاء بها: الكتب التي فيها شيء من علوم الشرع، فإن استنجى بشيء منها عالماً أثم، وفي سقوط الفرض الوجهان، والصحيح لا يجزئه، فعلى هذا تجزئه الأحجار بعده، ولو استنجى بشيء من أوراق المصحف -والعياذ بالله- عالماً صار كافراً مرتداً، نقله القاضي حسين والروياني وغيرهما والله أعلم.
مسألة: يقول النووي: إذا استنجى بمائع غير الماء لم يصح.
يعني: كأن يستنجي بخل أو بأي سائل غير الماء لم يصح.
ثم يقول: ويجب عليه أن يستنجي بعده بالماء، ولا يجزئه الأحجار بلا خلاف في هذه الحالة.
وذلك لأن المائع من خل أو ماء ورد أو أي شيء من السوائل غير الماء إذا لاقى النجاسة فإنه ينجس بذلك، فتزيد النجاسة على النجاسة، ولا ينقي ذلك إلا الماء.
هذا ما يتعلق بشروط ما يستنجى به.
стр. 1444
الشرط الثالث: الاستنجاء بالطاهر لا النجس
يشترط العلماء فيما يستنجى به: أن يكون طاهراً، فإن كان نجساً لم يجزئ الاستنجاء به، فإن أزال النجاسة بشيء نجس لم يجزئ، وبهذا قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: يجزئه؛ لأنه يجفف كالطاهر.
يقول ابن قدامة: ولنا: (أن ابن مسعود ﵁ جاء إلى النبي ﷺ بحجرين وروثة يستجمر بها، فأخذ الحجرين وألقى الروثة وقال: هذه ركس) رواه البخاري، وفي لفظ الترمذي: (قال: إنها ركس) يعني: نجسة.
فهذا تعليم من النبي ﷺ يجب المصير إليه، فعلل رفضه لاستعمال هذه الروثة بأنها نجسة، فيفهم من ذلك أن ما كان نجساً لا يجوز الاستجمار به.
أيضاً: عملية الاستجمار أو الاستنجاء أو الاستطابة هي عبارة لإزالة النجاسة، فكيف تحصل إزالة النجاسة بالنجاسة؟! وهذا مثل أن يغسل إنسان ثوباً متنجساً بالبول! فإن استنجى بنجس لم يجزئه الاستجمار بعده؛ لأن المحل تنجس بنجاسة من غير المخرج، فلم يجزئ فيها غير الماء كما لو تنجس ابتداءً، ويحتمل أن يجزئه؛ لأن هذه النجاسة تابعة لنجاسة المحل فزالت بزوالها، وهذه المسألة فيها خلاف كما ذكر الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى.
وهذه المسألة ذكرها الإمام النووي ﵀ فقال: ذكرنا أنه لا يجوز الاستنجاء بنجس، هذا مذهبنا ومذهب جمهور العلماء، وجوزه أبو حنيفة وغيره.
أي: جوز أبو حنيفة إزالة النجاسة بالروث.
ثم يقول النووي: ودليلنا حديث أبي هريرة ﵁ قال: (اتبعت النبي ﷺ حين خرج لحاجته فقال: أبغني أحجاراً أستنفض بها، ولا تأتني بعظم ولا روث) رواه البخاري.
وعن أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: (وليستنج بثلاثة أحجار، ونهى عن الروث والرمة) والرِّمة: هي العظم البالي، والرُّمة هي الحبل، وبه سمي الشاعر ذو الرمة.
وعن ابن مسعود ﵁، أن النبي ﷺ : (فأخذ الحجرين وألقى الروثة وقال: إنها ركس).
وعن سلمان قال: (نهانا رسول الله ﷺ عن الروث والعظام) رواه مسلم.
وعن جابر ﵁ قال: (نهى رسول الله صلى الله وسلم أن يتمسح بعظم أو بعر) رواه مسلم.
وعن أبي هريرة ﵁: (نهى النبي ﷺ أن يستنجى بعظم أو روث وقال: إنهما لا يطهران) رواه الدارقطني وقال: إسناده صحيح.
وحديث رويفع بن ثابت من الأحاديث الصريحة جداً في هذه المسألة قال: قال لي رسول الله ﷺ : (يا رويفع! لعل الحياة ستطول بك بعدي فأخبر الناس أن من عقد لحيته أو تقلد وتراً أو استنجى برجيع دابة أو عظم؛ فإن محمداً منه بريء) رواه أبو داود والنسائي، وقال الإمام النووي: هذا حديث إسناده جيد.
وهنا مسألة ذكرها الماوردي قال: لو أحُرق عظم طاهر بالنار حتى تفحم وتغير حاله فهل يجوز الاستنجاء به؟
الجواب
عند الشافعية في هذه المسألة وجهان: أحدهما: يجوز الاستنجاء به؛ لأن النار أحالته وحولت طبيعته.
الثاني: لا يجوز لعموم حديث النهي عن الرِّمة، والرِّمة هي العظم البالي، ولا فرق بين البالي بنار أو بمرور الزمان، وهذا الوجه الثاني صححه الإمام النووي رحمه الله تعالى.
стр. 1445
الشرط الثاني: الاستنجاء بشيء منق قالع للنجاسة
لابد أن يكون ما يستجمر به منقياً؛ لأن الإنقاء مشترط في الاستجمار، أما الزجاج والفحم الرخو وشبههما مما لا ينقي فلا يجزئ ولا يجوز الاستنجاء بهما، ولو كان جسماً صلباً؛ لأنه لا ينقي.
روي عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: (قدم وفد الجن على النبي ﷺ فقالوا: يا محمد! انه أمتك أن يستنجوا بعظم أو روثة أو حممة -الحممة هي الفحم-؛ فإن الله جعل لنا فيها رزقاً، فنهى النبي ﷺ عن ذلك) رواه أبو داود والدارقطني والبيهقي وضعفه الدارقطني والبيهقي.
إذاً: فشرط الشيء الذي يستنجى به أن يكون قالعاً لعين النجاسة، ولا يشترط أن يزيل الأثر بالماء فقط.
ربما يقول بعض الناس: كيف نفصل في مثل هذه الأشياء ونحن الآن نعيش في المدن والأمور ميسرة إلى حد بعيد ولسنا بحاجة إلى ذلك؟! نقول: قال بعض السلف: تعلم العلم فإنك لا تدري متى تحتاج إليه.
إذاً: فشرط الشيء المستنجى به أن يكون قالعاً لعين النجاسة، فالزجاج أو القصب الأملس أو ما يشبههما لا يجزئ كما قال الإمام النووي.
أما الفحم إن كان صلباً لا يتفتت أجزأ الاستنجاء به، وإن كان رخواً يتفتت لم يجزئ؛ لأن حديث النهي عن الاستنجاء بالحممة ضعيف، فبالتالي لا يصح الاستدلال به.
ومن استنجى بزجاج ونحوه لزمه الاستنجاء ثانياً؛ لأن الزجاج لا يقلع عين النجاسة، إنما يستنجي بالحجر أو ما في معناه.
فإن استنجى بالزجاج ونحوه، فتعدت النجاسة محلها؛ فحينئذٍ يتعين عليه استعمال الماء، أما إذا لم تتعد النجاسة المحل فتكفيه الأحجار.
стр. 1446
الشرط الأول: الاستنجاء بالأحجار وما في معناها
يقول الشارح ﵀: [والاستجمار بالخشب والخرق وما في معناهما مما ينقي جائز في قول الأكثر].
قوله: (وما في معناهما) أي: ما يشبه الحجر؛ وذلك بأن يكون منقياً مطهراً.
قال: [وفي حديث سلمان عند مسلم: (نهانا أن نستنجي برجيع أو عظم)].
الرجيع هو الروث، ولا يجوز الاستنجاء به لكونه نجساً، وأما العظم فلأنه زاد إخواننا من الجن.
قال: [فتخصيصها بالنهي يدل على أنه أراد الحجارة أو ما قام مقامها].
أي: لأنه خص من الأجسام الصلبة الرجيع أو العظم.
قال المؤلف: (فالإنقاء بالحجر ونحوه أن يبقى أثر لا يزيله إلا الماء) أي: الاستنجاء بالأحجار لا تزيل العين والأثر، إنما تزيل العين فقط وتبقي أثراً معفواً عنه؛ لعموم البلوى به، ولمشقة الاحتراز منه.
وإذا استجمر أحد بالأحجار مع وجود الماء فلا بأس، وإن كانت الأحجار تزيل العين ويبقى الأثر، فإذا توضأ بعد ذلك فوضوءه وطهارته صحيحة.
قال في الشرح: [إن الإنقاء بالحجر ونحوه أن يبقى أثر لا يزيله إلا الماء.
بأن تزول النجاسة وبلتها، فيخرج آخرها نقياً لا أثر به] يعني: يخرج آخر الأحجار نقياً لا أثر به.
أما ما ذكر العلماء في شرط ما يستنجى به فيقول الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى في المغني: والخشب والخرق وكل ما أنقي به فهو كالأحجار، هذا الصحيح من المذهب -الحنبلي-، وهو قول أكثر أهل العلم، وفي الرواية الأخرى: لا يجزئ إلا الأحجار، اختارها أبو بكر، وهو مذهب داود؛ لأن النبي ﷺ أمر بالأحجار، وأمره بالأحجار يقتضي الوجوب، فقالوا: لابد من الأحجار، لكن الصحيح من مذهب داود أنه يجزئ الاستنجاء والاستجمار بالأحجار أو ما قام مقامها.
إذاً: قول النبي ﷺ : (وليستنج بثلاثة أحجار) أخذ منه بعض الأئمة -ومنهم داود بن علي - عدم جواز الاستجمار بغير الأحجار؛ لأن الرسول ﷺ أمر بالاستنجاء بالأحجار، فحينئذٍ يجب أن يقتصر على الأحجار، والأمر يقتضي الوجوب، ولأن هذا فيه رخصة، والرخصة أتت بصورة مخصوصة، فيجب الاقتصار عليها فقط كما يقتصر على التراب في التيمم.
وأجاب العلماء عن ذلك فقالوا: قول النبي ﵌: (وليستنج بثلاثة أحجار) وشبهه من الأحاديث، إنما نص على الأحجار؛ لأن الأحجار هي غالب الموجود للمستنجي بالفضاء، ولأن أسهل شيء يستطيع أن يحصل عليه في ذلك المكان هو هذه الأحجار، فإنه لا مشقة فيها ولا كلفة في تحصيلها، فالنص على الأحجار إنما خرج مخرج الغالب، وهذا مثل قول الله ﵎: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ﴾ [الأنعام:١٥١] فهذا القيد لا مفهوم له، فهل يجوز أن يستدل بهذه الآية على أنه يجوز قتل الأولاد لسبب آخر غير الإملاق الذي هو الفقر؟! لا يجوز، لكن لما كان السبب الغالب الذي كان يدعو بعض العرب في الجاهلية إلى قتل الأولاد هو الفقر نص عليه.
كذلك أيضاً قوله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران:١٣٠] فغالب الربا يكون أضعافاً مضاعفة، فلذلك نص عليه، فهل يصح أن يستدل بهذه الآية -كما فعل بعض الذين في قلوبهم مرض- على جواز الربا إذا لم يكن أضعافاً مضاعفة؟! كلا.
وكذلك قوله ﵎: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء:١٠١] هل هذا فقط في حالة الخوف أم أن هذه رخصة عامة في أي سفر يقصر الإنسان فيه الصلاة؟ هي رخصة عامة، وقيد الخوف لا مفهوم له؛ لكونه خرج مخرج الغالب، وهكذا نص على الأحجار لهذه العلة.
استدل الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى على أن كل ما يشبه الأحجار ويقوم مقامها له حكمها في جواز الاستجمار به بقوله: ولنا ما روى أبو داود عن حذيفة قال: (سئل النبي ﷺ عن الاستطابة؟ فقال: بثلاثة أحجار ليس فيها رجيع) فلولا أنه أراد الحجر وما في معناه لم يستثن منها الرجيع، ولم يكن تخصيص الرجيع بالذكر له معنى.
وفي حديث سلمان ﵁ قال: (نهانا النبي ﷺ أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، وأن نستجمر برجيع أو عظم) رواه مسلم.
فتخصيص النهي بالرجيع -وهو الروث- والعظم يدل على أنه أراد الحجارة أو ما قام مقامها.
وروى طاوس عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا أتى أحدكم البراز فلينزه قبلة الله ولا يستقبلها ولا يستدبرها، وليستطب بثلاثة أحجار، أو ثلاثة أعواد، أو ثلاث حثيات من تراب) رواه الدارقطني.
وقد روي عن ابن عباس مرفوعاً والصحيح أنه مرسل، ورواه سعيد في سننه موقوفاً على طاوس.
يقول الإمام البيهقي: الصحيح أن هذا من كلام طاوس وليس من كلام النبي ﵌.
وأيضاً ذكر البيهقي أن نفس هذا الحديث روي عن سراقة بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ ، ولكنه ضعيف أيضاً.
قال البيهقي: وأصح ما روي في هذا ما رواه يسار بن نمير قال: (كان عمر ﵁ إذا بال قال: ناولني شيئاً أستنجي به، فأناوله العود والحجر، أو يأتي حائطاً يتمسح به أو يمسه الأرض ولم يكن يغسله) أي: يجزئ الحجر وما في معنى الحجر، لكن التراب الرخو ليس فيه معنى الحجر، ولا يقوم مقام الحجر المأمور به، لكن إذا كان تراباً مستحجراً متماسكاً متضاماً يشبه الحجارة، وأمكن الإزالة به والإنقاء؛ فيكون حكمه حكم الحجر، فإن كان رخواً لا تمكن الإزالة به لم يجزئ؛ لأنه يعلق بالمحل.
ثم قال الإمام ابن قدامة مبيناً صحة الاستنجاء بالأحجار أو ما في معناها: ولأنه متى ورد النص بشيء لمعنى معقول وجب تعديته إلى ما وجد فيه المعنى.
أي: متى ورد النص بشيء في معنى معقول نستطيع أن ندركه بأنفسنا وجب أن يتعدى هذا الحكم إلى ما وجد فيه نفس هذا المعنى، وهو ما يسمى بالقيد، والمعنى المعقول ها هنا أن تزال عين النجاسة، وهذا يحصل بغير الأحجار، وبهذا يخرج التيمم فلا يصح القياس على التيمم؛ لأن التيمم غير معقول المعنى، فإن التيمم رخصة غير معقولة المعنى.
стр. 1447
حكم الاكتفاء بالأحجار في الاستنجاء أو الماء
يقول الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: وهو مخير بين الاستنجاء بالماء أو الأحجار في قول أكثر أهل العلم.
أي: يجوز للإنسان أن يستنجي بالأحجار حتى مع وجود الماء، وهذا من الرخص ومن التيسير على عباد الله.
وحكى ابن المنذر عن سعد بن أبي وقاص وحذيفة وابن الزبير ﵃ أجمعين أنهم أنكروا الاستنجاء بالماء.
وذلك لأن الأصل في مجتمع الصحابة هو الاستنجاء بالأحجار.
وهذا يدل على شيوع الاستجمار بالأحجار في عهد السلف، فكان هؤلاء الصحابة لا يرون الاستنجاء بالماء.
وقال سعيد بن المسيب: وهل يفعل ذلك إلا النساء؟! وقال عطاء: غسل الدبر محدث.
وكان الحسن لا يستنجي بالماء.
وروي عن حذيفة القولين جميعاً.
وكان ابن عمر لا يستنجي بالماء ثم فعله، وقال لـ نافع: جربناه فوجدناه صالحاً.
وشرط أن يكون ما يستنجى به غير مطعومٍ هو في الأشياء الجامدة وليس في الماء؛ لأن الماء لا يدخل أصلاً في هذا الخلاف؛ لتواتر الأدلة الصحيحة على أن الشرع أجاز الاستنجاء بالماء، بل ثبت ذلك عن النبي ﷺ .
يقول الإمام الخطابي ﵀: زعم بعض المتأخرين أن الماء مطعوم؛ فلهذا كره الاستنجاء به سعد وموافقوه، وهذا قول باطل منابذ للأحاديث الصحيحة، والله أعلم.
وحكى القاضي أبو الطيب من الشافعية وغيره عن الزيدية والقاسمية -وهما من فرق الشيعة- أنه لا يجوز الاستنجاء بالأحجار مع وجود الماء.
إذاً: الزيدية والقاسمية من الشيعة قالوا: إذا كان الماء موجوداً فلا يجزئ إلا استعمال الماء، ولا يجوز العدول عن الماء إلى الاستنجاء بالأحجار مع وجوده؛ فاحذروا أن تكونوا مثل الشيعة دون أن تشعروا، فبعض الناس يستغرب هذا الحكم، ويقول: كيف يجوز أن أستعمل الأحجار مع وجود الماء؟! نعم يجوز.
стр. 1448
حكم الاقتصار على الأحجار مع وجود الماء للمقيم والمسافر
يقول الإمام النووي رحمه الله تعالى: ولا شك في جواز الاقتصار على الأحجار مع وجود الماء وعدمه.
يعني: يجوز استعمال الأحجار مطلقاً سواء كان الماء موجوداً أو معدوماً، وسواء كان الإنسان مقيماً أو مسافراً.
قال: وهذا مذهبنا وبه قال جماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم.
يقول الإمام الماوردي: فلو استنجى أولاً بالماء لم يستعمل الأحجار بعده؛ فإنه لا فائدة فيه.
وهذا واضح؛ لأن الماء يزيل العين والأثر.
стр. 1449
أدلة أفضلية الاستنجاء بالماء على الاستنجاء بالأحجار
من أراد الاقتصار في الاستنجاء على أحدهما الماء أو الأحجار أو ما قام مقامها فالماء أفضل؛ لهذه الأدلة التي سنذكرها: سبب ورود حديث ابن عباس: (اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل) أنه وضع للنبي ﷺ الماء عند الخلاء قريباً منه حتى يتناوله، فقال: (من وضع هذا؟ قالوا: ابن عباس) فدعا له هذه الدعوة المباركة، فهذا دليل على استعمال الماء.
وعن أنس قال: (كان النبي ﷺ يدخل الخلاء فأحمل أنا وغلام نحوي إداوة من ماء -أي: وعاء صغير من جلد- وعنزة -أي: عصاً مثل الرمح- فيستنجي بالماء).
وعن حديث عائشة قالت: (مرن أزواجكن أن يستطيبوا بالماء؛ فإني أستحييهم، وإن رسول الله ﷺ كان يفعله).
ومنها: حديث سبب نزول قوله تعالى: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ [التوبة:١٠٨] في أهل قباء؛ لأنهم كانوا يستنجون بالماء.
إذاً: من أراد الاقتصار على أحدهما فالماء أفضل؛ لأنه يطهر المحل، ويزيل العين والأثر، بخلاف الأحجار فإنها تزيل العين فقط وتبقي الأثر، فليس هناك شك أن الماء أبلغ في التنظيف، وأن اقتصر على الحجر أجزأه بغير خلاف بين أهل العلم حتى مع وجود الماء؛ لما ذكرنا من الأخبار، ولأنه إجماع الصحابة رضي الله ﵎ عنهم.
والأفضل أن يستجمر بالحجر ثم يتبعه الماء، أولاً بالحجر ثم يتبعه الماء، لكن إن كان لابد أن يستعمل واحداً من الاثنين فقط، فالماء أفضل.
قال أحمد: إن جمعهما فالماء أحب إليه؛ لأن عائشة قالت: (مرن أزواجكن أن يتبعوا الحجارة الماء من أثر الغائط والبول فإني أستحييهم؛ فإن النبي ﷺ كان يفعله)، ولأن الحجر يزيل عين النجاسة فلا تصيبها يده، ثم يأتي الماء فيطهر المحل، فيكون أبلغ في التنظيف وأحسن.
стр. 1450
حكم الإنقاء بما دون الثلاثة الأحجار
يقول الإمام الخرقي رحمه الله تعالى: فإن لم يعد مخرجهما -أي: إن خرج شيء من السبيلين ولم يتجاوز المخرج ولم ينتشر إلى غيره- أجزأه ثلاثة أحجار إذا أنقى بهن، فإن أنقى بدون الثلاثة لم يجزئه حتى يأتي بالعدد، وإن لم ينق بالثلاثة زاد حتى ينقي.
لكن يستحب أن يختم على وتر، وإذا لم يتجاوز المخرج بما لم تجر العادة به -فإن اليسير لا يمكن التحرز منه- فإنه يجزئه ثلاثة أحجار منقية.
ومعنى الإنقاء: إزالة عين النجاسة وبلتها بحيث يخرج الحجر نقياً وليس عليه أثر لاصق إلا شيئاً يسيراً لا يزيله إلا الماء.
إذاً: لابد من الإنقاء واستعمال ثلاثة أحجار حتى يصح الاستنجاء بالأحجار، وإذا لم يحصل الإنقاء فلابد أن يزيد في الأحجار حتى يحصل الإنقاء، وهذا مذهب الإمام أحمد والشافعي وإسحاق وأبو ثور.
وقال مالك وداود: الواجب الإنقاء دون العدد.
أي: لو حصل الإنقاء بواحدة أو باثنتين يجزئ.
وأيضاً قال بهذا أبو حنيفة ﵀ حيث أوجب الاستنجاء.
стр. 1451
أدلة من لا يشترط العدد في الاستنجاء بالأحجار
احتج أصحاب هذا القول بحديث أبي هريرة ﵁: (من استجمر فليوتر، من فعله فقد أحسن ومن لا فلا حرج) فالعلماء الذين قالوا: إن الواجب هو الإنقاء وليس العدد، اعتبروا الشرط الوحيد هو الإنقاء ولم يشترطوا العدد، وقالوا: إن المقصود هو الإنقاء؛ لأنه لو استنجى بالماء لم يشترط العدد فكذلك الحجر.
وقد رد على هذا من الشافعية القاضيان أبو الطيب وحسين بالقياس بعبادة تتعلق بالأحجار ويستوي فيها الثيب والأبكار، فكان العدد فيها معتبراً ألا وهي رمي الجمار، ورجم الزاني المحصن يستوي فيه الذكر والأنثى.
إذاً: اعتبار العدد في رمي الجمار بحيث لابد أن نستعمل سبع جمرات يوافق اعتبار العدد في الاستنجاء بالأحجار.
لكن الإمام النووي بعدما ذكر هذا، يقول: ولا حاجة إلى الأقيسة مع الأحاديث الصحيحة.
وقد ذكرنا أن مخالفي الجمهور في هذه المسألة احتجوا بالحديث الذي ذكرناه آنفاً عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: (من استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج) رواه الدارمي وأبو داود وابن ماجة وحسنه النووي.
وأيضاً قالوا: النجاسة لا تجب إزالة أثرها فكذا عينها كدم البراغيث؛ وقالوا: ولأنه لا تجب إزالتها بالماء فلم يجب غيره.
وقال المزني: ولأنا أجمعنا على جواز مسحها بالحجر فلم تجب إزالتها كالمني؛ لأن المني طاهر والبول نجس.
стр. 1452
الجواب عن أدلة من لا يوجب العدد في الاستنجاء بالأحجار
الجواب على من استدل بحديث أبي هريرة: (من استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج) أن معنى قوله: (ومن لا فلا حرج) أي: فلا حرج في ترك الإيتار؛ وهو محمول على الإيتار الزائد على ثلاثة أحجار؛ حتى نجمع بين هذا الحديث وبين الأحاديث الأخرى التي اشترطت الثلاثة الأحجار، فلو حصل الإنقاء بأقل من ثلاثة أحجار فلابد أن يجعلها ثلاثة أحجار.
والدليل على هذا المذهب الصحيح هو حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إنما أنا لكم مثل الوالد، فإذا ذهب أحدكم إلى الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها بغائط ولا بول، وليستنج بثلاثة أحجار).
فنجمع بين قوله: (وليستنج بثلاثة أحجار) وبين قوله: (من استجمر فليوتر) أي: فليوتر، ولا يوتر بأقل من ثلاثة أحجار.
ومن الأدلة حديث سلمان ﵁: (أن رجلاً قال لـ سلمان: إن نبيكم علمكم كل شيء حتى الخراءة -أي: آداب التخلي- فقال: أجل نهانا رسول الله ﷺ أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار) رواه مسلم في صحيحه.
أيضاً حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: (إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار يستطيب بهن فإنها تجزئ عنه) يقول النووي: هذا حديث صحيح رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة والدارقطني وقال: إسناده حسن صحيح.
واحتج أصحاب الشافعي بحديث ابن عباس ﵄: (أن النبي ﷺ مر بقبرين فقال: إنهما يعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستنزه من بوله)، وفي رواية: (لا يستبرئ من بوله) رواه البخاري ومسلم.
يقول الإمام النووي: في الاستدلال به نظر؛ لأن الدعوى هي أن من استنجى بأقل من ثلاثة أحجار داخل في هذا الحديث، وأنه لم يستبرئ من بوله، والدعوى يستدل لها ولا يستدل بها.
أيضاً من الأدلة قول ابن مسعود ﵁: (أتى النبي ﷺ الغائط، فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين والتمست الثالثة فلم أجد، فأخذت روثة فأتيته بها، فأخذ الحجرين وألقى الروثة وقال: إنها ركس) رواه البخاري هكذا.
وروى أحمد والدارقطني والبيهقي في بعض رواياته زيادة قال: (فألقى الروثة وقال: ائتني بحجر) يعني: ائتني بحجر ثالث.
وفي بعضها: (ألقاها -أي: الروثة- وقال: ائتني بغيرها).
ألقى الروثة وقال: (ائتني بغيرها).
وأيضاً حديث النبي ﵊: (من استجمر فليوتر) هذا متفق عليه، لكن هناك رواية لنفس هذا الحديث للإمام أحمد والبيهقي عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا استجمر أحدكم فليستجمر ثلاثاً) قال البيهقي: هذه الرواية تبين أن المراد بالإيتار في الرواية الأولى ما زاد على الواحدة، فما هو الوتر الذي يزيد عن الواحدة؟ إنه الثلاث، فيكون الإيتار بالثلاثة الأحجار واجباً، والإيتار بعد الثلاث يكون مستحباً.
стр. 1453
ذكر بعض آداب الاستجمار والاستنجاء
يقول الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: وإذا زاد على الثلاث استحب ألا يقطع إلا على وتر؛ لقوله ﷺ : (من استجمر فليوتر) فإن حصل الإنقاء بوتر لم تستحب الزيادة، لكن إذا حصل الإنقاء بشفع استحبت الزيادة فيستجمر بخمس أو سبع أو تسع أو ما زاد على ذلك، فإن اقتصر على وتر منقية فيما زاد على الثلاثة جاز؛ لقوله ﷺ : (ومن لا فلا حرج).
ويقول الإمام النووي رحمه الله تعالى: قال أصحابنا: لو أن إنساناً بال ومسح الموضع مرتين أو ثلاثاً، ثم خرجت قطرة وجب استئناف المسح أي: إذا حصل بعد المسح بالاثنين مرتين أو ثلاث خروج شيء جديد فإنه يعيد المسح من جديد ولا يبني على ما مضى.
ومن هذه الآداب ألا يستجمر بيمينه؛ لقول سلمان ﵁: (إنه لينهانا أن يستنجي أحدنا بيمينه) وسلمان صحابي معروف، وترجمته من التراجم المهمة جداً؛ لأنه أنموذج كامل للباحث عن الحق.
لو قرأتم قصة إسلامه لوجدتم كيف ينبغي لكل من سأل عن الإسلام أن يتحرى ويبذل الجهد حتى يصل إلى الحق، وأنه إذا أخلص في ذلك فإن الله يوفقه مهما كان أمامه من عقبات، وسلمان أصله فارسي من أصبهان، وهو مولى النبي ﷺ ، توفي بالمدائن سنة (٣٦هـ) وعمر سلمان عمراً طويلاً جداً، فالمتفق عليه بين المؤرخين أنه عاش مائتين وخمسين سنة، وقيل: ثلاثمائة وخمسين سنة رضي الله ﵎ عنه.
وعن أم المؤمنين عائشة ﵂ أنها قالت: (كانت يد رسول الله ﷺ اليمنى لطهوره وطعامه، وكانت يده اليسرى لخلائه وما كان من أذى) رواه أحمد وأبو داود بإسناد صححه النووي ﵀.
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (إنما أنا لكم بمنزلة الوالد -وقال فيه-: ولا يستطب بيمينه) فهذه من الآداب التي علمها ﵊ أصحابه.
وعن أبي قتادة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إذا أتى أحدكم الخلاء فلا يمس ذكره بيمينه، ولا يتمسح بيمينه) متفق عليه.
أي: إذا كان يستنجي من غائط أخذ الحجر بشماله فمسح به، وإن كان يستنجي من البول وكان الحجر كبيراً أخذ ذكره بشماله فمسح به.
مسألة: لو أن رجلاً استنجى بيمينه هل يجزئه ذلك؟ يجزئه، لكنه خالف الأدب الشرعي، يقول علماء الشافعية: يكره الاستنجاء باليمين كراهة تنزيه ولا يحرم.
قال إمام الحرمين: الاستنجاء باليمين مكروه غير محرم، قال: وحرمه أهل الظاهر.
وقال ابن الصباغ وآخرون: الاستنجاء باليسار أدب، وليس باليمين معصية.
وقال الشافعي كما حكاه المزني في مختصره: النهي عن اليمين أدب، لكن لو حصل ووقع أنه خالف فقد ارتكب مكروهاً كراهة تنزيهية، ولكن قد يصح الاستنجاء.
ومختصر المزني له مكانة عظيمة عند العلماء فقد قال فيه بعضهم: لم تراعيني ولم تسمع أذني أحسن نظماً من كتاب المزني.
يقول الإمام ابن قدامة: يبدأ الرجل في الاستنجاء بالقبل؛ لئلا تتلوث يده إذا شرع في الدبر، والمرأة مخيرة في البداية بأيهما شاءت.
والظاهر عدم التفريق، والله أعلم.
مسألة: لو أن رجلاً تغوط وقبل أن يستنجي قام، هل تجزئه الأحجار؟ لا تجزئه؛ لأنها تعدت المحل غير المعتاد، فلابد من استعمال الماء في هذه الحالة.
ومن الآداب الشرعية في هذا الباب: أنه إذا استنجى بالماء يستحب له أن يدلك يده بالتراب بعدما يفرغ.
يقول الإمام النووي ﵀: السنة أن يدلك يده بالأرض بعد غسل الدبر، ذكره البغوي والروياني وآخرون، كما في حديث ميمونة ﵂ قالت: (وضعت رسول الله ﷺ وضوءاً للجنابة، فأكفأ بيمينه على شماله مرتين أو ثلاثاًَ، ثم غسل فرجه، ثم ضرب بيده الأرض أو الحائط مرتين أو ثلاثاً) متفق عليه.
وفي رواية مسلم: (ثم أفرغ على فرجه وغسله بشماله، ثم ضرب بشماله الأرض فدلكها دلكاً شديداً)، وهذا في الغسل.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ إذا أتى الخلاء أتيته بماء فاستنجى، ثم مسح يده على الأرض، ثم أتيته بإناء آخر فتوضأ) وهذا حديث حسن.
وعن جرير بن عبد الله ﵁: (أن النبي ﷺ دخل الغيضة فقضى حاجته ثم استنجى من إداوة ومسح يده بالتراب) رواه النسائي وابن ماجة بإسناد جيد.
وهذا نوع من التنظيف ويجزئ عنه ما في معناه من الصابون أو غير ذلك.
الاستنجاء من البول يسمى انتقاص الماء، والانتقاص معناه: أن الإنسان إذا استبرأ من البول واستنجى بالماء؛ فإن ذلك يقطع نزول البول، فحينئذٍ يقال: إن الماء يقطع البول؛ ولذلك سمي الاستنجاء انتقاص الماء.
ويستحب بعد الفراغ من الاستنجاء بالماء أن ينضح على فرجه وسراويله؛ ليزيل الوسواس عنه؛ لأن هذا النضح يحدث بللاً، فإذا وجد البلل فإنه لا يفتح الباب للشيطان ليوسوس، وهذا باب خطير جداً إذا استرسل معه الإنسان، فحينما يتذكر أنه عمداً نضح سراويله بالماء فإنه يذهب عنه ذلك الوسواس.
يقول حنبل: سألت أحمد: أتوضأ وأستبرئ وأجد في نفسي أني قد أحدثت بعده؟ قال: إذا توضأت فاستبرئ، ثم خذ كفاً من ماء فرشه على فرجك ولا تلتفت إليه، فإنه يذهب إن شاء الله.
فالإنسان لا يتساهل في باب الوسواس؛ لأنه لو فتحه فسدت عليه عبادته.
روى النووي عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (جاءني جبريل فقال: يا محمد! إذا توضأت فانتضح) وهذا حديث غريب، لكن قد ثبت الانتضاح في حديث صحيح.
стр. 1454
حكم الاستنجاء من البول والغائط وكل خارج من السبيلين
مسألة: لو أن رجلاً قضى حاجته ثم توضأ ثم استجمر، ثم صلى فهل تصح طهارته؟ الطهارة صحيحة؛ لأنه إنما أخر الاستجمار، والشرط هو إزالة النجاسة من بدنه أو ثوبه، وهو قد أزالها، لكن يشترط ألا يمس العورة عند الاستجمار بالأحجار مثلاً.
يقول الإمام النووي ﵀: الاستنجاء واجب عندنا من البول والغائط، وكل خارج من أحد السبيلين نجس ملوث، وهو شرط في صحة الصلاة، وبه قال أحمد وإسحاق وداود وجمهور العلماء، ورواية عن مالك، وقال أبو حنيفة: هو سنة، وهو رواية عن مالك، وحكاه القاضي أبو الطيب وابن الصباغ والعبدري وغيرهم عن المزني، وجعل أبو حنيفة هذا أصلاً للنجاسات، فما كان منها قدر درهم بغلي عفي عنه.
إذاً: أبو حنيفة اعتبر هذا هو حد النجاسة، فإذا كانت النجاسة بقدر درهم بغلي عفي عنه، وإن زاد فلا، وكذا الحكم عنده في الاستنجاء إن زاد الخارج على درهم وجب وتعين الماء، ولا يجزئ عنده الاستنجاء بالحجر.
стр. 1455
آداب التخلي [٢]
من سنن دخول الخلاء: التسمية والتعوذ عند إرادة الدخول إلى الخلاء، وتقديم الرجل اليسرى، والاستغفار بعد الخروج من الخلاء.
ومن آداب التخلي الاعتماد على الرجل اليسرى حال الجلوس لقضاء الحاجة.
ويكره الذكر وقراءة القرآن حال قضاء الحاجة، وفي مكان قضاء الحاجة.
стр. 1456
آداب دخول الخلاء والخروج منه
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فالشرع الشريف شرع آداباً عند دخول الخلاء، يقول الإمام ابن النحاس ﵀: ذكر علماؤنا رحمة الله تعالى عليهم آداب التصرف في ذلك كله، وهي تزيد على سبعين خصلة، يحتاج من قام إلى قضاء حاجته أن يتأدب بها، وكلها مرتبطة بالاتباع، قال الله : ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١].
وهنا من مظاهر عظمة الإسلام، فالإسلام نظم كل حياة المسلم حتى أخص خصائصه وأدق الأمور في حياته نظمها له، ولله حدود في كل شيء ينبغي أن يراعيها العبد وآداب ينبغي له أن يتمسك بها.
ونذكر بعض آداب التخلي مجملة، ثم نفصل ما أجملناه منها: أن ينوي أداء واجب استفراغ ما في المحل مما يخرج، وكذلك إزالة الاحتقان؛ امتثالاً لهدي النبي ﵌ حيث يقول: (لا يصلين أحدكم وهو يدافع الأخبثين) وهذا نهي، فينوي أن يجتنب الأمر الذي نهى عنه النبي ﷺ .
وأيضاً قال ﷺ : (وما نهيتكم عنه فاجتنبوه) فينوي من قضاء الحاجة أنه يفعل ذلك حتى لا يصلي وهو يدافع الأخبثين؛ امتثالاً لما شرعه النبي ﵌، ثم يضم إلى ذلك نية امتثال السنن والآداب المشروعة في هذا الموقف.
ومن هذه الآداب أن يستتر عن الناس؛ لأنه ليس في كل الأحوال يتيسر بيت الخلاء في الصحراء مثلاً أو غيرها.
فإذا وجد الإنسان حائطاً أو كثيباً أو شجرة أو بعيراً استتر به، وإن لم يجد شيئاً أبعد حتى لا يراه أحد.
ويستحب له أن يستعد لذلك قبل الدخول، وذلك بأن يهيئ ما يستنجي به من الماء أو الأحجار قبل جلوسه.
وإذا دخل محل قضاء الحاجة قدم رجله اليسرى في الدخول وأخر اليمنى، وإذا خرج قدم اليمين وأخر الشمال.
أيضاً لا يجوز أن يستقبل القبلة ولا أن يستدبرها في الفضاء عند قضاء الحاجة، وأما إذا كان بينه وبين القبلة بنيان أو شيء يستره فلا بأس.
وقد تقدم أنه يجوز الاستنجاء بالحجر وبكل ما يقوم مقامه من كل جامد طاهر مزيل لعين النجاسة، وليس له حرمة ولا هو متصل بحيوان، ولا يجوز الاستنجاء بروث ولا عظم ولا طعام.
ويستجمر وتراً ولا يقل عن ثلاثة أحجار أو ما يقوم مقامها.
وذكرنا أنه يشترط في الاستنجاء شرطين: الأول: الإنقاء.
الثاني: العدد والإيتار بثلاثة أحجار.
وإذا أراد أن يستنجي فليغسل يده اليسرى قبل أن يباشر النجاسة؛ لئلا تعلق بها الرائحة.
ويبدأ الرجل في الاستنجاء بالقبل والمرأة مخيرة في ذلك.
وإذا استنجى بالماء ثم فرغ استحب له أن يدلك يده بالتراب، وهذا من باب النظافة.
ويستحب أن ينضح الماء على فرجه وسراويله ليزيل الوسواس عنه.
ومن الآداب: ألا يطيل القعود أكثر من قدر الحاجة بل يسارع في الخروج من ذلك المحل.
يقول الإمام أبو عبد الله القرشي رحمه الله تعالى: إذا أراد الله بعبد خيراً يسر عليه الطهارة.
وقال العلماء: من فقه الرجل قلة ولوعه بالماء.
ومن مفاتيح دراسة شخصية الإنسان أن يسأل عن سلوكه في هذا الباب؛ لأن الإنسان إذا ابتلي بالوسوسة فهذا شيء خطير جداً؛ لأنه إذا تمادى في هذا الأمر فقد يصل إلى أمور تشقيه وتكدر عليه حياته، فينبغي للإنسان أن يكون حذراً.
ونشرع الآن في ذكر أهم آداب التخلي بالتفصيل.
стр. 1457
الأدب العاشر: كراهة البول في الحجر والثقب ومكان الاستحمام
ومن الآداب: أنه يكره أن يبول المرء في شق أو ثقب، والثَقب بالفتح أفصح من أن تقول: ثُقب بالضم.
عن عبد الله بن سرجس ﵁ أن النبي ﷺ : (نهى أن يبال في الجحر أو نهى عن البول في الجحر) رواه أبو داود، وصححه الإمام النووي ﵀، وضعفه الألباني.
ووجه النهي أنه لا يأمن أن يكون في الجحر حيوان يلسعه ويؤذيه، أو أن يكون مسكناً للجن فيتأذى بهم، فقد حكي أن سعد بن عبادة بال في جحر بالشام، ثم استلقى ميتاً، فسُمِعَت الجن تقول: نحن قتلنا سيد الخزرج سعد بن عبادة ورميناه بسهمين فلم نخطئ فؤاده وهذا لا يصح؛ لأن المعروف أن سعد بن عبادة رضي الله تعالى عنه وجد ميتاً في مستحمه وقد اخضر جسده ﵁، ولم يصح أنه مات بهذه الحادثة.
أيضاً: لا يبول في مستحمه كما ذكرنا فإن عامة الوسواس منه؛ وذلك لحديث عبد الله بن مغفل ﵁ قال رسول الله ﷺ : (لا يبولن أحدكم في مستحمه) أي: لا يبول في الموضع الذي يستحم فيه.
стр. 1458
الأدب الحادي عشر: حرمة البول على القبر
أيضاً من الآداب: ألا يبول على القبر، وهذا حرام أو مكروه؛ لحديث عقبة بن عامر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ولا أبالي أوسط القبور قضيت حاجتي أو وسط السوق!!) يعني: كلاهما سواء في عدم الجواز أو هما في القبح سواء، فمن أتى بأحدهما فهو لا يبالي بأيهما بدأ.
стр. 1459
الأدب الثامن: الاستتار والابتعاد عن الناس حال قضاء الحاجة
من الآداب التي ذكرها العلماء: أن يستتر عن الناس، فإن وجد حائطاً أو كثيباً أو شجرة أو بعيراً استتر به، وإن لم يجد شيئاً أبعد حتى لا يراه أحد.
والدليل على ذلك حديث المغيرة بن شعبة ﵁ قال: (كنت مع النبي ﷺ في سفر فقال: يا مغيرة! خذ الإداوة فأخذتها، فانطلق رسول الله ﷺ حتى توارى عني فقضى حاجته) رواه البخاري ومسلم.
وعن جابر ﵁ (أن النبي ﷺ كان إذا أراد البراز انطلق حتى لا يراه أحد) وهذا الحديث فيه ضعف يسير.
يقول الإمام النووي رحمه الله تعالى: وهذان الأدبان متفق على استحبابهما، وجاء فيهما أحاديث كثيرة جمعتها في جامع السنة.
قال الرافعي وغيره: ويحصل هذا التستر بأن يكون في بناء مسقف أو محوط يمكن سقفه أو يجلس قريباً من جدار وشبهه، وليكن الساتر قريباً من آخرة الرحل، وليكن بينه وبينه ثلاثة أذرع فأقل، ولو أناخ راحلته وتستر بها أو جلس في وهدة أو نهر أو أرخى ذيله حصل هذا الغرض، والله أعلم.
يعني: لأن المقصود ستر العورة.
وعن عبد الله بن جعفر ﵄ قال: (كان أحب ما استتر به النبي ﷺ هدف أو حائش نخل) يعني: حائط نخل.
رواه مسلم في صحيحه.
стр. 1460
الأدب التاسع: عدم قضاء الحاجة في طريق الناس وظلهم وغيرهما
هناك أماكن معينة يجتنبها الإنسان عند قضاء الحاجة، يقول الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: ولا يجوز أن يبول في طريق الناس ولا مورد ماء ولا ظل ينتفع به الناس؛ لما روى معاذ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (اتقوا الملاعن الثلاث: البراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل) رواه أبو داود وابن ماجة والبيهقي بإسناد جيد.
قوله: (البراز) بالفتح أو الكسر.
قوله: (في الموارد) أي: موارد المياه؛ وبعض العلماء قالوا: المورد: هو الطريق.
وقال رسول الله ﷺ : (اتقوا اللاعنين -وفي بعض الروايات: اتقوا اللعانين- قالوا: وما اللعانان -أو وما اللاعنان- يا رسول الله؟! قال: الذي يتخلى في طريق الناس أو في ظلهم) أخرجه مسلم.
ومن الآداب: ألا يبول تحت شجرة مثمرة؛ لئلا تسقط الثمرة عليه فتتنجس، أما في حال عدم وجود الثمرة فلا بأس، فإن النبي ﷺ كان أحب ما استتر به لحاجته هدف أو حائش نخل.
ولا يبول في الماء الدائم، قليلاً كان الماء أو كثيراً؛ لأن النبي ﷺ : (نهى عن البول في الماء الراكد) متفق عليه، ولأن الماء إذا كان قليلاً تنجس به، وإن كان كثيراً فربما تغير بتكرار البول فيه، وأما الجاري فلا يجوز التغوط فيه؛ لأنه يؤذي من يمر به، وإن بال فيه فلا بأس؛ لأنه كثير لا يؤثر فيه البول؛ ولأن النبي ﷺ خصص النهي عن البول بالماء الراكد، فدل على أن الجاري بخلافه، والأولى اجتنابه.
أيضاً: لا يبول على ما نهي عن الاستجمار به كالعظم وسائر المطعومات، فقد نهينا عن الاستجمار بها، فمن باب أولى لا يجوز أن يبول عليها؛ لأن هذا أبلغ من الاستجمار بها، العظام لا يستجمر بها؛ لأنها زاد إخواننا من الجن، فمن باب أولى لا يبول عليها.
وقول النبي ﵌: (اتقوا الملاعن الثلاث) الملاعن: هي مواضع وأماكن اللعن، وهي جمع ملعنة، مثل مقبرة ومجزرة، فالمقبرة موضع القبر، والمجزرة موضع الجزر، وكذلك الملعنة موضع اللعن.
وفي رواية أخرى: (اتقوا اللعانين) والمقصود بهما صاحبا اللعن، يعني: اللذين يلعنهما الناس كثيراً.
وفي رواية أبي داود: (اللاعنان) أي: الأمران الجالبان للعن؛ لأن من فعلهما لعنه الناس في العادة، فلما صارا سبباً للعن أضيف الفعل إليهما.
قال الخطابي: وقد يكون اللاعن بمعنى الملعون، فالتقدير: العنوا الملعون فاعلهما.
قال الخطابي: وغيره الموارد هي طرق الماء، واحدها مورد.
قال: والمراد بالظل مستظل الناس الذي اتخذوه مقيلاً ومناخاً ينزلونه أو يقعدون تحته، وليس كل ظل يمنع قضاء الحاجة تحته؛ لأن النبي ﷺ قد قضى حاجته تحت حائش النخل كما ثبت ذلك في صحيح مسلم، وللحائش ظل بلا شك.
قوله: (البراز) قال الخطابي: وهو هنا بفتح الباء البراز، وهو الفضاء الواسع من الأرض، كنوا به عن قضاء الحاجة كما كنوا عنه بالخلاء، وأهل الحديث يروونه البراز بكسر الباء، قال الخطابي: وهو غلط.
ثم ذكر أن البراز بالكسر الغائط نفسه لا الفضاء.
وأما قارعة الطريق فهي أعلى الطريق، وقيل: صدر الطريق أو ما برز منه، والطريق تؤنث وتذكر تقول: هذا طريق أو هذه طريق.
إذاً: اتقاء الملاعن الثلاث متفق عليه، وقضاء الحاجة في هذه الملاعن مكروه كراهة تنزيه لا تحريم كما قال بعض العلماء، لكن صحح الإمام النووي أنه ينبغي أن يكون محرماً؛ لهذه الأحاديث، ولما فيه من إيذاء المسلمين، وفي كلام الخطابي وغيره إشارة إلى تحريمه.
стр. 1461
الأدب السابع: كراهة الكلام حال قضاء الحاجة
يقول ابن قدامة ﵀: ولا يتكلم لما روى أبو سعيد ﵁ حيث قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا يخرج الرجلان يضربان الغائط كاشفين عن عورتيهما يتحدثان؛ فإن الله يمقت على ذلك) رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجة وغيرهم، وحسنه النووي وصححه الحاكم وضعفه الألباني في تمام المنة.
قوله: (لا يخرج الرجلان يضربان) أي: يأتيان، تقول: ضربت الأرض إذا أتيت الخلاء، وتقول: ضربت في الأرض إذا سافرت، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ﴾ [النساء:١٠١].
علق الإمام النووي رحمه الله تعالى على ما ذكره الشيرازي في كراهة الكلام عند قضاء الحاجة فقال: هذا الذي ذكره المصنف من كراهة الكلام عند قضاء الحاجة متفق عليه.
قال أصحابنا: ويستوي في الكراهة جميع أنواع الكلام، ويستثنى مواضع الضرورة، بأن رأى ضريراً قد يقع في بئر، أو رأى حية أو غيرها تقصد إنساناً أو غيره من المحترمات، فلا كراهة في الكلام في هذه المواضع، بل يجب في أكثرها، فإن قيل: لا دلالة في الحديث المذكور على ما ادعاه المصنف؛ لأن الذم لمن جمع الأوصاف المذكورة في الحديث كلها، قلنا: ما كان بعض موجبات المقت فلا شك في كراهته.
والمراد حديث أبي سعيد عن النبي ﷺ أنه قال: (لا يخرج الرجلان يضربان الغائط) يعني: يأتيان الغائط: (كاشفين عن عورتيهما يتحدثان؛ فإن الله يمقت على ذلك) فبعض الناس بناء على صحة الحديث يقول: إن المقت من الله إنما هو على كشف العورة والكلام لا على الكلام فقط، فلا ينطبق الحديث إلا على من جمع بين هاتين الخصلتين: كشف العورة، والتحدث، ف
الجواب
ما كان بعض موجبات المقت فلا شك في كراهته.
стр. 1462
الأدب الثالث: كراهة استقبال الشمس والقمر عند قضاء الحاجة
ذكر العلماء في أحكام التخلي ومنهم الإمام ابن قدامة: أنه يكره للمرء أن يستقبل الشمس والقمر بفرجه؛ لما فيهما من نور الله تعالى، فإن استتر عنهما بشيء فلا بأس؛ لأنه لو استتر عن القبلة جاز فهاهنا أولى، ويكره أن يستقبل الريح؛ لئلا ترد عليه رُشاش البول فينجسه.
قوله: ويكره أن يستقبل الشمس والقمر بفرجه لما فيهما من نور الله تعالى، أخذوا هذا الحكم من حديث ضعيف، والكلام في استقبال القبلة لا ينبغي ربطه بمسألة استقبال الشمس والقمر، فلا يقال: لا يستقبل الشمس والقمر ولا يستدبر القبلة ولا يستقبلها؛ لأن هذا قد يكون فيه مشقة، ومما يوضح أن هذا الحكم غير صحيح معرفة الفرق بين استقبال القبلة وبين استقبال الشمس والقمر: الفرق الأول: أن دليل النهي عن استقبال القبلة عند التخلي صحيح مشهور، ودليل استقبال الشمس والقمر ضعيف بل باطل، ثم هذا النور مخلوق؛ لأنه انعكاس لضوء الشمس على سطح القمر.
والحكم بالاستحباب أو الكراهة يحتاج إلى دليل، ولا دليل في هذه المسألة.
الفرق الثاني: أنه يفرق في القبلة بين الصحراء والبنيان كما يأتي إن شاء الله، لكن لا فرق هنا.
الفرق الثالث: النهي في استقبال القبلة واستدبارها للتحريم، وهنا يقولون: إنه للتنزيه إذا صح الحديث، وهو لم يصح.
الفرق الرابع: أنه في القبلة يستوي الاستقبال والاستدبار، وهنا لا بأس بالاستدبار، وإنما كرهوا أن يستقبل الشمس والقمر.
стр. 1463
الأدب الرابع: استحباب الاعتماد على الرجل اليسرى حال الجلوس لقضاء الحاجة
يقول الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: يعتمد في حال جلوسه على رجله اليسرى؛ لما روى سراقة بن مالك قال: (أمرنا رسول الله ﷺ أن نتوكأ على اليسرى وأن ننصب اليمنى) رواه الطبراني في المعجم.
وهذا الحديث لم يصح عن النبي ﵌.
стр. 1464
الأدب الخامس: استحباب تغطية الرأس ولبس الحذاء حال قضاء الحاجة
يقول ابن قدامة: ويستحب أن يغطي رأسه، ويروى ذلك عن أبي بكر الصديق رضي الله ﵎ عنه، ولأنه حال كشف العورة.
قال: ويلبس حذاءه؛ لئلا تتنجس رجلاه.
стр. 1465
الأدب السادس: كراهة الذكر والقراءة حال قضاء الحاجة
يقول ابن قدامة: ولا يذكر الله تعالى على حاجته إلا بقلبه.
فإذا سمع المؤذن يؤذن فلا يردد الأذان بلسانه لكن بقلبه، وكره ذلك ابن عباس وعطاء وعكرمة.
وقال ابن سيرين والنخعي: لا بأس به؛ لأن الله تعالى ذكره محمود على كل حال.
وروى المهاجر بن قنفذ ﵁ قال: (أتيت النبي ﷺ وهو يبول فسلمت عليه، فلم يرد علي حتى توضأ، ثم اعتذر إلي فقال: إني كرهت أن أذكر الله تعالى إلا على طهر، أو قال: على طهارة) رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة وغيرهم بأسانيد صحيحة.
وفي رواية البيهقي: (فسلمت عليه وهو يتوضأ فلم يرد علي) والكراهة المذكورة في هذا الحديث بمعنى ترك الأولى، لا كراهة التنزيه.
يقول ابن المنذر: وترك الذكر أحب إلي ولا أؤثم من ذكر، يعني: لا يحرم الذكر في هذه الحالة باللسان، لكنه مكروه كراهة تنزيه.
يقول الإمام ابن قدامة ﵀: ولنا على هذه الكراهة أن النبي ﵌ لم يرد السلام في هذه الحال، فذكر الله أولى من السلام ألا يفعل، فإذا عطس حمد الله بقلبه ولم يتكلم.
وقال ابن عقيل: توجد رواية أخرى عن الإمام أحمد أنه يحمد الله بلسانه إذا عطس.
والأول أولى للحديث الآنف الذكر أنه ﵊ لم يرد السلام، مع أن رد السلام واجب، ففي هذه الحالة يمنع رد السلام مع وجوبه فكيف بما هو دونه مما ليس بواجب؟! وأيضاً لا يسلِّم الإنسان حال قضاء الحاجة ولا يرد على مسلِّم؛ لما روى ابن عمر: (أن رجلاً مر على النبي ﷺ وهو يبول فسلم فلم يرد ﵇ قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وفي رواية البيهقي: (فسلمت عليه وهو يتوضأ).
وقد ذكر الألباني في إرواء الغليل حديث ابن عمر: (مر رجل بالنبي ﷺ فسلم عليه وهو يبول فلم يرد عليه) فقال: أخرجه مسلم وغيره، وجاء في بعض الروايات: (فلم يرد عليه حتى توضأ، ثم اعتذر إليه فقال: إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهر، أو قال: على طهارة).
ثم قال الألباني في إرواء الغليل: هذه الزيادة فيها فائدتان: الأولى: أن ترك الرد لم يكن من أجل أنه كان على البول فقط كما ظن الترمذي حيث قال: وإنما يكره هذا عندنا إذا كان على الغائط والبول، كما فسر بعض أهل العلم ذلك.
ثم يقول: فهذه الزيادة تدل على أن الترك إنما كان من أجل أنه لم يكن على وضوء، فلازم هذا أنه لو سلم عليه بعد الفراغ من حاجته لم يرد عليه حتى يتوضأ، ويؤيده حديث أبي الجهم: (أقبل رسول الله ﷺ من نحو بئر جمل فلقيه رجل فسلم عليه فلم يرد رسول الله ﷺ حتى أقبل على الجدار فمسح وجهه ويديه ثم رد ﵇ متفق عليه.
ويفيد هذا الحديث استحباب ذكر الله على طهارة، وصحيح أنه ﷺ كان يذكر الله على كل أحواله، لكن يستحب ألا تذكر الله إلا على طهارة، فهذا من آداب الذكر المستحبة، والدليل أنه ﵊ لم يكن متوضئاً حين سُلم عليه ولم يستطع أن يتوضأ في هذه الحال؛ فعمد إلى الجدار وتيمم حتى يرد ﵇، وهذه إشارة واضحة إلى استحباب أن يكون الإنسان متطهراً إذا أراد أن يذكر الله ﵎، وأولى ثم أولى ثم أولى إذا أراد أن يمس أو يقرأ القرآن.
يقول الألباني: الفائدة الثانية من هذه الزيادة: كراهية قراءة القرآن من المحدث لاسيما المحدث حدثاً أكبر، فإنه كره ﷺ أن يرد السلام من الحدث الأصغر فبالأحرى أنه يكره قراءة القرآن منه فضلاً عن الجنب.
стр. 1466
الأدب الثاني: الاستغفار عند الخروج من الخلاء
صح عند الخروج أن تقول: (غفرانك)، وهذا الذي صح في هذا الباب فقط، وما عدا ذلك فلم يصح عن النبي ﵌.
قوله: (غفرانك) غفران مصدر، ونصب بمضمر تقديره: أسأل غفرانك.
قيل: وجه طلب الغفران في هذا المحل أنه استغفار عن الحالة التي اقتضت عدم ذكر الله مدة لبثه في الخلاء، فهو نظر إلى أن ذلك تقصير في حق الله، وإنما حال دون ذلك هذه الحالة التي لا يليق فيها ذكر الله باللسان، فلأجل ذلك استغفر لتوقف لسانه عن ذكر الله في هذه المدة، فقد كان ﷺ لا يترك ذكر الله بلسانه إلا عند قضاء الحاجة، فكأنه ﵊ رأى ذلك تقصيراً فتداركه بالاستغفار.
وقيل: وجه طلب الغفران أنه وجد القوة البشرية قاصرة عن الوفاء بشكر النعم التي أنعم الله بها عليه، وكأنه استحضر نعمة الله جل وعلا عليه في الطعام والشراب، وتسويغ هذا الطعام والشراب، وهضمه وامتصاصه، وغير ذلك من النعم الجليلة المتعلقة بالطعام إلى أوان تسهيل مخرجه، ولو شاء الله لحبسه عنه فتضرر بذلك ضرراً عظيماً، وربما هلك، فعلم أن شكره قاصر عن بلوغ حق تلك النعم الجليلة والعطايا الجزيلة والمعافاة الجميلة، ففزع إلى الاستغفار من تقصيره في شكر هذه النعم.
стр. 1467
الأدب الأول: التسمية والتعوذ عند دخول الخلاء
يقول عند دخوله: باسم الله، أعوذ بالله من الخبُث والخبائث، وقد جاء في بعض الروايات الجمع بين البسملة والاستعاذة بهذه الصيغة، وقيل: لا يصح الجمع بين البسملة والتعوذ في رواية واحدة، وأصح ما يستدل به على سنية التسمية في هذا الموضع هو حديث علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ستر ما بين أعين الجن وعورات بني آدم إذا دخل أحدهم الخلاء أن يقول: باسم الله).
ومعنى ذلك: أن كلمة (باسم الله) تكون حجاباً بين الجن وبين ابن آدم في هذه الحال، بحيث لا يرون عورة الإنسان، مع أن من شأن الجن كما قال : ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف:٢٧]، فهم يروننا ونحن لا نراهم إلا إذا قال المسلم: باسم الله، فإنه يحال بين الجن وبين رؤية الإنسان، وهذا فيه تقوية الحياء في نفس المسلم في هذا الموضع حتى عن أعين الجن.
وفي رواية أخرى: (ستر ما بين أعين الجن وعورات بني آدم إذا وضع أحدهم ثوبه أن يقول: باسم الله).
وقوله: (إذا وضع أحدهم ثوبه) أعم من حال التخلي.
قال بعض العلماء: في هذا الموضع تقدم البسملة على التعوذ، خلافاً للقاعدة المعروفة في الصلاة وفي القراءة حيث يقدم التعوذ على البسملة، فالتعوذ في قراءة القرآن إنما هو لأجل القراءة، فتقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم؛ لأن البسملة من القرآن، فقدم التعوذ عليها، بخلاف تقدم البسملة على التعوذ هنا، فيقول أولاًً: باسم الله، ثم يقول: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث.
قوله: (اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث) الخبُث: بضم الباء جمع الخبيث، والخبائث جمع الخبيثة، وكأنه ﵊ أراد بذلك ذكور الشياطين وإناثهم.
وقد صرح جماعة من أئمة الحديث أنه بإسكان الباء في كلمة (الخبْث) منهم: أبو عبيد القاسم بن سلام، واختلف الذين رووا سكون الباء في كلمة الخبث في معناه، فقيل: الخبث: الشر، وقيل: الكفر، وقيل: الشيطان، أما الخبائث فقالوا: هي المعاصي؛ لأنها جمع معصية.
والمعروف عند غيرهم من العلماء أنه بضم الباء في كلمة الخبُث، والمعنى ذكران الشياطين وإناثهم.
وقال ابن الأعرابي: الخبث في كلام العرب المكروه، فإن كان من الكلام فهو الشتم، وإن كان من الملل فهو الكفر، وإن كان من الطعام فهو الحرام، وإن كان من الشراب فهو الضار.
стр. 1468
الأسئلة
стр. 1469
حكم التعامل مع البنوك التي أعلنت إسلاميتها
السؤال
البنوك التي تعلن إسلاميتها في التعامل مثل بنك فيصل هل يحل التعامل معها شرعاً؟
الجواب
إن كان البنك لا يزال يتعامل بالربا، وإن ادعى أنه إسلامي، فيجب أن يتجنب الإنسان التعامل معه إلا عند الضرورة، والضرورة أن يكون عنده مال لا يجد موضعاً أميناً لهذا المال سوى البنك، فيضعه بدون ما يسمى بالفائدة، وهي في الحقيقة عين الخسارة في الدين.
стр. 1470
آداب التخلي [٣]
اختلف العلماء في بعض المسائل المتعلقة بقضاء الحاجة، ودخول الخلاء والخروج منه، ومن هذه المسائل: حكم البول قائماً، وكذلك استقبال القبلة واستدبارها حال قضاء الحاجة في الفضاء والبنيان، ومعرفة أدلة المختلفين في هذه المسائل وجمعها من أسباب معرفة الصواب فيها.
стр. 1471
حكم البول قائماً
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فمن آداب التخلي ألا يبول الإنسان قائماً، بل يبول قاعداً؛ لئلا يترشش البول عليه، وصح عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: من الجفاء أن تبول وأنت قائم.
وكان سعد بن إبراهيم لا يجيز شهادة من بال قائماً.
وقالت أم المؤمنين عائشة ﵂: (من حدثكم أن رسول الله ﷺ كان يبول قائماً فلا تصدقوه، ما كان يبول إلا قاعداً) قال الإمام الترمذي ﵀: وهذا أصح شيء في الباب.
وقد رويت الرخصة في البول قائماً عن عمر وعلي وابن عمر وزيد بن ثابت وسهل بن سعد وأنس وأبي هريرة وعروة ﵃ أجمعين.
ودليلهم هو ما رواه حذيفة ﵁ (أن النبي ﷺ أتى سباطة قوم فبال قائماً) والسباطة هي المكان الذي تلقى فيه الفضلات من التراب والكناسة.
فهذا هو الحديث الذي يستدل به من رخص في البول قائماً؛ فلذلك نحن قلنا: يستحب أن يبول الإنسان قاعداً، ومعنى ذلك أنه لا يأثم من بال قائماً، وسبب قول ابن مسعود: هذا من الجفاء، أنه لم يعرف أن النبي ﷺ بال قائماً، وكذلك قول عائشة ﵂: (من حدثكم أن رسول الله ﷺ كان يبول قائماً فلا تصدقوه، ما كان يبول إلا قاعداً) لا شك أنها أخبرت عن علمها، لكن من علم حجة على من لا يعلم، فقد صح عن بعض الصحابة أنه رأى النبي ﷺ يبول قائماً مرة أو مرتين، وهذا لا ينافي حديث عائشة، فهي أخبرت عما تعلمه.
ونقول: كان غالب حال النبي ﵌ البول قاعداً، أما ما ثبت من تبوله ﵊ قائماً فيأتي الجواب عنه إن شاء الله تعالى.
فأول دليل على الرخصة في جواز البول قائماً حديث حذيفة ﵁: (أن النبي ﷺ أتى سباطة قوم فبال قائماً) رواه البخاري وغيره، ولعل النبي ﷺ فعل ذلك ليبين الجواز، ولم يفعله إلا مرة واحدة، وبعض العلماء قال: إن ذلك كان لعلة بمأبضيه، وبعضهم قال: لأنه لم يكن هناك مكان يتمكن من الجلوس فيه.
وقد تأتي أغلب الأدلة في مسألة من المسائل بالمنع، ثم يثبت عن النبي ﵌ أنه فعل هذا الشيء الذي نهانا عنه، فيحمل العلماء هذا على أنه فعله ليبين الجواز، وليبين أن النهي ليس للتحريم، وإنما هو نهي كراهة تنزيهية مثل الشرب قائماً، وكذلك الشرب من فم القربة أي: السقاء، يقول بعض العلماء: وقد يفعل للمكروه مبيناً أنه للتنزيه فيكون في حقه من القرب كالشرب من فم القرب ومعنى البيتين: أن الرسول ﵊ قد يفعل الشيء المكروه مبيناً أنه للتنزيه؛ لأن المكروه قد يطلق على الحرام، كما قال بعدما ذكر قتل النفس والزنا وأكل مال اليتيم: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء:٣٨] فهناك كراهة تحريم وكراهة تنزيه، فإذا نهى ﵊ أمته عن فعل معين ثم فعله فهو يريد بذلك التوسعة عليهم، وليبين أن هذا النهي ليس للتحريم وإنما هو للتنزيه.
فقد يسأل سائل ويقول: إن الله لا يختار لنبيه ﷺ إلا ما هو أفضل، فإذا كان النهي عن هذا الشيء أفضل فكيف يفعل النبي ﵊ المفضول الذي نهى عنه؟ ف
الجواب
أن هذا يكون في حقه ﵊ قربة فاضلة وليست مفضولة؛ لأنها في مقام التشريع والتوسيع على أمته ورفع الحرج عنها، فكما نهى عن الشرب من في السقاء وفعل ذلك مرة؛ ليدل على أن الكراهة تنزيهية، وكذلك كان أغلب أحواله ﵊ أنه لا يبول قائماً، وفعل ذلك مرة؛ حتى يرفع الحرج عن الأمة، ويبين أن البول حال الجلوس هو على الاستحباب وليس على الوجوب.
يقول ابن قدامة: ولعل النبي ﷺ فعل ذلك لتبيين الجواز، ولم يفعله إلا مرة واحدة، ويحتمل أنه كان في موضع لا يتمكن من الجلوس فيه، وقيل: فعل ذلك لعلة كانت بمأبضيه، والمأبض: هو باطن الركبة من كل حيوان.
ويقول الإمام النووي رحمه الله تعالى في المجموع: روي عن عمر ﵁ أنه قال: (ما بلت قائماً منذ أسلمت) رواه الترمذي في كتابه تعليقاً لا مسنداً.
وروى ابن ماجة والبيهقي عن عمر ﵁ أنه قال: (أتى رسول الله صلى الله ﷺ وأنا أبول قائماً فقال: يا عمر! لا تبل قائماً، فما بلت بعد قائماً) لكن إسناده ضعيف.
وروي عن جابر ﵁ قال: (نهى رسول الله ﷺ أن يبول الرجل قائماً) رواه ابن ماجة والبيهقي وضعفه البيهقي وغيره.
وهذه أحاديث ضعيفة يغني عنها حديث عائشة ﵂ قالت: (من حدثكم أن النبي ﷺ كان يبول قائماً فلا تصدقوه، ما كان يبول إلا قاعداً) رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة والبيهقي وغيرهم، يقول النووي: وإسناده جيد وهو حديث حسن.
وأما الحديث الآخر: (أن النبي صلى الله ﵌ أتى سباطة قوم فبال قائماً) فهذا حديث صحيح رواه البخاري ومسلم من رواية حذيفة بن اليمان ﵁.
قوله: (لعلة بمأبضيه) هذه الزيادة رواها البيهقي من رواية أبي هريرة ﵁، لكن قال البيهقي: لا تثبت هذه الزيادة.
стр. 1472
البول حال القيام بين الكراهة والإباحة
قال النووي ﵀: أما حكم المسألة فقال أصحابنا: يكره البول قائماً بلا عذر كراهة تنزيه، ولا يكره للعذر، يقول: وهذا مذهبنا.
وقال الإمام ابن المنذر ﵀: واختلفوا في البول قائماً، فثبت عن عمر بن الخطاب وزيد بن ثابت وابن عمر وسهل بن سعد ﵃ أنهم بالوا قياماً، وروي ذلك عن علي وأنس وأبي هريرة وفعله ابن سيرين وعروة، وكرهه ابن مسعود، وصح عنه موقوفاً أنه قال: (من الجفاء أن يبول الرجل قائماً) رواه البيهقي.
كذلك كرهه الشعبي وإبراهيم بن سعد، وكان لا يقبل شهادة من بال قائماً.
وقال مالك إن كان في مكان يتطاير إليه من البول شيء فمكروه، وإن كان لا يتطاير فلا كراهة.
قال ابن المنذر: البول جالساً أحب إلي وقائماً مباح، وكل ذلك ثابت عن رسول الله ﵌.
стр. 1473
جواب استشكال كونه ﵊ بال في سباطة قوم خاصة بهم
قد يستشكل هنا كيف بال النبي ﷺ في سباطة قوم وهي مكان خاص بهم؟! أجاب العلماء عن هذا الاستشكال بعدة إجابات أظهرها: أنه علم أن أهلها يرضون بذلك ولا يكرهونه، ومن كان هذا حاله جاز البول في أرضه.
الجواب الثاني: أن سباطة القوم لم تكن خاصة بهم فقط، بل كانت بفناء دور الناس كلهم، فأضيفت إليهم لقربهم منها.
الجواب الثالث: أنهم أذنوا لمن أراد قضاء الحاجة فيها بصريح الإذن أو معناه والله تعالى أعلم.
стр. 1474
سبب بوله ﷺ قائماً
ذكر الخطابي والبيهقي في سبب بوله ﵌ قائماً أوجهاً: الوجه الأول -وهو المروي عن الإمام الشافعي ﵀: أن العرب كانت تستشفي بالبول قائماً لوجع الصلب، فكان به ﷺ إذ ذاك وجع الصلب.
قال القاضي حسين في تعليقته: وصار هذا عادة لأهل هراة، يبولون قياماً في كل سنة مرة إحياءً لتلك السنة.
وهذا كلام لا ينسب إلى الشريعة، وإنما ينسب إلى تصور أهل الدنيا في علوم الدنيا من الناحية الطبية، وربما يكون فيها شيء من الصحة، فهذا يرجع إلى العلوم التي كانت قاصرة فيما مضى، أو ربما كانت أساساً تقوم على التجريب، ولأجل ذلك نحن قد لا نقبل هذا التأويل في هذا الزمان.
الوجه الثاني: أنه ﷺ بال قائماً لعلة كانت بمأبضيه، وذكرنا أن هذه الزيادة رواها البيهقي، ولكنه ضعفها وقال: لا تثبت هذه الزيادة.
والمأبض يجوز فيه تخفيف الهمزة فتقول: مابض أو مأبض كما تقول: الراس أو الرأس، لما مات العباس ﵁ استحيا الناس أن يعزوا ابنه عبد الله بن عباس ﵄، فتشجع رجل وأقبل عليه وقال: اصبر نكن بك صابرين وإنما صبر الرعية عند صبر الراس خير من العباس صبرك بعده والله خير منك للعباس والشاهد أنه قال: (الراس)، فهذه الكلمة يصح فيها تخفيف الهمزة.
الوجه الثالث: أنه لم يجد مكاناً يصلح للقعود، فاحتاج إلى القيام إذا كان الطرف الذي يليه عالياً مرتفعاً.
الوجه الرابع: أنه لبيان الجواز كما ذكرنا.
الوجه الخامس ما قاله الخطابي: لكون ذلك -أي: البول حال القيام في السباطة- في الغالب سهلاً ليناً ليس صلباً بحيث يتردد إليه الرشاش، وإنما يتسرب فيه البول ولا يرجع على البائل.
стр. 1475
حكم استقبال القبلة واستدبارها عند قضاء الحاجة
يقول الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: لا يجوز استقبال القبلة في الفضاء لقضاء الحاجة -الفضاء أي: الصحراء أو الخلاء- وهذا في قول أكثر أهل العلم، وهو مذهب الشافعي وقول العباس بن عبد المطلب وعبد الله بن عمر والشعبي ومالك وإسحاق ورواية عن الإمام أحمد.
واستدلوا بما رواه أبو أيوب الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: (إذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يولها ظهره، ولكن شرقوا أو غربوا، قال أبو أيوب: فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت نحو الكعبة، فننحرف عنها ونستغفر الله متفق عليه.
قول النبي ﵌: (إذا أتى أحدكم الغائط) الظاهر هنا أن الغائط المقصود به هنا الموضع الذي يتغوط فيه، قال أهل اللغة: أصل الغائط المكان المطمئن، كانوا يأتونه للحاجة، فكنوا به عن نفس الحدث كراهة لاسمه.
ومن عادة العرب التعفف في ألفاظها، واستعمال الكنايات في كلامها، وصون الألسن مما تصان الأبصار والأسماع عنه، وهذا في القرآن وغيره كثير جداً.
ولـ مسلم عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: (إذا جلس أحدكم لحاجته فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها).
следующие страницы →