Полный текст (2 122 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.
стр. 1471
حكم البول قائماً
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فمن آداب التخلي ألا يبول الإنسان قائماً، بل يبول قاعداً؛ لئلا يترشش البول عليه، وصح عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: من الجفاء أن تبول وأنت قائم.
وكان سعد بن إبراهيم لا يجيز شهادة من بال قائماً.
وقالت أم المؤمنين عائشة ﵂: (من حدثكم أن رسول الله ﷺ كان يبول قائماً فلا تصدقوه، ما كان يبول إلا قاعداً) قال الإمام الترمذي ﵀: وهذا أصح شيء في الباب.
وقد رويت الرخصة في البول قائماً عن عمر وعلي وابن عمر وزيد بن ثابت وسهل بن سعد وأنس وأبي هريرة وعروة ﵃ أجمعين.
ودليلهم هو ما رواه حذيفة ﵁ (أن النبي ﷺ أتى سباطة قوم فبال قائماً) والسباطة هي المكان الذي تلقى فيه الفضلات من التراب والكناسة.
فهذا هو الحديث الذي يستدل به من رخص في البول قائماً؛ فلذلك نحن قلنا: يستحب أن يبول الإنسان قاعداً، ومعنى ذلك أنه لا يأثم من بال قائماً، وسبب قول ابن مسعود: هذا من الجفاء، أنه لم يعرف أن النبي ﷺ بال قائماً، وكذلك قول عائشة ﵂: (من حدثكم أن رسول الله ﷺ كان يبول قائماً فلا تصدقوه، ما كان يبول إلا قاعداً) لا شك أنها أخبرت عن علمها، لكن من علم حجة على من لا يعلم، فقد صح عن بعض الصحابة أنه رأى النبي ﷺ يبول قائماً مرة أو مرتين، وهذا لا ينافي حديث عائشة، فهي أخبرت عما تعلمه.
ونقول: كان غالب حال النبي ﵌ البول قاعداً، أما ما ثبت من تبوله ﵊ قائماً فيأتي الجواب عنه إن شاء الله تعالى.
فأول دليل على الرخصة في جواز البول قائماً حديث حذيفة ﵁: (أن النبي ﷺ أتى سباطة قوم فبال قائماً) رواه البخاري وغيره، ولعل النبي ﷺ فعل ذلك ليبين الجواز، ولم يفعله إلا مرة واحدة، وبعض العلماء قال: إن ذلك كان لعلة بمأبضيه، وبعضهم قال: لأنه لم يكن هناك مكان يتمكن من الجلوس فيه.
وقد تأتي أغلب الأدلة في مسألة من المسائل بالمنع، ثم يثبت عن النبي ﵌ أنه فعل هذا الشيء الذي نهانا عنه، فيحمل العلماء هذا على أنه فعله ليبين الجواز، وليبين أن النهي ليس للتحريم، وإنما هو نهي كراهة تنزيهية مثل الشرب قائماً، وكذلك الشرب من فم القربة أي: السقاء، يقول بعض العلماء: وقد يفعل للمكروه مبيناً أنه للتنزيه فيكون في حقه من القرب كالشرب من فم القرب ومعنى البيتين: أن الرسول ﵊ قد يفعل الشيء المكروه مبيناً أنه للتنزيه؛ لأن المكروه قد يطلق على الحرام، كما قال بعدما ذكر قتل النفس والزنا وأكل مال اليتيم: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء:٣٨] فهناك كراهة تحريم وكراهة تنزيه، فإذا نهى ﵊ أمته عن فعل معين ثم فعله فهو يريد بذلك التوسعة عليهم، وليبين أن هذا النهي ليس للتحريم وإنما هو للتنزيه.
فقد يسأل سائل ويقول: إن الله لا يختار لنبيه ﷺ إلا ما هو أفضل، فإذا كان النهي عن هذا الشيء أفضل فكيف يفعل النبي ﵊ المفضول الذي نهى عنه؟ ف
الجواب
أن هذا يكون في حقه ﵊ قربة فاضلة وليست مفضولة؛ لأنها في مقام التشريع والتوسيع على أمته ورفع الحرج عنها، فكما نهى عن الشرب من في السقاء وفعل ذلك مرة؛ ليدل على أن الكراهة تنزيهية، وكذلك كان أغلب أحواله ﵊ أنه لا يبول قائماً، وفعل ذلك مرة؛ حتى يرفع الحرج عن الأمة، ويبين أن البول حال الجلوس هو على الاستحباب وليس على الوجوب.
يقول ابن قدامة: ولعل النبي ﷺ فعل ذلك لتبيين الجواز، ولم يفعله إلا مرة واحدة، ويحتمل أنه كان في موضع لا يتمكن من الجلوس فيه، وقيل: فعل ذلك لعلة كانت بمأبضيه، والمأبض: هو باطن الركبة من كل حيوان.
ويقول الإمام النووي رحمه الله تعالى في المجموع: روي عن عمر ﵁ أنه قال: (ما بلت قائماً منذ أسلمت) رواه الترمذي في كتابه تعليقاً لا مسنداً.
وروى ابن ماجة والبيهقي عن عمر ﵁ أنه قال: (أتى رسول الله صلى الله ﷺ وأنا أبول قائماً فقال: يا عمر! لا تبل قائماً، فما بلت بعد قائماً) لكن إسناده ضعيف.
وروي عن جابر ﵁ قال: (نهى رسول الله ﷺ أن يبول الرجل قائماً) رواه ابن ماجة والبيهقي وضعفه البيهقي وغيره.
وهذه أحاديث ضعيفة يغني عنها حديث عائشة ﵂ قالت: (من حدثكم أن النبي ﷺ كان يبول قائماً فلا تصدقوه، ما كان يبول إلا قاعداً) رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة والبيهقي وغيرهم، يقول النووي: وإسناده جيد وهو حديث حسن.
وأما الحديث الآخر: (أن النبي صلى الله ﵌ أتى سباطة قوم فبال قائماً) فهذا حديث صحيح رواه البخاري ومسلم من رواية حذيفة بن اليمان ﵁.
قوله: (لعلة بمأبضيه) هذه الزيادة رواها البيهقي من رواية أبي هريرة ﵁، لكن قال البيهقي: لا تثبت هذه الزيادة.
стр. 1472
البول حال القيام بين الكراهة والإباحة
قال النووي ﵀: أما حكم المسألة فقال أصحابنا: يكره البول قائماً بلا عذر كراهة تنزيه، ولا يكره للعذر، يقول: وهذا مذهبنا.
وقال الإمام ابن المنذر ﵀: واختلفوا في البول قائماً، فثبت عن عمر بن الخطاب وزيد بن ثابت وابن عمر وسهل بن سعد ﵃ أنهم بالوا قياماً، وروي ذلك عن علي وأنس وأبي هريرة وفعله ابن سيرين وعروة، وكرهه ابن مسعود، وصح عنه موقوفاً أنه قال: (من الجفاء أن يبول الرجل قائماً) رواه البيهقي.
كذلك كرهه الشعبي وإبراهيم بن سعد، وكان لا يقبل شهادة من بال قائماً.
وقال مالك إن كان في مكان يتطاير إليه من البول شيء فمكروه، وإن كان لا يتطاير فلا كراهة.
قال ابن المنذر: البول جالساً أحب إلي وقائماً مباح، وكل ذلك ثابت عن رسول الله ﵌.
стр. 1473
جواب استشكال كونه ﵊ بال في سباطة قوم خاصة بهم
قد يستشكل هنا كيف بال النبي ﷺ في سباطة قوم وهي مكان خاص بهم؟! أجاب العلماء عن هذا الاستشكال بعدة إجابات أظهرها: أنه علم أن أهلها يرضون بذلك ولا يكرهونه، ومن كان هذا حاله جاز البول في أرضه.
الجواب الثاني: أن سباطة القوم لم تكن خاصة بهم فقط، بل كانت بفناء دور الناس كلهم، فأضيفت إليهم لقربهم منها.
الجواب الثالث: أنهم أذنوا لمن أراد قضاء الحاجة فيها بصريح الإذن أو معناه والله تعالى أعلم.
стр. 1474
سبب بوله ﷺ قائماً
ذكر الخطابي والبيهقي في سبب بوله ﵌ قائماً أوجهاً: الوجه الأول -وهو المروي عن الإمام الشافعي ﵀: أن العرب كانت تستشفي بالبول قائماً لوجع الصلب، فكان به ﷺ إذ ذاك وجع الصلب.
قال القاضي حسين في تعليقته: وصار هذا عادة لأهل هراة، يبولون قياماً في كل سنة مرة إحياءً لتلك السنة.
وهذا كلام لا ينسب إلى الشريعة، وإنما ينسب إلى تصور أهل الدنيا في علوم الدنيا من الناحية الطبية، وربما يكون فيها شيء من الصحة، فهذا يرجع إلى العلوم التي كانت قاصرة فيما مضى، أو ربما كانت أساساً تقوم على التجريب، ولأجل ذلك نحن قد لا نقبل هذا التأويل في هذا الزمان.
الوجه الثاني: أنه ﷺ بال قائماً لعلة كانت بمأبضيه، وذكرنا أن هذه الزيادة رواها البيهقي، ولكنه ضعفها وقال: لا تثبت هذه الزيادة.
والمأبض يجوز فيه تخفيف الهمزة فتقول: مابض أو مأبض كما تقول: الراس أو الرأس، لما مات العباس ﵁ استحيا الناس أن يعزوا ابنه عبد الله بن عباس ﵄، فتشجع رجل وأقبل عليه وقال: اصبر نكن بك صابرين وإنما صبر الرعية عند صبر الراس خير من العباس صبرك بعده والله خير منك للعباس والشاهد أنه قال: (الراس)، فهذه الكلمة يصح فيها تخفيف الهمزة.
الوجه الثالث: أنه لم يجد مكاناً يصلح للقعود، فاحتاج إلى القيام إذا كان الطرف الذي يليه عالياً مرتفعاً.
الوجه الرابع: أنه لبيان الجواز كما ذكرنا.
الوجه الخامس ما قاله الخطابي: لكون ذلك -أي: البول حال القيام في السباطة- في الغالب سهلاً ليناً ليس صلباً بحيث يتردد إليه الرشاش، وإنما يتسرب فيه البول ولا يرجع على البائل.
стр. 1475
حكم استقبال القبلة واستدبارها عند قضاء الحاجة
يقول الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: لا يجوز استقبال القبلة في الفضاء لقضاء الحاجة -الفضاء أي: الصحراء أو الخلاء- وهذا في قول أكثر أهل العلم، وهو مذهب الشافعي وقول العباس بن عبد المطلب وعبد الله بن عمر والشعبي ومالك وإسحاق ورواية عن الإمام أحمد.
واستدلوا بما رواه أبو أيوب الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: (إذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يولها ظهره، ولكن شرقوا أو غربوا، قال أبو أيوب: فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت نحو الكعبة، فننحرف عنها ونستغفر الله متفق عليه.
قول النبي ﵌: (إذا أتى أحدكم الغائط) الظاهر هنا أن الغائط المقصود به هنا الموضع الذي يتغوط فيه، قال أهل اللغة: أصل الغائط المكان المطمئن، كانوا يأتونه للحاجة، فكنوا به عن نفس الحدث كراهة لاسمه.
ومن عادة العرب التعفف في ألفاظها، واستعمال الكنايات في كلامها، وصون الألسن مما تصان الأبصار والأسماع عنه، وهذا في القرآن وغيره كثير جداً.
ولـ مسلم عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: (إذا جلس أحدكم لحاجته فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها).
стр. 1476
حكم استقبال بيت المقدس حال قضاء الحاجة في الفضاء والبنيان
قال العلماء: لا يحرم استقبال بيت المقدس ببول ولا غائط ولا استدباره لا في البناء ولا في الصحراء، لكن يكره؛ لكونه كان قبلة، واستدل بعض العلماء بحديث معقل بن أبي معقل الأسدي ﵁ قال: (نهى رسول الله ﷺ أن يستقبل القبلتين ببول أو غائط) رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجة، وقال النووي: إسناده جيد ولم يضعفه أبو داود.
وهناك عدة أجوبة عن هذا: الأول: نهى النبي ﷺ عن استقبال بيت المقدس حيث كان قبلة، يعني: كأن النهي حصل مرتين، لما كانت القبلة أولاً إلى بيت المقدس نهى ﵊ في ذلك الزمان عن استقبال القبلة التي كانت في بيت المقدس، ثم نهى عن استقبال الكعبة حين صارت هي القبلة، فجمعهما الراوي في حديث واحد فقال: (نهى أن يستقبل القبلتين ببول أو غائط)، وهذا جواب ضعيف.
الجواب الثاني: أن المراد بالنهي أهل المدينة خاصة؛ لأن من استقبل بيت المقدس وهو في المدينة استدبر الكعبة، وإن استدبر بيت المقدس استقبل الكعبة، وهذا التأويل ضعيف أيضاً.
أما المختار الظاهر عند الإمام النووي ﵀، فقد قال: إن النهي وقع في وقت واحد، وأنه عام لكلتيهما في كل مكان، ولكنه في الكعبة نهي تحريم إذا كان في الفضاء، وفي بيت المقدس نهي تنزيه، ولا يمتنع أن يجتمع نهي واحد يكون فيه تحريم وتنزيه وإن اختلف معناه، وسبب النهي عن بيت المقدس كونه كان قبلة فبقيت له حرمة الكعبة، وقد اختار الخطابي هذا التأويل.
فإن قيل: لم حملتموه في بيت المقدس على التنزيه؟ قلنا: للإجماع فلا يعلم من يعتد به حرمه، فالصارف للنهي عن التحريم إلى التنزيه هو الإجماع.
стр. 1477
حكم استقبال القبلة حال الاستنجاء والجماع
قال بعض العلماء: لحرمة الكعبة يكره استقبال القبلة حال الاستنجاء، قال الشافعية: لا يكره ذلك، بل يجوز استقبال القبلة حال الاستنجاء؛ لأن النهي ورد في استقبالها ببول أو غائط.
وقال الشافعية أيضاً: ولا كراهة في إخراج الريح إلى القبلة أيضاً لما ذكرنا.
وقال الشافعية أيضاً: يجوز الجماع مستقبل القبلة ومستدبرها في البناء والصحراء؛ لأن الشرع ورد في البول والغائط.
стр. 1478
مذهب أبي أيوب في استقبال القبلة عند قضاء الحاجة في البنيان
قال أبي أيوب رضي الله ﵎ عنه في الحديث الذي ذكرناه: (فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت نحو الكعبة، فننحرف عنها ونستغفر الله .
أجاب بعض العلماء على ذلك من وجهين: أحدهما: أنه شك في عموم النهي للبنيان والفضاء، فلما شك احتاط بالاستغفار، فلا يحمل ذلك على أنه جزم بتحريم هذا حتى داخل البنيان، وإنما هو كنوع من الاحتياط والتورع منه ﵁.
الوجه الثاني: أن هذا مذهب أبي أيوب ﵁، فهو لم ينقله عن النبي ﷺ صريحاً، وقد خالفه غيره من الصحابة.
إذاً: أحاديث النهي جاءت عامة بدون التفريق بين البناء والصحراء، كما في حديث أبي أيوب ﵁، لكن الشرع قد جاء بالتفريق بين كونه في البينان أو كان يستره شيء كما جاء عن ابن عمر وبين كونه في الفضاء، فإذا ورد الشرع بالفرق فلا يلتفت إلى قياس ولا إلى من يخالف هذه الأدلة، ومع ذلك فالفرق ظاهر بين الحالتين، فإن المشقة تلحق الإنسان في البناء دون الصحراء.
стр. 1479
من قال بجواز استقبال القبلة واستدبارها عند قضاء الحاجة
قال عروة بن ربيعة وربيعة وداود: يجوز استقبالها واستدبارها في البناء والصحراء؛ لما روى جابر ﵁ قال: (نهى رسول الله ﷺ أن نستقبل القبلة ببول، فرأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها) قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وحسنه النووي ﵀.
قال هؤلاء الأئمة الثلاثة: إن هذا دليل على وقوع النسخ؛ لأن الصحابي رآه يفعل ذلك قبل أن يقبض بعام، فدل على نسخ وإلغاء الحكم السابق الذي تضمنه حديث أبي أيوب رضي الله تعالى عنه.
стр. 1480
رد الجمهور على من جوز استقبال القبلة عند قضاء الحاجة في الفضاء
يقول الإمام ابن قدامة: ولنا أحاديث النهي وهي صحيحة.
يعني: على صحة مذهبنا الذي عليه جمهور علماء الأمة.
قال: وحديث جابر يحتمل أنه رآه في البنيان أو مستتراً بشيء.
وسيأتي حديث ابن عمر ﵁ أن النهي إنما هو في الفضاء، أما إذا كان في البنيان فيجوز.
ثم قال: ولا يثبت النسخ بالاحتمال.
أي: احتمال أنه كان مستتراً بشيء أو كان في البنيان.
قال: ويتعين حمله على ما ذكرنا؛ ليكون موافقاً للأحاديث الصحيحة في النهي عن ذلك.
стр. 1481
أقوال العلماء في استقبال القبلة واستدبارها في البنيان
قال ابن قدامة: أما في البنيان أو إذا كان بينه وبين القبلة شيء يستره ففيه روايتان عن الإمام أحمد: إحداهما: لا يجوز حتى في البنيان.
يعني: لا يستدبر ولا يستقبل القبلة عند قضاء الحاجة، سواء في الفضاء أو البنيان، وهذه الرواية للإمام أحمد، وهو قول الثوري وأبي حنيفة؛ لعموم الأحاديث في النهي؛ لأن أحاديث النهي لم تخصص البنيان من الفضاء.
أما الرواية الثانية: فهي أنه يجوز استقبالها واستدبارها في البنيان، وروي ذلك عن العباس وابن عمر ﵃ وبه قال مالك والشافعي وابن المنذر.
يقول ابن قدامة: والصحيح أنه يجوز استقبالها واستدبارها في البنيان؛ لحديث جابر ﵁.
وقد روت عائشة ﵂: (أن رسول الله ﷺ ذكر له أن قوماً يكرهون استقبال القبلة بفروجهم، فقال رسول الله ﷺ : أوقد فعلوها؟! استقبلوا بمقعدتي القبلة) رواه الإمام أحمد وابن ماجة وحسنه النووي، لكن أشار البخاري رحمه الله تعالى في تاريخه في ترجمة خالد بن أبي الصلت إلى أن في هذا الحديث علة.
يقول ابن قدامة: رواه أصحاب السنن وأكثر أصحاب المسانيد منهم: أبو داود الطيالسي رواه عن خالد بن أبي الصلت عن عراك بن مالك عن عائشة، قال أحمد: أحسن ما روي في الرخصة حديث عائشة وإن كان مرسلاً فإن مخرجه حسن.
وقال أحمد: وعراك لم يسمع من عائشة فلذلك سموه مرسلاً.
فقوله ﷺ : (أوقد فعلوها؟) استفهام لأن هذا النوع من الاستفهام يقتضي الإقرار به فضيحة، كما يقتضي الاستفهام الإخبار عن المستفهم عنه.
قوله: (استقبلوا بمقعدتي القبلة) المقعدة: بفتح الميم هي الموضع الذي يقعد عليه الإنسان لقضاء الحاجة، يعني: حولوا هذا الموضع إلى اتجاه القبلة، والحديث فيه علتان.
يقول ابن قدامة: وهذا كله في البنيان، وهو خاص يقدم على العام.
والعام هو حديث أبي أيوب: (إذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يولها ظهره)، والخاص هو حديث عائشة إذا صح، فهو يدل على أن ذلك إنما يكون في البنيان، فالخاص يقدم على العام.
وعن مروان الأصفر قال: (رأيت ابن عمر ﵄ أناخ راحلته مستقبل القبلة، ثم جلس يبول إليها، فقلت: يا أبا عبد الرحمن! أليس قد نهي عن هذا؟ قال:، بلى، إنما نهي عن ذلك في الفضاء، فإذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس) رواه أبو داود والدارقطني والحاكم وصححه على شرط البخاري.
يقول ابن قدامة: وهذا الفعل من ابن عمر تفسير لنهي رسول الله ﷺ العام في حديث أبي أيوب: (إذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يولها ظهره، ولكن شرقوا أو غربوا) ففعله يفسر أن ذلك إنما يكون في البنيان، فإن كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس.
يقول: وفيه جمع بين الأحاديث فيتعين المصير إليه.
لأن النسخ لا يصار إليه إلا عند العجز عن الجمع بين النصوص، ولأن النسخ فيه إبطال لأحد الدليلين في المسألة، وإعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما، فهذا هو الذي ينبغي أن يسلك عند التعارض، فالجمع متى ما أمكن أولى.
وعن الإمام أحمد أنه قال: يجوز استدبار الكعبة في البنيان والفضاء جميعاً؛ لما روى ابن عمر ﵄ قال: (رقيت يوماً على بيت حفصة ﵂ فرأيت النبي ﷺ على حاجته مستقبل الشام مستدبر الكعبة) متفق عليه.
لذلك صدر المسألة ابن قدامة بالقدر المتفق عليه بين أكثر أهل العلم فقال: لا يجوز استقبال القبلة في الفضاء لقضاء الحاجة في قول أكثر أهل العلم، ثم تعرض بعد ذلك للاستدبار على التفصيل الذي ذكرناه.
стр. 1482
حكم تمشيط الشعر والبول في مكان الاغتسال والاستحمام
جاء في الحديث: (أن النبي ﷺ نهى أن يمتشط أحدنا أو يبول في مغسله) رواه أحمد وأبو داود والنسائي والبيهقي وصححه النووي والحافظ ابن حجر وأيضاً الألباني.
وقد رواه بعض التابعين عن رجل صحب النبي ﷺ ، وجهالة الصحابي لا تضر؛ لأن كل الصحابة عدول ﵃، وأقمع الله الشيعة وأذلهم حيث يترجمون لبعض الصحابة المشهورين جداً مثل عبد الله بن مسعود فيكتبون: مجهول! ولا حول ولا قوة إلا بالله! وهذا غير السب لهم والطعن واللعن.
إذاً: جهالة الصحابي لا تضر؛ لأن جميع الصحابة عدول، وقد زكاهم الله وعدلهم ﵃، حتى في الأمم السابقة قبل أن يخلقوا وقبل أن يوجدوا، قال الله: ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ﴾ [الفتح:٢٩].
قوله: (إن الرسول ﵊ نهى أن يمتشط أحدنا كل يوم) أي: لا يكون ذلك شغلنا الشاغل بحيث يمتشط أحدنا ويدهن ويسرح شعره ويضيع ما أوجب الله عليه، وهناك أحاديث أخرى في هذا المعنى، منها أنه ﵊: (نهى عن الإرفاه، قيل: وما الإرفاه؟ قال: كثرة التدهن والتنعم) وكذلك: (نهى عن الترجل إلا غباً) والترجل: هو تسريح الشعر.
قوله: (إلا غباً) يعني: في وقت دون وقت بحيث لا يواظب عليه ويكون شغله الشاغل.
قوله: (أو يبول في مغتسله) يعني: مكان الاغتسال، أو كما سماه في الحديث الأول: (مستحمه) وسمي مستحماً؛ لأنه مشتق من الحميم، والحميم: هو الماء الحار الذي يغتسل به.
يقول النووي: واتفق أصحابنا على أن المستحب ألا يستنجي بالماء في موضع قضاء الحاجة؛ لئلا يترشش عليه.
وهذا في غير الأماكن المتخذة لهذا الفعل كالمرحاض فلا بأس به؛ لأنه لا يترشش عليه، ولأن في الخروج منه إلى غيره مشقة.
стр. 1483
حكم تغطية الرأس ولبس الحذاء حال قضاء الحاجة
يقول الإمام النووي والإمام ابن قدامة: ويستحب أن يغطي رأسه حال قضاء الحاجة.
تغطية الرأس هي نوع من التعبير عن الحياء، فلقد كان السلف يستحيون أن يكشف أحدهم رأسه، وهذه المسألة ترجع إلى العرف، ففي بعض البلاد قد يقدح في مروءة الشخص إذا كان يكشف رأسه، وفي بعضها لا يقدح أن يكشف رأسه، فهذه الأمور ترجع إلى العرف، وأمور المروءة ليس فيها تحريم أو إثم، لكن يقولون في تعريف الرجل العدل: هو الذي لم يرتكب كبيرة، ولا يصر على صغيرة، ولا يأتي بفعل يخالف المروءة.
فالإنسان لابد أن يجتهد في مراعاة المروءات وأعراف الناس الذين يعيش بينهم؛ لأنه ليس كل شيء لابد أن يكون مثل حد السيف وفيه حلال وحرام ويكون عليه أدلة، لا.
فمثلاً: عندما نرى شخصاً يمضغ العلك في الشارع، نقول له: هذه الطريقة منفرة، فعلى الإنسان أن يراعي وقاره وهيئته ووجاهته، كذلك لو أن الإنسان مشى بإزار يستر ما بين سرته وركبته ففعله هذا ليس بحرام، لكن هل هذا من المروءة؟! لا ليس من المروءة.
فالشاهد أن على الإنسان أن يراعي ظروف المجتمع وعاداته ما لم تخالف كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.
حكي عن نافع أنه صلى وهو حاسر الرأس، فقال له ابن عمر: هل إذا خرجت إلى الناس كنت تخرج هكذا حاسر الرأس؟ فقال: لا، قال: فالله أحق أن يتزين له، أو فالله أحق أن يستحيا منه.
جاء في الحديث أن النبي ﵊ قال للصحابي الجليل معاوية بن حيدة (احفظ عورتك إلا من أهلك أو ما ملكت يمينك) وحفظ الفروج يتضمن أمرين: حفظها عن المحرمات كالزنا وغير ذلك، وحفظها عن أن تكشف، فقال هذا الصحابي للنبي ﵊: (يا رسول الله! أرأيت إن كان أحدنا خالياً؟ - يعني: ليس معه أحد- فقال ﵊: فالله أحق أن يستحيا منه الناس) فحتى في حال الاختلاء يجتهد الإنسان ألا يتكشف.
يقول الإمام النووي ﵀: قال إمام الحرمين والغزالي والبغوي وآخرون: يستحب ألا يدخل الخلاء مكشوف الرأس، قال بعض أصحابنا: فإن لم يجد شيئاً وضع كمه على رأسه.
ثم قال: ويستحب ألا يدخل الخلاء حافياً.
روى البيهقي بإسناده حديثاً مرسلاً: (أن النبي ﷺ كان إذا دخل الخلاء لبس حذاءه وغطى رأسه) وهذا حديث مرسل ضعيف.
وروى البيهقي أيضاً عن عائشة ﵂ قالت: (كان النبي ﷺ إذا دخل الخلاء غطى رأسه، وإذا أتى أهله غطى رأسه) لكنه ضعيف أيضاً.
قال البيهقي: وروي في تغطية الرأس عند دخول الخلاء عن أبي بكر الصديق ﵁ وهو صحيح عنه.
يقول النووي: وقد اتفق العلماء على أن الحديث المرسل والضعيف والموقوف يتسامح به في فضائل الأعمال وهذا منها، وكلام الإمام النووي ﵀ في حكاية اتفاق العلماء على هذا فيه نظر.
стр. 1484
حكم دخول الخلاء بشيء فيه ذكر الله
من الآداب ألا يصطحب شيئاً فيه ذكر الله .
يقول ابن قدامة: إذا أراد دخول الخلاء ومعه شيء فيه ذكر الله تعالى استحب وضعه، لكن لا يجب عليه أن يضع هذا الشيء الذي فيه ذكر لله.
قال أنس بن مالك ﵁: (كان رسول الله ﷺ إذا دخل الخلاء وضع خاتمه) رواه ابن ماجة وأبو داود والبيهقي والترمذي والنسائي، وضعفه أبو داود والنسائي والبيهقي، قال أبو داود: هو منكر، وإنما يعرف عن أنس: (أن النبي ﷺ اتخذ خاتماً من ورق - أي: من فضة- ثم ألقاه) وقال النسائي: وهذا الحديث غير محفوظ، وخالفهم الترمذي فقال: حديث حسن صحيح غريب.
وقيل: إنما كان النبي ﷺ يضعه؛ لأن فيه محمداً رسول الله، ثلاثة أسطر: سطر فيه محمد، وسطر فيه رسول، وسطر فيه الله، وهذا ثابت في الصحيحين: (أن نقش خاتمه ﷺ (كان محمد رسول الله)) ﵊.
стр. 1485
الغلو في الدين [١]
الغلو في الدين قضية قديمة قِدَمَ الأديان على هذه الأرض، فقد ابتلي به أناس على مدار التاريخ البشري، وقد كان ذلك إما بدافع الحرص على تحقيق العبودية الخالصة لله سبحانه، فأدى بهم حرصهم هذا إلى الخروج عن الطريق السوي الذي ارتضاه الله لعباده، وإما بسبب الاتباع والتقليد الأعمى للرؤساء الضالين عن الطريق السوي.
стр. 1486
استعراض مجمل لكتاب الغلو في الدين للشيخ اللويحق
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم! صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم! بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
أما بعد: فسنقوم بتلخيص البحث القيم الذي كتبه الشيخ عبد الرحمن بن معلا اللويحق وهو بعنوان: (الغلو في الدين في حياة المسلمين المعاصرة).
وكالعادة فنحن نختار أحياناً بعض الكتب والبحوث القيمة التي لا تتوافر مع الإخوة، فنحاول نشر ما فيها من الفوائد بإذن الله، فهذا البحث في الحقيقة موضوعه يكاد يكون هو موضوع الساعة، ونحتاج لوقفة حتى نستخلص حقائق الغلو في الدين وتحديد الكلام في هذا الأمر.
فيذكر المؤلف هنا في مقدمة الكتاب أنه قبل هذا العصر الذي نعيشه كان البحث في الغلو ينصب على غلو الصوفية كعبدة القبور، وعقائد الشيعة مثلاً، ونحو هؤلاء من الغلاة، ولكنه في العصر الحديث توجه وجهة أخرى.
أي أن الغلو فيما مضى كان يختص بأهل الأهواء وأهل البدع الذين غالوا وتطرفوا في تناولهم لبعض قضايا الدين، مثل القضايا العلمية أو القضايا السلوكية، أما في العصر الحديث فقد توجه البحث في الغلو وجهة أخرى، حيث وقعت بعض المذاهب التي تنتمي إلى الدعوة الإسلامية في الغلو وغير ذلك من الأوصاف المنفرة كالتعصب والتطرف والتشدد وغير ذلك، مما جعل أعداء الإسلام اليوم يستغلون هذه الانحرافات من أجل محاربة الإسلام نفسه، تحت شعار محاربة التطرف والغلو وغير ذلك.
стр. 1487
حقيقة الأطراف المتعلقة بالغلو
تجاذب هذا الموضوع أطراف متعددة، منهم الجفاة الذين يتهمون أهل التمسك بالدين بالغلو.
ومنهم الأعداء الذين يتخذون مهاجمة الغلو ذريعة لمهاجمة الإسلام.
ومنهم الغلاة أنفسهم الواقعون في الغلو حقيقة، ومع ذلك ينفون هذا الغلو عن ذاتهم ويتهمون غيرهم بالمروق من الدين.
إن أبرز ملامح هذا العصر ما يسمى بثورة المعلومات ووسائل الاتصالات، وهذه الوسائل أدت بدورها إلى نشر هذا الموضوع بكثافة شديدة جداً بين العامة والخاصة، وأضحى هذا الموضوع حديثاً للدهماء والعلماء دون أن يحكم بشيء من الضوابط والمعايير، فمن هنا تكمن أهمية تناول هذا الموضوع بإنصاف وتجرد.
стр. 1488
أهمية موضوع الغلو وتعلقه بمستقبل الدعوة الإسلامية وضوابطه
يقول المؤلف حفظه الله: إن لهذا الموضوع أهمية بالغة في ذاته وفي زمنه، وفيما يتعلق بمستقبل الدعوة الإسلامية، فمن حيث الموضوع ذاته فهو يتعلق بعقيدة المسلمين وتنقيتها من شوائب الغلو من جانب، ويتعلق بالدعوة الإسلامية والدعاة من جانب آخر.
أما من حيث زمن الموضوع فإن البحث كتب في الظروف الآتية: أولاً: بروز بعض أعمال الغلو وآراء الغلو من بعض المنتمين إلى التيارات الإسلامية، ولا شك في أن مثل هذه الانحرافات تحتاج إلى نقدها وكشفها نصحاً للمسلمين.
ثانياً: غياب معنى الغلو في الشريعة عن أذهان معظم الناس، فهم لا يعرفون ما معنى الغلو في شريعة الإسلام، وسحبوا على الإسلام مفهوم الغلو الموجود عند النصارى، فالنصارى يعبرون عن الغلاة بلفظة الأصوليين، هؤلاء هم الغلاة عند النصارى، فسحبوا نفس هذا اللفظ على الإسلام، مع وجود البون الشاسع بيننا معشر المسلمين وبين حقيقة هذا الإطلاق الخبيث كما سنبين إن شاء الله تعالى بالتفصيل.
إذاً: فغياب معنى الغلو عن معظم أذهان الناس جعلهم يأخذون مفهوم الغلو عند النصارى الذي يعبرون عنه بالأصولية أو يعبرون عنه بالتطرف، مما يؤكد الحاجة إلى بيان المعنى الصحيح حتى لا تزل قدم بعد ثبوتها.
ثالثاً: اتخاذ محاربة الغلو ذريعة لمحاربة الإسلام، مما يستلزم رفع الستار عن أخطر ميادين الصراع بين الإسلام وبين الكفر، فلو أنهم ظهروا بأنهم يريدون تحطيم الإسلام وحرب الإسلام والتنفير من الإسلام ذاته لواجهوا مقاومة شديدة من المسلمين، لكن استغلوا بعض الغلو من بعض الناس فاتخذوه ستاراً كي يغطوا الزحف الذي يحاولون من ورائه القضاء على دين الله ﵎.
أما من حيث مستقبل الدعوة فإن لهذا الموضوع أهمية عظيمة جداً؛ لأن التجرد من الغلو وكشف استغلال الأعداء لكلمة الغلو لاشك في أن له أثراً عظيماً جداً في تصحيح مسار الدعوة الإسلامية.
فبحث هذا الموضوع -موضوع الغلو- يمكن أن يساعد على ذلك، وذلك من عدة نواح: أولاً: بالتأصيل، وذلك بوضع القواعد التي تحكم المواضع التي يحصل فيها الخلط بين التمسك بالدين وبين الغلو.
ثانياًًً: بالتحصين، فإن الغلو -في الحقيقة- ليس مشكلة آنية وقتية فقط، لكنه مشكلة قد تتكرر في كل وقت وفي كل زمان، فالحادث يمكن أن يزول، لكن قد يطرأ مرة أخرى إذا وجدت عوامله، فلابد من بيان جذور الغلو التاريخية وأصل النشأة؛ حتى تقطع المشكلة ويحصن الدعاة بضدها فلا يتكرر نموها مرة أخرى.
ثالثاً: من أجل حماية الدعوة الإسلامية؛ لأن وجود الغلو سبب عرقلة الدعوة الإسلامية، ولقد أوجد الغلو المسوغات لضربها، فلابد من إبعاد هذه العوائق عن طريق الدعوة الإسلامية وحمايتها من كل ما يتسبب في عرقلتها والوقوف في طريقها.
стр. 1489
بيان مجمل لما يتضمنه كتاب الغلو في الدين
ذكر المؤلف أهمية الموضوع وذكر الموضوعات الأساسية التي سيتناولها بالبحث والتمحيص والتحقيق، فذكر في الفصل الأول تحديد مصطلحات البحث، وبيان وسطية الإسلام، ويسر الإسلام وسماحته، ومعنى الغلو في اللغة ومعنى الغلو في الشريعة.
وفي الفصل الثاني تكلم عن جذور الغلو في الدين، وطبيعته في حياة المسلمين المعاصرة في مبحثين: أولاً: جذور الغلو في الدين في حياة المسلمين المعاصرة، وذكر فيه ثلاثة مطالب: الأول: الجذور التاريخية للغلو.
الثاني: الجذور الفكرية، الثالث: الجذور النفسية.
ثانياً: طبيعة الغلو في الدين في حياة المسلمين المعاصرة، وحجم الغلو في الدين أيضاً، ومفهوم الغلو في الدين عند العلماء المعاصرين؛ لأن بعض العلماء لهم في بعض المواضع وجهة نظر في استعمال كلمة الغلو، كما سنبين إن شاء الله تعالى.
كما ذكر مفهوم الغلو في الدين عند العلماء اليوم، وفي الفصل السابق ذكر معنى الغلو في اللغة، ثم معنى الغلو في الشرع، وهنا ذكر تعريف العلماء المعاصرين للغلو.
ثم ذكر -أيضاً- مفهوم الغلو في الدين عند العالم اليوم؛ لأن التمسك بالدين في عصرنا صار غلواً وما عليه المجتمعات من الانحرافات هو الوسط، فأي انحراف عن هذا الواقع الذي تعيشه هذه المجتمعات يسمى تطرفاً وغلواً، ومن ثم ذكر مفهوم الغلو عند الغربيين.
أما الفصل الثالث -وهو من أهم الفصول في الحقيقة- فتكلم فيه عن مظاهر الغلو العقدية والتشريعية.
فذكر -أولاً- الغلو في قضية الولاء والبراء، باعتبارها قضية من أهم قضايا أصول الدين بعد التوحيد، فذكر أن هذه القضية طرأ فيها نوع من الغلو عند كثير من الناس.
ثم ذكر الغلو في مفهوم الجماعة؛ لأن بعض الجماعات غلت وشوهت بجمال الإسلام، وقسمت الإسلام إلى أحزاب وشيع متناحرة بسبب تحزبها وتعصبها لمفهوم الجماعة، وذكر أمثلة من نقول بعض المنتمين لهذه الجماعات تعكس مدى الغلو الشديد في هذا المفهوم.
ثم تكلم عن الغلو في التعصب للجماعة، بجعل الجماعة مصدر الحق، والغلو في القائد، والغلو في البراءة من المجتمعات المسلمة.
ثم ذكر في المبحث الثاني الغلو في التكفير، وذكر فيه أحد عشر مطلباً، أولها: معنى الغلو وخطورة التكفير، ثم التكفير بالمعصية، ثم تكفير الحاكم بغير ما أنزل الله بإطلاق بدون تفصيل، ثم تكفير الأتباع المحكومين بغير ما أنزل الله بإطلاق، ثم تكفير الخارج عن الجماعة، ثم تكفير المقيم غير المهاجر، ثم تكفير المعين دون مراعاة الضوابط الشرعية، ثم تكفير من لم يكفر الكافر بزعمهم، ثم بدعة التوقف والتبين، ثم القول بجاهلية المجتمعات المسلمة المعاصرة، ثم الغلو فيما يتعلق بالحكم على ديار المسلمين اليوم وبأنها ديار كفر وحرب أو ديار إسلام، وما يترتب على ذلك من تداعيات في منتهى الخطورة.
وأما المبحث الثالث فهو يتكلم عن إحداث أصول تشريعية جديدة؛ لأن بعض أهل البدع وأهل الغلو أحدثوا واخترعوا أصولاً جديدة في الشريعة، فذكر -أولاً- الغلو في ذم التقليد، وفيه ثلاثة مطالب: الأول: الغلو في مفهوم التقليد وإنكار الإجماع، الثاني: الغلو في ذم المقلدين، الثالث: إلزام جميع الناس بالاجتهاد والتشديد على الناس.
أما الفصل الرابع فيقول: خصصته لبيان مظاهر الغلو العملية، ووسمته بمجالات الغلو العملية والسلوكية.
فالفصل الثالث كان في مجالات الغلو الاعتقادية، أما الرابع ففي القضايا عملية وسلوكية، وذكر فيه مباحث: المبحث الأول: الغلو في السلوك الفردي، وتكلم فيه عن أمرين: أولاً: التشديد على النفس.
ثانياً: تحريم الطيبات.
المبحث الثاني: الغلو في السلوك الاجتماعي، وذكر فيه قضية الخروج على الحكام والغلو فيها، وكذلك قضية تحريم التعليم والدعوة إلى الأمية والغلو فيها، وقضية تحريم الصلاة في المساجد بحجة أنها مساجد ضرار، وقضية إيقاف وتعطيل صلاة الجمعة بحجة أن البلاد بلاد كفر ولا يوجد إمام إلى غير ذلك من الكلام، وقضية اعتزال المجتمعات ومفاصلتها، وقضية هجرة المجتمعات ودعم القول بمرحلية الأحكام، وقضية القول بأننا نعيش في العهد المكي، وقضية تحريم العمل في الوظائف الحكومية ومظاهر الغلو في هذا الجانب.
لقد كان المؤلف -في الحقيقة- إلى حد كبير جداً موفقاً في هذا البحث، مع كثرة المصنفات في هذا الجانب، لكن الغالب على الناس خاصة في هذه الظروف التي نعيشها الآن أنهم يحرصون على أن يحصلوا على شهادة حسن سيرة وسلوك بالنفاق والمداهنة في مثل هذه القضايا الحساسة، لكن هنا قد وفق المؤلف في هذا البحث، ونحسبه -إن شاء الله- أنه كان متجرداً في عرضه للقضايا والبحث العلمي.
стр. 1490
معنى الوسطية في الإسلام ومظاهرها
نشرع في ذكر المقدمة التي تحدث فيها عن وسطية الإسلام؛ لأننا نريد أن نتكلم عن الغلو، أو بتعبير آخر: عن الإفراط والتفريط، أو بتعبير ثالث: عن التطرف، وهو الأخذ بالأطراف.
وحينئذٍ فلاشك في أننا نحتاج -أولاً- إلى أن نتحدث عن اتصاف الإسلام بالوسطية حتى نستحضر منذ البداية أن الوسط هو ما أنزله الله وهو الحق، وأن من حاد عنه صار متطرفاً.
إذاً: فبدلاً من أن نقول عن الذي يمتنع عن التطرف إنه (متطرف) سنقول: إن المتطرف هو الذي يصافح النساء، وبدلاً من أن نقول: إن المتطرفين هم الذين يحاولون تسييس الدين نقول: المتطرف والملحد والزنديق هو الذي يريد أن يفصل الدين عن الحياة ويدين بدين العلمانية.
وهكذا في كل قضية من القضايا سيخرج هؤلاء الذين تكالبوا على دين الإسلام عن وسطية الإسلام.
стр. 1491
حقيقة اتصاف الأمة المحمدية بالوسطية
إن وسطية الإسلام هي -في الحقيقة- من أبرز خصائص هذه الأمة المحمدية، فقد قال الله : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة:١٤٣] فقوله: (أُمَّةً وَسَطًا) يعني: عدولاً.
لذلك نجد الإسلام في كل قضية من القضايا العلمية أو العملية يقدم المنهج الوسط والعدل والمعتدل في كل شئون الحياة، بل لا يكتفي الإسلام بهذا، وإنما مع أخذه بالوسطية يحذر تحذيراً شديداً جداً من الانحراف إلى أحد الاتجاهين: الغلو أو التقصير، أو الإفراط أو التفريط.
ونحن نكرر هذا الدعاء في اليوم والليلة على الأقل سبع عشرة مرة، وهو قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦] ولم يكتف بذلك، بل وصفه بقوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧] إذاً: الصراط المستقيم لا يمكن أن يكون مستقيماً إلا إذا خالف سلوك هذين الفريقين: أولهم: المغضوب عليهم وهم اليهود لعنهم الله.
ثانيهم: الضالون وهم النصارى؛ لأن اليهود عصوا الله عن علم فاستحقوا الغضب، والنصارى عبدوا الله عن جهل فاستحقوا الضلال.
فهذه الوسطية التي تميز الإسلام عما سواه من الأديان هي العدل، فإن معنى قوله ﵎: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:١٤٣] أي: عدولاً خياراً.
والدليل على أن سياق الآية يفيد هذا المعنى أن الله جعل هذه الوسطية علة لتكليف هذه الأمة بالشهادة على الأمم الأخرى؛ لأن الشاهد يشترط فيه العدالة، ولا تقوم الشهادة ولا تقبل إلا من عدل، وكذلك قوله ﵎: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠]، والقرآن يفسر بعضه بعضاً، فلذلك قلنا: إن (وسطاً) تشمل -أيضاً- معنى الخيرية في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:١٤٣] أي: عدولاً خياراً.
فبين وصف الأمة بالخيرية ووصفها بالوسطية تلازم؛ إذ إن الوسط في لغة العرب الخيار، كما سيأتي إن شاء الله، أما السنة فجاء الخبر فيها صريحاً عن النبي ﷺ بتفسير الوسطية بالعدالة، فعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يجاء بنوح يوم القيامة فيقال له: هل بلغت؟ فيقول: نعم يا رب.
فتسأل أمته.
هل بلغكم؟ فيقولون: ما جاءنا من نذير.
فيقول: من شهودك -يا نوح- على أنك أبلغتهم؟ فيقول نوح: محمد وأمته ﵊ لأن هذه الأمة تؤمن بجميع الأنبياء، وتعظم جميع الأنبياء، وتنزه جميع الأنبياء عما لا يليق بهم، إلى غير ذلك من اعتقادها النقي في حق الأنبياء؛ لأن من أركان إيمان أمة محمد أنهم يؤمنون بنوح وغيره من الأنبياء ﵈ عن طريق القرآن والوحي الذي أخبر أن نوحاً أتى قومه وبلغهم وحصل معهم كذا وكذا وكذا، فلذلك هذه الأمة تشهد عن علم يقيني، وهو الوحي الذي أوحاه الله إلى نبيه ﷺ ، فلذلك لما ينكر قوم نوح ويقولون: ما جاءنا من نذير.
يظنون أن هذا الإنكار ينفعهم في هذا الموقف، قال ﷺ : (فيقول: من شهودك؟ فيقول نوح -عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام-: محمد وأمته.
فيجاء بكم فتشهدون.
ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:١٤٣] قال: عدلاً ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة:١٤٣]) هذا الحديث رواه البخاري وأحمد رحمهما الله تعالى.
стр. 1492
معنى الوسط في كلام العرب
يقول ابن جرير ﵀: وأما الوسط فإنه في كلام العرب الخيار، يقال: فلان وسط الحسب في قومه أي: متوسط الحسب.
إذا أرادوا بذلك الرفع في حسبه.
وورد عن أبي بكر رضي الله ﵎ عنه أنه وصف المهاجرين في يوم سقيفة بني ساعدة بقوله: (هم أوسط العرب داراً) والمقصود به أنهم خير العرب.
ومن ذلك أيضاً قول زهير بن أبي سلمى: وهم وسط يرضى الأنام بحكمهم إذا نزلت إحدى الليالي العظائم فقوله: (وهم وسط) يعني: هم عدول.
ومن معاني الوسط الشيء الذي يكون بين طرفين، وليس هناك تعارض بين القول بأن الوسط هو العدل وبين القول بأن الوسط هو الجزء بين الطرفين؛ لأن الجزء بين الطرفين في موضع اعتدال من الجانبين، وهذا من حيث اللغة.
قال الطبري رحمه الله تعالى: وأرى أن الله تعالى ذكره إنما وصفهم بأنهم وسط لتوسطهم في الدين، فلا هم أهل غلو فيه غلو النصارى الذين غلو بالترهب وقيلهم في عيسى ما قالوه فيه، ولا هم أهل تقصير فيه تقصير اليهود الذين بدلوا كتاب الله وقتلوا أنبياءهم وكذبوا على ربهم، ولكنهم أهل توسط واعتدال فيه، فوصفهم الله بذلك إذ كان أحب الأمور إلى الله أوسطها.
وكذلك العدل يأتي دوماً وسطاً بين طرفين ذميمين، قال حذيفة رضي الله تعالى عنه: (اتقوا الله يا معشر القراء خذوا طريق من كان قبلكم، والله إن سبقتم لقد سبقتم سبقاً بعيداً، ولئن تركتموه يميناً وشمالاً لقد ضللتم ضلالاً بعيدا) وهذا إشارة إلى نفس هذا المعنى.
وكتب عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى كتاباً إلى عامل من عماله فقال بعد أن أوصاه بلزوم طريق من سلف: ما دونهم من مقصر، وما فوقهم من محسر، لقد قصر بينهم إخوان فجفوا، وطمع عنهم قوم آخرون فغلوا، وإنهم بين ذلك لعلى هدى مستقيم.
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: ما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزعتان: إما إلى تفريط وإضاعة، وإما إلى إفراط وغلو، ودين الله وسط بين الجافي عنه والغالي فيه، كالوادي بين جبلين، والهدى بين ضلالتين، والوسط بين طرفين ذميمين، فكما أن الجافي عن الأمر مضيع له فالغالي فيه مضيع له، هذا بتقصيره عن الحد، وهذا بتجاوزه الحد.
انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
стр. 1493
حكم استبدال الألفاظ الشرعية بغيرها من ألفاظ البشر
يحاول بعض الناس الاعتياض عن هذه التعبيرات الشرعية العظيمة بكلام يسمونه الحكمة، كقولهم مثلاً في محاولة وضع حد لتعريف الوسطية: إن الفضيلة وسط بين رذيلتين.
والخطأ في هذه العبارة هو جعل هذه المقولة معياراً بشرياً للحكم على الرذائل والفضائل، وهذا ليس بصحيح؛ لأن تحديد الفضيلة والرذيلة ليس من شأن البشر، وإنما هو إلى الله ، ولأن الذي جعلنا الأمة وسطاً هو الله ، وذلك بقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ﴾ [البقرة:١٤٣] فإذاً: الميزان هو شرع الله ﵎ في تحديد الوسطية والفضيلة والرذيلة.
ولأن تحديد الوسط بالنسبة للعقل البشري شيء صعب جداً، فمن الصعب أن يتفق الناس على شيء وسط.
يقول أرسطو: إن إدراك الوسط في كل شيء أمر صعب جداً.
ويقول الغزالي: إن إدراك الوسط هو من أعقد الأمور وأعصاها، كذلك تحديد الوسط أمر نسبي يختلف باختلاف الأشخاص، ولذلك قال ابن سينا: ليس وسط الشيء عينه، بل الوسط بالنسبة إلينا.
إذاً: الوسطية ليست معياراً بشرياً، ولكنها ميزة تميز بها هذا الدين وتميزت بها شرائعه، فالدين وأهله براء من الانحراف، سواء الجانح إلى الغلو أو الجانح إلى التقصير.
إن مظاهر هذه الوسطية في الدين كثيرة جداً؛ إذ هي شاملة لجميع جوانب الحياة، فكل أمر من أوامر الإسلام جاء على وفق العدل.
стр. 1494
الوسطية ومواقف الناس فيما يتعلق بالسلوك المادي
نذكر هنا بعض الأمثلة لبيان أن مواقف الناس تتأرجح فيما يتعلق مثلاً بالسلوك المادي، فهناك موقفان متطرفان: الأول: زاغت طائفة فرأت أن المال هو الهدف الأسمى والغاية القصوى، كما هو معروف عن اليهود الذين وصفهم ﵎ بقوله: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ [البقرة:٩٦] ومعروف حب اليهود للمال، وهو مما يتندر به الشعراء، حتى إن أحدهم يصف جمال امرأة بأنه ينسي اليهودي الذهب، وهذا يدل على إسراف اليهود في حب المال وعبادته.
الثاني: زاغت طائفة أخرى وهم النصارى، فحرموا على أنفسهم حقها من الحياة فابتدعوا الرهبانية، يقول عنهم: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾ [الحديد:٢٧].
وجاء الإسلام أمام هذين الانحرافين بالعدل، وأعطى كل ذي حق حقه، فقال : ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص:٧٧] وقال : ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف:٣٢].
ونهى عن الإفراط في حب المادة، فقال : ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [الحديد:٢٠] ونهى -أيضاً- رسول الله ﷺ عن التشديد على النفس والترهب كما يفعل النصارى، فقال ﵊: (لا تشددوا على أنفسكم فيشدد الله عليكم؛ فإن قوماً شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات، رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم).
فإذاً: كل ما يثبت عن الدين فلابد من أن نقطع بأنه هو العدل وهو الوسطية والخيرية، وأن نكل هذا الأمر إلى الدين وليس إلى العقول البشرية، فهو دين الوسطية والاعتدال، وهذه هي الميزة التي ميزت الإسلام عن سائر الأديان في كل القضايا بلا استثناء.
стр. 1495
اليسر والسماحة في الإسلام
إن من خصائص الإسلام أنه دين قد بني على اليسر وعلى السماحة، وهذه -أيضاً- مقدمة مهمة جداً قبل الخوض في مناقشة أطراف الغلو كما ذكرنا.
فيسر الإسلام وتيسيره من سماته التي تميز بها عما سواه من الأديان، فإن الله جعل من إحدى الحكم التي بعث من أجلها عبده ورسوله محمداً ﷺ أن يضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم.
يقول ﵎: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف:١٥٧].
كذلك جاءت الشريعة برفع الحرج والتضييق على الناس أو التعنت في تكليفهم، فليس الحرج معروفاً في الشريعة، بل نزه الله هذا الدين عنه بقوله : ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨] يعني: في الدين الذي أنزله الله.
ولا يصح لبعض الناس أن يتهاونوا في أحكام الشريعة وأن يفرطوا بحجة أن لا حرج في الدين؛ لأنه الدين الذي لا حرج فيه هو الذي أنزله الله ليس الدين الذي تخترعه أنت لنفسك.
وبعضهم إذا أنكرت عليهم شيئاًَ خطئاً يقولون لك: الدين يسر.
فأي دين هذا هو اليسر؟! أهو الدين الذي أنزله الله والذي شرعه الله، أم الدين الذي اخترعتموه لأنفسكم من ترك للصلوات الخمس وغير ذلك؟! إن اليسر هو في الدين الذي أنزله الله؛ لأن الله يعلم من خلق، ويعلم طاقة الناس، فهو سبحانه لم يكلفنا بالصلاة إلا ونحن نستطيع أداء الصلاة، يقول : ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] فهذا هو معنى أن الدين يسر، وأن الله لا يكلفنا إلا بما نطيق، وهناك بعض الحالات الاستثنائية، كأن يكون الإنسان مريضاً أو مسافراً، فشرع سبحانه من الرخص ما يخفف عن الإنسان هذه المشقة الطارئة، لكن ليس هذا هو الأصل.
стр. 1496
الموقف الشرعي العملي من المبتدعة والعصاة
لقد كان حال النبي ﷺ كما جاء في الحديث: (ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً) فالدين يسر، ولذلك قال ﵊ في ذي الخويصرة التميمي: (يخرج من ضئضئ هذا قوم يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم ...) وقال ﷺ لقائمي الليل: (ليقم أحدكم ما استطاع، فإذا فتر عن ذلك فليقعد) إلى آخر الحديث، فكان ينكر على الغلاة حسب الحال وحسب الآثار التي تترتب على هذا الانحراف.
وعلى هذا فإننا نستحضر معنى في سيرة النبي ﷺ ، وهو أنه مع العصاة يتلطف وينصح برفق، لكن مع المبتدعين يقسو عليهم أشد القسوة؛ لأن البدعة أحب إلى إبليس من المعصية.
ففي الحديث: (أن رجلاً أتى النبي ﵊ نادماً وذكر له ما فعل، فنزل قوله ﵎: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفِيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود:١١٤] فقال الرجل: يا رسول الله! ألي هذه؟ قال: لمن عمل بها من أمتي) وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: (أن ناساً من أهل الشرك كانوا قد قتلوا وأكثروا في القتل وزنوا وأكثروا، فأتوا محمداً ﷺ فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن، ولو تخبرنا أن لما عملنا كفارة فنزل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان:٦٨]، ونزل قوله : ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٥٣]) فتجد في هذا الرفق والتلطف مع العصاة.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: (أُتي النبي ﷺ برجل قد شرب، فقال: اضربوه.
قال أبو هريرة ﵁: فمنا الضارب بيده، والضارب بنعله، والضارب بثوبه، فلما انصرف قال بعض القوم: أخزاك الله.
فقال الرسول ﷺ : لا تقولوا هذا؛ لا تعينوا عليه الشيطان).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: (جاء أعرابي فبال في المسجد) فتخيل الموقف! يبول داخل المسجد الذي هو أطهر بقاع الله، وفي مسجد الرسول ﵊، وبحضرة الرسول ﵊ وأمام الناس! قال: (جاء أعرابي فبال في المسجد، فتناوله الناس، فقال لهم النبي ﷺ : دعوه وأهريقوا على بوله سجلاً من ماء؛ فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين).
فتخيل لو أن هذه الحادثة حصلت الآن في زماننا، فماذا سيحصل من الناس؟ سترى الغلظة في التعامل، وبهذا ندرك الفرق بين رحمة النبي ﷺ وحرصه على الأمة ورفقه بهم ﵊، وبين من ينتسبون إليه وهم لم يفقهوا بعد روح الإسلام من حيث السماحة واليسر والتلطف مع الناس حتى لو كانوا عصاة أو مخالفين، فقال لهم: (دعوه وأهريقوا على بوله سجلاً من ماء؛ فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين) فبين أن همهم بالوقوع في الرجل من باب التشديد المخالف لسماحة الدين ويسره، وبين لهم أن هذا البول يراق عليه دلو من الماء ويطهر بالمكاثرة، وبهذا علمنا أحكام النجاسات وكيف تزول النجاسة.
وعن معاوية بن الحكم السلمي رضي الله تعالى عنه قال: (بينا أنا أصلي مع رسول الله ﷺ إذ عطس رجل من القوم فقلت: يرحمك الله.
فرماني القوم بأبصارهم، قال: فقلت: واثكل أمياه! ما شأنكم تنظرون إلي؟! فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم يصمتونني، لكني سكت، فلما صلى رسول الله ﷺ فبأبي هو وأمي ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه، فوالله ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني، ثم قال: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن) وانتهى الأمر، فانظر إلى رحمة النبي ﷺ ورفقه بالصحابة! فلو أن واحداً اصطحب معه ابنه الصغير إلى المسجد فمعلوم أن هذا الطفل الصغير قد يلهو أو يبكي، فبمجرد أن ينصرف الإمام من الصلاة إذا بالأصوات ترتفع لدرجة أفظع بكثير من صوت هذا الصبي الصغير، ويحدثون ضوضاء أشد من ضوضاء ذلك الصبي الصغير المعذور، وهم غير معذورين.
وعلى أي الأحوال لا نستطيع أن ندرج كل صورة تخالف التيسير والسماحة التي شرعها لنا رسول الله ﵌، وهو أنصح البشر للأمة على الإطلاق، فعلينا نحن -المسلمين- أن نتبعه في تسامحه وتيسيره ولا نتشدد؛ لأن الانحراف عن هدي النبي ﷺ في كل الأشياء يعتبر تشدداً وتنطعاً وتطرفاً.
يقول المؤلف: وليست هذه الأحاديث إلا صوراً عملية لبيان أسلوب النبي ﷺ في كيفية معاملة العصاة والمخالفين، وإلا فالدين كله شاهد على أن العاصي لا يعامل بالتكفير، وإنما إن عوقب فأقيم عليه الحد فهو كفارة له وطهرة، وتطهير للمجتمع، ومن ستر الله عليه وتاب فهو إلى الله إن شاء غفر له وإن شاء عذبه، فعن عبادة بن الصامت ﵁ قال: (كنا عند رسول الله ﷺ في مجلس فقال: بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً ولا تسرقوا ولا تزنوا، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئاً فستره الله عليه فإن شاء غفر له وإن شاء عذبه).
وعن جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (إن الله لم يبعثني معنفاً ولا متعنفاً، ولكن بعثني معلماً ميسراً) ﵌.
стр. 1497
مشروعية الرخص
هناك أشياء أخرى بجانب أدلة القرآن والسنة نستدل بها على يسر هذا الدين وسماحته، منها: ما ثبت من مشروعية الرخص، وهذا أمر مقطوع به ومعلوم من الدين بالضرورة، فإن هذا نمط من التشريع يدل قطعاً على رفع الحرج والمشقة، ولو كان الشارع قاصداً للمشقة في التكليف لما كان ثم ترخيص ولا تخفيف، والرخص كثيرة جداً، منها: قصر الصلاة في السفر، والمسح على الجوربين أو الخفين، والتيمم في حال فقدان الماء وعند تعذر استعماله لمرض وغيره، والفطر في الصيام للمريض أو للمسافر أو غير ذلك، وصلاة الإنسان وهو مريض جالساً أو حسب ما يستطيع، إلى غير ذلك.
ولقد حث الشرع في الأخذ بهذه الرخص، وذلك لقوله ﷺ : (إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه) إذاً: الشرع لا يقصد بهذه التكاليف الشرعية أن يعنفنا وأن يوقعنا في الحرج وفي المشقة.
وقد أجمع العلماء على عدم وقوع الحرج في التكليف، وهذا يدل على عدم قصد الشارع له، وهذا متقرر باستقراء آحاد الأحكام.
стр. 1498
نهي الشرع عن التنطع والتشدد في جميع الأمور
ومن جانب آخر وجدنا نصوصاً شرعية فيها وصف الدين باليسر وبالسماحة وبالرفق مع العصاة وغير ذلك، وبالمقابل نجد في الشريعة النهي عن التشديد في الأمور، بحيث صار النهي عن التشدد وعن التنطع وعن التطرف والتعصب وغير ذلك من الأصول القطعية للشريعة الإسلامية.
والرسول ﷺ اتخذ التيسير منهجاً شاملاً عاماً في حياته، كما جاء في الحديث أنه (ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً أو قطيعة رحم) كذلك أيضاً كان آخذاً نفسه بالرفق داعياً إليه، فعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: (إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه) وقال ﷺ : (إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف) فكان ﵊ ألطف الناس في دعوته وأرفق الناس بالناس، وكان ﷺ يأمر دعاته ورسله باليسر والتيسير، فقد قال ﷺ لـ معاذ وأبي موسى ﵄ لما بعثهما إلى اليمن: (يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا) وهذا التيسير المقصود به التيسير الجاري على وفق الشرع والعدل لا على وفق الأهواء.
وعن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا) وحكمة هذا اليسر أن هذا الدين دين الفطرة، وأمور الفطرة مستقرة في النفوس يسهل عليها قبولها؛ لأنه متطابق تماماً مع الفطرة البشرية، كما قال بعض العلماء في تفسير قوله تعالى: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ [النور:٣٥] قال: يأتي نور الإسلام متطابقاً تماماً مع نور الفطرة.
وصاحب الفطرة السليمة ينفر من الشدة ومن العنف.
стр. 1499
التعامل باللين مع المخالفين
وكما أن الإسلام هو دين اليسر والسماحة فهو دين اللين، وأبلغ مظاهر سماحة الإسلام تبرز في نطاق الدعوة ونشر الدين، وفي معاملة العصاة والمخالفين، فقد جعل الله الأصل في الدعوة هو اللين وليس الشدة، حتى لو كان الشخص الذي توجه إليه الدعوة من أعتى خلق الله ، يقول الله ﵎ لموسى وهارون لما أرسلهما إلى فرعون: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤].
قال الحافظ ابن كثير: والحاصل من أقوالهم أن دعوتهما له تكون بكلام رقيق لين سهل رفيق يكون أوقع في النفوس وأبلغ وأنجع.
وذلك لأن المقصود ليس هو أن تكشف عوراته وأن تبين له بأنك أعلم منه أو أنك أقوى منه أو كذا، لكن المقصود هو أن تأخذ بناصيته إلى الله ، وأن تهدي قلبه إلى الحق، فتسلك الطريق الأسهل والأقرب، وهو النصيحة بالرفق وباللين وبالتي هي أحسن.
يقول ﵎ واصفاً لنبيه ﷺ وللدعاة من بعده طريق الدعوة ومنهجها: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [النحل:١٢٥]، فأرشده سبحانه إلى القيام بالدعوة بإحدى طرق ثلاث: بالحكمة، والموعظة الحسنة، وبالجدال بالتي هي أحسن، وهذا من باب التأكيد على معنى السماحة في الدعوة وعدم التشديد والتعنيف فيها.
وقال : ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت:٤٦] يقول الطبري: أي: لا تجادلوا -أيها المؤمنون بالله وبرسوله- اليهود والنصارى -وهم أهل الكتاب- إلا بالتي هي أحسن، إلا بالجميل من القول، وهو الدعاء إلى الله بآياته والتنبيه على حدوده.
стр. 1500
حقيقة الجهاد في الإسلام وعدم منافاته لسماحة الإسلام
أما الجهاد لنشر الإسلام الذي هو جهاد الطلب وهو جهاد النصر لدين الله وجهاد الدفاع عن الأديان والمقدسات والأعراض والأموال فليس فيه منافاة للسماحة، فهو لا يكون إلا بعد استنفاذ الوسائل الأخرى؛ إذ هو لنشر الإسلام وإبعاد الشانئين الصادين عن سبيل الله، ولذلك فإن مظاهر السماحة فيه بينة، وهذا ما توجهه الفقرة التالية، فيذكر هنا المؤلف سماحة الإسلام في الجهاد، ويذكر حديث بريدة ﵁: (أن النبي ﷺ كان إذا أمر أميراً على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله).
ونحن نرفض تماماً أن يقارن الإسلام بغيره من النظم الوضعية؛ لأن البشر حينما يضعون مواثيق وعهوداً ونظماً فيما بينهم، ويتنازل بعضهم مع بعض في المبادئ، سواء أكانت هذه النظم مع أمم نصرانية أم أجنبية أم مع أي شيء كان، فدين الله لا يتساوى مع غيره من الأديان، وهذا لا يمكن قبوله أبداً، فأهل الباطل دائماً يكونون مستعدين للتنازل حتى يتعايشوا تعايشاً سلمياً كما يزعمون، فأهل الباطل عندهم الحل الوسط هو أن نلتقي في وسط الطريق، نعبد معك إلهك سنة أو شهراً وتعبد إلهنا سنة أو شهراً، وهذه هي المساومة من كفار قريش للنبي ﷺ ، فنزل قوله ﵎ بهذه الشدة وهذه الصرامة والوضوح: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ﴾ [الكافرون:١ - ٦] أي: الذي هو الباطل.
﴿وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون:٦] أي: الذي هو دين الحق.
وليس معناه أن تقول: لكم دينكم ولي دين، وكل واحد على دينه.
لا، لكن المقصود بقوله: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ﴾ [الكافرون:٦] أي: دينكم الباطل.
كقوله : ﴿أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [يونس:٤١] يعني: كلانا على طريق آخر، ولا يحصل التقاء بين هذين الطريقين.
وإنما ذكرنا هذا لأن هناك تلاعباً شديداً بعقول بعض المسلمين، حيث فهموا موضوع التسامح فهماً خاطئاً، حتى إن بعض الناس من المسلمين كتب مقالات في الجرائد فيها الحمية والحماس يقول فيها: كيف تصفون النصارى بأنهم كفار؟! وبعض العلمانيين كتب في هذا وقال: إن اليهود والنصارى والصابئين كلهم داخلون الجنة.
واستدل على هذا بقوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [المائدة:٦٩] ونقول: هذا تحريف وإلحاد في آيات الله ﵎.
ونعود إلى موضوعنا، فقضية الجهاد جاءت به شريعة الله لمن كان مؤمناً بها، فلا يناقش، لكن يقول: سمعنا وأطعنا.
فالله هو الذي فرض الجهاد، فهل تطيع الله أم تصطحب أي مذهب أو دين باطل؟! فالكفر كله الآن متحد ضد المسلمين، كل العالم بلا استثناء، فالمنافقون والزنادقة واليهود والنصارى والهندوس عباد البقر وعباد الأصنام متحدون ضد المسلمين، وهناك بعض الناس عندهم أمل في بطرس غالي على أساس أن هذا الرجل يتبع الأمم المتحدة والسلام والإنسانية إلى غير ذلك، وأقول: هذا خصم للإسلام، فهو في كل معركة بين الإسلام وأعدائه لابد من أن ينضم إلى أعدائه، فهل ينتظر من مثل هذا أن يكون عنده رأفة أو رفق بالمسلمين؟! هل ننتظر من الهندوس رأفة ورفقاً؟ انظر إلى الدساتير والقوانين التي لا تنفذ إذا كانت المعركة ضد المسلمين، هذا هو الوضع الحقيقي، حيث تجد أهل الباطل يتعايشون فيما بينهم، لكن لا يتعايشون مع الدين الإسلامي؛ لأن الوحي أوضح عقيدة الولاء والبراء بقوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة:٥١] وقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ [آل عمران:١١٨] فالله سبحانه المطلع على ما في قلوبهم هو الذي يخبرنا بذلك.
فإذاً: أهل الباطل فيما بينهم يتنازلون حتى يتعايشوا، أما مع الحق فلا يمكن أبداً أن يحصل التقاء في وسط الطريق بين عقيدة الحق وبين هذه الأديان المزيفة أو المحرفة.
فبالنسبة لقضية الجهاد لا داعي لأن نتنازل ونقول: إن الجهاد في الإسلام كان جهاد دفاع لا جهاد طلب.
كلا، إن الإسلام دين جهاد ومبادءة، ولذلك على المسلمين أن يكونوا أقوى الناس وأشد الناس أخذاً بأسباب القوة، حتى ينتصر أهل الحق على أهل الباطل، ولم يحصل أن الإسلام أكره أحداً على الدخول فيه، كما هو معروف، بل إن الدين الإسلامي خير المشركين بين دفع الجزية وبين القتال؛ لأن الهدف من هذا الجهاد هو حمل الأمة لهذه الرسالة إلى البشر؛ لأجل سعادتهم في الدنيا والآخرة، وحتى لا تقف جيوش الكفر على حدود هذه البلاد وتمنع من انتشار هذا النور الذي أنزله الله للعالمين رحمة للناس، بل الهدف من الجهاد أن يدخل الناس الجنة ويقادوا إلى الجنة ولو بالسلاسل.
فهؤلاء الطواغيت يقفون بجيوشهم ليدافعوا حسب زعمهم عن الوطن وتراب الوطن المقدس وغير هذا.
والملاحدة والزنادقة يصفون الفتح الإسلامي بأنه هدم، ويقولون: إن بلادنا ظلت مستعمرة منذ كذا سنة.
ويقصدون بهذا أبهى فترة عاشتها بلادنا، وهي فترة العصر الإسلامي المشرق.
فالحمد الله الذي وفق هؤلاء المجاهدين من الصحابة الذين قهروا جيوش الفرس والروم حتى تمكنوا من أن يدخلوا إلينا دين الإسلام، وهذا من بركة جهاد هؤلاء الصحابة الذين ضحوا بأموالهم وأنفسهم وأبنائهم حتى يصل إلينا هذا الدين، وهناك من يحقد على الصحابة ويصفهم بأنهم غزاة، كما قال إسماعيل صبري في الأربعينات أو الخمسينات، قال: إنني أمقت النقاب والحجاب مقتاً شديداً؛ لأن الحجاب يذكرني بأولئك الفاتحين الأجانب الذين أتوا إلى هنا ونشروا الحجاب.
ويقصد بالفاتحين الأجانب الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، وهم أطهر أمة وخير أمة أخرجت للناس، فلما عتا الباطل وانتفش وكان معه سلاح وقوة وقهر وبطش وإعلام وغير ذلك أبرز وأظهر ما كان بالأمس يخفيه، لكن الباطل في النهاية لابد له من أن يضمحل ويذوب، والمؤمن في حالة الضعف ينبغي أن يكون واثقاً بربه صامداً كالجبل في اعتقاده واعتزازه بحكم الله، ومعلوم أن الباطل مثل زبد البحر لا يلبث أن ينفض فقاقيع تطفوا على السطح، وكم سمعنا ممن حاربوا الإسلام ونكلوا بدعاة الإسلام وشوشوا على الإسلام ثم صاروا في خبر كان، وإذا ذكروا فلا يذكرون إلا باللعنة وبالدعاء عليهم؛ لأن الله هو الذي يحفظ الدين، وما وكل الله أحداً من الخلق بأن يحفظ دينه، قال : ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩] والقرآن يبطل مفعول كل هذه السموم، فأي فكرة خبيثة يحاولون نشرها ويجندون لها كل الطاقات لنشرها تأتي آية واحدة من القرآن تدحضها وتبطلها.
وعلى كل حال فإن الجهاد لابد من أن نستحضر أنه حكم إلهي وهو عين العدل الإلهي، والعدول عنه هو التطرف في الحقيقة.
يقول بريدة: (كان رسول الله ﷺ إذا أمر أميراً على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرا، ثم قال: اغدوا باسم الله في سبيل الله) وقوله: (في سبيل الله) يعني أنهم ما أرادوا مالاً ولا جاهاً ولا دنيا ولا شهرة، وإنما جاهدوا وضحوا في سبيل الله ، ولذلك رفع الله ذكرهم في العالمين، قال (اغدوا باسم الله، في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغدوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا) فنهي عن الغدر وعن التمثيل بالجثث، وقد روي أن المسلمين لما أرادوا فتح فارس مثل الخبثاء الفرس بجثث المسلمين، فقطعوا أعضاءهم وشوهوا جثثهم بعد قتلهم، فأقسم بعض المسلمين ليمثلن بهم كما مثلوا بقتلى المسلمين، فبلغ ذلك عمر ﵁ فقال لهم: (ومتى كان لنا في الفرس أسوة؟!) أي: نحن أسوتنا هو رسول الله ﷺ ، ولقد غضب ﵊ أشد الغضب حين وجد بين القتلى أطفالاً صغاراً وذرية، فقال ﷺ : (ألم أنه عن قتل الذرية) فهذه هي الأخلاق، وهذه هي القيم، وهذه هي المثل والفضائل، يقول ﵊: (لا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليداً، وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال، فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، وادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين) إلى آخر الحديث
стр. 1501
عهود المسلمين مع غيرهم وموقف الإسلام منها
إذا أعطى المسلمون غيرهم عهداً من العهود أو الدخول تحت ذمة المسلمين أو أمانهم فإنه يجب الوفاء بالعهد، وأن يستقيم المسلمون على العهد ما استقام لهم الكافرون، ولذلك جاء النهي عن الغدر والأمر بالوفاء للمعاهد، ونصوص ذلك كثيرة في القرآن والسنة، يقول : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:١]، ويقول : ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة:٤] وقال : ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الممتحنة:٨ - ٩] ويقول : (وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة:٨].
فالمسلمون هم الفئة التي إذا غلبت عدلت ولم تظلم، بخلاف غيرهم، فإنهم كما قال الله عنهم: ﴿إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ﴾ [الكهف:٢٠] ويقول : ﴿كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلا ذِمَّةً﴾ [التوبة:٨] كما يحصل الآن في العالم كله من تواطؤ على ذبح المسلمين وإحراقهم وتجويعهم وإضعافهم وإنهاك قواهم، وهذا ليس جديداً علينا، فنحن نقرأ القرآن، وهذا موجود في القرآن فقوله تعالى: ﴿كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ [التوبة:٨] أي: كيف إذا كان لهم الغلبة والعلو؟! ﴿لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة:٨].
وإننا نلاحظ سماحة الإسلام في التعامل مع العصاة والمخالفين، فقد قال ﵊: (لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ثم أتى بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم) كما بين أن المعاصي درجات، وأن كل عاص يعامل حسب جرمه، وأنه لو عومل جميع الناس بالزجر والضرب والهجر لكان ذلك سبباً في نفورهم من الدين.
يقول : ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٥٩] فهذا هو رسول الله ﵊ يقول الله له: (وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ) فالشأن مع العاصي والمخطئ ليس زجره وتكفيره، بل دعوته إلى التوبة وتصحيح المسار وبيان وجه الخطأ الذي وقع فيه، فهذه كانت مقدمة فيما يتعلق ببيان سماحة الإسلام ويسره.
ويبقى الكلام على معنى الغلو في اللغة ومعنى الغلو في الشرع.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، سبحانك -اللهم ربنا- وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
стр. 1502
الغلو في الدين [٢]
لقد بيَّن علماء الإسلام أهمية الألفاظ الشرعية في العقائد وغيرها، وذكروا خطورة إطلاق المصطلحات غير الشرعية القديمة والحديثة، إلا في حالات استثنائية بعد معرفة معانيها ومقصود واضعيها، وهذا إذا احتيج إلى ذلك، وكانت المعاني صحيحة، وإلا فالأفضل البعد عن هذه الاصطلاحات الموهمة والمشتبهة.
стр. 1503
أهمية فهم الألفاظ الشرعية والمصطلحات الإسلامية
الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فيذكر المؤلف تمهيداً في أهمية الألفاظ الشرعية والمصطلحات الإسلامية، وينبه إلى أن العلم بحقائق الأشياء والوعي بمفاهيمها لابد من أن يكون أساساً لتضييق دائرة الخلاف أو لإزالته؛ لأنك لا تكاد تجد خلافاً في أي مسألة من المسائل إلا ومن ورائه اختلاف أو سوء فهم بحقيقة الأمر المختلف فيه، قد يكون الطرفان متفقين، ولكن قد يوجد سوء فهم لبعض المصطلحات التي قد تغطي على الحقيقة.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: إن كثيراً من نزاع الناس سببه ألفاظ مجملة مبتدعة ومعان مشتبهة، حتى تجد رجلين يتخاصمان ويتعاديان على إطلاق ألفاظ أو نفيها، ولو سئل كل منهما عن معنى ما قاله لم يتصوره، فضلاً عن أن يعرف دليله.
فحكم الإنسان على أي شيء أو على أي مبدأ راجع إلى التصور الموجود في ذهنه، لذلك فعلماء المنطق عبروا عن هذا بعبارة صحيحة، وهو قولهم: الحكم على الشيء فرع عن تصوره.
فإذا تصورت الشيء على خلاف ما هو عليه في الحقيقة سيختلف حكمك عليه.
مثلاً: كلمة التصوف، يمكن أن نجد من الناس من يتكلم في التصوف فيقول: هؤلاء ملاحدة وزنادقة ومشركون وخارجون من الملة إلى آخر ذلك، وكذلك عن حكم دراسة التصوف.
بينما آخر تجده يمدح التصوف ويذكر محاسنه، وأن أهله أهل دين، وأنهم أولياء الله، وغير ذلك من ألفاظ المديح، لكن إذا دققت ما الذي يقصده هذا الذي عمم في الجانبين ستجد أن من مدح التصوف إنما نظر لما في تصوره وفي ذهنه من أن التصوف هو ذكر الله والاجتهاد في طاعة الله، والتورع عن المحرمات، والاهتمام برياضة النفس وتهذيب القلوب وتزكيتها إلى آخره، وقد لا يخطر بباله على الإطلاق تلك المعاني الإلحادية التي انحرف بها بعض غلاة التصوف.
أما الشخص الذي يصف أهل التصوف ويعمم بأنهم ملاحدة وزنادقة وحلوليون، إنما نظر إلى المتطرفين جداً من الصوفية، خاصة في العقيدة، كـ ابن عربي أو غيره ممن ألحدوا في ذات الله ﵎ وقالوا بالحلول وبوحدة الوجود أو غير ذلك من العقائد الشركية التي تخرج فاعلها أو ناطقها من الملة.
فإذاً: على الإنسان قبل أن يتكلم في قضية أو في مصطلح معين أن يبين ما الذي يقصده من هذا الذي يذمه أو يمدحه.
стр. 1504
أسباب اهتمام العلماء بالألفاظ الشرعية والمصطلحات الإسلامية
اهتم علماء المسلمون بالألفاظ الشرعية والمصطلحات الإسلامية اهتماماً بالغاً، وذلك لأمور: أولاً: أن عدم تحديد الألفاظ ومعانيها وحدودها يجعلها نسبية غير محررة، فيستخدمها كل فريق كما يحلو له بمعنى أنهم يستخدمونها على ما تدفعه الأهواء وما تمليه عليهم العقائد، كما وقع -مثلاً- في تاريخنا الإسلامي من كون بعض الظالمين يصفون أهل السنة والجماعة بأوصاف متناقضة لا يمكن أبداً اجتماعها، حيث نجد المعطلة الذين يعطلون صفات الله ﵎ يطلقون على أهل السنة بأنهم مشبهة، والمشبهة يسمون أهل السنة بالمعطلة، أما أهل السنة فهم على صراط مستقيم لم تتقاذفهم أهواء هؤلاء ولا أولئك.
ثانياً: أهمية تحديد هذه المصطلحات قبل الخوض فيها؛ لأنه أحياناً قد تحدث معان محدثة طارئة لبعض الألفاظ، وليست معاني أصلية وردت في الكتاب والسنة، فتطرأ بعض المعاني والمفاهيم والاصطلاحات الحادثة لقوم أو فئة من الناس؛ لأن كثيراً من الناس ينشأ على اصطلاح قومه وعادتهم في الألفاظ، ثم يجد تلك الألفاظ موجودة في النصوص الشرعية أو في كلام أهل العلم، فيظن أن المراد بها نظير مراد قومه، ويكون مراد الشارع خلاف ذلك، وهذا الأمر اتضح وضوحاً تاماً في العصر الحديث، لما للإعلام من أثر في تغيير المصطلحات لكثرة استعمالها، مع أن المراد بها معان غير المعاني التي كانت لها أصلاً.
ثالثاً: تبرز أهمية الألفاظ الشرعية والمصطلحات الإسلامية في أنها أصبحت الآن أداة من أدوات الصراع الفكري، إذ يهتم أعداء أي فكرة أو مبدأ في صراعهم مع الأفكار الأخرى بالألفاظ والمصطلحات العلمية، وذلك بتحريفها وتغييب القول الحق فيها، إذ يأتون إلى المعاني الصحيحة فيبرزونها في قوالب منفرة، وكذلك العكس، حيث يأتون إلى المعاني الفاسدة ويبرزونها في قوالب محبوبة للناس، فمثلاً: الفن الذي هو صناعة التماثيل، والذي هو رسم الصور القبيحة التي لا حياء فيها، وغير ذلك، حيث يسمون أعماله الفنون الجميلة، ويقولون: كلية الفنون الجميلة.
ومثل هذه الأشياء فيها قلة الحياء، ومبارزة الله بتصوير ما فيه روح أو صناعة التماثيل، ولا شك أن هذا من أكبر الكبائر.
فإذاً: من أقوى أسلحة أعداء الإسلام في هذا الزمان الترويج للمفاهيم الفاسدة، ومحاربة المفاهيم الصحيحة من خلال اللعب بالمصطلحات، وهذا فن قديم يتقنه أعداء الدعوة في كل زمان ومكان، ولقد ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في بيان تلك الحقيقة شعراً، حيث يقول: تقول هذا جنى النحل تمدحه وإن شئت قلت ذا قيء الزنابير مدحاً وذماً وما جاوزت وصفهما والحق قد يعتريه سوء تعبير فعسل النحل الشهي الطيب هو في الحقيقة طيب وشفاء للناس، فيمكن أن تعبر عنه بجنى النحل من باب المدح له، ويمكن أن تعبر عنه بلفظ منفر، فتقول: هذا قيء الزنابير.
والقيء هو الذي تخرجه الزنابير من بطنها.
فهكذا ما يحصل اليوم في الصراع الفكري، حيث يقوم المخرفون باستعمال هذه المصطلحات للتلاعب بهذه الحقائق وتنفير الناس منها.
ومعلوم أن أعداء الرسول ﷺ استعملوا سوء التعبير فيه وفي الوحي الذي جاء به للتنفير عنه وعما جاء به.
ولو نظرنا في قصص جميع الأنبياء لوجدناهم وسموا ووصفوا بالجنون وبالسفاهة وبالضلال، وبغير ذلك من الأوصاف المنفرة، وهم أكمل الناس وأزكى الناس بلا شك، فهذا فرعون لعنه الله يقول في حق موسى ﵇: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف:٥٢] إلى غير ذلك من الألفاظ التي رمي بها الأنبياء أجمعون، والمقصود من ذلك تشويه هؤلاء الرسل لكي ينفر عنهم الناس، وهو نفس الشيء الذي حصل داخل الفرق الإسلامية، فنجد أعداء أهل السنة والجماعة قد حرصوا في شتى أحقاب التاريخ الإسلامي على التنفير من مذهب أهل السنة، وإطلاق الألفاظ المنفرة عليهم، كالحشوية والمعطلة أو المشبهة أو غير ذلك من الصفات.
أو تجد هؤلاء المخرفين يستعملون ألفاظاً طيبة لتغليف حقائق فاسدة، كالمعتزلة حينما يقولون: إن مذهبنا يقوم على خمسة أصول: منها التوحيد.
فما ذهبوا إليه من انحراف في فهم قضايا العقيدة أسموه توحيداً لترويجهم هذا المذهب الفاسد للناس، ومنها العدل، وهو ضلالهم في القضاء والقدر وغير ذلك.
стр. 1505
مصطلح العلمانية بين الحقيقة والزيف
وهنا مثال من أخطر الأمثلة في الحقيقة، وله أثر سيء جداً في واقعنا المعاصر، ألا وهو كلمة (العلمانية) أو (العالمانية) على الأصح، وهذا المصطلح الخطير حقيقته -كما نعلم- فصل الدين عن الحياة، فاستعمل النصارى هذا المصطلح، ومنهم فيكولر حيث ترجم مصطلح العالمانية إلى علمانية، لكي يلبس على الناس هذا الأمر، فأصبح عامة الناس إذا ذكرت العلمانية يفهمون أن العلمانية المقصود بها احترام العلم واتباع المنهج العلمي، في حين أن الكلمة لا علاقة لها على الإطلاق بالعلم، بل هي أقرب ما تكون إلى الجهل، ولذلك نتحرى أن لا ننطقها بهذا الوصف (العلمانية) حتى لا تلتبس على الناس، بل ننطقها (العالمانية) وهي لا تنسب إلى العلم على الإطلاق، لكن تنسب إلى العالم.
ومعناها: لا علاقة لنا بالدين، وإنما الإيمان بهذا العالم المادي الموجود أمامنا.
أي: فصل الدين تماماً عن القيم والأخلاق ونظم الحياة.
فهذا معنى الكلمة.
إذاً: أدق وأصح تعبير أن نقول: (العالمانية) نسبة إلى العالم، نسبة إلى هذه الدنيا بغض النظر عن الآخرة، واعتبار قضية الإيمان واليقين والآخرة والغيبيات والدين كلها قضايا شخصية لا ينبغي أن تتدخل في حياة الناس أو تنظم شئونهم.
فهذا نموذج من المصطلحات الخطيرة التي روجت، واستغل فيها جهل الناس لتمرير هذه المفاهيم الخبيثة، فقضية (العالمانية) وليست (العلمانية) هي -في الحقيقة- تقوم على الجهل؛ لأن الأشياء التي ينبغي أن تعلم في هذا الوجود ليست هي المعلومات المحسوسة فحسب، وإنما هناك معلومات أعظم وأخطر ينبغي أن نعلمها ونوقن بها، ومنها حقائق الغيب.
ففي الحقيقة حتى لو قلنا: إن العلمانية المقصود بها العلم التجريبي فهذا إنما مجاله -فقط- هو ما يخضع للحواس، فالمنهج العلمي -كما يقولون- هو التجربة والملاحظة والاستنتاج، فلابد في العلم التجريبي من أن يكون خاضعاً للحواس، يرى أو يشم أو يحس إلى غير ذلك.
إذاً: العلمانية في الحقيقة تحجب البشر من الاطلاع على القسم الأكبر والأخطر والأهم من المعلومات التي ينبغي أن يؤمنوا بها، وهو الإيمان بالغيب عن طريق الوحي الذي يعلمنا ويعرفنا بغيبيات موجودة لا ننكرها، فالعلمانية في الحقيقة دعوة جهل وليست دعوة علم.
إن العلمانية نشأت -كما نعلم- بسبب صراع الكنيسة مع العلم التجريبي؛ لأنهم كانوا كلما اكتشفوا شيئاً جديداً من الاكتشافات العلمية ثارت الكنيسة وطاردت العلماء وأحرقتهم بالنار وهم أحياء، وحصل صدام شديد جداً، لقد كانت الكنيسة دائماً تتسلط بعقيدتها الشركية التي قدمتها لهم: التثليث، والغفران، والعمد.
وهذا مصادم للفطرة، فأدى هذا التنفير والصدام إلى التمرد على هذا الدين، ولذلك فمن التلبيس -أيضاً- أن ينسبوا التقدم المادي في الغرب إلى دين النصارى، كلا، فهم ما تقدموا علماً إلا حين تحرروا من قيود دين كنيستهم المحرف، أما عندنا فمن الظلم أن تطبق هذه العالمانية على دين لم يعرف أبداً على الإطلاق صراعاً بين العلم وبين الدين؛ لأن هذا الدين أنزله الله، وهو الذي خلق الحقائق العلمية ، فلذلك يأتي نوراً على نور، ويتفق هذان النوران، ولا يمكن أبداً أن يحصل تناقض بين حقيقة علمية ثابتة قطعاً -ولا نقول: نظرية؛ لأن النظرية تتغير- وبين آية أو حديث، لا يمكن أن يحصل تناقض أبداً.
يقول شيخ الإسلام: إن الرسل تخبر بمحارات العقول ولا تخبر بمحالات العقول.
أي: تخبر بأشياء يحار فيها العقل بحيث يقصر عن فهمها وإدراكها على وجه التفصيل، ولا تخبر بمحالات العقول، أي: لا تخبر بشيء مستحيل.
والمستحيل هو اجتماع النقيضين، وهو لا يمكن أن يحصل، لكن يخبرون بغيبيات لا تطيقها العقول، فينبغي تفويض علمها وتفاصيل علمها إلى الله .
فالمهم أن كلمة (العلمانية) أنموذج من الاصطلاحات الخبيثة التي راجت على المسلمين، حتى إن بعض الشيوخ لم يحسن دراسة هذا المصطلح ونشأته وخلفياته، فلذلك صرح ببعض التصريحات وقال: إن العلمانية لا تتناقض مع الإسلام.
فهو يقصد أن العلمانية بمعنى احترام العلم، مع أن كلمة (العلمانية) لا علاقة لها -كما ذكرنا- بالعلم على الإطلاق من حيث الاشتقاق، ولا من حيث المعنى والمضمون.
стр. 1506
ضرورة الرجوع إلى اللغة العربية والشرع لمعرفة معاني الألفاظ الشرعية
إذا أردنا أن نعرف معاني الألفاظ الشرعية فلابد من أن نرجع إلى اللغة العربية وإلى مقصود الشرع من هذه الألفاظ.
وهنا نقف عند بعض المصطلحات التي تتعلق بهذا البحث ونلخص معانيها من حيث اللغة.
أولاً: الغلو.
تدور الأحرف الأصلية لهذه الكلمة ومشتقاتها على معنى واحد يدل على مجاوزة الحد والقدر.
أي: كل ما جاوز حده وقدره فهذا هو الغلو، ويقال: غلا السعر يغلو -وذلك ارتفاعه- غلاء؛ وغلا الرجل في الأمر غلواً أي: جاوز حده وغلت القدر تغلي غلياناً، وغلت السهم غلواً: إذا رميت به أبعد مما تقدر عليه.
فالغلو هو مجاوزة الحد، يقال: غلا في الدين غلواً أي: تشدد وتصلب حتى جاوز الحد.
فهذا بالنسبة لكلمة الغلو.
ثانياً: التطرف.
هذه الكلمة تدور في اللغة على أحد أمرين: الأول حد الشيء.
الثاني: الحركة في بعض الأعضاء، يقال: ما بين طرفة عين وانتباهتها يغير الله من حال إلى حال ويقال: طرفت عينه.
أي: تحركت.
فمادة (طرف) تستعمل في حركة بعض الأعضاء، كما أن الطرف هو حد الشيء، وهذا هو المعنى الذي يهمنا في هذا البحث، وهو أن الطرف مأخوذ من حد الشيء وحافته، فالمراد من كلمة الطرف منتهى الشيء وغايته.
وكذا يقال: تطرفت الشمس.
أي: دنت للغروب، يقول الشاعر: دنا وقرن الشمس قد تطرفا وقال شمر: اعرف طرفه.
يعني: إذا طرده؛ لأنه إذا طرده يصل إلى غاية الشيء ومنتهاه ويخرج منه.
وكذلك يقال للناقة إذا رعت أطراف المرعى: طرفت الناقة.
أي: ذهبت إلى طرف البستان وأخذت تأكل من الحشائش فيه.
فالطرف هو منتهى كل شيء.
فإذاً: التطرف تفاعل من الطرف، يقال: تطرف يتطرف فهو متطرف.
وخلاصة الكلام أن الشخص إذا تطرف فقد تجاوز حد الاعتدال ولم يتوسط.
ثالثاً: التنطع.
التنطع هو البسط والملامسة، والتعمق في الكلام مأخوذ من النطع، والنطع هو التجويف الأعلى في الفم الذي يظهر عندما يتعمق الإنسان ويتشدق في الكلام، وعندما يتخلل بلسانه كما تتخلل البقرة، فيظل يتكلم حتى يظهر التجويف الذي في أعلى سقف الفم، ثم استعمل في كل تعمق، سواء أكان في القول أم في الفعل، فهذا معنى كلمة التنطع.
رابعاً: التشدد.
ومعناه القوة والصلابة، وشاده مشادة: غالبه وصارعه، وفي الحديث يقول النبي ﷺ : (ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه) يعني: غلبه الدين.
خامساً: العنف.
وهو خلاف الرفق، والذي لا يقود الخيل برفق يسمى عنيفاً.
стр. 1507
أقسام الناس تجاه دعوة الرسل
ينقسم الناس إزاء دعوة الرسل إلى أقسام ثلاثة: فمنهم من يكون متمسكاً بالحق ومعتدلاً على الصراط المستقيم.
ومنهم: المفرط الزائغ عن حدود الله .
ومنهم الغالي الذي يتجاوز حدود الله.
أما النصوص الشرعية فقد جاءت بالتحذير من الغلو والإفراط والتفريط، وجاءت الشريعة تفرض علينا أن ندعو الله -على الأقل- سبع عشرة مرة في اليوم والليلة بقوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٦ - ٧] فهذا معنى سؤال الله أن يقي المسلمين شر الانحراف إلى هذا الطرف أو ذاك.
стр. 1508
أساليب القرآن في التنفير والتحذير من تعدي الحدود
الأسلوب الأول: الدعاء بطلب الاستقامة، وبيان أن الاستقامة لا تكون إلا بالبراءة من منهج هؤلاء الذين غضب الله عليهم والذين هم ضالون عن الطريق المستقيم؛ لأن كليهما متطرف، أما الصراط المستقيم فهو صراط الذين أنعم الله تعالى عليهم، كما في سورة الفاتحة.
الأسلوب الثاني: التحذير من تعدي الحدود، يقول : ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة:٢٢٩].
إذاً: هذا هو الميزان، وهذا هو الاعتدال، وهذا هو الصراط المستقيم، فكل انحراف عن هذا الاعتدال فهو في الحقيقة تطرف.
فمثلاً: المرأة المتبرجة تعدت حدود الله ، حيث أمرها بالحجاب وهي تهتك ستر الله ، وتبارز الله بالمعصية وتجهر بها وتكشف ما أمر الله بستره، فهذه متطرفة منحرفة وظالمة، يقول الله : ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة:٢٢٩] أي: لا تتجاوزوها.
ثم قال: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة:٢٢٩] إذاً: فغير المحجبة هي المتطرفة، وليست المحجبة هي المتطرفة.
وكذلك أمر الرسول ﵊ بإعفاء اللحى، فالرجل الذي يحلق لحيته متطرف ومتعد لحدود الله؛ لأن الرسول ﵊ أمر بإعفاء اللحية، وهذا خالف أمر الرسول ﷺ ، فهو متطرف وظالم، يقول : ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة:٢٢٩].
إذاً: فينبغي أن نستحضر أن الميزان والوسط هو ما جاء به القرآن والسنة، هذا هو الاعتدال، وكل انحراف عن هذا هو في الحقيقة تطرف.
وقد افتتن بعض الإخوة بما وصم ووصف به أهل الدين وأهل الطاعة من التطرف والتنطع وغير ذلك، فينبغي أن ننظر إلى هؤلاء الذين وصفوا أهل الدين بالتطرف على أنهم هم المتطرفون في الحقيقة، ولا يفت في عضدنا هذه الحملات الشيطانية ليل نهار على أهل الطاعة وأهل الدين.
إذاً: فكل شخص يخالف أمر الله وأمر رسول الله نقول له: قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة:٢٢٩] فالحدود هي النهايات لكل ما يجوز من الأمور المباحة المأمور بها وغير المأمور بها، وتعديها هو تجاوزها وعدم الوقوف عليها، وهذا التعدي هو الهدف الأعظم الذي يسعى إليه الشيطان؛ إذ إن مجمل ما يريد الشيطان تحقيقه أحد الانحرافين: إما الغلو وإما التقصير، فما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزعتان: إما إلى تفريط وإضاعة وإما إلى إفراط وغلو، ودين الله وسط بين الجافي عنه والغالي فيه، كالوادي بين جبلين، والهدى بين ضلالتين، والوسط بين طرفين ذميمين، فكما أن الجافي عن الأمر مضيع له فالغالي فيه مضيع له أيضاً، هذا بتقصيره عن الحد وهذا بتجاوزه الحد.
وذلك هو الأسلوب الثاني في معالجة الإسلام لقضية التطرف والانحراف.
الأسلوب الثالث: الدعوة إلى الاستقامة ولزوم الأمر وعدم الغلو والزيادة، يقول ﵎: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [هود:١١٢] فقوله: (لا تطغوا) أي: لا تنحرفوا ولا تتعدوا حدود الله ﵎ التي أمر الله بها.
الأسلوب الرابع في علاج قضية التطرف والغلو: النهي عن الغلو وتوجيه الخطاب لأهل الكتاب على وجه الخصوص، حيث يقول : ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ﴾ [النساء:١٧١].
لأن اليهود اخترعوا له من قبل قضية الخطيئة الأصلية، وأن البشرية كلها ملوثة، فربنا -عندهم- لا يتوب على المولود؛ لأنه ولد ملوثاً بخطيئة آدم، فحتى يتاب عليه لابد من أن يعمد، وذلك بالتغسيل، فإذا غسل صار نصرانياً مستحقاً للنجاة إلى غير ذلك، وهذه من مظاهر غلوهم.
ومن مظاهر غلوهم اختراع الرهبانية التي ابتدعوها وما أذن الله ﵎ بها، يقول : ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾ [الحديد:٢٧] والاستثناء هنا منقطع بمعنى (لكن).
أما إعراب (رهبانية) فهي مفعول به لفعل مقدر، أي: ابتدعوا رهبانية ابتدعوها.
وقوله تعالى: (مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ) أي: ما أمرناهم بها ولا كلفناهم بها، كتحريم الطيبات والتعبد بترك الزواج وغير ذلك.
فقوله تعالى: (مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ) أي: ما كتبناها عليهم، لكن كتبنا عليهم ابتغاء رضوان الله عن طريق اتباع شرع الله، وليس بالابتداع.
هذا هو معنى قوله تعالى: (مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ) .
واليهود -أيضاً- عندهم قدر كبير جداً من الغلو، وإن كان النصارى أكثر غلواً في الاعتقادات والأعمال من سائر الطوائف.
فكل هذه النصوص، كقوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [النساء:١٧١]، وقوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ [المائدة:٧٧] توجيه النهي فيها عن الغلو لأهل الكتاب إنما المقصود به تنبيه هذه الأمة حتى لا تقع فيما وقعوا فيه من الغلو، وحتى تجتنب الأسباب التي أوجبت غضب الله على الأمم السابقة.
الأسلوب الخامس الذي عالج به الإسلام قضية الغلو والتطرف: أن النبي ﵌ نهى أمته عن الغلو حتى لا يقعوا فيما وقع فيه من سبقهم من الأمم التي بعث فيهم الرسل عليهم الصلاة والسلام.
فعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: (قال لي رسول الله ﷺ غداة جمع -أي: صباح المزدلفة- هلم القط لي الحصى -حتى يرمي جمرة العقبة الكبرى- فلقطت له سبع حصيات مثل حصى الخذف، فلما وضعهن في يده قال: نعم بأمثال هؤلاء، وإياكم والغلو في الدين؛ فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين) وكأن النبي ﷺ أراد تحذيرنا مما يحصل الآن من جهلة الناس عند رمي الجمرات، فبعضهم يرمي إبليس عند الجمرات، وبلغني أن بعض الناس أطلق الرصاص على الشاخص، وبعضهم يرمون الجمرات بالنعال، ومن يذهب إلى الحج يراها، فهذا من الغلو.
ويقول النبي ﵌: (لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، فإنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله) ﵊.
والمقصود بقوله: (لا تطروني) أي: لا تبالغوا في مدحي.
وتطرف البوصيري في فهم هذا الحديث فقال: إن النهي عن المدح بالنسبة للنبي ﵊ فقط عن أن نصفه بأنه ابن الله كما قالت النصارى، أما ما عدا ذلك فنحن في حل من أن نمدحه بما شئنا، فمن ثم خرج منه كثير جداً من مظاهر الغلو الشنيع، كمثيل قوله: دع ما ادعته النصارى في نبيهم وانطق بما شئت مدحاً فيه واحتكم يعني أن أهم شيء هو أن لا تقول: إن محمداً ابن الله أو ثالث ثلاثة.
فكان مما نطق به البوصيري من الكلام الشنيع قوله مادحاً النبي ﷺ : فإن من علومك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم فهذا غلو لا يرضاه رسول الله ﵌.
الأسلوب السادس من أساليب القرآن في التنفير من الغلو: بيان مصير الغالي وعاقبته.
فعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : (هلك المتنطعون، هلك المتنطعون، هلك المتنطعون) يدعو عليهم بالهلاك، أو يخبر بهلاكهم؛ لأنهم انحرفوا عن الجادة وتعدوا حدود الله ﵎، فقوله إياها ثلاث مرات فيه توكيد للهلاك بالنسبة للمتنطعين، وهم المتعمقون المغالون المباينون الحدود في أقوالهم وفي أفعالهم.
وأيضاً يقول ﵊: (لا تشددوا على أنفسكم فيشدد الله عليكم؛ فإن قوماً شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم) فهذه -أيضاً- صورة من مظاهر الغلو.
стр. 1509
عاقبة المشدد على نفسه في أمور الدين
لقد بينت السنة أن عاقبة الشخص الذي يخالف الفطرة ويكلف نفسه بأشياء فوق طاقته ينتهي به الأمر إلى أنه لا يصل إلى الغاية، وهناك بعض الآثار ما أظنها صحيحة، لكن تبين لنا هذا المعنى، منها: قوله: (فإن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى) فقد مثل برجل خرج في الصحراء راكباً على دابته وحملها أثقالاً كثيرة جداً، ثم مشى في الصحراء وتوغل فيها وأتعب دابته، وانتهى الأمر به إلى أن الدابةلم تستطع حمل ما عليها؛ لأنه حملها فوق طاقتها، فهو بهذا لا أرضاً قطع؛ حيث إنه لم يصل إلى الموضع الذي يقصده، ولا ظهراً أبقى؛ حيث إنه أهلك هذه الدابة بالأحمال الثقيلة.
فكذلك الإنسان مثل هذه الدابة، حتى كان بعض العلماء يحسن اختيار طعامه، فقيل له في ذلك فقال: إن الدابة إذا أحسنت علفها فإنها تستطيع أن تنجز مهامها، فكذلك هذا الجسد هو الآلة التي تحمل روحك وتبلغ بها إلى مقاصدك وتنفذ بها حاجياتك.
فالإنسان إذا أنهك جسمه بأشياء فوق طاقته فإنه يعجز عن مواصلة السير، فلا يصل إلى هدفه، (إن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى).
وهذا في الحقيقة نلاحظه بصورة واضحة جداً فيمن يبتلى بالانتماء للجماعات المتطرفة بحق، كجماعة التكفير، حيث نجد الواحد منهم يكلف نفسه بأشياء فيها تجاوز لحدود الله ، فهذا الأمر يحتمله لكن لفترة محددة، ولا يستطيع الاستمرار عليه؛ لأنه ضد الفطرة، والشريعة التي أنزلها الله جاء فيها: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] فهذا خالفها وكلف نفسه فوق وسعها وتشدد في أخذ أمور الدين وأمور العقيدة وغير ذلك، فمثل هذا إن أراد الله به خيراً أعاده إلى الجادة وإلى طريق أهل السنة والجماعة والاعتدال والوسط، أو -والعياذ بالله- يحصل عنده انقلاب كلي وانحراف وتفلت كامل، فبعدما كان يكفر الناس من أجل بعض الأشياء التي لا تقتضي تكفيرهم إذا به يقع فيما هو أكبر مما كان يكفر الناس بسببه من الترخصات وتعدي حدود الله ﵎؛ لأنه حمل نفسه فوق فطرتها، والفطرة تأبى الاستمرار على هذا طويلاً.
ولهذا تجد عامة هؤلاء متلونين لا يثبتون على قرار، فإذا ابتلي أحدهم بشيء من هذه الأفكار تجده دائماً كما يقول الشاعر: كل يوم تتلون غير هذا بك أجمل فكلما جاءه رجل أجدل من رجل ترك ما جاء به جبريل إلى محمد ﵊ لجدل هؤلاء.
فظاهرة تعدي حدود الله بتكليف النفس فوق ما تطيق يؤدي إلى عدم الثبات، فإما أن ينحرف تماماً وإما أن يأخذ الله بيده وينجيه من هذه الانحرافات.
والسنة بينت أن عاقبة المشدد على نفسه الانقطاع، وأنه ما من مشاد لهذا الدين إلا ويغلب وينقطع، فالسنة بهذا تبين لنا أن الشخص الذي يتجاوز حدود الله هو عبارة عن مصادم لدين والدين سيغلبه.
وهذا الدين الذي أنزله الله فيه اليسر والسماحة، فما من أحد يريد أن يغالب هذا الدين ويصارعه إلا غلبه هذا الدين وهزمه، يقول ﵊: (إن هذا الدين يسر، ولن يشاد الدين إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا) فقوله: (فسددوا) أي: ليكن هدفك الأول أن تصل إلى المقصود مائة في المائة، فالسداد أن تصيب النقطة التي هي في الوسط.
أما إذا عجز الإنسان عن السداد ولم يستطع أن يصيب الهدف وإنما اقترب من الهدف بقدر المستطاع فهذا يدل على أنه اقترب من الدائرة الأصلية، وبهذا يكون قد تفوق نسبياً على غيره ممن بعد عنه أكثر.
إذاً: فمعنى (سددوا وقاربوا) أي: افعلوا الأمور تماماً كما كلفتم بها، فإن عجزتم فاتقوا الله ما استطعتم، وذلك بأن تقتربوا من السداد بقدر المستطاع.
فهذا معنى قوله ﵊: (فسددوا وقاربوا وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة) وفي لفظ قال ﵊: (والقصد القصد تبلغوا) فقوله: (والقصد القصد) يعني الاعتدال.
وقوله: (تبلغوا) أي: تصلوا إلى غايتكم ومرامكم.
يقول الحافظ ابن حجر: والمعنى: لا يتعمق أحد في الأعمال الدينية ويترك الرفق إلا عجز وانقطع فيغلب، وحتى لا يقع ذلك جاء بختام الحديث آمراً بالتسديد والمقاربة.
стр. 1510
أنواع الغلو وأمثلته ونتائجه
إن الغلو ليس نوعاً واحداً، ولكنه يتنوع باختلاف متعلقه من أفعال العباد، فهناك غلو اعتقادي وغلو عملي، فالغلو الاعتقادي يسمى غلواً كلياً.
والبدعة أقسام: بدعة كلية وجزئية، والبدعة الكلية: أن تكون قاعدة مبتدعة يتحاكم إليها وتصير أصلاً، بحيثَ تَفصَّل القضايا على أساسها، مثل قاعدة تحكيم العقل في النقل، فهذه بدعة كلية.
والبدعة الكلية تنتظم تحتها فروعاً كثيرة جداً، فالمراد بالغلو العملي ما كان متعلقاً بكليات الشريعة أو أمهات المسائل في الشريعة الإسلامية، والمراد بالغلو الاعتقادي ما كان متعلقاً بباب العقائد، فهو محصور في الجانب الاعتقادي.
وأمثلة الغلو الاعتقادي الكلي كثيرة، منها: الغلو في الأئمة وادعاء العصمة لهم، كما يحصل من الشيعة، فإن الشيعة من أقبح الفرق المتطرفة في الإسلام، فهم يغلون كثيراً في أئمتهم الاثني عشر المزعومين، فلقد غلوا فيهم حتى وصلوا بهم إلى مراتب وصفات الألوهية.
ومنها الغلو في البراءة من المجتمع العاصي، كأن يعيش إنسان في مجتمع مظاهر بالفسق والعصيان فيغلو في التبرؤ من المجتمع، ويغلو في تطبيق قضية الولاء والبراء إلى حد تكفير أفراد هذا المجتمع واعتزالهم، وهذه سنناقشها إن شاء الله تعالى بالتفصيل.
ويدخل في الغلو الكلي الاعتقادي الغلو في فروع كثيرة من الأحكام، بحيث يكثر من الإنسان مخالفات في قضايا جزئية، حتى تصير بمجموعها كلية؛ لأن المعارضة للشريعة في الحالتين منطبقة عليهما كليهما، فمعارضة الشريعة بالقاعدة الكلية يترتب عليها مخالفات جزئية كثيرة حينما تطبق هذه القاعدة، كذلك إذا كان الإنسان منحرفاً في قضايا جزئية كثيرة ومتعددة جداً فمخالفة الشريعة تقوم بها -أيضاً- بصورة كلية تماماً كما في الحالة الأولى.
فإذاً: يدخل في الغلو الكلي الاعتقادي الغلو في فروع كثيرة؛ إذ إن المعارضة الحاصلة به للشرع مماثلة لتلك المعارضة الحاصلة بالغلو في أمر كلي، والغلو الكلي الاعتقادي أشد خطراً وأعظم ضرراً من الغلو العملي؛ لأن الغلو العملي مثل أن يقوم إنسان الليل ولا ينام، ويصوم النهار ولا يفطر أبداً، إلى غير ذلك من أنواع الغلو العملي، ومثل تحريم الطيبات على نفسه، وتحريم الظلال، وتحريم أكل اللحوم وهكذا، فهذا غلو عملي، لكن الغلو في العقيدة أخطر وأشد من الغلو العملي، وفي كل شر؛ إذ الغلو الاعتقادي هو المؤدي إلى الانشقاقات، وسبب تفرق الأمة هو الغلو الاعتقادي، فالأمة ما افترقت إلا بسببه، ولذلك فسر علماء الحديث قوله ﷺ : (وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة) فسروه بأن الفرقة في أمة الإجابة لا أمة الدعوة.
والدليل على ذلك ما ورد في صدر الحديث: (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقين) واليهود الذين افترقوا إلى إحدى وسبعين فرقة كانوا أهل دين واحد، وكذلك قوله: (وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة) فهذه الفرق حاصلة في أمة الإجابة، وهي الأمة المسلمة، وهذا -أيضاً- يؤيده الواقع، فإننا رأينا أصول هذه الفرق -سواء المرجئة أو الخوارج أو المعتزلة أو القدرية وما تفرع عنها من البدع المعروفة- من المسلمين.
إذاً: فالانشقاق الذي حصل داخل الجماعة المسلمة إنما حصل بسبب الغلو الكلي الاعتقادي، فهذا هو المظهر السائد للفرق والجماعات الخارجة عن الصراط المستقيم؛ لأنها ما تسمى فرقة إلا لأنها انحرفت عن الفرقة الناجية.
يقول ﵊: (فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضو عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة).
فهذا دليل على أن مخالفة أهل السنة والجماعة هي التي تؤدي إلى حصول التصدعات والانشقاقات، فأساس الانشقاق في الأمة نابع من خلاف في العقيدة بسبب الغلو الكلي الاعتقادي.
يقول الشاطبي رحمه الله تعالى: ذلك أن هذه الفرق إنما تصير فرقاً بخلافها للفرقة الناجية في معنى كلي في الدين وقاعدة من قواعد الشريعة لا جزئي من الجزئيات.
يعني: لا يصح أن تصف جماعة بأنها فرقة ضالة إذا كانت تخالف في قضايا جزئية، لكن يمكن أن تصفها بأنها فرقة ضالة إذا كانت تخالف في قضية كلية اعتقادية، مثل الشيعة، فهي فرقة من الفرق الضالة؛ لأنها تخالفنا في كليات، فعندها غلو كلي في قضايا الاعتقاد.
يقول الشاطبي رحمه الله تعالى: لا في جزئي من الجزئيات، إذ الجزئي أو الفرع الشاذ ما ينشأ عنه مخالفة يقع بسببها التفرق شيعاً، وإنما ينشأ التفرق عند وقوع المخالفة في الأمور الكلية، أرأيت كيف غلت الطوائف كالخوارج والشيعة في كليات من الدين، فأدى غلوهم إلى ظهور فرق ونشوء جماعات، بينما غلا أشخاص في السلوك والعبادات فلم يؤد غلوهم إلى ظهور فرق جديدة.
يعني أن فرقة الخوارج نفسها تفرقت إلى جماعات كثيرة حتى كفر بعضهم بعضاً، وهذا شأنهم في كل زمان، ففي مصر لما ظهروا في الفترات الأخيرة منذ السبعينات تفرقوا حتى صارت فرقة تكفر الفرق الأخرى، كذلك الشيعة تفرقت إلى فرق كثيرة جداً حتى كفر بعضها بعضاًً.
وهذا دليل على أنَّ الغلو الكلي الاعتقادي أعظم خطراًَ بالنسبة للغلو العملي السلوكي؛ لأن الغلو السلوكي العملي الاعتقادي لم ينشأ عنه فرق انشطارية، وأوضح مثال على ذلك الصوفية، فعندما كانوا موجودين في صدر الإسلام لم يكونوا يشكلون فرقة خطيرة على المجتمع المسلم، فقد كانوا في بداية أمرهم على الزهد والاستقامة على السنة وإصلاح الظاهر والباطن، لكنهم لما طرأ عليهم بعد ذلك انحرافات في قضايا كلية اعتقادية كبدعة ادعاء العصمة لمشايخهم ونحو ذلك من أمور الغلو الكلي الاعتقادي، فحينئذ صاروا فرقاً شتى، منهم الملحد، ومنهم المبتدع، ومنهم من هو دون ذلك.
следующие страницы →