Полный текст (2 122 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.
стр. 1506
ضرورة الرجوع إلى اللغة العربية والشرع لمعرفة معاني الألفاظ الشرعية
إذا أردنا أن نعرف معاني الألفاظ الشرعية فلابد من أن نرجع إلى اللغة العربية وإلى مقصود الشرع من هذه الألفاظ.
وهنا نقف عند بعض المصطلحات التي تتعلق بهذا البحث ونلخص معانيها من حيث اللغة.
أولاً: الغلو.
تدور الأحرف الأصلية لهذه الكلمة ومشتقاتها على معنى واحد يدل على مجاوزة الحد والقدر.
أي: كل ما جاوز حده وقدره فهذا هو الغلو، ويقال: غلا السعر يغلو -وذلك ارتفاعه- غلاء؛ وغلا الرجل في الأمر غلواً أي: جاوز حده وغلت القدر تغلي غلياناً، وغلت السهم غلواً: إذا رميت به أبعد مما تقدر عليه.
فالغلو هو مجاوزة الحد، يقال: غلا في الدين غلواً أي: تشدد وتصلب حتى جاوز الحد.
فهذا بالنسبة لكلمة الغلو.
ثانياً: التطرف.
هذه الكلمة تدور في اللغة على أحد أمرين: الأول حد الشيء.
الثاني: الحركة في بعض الأعضاء، يقال: ما بين طرفة عين وانتباهتها يغير الله من حال إلى حال ويقال: طرفت عينه.
أي: تحركت.
فمادة (طرف) تستعمل في حركة بعض الأعضاء، كما أن الطرف هو حد الشيء، وهذا هو المعنى الذي يهمنا في هذا البحث، وهو أن الطرف مأخوذ من حد الشيء وحافته، فالمراد من كلمة الطرف منتهى الشيء وغايته.
وكذا يقال: تطرفت الشمس.
أي: دنت للغروب، يقول الشاعر: دنا وقرن الشمس قد تطرفا وقال شمر: اعرف طرفه.
يعني: إذا طرده؛ لأنه إذا طرده يصل إلى غاية الشيء ومنتهاه ويخرج منه.
وكذلك يقال للناقة إذا رعت أطراف المرعى: طرفت الناقة.
أي: ذهبت إلى طرف البستان وأخذت تأكل من الحشائش فيه.
فالطرف هو منتهى كل شيء.
فإذاً: التطرف تفاعل من الطرف، يقال: تطرف يتطرف فهو متطرف.
وخلاصة الكلام أن الشخص إذا تطرف فقد تجاوز حد الاعتدال ولم يتوسط.
ثالثاً: التنطع.
التنطع هو البسط والملامسة، والتعمق في الكلام مأخوذ من النطع، والنطع هو التجويف الأعلى في الفم الذي يظهر عندما يتعمق الإنسان ويتشدق في الكلام، وعندما يتخلل بلسانه كما تتخلل البقرة، فيظل يتكلم حتى يظهر التجويف الذي في أعلى سقف الفم، ثم استعمل في كل تعمق، سواء أكان في القول أم في الفعل، فهذا معنى كلمة التنطع.
رابعاً: التشدد.
ومعناه القوة والصلابة، وشاده مشادة: غالبه وصارعه، وفي الحديث يقول النبي ﷺ : (ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه) يعني: غلبه الدين.
خامساً: العنف.
وهو خلاف الرفق، والذي لا يقود الخيل برفق يسمى عنيفاً.
стр. 1507
أقسام الناس تجاه دعوة الرسل
ينقسم الناس إزاء دعوة الرسل إلى أقسام ثلاثة: فمنهم من يكون متمسكاً بالحق ومعتدلاً على الصراط المستقيم.
ومنهم: المفرط الزائغ عن حدود الله .
ومنهم الغالي الذي يتجاوز حدود الله.
أما النصوص الشرعية فقد جاءت بالتحذير من الغلو والإفراط والتفريط، وجاءت الشريعة تفرض علينا أن ندعو الله -على الأقل- سبع عشرة مرة في اليوم والليلة بقوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٦ - ٧] فهذا معنى سؤال الله أن يقي المسلمين شر الانحراف إلى هذا الطرف أو ذاك.
стр. 1508
أساليب القرآن في التنفير والتحذير من تعدي الحدود
الأسلوب الأول: الدعاء بطلب الاستقامة، وبيان أن الاستقامة لا تكون إلا بالبراءة من منهج هؤلاء الذين غضب الله عليهم والذين هم ضالون عن الطريق المستقيم؛ لأن كليهما متطرف، أما الصراط المستقيم فهو صراط الذين أنعم الله تعالى عليهم، كما في سورة الفاتحة.
الأسلوب الثاني: التحذير من تعدي الحدود، يقول : ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة:٢٢٩].
إذاً: هذا هو الميزان، وهذا هو الاعتدال، وهذا هو الصراط المستقيم، فكل انحراف عن هذا الاعتدال فهو في الحقيقة تطرف.
فمثلاً: المرأة المتبرجة تعدت حدود الله ، حيث أمرها بالحجاب وهي تهتك ستر الله ، وتبارز الله بالمعصية وتجهر بها وتكشف ما أمر الله بستره، فهذه متطرفة منحرفة وظالمة، يقول الله : ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة:٢٢٩] أي: لا تتجاوزوها.
ثم قال: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة:٢٢٩] إذاً: فغير المحجبة هي المتطرفة، وليست المحجبة هي المتطرفة.
وكذلك أمر الرسول ﵊ بإعفاء اللحى، فالرجل الذي يحلق لحيته متطرف ومتعد لحدود الله؛ لأن الرسول ﵊ أمر بإعفاء اللحية، وهذا خالف أمر الرسول ﷺ ، فهو متطرف وظالم، يقول : ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة:٢٢٩].
إذاً: فينبغي أن نستحضر أن الميزان والوسط هو ما جاء به القرآن والسنة، هذا هو الاعتدال، وكل انحراف عن هذا هو في الحقيقة تطرف.
وقد افتتن بعض الإخوة بما وصم ووصف به أهل الدين وأهل الطاعة من التطرف والتنطع وغير ذلك، فينبغي أن ننظر إلى هؤلاء الذين وصفوا أهل الدين بالتطرف على أنهم هم المتطرفون في الحقيقة، ولا يفت في عضدنا هذه الحملات الشيطانية ليل نهار على أهل الطاعة وأهل الدين.
إذاً: فكل شخص يخالف أمر الله وأمر رسول الله نقول له: قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة:٢٢٩] فالحدود هي النهايات لكل ما يجوز من الأمور المباحة المأمور بها وغير المأمور بها، وتعديها هو تجاوزها وعدم الوقوف عليها، وهذا التعدي هو الهدف الأعظم الذي يسعى إليه الشيطان؛ إذ إن مجمل ما يريد الشيطان تحقيقه أحد الانحرافين: إما الغلو وإما التقصير، فما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزعتان: إما إلى تفريط وإضاعة وإما إلى إفراط وغلو، ودين الله وسط بين الجافي عنه والغالي فيه، كالوادي بين جبلين، والهدى بين ضلالتين، والوسط بين طرفين ذميمين، فكما أن الجافي عن الأمر مضيع له فالغالي فيه مضيع له أيضاً، هذا بتقصيره عن الحد وهذا بتجاوزه الحد.
وذلك هو الأسلوب الثاني في معالجة الإسلام لقضية التطرف والانحراف.
الأسلوب الثالث: الدعوة إلى الاستقامة ولزوم الأمر وعدم الغلو والزيادة، يقول ﵎: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [هود:١١٢] فقوله: (لا تطغوا) أي: لا تنحرفوا ولا تتعدوا حدود الله ﵎ التي أمر الله بها.
الأسلوب الرابع في علاج قضية التطرف والغلو: النهي عن الغلو وتوجيه الخطاب لأهل الكتاب على وجه الخصوص، حيث يقول : ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ﴾ [النساء:١٧١].
لأن اليهود اخترعوا له من قبل قضية الخطيئة الأصلية، وأن البشرية كلها ملوثة، فربنا -عندهم- لا يتوب على المولود؛ لأنه ولد ملوثاً بخطيئة آدم، فحتى يتاب عليه لابد من أن يعمد، وذلك بالتغسيل، فإذا غسل صار نصرانياً مستحقاً للنجاة إلى غير ذلك، وهذه من مظاهر غلوهم.
ومن مظاهر غلوهم اختراع الرهبانية التي ابتدعوها وما أذن الله ﵎ بها، يقول : ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾ [الحديد:٢٧] والاستثناء هنا منقطع بمعنى (لكن).
أما إعراب (رهبانية) فهي مفعول به لفعل مقدر، أي: ابتدعوا رهبانية ابتدعوها.
وقوله تعالى: (مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ) أي: ما أمرناهم بها ولا كلفناهم بها، كتحريم الطيبات والتعبد بترك الزواج وغير ذلك.
فقوله تعالى: (مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ) أي: ما كتبناها عليهم، لكن كتبنا عليهم ابتغاء رضوان الله عن طريق اتباع شرع الله، وليس بالابتداع.
هذا هو معنى قوله تعالى: (مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ) .
واليهود -أيضاً- عندهم قدر كبير جداً من الغلو، وإن كان النصارى أكثر غلواً في الاعتقادات والأعمال من سائر الطوائف.
فكل هذه النصوص، كقوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [النساء:١٧١]، وقوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ [المائدة:٧٧] توجيه النهي فيها عن الغلو لأهل الكتاب إنما المقصود به تنبيه هذه الأمة حتى لا تقع فيما وقعوا فيه من الغلو، وحتى تجتنب الأسباب التي أوجبت غضب الله على الأمم السابقة.
الأسلوب الخامس الذي عالج به الإسلام قضية الغلو والتطرف: أن النبي ﵌ نهى أمته عن الغلو حتى لا يقعوا فيما وقع فيه من سبقهم من الأمم التي بعث فيهم الرسل عليهم الصلاة والسلام.
فعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: (قال لي رسول الله ﷺ غداة جمع -أي: صباح المزدلفة- هلم القط لي الحصى -حتى يرمي جمرة العقبة الكبرى- فلقطت له سبع حصيات مثل حصى الخذف، فلما وضعهن في يده قال: نعم بأمثال هؤلاء، وإياكم والغلو في الدين؛ فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين) وكأن النبي ﷺ أراد تحذيرنا مما يحصل الآن من جهلة الناس عند رمي الجمرات، فبعضهم يرمي إبليس عند الجمرات، وبلغني أن بعض الناس أطلق الرصاص على الشاخص، وبعضهم يرمون الجمرات بالنعال، ومن يذهب إلى الحج يراها، فهذا من الغلو.
ويقول النبي ﵌: (لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، فإنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله) ﵊.
والمقصود بقوله: (لا تطروني) أي: لا تبالغوا في مدحي.
وتطرف البوصيري في فهم هذا الحديث فقال: إن النهي عن المدح بالنسبة للنبي ﵊ فقط عن أن نصفه بأنه ابن الله كما قالت النصارى، أما ما عدا ذلك فنحن في حل من أن نمدحه بما شئنا، فمن ثم خرج منه كثير جداً من مظاهر الغلو الشنيع، كمثيل قوله: دع ما ادعته النصارى في نبيهم وانطق بما شئت مدحاً فيه واحتكم يعني أن أهم شيء هو أن لا تقول: إن محمداً ابن الله أو ثالث ثلاثة.
فكان مما نطق به البوصيري من الكلام الشنيع قوله مادحاً النبي ﷺ : فإن من علومك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم فهذا غلو لا يرضاه رسول الله ﵌.
الأسلوب السادس من أساليب القرآن في التنفير من الغلو: بيان مصير الغالي وعاقبته.
فعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : (هلك المتنطعون، هلك المتنطعون، هلك المتنطعون) يدعو عليهم بالهلاك، أو يخبر بهلاكهم؛ لأنهم انحرفوا عن الجادة وتعدوا حدود الله ﵎، فقوله إياها ثلاث مرات فيه توكيد للهلاك بالنسبة للمتنطعين، وهم المتعمقون المغالون المباينون الحدود في أقوالهم وفي أفعالهم.
وأيضاً يقول ﵊: (لا تشددوا على أنفسكم فيشدد الله عليكم؛ فإن قوماً شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم) فهذه -أيضاً- صورة من مظاهر الغلو.
стр. 1509
عاقبة المشدد على نفسه في أمور الدين
لقد بينت السنة أن عاقبة الشخص الذي يخالف الفطرة ويكلف نفسه بأشياء فوق طاقته ينتهي به الأمر إلى أنه لا يصل إلى الغاية، وهناك بعض الآثار ما أظنها صحيحة، لكن تبين لنا هذا المعنى، منها: قوله: (فإن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى) فقد مثل برجل خرج في الصحراء راكباً على دابته وحملها أثقالاً كثيرة جداً، ثم مشى في الصحراء وتوغل فيها وأتعب دابته، وانتهى الأمر به إلى أن الدابةلم تستطع حمل ما عليها؛ لأنه حملها فوق طاقتها، فهو بهذا لا أرضاً قطع؛ حيث إنه لم يصل إلى الموضع الذي يقصده، ولا ظهراً أبقى؛ حيث إنه أهلك هذه الدابة بالأحمال الثقيلة.
فكذلك الإنسان مثل هذه الدابة، حتى كان بعض العلماء يحسن اختيار طعامه، فقيل له في ذلك فقال: إن الدابة إذا أحسنت علفها فإنها تستطيع أن تنجز مهامها، فكذلك هذا الجسد هو الآلة التي تحمل روحك وتبلغ بها إلى مقاصدك وتنفذ بها حاجياتك.
فالإنسان إذا أنهك جسمه بأشياء فوق طاقته فإنه يعجز عن مواصلة السير، فلا يصل إلى هدفه، (إن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى).
وهذا في الحقيقة نلاحظه بصورة واضحة جداً فيمن يبتلى بالانتماء للجماعات المتطرفة بحق، كجماعة التكفير، حيث نجد الواحد منهم يكلف نفسه بأشياء فيها تجاوز لحدود الله ، فهذا الأمر يحتمله لكن لفترة محددة، ولا يستطيع الاستمرار عليه؛ لأنه ضد الفطرة، والشريعة التي أنزلها الله جاء فيها: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] فهذا خالفها وكلف نفسه فوق وسعها وتشدد في أخذ أمور الدين وأمور العقيدة وغير ذلك، فمثل هذا إن أراد الله به خيراً أعاده إلى الجادة وإلى طريق أهل السنة والجماعة والاعتدال والوسط، أو -والعياذ بالله- يحصل عنده انقلاب كلي وانحراف وتفلت كامل، فبعدما كان يكفر الناس من أجل بعض الأشياء التي لا تقتضي تكفيرهم إذا به يقع فيما هو أكبر مما كان يكفر الناس بسببه من الترخصات وتعدي حدود الله ﵎؛ لأنه حمل نفسه فوق فطرتها، والفطرة تأبى الاستمرار على هذا طويلاً.
ولهذا تجد عامة هؤلاء متلونين لا يثبتون على قرار، فإذا ابتلي أحدهم بشيء من هذه الأفكار تجده دائماً كما يقول الشاعر: كل يوم تتلون غير هذا بك أجمل فكلما جاءه رجل أجدل من رجل ترك ما جاء به جبريل إلى محمد ﵊ لجدل هؤلاء.
فظاهرة تعدي حدود الله بتكليف النفس فوق ما تطيق يؤدي إلى عدم الثبات، فإما أن ينحرف تماماً وإما أن يأخذ الله بيده وينجيه من هذه الانحرافات.
والسنة بينت أن عاقبة المشدد على نفسه الانقطاع، وأنه ما من مشاد لهذا الدين إلا ويغلب وينقطع، فالسنة بهذا تبين لنا أن الشخص الذي يتجاوز حدود الله هو عبارة عن مصادم لدين والدين سيغلبه.
وهذا الدين الذي أنزله الله فيه اليسر والسماحة، فما من أحد يريد أن يغالب هذا الدين ويصارعه إلا غلبه هذا الدين وهزمه، يقول ﵊: (إن هذا الدين يسر، ولن يشاد الدين إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا) فقوله: (فسددوا) أي: ليكن هدفك الأول أن تصل إلى المقصود مائة في المائة، فالسداد أن تصيب النقطة التي هي في الوسط.
أما إذا عجز الإنسان عن السداد ولم يستطع أن يصيب الهدف وإنما اقترب من الهدف بقدر المستطاع فهذا يدل على أنه اقترب من الدائرة الأصلية، وبهذا يكون قد تفوق نسبياً على غيره ممن بعد عنه أكثر.
إذاً: فمعنى (سددوا وقاربوا) أي: افعلوا الأمور تماماً كما كلفتم بها، فإن عجزتم فاتقوا الله ما استطعتم، وذلك بأن تقتربوا من السداد بقدر المستطاع.
فهذا معنى قوله ﵊: (فسددوا وقاربوا وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة) وفي لفظ قال ﵊: (والقصد القصد تبلغوا) فقوله: (والقصد القصد) يعني الاعتدال.
وقوله: (تبلغوا) أي: تصلوا إلى غايتكم ومرامكم.
يقول الحافظ ابن حجر: والمعنى: لا يتعمق أحد في الأعمال الدينية ويترك الرفق إلا عجز وانقطع فيغلب، وحتى لا يقع ذلك جاء بختام الحديث آمراً بالتسديد والمقاربة.
стр. 1510
أنواع الغلو وأمثلته ونتائجه
إن الغلو ليس نوعاً واحداً، ولكنه يتنوع باختلاف متعلقه من أفعال العباد، فهناك غلو اعتقادي وغلو عملي، فالغلو الاعتقادي يسمى غلواً كلياً.
والبدعة أقسام: بدعة كلية وجزئية، والبدعة الكلية: أن تكون قاعدة مبتدعة يتحاكم إليها وتصير أصلاً، بحيثَ تَفصَّل القضايا على أساسها، مثل قاعدة تحكيم العقل في النقل، فهذه بدعة كلية.
والبدعة الكلية تنتظم تحتها فروعاً كثيرة جداً، فالمراد بالغلو العملي ما كان متعلقاً بكليات الشريعة أو أمهات المسائل في الشريعة الإسلامية، والمراد بالغلو الاعتقادي ما كان متعلقاً بباب العقائد، فهو محصور في الجانب الاعتقادي.
وأمثلة الغلو الاعتقادي الكلي كثيرة، منها: الغلو في الأئمة وادعاء العصمة لهم، كما يحصل من الشيعة، فإن الشيعة من أقبح الفرق المتطرفة في الإسلام، فهم يغلون كثيراً في أئمتهم الاثني عشر المزعومين، فلقد غلوا فيهم حتى وصلوا بهم إلى مراتب وصفات الألوهية.
ومنها الغلو في البراءة من المجتمع العاصي، كأن يعيش إنسان في مجتمع مظاهر بالفسق والعصيان فيغلو في التبرؤ من المجتمع، ويغلو في تطبيق قضية الولاء والبراء إلى حد تكفير أفراد هذا المجتمع واعتزالهم، وهذه سنناقشها إن شاء الله تعالى بالتفصيل.
ويدخل في الغلو الكلي الاعتقادي الغلو في فروع كثيرة من الأحكام، بحيث يكثر من الإنسان مخالفات في قضايا جزئية، حتى تصير بمجموعها كلية؛ لأن المعارضة للشريعة في الحالتين منطبقة عليهما كليهما، فمعارضة الشريعة بالقاعدة الكلية يترتب عليها مخالفات جزئية كثيرة حينما تطبق هذه القاعدة، كذلك إذا كان الإنسان منحرفاً في قضايا جزئية كثيرة ومتعددة جداً فمخالفة الشريعة تقوم بها -أيضاً- بصورة كلية تماماً كما في الحالة الأولى.
فإذاً: يدخل في الغلو الكلي الاعتقادي الغلو في فروع كثيرة؛ إذ إن المعارضة الحاصلة به للشرع مماثلة لتلك المعارضة الحاصلة بالغلو في أمر كلي، والغلو الكلي الاعتقادي أشد خطراً وأعظم ضرراً من الغلو العملي؛ لأن الغلو العملي مثل أن يقوم إنسان الليل ولا ينام، ويصوم النهار ولا يفطر أبداً، إلى غير ذلك من أنواع الغلو العملي، ومثل تحريم الطيبات على نفسه، وتحريم الظلال، وتحريم أكل اللحوم وهكذا، فهذا غلو عملي، لكن الغلو في العقيدة أخطر وأشد من الغلو العملي، وفي كل شر؛ إذ الغلو الاعتقادي هو المؤدي إلى الانشقاقات، وسبب تفرق الأمة هو الغلو الاعتقادي، فالأمة ما افترقت إلا بسببه، ولذلك فسر علماء الحديث قوله ﷺ : (وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة) فسروه بأن الفرقة في أمة الإجابة لا أمة الدعوة.
والدليل على ذلك ما ورد في صدر الحديث: (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقين) واليهود الذين افترقوا إلى إحدى وسبعين فرقة كانوا أهل دين واحد، وكذلك قوله: (وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة) فهذه الفرق حاصلة في أمة الإجابة، وهي الأمة المسلمة، وهذا -أيضاً- يؤيده الواقع، فإننا رأينا أصول هذه الفرق -سواء المرجئة أو الخوارج أو المعتزلة أو القدرية وما تفرع عنها من البدع المعروفة- من المسلمين.
إذاً: فالانشقاق الذي حصل داخل الجماعة المسلمة إنما حصل بسبب الغلو الكلي الاعتقادي، فهذا هو المظهر السائد للفرق والجماعات الخارجة عن الصراط المستقيم؛ لأنها ما تسمى فرقة إلا لأنها انحرفت عن الفرقة الناجية.
يقول ﵊: (فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضو عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة).
فهذا دليل على أن مخالفة أهل السنة والجماعة هي التي تؤدي إلى حصول التصدعات والانشقاقات، فأساس الانشقاق في الأمة نابع من خلاف في العقيدة بسبب الغلو الكلي الاعتقادي.
يقول الشاطبي رحمه الله تعالى: ذلك أن هذه الفرق إنما تصير فرقاً بخلافها للفرقة الناجية في معنى كلي في الدين وقاعدة من قواعد الشريعة لا جزئي من الجزئيات.
يعني: لا يصح أن تصف جماعة بأنها فرقة ضالة إذا كانت تخالف في قضايا جزئية، لكن يمكن أن تصفها بأنها فرقة ضالة إذا كانت تخالف في قضية كلية اعتقادية، مثل الشيعة، فهي فرقة من الفرق الضالة؛ لأنها تخالفنا في كليات، فعندها غلو كلي في قضايا الاعتقاد.
يقول الشاطبي رحمه الله تعالى: لا في جزئي من الجزئيات، إذ الجزئي أو الفرع الشاذ ما ينشأ عنه مخالفة يقع بسببها التفرق شيعاً، وإنما ينشأ التفرق عند وقوع المخالفة في الأمور الكلية، أرأيت كيف غلت الطوائف كالخوارج والشيعة في كليات من الدين، فأدى غلوهم إلى ظهور فرق ونشوء جماعات، بينما غلا أشخاص في السلوك والعبادات فلم يؤد غلوهم إلى ظهور فرق جديدة.
يعني أن فرقة الخوارج نفسها تفرقت إلى جماعات كثيرة حتى كفر بعضهم بعضاً، وهذا شأنهم في كل زمان، ففي مصر لما ظهروا في الفترات الأخيرة منذ السبعينات تفرقوا حتى صارت فرقة تكفر الفرق الأخرى، كذلك الشيعة تفرقت إلى فرق كثيرة جداً حتى كفر بعضها بعضاًً.
وهذا دليل على أنَّ الغلو الكلي الاعتقادي أعظم خطراًَ بالنسبة للغلو العملي السلوكي؛ لأن الغلو السلوكي العملي الاعتقادي لم ينشأ عنه فرق انشطارية، وأوضح مثال على ذلك الصوفية، فعندما كانوا موجودين في صدر الإسلام لم يكونوا يشكلون فرقة خطيرة على المجتمع المسلم، فقد كانوا في بداية أمرهم على الزهد والاستقامة على السنة وإصلاح الظاهر والباطن، لكنهم لما طرأ عليهم بعد ذلك انحرافات في قضايا كلية اعتقادية كبدعة ادعاء العصمة لمشايخهم ونحو ذلك من أمور الغلو الكلي الاعتقادي، فحينئذ صاروا فرقاً شتى، منهم الملحد، ومنهم المبتدع، ومنهم من هو دون ذلك.
стр. 1511
الفرق بين الغلو الكلي الاعتقادي والغلو الجزئي العملي
أولاً: منطوق النصوص، فقد وردت في الغلو الكلي الاعتقادي أحاديث تدل على أنَّه بسبب هذا الغلو ستظهر جماعات وفرق وأحزاب، كحديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه في قصة الرجل الذي اعترض على قسمة النبي ﷺ والعياذ بالله، فهذا الرجل قال كلمة خطيرة والعياذ بالله، قال: هذه قسمة ما أريد بها وجه الله! فقال ﵊: (ويلك! من يعدل إذا لم أعدل؟! ثم أدبر الرجل، فاستأذن رجل من القوم في قتله -يقولون: إنه خالد بن الوليد - فقال رسول الله ﷺ : إن من ضئضئ هذا قوماً يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان).
هذا الحديث يخبر عن فرقة الخوارج؛ لأن من صلب الرجل خرجت فرقة الخوارج، فأخبر أنه لا يرفع ثوابهم إلى السماء، ولا يقبل الله منهم هذا العمل، وهذا الوصف -في الحقيقة- للخوارج يتضح ويتبين منه أن الإخلاص وحده لا يكفي، بل لابد من الإخلاص والمتابعة معاً، فالخوارج لو اطلعت على اجتهادهم وإخلاصهم في العبادة لرأيت عجباً، كان يقول عنهم ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: (رأيت قوماً أيديهم كأنها نقر الإبل، جباههم قرحة من كثرة السجود) وكذلك صارت الركب مثل جلود الإبل في الخشونه من شدة العبادة والركوع والسجود، ولما دخل ابن عباس معسكرهم كي يناظرهم سمع دوياً كدوي النحل وهم يتلون القرآن، لكن -وللأسف- مع اهتمامهم بتلاوة القرآن فإنهم لا يفقهون القرآن، وهذا هو أحد أوصافهم الأساسية، كما سنبين إن شاء الله تعالى.
وكان عندهم ورع غريب جداً، لكن هذا الورع وجوده عدمه سواء، فهم لم يتورعوا عن قتل بعض الصحابة، وبقر بطون النساء الحوامل، وتكفيرهم للمسلمين، والخروج على علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، وهذه المأساة التي حصلت منهم، ومع ذلك كانوا في سيرهم زهاداً، فهذا واحد منهم أخذ تمرة من النخل فأكلها فقال له صاحبه من الخوارج: أخذتها بغير حقها! فما زال به حتى لفظها تورعاً.
وهذا آخر معه سيف أراد أن يجربه، فمر به خنزير لأهل الكتاب فقتله، فقالوا: قتلته بغير حق.
وذهبوا إلى صاحب الخنزير ودفعوا له قيمة هذا الخنزير، في حين تواطئوا على قتل المسلمين وإراقة دمائهم بغير حق، كما هو معلوم من سيرهم.
وجاء في بعض الآثار عن بعض السلف أنه قال: إن الشيطان إذا أراد أن يهلك إنساناً خلى بينه وبين العبادة وأمره بالخشوع والبكاء كي يصطاده ويصطاد به، حتى يجتهد في جانب العبادة على غير بصيرة، فيكون مبتدعاً وفتنة لكل مفتون.
فالشاهد من الكلام أن الشريعة نفسها فرقت بين الغلو الاعتقادي الكلي والغلو الجزئي العملي، فهنا النبي ﵊ في جانب الغلو الاعتقادي حينما تكلم عن الخوارج قال في حقهم: (يخرج من ضئضئ هذا قوم) وذكر كلمة قوم، أي: فرقة صفاتهم كذا وكذا وكذا.
أما الغلو الجزئي العملي فمثاله ذلك الذي كان يغلو غلوا شديداً في قيام الليل، فقال له النبي ﵊: (ليصل أحدكم نشاطه، فإذا فتر فليقعد) فقوله: (ليصل أحدكم) عبر فيه بالواحد.
وقوله: (نشاطه) أي: مادام نشيطاً فليصل قائماً، فإذا فتر فليقعد، ولا يضع حبلاً بين الساريتين ويتعلق به؛ لأن هذا شدد على نفسه وكلفها فوق طاقتها.
وكذلك الغلو الاعتقادي الكلي بلاؤه عام على الأمة كلها؛ لأن الإنسان حين يغلو في اعتقاد ما، كأن يعتقد كفر المسلمين فهل سيقتصر على هذا الحد أم أن وراء هذه العقيدة مفاسد وأضراراً لا تحصى، علاوة على شناعة النطق بغير علم في مثل هذه القضية الحساسة، فيترتب عليها استحلال للدماء واستحلال للأعراض، وكم سمعنا من المآسي في هذا الباب، تجدهم يتزوجون المرأة وهي على عصمة زوجها؛ لأن هذا كافر حسب زعمهم، فيطلقها من زوجها ويتزوجها، وكذلك محاولة إراقة دماء كثير من المسلمين، ومعروفة حادثة قتل الشيخ الذهبي ﵀.
فإذاً: لا تقف القضية عند مجرد وجهة نظر فحسب، لكنها تنعكس في سلوك عملي شديد الضرر على المجتمع أو على المسلمين.
فإذاً: الغلو الكلي الاعتقادي عام الضرر على الأمة كلها، بينما ضرر الغلو الجزئي العملي مقتصر على الغالي والمتطرف نفسه.
وأيضاً: الغلو الاعتقادي الكلي مطرد الضرر في كل الأحوال وباستمرار، بينما الغلو الجزئي نسبي، بحيث يكون مؤثراً على الشخص نفسه وغير مؤثر على شخص آخر.
стр. 1512
الأوصاف التي تجمع وتربط الغلاة ببعضهم على مر الدهور والأزمان
إن الناظر في الغلاة وفي الفرق الغالية يجد على مر العصور أن بينهم خصائص وأوصافاً معينة تجمعهم وتربطهم ببعضهم تكاد تطرد فيهم، وقد ذكر العلماء لهم أوصافاً إجمالية وتفصيلية.
والمطرد هنا في كثير من فرق الغلاة وصفان يجمعانها، فكأن هذين الوصفين قاسم مشترك بين كل الفرق الغالية، وهذان الوصفان بينهما النبي ﵊ في قصة الرجل الذي اعترض على قسمته ﷺ وإعطائه صناديد نجد أكثر من غيرهم، وفي هذا الحديث (ثم أدبر الرجل فاستأذن رجل من القوم في قتله -ويرون أنه خالد بن الوليد ﵁ فقال رسول الله ﷺ : إن من ضئضئ هذا قوماً يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان) فوصفهم بوصفين، وهذا الوصفان مطردان غالباً في الفرق الضالة كلها.
стр. 1513
الوصف الأول: عدم فهم القرآن ورد السنة
هؤلاء الغلاة الضالون قد يحتجون بآيات من القرآن، ولكن لا يفهمونها الفهم المناسب والفهم الصحيح.
إذا: فالقرآن لا نستطيع أن نفصله عن البيان العملي، والسنة بمثابة المذكرة التفصيلية التي تشرح القرآن، فلا نستطيع أن نستقل بفهم القرآن دون الرجوع إلى السنة وإلى أهل اللغة وأهل العلم في ذلك، فإن أدلة القرآن كثيراً ما تكون أدلة عامة، فترى صاحب الهوى يستدل بها لإثبات باطله، ومن ثم قال بعض العلماء: وكم من فقيه خابط في ضلالة وحجته فيها الكتاب المنزل وليس معنى ذلك أن القرآن يؤيد الفرق الضالة، كلا، وإنما العيب فيهم؛ لأنهم أساءوا فهم القرآن ولم يحسنوا تفسيره على الفهم المستقيم.
وهذان الوصفان الموجودان في هذا الحديث يجمعهما قول الله في الإنسان: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب:٧٢] الظلم والجهل، فهذا هو الوصف المشترك بين جميع الفرق الضالة.
فالسبب عدم فهمهم للقرآن، ولذلك يقول النبي ﵊: (يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم) أي: أنهم يأخذون أنفسهم بقراءة القرآن وإقرائه وهم لا يتفقهون فيه ولا يعرفون مقاصده.
يقول النووي ﵀: المراد أنهم ليس لهم فيه حظ إلا مروره على لسانهم.
أي: القرآن لا يصل إلى حلوقهم فضلاً عن أن يصل إلى قلوبهم؛ لأن المطلوب تعقله وتدبره بأن يقع ذلك في القلب، ومن ثم فعدم فهمهم لآيات القرآن يجعلهم يحملون آيات أنزلت في المشركين ويطبقونها على المسلمين، حتى قال عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما في الخوارج: (إنهم انطلقوا إلى آيات أنزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين).
ومن مظاهر عدم فهمهم للقرآن أنهم يتبعون متشابه القرآن ويعرضون عن المحكم، كاستشهاد الخوارج على إبطال التحكيم بقول الله ﵎: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام:٥٧] فالخوارج لما قبل علي رضي الله تعالى عنه مبدأ التحكيم قالوا: كفرت بالله، والله يقول: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام:٥٧] وأنت تحكم الرجال، فقال أمير المؤمنين رضي الله تعالى عنه: (نعم إن الحكم إلا لله كلمة حق أريد بها باطل) ولذلك لما تولى ابن عباس رضي الله ﵎ عنهما مناظرتهم قال لهم ابن عباس في الرد على هذا الاستدلال: ألم يقل الله : ﴿.......
فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء:٣٥]؟ فها هو القرآن نفسه يشرع لنا عند وصول النزاع بين الرجل وامرأته إلى هذا الحد مبدأ التحكيم، فهل إصلاح حال امرأة مع زوجها أهم أم إصلاح حال الأمة؟.
هذه أمة انقسمت وتقاتلت، ففي أيهما التحكيم يكون أولى، في إصلاح حال الأمة وهذا الذي رضي به علي بن أبي طالب ﵁ لما نادوا إلى تحكيم القرآن، أم في إصلاح حال الزوجين؟! وكذلك لو أن امرءً اصطاد صيداً وهو محرم كأرنب أو غير ذلك، فقد شرع القرآن الكريم في ذلك مبدأ التحكيم، وذلك في قوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة:٩٥] كما هو معلوم، فهذا في دم أرنب، أفلا يكون التحكيم أولى في حقن دماء المسلمين؟! فهذا استدلال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وقد رجع بسببه الآلاف لما سمعوا مناظرته القيمة معهم.
قال الحافظ: وكان أول كلمة خرجوا بها قولهم: (لا حكم إلا لله)، انتزعوها من القرآن وحملوها على غير محملها، فأدى بهم هذا القصور في فهم القرآن إلى الخروج عن السنة، وجعل ما ليس بسيئة سيئة وما ليس بحسنة حسنة، فهم إنما يصدقون الرسول ﷺ فيما بلغه من القرآن دون ما شرعه من السنة التي تخالف بزعمهم ظاهر القرآن.
ولذلك هذا الرجل الذي هو أساسهم وأصلهم ماذا حصل منه؟ لقد كان بداية ضلاله وشؤم ضلاله اعتراضه على حكم النبي ﷺ ، فلذلك تجد شؤم هذه المخالفة موجوداً في كل الخوارج تقريباً، تجدهم يستدلون بالقرآن ويستقلون بفهمه ويفصلونه عن سنة النبي ﷺ المبينة له، بزعم أن السنة تخالف ظاهر القرآن.
فهذا فيما يتعلق بكلمة (جهولاً) أي: عدم فهمهم للقرآن الكريم وأثر الانحراف في هذا.
стр. 1514
الوصف الثاني: الظلم واستحلال دماء المسلمين
الوصف الثاني هو الظلم، فهم يفترون على الله بالاستدلال بآياته في غير ما أنزلت له، ويظلمون خلق الله باستحلال حرماتهم عن طريق التكفير واستحلال الدماء، وقد ورد في الحديث عن النبي ﵊ في وصفهم قال: (يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان) وهذا بناء على تكفير المسلمين الذي يكاد أن يكون وصفاً مشتركاً بين طوائف الابتداع والغلو.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: الفرق الثاني بين الخوارج وأهل البدع أنهم يكفرون بالذنب والسيئات، ويترتب على تكفيرهم بالذنوب استحلال دماء المسلمين وأموالهم، وأن دار الإسلام دار كفر ودارهم هي دار الإيمان.
وكذلك يقول في جمهور الرافضة وجمهور المعتزلة والجهمية وطائفة من غلاة المنتسبة لأهل الحديث والفقه ومتكلميهم.
فإذاً: استحلالهم دماء المسلمين ثمرة ونتيجة لغلوهم وابتداعهم؛ لأنهم يرون من ليس على طريقتهم خارجاً عن الدين حلال الدم، وهذا شأن كل صاحب بدعة، كما قال الحسن البصري رحمه الله تعالى: محدثان أحدثا في الإسلام: رجل ذو رأي سوء زعم أن الجنة لمثل من رأى مثل رأيه، فسل سيفه وسفك دماء المسلمين، ومترف يعبد الدنيا لها يغضب وعليها يقاتل.
ويقول أبو قلابة ﵀: ما ابتدع رجل بدعة إلا استحل السيف.
وكان أيوب السختياني ﵀ يسمي أصحاب البدع خوارج، ويقول: إن الخوارج اختلفوا في الاسم واجتمعوا على السيف.
أي: اجتمعوا في الخروج على المسلمين.
إذاً: فهؤلاء يجمعون بين الجهل بدين الله وبين ظلم عباد الله، فجهلهم بدين الله تعالى حيث يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، والظلم لعباد الله حيث يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان، وهاتان طامتان عظيمتان.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: طريقة أهل البدع يجمعون بين الجهل والظلم، فيتبعون بدعة مخالفة للكتاب والسنة وإجماع الصحابة، ويكفرون من خالفهم في بدعتهم، وينبني على هذا التكفير استحلال دماء المسلمين وقتل أهل الإسلام وترك أهل الأوثان.
وهذا الأمر في الغالب، وليس مطرداً في كل الأحوال، ويمكن أن تضاف إلى هاتين الصفتين صفات أخرى -أيضاً- تتميز بها بعض فرق أهل البدع.
стр. 1515
الغلو العملي حكمه وأمثلته وضوابطه
ما مضى كان متعلقاً بالغلو الكلي الاعتقادي، أما النوع الثاني فهو الغلو الجزئي العملي أو السلوكي، والمراد بالجزئي ما كان متعلقاً بجزئية أو أكثر من جزئيات الشريعة العملية، سواء أكان قولاً باللسان أم عملاً بالجوارح، وذلك مثل قيام الليل كله.
وإذا كان الغلو الجزئي العملي مرتبطاً بعقيدة فاسدة انتقل إلى كونه غلواً كلياً اعتقادياً، وذلك مثل من يعتزل مساجد المسلمين؛ لأنه يراها مساجد ضرار، فهذا غال غلواً كلياً اعتقادياً.
وكذا إذا تعددت أبواب الغلو الجزئي العملي تحولت إلى غلو كلي اعتقادي؛ لأن الضرر المترتب عليها نظير الضرر المترتب على الغلو الكلي الاعتقادي.
وقد عالج النبي ﵌ صوراً من الغلو العملي التي حدثت في عصره، فمن ذلك ما رواه أنس بن مالك ﵁ قال: (جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادته، فلما أخبروا كأنهم تقالوها -أي: قالوا: هذه عبادة قليلة- فقالوا: أين نحن من النبي ﷺ فقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟! فقال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبدا.
وقال الآخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر.
وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً.
فجاء رسول الله ﷺ فقال: إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني) فانظر إلى الشدة مع المبتدع والغالي، فاعتبر مثل هذا غلواًً وخروجاً عن هديه وسنته ﵌.
وعن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه -أيضاً- قال: (دخل النبي ﷺ المسجد فإذا حبل ممدود بين ساريتين، فقال: ما هذا الحبل؟ قالوا: هذا حبل لـ زينب بنت جحش رضي الله تعالى عنها، تقوم الليل فإذا فترت وتعبت من كثرة الصلاة فإنها تتعلق بهذا الحبل وهي تصلي.
فقال النبي ﷺ : حلوه، ليصل أحدكم نشاطه، فإذا فتر فليرقد) فقوله: (ليصل أحدكم نشاطه) يعني: أن تصلي قائماً ما دمت نشطاً وقادراً على القيام، فإذا تعبت وفترت فارقد، أو اجلس.
فهذا فيه الحث على الاقتصاد في العبادة والنهي عن التعمق والتنطع فيها.
وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: (بينما كان النبي ﷺ يخطب إذا هو برجل قائم، فسأل عنه فقالوا: أبو إسرائيل) - وأبو إسرائيل هذا صحابي كان مشهوراً بكنيته، واختلف في اسمه، فقيل: اسمه: يسير، قالوا: (أبو إسرائيل) نذر أن يقوم في الشمس ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم.
فقال النبي ﷺ : (مروه فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه) فأقره على الفعل الشرعي فقط، أما ما عدا ذلك من هذا التنطع فألغاه.
قال الحافظ ابن حجر: وفيه أن كل شيء يتأذى به الإنسان ولو مآلاً مما لم يرد بمشروعيته كتاب أو سنة، كالمشي حافياً، والجلوس في الشمس ليس هو من طاعة الله، فلا ينعقد به النذر.
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها (أن النبي ﷺ دخل وعندها امرأة فقال: من هذه؟ قالت: فلانة.
وأخذت تذكر من صلاتها واجتهادها في العبادة، قال: مه عليكم بما تطيقون، فوالله لا يمل الله حتى تملوا، وكان أحب الدين إليه ما دام عليه صاحبه) قوله: (عليكم بما تطيقون) أي: اشتغلوا من الأعمال بما تستطيعون المداومة عليه، فمنطوقه يقتضي الأمر بالاقتصاد على ما يطاق من العبادة، ومفهومه يقتضي النهي عن تكلف ما لا يطاق من العبادات.
وكذلك حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما في تشدده في موضوع الصيام وغيره وكيف عالجه النبي ﵌.
إذاً: يتبين من هذا كله أن المسلم لا يحتاج إلى أن يوجب شيئاً جديداً على نفسه يتقرب به إلى الله ، فإن ذلك من تجاوز الحدود التي حددها الله وأوضحها، كما أنه لا يجوز للمسلم أن يحرم الطيبات التي أحلها الله له، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ [المائدة:٨٧ - ٨٨].
كما يتضح ذلك في بعض روايات النفر الثلاثة حيث حرم بعضهم على نفسه أكل اللحم، فهذا من الابتداع والتنطع والغلو.
فترك الطيبات تنسكاً وتعبداً لتعذيب النفس والتشديد عليها شبهة افتتن بها كثير من العباد والمتصوفة، متبعين في ذلك سنن من قبلهم من رهبان النصارى الذين ابتدعوا رهبانية لم يؤمروا بها في الدنيا، وذلك بتحريم الحلال وإضاعة المال، فإن كل ذلك مما جاء الشرع بالنهي عنه والتحذير من الوقوع فيه.
стр. 1516
ضوابط في مفهوم الغلو وغيره من المصطلحات الحديثة
سبق أن تكلمنا أن الشرع دائماً يرغب في التيسير وفي رفع الحرج، وأن الإنسان لا يشدد على نفسه، وأن يختار دائماً الأيسر ما لم يكن إثماً، كما كان فعل النبي ﵌، وتكلمنا في مقدمة الكلام عن معنى الغلو، وبينا أن الغلو معناه مجاوزة الحدود التي حدها الله ﵎.
إذاً: أصل الإنسان الغالي أنه يقصد من غلوه التقرب إلى الله سبحانه، فهو ينظر إلى معنى قوله ﵎: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] لكنه لا ينظر إلى قوله ﷺ : (خير الهدي هدي محمد ﷺ فيتجاوز هدي محمد ﷺ ، ومن ثم يتجاوز حدود الله.
ولذلك يقول العلماء في تعريف البدعة: هي طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية، يقصد بها المبالغة في التعبد لله .
فكل مبتدع يقصد المبالغة في العبادة ولا يقنع بالحدود التي حدت له.
والغلو هو في حقيقته حركة في اتجاه القاعدة الشرعية والأوامر الإلهية، لكنها حركة تتجاوز في مداها الحدود التي حدها الشارع، فهو مبالغة في الالتزام بالدين وليس خروجاً عنه في الأصل، بل هو نابع من الرغبة في الالتزام به.
وأمر آخر هو أن الغلو ليس دائماً في الفعل، بل يدخل فيه الترك أيضاً، فمثلاً: ترك الحلال وتحريمه نوع من أنواع الغلو، هذا إذا كان تركه للحلال تديناً، أما إذا ترك المسلم الحلال من الطعام لأن الطبيب نهاه عن أكله لأنه يضره فهذا أمر لا حرج فيه، لكن أن يترك المسلم شيئاً من الطعام متعبداً بذلك ومتنسكاً ومتقرباً إلى الله بتركه فهذا مبتدع ضال، وهذا غلو في الدين وتجاوز لحدود الله، وهذا من الظلم.
ثم إن نسبة الغلو إلى الدين -كما يقول بعض الجهلة أو الخصوم للدعوة الإسلامية: الغلو الديني، أو التطرف الديني- هو تجوز في العبارة؛ إذ الغلو إنما هو في أسلوب التدين لا في الدين نفسه، والأسلوب هذا إنما هو راجع إلى البشر؛ لأنهم غير معصومين، وليس راجعاً إلى الدين نفسه الذي هو دين الله ، فلا يصح أن تقول: الغلو الديني أو التطرف الديني كما ذكرنا، ولذلك جاء التعبير القرآني: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [المائدة:٧٧] قوله: (لا تَغْلُوا) يعني: لا تغلوا غلواً دينياً.
وقال ﵊: (إياكم والغلو في الدين) ولم يقل: إياكم والغلو الديني.
فهذا راجع إلى السلوك وليس إلى الدين نفسه، فالدين براء من الغلو، وهذا المعنى إذا اتضح لكثير من الجهلة ممن يحملون هذه الحملات على المسلمين وعلى عباد الله لكان لزاماً عليهم أن يستغفروا حتى الممات مما صنعوا من التنفير من الدين بسبب استعمال هذه العبارات المنفرة.
فالتطرف الديني والتعصب الديني والغلو الديني كلها ألفاظ غير صحيحة؛ لأن الدين ليس فيه غلو وليس فيه تطرف، وإنما الغلو يكون في سلوك بعض من ينتسبون إلى الدين.
فيجب أن يتأمل الإنسان قبل أن يحكم على شيء من الأشياء بأنه غلو، وذلك بأن ينظر إلى العمل بدقة، فقد يحكم عليه بأنه غلو مع أنه في ذاته ليس غلواً، لكن الوسيلة إليه قد تكون من باب الغلو، فيقع الخلط في هذا الباب، وهذا سوف يشرح إن شاء الله تعالى فيما بعد بالتفصيل.
ثم إنه ليس من الغلو طلب الأكمل في العبادة، ولكن من الغلو الإثقال على النفس إلى درجة الملل، فطلب الأكمل في العبادة مثل أن تكثر من صلاة النافلة، فهذا شيء حسن ومحمود؛ لأن النبي ﵊ قال: (الصلاة خير موضوع، فمن استطاع أن يستكثر فليكثر) إذاً ليس المراد بالنهي عن الغلو منع طلب الأكمل في العبادة؛ لأن هذا من الأمور المحمودة، لكن المقصود من المنع من الإفراط المؤدي إلى الملل، أو المبالغة في التطوع المفضي إلى ترك ما هو أفضل.
وليس من العدل من العبد أن يصف شخصاً بالغلو إذا التزم رأياً فقهياً، فلا تعتبر وجهة النظر المخالفة تشدداً مادام التزام المرء جاء بناء على أحد أمرين: إما اجتهاد سائغ شرعاً بأن بلغ درجة الاجتهاد، وإما تقليد لعالم من العلماء موثوق في دينه وعلمه لمن لم يبلغ درجة الاجتهاد.
لقد تعودنا أن نسمع إذا خالف شخص في قضية ما أن مخالفه يصفه بأن متشدد، وذكر هنا بعض الشيوخ مثالاً يقول فيه: رأيت امرأة تلبس جلباباً يغطي كل بدنها وفتحة واحدة فقط للعين تنظر منها الطريق وغير ذلك، فقلت: ما هذا التشدد وما هذا الغلو؟! فهذا الإنكار في مثل هذه المسألة لا يجوز، بغض النظر عن التحقيق العلمي في القضية؛ لأنه رأي ناشئ عن اجتهاد، سواء أكان اجتهاد أحد الأئمة الكبار أو اجتهاد من هو موثوق بعلمه لمن لم يبلغ درجة الاجتهاد، وكان مأموناً في دينه وفي علمه من عدم اتباعه للهوى.
إذاً: لا يجوز أن تصف الرأي المخالف لك في مثل هذه القضايا بأنه غلو في الدين، بخلاف أهل الجهل وأهل البدع، فإنهم يتكلمون بالهوى، يقول الله عنهم: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ﴾ [النجم:٢٣] لكن هذا اتبع أدلة شرعية معتبرة، فالأخذ بالرأي الأشد من الآراء المختلفة لا يعد دليلاً على الغلو، فقد يكون تشدداً من وجهة نظر المخالف، لكن هو في الحقيقة لا يراه تشدداً، بل هو يراه حكم الله، فلذلك لا يجوز استعمال مثل هذه العبارات الشديدة كالتنطع أو الغلو أو التطرف في حق من يأخذ برأي يراه مخالفاً وتشدداً، بينما يراه مخالفه أقرب إلى حكم الله.
وهناك غلو من جهة أخرى، مثل أن يأخذ الإنسان برأي، وهذا الرأي رأي صواب، وتجد صاحب هذا الرأي يصف المخالفين له بالمروق من الدين، كما يحصل أحياناً من بعض علماء الظاهرية إذا كان الحق معهم، فإذا بهم يسلطون ألسنتهم على من خالفهم في قضية فقهية ويقولون: لا يقول بهذا إلا فاسق لا مروءة عنده ولا دين.
ويشتمون أئمة العلم وأئمة الهدى، وقد يكون الذي خالفهم إماماً جليلاً كالإمام أبي حنيفة أو الشافعي أو غيرهما فتجد كلاماً فظيعاً تقشعر منه الجلود، فهذا غلو في أسلوب الانتصار للرأي وليس غلواً في الرأي ذاته، فقد يطرأ الغلو على الرأي الفقهي السليم بسبب أسلوب الشخص الذي يدافع عن هذه القضية.
كذلك في المقابل تجد إنساناً يأخذ بقول شيخ معين على أساس أن هذا الشخص معصوم لا يخطئ ولا يتطرق إلى كلامه خطأ على الإطلاق، فهذا -أيضاً- من مظاهر الغلو؛ لأنه ينتصر له بغير هدى من الله، فغاية علمه أنه مقلد.
إذاً: يمكن أن يكون للإنسان رأيه في قضية، أو عقيدته في قضية هي حق، ولكن وسيلته في إقناع الآخرين لهذا الدفاع والانتصار لهذا الرأي هي التي يدخلها الغلو.
لقد كان عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما متشدداً في فقهه، كان يميل إلى الاحتياط الشديد في العبادة، لكن هل وصفه واحد من الصحابة بالغلو؟ هذا لم يكن.
إذاً: ينبغي على الإنسان إذا أراد أن يصف انحرافاً عن شريعة الله ﵎ أن يطلق وصفاً عاماً، بل يختلف الأمر بحسب درجة الانحراف.
ومن قواعد الشريعة أنه لا يكفي الانحراف في قضية جزئية في جماعة أنت تعلم أنها خارجة عن الدين أو أنها فرقة ضالة من فرق أهل النار حتى يكون انحرافها في قاعدة كلية من قواعد الشريعة أو في مسألة كلية من كليات الدين، فيطلق الوصف، بل لابد من أن نقول: النصارى عندهم غلو في عيسى ﵇ حيث رفعوه إلى مقام الألوهية.
يقول شيخ الإسلام: والبدعة التي يعد بها الرجل من أهل الأهواء ما اشتهر به عند أهل العلم بالسنة مخالفتها للكتاب والسنة، كبدعة الخوارج والرافضة والمرجئة.
ولا يعني هذا أن غيرها من الفرق ليست منحرفة، بل المقصود أن الابتداع أو الغلو الفرعي لا يصل بصاحبه إلى أن يعد من أهل البدع والغلو بإطلاق، بل يقال: غال في العمل الفلاني.
أو: مبتدع في الأمر الفلاني.
فلو أن الإنسان وضع يديه على الصدر بعد الرفع من الركوع فبعض العلماء -مثل الشيخ ناصر الدين الألباني - تكلم في هذه القضية وقال: هذا ابتداع.
أو: هذه بدعة وضلالة.
فيأتي بعض الإخوة الذين عندهم في فهمهم قصور فيقولون: إن الشيخ الألباني يقول عن الشيخ الفلاني: إنه مبتدع وضال.
مع أن الشيخ الألباني لم يقل: مبتدع.
ولم يقل: ضال.
وإنما قال: هذه بدعة.
نقول: هناك فرق بين أن تصف الفعل بأنه بدعة وبين أن تطلق على الشخص وصفاً عاماً بأنه مبتدع، ففي مثل هذه القضايا الجزئية الدقيقة لا ينبغي إطلاق وصف الغلو أو البدعة بصورة عامة، لكن لو أن شخصاً ابتدع في موضوع معين فلك أن تقول: ابتدع في الموضوع الفلاني، ابتدع في الأذان، ابتدع في كذا.
لكن لا تطلق الوصف إلا بالضابط الذي ذكرناه، فإطلاق وصف الغلو دون انتباه إلى هذا التقسيم تجوز في العبارة وتعميم في الحكم، وهو مثيل ما يتهم به الغلاة.
ومن وصف مسلماً ارتكب كفراً عملياً بالكفر وبأنه كافر مطلقاً فهذا يعتبر غلواً منه هو ذاته، وهكذا.
فتعميم إطلاق أوصاف التكفير والتفسيق دون رجوع للضوابط الشرعية هو -في حد ذاته- غلو من فاعله.
ومن الأمور التي ينبغي ملاحظتها حينما نطلق لفظ الغلو هو الحرص على اللفظ الشرعي، كما يقول شارح الطحاوية ﵀: والتعبير عن الحق بالألفاظ الشرعية النبوية الإلهية هو سبيل أهل السنة والجماعة وطريقتهم، فهم يعبرون عن الحقيقة في القضايا المختلفة بالمصطلحات الشرعية التي استعملت في الكتاب والسنة.
فمثلاً: قضية الفوقية.
فأهل السنة لا يقولون: التحيز ولا الجهة، ولا مثل هذه العبارات التي أحدثها المبتدعون، لكنهم يستعملون ما ورد في الشريعة ولا يحيدون عنه أبداً.
وكذلك لا نقول: هذا تطرف.
بل نقول: هذا غلو؛ لأن التطرف لفظ أو مصطلح محدث ليس من الألفاظ الشرعية، لذلك لا تجد في كلام أهل العلم لفظ التطرف إلا على سبيل الندرة في مواضع متفرقة من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وهذا يدل على أنه لا مانع من مخاطبة أهل الاصطلاح باصطلاحهم ولغتهم إذا احتيج إلى ذلك وكانت المعاني صح
стр. 1517
مفهوم الغلو عند المسلمين وعند الغربيين
هناك فرق بين مفهوم الغلو عند المسلمين وبين مفهوم الغلو عند الغربيين، فالغلو عند الغربيين يعبرون عنه بهذه الكلمة التي ذكرناها، أي: (الأصولية) فهم يطلقون على حركات الغلو والتطرف كلمة ( exstravagant) باللغة الإنجليزية، وهذا المصطلح يرمز لمذهب معين في الحياة الغربية، والعقلية الغربية بمجرد سماعها لهذا المصطلح تتذكر واقعاً مر بها، ولكي نفهم الاصطلاح الغربي لابد من أن ندرس معنى ذلك المصطلح، وتاريخ نشأة الجماعة النصرانية المسماة بمصطلح الأصولية، وحتى نفهم حقيقة كلمة الأصولية هذه فها نحن نقول: مجلس الأمن الدولي.
فهل صحيح من حيث النسبة أنه مجلس الأمن الدولي؟! إن مصطلح الأصولية في مفهوم عامة الناس في الغرب هو التمسك الحرفي بالإنجيل.
ويرى بعض الباحثين الغربيين أن هذا التعريف بعيد عن الدقة، وأنه إذا أريد تعريف الأصولية فلابد من استعراض مجموعة من الصفات التي لا يقرها معظم النصارى، وهي في الوقت نفسه صفات مشتركة بين فئات الأصوليين النصارى.
أبرز تلك الصفات -كما ذكرها هو وغيره من الباحثين- في الأصولية النصرانية ما يلي: أولاً: عصمة الإنجيل عند الأصوليين وتنزيهه من أي نوع من أنواع الخطأ، لا في العقيدة والأخلاق فحسب، بل وفي كل ما يتعلق بالتاريخ ومسائل الغيب.
ثانياً: أخذ الإنجيل بمعانيه الظاهرة بلا تأويل، أي: أخذه أخذاً حرفياً؛ لأنه يمثل كلمة الله مدونة بالحرف الواحد.
ثالثاً: الإيمان بكل ما ورد في الإنجيل يعد أساسياً بالنسبة لحياة المسيحية.
رابعاً: رفض الآراء والنظريات الحديثة في علم اللاهوت والدراسات التي تتضمن نقداً للإنجيل وما ينتج عن ذلك من استنباطات وأطروحات.
خامساً: رفض الآراء العلمية المناقضة لما في الإنجيل، كنظرية النشوء والارتقاء، حيث هدفت الأصولية إلى تفنيد كل المحاولات الرامية إلى استخدام المذاهب العلمية الحديثة في التعامل مع نصوص الإنجيل.
سادساً: رفض الفصل بين الكنيسة والدولة، والطلب إلى السياسيين أن يأخذوا قراراتهم حسبما يأمر الله.
سابعاً: القول بمبدأ الألفية، وملخصه أن العالم أشرف على النهاية، وأن ألفاً من السنين ستبدأ بعد هذه النهاية، وهي تتميز بالسلام ووفرة الخيرات وتكون بداية هذه السنين بنزول عيسى ﵇.
وبناء على هذا المبدأ فإنهم يؤيدون ما يسمى بمبادرة حرب النجوم؛ لأنها تمهد لتدمير العالم تحقيقاً لتلك النبوءات، وهذا ما ذكره ريجن وكان ينتصر له رسمياً، كان يقول: علينا أن نتعاون مع اليهود حتى يمهدوا لمعركة الملحمة.
ويسمونها موقعة (هرمجدون).
إذاً: الغربيون يعتقدون بهذه الحرب وأنها ستحصل بينهم وبين المسلمين.
وفي حرب الخليج عبروا عنها ببعض التصريحات، كقولهم: إننا ذهبنا لهذه الحرب المقدسة أو للتمهيد لها.
ثامناً: أن فهم الأصوليين هو الفهم الوحيد الصحيح على الإطلاق للديانة النصرانية، يقول أحد الباحثين الغربيين: إن الأصوليين يؤمنون إيماناً مطلقاً بأن فهمهم للدين هو المفهوم الصحيح والوحيد على الإطلاق.
تاسعاً: أن الأصوليين هم المسيحيون الحقيقيون، ويحبون أن يسموا أنفسهم بذلك.
وأصحاب المذهب نفسه يفخرون بهذا الوصف، هذا فيما يتعلق بأمور الاعتقاد.
стр. 1518
أبرز صفات الأصوليين العملية في الغرب
أولاً: اهتمامهم بالجانب السياسي.
يقول بعض الكتاب: هم يشبهون أصحاب الأحزاب السياسية التي تود الاستيلاء على الحكم والسلطان من طريق تكثير السواد والحصول على كثرة نيابية في الولايات التي تكثر فيها جموعهم، ولذلك دخل بعض الأصوليين انتخابات الحزب الجمهوري الأمريكي المهيئة للانتخابات الرئاسية الأمريكية، وفاز المرشح الأصولي في ولاية ميتشجن، فنال نصف أصوات المندوبين الحزبيين.
ومن أدلة اهتمامهم بالأمور السياسية أن بعض زعاماتهم البارزة تؤيد مرشحين معينين في الانتخابات الأمريكية.
ثانياً: يسعى الأصوليون إلى استنان الشرائع والقوانين الرسمية المؤيدة لمذهبهم والمفوضة لمخالفيهم.
ثالثاً: في السلوك الفردي يمتنع الأصوليون النصارى عن تناول بعض المحظورات، فأغلبهم لا يتعاطون الخمر، ولا يشربون الدخان، كما أنهم لا يشاركون في حفلات الرقص، ولا يذهبون إلى السينما أو المسرح، إذ إن ذلك كله محرم على المنتمين للتيار الأصولي النصراني، ولعلنا سمعنا عن طائفة موجودة في أمريكا اسمها: (طائفة الأمش) وهؤلاء أناس يعيشون على الفطرة تماماً، ويرفضون أي شيء مصنوع من الأشياء الحديثة.
أي: لا يستعملون الكهرباء، ولا الملابس مصنوعة، كذلك الطعام المعلب المصنوع، ويعيشون في مناطق ريفية، والنساء فيهم محجبات بحجاب شبه كامل، وكل منتجاتهم وكل أكلهم من الأشياء الطبيعية، مثل الأجبان والألبان ونحو هذه الأشياء، ولا يشترون أي شيء صناعي، حتى السيارات لا يستعملونها.
стр. 1519
دلالة مصطلح الأصولية عند الغرب
تعتبر كلمة (الأصولية) كلمة تدل على الازدراء في المجتمع الغربي، يقول أحد الباحثين الغربيين: إن كلمة (الأصولية) تعتبر كلمة غير محببة للنفس، فهي عبارة تقترن عادة بالعداء والازدراء، وتدل على ضيق الأفق، والتعصب الأعمى، والنزعة المناهضة للتقدم وانتشار العلم، والنزعة الطائفية.
ويؤكد أن ذلك كان سبباً في شعور الناس في الغرب بالحساسية والنفور إزاء المسمين بهذا الاسم.
ونظراً لهذه الخلفية عن مصطلح الأصولية يكره الأصوليون النصارى أن يطلق عليهم، ويفضلون أن يسموا بأحد هذين الاسمين: (الإنجيليين) أو (الإنجيليين المحافظين) وهذا ما ينفي صحته كثير من الباحثين الغربيين، يقول أحدهم: إن مصطلح (الأصولية) هو التعريف المعتاد والمتداول عموماً في اللغة الإنجليزية للظاهرة التي نحن بصددها.
стр. 1520
نشأة الأصولية النصرانية وانتقالها إلى البلاد الإسلامية
نشأت الأصولية النصرانية في القرن التاسع عشر الميلادي، حيث عقدت حلقات ومؤتمرات للبروتستانت المحافظين، وفي أحد المؤتمرات -وهو مؤتمر (نياجرا) - في سنة (١٩٩٥م) ميلادية أعلنت أسس الحركة الأصولية، ولكن الكنائس البروتستانتية انشقت في أوائل القرن العشرين فصار أتباعها فريقين: الأصوليين، والعصرانيين، ثم في الفترة ما بين (١٩٠١م) إلى (١٩١٥م) نشر الأصوليون في أمريكا عدة كتابات بعنوان: (الأصوليات) واستعملت فيها عبارة (الأصوليين) للدلالة على العناصر المتمسكة بالتعاليم التقليدية، والأفكار المستوحاة من النصوص الإنجيلية، والاعتقاد بألوهية عيسى ﵇ وعذرية ميلاده، وغير ذلك من الأفكار، واستطاعت هذه الجماعة استمالة أكثر من خمسين ألف شخص في بدايتها.
ثم انتقل مصطلح الأصولية إلى البلاد الإسلامية، حيث نقل الغربيون هذا المصطلح ووصفوا به طائفة من المسلمين، وهذا تقريباً من سنة (١٣٩٥هـ) أو (١٩٧٥م) حيث دخلت هذه الفترة بأحداث كثيرة منسوبة إلى من يعلنون الإسلام ويدعون إليه، واندلعت بعد هذه الفترة بسنوات الثورة المسماة بـ (الإيرانية) ووقعت -خاصة في المنظمات الشيعية في لبنان- أحداث كثيرة، وحصل من كثير من بعض المنظمات بعض الأشياء التي فيها تهديد لمصالح الغربيين، وبدأت هذه المذاهب أو هذه الجماعات تلتفت للمجتمع الغربي، وذلك لما بدأ الصدام مباشرة وبعض العمليات التي نفذت ضد الغربيين.
يقول رجل يدعى دكتور فثري كرايان: إن إطلاق اسم الأصوليين على العديد من الناس قد أصبح شائعاً في الكتابات السياسية والصحفية في السنوات الأخيرة.
ومع نهاية عام (١٩٨٠م) التي هي حوالي (١٤٠٠هـ) أو (١٤٠١هـ) كانت الصحف الأمريكية تنشر الكثير عما نسميه بالمد الأصولي، كما أن هذه الفترة شهدت تنامي الصحوة الإسلامية وظهور المظاهر الإسلامية كالحجاب واللحية والدعوة إلى تطبيق الشريعة الإسلامية، وهذا كله جعل الغرب يعيش في حالة من القلق، إلى درجة دفعت ببعض الباحثين إلى وصفها بأنها حالة مرضية.
كما أن مصطلح (التطرف) -وهو مقابل في الاستعمال لكلمة (الأصولية) - استعمل أول ما استعمل في إسرائيل عندما بدأ المسلمون يعون ذاتيتهم ويعودون للإسلام، ووعوا أن الإسلام هو مصدر العزة والنصر.
وهذا ليس عليه برهان واضح، غير أن هناك دراسة وثائقية نشرت عام (١٤٠٦هـ) بعنوان (عداء اليهود للحركة الإسلامية) فيها بعض ما ينشر في الصحف اليهودية وأذيع على الإذاعات الإسرائيلية، تذكر الأخبار التخوف الكبير من المتمسكين بالإسلام ووصمهم جميعاً بالتطرف، وبعض هذه الأخبار والمقالات متقدم في تاريخه، مما يشعر بأن اليهود من أوائل من استخدم مصطلح التطرف، وأنهم الذين أسسوه لتلامذتهم، ومعروف دور إذاعة لندن الخبيث في نشر مصطلح (الأصولية) ومقصودهم به كل ملتزم بالإسلام.
وعلى أية حال فسواء نشره اليهود أم غيرهم فمن المؤكد أن انتقال هذا المصطلح إنما كان عبر الإعلام الغربي الذي يتحدث عما أسماه.
ظاهرة الأصولية الإسلامية، متأثراً في تسميته هذه بالخلفية الموجودة عند الغربيين عن ظاهرة الأصولية النصرانية.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
стр. 1521
كشف مؤامرة تحريم النقاب [١]
ظهرت في الآونة الأخيرة فتاوى جريئة على أحكام الله تعالى، سالت بها أقلام مأجورة، وكتبتها أيادٍ مطمورة، ونشرتها صحف مأزورة، وهذا في زمن غاب فيه أهل العلم حيناً، وفُقدوا عن تبصير الأمة أحياناً، وهذا ما فتح الباب للمبتدعة والنعّاق لينثروا ما في جعبهم من سموم، ومن تلك الفتاوى فتوى المدعو إسماعيل منصور الذي تجرأ على الله تعالى، فأفتى بتحريم النقاب، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
стр. 1522
جهل من يخرج عن أحكام الدين بدعوى الاجتهاد والتقليد
بسم الله الرحمن الرحيم ولي المتقين.
الحمد لله رب العالمين الذي لا يهدي كيد الخائنين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له قاصم ظهر الماكرين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله سيد ولد آدم أجمعين.
اللهم! صل وسلم عليه وعلى آله وصحابته ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فإنه في حال انفتاح ما أخبر به رسول الله ﷺ في قوله: (قبل الساعة سنوات خداعة يُصدّق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويُخون فيها الأمين ويؤتمن فيها الخائن، وينطق فيها الرويبضة.
قيل: وما الرويبضة يا رسول الله؟ قال: السفيه يتكلم في أمر العامة).
وما أخبر به ﷺ في قوله: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من قلوب الرجال، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رءوساً جهالاً، فسئلوا، فأفتوا بغير علم فضلّوا وأضلّوا).
فبقى الذين إذا يقولوا يكذبوا ومضى الذين إذا يقولوا يصدقوا وفي حال انفتاح ما أخبر به ﷺ في قوله: (سيأتي قوم يحدثونكم بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم) وفي حال غياب رءوس أهل العلم حيناً، وقعودهم عن تبصير الأمة أحياناً، وفي حال تداعي الأمم علينا من كل أُفق، إلى غير ذلك مما يعيشه المؤمنون في قالب هذه الأزمات، خصوصاً الأزمات الفكرية الغثائية الحاسة التي أفقدتهم توازنهم وزلزلت كيانهم، كل بقدر ما علّ من هذه الأسباب ونهل، فصار الدخَل، وسار الدخن، وضعفت البصيرة، ووجد أهل الأهواء والبدع مجالاً فسيحاً لنشر بدعهم ونثرها، حتى أصبحت في كف كل لاقط، فامتدت من المبتدعة الأعناق، وظهر الزيغ، وعاثوا في الأرض الفساد، وتجارت الأهواء بأقوام بعد أقوام، إلى غير ذلك من الويلات التي يتقلب المسلمون في حرارتها، ويتجرعون مرارتها، إذا بسرب من المبتدعة يحاولون اقتحام العقبة لتكثيف الأمية الدينية وزيادة غربة الإسلام بين أهله، وهذا ممن يدعي العلم، وهو عارٍ عنه، وقد تزّيا بزيّ أهله، وراج سوقه على بعض العوام بما يلفقه من الأكاذيب والأوهام، ورأى حينما خاطب هؤلاء الأغمار الرعاع أنه لا معارض له من أولئك، كما يتكلم المتكلم بين المقابر بما شاء من الكلام، حتى تخيل بذلك أنه من العلماء الأعلام، ولو بقيت بدعته حديثة الأدراج أو الأوراق لهان الأمر، ولكان من الخطأ الرد عليها وتنبيه المسلمين إليها؛ لأنه إشهار لفكرة تكون قد ماتت في مهدها، ولفت لأنظار المسلمين لينظروا في بيتها.
ادعى هذا الرجل دعوى لو قالها قائل لـ عمر لهاجت سِرَتُه، ولبادرت بالجواب درّته، دعوى لا تقوم على قدمي الحق، ولا على قدمي باطل وحق، دعوى لا تستحق النظر فيها فضلاً عن الاشتغال بالرد عليها، ولكن لأن لكل ساقطة لاقطة، ولأن له صديقاً حميماً أشرف في نصرة بدعته، وفتح له باب جريدته، ونشر فيها إفكه وضلالاته كان السكوت على مثل هذه الضلالة يعرض كثيراً من الأبرياء للانزلاق من ورائه والتأثر بأباطيله، فهذا كله أوجب الرد عليه، والكشف عن افتراءاته؛ ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال:٤٢] وفي ذلك -أيضاً- فائدة للباهت المفتري نفسه، وهي احتمال أن يعود إلى رشده، وأيضاً- التقليل من أوزاره من جراء تقليل عدد المتورطين المضللين به، الذين سوف يحمل أوزارهم فوق أوزاره كما قال : ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [العنكبوت:١٣].
وقال : ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [النحل:٢٥].
وهناك كثير من الإخوة يرون أن مثل هذه الردود ينبغي أن توجّه جلساتها لنواحٍ علمية مجردة عن النقاش والأخذ والرد، مع أن غالب هؤلاء قد يلتبس عليهم الأمر نتيجة نشاط هؤلاء المبتدعة وإفساح وسائل الإعلام لهم، فلا يتبينون حقيقة ما اختلف فيه الناس فضلاً عن التمسك به والدعوة إليه، ومع ذلك كنا نتمنى أن لا نضيع الوقت في ذكر هذا، ولكن كثيراً ما تجري الرياح بما لا يشتهي الملاح.
أساء المبتدع وافترى، ونال من أخواتنا المحجبات ومن حجابهن، بل وصل الأمر إلى رميهن بالفاحشة، فعلى الأقل علينا أن ننتصر لهؤلاء الأخوات امتثالاً لقول رسول الله ﷺ : (ما من امرئ يخذل امرأً مسلماً في موطن ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته إلا خذله الله تعالى في موطن يحب فيه نصرته، وما من أحد ينصر مسلماً في موطن ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته إلا نصره الله في موطن يحب فيه نصرته).
وقال ﷺ : (من قال في مؤمن ما ليس فيه أسكنه الله ردغة الخبال، حتى يخرج مما قال، وليس بخارج) وردغة الخبال -كما في بعض الروايات المفسرة- هي عصارة -أو عرق- أهل النار.
فردع المبتدع بالبيان واجب، خاصة أنه يتسلم مقام الاجتهاد والتجديد، حيث يدعي أنه مجتهد ومجدد، وبالتالي لا نأمل في أن ينفتح من الشر ما هو أكثر من ذلك، نعم تكون هذه الفقرات يجتمع بعضها إلى بعض فتسبب سيلاً من البدع والضلالات التي قد تتفتح عنها عبقريته، فردعه عن بدعته بالبيان واجب؛ حتى لا تتوالى الخطرات التي يزخرفها بدعوى الاجتهاد والتجديد، فتكون سيلاً على توالي الغفلات.
ولا نشك في أنه لو كان هناك سلطان شرعي يزع الله به ما لا يزع بالقرآن لما كان لمثل هذا جزاء إلا التعزير والتأديب والحجر عليه، ومنعه من الكلام في الدين استصلاحاً للديانة وأحوال الجماعة؛ لأن الحجر على هؤلاء الجهال ألزم وأوجب من الحجر الصحي لاستصلاح الأبدان، والمبتدع إذا هُجر وزُجر بات كالثعلب في جحره، أما ترك تحسيسه ببدعته فهذا تزكية وتنشيط له وتغرير بالعامة؛ لأن العامي مشتق وصفه من العمى، فهو ينقاد لمن يقوده.
لقد تجانف هذا المبتدع للعدوان والإثم، وجمع من الترّهات ما يمج سماعه أولو الألباب السليمة والعقول المستقيمة، وسمّى أوراقه بـ (تذكير الأصحاب بتحريم النقاب).
واشتملت هذه الصفحات الكاذبة الخاطئة على ألفاظ مبتدعة، وإشارات مخترعة، وأقوال مختلقة، ليست من أقوال أهل الإسلام، بل لم يقل بها أحد من الأئمة الأعلام، وإنما هي من أوضاع الصحافيين والمسمين بالمفسرين اللئام.
استتر -كما تعودنا من أمثاله- وراء دعوى الاجتهاد، فهو يقول عن نفسه بأنه حصل أكثر أسباب الاجتهاد، وبأنه يجدد للأمة أمر دينها! هذا كما هو في كتابه باللفظ.
وفي الحقيقة أن أخطر أمرين في هذا الزمان -ونحن في نفس الوقت أحوج الناس إليهما- التجديد والاجتهاد، تجديد الدين، وفتح باب الاجتهاد لأهله، وهاتان النافذتان في نفس الوقت هما أخطر النوافذ لغزو الإسلام وإفساد أهله؛ لأننا نرى كل من أراد أن يخترع شيئاً في الدين ويخرج على قواعد أهل العلم يحتمي وراء هاتين الدعوتين: التجديد والاجتهاد.
فهذا الترابي -مثلاً- في السودان من خلال نافذة التجديد والاجتهاد يخرج على الأمة بآراء وبدع وضلالات ما أنزل الله بها من سلطان، فيدعو إلى إسقاط حد الردّة عن المرتد، وإلغاء حد شارب الخمر، وإباحة زواج المسلمة من الكافر اليهودي أو النصراني، إلى غير ذلك من الدعاوى الواسعة بدعوى الاجتهاد وبدعوى التجديد.
فهذه الدعوى ظاهرها فيه الرحمة، وباطنها من قبله العذاب؛ لأنها دعوة لهدم الإسلام والتفلّت من أحكامه ونظمه، والثورة على تراثنا الفقهي، لكن بدون مواجهة التيار الإسلامي مباشرة ومعاداته، وإنما بالمشي معه تحت ستار الإسلام، لكن بلبوس جديد، هؤلاء -حقاً- هم قطاع الطريق على هذه الأمة في سيرها إلى الله ﵎ على الصراط المستقيم، فالله طليبهم وهو حسيبهم.
كان الأولى -إن كان هذا الرجل مخلصاً للإسلام وأهله- أن يتقي الله في شتات الأمة وغرس الشقاق في أنفسهم ونشر البلبلة وقد تكسرت الرماح عليهم من كل جانب، فإذا به يختار ميداناً محبباً لأعداء الصحوة الإسلامية والكائدين لرجالها ونسائها، ولذا طار به أهل الفتن والأهواء، ثم إن أجواء العصر الذي نعيشه على أهبة الاستعداد لاحتضان عالم الشقاق، فتحمل له العَلَم الخفاق لنشر صيته في الآفاق، فيغتر بذلك أثيرُ الحظ الزائل، وما زاد الأنصار بوقاً ينفح به العدو الصائل.
أثارت هذه البدعة عاطفة من الاستحسان والإعجاب في دوائر يتفق الجميع على الريبة في كل ما تستحسن، والشك في كل ما تصفق له وتهلل، كما قيل: قل لي من يصفق لك أقل لك من أنت.
وصارت مقالاته تكأة لاستعداء الأعداء على حكم الله الشرعي في هذه القضية، فمن اعتاد على تبسيط ما لا يمكن تبسيطه سوف يكون من الصعب عليه إدراك خطر هذه الدعوة إلى السفور باعتباره واجباً شرعياً، الأمر الذي لم يجرؤ عليه حتى قاسم أمين في ذروة ضلاله، حيث لم يتجرأ على هذه الدعوى العريضة الواسعة من أن النقاب محرم، وأن المنقبة مجرمة وآثمة، وتستحق النار، وأن المتبرجة أقرب إلى الله وأقرب إلى سواء السبيل، لم يجرؤ أحد على الإطلاق من قبل أن يتفوه بمثل هذه الدعوى، وما من شك أن فتح هذا الباب من جديد هو محاولة لإحداث نكسة في الصحوة الإسلامية حتى ترجع إلى الوراء خطوات وخطوات.
فنستعين الله ﵎ في كشف بدعة هذا الرجل، وإن كنت لست أهلاً لذلك، لكن الضرورة قد تُلجئ الإنسان إلى التيمم إذا لم يجد الماء، كما يقول أبو علي البصير: لعمر أبيك ما نُسب المعلّى إلى كرمٍ وفي الدنيا كريمُ ولكن البلاد إذا اقشعرّت وصوّح نبتها رُعي الهشيمُ
стр. 1523
كشف المبتدع ومشروعية الرد عليه إذا أظهر بدعته
قال بعض العلماء: القدحُ ليس بغيبةٍ في ستةٍ متظلّمٍ ومُعّرّفٍ ومُحذّرِ ومجاهرٍ فسقاً ومستفتٍ ومَن طلبَ الإعانةَ في إزالةِ منكرِ وكان الإمام أحمد رحمه الله تعالى يكره التصدي لمجادلة المبتدعين، وقد حكى عنه الغزالي في كتابه المسمى: (المنقذ) أنه أنكر على الحارث المحاسبي تصنيفه في الرد على المعتزلة، فقال الحارث: الرد على البدعة فرض.
فقال أحمد: نعم، ولكن حكيتَ شبهتهم أولاً ثم أجبت عنها، فلا يُؤمَن أن يطالع الشبهة من تَعْلق بفهمه ولا يلتفت إلى الجواب، أو ينظر في الجواب ولا يفهم كنهه.
قال الغزالي: وما ذكره أحمد حق، ولكن في شبهة لم تنتشر ولم تشتهر، أما إذا انتشرت فالجواب عنها واجب، ولا يمكن الجواب إلا بعد الحكاية.
نقول قبل أن ندخل إلى الموضوع: إن صاحب الحق المتفهم لحقه، والمحيط بأطرافه لا يبالي بالمخالفين وإن كثروا أو ضخُمت ألقابهم، ولا يبالي بكل ما يولدون من شبهات وإن بدت كبيرة قوية، ولا يجعل مناط الحق بمركز ولا لقب ولا شهرة؛ لأنه يعلم أن من سنن الله في الاجتماع وفي الكون أنه يسلّط الأضداد بعضها على بعض، فيسلط الباطل على الحق، والضلالة على الهدى، والخطأ على الصواب، والجاهل على العالم، والسفيه على الحليم، والأحمق على الكريم، إن هذه ضرورة اجتماعية تخلّص الحق من شوائب الباطل، والصواب من متاهات الأخطاء، فيمتاز الحق بأهله، والباطل بأهله، مثل تلك الضرورة الكونية التي يسلط الله فيها الليل على النهار ليخرج الفجر ناصعاً من سواد الليل.
إن من المكابرة والعناد أن تقول بخلاف ما أجمع عليه أهل العلم بعد ثبوت ذلك بالسنة الصحيحة ومشاهدة إقرار أئمة الأمة وصلحائها وأفاضلها في كل زمان ومكان من عهد نزول الوحي إلى اليوم، وإن إنكار هذا الجاهل المبتدع لأمر مُجْمَع على مشروعيته لا قيمة له، وليس من المعقول أن يُكذب الصحابة والسلف ويُصدق هذا الفاذ الشاذ عن الجماعة، ثم إنك إذا نظرت في كلامه ترى أنه قضى -تقريباً- نصف الكتاب في مدح نفسه، والثناء على منهجه، وفي الكلام عن الأدلة، حتى أوهم الناس أنه على شيء من العلم أو أنه يحترم الأدلة، وهو أكثر ما يكون بعداً عن الأدلة، وكذلك في حواره الآن على صفحات الجريدة يكثر من الكلام في العمومات ويختبئ وراءها، فيذكر الأدلة العامة؛ لأنه ليس عنده قضية محددة ولا دليل محدد، ويتكلم عن احترام العلماء وأهمية العلم، وتسفيه الجهلاء، ويقول: لا نأخذ الحق من الرجال.
ثم يصول ويفتي ويعيد وكأنه على حق، حتى يغطي ضلاله وباطله وبدعته.
ونقول: نعم الحق لا يُعرف بالرجال، لكن نقول في نفس الوقت -كما قال الشاطبي رحمه الله تعالى-: إذا كان الحق هو المعتبر دون الرجال فالحق -أيضاً- لا يعرف دون وسائطهم، بل بهم يتوصل إليه، وهم الأدلاّء عليه.
ويقول بعض العلماء: الانفراد عن أهل العلم برأي في الشرع، والقول بما لم يقل أحد فيه ينبئان عن خلل في العقل.
وعن زفر بن الهذيل أنه قال: إني لا أناظر أحداً حتى يسكت، بل أناظره حتى يُجنّ.
قالوا: كيف ذلك؟! قال: يقول بما لم يقل به أحد.
أي: أن يقول الإنسان بما لم يقله أحد قبله من أهل العلم.
وأرى من الواجب الديني أن أوصيه إن كانت فيه مسكة من العقل وبقية صالحة للتعقل أن يترك الكتابة في الفقه والحديث؛ لأنه استبان من كتاباته ما يقضي عليه قضاء لا مرد له أنهما ليسا من صناعته، والعاقل يترك ما لا يحسنه.
وقد قال الشاعر العربي: خلق الله للحروب رجالاً ورجالاً لقصعة وثريدِ والغلط فيهما غلط في صميم الدين، والطيش فيهما هلاك في الدنيا والآخرة.
ويقول أبو عمرو بن العلاء البصري -وهو أحد القراء السبعة-: ما نحن فيمن مضى إلا كبقل في أصول نخل طوال.
ويقول الشاطبي رحمه الله تعالى: قلّما تقع المخالفة لعمل المتقدمين إلا ممن أدخل نفسه في أهل الاجتهاد غلطاً أو مغالطة.
وهذا علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵀ ورضي عن أبيه وجدّه يقول: ليس ما لا يعرف من العلم، إنما العلم ما عرف وتواطأت عليه الألسن.
ويقول إبراهيم بن أبي عبلة ﵀: من حمل شاذّ العلم حمل شراً كثيراً.
ويقول الحافظ ابن حجر: إذا تكلم المرء في غير فنّه أتى بهذه العجائب.
وذكر أبو عمر بن عبد البر عن مالك ﵀ قال: أخبرني رجل أنه دخل على ربيعة -شيخ الإمام مالك - فوجده يبكي، فقال: ما يبكيك؟ أمصيبة دخلت عليك؟ وارتاع لبكائه.
فقال: لا، ولكن استُفتي من لا علم عنده، وظهر في الإسلام أمر عظيم.
ثم قال ربيعة: ولبعض من يُفتي هاهنا أحق بالحبس من السّرّاق.
أي: أحق بأن يحبس ويسجن من اللصوص.
وقال الحافظ ابن حزم رحمه الله تعالى: لا آفة على العلوم وأهلها أضر من الدُّخَلاء فيها وهم من غير أهلها، فإنهم يجهلون ويظنون أنهم يعلمون، ويُفسدون ويقدّرون أنهم يُصلحون.
وقال القاسم بن محمد: لأنْ يعيش الرجل جاهلاً خير من أن يقول على الله ما لا يعلم.
وقال الأمير شكيب أرسلان: ومن أسباب تأخر المسلمين: العلم الناقص، والذي هو أشد خطراً من الجهل البسيط.
لأن الجاهل إذا قيض الله له مرشداً عالماً أطاعه ولم يتفلسف عليه، وأما صاحب العلم الناقص فهو لا يدري ولا يقتنع بأنه لا يدري، وكما قيل: ابتلاؤكم بمجنون خير من ابتلائكم بنصف مجنون.
وأقول: ابتلاؤكم بجاهل خير من ابتلائكم بشبه عالم.
стр. 1524
كشف مؤامرة تحريم النقاب [٢]
إن من المتفق عليه بين الصحابة أجمعين، وبين جميع علماء الدين، أن النقاب مشروع بأمر رب العالمين، ولم يؤثر عن أحد من علماء الدين -لا من الفقهاء ولا من المحدثين- أنه صرح بكراهته فضلاً عن القول بتحريمه.
ومن قال بالتحريم فقد أسقط نفسه من منزلة التكريم، واتبع الظن والتوهم؛ إذ إنه جاء الأمة الإسلامية بما لم تعهده ولم تسمع به، فظن أنه قد أتى بما لم تستطعه الأوائل، ولم يعلم بأنه من الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً.
стр. 1525
مؤامرة تحريم النقاب والرد عليها
قال بعض العلماء: القدحُ ليس بغيبةٍ في ستةٍ متظلّمٍ ومُعّرّفٍ ومُحذّرِ ومجاهرٍ فسقاً ومستفتٍ ومَن طلبَ الإعانةَ في إزالةِ منكرِ وكان الإمام أحمد رحمه الله تعالى يكره التصدي لمجادلة المبتدعين، وقد حكى عنه الغزالي في كتابه المسمى: (المنقذ) أنه أنكر على الحارث المحاسبي تصنيفه في الرد على المعتزلة، فقال الحارث: الرد على البدعة فرض.
فقال أحمد: نعم، ولكن حكيتَ شبهتهم أولاً ثم أجبت عنها، فلا يُؤمَن أن يطالع الشبهة من تَعْلق بفهمه ولا يلتفت إلى الجواب، أو ينظر في الجواب ولا يفهم كنهه.
قال الغزالي: وما ذكره أحمد حق، ولكن في شبهة لم تنتشر ولم تشتهر، أما إذا انتشرت فالجواب عنها واجب، ولا يمكن الجواب إلا بعد الحكاية.
نقول قبل أن ندخل إلى الموضوع: إن صاحب الحق المتفهم لحقه، والمحيط بأطرافه لا يبالي بالمخالفين وإن كثروا أو ضخُمت ألقابهم، ولا يبالي بكل ما يولدون من شبهات وإن بدت كبيرة قوية، ولا يجعل مناط الحق بمركز ولا لقب ولا شهرة؛ لأنه يعلم أن من سنن الله في الاجتماع وفي الكون أنه يسلّط الأضداد بعضها على بعض، فيسلط الباطل على الحق، والضلالة على الهدى، والخطأ على الصواب، والجاهل على العالم، والسفيه على الحليم، والأحمق على الكريم، إن هذه ضرورة اجتماعية تخلّص الحق من شوائب الباطل، والصواب من متاهات الأخطاء، فيمتاز الحق بأهله، والباطل بأهله، مثل تلك الضرورة الكونية التي يسلط الله فيها الليل على النهار ليخرج الفجر ناصعاً من سواد الليل.
إن من المكابرة والعناد أن تقول بخلاف ما أجمع عليه أهل العلم بعد ثبوت ذلك بالسنة الصحيحة ومشاهدة إقرار أئمة الأمة وصلحائها وأفاضلها في كل زمان ومكان من عهد نزول الوحي إلى اليوم، وإن إنكار هذا الجاهل المبتدع لأمر مُجْمَع على مشروعيته لا قيمة له، وليس من المعقول أن يُكذب الصحابة والسلف ويُصدق هذا الفاذ الشاذ عن الجماعة، ثم إنك إذا نظرت في كلامه ترى أنه قضى -تقريباً- نصف الكتاب في مدح نفسه، والثناء على منهجه، وفي الكلام عن الأدلة، حتى أوهم الناس أنه على شيء من العلم أو أنه يحترم الأدلة، وهو أكثر ما يكون بعداً عن الأدلة، وكذلك في حواره الآن على صفحات الجريدة يكثر من الكلام في العمومات ويختبئ وراءها، فيذكر الأدلة العامة؛ لأنه ليس عنده قضية محددة ولا دليل محدد، ويتكلم عن احترام العلماء وأهمية العلم، وتسفيه الجهلاء، ويقول: لا نأخذ الحق من الرجال.
ثم يصول ويفتي ويعيد وكأنه على حق، حتى يغطي ضلاله وباطله وبدعته.
ونقول: نعم الحق لا يُعرف بالرجال، لكن نقول في نفس الوقت -كما قال الشاطبي رحمه الله تعالى-: إذا كان الحق هو المعتبر دون الرجال فالحق -أيضاً- لا يعرف دون وسائطهم، بل بهم يتوصل إليه، وهم الأدلاّء عليه.
ويقول بعض العلماء: الانفراد عن أهل العلم برأي في الشرع، والقول بما لم يقل أحد فيه ينبئان عن خلل في العقل.
وعن زفر بن الهذيل أنه قال: إني لا أناظر أحداً حتى يسكت، بل أناظره حتى يُجنّ.
قالوا: كيف ذلك؟! قال: يقول بما لم يقل به أحد.
أي: أن يقول الإنسان بما لم يقله أحد قبله من أهل العلم.
وأرى من الواجب الديني أن أوصيه إن كانت فيه مسكة من العقل وبقية صالحة للتعقل أن يترك الكتابة في الفقه والحديث؛ لأنه استبان من كتاباته ما يقضي عليه قضاء لا مرد له أنهما ليسا من صناعته، والعاقل يترك ما لا يحسنه.
وقد قال الشاعر العربي: خلق الله للحروب رجالاً ورجالاً لقصعة وثريدِ والغلط فيهما غلط في صميم الدين، والطيش فيهما هلاك في الدنيا والآخرة.
ويقول أبو عمرو بن العلاء البصري -وهو أحد القراء السبعة-: ما نحن فيمن مضى إلا كبقل في أصول نخل طوال.
ويقول الشاطبي رحمه الله تعالى: قلّما تقع المخالفة لعمل المتقدمين إلا ممن أدخل نفسه في أهل الاجتهاد غلطاً أو مغالطة.
وهذا علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵀ ورضي عن أبيه وجدّه يقول: ليس ما لا يعرف من العلم، إنما العلم ما عرف وتواطأت عليه الألسن.
ويقول إبراهيم بن أبي عبلة ﵀: من حمل شاذّ العلم حمل شراً كثيراً.
ويقول الحافظ ابن حجر: إذا تكلم المرء في غير فنّه أتى بهذه العجائب.
وذكر أبو عمر بن عبد البر عن مالك ﵀ قال: أخبرني رجل أنه دخل على ربيعة -شيخ الإمام مالك - فوجده يبكي، فقال: ما يبكيك؟ أمصيبة دخلت عليك؟ وارتاع لبكائه.
فقال: لا، ولكن استُفتي من لا علم عنده، وظهر في الإسلام أمر عظيم.
ثم قال ربيعة: ولبعض من يُفتي هاهنا أحق بالحبس من السّرّاق.
أي: أحق بأن يحبس ويسجن من اللصوص.
وقال الحافظ ابن حزم رحمه الله تعالى: لا آفة على العلوم وأهلها أضر من الدُّخَلاء فيها وهم من غير أهلها، فإنهم يجهلون ويظنون أنهم يعلمون، ويُفسدون ويقدّرون أنهم يُصلحون.
وقال القاسم بن محمد: لأنْ يعيش الرجل جاهلاً خير من أن يقول على الله ما لا يعلم.
وقال الأمير شكيب أرسلان: ومن أسباب تأخر المسلمين: العلم الناقص، والذي هو أشد خطراً من الجهل البسيط.
لأن الجاهل إذا قيض الله له مرشداً عالماً أطاعه ولم يتفلسف عليه، وأما صاحب العلم الناقص فهو لا يدري ولا يقتنع بأنه لا يدري، وكما قيل: ابتلاؤكم بمجنون خير من ابتلائكم بنصف مجنون.
وأقول: ابتلاؤكم بجاهل خير من ابتلائكم بشبه عالم.
стр. 1526
عدوان إسماعيل منصور في جريدة النور وجراءته على القول على الله بغير علم
في أول شعبان سنة ١٤٠٩من الهجرة نظم الحمزة دعبس -صاحب جريدة النور- تظاهرة إعلامية، وفجر هذه القنبلة في ساحة الفكر، وبدأها بقوله: وددت لو أن العاملين في الحقل الإسلامي لا يُقدِمون على عمل من الأعمال في الحياة العامة -في مصر وغيرها- قبل أن يبحثوا عن هذا العمل في الكتاب والسنة، ولا يجوز لواحد منهم أن يتقدم خطوة واحدة في تنفيذه قبل ذلك، فإن وجد هذه الخطوة في كتاب الله أو في السنة المشرفة أو فيهما معاً خَطَاها، وإن لم يجد هذه الخطوة فيهما فلا يخطوها، وفوق ذلك فإن القرآن والسنة ليسا من الكلأ المباح يبيحه لنفسه كل واحد من الناس، ولكن ذلك مقصور على أهل العلم والفقه؛ لأنهم يملكون وسائل المعرفة فيقدمون، وأما غيرهم فلا يملكونها، ولا يجوز لهم من ثَمّ أن يقتحموها، ومن يفعل ذلك وهو لا يملك هذه الوسائل فقد ظلم نفسه، وعرّض نفسه ومن يتبعه للهلكة.
ثم أخذ يتكلم على مشكلة النقاب، وأنها أخذت حجماً متزايداً في الحقل الإسلامي في الآونة الأخيرة، حتى بلغ أمرها ساحات المحاكم، وأدت إلى كثير من الاضطرابات، واختلف الناس في حكم النقاب، ثم ذكر في خلاصة الكلام أنه طول عمره يعلم أن النقاب إما واجب أو مستحب، ثم قال: وقد زارني أخي في الله الذي أحبه في الله -وكان الأَولى أن يبغضه في الله لبدعته وضلاله- الدكتور إسماعيل منصور رئيس تخصصات الطب الشرعي والسموم.
كأنه ظن أن كلمة طب شرعي تعني أنه درس علماً شرعياً، فما هي مؤهلاته التي بهرته وجعلته -ما بين طرفة عين وانتباهتها- ينقلب رأساً على عقب، فيرى الواجب حراماً! لمجرد أنه عَلِمَ أنه يرأس تخصصات الطب الشرعي والسموم؟! نعم! يحق له أن يباهي بهذه الشهادة ويتيه بها على أقرانه في كليات الطب البيطري، وإن كانت الشهادة الأخرى التي هي ليسانس الآداب في الفلسفة فليفتخر بها في كلية الآداب في قسم الفلسفة، ثم الشهادة الأخرى -وهي شهادة مجروحة في الحقيقة- دراسات في القانون، حيث إنه حاصل على رسالة الحقوق من جامعة القاهرة، وله دراسة في قسم الدكتوراة في هيئة القانون العام، وهذه ليفتخر بها في ساحات المحاكم التي تحكم بغير ما أنزل الله أو في كليات الحقوق.
لكن حتى الآن ليس هناك أي شيء يشهد له بأن له أن يتكلم في العلم الشرعي بهذه الطريقة الجريئة، مع أننا لسنا نقول: لا يتكلم في الشرع إلا من كان معه شهادات، فإن تكلم بحق فأهلاً به ومرحباً، ولكن -وحتى الآن- كل هذا لا يفيدنا بشيء.
ثم قال: ولم يكتف بذلك -يعني: لم يكتفِ بالطب الشرعي البيطري، والطب الشرعي والسموم، والحقوق، والآداب (الفلسفة) - حتى حصل على إجازة في تجويد القرآن، ثم راح ينفق علمه هذا بلا مقابل في الدعوة الإسلامية -وظل يمدحه في نشاطه في الدعوة، ثم يقول: وأنا لا أزكيه على الله!
стр. 1527
تحريم إسماعيل منصور للنقاب واختيار عنوان البحث
ثم قال: وقد سعدت بزيارته سعادة بالغة؛ إذ لا يتحدث في أي مسألة من مسائل الدنيا والآخرة إلا رد أقواله رداً أصولياً إلى كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ .
مع أن الكتاب لا توجد فيه صفحة واحدة فيها عزو لأحد من أهل العلم، ولو فتحت أي صفحة لا تجد فيها أي عزو في الهوامش إلى أي مصدر من المصادر التي ينقل منها، وبهذا يتبين أن الرجل لا يعرف شيئاً اسمه التأصيل العلمي.
ثم قال: ويحدثك عن صحة الحديث أو حسنه أو ضعفه، ويملك عليك شوارد حسك، فإذا استفهمت أجاب ودلل على كل كلمة في إجابته، وذلك هو النمط الذي يجب أن يكون في مجال العمل الإسلامي، لا يركن إلى سقاطيف من كتب، ويدعي بها علماً.
ثم يقول: زارني الدكتور إسماعيل منصور، وتبادلنا أطراف الحديث، وفوجئت بحكم جديد علي في النقاب إذ قال لي: إن حكم النقاب (حرام!!) وقد دهشت لهذا الحكم؛ فإني لم أسمعه من قبل، بل سمعت ما يناقضه، وقال لي: إنه اهتم بهذا الأمر اهتماماً بالغاً، وأعدّ حوله بحثاً، ورجوته رجاء حاراً أن يوافيني بهذا البحث، وفي الأسبوع الماضي أنجز وعده، وأحضر بحثاً مستفيضاً، وقعد يعرض البحث باختصار، وأعلن الدكتور إسماعيل منصور أن توجيه الأحكام الشرعية بدعوى الحماس أمر خطير في الدين؛ لأنه يفضي إلى القضاء على شرف هذه الأمة التي ما قامت إلا على الدليل والبرهان.
ويظل يسرد ويبدئ ويعيد كلاماً في الأدلة والبرهان، واتباع الكتاب والسنة، ونقض من يحيد عنهما، وعادته في ذلك التهويش والتهويل؛ ليطلق هذه النصوص كستار من دخان يختبئ الزحف من ورائه.
يقول: وانتهى إلى أن وجه المرأة ليس بعورة بأدلة من القرآن كأننا نسمعها لأول مرة.
هذا ذنبك أنت أيها الصحفي؛ كونك في مثل هذا الموقع الحساس -مسئول عن جريدة- إذ كان ينبغي أن تعرض مثل هذا البحث على أهل العلم ليقولوا فيه قولتهم، فإذا كان صالحاً نشرته، وإلا فلا تفعل.
يقول: فقلت للدكتور إسماعيل منصور: وإلامَ انتهيت في هذا البحث؟ قال: إنه ليس واجباً ولا مندوباً ولا مباحاً وإنما هو تكلف وحرام!! فقلت له: إن نشر هذا البحث على أجزاء يقتضي وقتاً طويلاً.
وفتح له باباً من أبواب الجريدة فوراً، وفي طرفة عين تحول الواجب الذي يعتقده واجباً أو مستحباً إلى حرام، وسمح له بالنشر فوراً! لو أتاك رجل لبس الحق بالباطل، وبحث وفق الأدلة -كما يزعمون- وأفتى بوجوب شرب الخمر، ووضع بحثاً له عنوان، بحيث يكون العنوان جميل ومسجوع مثل (إيضاح الأمر في وجوب شرب الخمر) هل تقول له: أنا أول مرة أسمع هذه الفتوى.
ثم تنشر له البحث فوراً، وتجعله باباً ثابتاً تفرضه على القراء لمدة تسعة أو عشرة أشهر؟!! ما أسوأ ظن هذا الصحفي بعقول القراء!! هل كل الناس مغفلين هكذا؟! قد تستطيع خداع كل الناس بعض الوقت، أو بعض الناس كل الوقت، لكن أن تخدع كل الناس كل الوقت فلن يستطيع أن يفعل هذا أحد.
فإذاً: هذه المسألة ما هي إلا قنبلة إعلامية فجّرت حتى تنفق الجريدة أكثر، أو حتى تلهي الناس عن واقعهم الأليم، وإلا فماذا؟!! يقول: فقلت له: ويحسن أن نختار له عنواناً.
ليست المشكلة في الصحف الآن أن تبحث كيف صار الواجب حراماً؟! لكن المشكلة عندهم الآن: ما هو أنسب عنوان لهذا البحث القيم؟! يقول: واقترحتُ أن نطلق على هذا الباب اسم: تأثيم وعقاب من تتكلف النقاب.
انظر إلى صحبة السوء التي كانت تجتمع في هذا الوقت وتتآمر لاختيار عنوان للبحث، وهؤلاء هم الأُمناء جداً!! وجعلوا عنواناً بخط عريض في الجريدة: (تذكير الأصحاب بتحريم النقاب!!) ولأن مستوى البحث في بعض الأشياء يصعب على عوام الناس هضمه، فيكفي أنك تظل لمدة عشرة أشهر تنشر عنواناً عريضاً في الجريدة: (تذكير الأصحاب بتحريم النقاب) وهذا التكرار أسلوب من أساليب الصحافة المغرضة، وهي قاعدة: (ما تكرر تقرر) فكثرة التكرار يحفّظ الجماهير والعوام هذه العناوين.
تمشي الآن الأخوات المنقبات في بعض الأماكن، فيراهن العوام الجهلة -لأنهم بيد من يقودهم- فإذا بهم يعيّرون الأخوات وينكرون عليهن، ويقولون: النقاب هذا حرام!! الآن العوام يُفتون في الشوارع؛ بسبب هذا المبتدع، وبعض الخطباء الجهلة انبهر أيضاً بالكلام، وخصص خطب الجمعة لمهاجمة النقاب! سبحان الله ما أشد غربة الإسلام في أهله!! وأول عنوان كانوا قد اختاروه لهذا البحث: (تأثيم وعقاب من تتكلف النقاب) فاعترض أحدهم قائلاً: حتى من ارتدته بغير تكلف فهي آثمة! فاختار صديق أن يكون اسمه: (النقاب تكلف معاب يستوجب الإثم والعقاب!!) فقلت -أي: الصحفي-: إن كلمة معاب فيها تكلف واصطناع، فذكر ثالث عنوان: (القول بتعميم النقاب تكلف يستوجب العقاب) فقال الدكتور إسماعيل منصور: هذا تأثيم لمن يقول بذلك، وهو حق! غير أن البحث متوجه لاتخاذ النقاب رداءً.
فهتف الأخير: وجدتها! وانتبهنا إليه، فقال: (القول في النقاب أن من تركه يثاب) فقلت: إن هذا يصح في الحرام والمكروه، وقد انتهى الدكتور إسماعيل منصور إلى أنه حرام.
قلتُ: إذاً نسميه: (حكم النقاب في الإسلام أن ارتداءه حرام) قال: نقترح غيرها ونوازن بينها.
فقال صديقنا: (فصل الخطاب بتحريم النقاب) فقال الدكتور إسماعيل منصور: أنا رأيي صحيح! ولكنه يحتمل الخطأ -مع أنه يرى أن رأيه لا يحتمل الخطأ كما سيأتي- ولذا فلا أسميه فصل الخطاب.
كأنه يريد هنا أن يتشبه بالأئمة في تورعهم عن الفتيا بغير علم.
فقال: لو أطلقنا عليه: (إرشاد الأصحاب إلى تحريم النقاب) أو: (تبصير الأصحاب في تحريم النقاب) ثم رجع إلى نفسه وقال: ولكن الإرشاد والتبصير قد يكون فيه نوع من الاستعلاء، وأعوذ بالله منه!! ثم قال: لو أطلقنا عليه: (تذكير الأصحاب بتحريم النقاب) لكان أجدر؛ لأننا أُمرنا بالتذكير في قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى:٩] ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى﴾ [الأعلى:١٠] وانشرحت صدورنا لهذا التعبير، واتخذناه عنواناً لهذه السلسلة من المقالات الشيقة التي فيها من العلم الكثير، وفيها من الفائدة ما هو غزير، وأمتع ما في هذه السلسلة هو طريقة البحث، والمثابرة على الحق! والوقوف في وجه الموجة وإن كانت عالية، وفي مقابلة القوة وإن كانت عاتية، وعدم الخوف من الاتهام بالخروج على المألوف، ومن بعض الأشخاص الذين رفعوا أنفسهم أو رفعهم الناس إلى مرتبة التخويف، واعتبار كلامهم بمنزلة كلام رسول الله ﷺ .
стр. 1528
خيانة صاحب الجريدة وعبثه بالرسائل التي ردت على إسماعيل منصور
يقول الحمزة دعبس: فقلت له: أنا سأنشر الردود التي تردّ عليك كلها.
فقال لي: هذا حق مصون، وأنا أرحّب بها كل الترحيب، ولكن أجّلها إلى نهاية المقالات.
ومن المعلوم أن أي جريدة -غالباً- حينما تنقل بعض المقالات تقول: المقالات أو الآراء المنشورة في هذه المجلة على مسئولية أصحابها، والجريدة غير مسئولة عنها.
حتى لو كانت حقاً واضحاً، فكيف بمثل هذه الفرية وهذه البدعة والضلالة؟! وأنت أيها الصحفي انحزت بكل قوة إلى هذا الرأي الذي لم يسبق لك دراسته، ثم لم تعرضه على أهل العلم قبل أن تنشره، ثم فرضته بالقوة أيضاً خلال عشرة أشهر أو ما يقارب ذلك فرضاً، وحجبت كل الردود التي وصلت إليك، هل هذا السلوك فيه تجرد وفيه إنصاف أم لأنك أنت في يدك المحبس تتحكم كما تشاء وكما تهوى؟! أهذه هي الأمانة؟! ومن العدل أن كل ما تنشره من مقالات، فعليك أن تنشر الردود عليها أو تعرضها على العلماء ليقولوا قولتهم، أما أنك تنشر خلال هذه المدة الطويلة، وتحفّظ الناس: (تذكير الأصحاب بتحريم النقاب) لتتخذ من أساليب الصحافة المغرضة وسيلة لزعزعة هذا الحكم الشرعي فحسبنا الله ونعم الوكيل.
ثم بعد أن انتهت المقالات، لم ينشر الرجل رداً واحداً من الردود التي وصلت، وأخفى الردود، وإذا بأحداث العراق والكويت تفجر القضية من جديد، وحوار مع الأصحاب حول موضوع تحريم النقاب، ومن جديد يفجّر القضية، وينشر صورة قبيحة لامرأة محجبة لتشويه الحجاب، وهذا المسلك السيئ لا يسلكه المنصفون أو أهل العلم والفضل، إنما يسلكه الصحفيون في وسائلهم للتشنيع على الأخوات أو على المسلمين عموماً في طريقة النشر لتلك الصور التي تثير الاستفزاز، حيث إن فيها نوعاً من التنفير من صورة المنقبات، وهذا من أساليب الصحافة المغرضة.
وهذا الحمزة دعبس كان قد أخذ على نفسه العهد بعد العهد أنه سينشر الردود حتى يسكت الأصوات المعارضة، فإذا به فجأة يحيل جميع الردود التي وصلته إلى الخصم ليكون هو القاضي! ويقول له: نريد أن ترد على هذا الكلام الذي وصلنا.
انظر إلى هذا التمادي في الظلم والتجنيّ، فبعد كل هذا العدوان يعطيه في الأخير جميع الردود ويعرضها من وجهة نظره هو، ثم يقوم الدكتور بالبتر والتحريف للكلام، ويخفي ما يمكن أن يدينه أو يهز صورته.
كانت أول مقالة: (تذكير الأصحاب بتحريم النقاب) في أول شعبان عام (١٤٠٩) هجرية كما ذكرنا، وفي الأسبوع المقبل بعدها مباشرة كتب الحمزة يقول: اعتذار: قدمنا في العدد الماضي سلسلة من المقالات للدكتور: إسماعيل منصور في التذكير بتحريم النقاب، وقد اتصل بي العديد من الزملاء والأصدقاء، وأسدوا إلي نصيحة بعدم نشر هذه السلسلة؛ لأن النقاب في مصر من الندرة الشديدة بمكان، فلا تكاد المنقبات يمثّلن شيئاً يُذكر، أو نسبة يُعتّد بها في المجتمع المصري.
وهذا كلام تشم منه رائحة الازدراء والاحتقار.
ثم يقول: هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى: فإن العمل الإسلامي يعاني من الفض على بعض أعضائه الذين يتعرضون للتعذيب، وهم في صدام مع الشرطة وغيرها، ولسنا بحاجة إلى أن نحملهم هموم جديدة، تتوالى عليهم من الأصحاب، وتكفيهم شرور السلطة، وتسلط الشرطة، وهجوم الكُتّاب العلمانين من النصارى والشيوعيين.
فكأن هذا منه رحمة ورأفة بالعمل الإسلامي؛ لأنه يعلم أن العمل الإسلامي القائم على العلم، والأصالة، واتباع الدليل، واحترام الشرع، هم الذين يلتزمون بهذا الحكم، فهذا لا يجهله، فيقول: لا نريد أن نزيد همومهم، ويكفيهم ما لاقوا من المعاناة، ومن المحن، فلا ننضم نحن أيضاً عليهم!! يقول: وقد استمعت إلى النصيحة، وذهبت أوازن بين مزايا النشر وعيوبه، واستشرت من حولي، فأيدوا وجهة نظر الناصحين، وتدبرت حالي مليّاً، فوجدت أن حكم الإسلام واجب التبيان! وأن السكوت عنه مع العلم به قد يكون فيه عصيان! سبحان الله! يُقضى على المرء في أيام محنته حتى يرى حسناً ما ليس بالحسنِ ولكني سمعت أصواتاً عديدة تهتف: الخلاف شر.
فاكتفيت بإثبات رأي الدكتور إسماعيل منصور الذي أكنّ له كل تقدير واحترام، والذي انتهى فيه بالدليل والبرهان إلى أن النقاب تكلّف وحرام، وأذعنت للنصيحة عملاً بقول رسول الله ﷺ : (لينوا لإخوانكم) وأنا مقدّر كل التقدير لأدلة الدكتور إسماعيل منصور وله أقدم الاعتذار.
إذاً: الاعتذار موجّه إلى إسماعيل منصور!! ولم يعتذر أنه انحاز مسبقاً بكل قوة إلى هذا الرأي الباطل، ولم يعتذر عن هذه الديباجة المثيرة التي زيّن بها هذا الباطل وزخرفه، ولم يعتذر للأخوات، بل يزدري المنقبات ويحتقرهن، ويقول: هن ندرة! ولا يشكلن أي ثقل في المجتمع! إذاً: ما الذي جعلك تعدل عن هذه الحكمة وهذا التعقل؟! وما الذي جعلك تعدل عن قول رسول الله ﷺ : (لينوا لإخوانكم)؟! فهذا عذر أقبح من ذنب.
وكان ينبغي ألا يوجه الاعتذار إلى ذلك المبتدع، كان ينبغي أن يعتذر إلى ملايين المسلمين الغيورين على دينهم، والذين آذاهم بما فعل، وإلى آلاف النساء المنقبات اللاتي هَمَزهن ولَمَزهن.
فالشاهد: أنه هنا أبرم أمر رشد لم يلبث أن نقضه في العدد الثاني الصادر في الأسبوع الذي بعده، بحجة هي أوهن من بيت العنكبوت! ما هي الحجة؟ هي أنه قبل أن يعمل بهذه النصيحة نسي صلاة الاستخارة، فعاد وصلاها فانشرح صدره أن ينشر المقالات من جديد.
هذه هي الحجة التي جعلته يبطل قول الرسول ﷺ : (لينوا لإخوانكم)! يقول: نسيت أن أستخير.
فلما تذكر الاستخارة استخار، ورأى أنه انشرح صدره لنشر هذا النور في الآفاق!! وأنا مضطر إلى أن أتكلم عن الرد الذي أرسلتُ إليه بعد أن نشر هذا الاعتذار، باعتبار أني كنت ممن أرسلوا ردوداً، وكنت أحد ضحاياه أيضاً! فأتحدث عن ما لامسته بنفسي، ولعله إذا انضم إلى الكلام من أرسل مثلي، فقد تكون هناك طامات أكبر لم نطّلع عليها في الخيانة وعدم الأمانة في نقل كلام الآخرين، فهذه الرسالة قبل أن أتلوها عليكم قد جاءت رداً على هذا الاعتذار، قبل أن يكون إسماعيل منصور نشر حرفاً واحداً من مقالاته، بل خبأ هذه الرسالة، وفي الشهر الماضي في أواخر الشهر الماضي بدأ ينشر من جديد ويقول: إنه وصلتنا رسالة من فلان، وسوف نرد عليها.
فأوهم القراء أنه ليس هناك رد إلا رسالتي هذه فقط، فأقول: أولاً: هذه الرسالة لم تكن رداً على إسماعيل منصور؛ لأنه لم يكن نشر شيئاً، بل هي رد على صاحب الجريدة، وقد كان المفروض أن ينشرها، لكنه كتمها وخبأها كما فعل مع آخرين، ثم إنني قبل موسم الحج أرسلت إليه الجزء الثالث من كتابي: (الحجاب) مع خطاب صغير، وقلت له: من صفحة كذا إلى صفحة كذا يتضمن الرد على إسماعيل منصور، فإن كنت ترى أن تنشره كما هو فلك ذلك، وإن كان طويلاً فكلِّفْني بالأمر وأنا أختصر الرد وأرسله إليك.
فإذا كلفني فيكون فيه التزام ضمني بأنه لا يحرّف الكلام؛ لأنه هو الذي قال لي: اكتب، فانتظرت فلم ينشر أي شيء، ثم إنه بعد ذلك قال إسماعيل منصور في الأسابيع الأخيرة: وصَلَنا خطاب صغير من فلان، يشير فيه إلى أنه أرسل مع الرسالة مطبوعات عن الحجاب.
فكأنني صوّرت له صفحات معدودة من عدة كتب، ولم يبين أن هذا ردّي الذي أرد به عليه، لكنه قال: مطبوعات عن الحجاب -حتى يوهم أنها مطبوعات قليلة- وفيه أدلة لوجوب النقاب، وتتضمن ردوداً عن المقالات السابقة بالتحريم.
ثم قال بعد ذلك معلقاً على الرد الذي أرسلته إليه: ولم يأتِ رد علمي ولا غيره في نفس المقالة.
وهذا لأنه قال: بعث مطبوعات.
ولم يقل: بعث رداً، فقال: لم يأت رد علمي ولا غيره، وإنما أوصل رسالة ليس فيها رد علمي على الإطلاق، بل هي مليئة بالاتهام وسوء الظن.
فكأن هذا هو المنهج السلفي في نقد الآراء المخالفة له، فأوهم الناس أن الذي رد عليه هو هذه الرسالة، والصحيح أن هذه الرسالة ليست رداً على إسماعيل منصور، بل كانت رداً على الحمزة دعبس، فكتمها إلى قبل أسابيع قليلة، ثم نشرها من خلال عيّنة أعطاها لـ إسماعيل منصور، حيث قال له: رُدّ على هذه الرسائل.
فالمفروض إن دعبس يجعل كل طرف يمثل وجهة نظره الخاصة به إذا كان هذا مبطلاً والآخرون على حق، لكنه أوهم أن هذا هو الرد على إسماعيل منصور، وهو رد على الحمزة دعبس قبل أن ينشر إسماعيل منصور حرفاً واحداً.
стр. 1529
نص الرسالة التي فيها الرد على إسماعيل منصور وتلاعب الصحافة بها
هذه نص الرسالة التي كانت رداً على الاعتذار، وهذه الفقرة التي سأذكرها حُذفت من الرسالة بكاملها: بسم الله الرحمن الرحيم (فتيا شاذة واعتذار يحتاج إلى اعتذار).
كنت أتلهف شوقاً للحصول على نسخة من العدد الأخير من جريدة النور؛ لأطالع ما وعد به الأستاذ الحمزة دعبس -وفقه الله- من نشر سلسلة مقالات بعنوان (تذكير الأصحاب بتحريم النقاب) والذي مهّد لها بديباجة مثيرة للمشاعر، وقبل أن ينشر دليلاً أو حتى شبهة دليل على دعواه تحريم النقاب وتأثيم المنقبة، وإذا به -عفا الله عنه- يصدّر الصفحة الرابعة من الجريدة باعتذار موجّه -فقط- إلى صاحب المقالات، مع أنه كان ينبغي له أن يعتذر عن إعلانه المسبق بالتحيز الكامل لهذا الرأي الجريء، فضلاً عن أن اعتذاره يحتاج إلى اعتذار؛ لما ينبعث منه من روح الاحتقار والازدراء للمنقبات، فجاء اعتذاره أشد على النفوس من الذنب نفسه، لهذا نناشد الأستاذ حمزة دعبس أن يبادر بالاعتذار عما نشره من دعاية مسبقة توهم أن صاحب المقالات أتى بما لم تستطعه الأوائل! أو أن يواصل المسيرة وينشر البحث كاملاً، ويضرب عرض الحائط بالأصوات المتعقلة التي نصحته بالكف عن هذه الحملة على المنقبات؛ حتى لا يقف في خندق واحد -وحاشاه- مع أعداء الصحوة الإسلامية، ولا أدري كيف استطاع الأستاذ حمزة -حفظه الله- أن يقنع ضميره بأنه برأ ساحته بهذا الانسحاب السريع، كيف وقد أشعل الفتيل بالفعل ثم انسحب وهو لا يدري ما ترتب على ما قدمه من آثار.
فحذفت هذه الفقرة بكاملها، ولم ينشروا منها حرفاً واحداً سوى كلمة (وقال: إن اعتذاره يحتاج إلى اعتذار) فأتى بالمقالة في الأسبوع الثاني وسماها (اعتذار عن الاعتذار).
ثم إن الفقرة الآتية حُذف السطر الأول والثاني منها، حيث كنت تكلمت فيها عما حدث من منصب الإفتاء الذي جلس عليه رجل من كلية الآداب، وشتم الأخوات المنقبات، وتطاول على الإخوة بألفاظ لا تليق حكايتها، وحرّض مسئولي الجامعة على أن يمنعوا المنقبات من دخول الجامعة.
فالفقرة الثانية من الرسالة: ولقد كنا بالأمس القريب نستنكر فتوى بعض الذين يوظفون الإسلام خادماً لأهواء الساسة، غافلين عن أن دين الله يُخدم ولا يَخدم، أعني تلك الفتيا المفزعة المحلولة العقال، المبنية على التجّري لا التحرّي، المؤسسة على الظن وهو أكذب الحديث، أو الهوى وهو معبود باطل خبيث، التي أصدرها طائفة تعج منهم الحقوق إلى الله عجيجاً، وتضج منهم الأحكام إلى من أنزلها ضجيجاً، حيث تمخضت عبقريتهم عن اكتشاف مذهل هو أن النقاب ليس فرضاً ولا سنة! إذاً: الكلام في الرد على من افترى منصب الإفتاء، وليس على إسماعيل منصور الذي زعم أن هذا الكلام رد عليه، بدليل سياق الكلام، بعد ذلك قلت: فكيف بتلك الفتيا الجريئة التي زادت الطين بلة، والتي لا ندري من أي آبار الضلال استقاها صاحبها وانتشلها.
وهذه الفقرة التي سأذكرها الآن حذفت أيضاً، وهي: لأنه ليس في كتاب ولا سنة صحيحة أو سقيمة، ولا في مذاهب من سبق، ولا في اجتهاد أئمة الاجتهاد صوابه وخطئه ما يمتّ إليه هذا الزعم بصلة، فإذا كان الحال كذلك فأي رجل له مسكة من فقه يتجاسر على أن يسجل على نفسه هذه المقولة المحدثة؟! ثم قلت: (إن هذا البحث يجوز الحكم على بطلانه بمجرد مطالعة عنوانه، وذلك للأمور التالية).
فماذا قال الحمزة؟ قال -حتى يشنع علي-: المعروف عند الناس أنه لا يحكم على الكتاب من عنوانه! وليس الأمر كما قال، بل كم من كتاب يحكم عليه من عنوانه مهما زين العنوان ورصعه بالسجع والتكلف، فهو باطل قطعاً يحكم عليه من عنوانه، كما لو ألف أحد كتاباً سماه (توضيح الأمر بوجوب شرب الخمر في ضوء القواعد الأصولية والحديثية والفقهية) فهذا العنوان لا يحتاج إلى نظر في هذا البحث، فالعنوان يعطيك نتيجة البحث المقطوع ببطلانه، فيجوز الحكم عليه ابتداء، وكما لو ألف مؤلف كتاباً أسماه (الرمي بالبلاط على من حرم الاختلاط) أو ألف كتاباً أسماه (الاجتهاد بفرضية الزواج من ثمان عشرة امرأة) أو (ضوء القمر في تحريم غض البصر) فهذا كلام مسجوع وعنوان جميل، ولكن هل ينظر في مثل هذا البحث حتى يحكم عليه أنه حق أم باطل؟! فإذا حرم الإنسان المباح فذلك جريمة، فكيف بمنً يحرم الواجب؟! وحذف الأسباب الأربعة لأنه لو نشرها من البداية لاهتز موقفه كثيراً، لكنه حذف هذه الأسباب الأربعة التي عللت بها جواز الحكم على هذا البحث من عنوانه، فخبأ هذه الأسباب، وكانت الأمانة تقتضي أن يذكر ما هي هذه الأسباب، لكنه قال: وذكر أسباباً أربعة.
وانتهى الكلام! فهل هذه أمانة؟ فما هي الأسباب؟ قلت: إن هذا البحث يجوز الحكم على بطلانه بمجرد مطالعة عنوانه، وذلك للأمور التالية: أولاً: قال رسول الله ﷺ : (من أحدث في أمرنا - يعني ديننا- هذا ما ليس منه فهو رد) وهذه الدعوى محدثة لم يقل بها أحد من السلف، ولم ينص أحد من أئمة الهدى في العصور التي يعتد بالخلاف فيها على أن النقاب حرام وأن المنقبة آثمة ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:١٦].
فقال إسماعيل منصور عنا: إننا نحن الذين يقال في حقنا: (سبحانك هذا بهتان عظيم).
هذا ويؤيد الحكم على البحث بالبطلان من عنوانه أن العلماء يشترطون في المجتهد أن يكون عارفاً بمواضع الإجماع؛ لأن المسألة إذا ثبت فيها إجماع فلا يجوز النظر فيها، فمن نظر فيها فهو مخطئ قطعاً.
واشترطوا أن يكون المجتهد عارفاً بالناسخ والمنسوخ؛ حتى لا ينظر في الحكم المنسوخ، فيأخذ بآية منسوخة -مثلاً- ويستنبط منها الأحكام.
ثانياً: أن خلاف العلماء في هذه المسألة يدور بين القول بالوجوب وبين القول بالاستحباب، فأصل المشروعية موضع اتفاق بين جميع علماء الأمة، وقد نقل الحافظ ابن حجر العسقلاني في (فتح الباري) عن الإمام ابن المنذر ﵀ إجماع العلماء على مشروعية أن تسدل المحرمة الثوب على وجهها لتستتر به عن نظر الأجانب.
стр. 1530
مخالفة إسماعيل منصور لجميع العلماء في تفسير آية الحجاب
يقول إسماعيل منصور: أجمعت الأمة على أن آية الحجاب خاصة بأمهات المؤمنين.
والعكس هو الصحيح، فإذا رجعنا إلى كلام العلماء فلا نكاد نجد مفسراً واحداً من المفسرين يقول: إن آية الحجاب خاصة بأمهات المؤمنين.
بل إن عامة العلماء ابتداءً من شيخ المفسرين ابن جرير الطبري، ثم القرطبي، ثم ابن كثير، وجميع المفسرين على مرّ العصور ينصّون بقولهم: وهذه الآية وإن كانت نزلت في أمهات المؤمنين فحكمها عام لسائر نساء الأمة.
وليس هذا مجال التفصيل في الكلام، لكن هل يحل له أن يدّعي الإجماع بدون أن يسند كلامه إلى أي مرجع؟! وإلا فمن أين حكى هذا الإجماع؟! ثم يأتي إلى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٩] فيقول: لو كان في هذه الآية هذا الحكم للزم أن يتحقق فيها الإجماع، لكن الذي حدث هو العكس تماماً، وهو أن جلّ العلماء الثقات والمفسرين على أنها لا تدل على تغطية الوجه على الإطلاق، وغاية ما فيها تغطية الجسم بالجلباب الذي لا يتضمن الوجه كما هو معروف! ثم يعتبر العلماء الذين قالوا بخلاف ذلك قلة نادرة، وهذا مخالف تماماً لأقوال جميع المفسرين في جميع الأعصار في هذه الآية، كما سنبين إن شاء الله تعالى.
ونحن نتحداه أن يأتي باسم عالم واحد فقط خلال أربعة عشر قرناً قال: إن النقاب حرام! والكتاب الذي ألفه يحتوي على مائتين وخمسين صفحة تقريباً ليس فيه دليل واحد على تحريمه، ولا يستقيم له دليل واحد، بل كلها عمومات ومغالطات وتمويه، وليس هناك تأصيل ولا عزو لأي عالم من علماء الأمة على الإطلاق.
стр. 1531
مخالفته لجميع العلماء في انتقاب الصحابيات
يقول: اذكروا لنا واحدة من الصحابيات -فقط- تنقّبت؟! سبحان الله! كل الصحابيات في الأصل أنهنّ منقبات، وهذا لا يحتاج إلى دليل كما سيأتي إن شاء الله، بل ذلك -في الحقيقة- فضيحة، وإنها لمأساة أن ينسب مثل هذا إلى العلم، وأن يجترئ هذه الجرأة على شرع الله ﵎، وسوف نأتي بالمزيد.
ولو كان كلام الرجل صحيحاً -فرضاً- فمعنى ذلك أن الأمة كانت غارقة في الضلال لمدة أربعة عشر قرناً تنتظر ولادته السعيدة حتى يخرجها من الظلمات إلى النور! ولم يوجد عالم قال ببدعته وضلالته، ويا ليته كان أهلاً للاجتهاد وعنده كفاءة في الاجتهاد حتى يكون ما قاله قائماً على قول الظاهرية وبعض الحنفية أنه يجوز إحداث قول آخر زيادة على الخلافات المذكورة من قبل، وإن كان جمهور العلماء يمنعون إحداث أقوال أخرى.
ثالثاً: إذا رجعنا إلى تصريح العلماء الثقات وجدنا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى يقول: كانت سنة المؤمنين في زمن النبي ﷺ أن الحرة تحتجب والأمة تتبرج.
ونقل الإمام ابن رسلان عن إمام الحرمين اتفاق المسلمين على منع النساء من الخروج سافرات، وما زال علماء الأمة عبر العصور يتناقلون هذه الكلمة عن إمام الحرمين بالتسليم والقبول.
وقال الإمام أبو حامد الغزالي ﵀: لم يزل الرجال على مر الزمان مكشوفي الوجوه والنساء يخرجن منتقبات.
وقال شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر العسقلاني ﵀: إن العمل استمر على جواز خروج النساء إلى المساجد والأسواق والأسفار منتقبات؛ لئلا يراهن الرجال.
هذه الفقرة بترها تماماً، وأنا أسميه الهروب الكبير؛ لأن الرجل عرف تماماً أن هذه النصوص لو أثبتها لشكّ الناس في كلامه، لكنه قال: ثالثاً: نعم، فإذا رجعنا إلى تصريح العلماء الثقات وجدنا (ويأتي هنا برأي شيخ الإسلام ابن تيمية وإمام الحرمين والغزالي ويكرر رأي ابن حجر السابق) فأخفى كلام العلماء حتى لا يفتضح، فأقول: أولاً: هذا ليس رأياً، بل هذا نقل عن المسلمين في كافة العصور، فليس من الأمانة أنك تقول: رأي ابن تيمية.
فهو ليس رأي ابن تيمية، بل هو نقله، ونقل ابن حجر، ونقل الجويني، ونقل الغزالي، فليس من الأمانة أن تسميه رأياً لهؤلاء الأئمة.
стр. 1532
تجاهله لأقوال أهل العلم وعدم التأدب معهم
ثم يغالط ويقول: وأقول لسيادته -أي: يقول لي-: إنك -يا أخي- تفعل مثلما يفعل أحد المتخاصمين -لا أقول الخصمين- الذي يختلف مع أخ له في أمر ويريد أن يدلل على صدق موقفه أمام القضاء، فيسرد أسماء أشخاص قالوا بصدقه وأنه على حق، دون أن يدخل في لب القضية فيعرضها ويبينها، ولو أن كل أتباع رأي أتوا بأسماء العلماء المؤيدين لهم لبقي الخلاف في كل الأمور قائماً، لكن الأصح هو أن نأخذ الرأي بدليله دون أن نعجب بالأسماء أو نستكثر منها.
وأقول: هذا لو كان في المسألة خلاف، لكن كل العلماء ضدك، وأنت يتيم خارج عن الجماعة، فكيف تدلس وتوهم أن هناك خلافاً في القضية، وتقول: ولو أن كل واحد جاء بأسماء العلماء إلخ؟! بل كل العلماء لم يقل منهم أحد بقولك، فائت بعالم واحد خلال أربعة عشر قرناً قال ببدعتك وضلالتك! ثم يفتخر ويقول: هل رأيتني -يا أخي- في كلامي عن النقاب أذكر أسماء أو أعرض أدلة، إن الذي قرأ الكتاب يعرف ذلك جيداً، ولهذا فما زلت أقول لك: المشكلة أنك لا تعرف حقيقة المنهج العلمي أصلاً، فلا يعقل أن أزعم أنني وحدي على الحق دون سائر العلماء الأفاضل، معاذ الله! يقول هذا وهو يشتم العلماء الأفاضل كلهم، ويقول: إنهم تأخذهم العزة بالجهل! ويصفهم بالجهل والسفه وأقبح الصفات، وهو هنا يدعي أنه يحترم رأي الآخرين.
يقول: معاذ الله! إنما قدمت رأيي الذي اقتنعت به، ولم أقتنع بآراء علماء أفاضل.
وكان ينبغي أن يقول: لم أقتنع بآراء كل العلماء الأفاضل لأنه خالفهم كلهم، فهو يوهم أن هناك علماء معه يؤيدونه.
يقول: ولم أقتنع بآراء علماء أفاضل على الرغم من ذيوع شهرتهم وعلو منزلتهم؛ لأن كلامهم لم يكن قوياً من الناحية العلمية مع تقديري لمكانتهم العالية! ولا أكتمك هذا؛ فإني لو كنت أرى أن الناس يحتملون نقد كلام هؤلاء الكبار وبيان عدم قوة الدليل العلمي لبينت لهم ذلك، ولكن الناس لا يحتملونه الآن.
إذاًَ: ما زال هناك أشياء ستأتي، ولعلي -بفضل الله- أقدم ذلك فيما بعد إذا استطاع الناس أن يحتملوه بمشيئة الله تعالى وفضله ورحمته.
أقول: وإنما ذكرت اتفاق المسلمين على مشروعية النقاب بهذه النقول المختصرة لبيان فساد هذه المقولة المبتدعة، وأنها مخالفة لسبيل المؤمنين، ولست بصدد الكلام على أدلة وجوب النقاب -وما أكثرها- لأن لكل مقام مقالاً، ومع أنني قلت له: ليس هذا مقام التفصيل.
فأوهم أن هذا كل الرد الذي أرسلته، وخبأ الجزء الثالث الذي فيه الأدلة، ثم بتر الفقرة التالية بكاملها وأخفاها؛ لأنها تفضح جهله أيضاً، ولم يذكر منها إلا هذين السطرين: السبب الرابع: أن هذا الرأي الكاسد والقول الفاسد لا يدخل في الخلاف السائغ.
وليس كل خلاف جاء معتبراً إلا خلاف له حظ من النظر وبتر الكلام ووقف هنا، ثم أخذ يرد عليه، وقال: ثم يقول صاحب الرسالة بعد ذلك: رابعاً: أن هذا الرأي الكاسد والقول الفاسد لا يدخل في الخلاف السائغ.
وليس كل خلاف جاء معتبراً إلا خلاف له حظ من النظر وهنا -أيضاً- نردف بتعليقنا على ذلك فنقول: هل وجدتني -يا أخي- استندت في قولي بالتحريم إلى أن القول في النقاب قول فيه خلاف! فالمصيبة أنه لا يعتبر أن المسألة فيها خلاف، وأنا أقول له: إن هذا خلاف لا يجوز؛ لأن الخلاف فيه تناقض في أقصى الطرفين إلى آخر ما أذكره، فيرد بقوله: من قال لك: إن فيها خلافاً؟ فهو -أيضاً- يهمل أقوال جميع العلماء الذين يقولون بالوجوب أو الاستحباب، أو حتى لو قال أحدهم بالإباحة فكلامه مهدر عنده ليس له قيمة، وكأنه يقول: كل عالم يقرر رأيي الذي أميل إليه، ومعاذ الله أن أقول: إن هذا باحث عن الحق.
يقول: هل وجدتني -يا أخي- استندت في قولي بالتحريم إلى أن القول في النقاب قول فيه خلاف، ثم أصدرت بناء على ذلك رأيي بالتحريم؟! لو أني فعلت ذلك لحق لك أن تنظر في قولي من حيث إنه يتعلق بالاختلاف من عدمه، لكنني درست موضوع النقاب دراسة تأصيلية بعيدة عن أقوال العلماء! وهذه أعظم وثيقة إدانة لهذا الجاهل؛ إذ كيف يتعلم بدون العلماء؟! وهذه تكفي في إبطال كل ما يمكن أن يخرف ويهرف به، ومع ذلك فهو يفتخر في موضع آخر ويعيرني بأني أعتمد على كلام العلماء، حيث يقول: لأنك لا تستطيع أن تنظر في الأدلة بنفسك! وهذا قطع لأعظم أسباب التوفيق، ألا تسأل أهل الذكر؟! فقد قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣].
فيقول: لكني درست الموضوع -موضوع النقاب- دراسة تأصيلية بعيدة عن أقوال العلماء، سواء من أيّد أو من عارض.
وأقول: كلهم عارضوك، ولا أحد منهم أيدك.
ثم يقول: إنني درست النصوص بالحياد العلمي، وحققت ما استطعت من النصوص النبوية الشريفة، وكنت أقرأ الرأي فأدرسه، ولا أقول: قال فلان لتأييد وجهة نظري، كما لم أذكر بعض هذه الأقوال إلا نادراً لإثبات حق العلماء في ذلك.
стр. 1533
مراوغة إسماعيل منصور والحمزة دعبس في الرد على الرسالة
بعد هذه العبارة التي رد عليها هرب من مواجهة الحقيقة، ولم ينشر -أيضاً- هذه العبارة المهمة جداً في القضية، وهي: وإنما ينظر في الخلاف إذا كان بين أمرين كلاهما مطلوب الترك: إما على وجه الحتم واللزوم فهو الحرام، أو غيره فهو المكروه، أو بين أمرين كلاهما مطلوب فعله: إما على وجه الحتم واللزوم فهذا الواجب، أو غيره فهو المستحب، أما الخلاف غير المعتبر ابتداء فهو ما يصفه فضيلة الشيخ عبد الجليل عيسى في كتابه (ما لا يجوز فيه الخلاف بين المسلمين) بأنه أخطر أنواع الخلاف، وهذا ما لا يصح نسبته إلى الشريعة المنزهة عن التناقض، قال الله تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢].
فليت شعري -أي: ياليتني أعلم- ماذا تفعل المسلمة التي تريد أن تحتاط لدينها في عمل إن هي عملته عوقبت في نظر البعض، وإن لم تعمل نفس العمل تكون آثمة معرضة للعقاب في نظر البعض الآخر، لا ريب أن الحق هنا في أحد القولين ولا يتعدد، والحاصل أن الخلاف الذي ينتصر له الأستاذ حمزة لا يُعتدّ به، ولا يجوز النظر فيه أصلاً بهذا الاعتبار.
فقال في رده على كلامي السابق: ثم يقول في نفس الموضع: فليت شعري ماذا تفعل المسلمة إلى قوله: في نظر البعض الآخر.
وأقول تعقيباً على ذلك: إنني سأدلك يا أخي على ما يجب أن تفعله المسلمة في هذه المسألة دون أدنى حيرة: إن عليها أن لا تزيد شيئاً على هدي نبيها ﷺ وفعل الصحابة الأفاضل رضوان الله عليهم! وهكذا يظل يأتي بالعمومات، ويستدل بنفس الدعوى على أن النقاب حرام.
ثم في موضع آخر يقول: إن النقاب حرام؛ لأن النقاب من الخبائث، والرسول أتى ليحرم علينا الخبائث! ونقول له: اثبت -أولاً- أنه من الخبائث؟ وهو غريب جداً في فهمه للآيات والأحاديث ولا حول ولا قوة إلا بالله، ونقول له أيضاً: عليك باتباع الصحابة واتباع الكتاب والسنة.
لكنه يأتي بالكلام العام ويهرب من الأدلة العلمية.
ففي آخر الجواب يقول: إن كان عندك علم في ذلك فأخرجه لنا، فإن لم تجد فأحب أن تلتزم بهذا الحديث كما التزمنا به، فلا تخالف سنة النبي ﷺ وسنة الخلفاء الراشدين المهديين بأية اختراعات! وأقول: فمن الذي يخترع ويبتدع؟! ما رأيت باطلاً أشبه بحق من كلامك.
بعد ذلك قلت له في
الجواب
وأخيراً: لقد وصف رسول الله ﷺ دواء داء الفرقة بقوله: (فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين)، فالسنة تجمع المتفرقين، وتوحد المختلفين، ولقد جعل الله إجماع العلماء حجة معصومة من الضلال، فلا يصح أن نجعل ما يضاده -وهو الاختلاف- حجة أيضاً، بل علينا أن نردد مع ابن مسعود ﵁ قوله: الخلاف شر.
وما أحسن قول حافظ المغرب الإمام أبي عمر ابن عبد البر ﵀ في كتابه (جامع بيان العلم وفضله): الاختلاف ليس بحجة عند أحد علمته من فقهاء الأمة، إلا من لا بصر له، ولا معرفة عنده، ولا حجة في قوله.
أذكر هذا مع أن دائرة الخلاف في المسألة التي نحن بصددها قد ضاقت إلى حد كبير في هذا الزمان، حيث يكاد يتفق علماء المذاهب المتبوعة على وجوب الحجاب الكامل لجميع بدن المرأة عن الأجانب، حتى الذين يرون أن الوجه والكفين غير عورة أصلاً، وذلك نظراً لفساد أكثر الناس في هذا الزمان، وعدم تورعهم عن النظر المحرم إلى وجه المرأة الذي سماه رسول الله ﷺ : (زنا العين)، ولولا خشية الإطالة لأفضت في ذكر النقول عنهم، وأكتفي بهذا القدر.
ثم قلت في نهاية الخطاب: وكلّي ثقة إن شاء الله أن تنشر جريدة النور هذا التعقيب، أُسوة بما فعلته مع عزيز أحمد سكرتير سفارة أفغانستان الشيوعية، وممثل الدولة التي فتكت بالمسلمين، دون أن ترى الجريدة في ذلك ازدواجاً في المواقف المبدئية، والله تعالى من وراء القصد، والحمد لله رب العالمين.
وفي الأسبوع الماضي الذي بعده مباشرة كتب الحمزة اعتذاراً عن الاعتذار، ثم في نهاية الكلام نشر سطوراً قليلة جداً من الرسالة، ثم قال: إن هذا البحث لا يجوز الحكم ببطلانه بمجرد مطالعة عنوانه، وذلك للأمور الآتية وقدم أسبابه الأربعة، وانتهى الكلام على هذا بأن هذا الخلاف لا يعتد به، ولا يجوز النظر فيه أصلاً بهذا الاعتبار، وقال: إنه كله ثقة بمشيئة الله تعالى أن تنشر جريدة النور هذا التعقيب، وبتر بقية الكلام.
وأقول له: كيف تقول: الرأي والرأي الآخر، وحرية الرأي! إنها رهبانية ابتدعوها وما رعوها حق رعايتها، فحرية الرأي أصلاً بدعة ضلالة، ثم تُعطى حرية الرأي لإنسان مضل مبطل يناقض كلام الله وكلام رسوله، فهذه ليست حرية رأي، ومع ذلك يا ليتكم احترمتم حرية الرأي، لكنها الخيانة كما ترون.
فأنا أريد أن أبكته بطريقة غير مباشرة؛ لأنه ينشر مقالة لـ عزيز أحمد سكرتير دولة أفغانستان الشيوعية، ويقول: من باب حرية الرأي والرأي الآخر جاءنا هذا الرد من عزيز أحمد سكرتير دولة أفغانستان.
وهي مقالة طويلة بطول الصفحة كلها، يهاجم فيها الإخوة الأفغان المجاهدين، ويطعن فيهم، ويدافع عن الحكومة الشيوعية العميلة، فأنا أقول له: ساو بيني وبين عزيز أحمد هذا، وعاملني مثلما تعامل هذا الشيوعي الملحد، وانشر كلامي بأمانة كما نشرت الرأي الآخر للرجل الشيوعي.
لكنه بتر الكلام وقطعه عند قولي: (وكلي ثقة إن شاء الله أن تنشر جريدة النور هذا التعقيب) وقطع الكلام على هذا، وحذف العبارة التي قلت فيها: أُسوة بما فعلته مع عزيز أحمد سكرتير سفارة أفغانستان، وممثل الدولة التي فتكت بالمسلمين، دون أن ترى الجريدة في ذلك ازدواجية في المواقف المبدئية.
فبتر هذا الكلام وأظهر أني حريص على أن ينشر الرد في الجريدة وينشر اسمي! فقال: وقال: وكلي ثقة في أن تنشر جريدة النور هذا التعقيب.
ولا شك أننا بإذن الله تعالى سوف ننشره وكافة التعقيبات الأخرى بعد نشر مقالات الدكتور إسماعيل منصور في تحريم النقاب؛ لتكون مواجهة الدليل بالدليل والبرهان بالبرهان؛ إذ لا يكفي في هذا الصدد الرد على العنوان! ثم يقول في اعتذاره: عندما كتبت مقدمة من البحث القيم للدكتور إسماعيل منصور لم أكن أحسب أن هذا الموضوع سوف يثير هذه الانفعالات المتباينة، وكنت قد أكدت أنني استشرت من حولي ممن أثق بعلمهم فأشاروا بعدم نشره، ولكنني لم أكن قد استخرت! وأقول: في أي شيء تستخير؟! إن صلاة الاستخارة تكون في شيء مباح أو حق، لكن أن تستخير في أن تعصي الله وتنشر الباطل فلا تجوز الاستخارة أصلاً في هذا الباطل.
يقول: لم أكن قد استخرت عندما اعتذرت عن نشر هذه السلسلة، واتفقت في ذلك مع الدكتور إسماعيل منصور على الاستخارة! إلى آخر الكلام في (الاعتذار عن الاعتذار) ثم أخرج الرسالة إسماعيل منصور أخيراً من الدرج إبان غزو العراق للكويت مباشرة، وفجّر هذه القنبلة، وظل ينتقد ويرد على رسالتي بعد سنة ونصف تقريباً أو أكثر من إخفاء الرسالة، ثم يوهم أن ردي على كتابه هو هذه الرسالة، والصحيح أن الرسالة كُتبت قبل أن ينشر شيئاً من مقالات إسماعيل منصور، بدليل أن تاريخ الرسالة هو (١١/ ٣/١٩٨٩م).
ثم يقول: وهذه الرسالة تقوم في موضوعها الأساسي على الاتهام الذي لا يتوافق مع أي منهاج من مناهج العلوم قديماً أو حديثاً، فلم يتطوع بالرد على واحد منها بآية كريمة.
فيقول: لم يتطوع بالرد على واحد منها -أي: من أدلته- بآية كريمة، أو حديث شريف، أو قاعدة فقهية، أو حجة اصطلاحية، وإنما اكتفى باتخاذ مقام الواعظ المعرض عن الموضوع كله ابتداء، مقرراً من أول وهلة أن الصواب الكامل والحق الصراح هو في الحكم على كل هذه المقالات بالبطلان دون انتظار لقراءة ما فيها، بل من مجرد قراءة عنوانها هكذا، ولا ندري كيف رضي صاحب الرسالة بهذا القول الذي لو طبق في مجال البحث العلمي لأغلقت الجامعات أبوابها، ولطفقت ساحات العلم خاوية، فلا تجد من تؤويه، ولطمست أمجاد علماء الإسلام الجهابذة وآثارهم العظيمة، سواء أفذاذ الصحابة الأفاضل رضوان الله عليهم أو أعلام التابعين الأوائل ﵃، الذين انتظموا جميعاً في طريق بيضاء نقية، لا تعرف في مناقشة الأمور العلمية سوى تقديم الحجج، وسوق البراهين، واستخراج الأدلة، ولم يلجئوا في إقامة علومهم إلى المصادرة على الأقوال، ولا اتهام نيات أصحابها أو التسرع في الحكم دون دراسة أو تمحيص.
وأقول: كأنه ظن نفسه في معمل الطب الشرعي (معمل السموم) حيث تكون التجربة، ثم المشاهدة، ثم الاستنتاج، ولم يعلم أنه مع مسألة شرعية تحكمه قواعد من الكتاب والسنة، فليس لنا أن نُخضع العلوم الشرعية لأهواء الناس، وكل يقول بحجة البحث العلمي فيخترع ما شاء، لا، فهناك ضوابط وموازين وأصول وقواعد ثابتة، والرجل يريد أن يسبح في الفضاء، ولا يريد أن يتقيد بضوابط أو بقواعد أو بأصول، ثم يلجأ إلى المغالطة، حيث انتقل مباشرة إلى الكلام عن المنهج العلمي، وإغلاق الجامعات و، فهل هذا هو الأسلوب العلمي؟! الله المستعان! ثم يقول: يا أخانا المسلم الفاضل! قدم لنا علماً ودليلاً وبرهاناً.
يَتَمَسْكنُ بهذه العبارة حتى يظهر للناس أنه مسكين ومغلوب على أمره، مع أنني أرسلت له الكتاب في مائتين وخمسين صفحة مملوءة بالأدلة الكافية.
ثم يقول: فلعلنا نتعلم من علمك هذا، وإلا كنا نحن المخطئين، ولصرنا بذلك عن حدود الأدب خارجين، ومن يدري! ربما حكم علينا بأشد من ذلك وأعظم، أليست هذه مأساة؟! أليست هذه كارثة؟! بل إن صاحب الرسالة يحكم علي بسبب هذه المقالات التي فيها الرد على تحريم النقاب بأني ليست لي مسكة من فقه؛ لأني تجاسرت على هذا القول، بينما أستطيع أنا الآن أن أحكم له بأنه أخ فاضل، يبدو أنه محب لدينه القويم، غيور
стр. 1534
خذلان الله لإسماعيل منصور في بداية بحثه
إن الله خذله في بداية البحث وفي خاتمته، وأما ما بين الدفتين فإن شاء الله سنتكلم عنه فيما بعد ذلك.
فأول الأمر هو أنه تعالى قطع عنه أعظم أسباب التوفيق، وهو سؤال العلماء، قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء:٨٣].
فلو أن الحمزة عرض البحث على أهل العلم قبل أن ينشره لكان قد جنب الأمة شراً عظيماً؛ إذ كيف يمكن أن ينشر مثل هذا البحث بهذه الطريقة؟! أين المسئولية أمام الله؟! فأول شيء كان يجب أن يفعله هو أن يعرضه على أهل العلم ليقولوا فيه قولتهم.
ثم ختم الكتاب -أيضاً- بما سنذكره، فأعرض تماماً عن كلام العلماء، ولا يوجد عزو واحد فقط إلى أي مصدر علمي، لا تفسير ولا فقه ولا أصول ولا ذكر لاسم عالم واحد فقط، بل ويفتخر بذلك، ويعتقد أن هذا من أعظم محاسنه! وأقول: إن اتباع نظر من لا نظر له، واجتهاد من لا اجتهاد له هو محض ضلالة، ورمي في عماية، فهذا هو مقتضى قول رسول الله ﷺ : (إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من قلوب الرجال، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رءوساً جهالاً، فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلّوا وأضلّوا).
إعراض كامل عن سؤال أهل الذكر مع ادعاء الاجتهاد والتجديد، حيث يدعي أنه يجدد للناس أمر دينهم، وأنه مجتهد بلغ مرتبة الاجتهاد! فماذا تكون النتيجة؟ النتيجة هي هذه الثمرات المريرة، وهذه الجرأة على الله والقول على الله بغير علم، فإن التعالم دائماً هو عتبة الدخول على جريمة القول على الله بلا علم المحرمة لِذَاتها تحريماً أبدياً في جميع الشرائع والملل، وهذا مما عُلم من الإسلام بالضرورة.
فنقول: هل الصحابة عرفوا أن النقاب حرام؟! فإن عرفوا أن النقاب حرام فهل وسعهم أن يعلنوا أن النقاب حرام أم سكتوا عن هذا؟ فإن ادعى أنهم أعلنوا فأين الدليل؟! وإن علموا أنه حرام ولم يظهروا ذلك فنقول له: أفلا وسعك ما وسعهم؟! وإنا لندعو عليه كما دعا عبد الرحمن الأذرمي على بعض أهل البدع في مناظرة حكاها ابن قدامة في لمعة الاعتقاد، فنقول لـ إسماعيل منصور: هل وسع الصحابة والسلف أن يسكتوا عن تحريم النقاب أم لم يسعهم؟ فإن قال: وسعهم أن يسكتوا عن تحريمه فنقول: لا وسّع الله على من لم يسعه ما وسع أصحاب رسول الله ﷺ والسلف الصالحين والخلف من بعدهم.
ولا يسعني في هذا المقام أن أتكلم بالتفصيل، وإن كنت في شوق شديد إلى أن نفضح هذه الجريمة، ونكشف عدوانه بالأدلة، فإنه يتكلم في العلماء الذين خالفوه فيقول: أم ماذا أصاب عقولهم على وجه التحديد؟! كأن العلماء ناقصو العقل! ثم يختم البحث فيقول: لقد فتح لنا العلم الموضوعي في هذا البحث المحايد آفاقاً عظيمة في الإسلام تقوي العقيدة، ونحن نفاخر بذلك، ونعتقد أنها تكون في ميزان حسناتنا، وأننا سوف ننال بها -إن شاء الله- الفردوس الأعلى من الجنة إلى آخره.
فهو يعتقد عقيدة إيمانية يقينية راسخة -وسبحان الله! - أن بحثه فتح آفاقاً عظيمة في الإسلام تقوي العقيدة، وتثبت الأحكام، وتدفع إلى مزيد من الالتزام! وأقول: إنما هو التزام بهدي هدى شعراوي، ومزيد من الالتزام بهدي قاسم أمين، لكن لا مزيد من الالتزام بهدي عائشة أم المؤمنين، أو حفصة، أو أسماء.
стр. 1535
طغيان إسماعيل منصور في بدعته
المؤلف لا يبيح في هذا الكتاب للمرأة كشف الوجه فقط، بل أن تظهر الزينة الملحقة بالوجه والكفين، وتلبس ما شاءت من الزينة في كفيها، وتضع ما شاءت من الأصباغ على وجهها، ويبيح ذلك بسوء فهمه للأدلة، أهذا هو مزيد من الالتزام الذي يدفع إليه هذا البحث؟! وقد قيل: (من ثمارهم تعرفونهم) ونقول: دعوى الاجتهاد والتجديد مع الاستغناء عن أهل العلم ينتج ثمرات مثل هذا البحث، فما هي ثمراته؟!
الجواب
يقول: ومن ثمرات ذلك أننا صرنا ننظر إلى أمر المرأة المتبرجة في مقارنة مع المرأة المنقّبة، ونحن نشفق على الثانية -أي: المنقبة- أكثر من إشفاقنا على الأولى -أي: المتبرجة-؛ لأن الأولى -المتبرجة- عاصية تعلم أنها عاصية، بينما الثانية عاصية تعلم أنها فاضلة، كما أن الأولى ليست عرضة للكبر والعجب المانعين من دخول الجنة، بينما الثانية أكثر عرضة لذلك! وأقول: من التي هي أقرب للكبر: التي تتزين بالملابس الباهية والذهب والحلي وتضع المكياج على وجهها وغير ذلك من أدوات الزينة، أم التي تستر نفسها؟! فهو يعتقد أن المنقبة عرضة للكبر أكثر من المتبرجة! ثم يقول: فأيهما أحق بالإشفاق؟! وأيهما أقرب للتوبة؟! وأيهما أولى بالاستغفار لها؟! إن المنقبة تحتاج إلى أن نستغفر لها مرتين، بينما المتبرجة مرة واحدة؛ لأنها أقل ابتلاء وأقرب إلى سواء السبيل! وإن كانتا كلتاهما منحرفتين عن الهدي النبوي، دون أن يكون المنحرف يميناً أفضل من المنحرف إلى ناحية الشمال، الكل في العدول عن الحق سواء.
يقول: وهكذا تمضي المنقبة في الطريق قد رفعت شعار مخالفة الهدي النبوي الأمثل، ومعاداة سنة الخلفاء الراشدين المهديين، ومخالفة فعل الصحابيات الفاضلات جميعاً! يقول: وتشبهت ببعض طوائف أهل الكتاب، وألقت بنفسها في فتنة الكبر والعجب الذي لا يدخل أحد الجنة وفي قلبه مثقال ذرة منه، وصدت من رآها عن سبيل الله! يقول: وصورت للناس الإسلام على أنه ضيق وعنت، وأنه يأخذ أتباعه بهذه الشدة ولا يرحم، فعسّرت ولم تيسّر، ونفّرت ولم تبشر، وعرقلت مصلحتها في السعي في هذه الحياة السريعة الحركة! وهذه النزعة الغزالية إنما هي (شنشنة نعرفها من أخزم) وإلا فمن التي تتشبه بأهل الكتاب: المتبرجة أم المنقبة؟! وهذا الكلام يدل على نفس ممتلئة غيظاً، فهو ينفث هذه السموم لأنه متخصص في السموم! وكأنه بهذا الكلام يرى أنه لا بد من تلطيف الجو للناس، وتخفيف كثافة نور الإسلام حتى لا يعشو أبصار الكافرين، فإن أعين الكفار لا تحتمله.
يقول: وأضرت ببصرها بهذا التضييق غير المشروع! وربما اصطدمت بالناس أو بوسائل المواصلات بسبب الإبصار بعين واحدة، فلا تحدد المسافة على الإطلاق، وحرمت نفسها من أحكام شرعية عظيمة وسنن ثابتة! أقول: إن من النماذج المهولة في بحثه أن عادته في الكتاب أنه يكذب الكذبة ثم يصدّقها، وخياله واسع جداً، حيث يتوهم ويتوهم، ثم يتعارك مع صدى الصوت حينما يرجع إليه وكأنه إنسان آخر يرد عليه! انظر كيف أنه يتخيل ثم يتعارك مع نفسه، لذلك أسمي ما قاله: (العراك مع صدى الصوت) إذ يقول: قد يذهب البعض ممن يحبون الجدل العقيم إلى القول بأن حجب العين اليمنى وإبراز اليسرى هو من قبيل تكريم العين اليمنى، وبذلك يحدث التوافق مع معنى التيامن الوارد في الحديث السابق، ونحن نقول: إن هذا كلام واه سقيم؛ لأنه -ببساطة شديدة- يقلب الحديث الشريف رأساً على عقب، إذ يجعل نظر المرأة من باب التشامل لا التيامن، وهذا يمثل خروجاً على قاعدة التيامن الواردة، ولو كان استثناء منها للزم النص عليه شرعاً، لا أن يلتقط من هنا وهناك، كما ثبت في السنة الحث على تقديم اليد اليسرى دون اليمنى عند الاستنجاء، فهذا مما هو معلوم بطريق الشرع بالنص عليه، وهو ثابت في بابه، وليس هاهنا مجال للتوسع فيه، فتأمل.
أقول: نعم تأمل! ولو أني بليت بهاشمي خئولته بنو عبد المدان لهان علي ما ألقى ولكن تعالوا فانظروا بمن ابتلاني ثم يقول: كما أن الزعم بأن الحجب في الجوارح تكريم هكذا وفق الهوى ودون نص ثابت يؤدي إلى إمكان القول بأن من تكريم اليد اليمنى حجبها عند الطعام وتقديم اليسرى بدلاً منها، وهذا مخالف للسنة النبوية الشريفة، فإن قيل: كلا، إن تقديم اليد اليمنى لتناول الطعام والشراب والنهي عن تقديم اليسرى لذلك ثابت نصاً فلا تصح المخالفة.
قلنا: إن ذلك مسلّم به، فهل ثبت لديكم نص بإبراز العين اليسرى للنساء عند الإبصار وتأخير أو حجب اليمنى؟ إن كان لديكم هذا النص فهاتوا برهانكم إن كنتم صادقين.
وأقول: انظر كيف خرج هكذا عن الموضوع الأصلي الذي نتناوله بالنقاش! فهل نحن نتكلم عن تكريم الأعضاء أو عن قاعدة التيامن في كل شيء؟! سبحان الله! هكذا تكون المراوغة عند الإفلاس عن وجود الدليل.
الرجل يتعارك مع نفسه، فصوته يعود إليه ويتعارك مع صدى الصوت؛ إذ لا يوجد أحد افترض هذا الكلام التافه، وهذه التلبيسات كثيرة في كتابه من أول الكتاب إلى آخره، فانظر إلى العلم والاجتهاد والتجديد! ثم بعد هذا تفتح له الجريدة بهذه الطريقة المريبة!
стр. 1536
الخاتمة السيئة لكتاب إسماعيل
يقول في خاتمة الكتاب: أضرت المنقّبة ببصرها بهذا التضييق غير المشروع، وربما اصطدمت بالناس أو بوسائل المواصلات بسبب الإبصار بعين واحدة، فلا تحدد المسافة على الإطلاق، وحرمت نفسها -وانظر إلى العبقرية- من أحكام شرعية عظيمة وسنن ثابتة، مثل: ١ - بشاشتها في وجه أختها المسلمة التي هي صدقة.
٢ - حرصها على الشهادة لله فيما يجد من أمور مفاجئة أو تبايعات أو حوادث في الطريق؛ ليحق الحق ويبطل الباطل، بأن يعرفها من يريد شهادتها فيما شهدت فيدعوها إلى الشهادة بعد ذلك.
٣ - معرفتها لأختها أو جارتها المسلمة حتى تتعاون معها على البر والتقوى.
أقول: لا تستغرب هذا؛ لأنه فهم من آية الحجاب أن النقاب يكون داخل البيت وخارج البيت، وسيأتي النص على ذلك.
ثم تأمل قمة العدوان والبهتان والظلم المبين، وهي خاتمة السوء لكتابه والعياذ بالله.
إذ يقول: وفَتَحَتْ -أي: المنقبة- أبواباً خبيثة تستجلب الضرر للمسلمين؛ إذ يمكن أن يؤوي هذا الغطاء بعض المجرمين والهاربين من القصاص الذين يستترون به حتى يتموا أغراضهم في غفلة من رأي العامة! وأقول: وهل المجرمون محتاجون إلى أن يختفوا الآن؟! وهل الفاسقات يحتجن إلى الاختفاء في هذا الزمان وفي هذا المجتمع الذي نعيشه؟! هذه واحدة.
والله لو كان هناك سلطان شرعي لعّزره ولأدبه على هذا الكذب والبهتان، فالله المستعان! قال: ويئوي كذلك رجالاً يدخلون بيوتاً على أنهم من النساء لمظهرهم، فيؤمن من جانبهم، بينما هم يأتون الفاحشة في هذه البيوت! ويئوي بعض غير المسلمين الذين يدخلون إلى مساجدهم واجتماعاتهم الدينية والعلمية للتجسس عليهم والكيد لهم.
ويئوي بعض اللصوص في المواصلات العامة، فتكثر الجريمة، ويزيد الإفساد في الأرض! ويمكن للنساء المنحرفات أن يسرن مع غير أزواجهن، ويسافرن معهم دون خوف كشف أمرهن، فتزيد إمكانات الراغبات في الانحراف، وغيره كثير، كل ذلك وهي تحسب أنها تحسن صنعاً بما أتت من مخالفتها لأحكام الكتاب والسنة عموماً، وصدق رسول الله ﷺ إذ يقول: (من دعا إلى هدى كان له من الأجور مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، ولا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً) نعوذ بوجه ربنا الكريم من مخالفة الكتاب والسنة، ومعاندة الهدي النبوي الأمثل، ومعارضة الخلفاء الراشدين وسائر الصحابة الأفاضل أجمعين، والتشبه بأهل الكتاب، والصد عن سبيل الله! انتهى كلامه.
فنقول له ما علمناه ربنا : (سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:١٦] وزور جسيم من مثل هذا الأفاك الأثيم، فهو يعلم تماماً أن الحقيقة على النقيض من ذلك، وهذه الشبهة قديمة قدم الكائدين للإسلام والمنافقين الذين في قلوبهم مرض.
ونقول له: فض الله فاك لهذا الافتراء الذي يصل إلى هذا الحد من الاتهام وإثارة الريبة في فتيات هن أعز نساء هذه الأمة.
إن المنافقين في عهد الرسول ﵊ كانوا أفقه من هذا؛ لأنهم علموا أن المرأة الحرة تبالغ في الستر؛ لأن المرأة التي تبالغ في ستر نفسها تكون قد أعلنت عن عفتها وتصونها، وأنها لا يمكن أن تقارب الفاحشة وقد غطت وجهها أو كفيها، فالمنافقون فقهوا ذلك، فكانوا يتعرضون للإماء بالليل ويعرفونهن لأنهن كاشفات لوجوههن، فإذا رأوا المرأة الحرة كاشفة وجهها يظنونها أَمَة، مع أنه يحرم التعرض للإماء والحرائر، لكن الحرائر كن مشهورات بالعفة، والإماء قد يوجد فيهن شيء غير ذلك، فكانوا يعرفون أن الستر علامة العفة، ويقولون: حسبناها أمة؛ لأنها كشفت وجهها.
أفيكون الآن الستر علامة السوء والعياذ بالله؟! فالمنافقون في زمن الرسول ﵊ أفقه من منافقي زماننا.
стр. 1537
حرص العلماء على حفظ السنة وإتقانها
نختم الكلام بذكر قصة تعيننا على أن نكمل الحوار إن شاء الله فيما بعد، وهي تتعلق بشأن الشخص المتعالم، حين يأتي أحد الناس مثل الحمزة دعبس ويقول: عثرت على كتاب كله أدلة وعلم وكذا وكذا وينخدع بالعبارات الرنانة التي يمتدح بها الكاتب بحثه، وأن كلامه مليء بالأدلة واتباع القرآن والسنة واحترام السلف واحترام العلماء.
وكم من فقيه خابط في ضلالته وحجته فيها الكتاب المنزلُ فالاستدلال بالعمومات يستطيعه كل أحد، وليس هذا هو المحك؛ لأن هذا لا يعجز عنه أحد، فنجد كثيراً من الناس لا علم عندهم يفتنون بمثل هذا الباطل.
يقول الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد حفظه الله: المتعالم محل إعجاب من العامة، فالعامي يغتر إذا سمع المتعالم يجيش بتعالمه الكذاب المحروم من الصدق، وقوفاً عند حدود الشرع.
وترى العامي يضرب بيمينه على شماله تعجباً من علمه وطرباً، بينما العالمون يضربون بأيمانهم على شمائلهم حزناً وأسفاً من انفتاح باب الفتنة والتغرير بعدة المستقبل بله العوام، فأضحى لزاماً أن نقابل مجاهرتهم هذه بالمجاهرة -لكن بالحق- لكشف باطلهم، وإسقاط تنمرهم، والعمل على هدايتهم واستصلاحهم.
والقصة التي نختم بها الكلام هي قصة الإمام البخاري ﵀ حين امتحنه أهل بغداد؛ لأن لها مناسبة، حيث إن الكاتب في بداية البحث زعم أنه يتشبه بالإمام البخاري، حيث يقول: أنا حرصت على أن أقتدي بالإمام البخاري، فقبل أن أثبت أي شيء في الكتاب أصلي ركعتي الاستخارة، وحافظت على الوضوء في كل الفترة التي كتبت فيها البحث! فإن كان يدعي التشبه بـ البخاري فنريد أن نعرفه بعلم البخاري، ونذكر هذه القصة بمناسبة الكلام السابق للشيخ بكر حفظه الله فالإمام البخاري حينما أتى إلى بغداد أراد أهل بغداد أن يمتحنوه؛ لأنهم كانوا يسمعون عن الإمام البخاري أنه من الحفاظ، فاجتمع حشد هائل من العوام ومن العلماء في هذا الامتحان المفاجئ للإمام البخاري رحمه الله تعالى، فوقف العلماء في جهة والعوام في جهة، واختار العلماء عشرة منهم، وكل واحد من العشرة أعدّ عشرة أحاديث بالسند والمتن فأصبحت مائة حديث، وأخذوا يركبون سند حديث على متن حديث آخر، ويقدمون ويؤخرون بين رجال السند، وهكذا، بحيث أصبح اختباراً دقيقاً جداً لا يمكن أبداً لأي إنسان عادي أن يكتشفه.
فجلس الإمام البخاري ﵀ لهذا الامتحان، فوقف العالم الأول، وسرد للبخاري العشرة الأحاديث، فكان كلما قرأ عليه حديثاً يقول له البخاري: لا أعرفه.
ثم الثاني فيقول: لا أعرفه.
ثم الثالث فيقول: لا أعرفه.
وهكذا حتى أتموا المائة حديث.
وكان العوام كلما قال الإمام البخاري: لا أعرفه يقولون: البخاري هذا جاهل وليس بعالم، فإنه لا يعرف شيئاً؛ إذ كلما يقرأ عليه حديث يقول: لا أعرفه! فكان يزداد انتقاصاً في نظر العوام ويزداد ارتفاعاً في عيون العلماء، ولم يتكلم أحد من الفريقين، بل كلاهما متعجب.
العوام يتعجبون -في نظرهم- من جهل البخاري -وحاشاه ﵀ والعلماء يتعجبون من علمه وقوة حفظه.
فلما فرغ العلماء العشرة من سرد الأحاديث المائة-حيث سرد كل واحد منهم عشرة أحاديث- رجع البخاري فوراً إلى الأول وقال له: أما أنت فقد قلت كذا وكذا.
وسرد له العشرة الأحاديث بأخطائها ثم قال: وصوابها كذا وأعاد العشرة الأحاديث مرتبة بالتصويبات، ثم الثاني والثالث حتى أتم المائة يذكر فيها البخاري الخطأ ثم الصواب حديثاً حديثاً، فانبهر العلماء من قوة حفظه وإتقانه للحديث.
стр. 1538
الترهيب من التعالم وادعاء العلم
في هذا الواقع الذي نعيشه الآن نجد أن بعض العوام فرحين جداً بـ إسماعيل منصور -في نظرهم- الذي اكتشف بعبقريته المذهلة أن النقاب حرام، بينما العلماء يبكون أسفاً وحسرة على هذا الدين، وعلى غربة الإسلام بين أهله وفي وطنه، ويصدق ذلك قول رسول الله ﵊: (يظهر الإسلام حتى تختلف التجار في البحر، وحتى تخوض الخيل في سبيل الله، ثم يظهر قوم يقرءون القرآن يقولون: من أقرأ منا؟ من أعلم منا؟ من أفقه منا؟ ثم قال لأصحابه: هل في أولئك من خير؟! قالوا: الله ورسوله أعلم.
قال: أولئك منكم من هذه الأمة، وأولئك هم وقود النار).
وعن ابن عباس ﵄ عن رسول الله ﷺ : (أنه قام ليلة بمكة من الليل فقال: اللهم! هل بلغت؟ اللهم! هل بلغت؟ اللهم! هل بلغت؟ فقام عمر بن الخطاب ﵁ -وكان نائماً- وسمعه وهو يقول هذا إشفاقاً ﵊ وكان عمر أواهاً- أي: كثير البكاء والتضرع والدعاء -فقال: اللهم نعم، وحرضت وجاهدت ونصحت.
فقال ﷺ : ليظهرن الإيمان حتى يرد الكفر إلى مواطنه، ولتخاضن البحار بالإسلام، وليأتين على الناس زمان يتعلمون فيه القرآن ويقرءونه ثم يقولون: قد قرأنا وعلمنا، فمن ذا الذي هو خير منا؟ فهل في أولئك من خير؟! قالوا: يا رسول الله! من أولئك؟ قال: أولئك منكم، وأولئك هم وقود النار).
فهذه هي الفتنة المعاصرة، يخب فيها كل خب، وإن تركنوا إليهم ﴿مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾ [التوبة:٤٧].
فما أحوجنا إلى الصدق، وإنا لنشهد ونقيم الشهادة لله ﵎ على أن كتاب هذا الإنسان لا يصنف أبداً في قوائم البحوث العلمية، ولا مكان له في درجاتها، ولا حتى في أحط دركاتها، كيف وقد قام على التمويه والكذب مما يأسى عليه الإنسان الكريم؟! وإذا عري الكتاب عن زخرف القول واللعب بالألفاظ فلن يكشف ذلك إلا عن ضحالة فكر وضلالة قلب، فليتق الله المسلم فيما يقول ويكتب، فقد قال ﷺ : (وهل يكب الناس في النار على مناخرهم أو على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم).
وقال ﷺ : (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده).
فيا طالب الأخرى ويا مبتغي الهدى ليسعد عند الله في يوم يسأل لعمري لهذا الحق يعلو مناره عليك به إن الأباطيل تسفل وأستعير هنا عبارة ختم بها الشيخ أبو بكر جابر الجزائري حفظه الله كتابه (القول الكريم الغالي في الدفاع عن الداعية محمد الغزالي) حيث يقول في آخر كتابه: آه وآه ثم آه، وهل ينفع أهل آه ألف آه، إلى هنا كل القلم من شدة الألم، وضاقت النفس من قوة الرفس، فأرجو أن أكون أزحت الستار، وبينت العوار، ومن لم يستره الليل لا يستره النهار، ومن لم ير بالتوبة الجنة فسيرى بالأبصار النار، والأمر لله الواحد القهار.
نسأل الله أن يرزقنا هدياً قاصداً، وأن يجنبنا منكرات الأخلاق والأهواء والأدواء.
سبحانك -اللهم- ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
стр. 1539
كيف نفهم المراهقين [١]
تحمل البيئة المحيطة بالإنسان عوامل تكوين شخصيته، والجوانب المؤثرة في نموها وتكاملها، ولكن مما يؤسف له أن هذه البيئة تكتنفها عوامل بشرية كثيرة متمثلة في الجهل بالتربية بشكل عام، وبكيفية التعامل مع المراهقين بشكل خاص، وقد وضع الإسلام منهجاً تربوياً يكفل بناء الشخصية بناءً صحيحاً، وهو خير من المناهج الغربية، فعلى الآباء الالتزام بمنهج الإسلام، والتعامل مع المراهقين على أساس توجيهاته.
стр. 1540
أثر البيئة الأسرية في تكوين الشخصية
الحمد لله كثيراً كما أنعم علينا كثيراً، وصلى الله على نبينا محمد الذي أرسله شاهداً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، وعلى آله الذين أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، وعلى جميع المؤمنين الذين أمر الله نبيه أن يبشرهم بأن لهم من الله فضلاً كبيراً، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدى هدى محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار؛ ثم أما بعد: فعن الأسود بن سريع ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: (كل مولود يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه)، وهذا الحديث رواه الطبراني في المعجم الكبير، والبيهقي في سننه، ورمز له السيوطي بالصحة.
قوله ﷺ : (كل مولود) يعني: كل مولود من بني آدم يبقى على هذه الفطرة، ويولد سليماً نقياً مستعداً لتوحيد الله ؛ ولو افترضنا أن هناك طفلاً ولد في مكان بحيث تهيأت له أسباب الحياة دون أن يخالط أي مخلوق من البشر؛ لنطق هذا الطفل إذا شب وبلغ بالتوحيد، ولاهتدى بفطرته التي غرسها الله فيه إلى توحيد الله والإيمان به.
فالفطرة السليمة هي الأصل، ثم يطرأ بعد ذلك الانحراف بسبب عوامل منها: عوامل البيئة، والوالدين، وهما من أقواها؛ ولذلك قال ﵊: (فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه)؛ ففي هذا إشارة إلى خطر تأثير الأبوين في اتجاه ومستقبل أولادهما.
فإذا كانت التربية فاشلة، أو كان الوالدان كافران؛ فهذا الطفل سوف يقلد أبويه، وتفسد فطرته بهذه العوامل، أما إذا بقي على الفطرة السليمة النقية، ثم جاء الأبوان يقويان هذه الفطرة؛ حينئذ ينظر فيما نصب من الدلائل الجلية على التوحيد وفقه الرسول ﷺ نظراً صحيحاً يوصله إلى الحق والرشد، ويعرف الصواب ويلزم ما طبع عليه في الأصل من هذه الفطرة.
أما إذا كان أبواه يهوديين أو نصرانيين فهما اللذان يهودانه أو ينصرانه ويكونا السبب في الانحراف عن هذه الفطرة.
وقوله: (أو يمجسانه) أي: يدخلانه المجوسية، بأن يصداه عما ولد عليه، ويبينا له الملة المبدلة والنحلة الزائفة، وهذا لا ينافيه قوله تعالى: ﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم:٣٠]؛ لأن المراد به: لا ينبغي أن تبدل تلك الفطرة، وحق هذه الفطرة أن تبقوا عليها؛ لأنها صبغة الله : ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ [البقرة:١٣٨]، أو قوله تعالى: ﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم:٣٠]: خبر يراد به نهي الناس عن أن يتسببوا في تبديل فطرة الله، وفي مسخ عقائد الناس، فهو خبر بمعنى النهي كما قال البيضاوي.
والفطرة تدل على نوع من الفطر، وهو الابتداء والاختراع، فقد تنازع أعرابي مع آخر على بئر فقال أحدهما للآخر: أنا الذي فطرتها، يعني أنا الذي ابتدأت حفرها، والمعني بها هنا: تمكن الناس من الهدى في أصل الجبلة؛ إذ ليس المقصود قطعاً فطرة الإسلام، وليس المقصود أن المولود إذا ولد يكون عالماً بالإسلام والإيمان والإحسان، ومتعلماً قضايا التوحيد بدلائلها وغير ذلك؛ لأن الواقع غير ذلك، لكن المقصود التهيؤ والاستعداد لقبول الحق، وهذه الفطرة لا تلبث أن تنمو رويداً رويداً إلى أن تصل أقصاها في سن البلوغ الذي جعله الله سن التكليف؛ فحينئذ تفصح عن نفسها، ويعرب هذا الإنسان عما رسخ في فطرته من الاعتقاد في حقائق الوجود؛ لأن أقوى دليل على وجود الله هو الفطرة نفسها؛ فكل إنسان يشعر بهذه الحقيقة الإيمانية الكبرى؛ فالإنسان إذا ترك على ما فطر عليه، واستمر على لزوم هذه الفطرة، ولم يفارقها ولم يغيرها؛ فلسوف يبقى على هذه الفطرة وسيقبل الإسلام ويستقيم على دين الله ؛ وإنما يعدل عنه بآفة من الآفات البشرية والتقليد، فالفاء في قوله: (فأبواه)، للتعقيب أو للتسبب، أي: إذا تقرر ذلك فمن تغير عن هذه الفطرة فإنما يكون ذلك بسبب أبويه.
والحاصل أن الإنسان مفطور على التهيؤ لأن يدين بالإسلام بالفعل؛ لأن الله قال: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل:٧٨]، فنحن نُخلَق ولا نعلم شيئاً، لكن هذه البذرة موجودة في قلب الإنسان بعوامل متعددة، ويبدأ يستيقظ فيه هذا الشعور ويتنامى ويكثر في وقت من الأوقات، ذلك حينما تكثر أسئلة الطفل عن الوجود والسماء والشمس والقمر، ويبدأ يسأل أسئلة ليستكشف بدافع من هذه الفطرة الكامنة فيه حقائق الوجود، حتى إذا ما وصل سن التكليف فإنه يكون ناضجاً لدرجة تؤهله أن يكون مكلفاً -كما سنبين إن شاء الله تعالى- فهو مهيأ للإسلام بالقوة؛ لكن لابد من التعلم واكتساب العلم بالفعل، فمن قدر الله كونه من أهل السعادة قيض الله له من يعلمه سبيل الهدى؛ فصار مهذباً بالفعل، ومن خذله وأشقاه سبب له من يغير فطرته ويثني عزيمته، والله هو المتصرف في عبيده كيف يشاء، كما قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس:٧ - ٨].
وهذا الحديث رواه مسلم من حديث أبي هريرة بلفظ: (كل إنسان تلده أمه على الفطرة؛ فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه؛ فإن كانا مسلمين فمسلم)، ورواه البخاري بلفظ: (كل مولود يولد على الفطرة؛ فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه؛ كمثل البهيمة تنتج البهيمة، هل ترى فيها من جدعاء).
خلاصة الكلام في هذه القضية: أن هذا الحديث يشير إلى عنصر مهم جداً في تكوين الشخصية في مراحل الطفولة أو الشباب أو المراهقة، وهو تأثير البيئة التي تعد أخطر مؤسسة تربوية على الإطلاق، وبالذات بيئة الأسرة التي تحيط بالإنسان.
وهو أيضاً يشير إلى أهمية استقلالية المسلمين في استقاء المناهج التربوية عن الملاحدة والكافرين من أهل الغرب وغيرهم الذين اقتحموا هذا الباب وأفسدوا فيه كثيراً من الأمم في هذا المجال كثيراً وأبعدوها عن صراط الله المستقيم.
والحقيقة أن المناهج التربوية السوية والمستقيمة ينبغي أن تكون حكراً على المسلمين؛ بناءً على قوله ﵎: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤]، وترببية النفس البشرية ليست كغيرها من العلوم التي تخضع للتجارب المعملية والأمور الحسية، إنما هي محاولة لاستكشاف خصائص هذه النفس، وقد يصيبون أحياناً ويخطئون أحياناً أخرى، ويختلط عندهم الخطأ بالصواب، نظراً لاختلاف الثقافة والمفاهيم للحياة وللكون والألوهية، فمن الخطأ الجسيم أن تطبق هذه المناهج الغربية التربوية على أبناء المسلمين مع الاختلاف الشاسع بين قوم يؤمنون بالله وبالقرآن وبالرسول ﷺ ، وبين قوم يكفرون بالله وكتابه ورسوله؛ لا شك أن العقيدة سوف تنعكس في هذه المناهج كما سنرى ذلك بالتفصيل.
كما أن كثيراً من حقائق هذه العلوم النفسية مبثوثة في ثنايا القرآن والسنة، وقد يأتي الشق السليم من علوم النفس وعلوم التربية ويتوافق تماماً مع ما أخبر الله به، وهذه العلوم لا تؤكد هذه المفاهيم، وإنما هي تستكشف حقائق قد غرسها الله في هذه المخلوقات بالفعل، كما في قول الله ﵎: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء:٦]، هذه الآية تشير إلى حقيقة تعترف بها العلوم الحديثة، وقد تزعم أنها هي التي استنبطتها، وهي: أن هناك فرقاً بين البلوغ وبين الرشد، فقد يبلغ الإنسان ولا يكون راشداً، بالذات في أوائل مرحلة المراهقة، فهو من الناحية الجسمية أو التناسلية صار ناضجاً، لكنه ليس راشداً فيتأخر النضج العقلي عن النمو الجسدي، فهذه الأمور موجودة في هذه الآية الكريمة؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾، هذه إشارة إلى أن البلوغ هو في جانب التناسل، وحينئذ يبدأ اختبارهم كي تعلموا هل بلغوا الرشد أم لا؟ فإذا بلغوا الرشد ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء:٦].
أيضاً هذا الحديث لا شك أنه يعكس معلومة مهمة جداً، وهي تأثير البيئة التي تعتبر أكبر وأخطر مؤسسة تربوية على الإطلاق.
وعليه سنبدأ إن شاء الله تعالى بفتح ملف المراهقين؛ كيف نفهم المراهقين؟ وما هي مشاكل المراهقين؟ وكيف ينبغي أن تحل؟
стр. 1541
سبب الحديث عن مشاكل المراهقين
كان الأولى بنا أن نبدأ بالمراحل الأولى من الأمور التربوية وهي مرحلة الطفولة الباكرة التي تبدأ من الميلاد إلى ما بعدها من المراحل، لكن هناك أسباب ستتبين إن شاء الله من خلال البحث تسوغ لنا البداءة بموضوع المراهقين رغم أنه ليس متماشياً مع الترتيب المنطقي لهذا الأمر.
стр. 1542
الحرص على نفع الإنسان ودفع ما يضره
قول النبي ﷺ في الحديث الشريف: (احرص على ما ينفعك)، هذا هو الدافع الأساسي للتوقف عند هذه القضية الحيوية لدراستها والاهتمام بها؛ فإن قوله ﵊: (احرص على ما ينفعك) مفهومه: تجنب ما يضرك، أو اجتهد في تجنب ما يضرك؛ فمن هذا المنطلق نحن نعطي هذه القضية قدراً خاصاً من الاهتمام.
стр. 1543
انتشار الأمية التربوية
الواقع أننا الآن في أزمة تربوية شديدة، يمكن أن نعبر عنها بالأمية التربوية؛ إذ لم تعد الأمية قاصرة على العجز عن القراءة والكتابة، فقد أصبحت الأمية التربوية موجودة في طوائف هم أولى الناس بأن يحيطوا بها علماً، وعلى الأخص الآباء والأمهات الملتزمون بهذه القضية.
وللأسف الشديد أن بعض المدرسين اليوم في داخل مكان يسمى سابقاً وزارة التربية والتعليم نسمع عنهم أشياء سيئة نتيجة عدم الخبرة التربوية، أو فساد بعض من ينتسبون إلى فئة التدريس، الأمر الذي ينعكس بلا شك على هؤلاء الطلبة، ويصبحون هم فيما بعد هم الضحايا للتوجيه الخاطئ الذي يفتقر إلى كثير من المبادئ التربوية السليمة.
وننبه إلى غلطة فادحة يقع فيها أحياناً المدرسون والمدرسات والآباء والأمهات بغض النظر عن خطر البيئة من حول المراهق من أصدقاء ووسائل الإعلام، وغير ذلك من المؤثرات التي سنشير إليها؛ فبقي المسجد هو الحصن الباقي من حصون الإسلام كي ننطلق منه إلى المناهج التربوية، والتوعية التربوية السليمة لحماية أبناء المسلمين قدر المستطاع من هذه المؤثرات، ولا شك أنكم سمعتم بالمأساة الأليمة التي وقعت في إحدى المدارس القريبة من المسجد، حيث خرجت منها هذه الفئة الضالة من الأولاد الملاحدة الذين يزعمون أنهم يعبدون الشيطان، وهذا أمر ما كنا نتخيله.
الأعجب من ذلك ردود أفعال المجتمع، فقد وجدنا فزعاً شديداً من كلمة عبادة الشيطان، ومناسك عبادة الشيطان، وما يفعله هؤلاء الأولاد، في حين وجدنا أموراً في غاية التناقض، دخلت أحد المحلات لأشتري بعض الأشياء، فشاهدت في التلفزيون رجلاً مهندماً حليقاً يتكلم بقال الله وقال رسوله ﵊، ويعيب على الأسرة إهمال التربية، وفساد الشباب، فلفت نظري أن الكاميرات تنقل صوراً من الذين يحاضرهم هذا الشخص وهم جالسون بمنتهى التأثر، وكأن لسان حالهم يقول: كيف أصبح أولادنا يعبدون الشيطان؟ ومن هؤلاء أمهات في غاية التبرج، ولا تدري أنها أيضاً تعبد الشيطان، وقد اجتمعوا من أجل مناقشة عبادة الشيطان في حين أن كثيراً منهم يعبدون الشيطان وهم لا ينتبهون؛ لماذا؟ لأن الشيطان خدعهم بأن سول لهم عبادته، لكن بطريقة لا تحمل اسم عبادة الشيطان، فما أكثر الذين يعبدون الشيطان! هل آزر والد إبراهيم كان يقول: أنا أعبد الشيطان، أم أن الشيطان سوغ له عبادة الأصنام؟ ومع ذلك قال له إبراهيم ﵇: ﴿يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ [مريم:٤٤]، وقال الله : ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [يس:٦٠ - ٦١].
فالعبادة نوعان فقط: عبادة لله وعبادة للشيطان، لكن الناس يتفاوتون في مقدار عبوديتهم للشيطان، فمن عبده بأن أطاعه بارتكاب المعاصي فهذا فاسق فاجر، ومن أطاعه في استحلال المعاصي فهو كافر خارج من الملة، فالحقيقة أن كثيراً من الناس في مجتمعنا يعبدون الشيطان، لكنهم فزعوا لأن هذه عبادة صريحة، وإلا فإن كل معصية وكفر يقع في هذا الوجود إنما هو من الشياطين التي تؤزهم أزاً على هذه المعاصي، وهم في الحقيقة يطيعون الشيطان.
لا نريد أن نخرج عن موضوعنا؛ لكن هذه من أقبح ثمرات الفوضى، أو بتعبير آخر فالأمية التربوية التي تشيع الآن في مجتمعاتنا، تؤكد ضرورة التوعية بالنسبة لهذه المراحل الخطيرة من مراحل العمر.
стр. 1544
الحصن الأخير للتربية هو المساجد
هل هذا الموضوع يناسب دراسته في المسجد؟ لا شك طبعاً؛ لأن المسجد صار الآن هو الحصن الوحيد الذي يؤمن على التوجيه والتربية والتوعية، وقد توجد أماكن أخرى! ويوجد من المدرسين أناس أفاضل يراعون هذه الأشياء، ويتقون الله في توجيه الشباب وغير ذلك، لكن يبقى المسجد هو المنطلق؛ لأن الإسلام هو دين حياة وليس ديناً منعزلاً كالكنيسة، فهو دين يتعامل مع الحقائق كحقيقة، وهو حقيقة تتعامل مع الواقع وليس نظرية مثالية تتعامل مع الفروض والخيال.
وكل واحد منا أحد اثنين: إما أب عند هؤلاء الذين يوشكون أن يقتربوا من المراهقة، وإما أب عنده أولاد بالفعل دخلوا مرحلة المراهقة، وإما إخوة يعمرون المساجد -أغلبهم أيضاً من المراهقين- يحتاجون إلى أن يعرفوا ما لهم وما عليهم.
فالآباء يحتاجون إلى فهم طبيعة هذه المرحلة حتى يتوقوا الأخطار التي يمكن أن تنعكس انعكاساً خطيراً على مستقبل أبنائهم، ولا مانع في نفس الوقت من الاستفادة من الدراسات النفسية الحديثة، فالحكمة ضالة المؤمن يلتمسها أنى وجدها، ومعلوم أن الجزء الصحيح في علوم النفس وعلوم التربية هو ما يتوافق مع الإسلام، ولا حرج من الاستفادة من هذا المجال؛ لأن سنن الفطرة التي أودعها الله في المخلوقات واحدة لا تتغير، والعلوم والبحوث الحديثة قد تستكشف بعض الأمور المكنونة في هذه النفس الإنسانية، والله أشار إلى المراحل التي يمر بها الإنسان في قوله ﵎: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ [الروم:٥٤].
стр. 1545
الاهتمام بالنمو الجسمي دون الاجتماعي
من الأخطاء التي نقع فيها: أن الذي يلفت أنظارنا في الغالب هو النمو الجسمي للطفل: كان رضيعاً، ثم بدأ يترقى في مراحل الطفولة، ثم يدخل مرحلة المراهقة بمراحلها الثلاث، ثم يدخل بعد ذلك في مرحلة الرشد، ثم مرحلة العمر المتوسط، ثم الشيخوخة، فالذي يلفت أنظارنا أكثر هو النمو الجسمي، ونغفل عن أنواع أخرى من النمو، وبالتالي لا نواكب هذه التطورات.
فهناك نمو آخر غير النمو الجسمي، فكما أن الجسم ينمو فإن النفس تنمو وتمر بمراحل، والعقل ينمو ويمر بمراحل، والعواطف تنمو أيضاً، كذلك السلوك الاجتماعي وبعض الناس قد تتغير تعاملاته مع ابنه نظراً لنموه الجسمي؛ لكنه لا يدرك النمو النفسي، وأن كل مرحلة لها طبيعة لابد أن يتفهمها ليعرف كيف يتعامل مع ابنه لكي يجتاز هذه المرحلة بسلام.
следующие страницы →