← Джавами‘

Джавами‘ · id 37018

دروس الشيخ محمد إسماعيل المقدم

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (2 122 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

سبب الحديث عن مشاكل المراهقين كان الأولى بنا أن نبدأ بالمراحل الأولى من الأمور التربوية وهي مرحلة الطفولة الباكرة التي تبدأ من الميلاد إلى ما بعدها من المراحل، لكن هناك أسباب ستتبين إن شاء الله من خلال البحث تسوغ لنا البداءة بموضوع المراهقين رغم أنه ليس متماشياً مع الترتيب المنطقي لهذا الأمر.

стр. 1542

الحرص على نفع الإنسان ودفع ما يضره قول النبي ﷺ في الحديث الشريف: (احرص على ما ينفعك)، هذا هو الدافع الأساسي للتوقف عند هذه القضية الحيوية لدراستها والاهتمام بها؛ فإن قوله ﵊: (احرص على ما ينفعك) مفهومه: تجنب ما يضرك، أو اجتهد في تجنب ما يضرك؛ فمن هذا المنطلق نحن نعطي هذه القضية قدراً خاصاً من الاهتمام.

стр. 1543

انتشار الأمية التربوية الواقع أننا الآن في أزمة تربوية شديدة، يمكن أن نعبر عنها بالأمية التربوية؛ إذ لم تعد الأمية قاصرة على العجز عن القراءة والكتابة، فقد أصبحت الأمية التربوية موجودة في طوائف هم أولى الناس بأن يحيطوا بها علماً، وعلى الأخص الآباء والأمهات الملتزمون بهذه القضية. وللأسف الشديد أن بعض المدرسين اليوم في داخل مكان يسمى سابقاً وزارة التربية والتعليم نسمع عنهم أشياء سيئة نتيجة عدم الخبرة التربوية، أو فساد بعض من ينتسبون إلى فئة التدريس، الأمر الذي ينعكس بلا شك على هؤلاء الطلبة، ويصبحون هم فيما بعد هم الضحايا للتوجيه الخاطئ الذي يفتقر إلى كثير من المبادئ التربوية السليمة. وننبه إلى غلطة فادحة يقع فيها أحياناً المدرسون والمدرسات والآباء والأمهات بغض النظر عن خطر البيئة من حول المراهق من أصدقاء ووسائل الإعلام، وغير ذلك من المؤثرات التي سنشير إليها؛ فبقي المسجد هو الحصن الباقي من حصون الإسلام كي ننطلق منه إلى المناهج التربوية، والتوعية التربوية السليمة لحماية أبناء المسلمين قدر المستطاع من هذه المؤثرات، ولا شك أنكم سمعتم بالمأساة الأليمة التي وقعت في إحدى المدارس القريبة من المسجد، حيث خرجت منها هذه الفئة الضالة من الأولاد الملاحدة الذين يزعمون أنهم يعبدون الشيطان، وهذا أمر ما كنا نتخيله. الأعجب من ذلك ردود أفعال المجتمع، فقد وجدنا فزعاً شديداً من كلمة عبادة الشيطان، ومناسك عبادة الشيطان، وما يفعله هؤلاء الأولاد، في حين وجدنا أموراً في غاية التناقض، دخلت أحد المحلات لأشتري بعض الأشياء، فشاهدت في التلفزيون رجلاً مهندماً حليقاً يتكلم بقال الله وقال رسوله ﵊، ويعيب على الأسرة إهمال التربية، وفساد الشباب، فلفت نظري أن الكاميرات تنقل صوراً من الذين يحاضرهم هذا الشخص وهم جالسون بمنتهى التأثر، وكأن لسان حالهم يقول: كيف أصبح أولادنا يعبدون الشيطان؟ ومن هؤلاء أمهات في غاية التبرج، ولا تدري أنها أيضاً تعبد الشيطان، وقد اجتمعوا من أجل مناقشة عبادة الشيطان في حين أن كثيراً منهم يعبدون الشيطان وهم لا ينتبهون؛ لماذا؟ لأن الشيطان خدعهم بأن سول لهم عبادته، لكن بطريقة لا تحمل اسم عبادة الشيطان، فما أكثر الذين يعبدون الشيطان! هل آزر والد إبراهيم كان يقول: أنا أعبد الشيطان، أم أن الشيطان سوغ له عبادة الأصنام؟ ومع ذلك قال له إبراهيم ﵇: ﴿يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ [مريم:٤٤]، وقال الله : ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [يس:٦٠ - ٦١]. فالعبادة نوعان فقط: عبادة لله وعبادة للشيطان، لكن الناس يتفاوتون في مقدار عبوديتهم للشيطان، فمن عبده بأن أطاعه بارتكاب المعاصي فهذا فاسق فاجر، ومن أطاعه في استحلال المعاصي فهو كافر خارج من الملة، فالحقيقة أن كثيراً من الناس في مجتمعنا يعبدون الشيطان، لكنهم فزعوا لأن هذه عبادة صريحة، وإلا فإن كل معصية وكفر يقع في هذا الوجود إنما هو من الشياطين التي تؤزهم أزاً على هذه المعاصي، وهم في الحقيقة يطيعون الشيطان. لا نريد أن نخرج عن موضوعنا؛ لكن هذه من أقبح ثمرات الفوضى، أو بتعبير آخر فالأمية التربوية التي تشيع الآن في مجتمعاتنا، تؤكد ضرورة التوعية بالنسبة لهذه المراحل الخطيرة من مراحل العمر.

стр. 1544

الحصن الأخير للتربية هو المساجد هل هذا الموضوع يناسب دراسته في المسجد؟ لا شك طبعاً؛ لأن المسجد صار الآن هو الحصن الوحيد الذي يؤمن على التوجيه والتربية والتوعية، وقد توجد أماكن أخرى! ويوجد من المدرسين أناس أفاضل يراعون هذه الأشياء، ويتقون الله في توجيه الشباب وغير ذلك، لكن يبقى المسجد هو المنطلق؛ لأن الإسلام هو دين حياة وليس ديناً منعزلاً كالكنيسة، فهو دين يتعامل مع الحقائق كحقيقة، وهو حقيقة تتعامل مع الواقع وليس نظرية مثالية تتعامل مع الفروض والخيال. وكل واحد منا أحد اثنين: إما أب عند هؤلاء الذين يوشكون أن يقتربوا من المراهقة، وإما أب عنده أولاد بالفعل دخلوا مرحلة المراهقة، وإما إخوة يعمرون المساجد -أغلبهم أيضاً من المراهقين- يحتاجون إلى أن يعرفوا ما لهم وما عليهم. فالآباء يحتاجون إلى فهم طبيعة هذه المرحلة حتى يتوقوا الأخطار التي يمكن أن تنعكس انعكاساً خطيراً على مستقبل أبنائهم، ولا مانع في نفس الوقت من الاستفادة من الدراسات النفسية الحديثة، فالحكمة ضالة المؤمن يلتمسها أنى وجدها، ومعلوم أن الجزء الصحيح في علوم النفس وعلوم التربية هو ما يتوافق مع الإسلام، ولا حرج من الاستفادة من هذا المجال؛ لأن سنن الفطرة التي أودعها الله في المخلوقات واحدة لا تتغير، والعلوم والبحوث الحديثة قد تستكشف بعض الأمور المكنونة في هذه النفس الإنسانية، والله أشار إلى المراحل التي يمر بها الإنسان في قوله ﵎: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ [الروم:٥٤].

стр. 1545

الاهتمام بالنمو الجسمي دون الاجتماعي من الأخطاء التي نقع فيها: أن الذي يلفت أنظارنا في الغالب هو النمو الجسمي للطفل: كان رضيعاً، ثم بدأ يترقى في مراحل الطفولة، ثم يدخل مرحلة المراهقة بمراحلها الثلاث، ثم يدخل بعد ذلك في مرحلة الرشد، ثم مرحلة العمر المتوسط، ثم الشيخوخة، فالذي يلفت أنظارنا أكثر هو النمو الجسمي، ونغفل عن أنواع أخرى من النمو، وبالتالي لا نواكب هذه التطورات. فهناك نمو آخر غير النمو الجسمي، فكما أن الجسم ينمو فإن النفس تنمو وتمر بمراحل، والعقل ينمو ويمر بمراحل، والعواطف تنمو أيضاً، كذلك السلوك الاجتماعي وبعض الناس قد تتغير تعاملاته مع ابنه نظراً لنموه الجسمي؛ لكنه لا يدرك النمو النفسي، وأن كل مرحلة لها طبيعة لابد أن يتفهمها ليعرف كيف يتعامل مع ابنه لكي يجتاز هذه المرحلة بسلام.

стр. 1546

مرحلة المراهقة مرحلة بناء الشخصية مرحلة المراهقة من أخطر مراحل نمو الإنسان، بمعنى أنها تتطلب رعاية خاصة، فإذا تصورنا دائرتين متداخلتين، دائرة الطفولة ودائرة الرشد، فإذا تداخلت هاتان الدائرتان تولدت بينهما المسافة المشتركة، وهي مرحلة المراهقة، ويكاد المراهق إذا وقف على أطراف أصابعه أن يتطلع إلى عالم الرجولة، وفي نفس الوقت يريد أن يتخلص من آثار مرحلة الطفولة كما سنبين إن شاء الله تعالى. فخطورة هذه المرحلة بجانب مرحلة الطفولة؛ لأنها أساس بناء الشخصية، والشخصية يبدأ تكوينها مبكراً أكثر مما نتخيل؛ فنحن ننظر للطفل الرضيع على أنه مضغة لحم نلهو بها ونفرح بها فقط، لكن الجوانب التربوية نهملها مع الرضع ثم مع الأطفال بعد ذلك في المراحل المختلفة، على حين أننا نجهل أن بذور الخير أو الشر أو الصحة النفسية أو الأمراض النفسية كلها توضع في هذه المرحلة الأولى، ولا تلبث أن تنمو حتى تظهر فيما بعد، ثم إذا بلغ عمره ثمان عشرة سنة أو عشرين سألنا: أين التربية؟ ولم يعد هناك تربية في هذه السن؛ بل هو علاج؛ لأن التأسيس وبناء الشخصية ينتهي في مرحلة المراهقة، وكل ما يأتي بعد مرحلة المراهقة والطفولة يكون نتاجاً وثمرة لما تلقاه الإنسان من تربية في فترة الطفولة ثم المراهقة. إذاً: لو تمكنت الصفات والخصائص من الشخصية في مرحلة البناء والتأسيس، فما بعد ذلك هو ثمرة لهذه التربية، والتربية لا تبدأ بعد اثنين وعشرين أو ثلاثة وعشرين سنة، ولكنه علاج للتربية الخاطئة، كما لو وجد إنسان فيه عاهات نفسية فإنه يحتاج إلى علاج وليس إلى تربية؛ لأن التربية قد فات وقتها، ونحن لا نيأس ولا نؤيس ولكن ننبه على أهمية الاهتمام المبكر بالتربية المبكرة منذ أول يوم يولد فيه الطفل، بل في الحقيقة منذ كان جنيناً في بطن أمه، بل أخص من ذلك منذ أن اختار أمه التي ستلده. أيضاً هذه المرحلة هي مرحلة تأسيس وبناء شخصية هذا الإنسان وتحديد ملامحها، كما أنها مرحلة مفترق الطرق بالنسبة للمراهق، ويكون له أحاسيسه المرهفة، وبالتالي يتخذ في هذه المرحلة قرارات مصيرية تؤثر في كل مستقبله فيما بعد. مثال: الطالب يحدد اتجاهه في الدراسة أو المهنة خلال هذه المرحلة، وتتخذ قرارات مصيرية ومستقبلية؛ إذاً: التوعية المبكرة بهذه الأمور تقي كثيراً من المخاطر، فالاهتمام بهذه القضية هو من باب أن الوقاية خير من العلاج، وكما يقولون: الدفع أسهل من الرفع، قبل أن تنزل المصيبة اتق حصولها من البداية، إذا جاءت سيارة أيهما أسهل: أن تدفع السيارة أم أن ترفعها في الهواء؟ لا شك أن الدفع أسهل من الرفع، وهذا هو نفس معنى: الوقاية خير من العلاج؛ ولذلك كلما زاد الإنسان وعياً كلما احتاط في اتخاذ الإجراءات الوقائية، ونتائجه تكون مضمونة وأقرب من الإجراءات العلاجية؛ لأنه قد يستجيب للعلاج أو لا يستجيب.

стр. 1547

جهل الآباء بالتربية الصحيحة واقعنا الذي نعيشه مما يفرض علينا الاهتمام بهذه القضية، حيث يوجد من الآباء من يجهل أن هناك علماً اسمه: علم تربية، فمن الآباء من لا يلتفت أصلاً لشيء اسمه تربية، ولا مناهج تربوية، ولا أسس تربوية، وموضوع التربية عنده ينحصر في كيف أن يطعم ولده طعاماً جيداً، ويلبسه ملابس جيدة وغير ذلك من الاحتياجات الحسية، ولا تخطر على باله خطورة موضوع التربية، بالتالي تحصل ممارسات خاطئة من الآباء نتيجة ما ذكرناه من نسيان الأمية التربوية، حتى ربما كان الشخص أستاذاً في الجامعة، ويرتكب أخطاءً فادحة من الناحية التربوية، وأنا أعرف بعض النماذج من هؤلاء. فنتيجة الجهل بقواعد التربية أو القواعد الصحية أو النفسية يحصل كثير من الأخطاء، فنلاحظ الشخص الكبير الذي لا يفهم الأسس التربوية يضع عقله بموازاة عقل الطفل الصغير، فإذا أخطأ الطفل فإنه يوجهه طبقاً لقدراته العقلية هو! فإذا أخطأ الطفل وجد الضرب الشديد، وليس الضرب الذي هو نوع من أنواع العلاج بشروطه! بل الضرب للتشفي وللانتقام، فلذلك لا يتوقف الضرب حتى يفرغ كل شحنة الغضب من صدره، وهذا الضرب غير مشروع، ويعتبر إساءة بالغة! لأن الضرب إنما شرع كعلاج، وله شروط حتى يكون علاجاً. كذلك الأب الذي عنده الخبرة بالحياة، والنضج الكامل حينما يتعامل مع المراهق وتبرز مشاكل نتيجة الخلل سواء من المراهق نفسه أو من الأبوين -كما سنذكر أمثلة على ذلك- لكن الإنسان إذا أدرك كيف يفكر من أمامه، استطاع أن يتعامل معه؛ فالمراهق هذه المرحلة بالنسبة له مرحلة مؤقتة يمر بها، كالنزوع للتمرد، والنزوع للاستقلالية، وإثبات الذات ولو بأي طريقة، والتمرد على الكبار، هذه ظواهر تعتبر طبيعية في هذه المرحلة بالذات، وهذا أمر متوقع. المهم: كيف يمر خلال هذه المرحلة بسلام وبأقل قدر ممكن من المشاكل والأضرار؟ كما ذكرت من قبل: كثير من الآباء يكون عنده منهج تربوي لكنه منهج تربوي خاطئ، فيتصور أن أحسن تربية هي التي رباه عليها أبوه: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف:٢٢]، فهذا المنهج الذي وجد عليه أباه هو أحسن تربية، فبالتالي يطبق نفس الأساليب التربوية التي سلكها معه أبوه، بغض النظر عن صحتها أو خطئها أو وضعها على معايير أو موازين التربية العلمية الصحيحة، لذلك نجد من بعض هذه الممارسات ما يترك أثراً سيئاً جداً، فبعض الآباء يطرد الابن من البيت، وهذا فيه إهانة لهذا الولد أو الشاب أمام أصدقائه، وكذا تحقيره كأن يقول له: أنت لست بنافع أنت فاشل أنت ليس فيك أمل؛ كل هذا الكلام في الحقيقة ليس علاجاً؛ لأن الاستبداد المطلق في التعامل مع المراهق بطريقة فيها غلو شديد يقضي على شخصيته، ويخرجه مشوهاً نفسياً. قد توجد بعض التصرفات دقيقة جداً لا ينتبه الإنسان إليها، وفي نفس الوقت تترك أثراً غير حميد في نفسية المراهق في مرحلة المراهقة المبكرة خاصة، فإذا مرض الولد تجده يريد أن يثبت أنه رجل كبير، وليس طفلاً صغيراً، فقد يحمل في نفسه إذا وجد أن أباه يصطحبه إلى طبيب الأطفال، أو يذهب إلى المحل فيقول: هل عندك أثاث أطفال؟ وأمثال هذه التصرفات التي هي عفوية لكنها تنعكس في نفسية هذا الطفل وهو مهتم جداً بكيف يعامل، ويريد أن يعامل الآن على أنه رجل، وأن يودع مرحلة الطفولة.

стр. 1548

أخطاء المدرسين التربوية أشرنا من قبل إلى أن من أسباب الخلل في هذا المجال: ما يصدر ممن كانوا فيما مضى يؤتمنون على التربية والتعليم والمناهج، والوزارة العلمانية الخبيثة لها دورها في تدمير وتجفيف منابع الإسلام في مناهج التربية. فلم يعد هناك تربية أصلاً، ولم يعد ذاك الاهتمام الذي كنا نلقاه من قبل في طفولتنا مع المدرسين، فكم من كلمة طيبة من مدرس غيرت مجرى حياة إنسان! وكم من سلوك خاطئ من مدرس قد يحرف حياة الشاب أو هذا الطفل طول حياته فيما بعد! فإذاً الأخطاء التي تقع من الذين يؤتمنون على مناهج التربية، كالمدرس الذي يناقش الأولاد مثلاً عن الأفلام مسلسل الليلة الماضية ما رأيك في أغاني فلان وفلان من المطربين؟ أو المدرسة التي تقول للأطفال: سأمتحنكم غداً! ثم في اليوم التالي لا تفعل، لماذا؟ تقول: أنا كنت أضحك عليكم من أجل أن تذاكروا، دون أن تلتفت إلى أن هذا فيه تدمير لشخصية المدرس. المدرس قد يثبت سلوكاً متناقضاً أمام التلاميذ! فيكذب، أو يغش، أو يحتال، وغير ذلك من هذه السلوكيات ومن ذلك أن مدرس المادة قد يرى طالباً داخل لجنة الامتحان فيقول له: قابلني إذا أفلحت! فهل هذه تربية؟! والنماذج كثيرة جداً، وأغلب المدارس تقع فيها هذه الأخطاء.

стр. 1549

الحماية أو الشدة الزائدة من الآباء بعض الآباء يسلك مسلك الحماية الزائدة، حتى إن ابنه يبلغ هذه السن وهو لا يسمح له بأن يعبر الطريق إلا وهو يمسك بيديه حتى لا تصدمه السيارات، وهذه حماية زائدة وتدليل زائد! وهذا فيه تحطيم لشخصية هذا الطفل. وبعض الآباء عنده إهمال تام، خاصة في حالة انفصال الأبوين، أو إذا سافر الأب عن البيت، فهذا أيضاً ينتج الانحرافات، وأضرارها ظاهرة كما ترون في هؤلاء الذين يعبدون الشيطان. فالذي يقع إما إطلاق العنان للمراهق بزعم أنه الآن في مرحلة ينبغي أن يعتمد فيها على نفسه، وهذا تأثر بالمناهج الغربية الفاسدة في التربية، وإما الكبت الشديد والاستبداد والقهر والبطش، وهذا أيضاً مما ينتج آثاراً سيئة، بعض الناس من نظرته الخاطئة للتربية يمدح من ينظر إلى ابنه نظرة بعينيه فيرتعد! فهو يرى أن هذه هي التربية السليمة، وهكذا كثير من الخطأ والخلل موجودة في المناهج التربوية.

стр. 1550

المشاكل في حياة المراهقين وكيفية علاجها هناك الكثير من المشاكل الملحة التي يعاني منها المراهقون، ونحن حينما نتكلم عن المراهقين لا نقصد الذين يأتون إلى المساجد فقط؛ لأن هؤلاء أراد الله بهم خيراً بأن يأووا إلى بيوت الله، وأن يكونوا ممن قال فيهم النبي ﷺ : (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله شاب نشأ في عبادة الله)؛ لكن نقول: كل من ينتسب إلى الإسلام من شباب المسلمين وأبناء المسلمين هم منا ونحن مسئولون عن إنقاذهم وانتشالهم من الضياع. انتشار ظاهرة التدخين: معروف أن التدخين يبدأ في مرحلة المراهقة؛ لأن المراهق يريد أن يثبت أنه رجل؛ فيتشبه بالرجال، ويرى البطل في الأفلام يدخن، ويرى إعلانات التدخين، فيعتقد أن التدخين من خصائص الرجولة؛ فيبدأ التقليد والمحاكاة، فيقع فريسة لهذه العادة السيئة. والتدخين هو حضانة الإدمان؛ لأن نسبة كبيرة جداً من المدمنين لابد أن يكونوا مدخنين، وقليلاً ما تسمع عن شخص أدمن ويكون قد نجاه الله من التدخين مسبقاً، بل المرحلة الإعدادية للإدمان هي التدخين، ثم بعد ذلك يأتي الإدمان كما تعلمون. الفواحش توجد أيضاً في مثل هذه المرحلة، وواضح تماماً أن الأولاد الذين يعبدون الشيطان ما فزعوا إلى ذلك إلا اتباعاً لشهواتهم، فالموسيقى التي هي من الخمر، لأنها تفسد الروح كما تفسد الخمر العقل والبدن؛ تحتاج إلى توعية بخطرها ومنافاتها للدين، ولا عجب أن كان من أهم مداخل هؤلاء الشباب لعبادة الشيطان الموسيقى، والسلف رحمهم الله تعالى سموها من قبل (مزمار الشيطان)، كما قال أبو بكر: وسماها العلماء: (قرآن الشيطان المضاد لقرآن الرحمن) وأنها رقية الزنا، وغير ذلك من التعبيرات التي سموا بها هذه الموسيقى. العادات القبيحة التي تنتشر أيضاً بينهم: رفاق السوء، وكيف يتخلصون منهم؟ عقوق الوالدين، ونلاحظ في قضية العقوق بالذات الفارق بين المنهج الإسلامي وبين المنهج الغربي الإلحادي، فالمنهج الإسلامي ينظر للمراهق على أنه مكلف مسئول عن تصرفاته، وهذا لا يأتي عبثاً، بل هو من حكمة الله . أما المناهج الغربية فإنها تركز على عملية التبرير لما يقع، وأن الطفل ينبغي أن يطلق له العنان إلى حد ما، بل يعيبون على الإسلام إيجابه بر الوالدين، وأن يعطي الوالدين هذه السلطة وهذا الحق، مع أن بر الوالدين مما يجب بالعقل، ولو أن الله لم ينزل في القرآن والسنة نصوصاً توجب بر الوالدين لكان العقل موجباً لبر الوالدين، ولو وجد من عنده عقل سليم؛ فإنه سوف يصل بهذا العقل إلى وجوب بر الوالدين، فكيف إذا انضم إلى ذلك الشرع؟ فالمناهج التربوية الحديثة لا تعطي حيزاً كبيراً لقضية العقوق؛ أما المناهج الإسلامية فإنها تجعله مسئولاً، وتوجب عليه أن يكون حذراً في تصرفاته مع والديه حتى لا يقع في العقوق الذي هو أكبر الكبائر بعد الإشراك بالله ، ولا يسوغ ذلك ولا يبرره بأنه في مرحلة المراهقة التي فيها الاستقلالية والتمرد، لأن العقوق قد ينعكس بعد ذلك في كل حياته إذا غضب عليه والداه. أيضاً نجد كثيراً من الشباب لا ينظر إلى الدراسة على أنها عبادة، وليست من أجل الاستقلال الاقتصادي فقط، والصحيح أنه ما دامت الدراسة على الأقل مباحة، وأبوك أو أمك يأمرانك بها؛ فينبغي أن تحتسب أجر هذه الطاعة، وتجتهد في هذه الدراسة، خاصة وأنه يفرغك ويعينك بماله للدراسة، فواجبه أن ينفق عليك، وأنت واجبك أن تستذكر في المقابل؛ والكثير من الشباب لا نجده مقتنعاً بذلك؛ مع أن هذه تنتقل إلى مجال العبادة، وهي طاعة للوالد فيما يهواه، وإذا كان هواه لا يصادم الشرع فأنت مطالب بأن توافقه في هواه. قلنا من قبل: إن الملتزمين أحوج للاهتمام بهذه القضية من غيرهم، باعتبار أن انفتاح المجتمع يجعل الإنسان شخصية لا تشكلها الأسرة فحسب، فهناك المدرسة، والرفقة، ووسائل الإعلام إلى كثير جداً من المؤثرات التي أصبحت تشارك الأسرة وتنازعها، بل قد تستولي منها على زمام التربية تماماً كالتلفاز والفيديو والبث المباشر، وغيرها من الأمور التي زلزلت مركز الأسرة، وصارت كالأب الثالث المزاحم للأبوين في عملية التربية. أيضاً صعوبة التكيف مع الأحداث التي نعيشها، وبخاصة مسألة اشتداد (غربة الإسلام) يوماً بعد يوم وفي العلوم النفسية أنه لابد أن تتكيف مع المجتمع الذي أنت فيه حتى تكون صحيحاً نفسياً؛ أما نحن فنتكيف مع المجتمع الإسلامي الذي هو في بيتنا في مسجدنا ونقيم ما يمكن أن نسميه المجتمع المصغر، حتى نحمي أنفسنا من فساد المجتمع الأكبر، فبالتالي لا شك أن الإنسان يتعرض لصراع بين البيت والمدرسة، وبين البيت والإعلام، فأقوى وسيلة وقائية بعد الاستعانة بالله أن يكون هناك توعية وإقناع للأبناء بمنهج الإسلام، لكي يتسلحوا بما يقنعهم؛ لأن الإقناع سلاح مهم جداً في مرحلة المراهقة، ويكون الإقناع عن طريق إقامة الأدلة بكل أنواعها، وذلك حتى يقتنع المراهق ويتحمل نفس الفكر، أما إذا انتظرت منه أن يخرج مثلك، وظننت أنه في مأمن، فقد أخطأت؛ لأنه يغزى من جوانب أخرى كثيرة خارج البيت، فبالتالي يحتاج إلى تكييفه بما يخرجه معتزاً بدينه، متمسكاً به، صابراً على غربة الإسلام. المراهقة في نظر علم النفس الحديث: هي مرحلة نمو طبيعي، وإن كان المراهق في الحقيقة لا يتعرض لأزمة في هذه الفترة طالما أن النمو يسري ويجري في مجراه الطبيعي وفقاً لاتجاهاته الانفعالية والاجتماعية. أكبر مشكلة تبرز في حياة المراهقين اليومية، والتي تحول بينه وبين التكيف السليم، هي علاقته بالراشدين، وبالذات الآباء منهم؛ فهو يكافح بالتدريج كي يتحرر من سلطة الآباء؛ لأنه يريد أن يكون كالكبار من حيث المركز والاستقلال، فبالتالي يريد أن يصل بسرعة لمستوى الكبار ويتحرر تماماً من سلطتهم، وبالتالي تنشأ الصراعات. فالمراهق لا ينصت لأحد ممن يكبره، وهو يعتقد أن طريقة معاملته لا تتناسب مع ما وصل إليه من نضج، وما طرأ عليه من تغيير، وتجده يقول: لا يوجد من يفهمني أو يدرك ما عندي من خبرة وأني أستطيع أن أستقل بالأمور، وقد يجد أن الآباء قد يتدخلون في شئونه الخاصة، فيكثرون أسئلة من نوع: أين كنت؟ ومع من؟ ماذا تقرأ؟ ماذا استمعت؟ ماذا كان يقول لك فلان؟ فيتدخلون بصورة تفصيلية في هذه المظاهر الحياتية، وبالتالي يتمثل الأمر في صورة صراع بينه وبين الكبار، فيصبح الوضع في المنزل أو عمل الأبوين مثل عمل الشرطة التي تضبط الناس وتراقبهم وتتابعهم، فيصير البيت كأنه ثكنة عسكرية أو مركز شرطة بين هذا المراهق وبين الأبوين. لكن المنزل الصالح الذي يخرج شخصاً سليماً معافىً من الآفات النفسية هو الذي يتفهم حاجة المراهق إلى الاستقلال وصراعاته من أجل أن يحقق ذاته، ثم يساعده ويشجعه بقدر الإمكان، فينبغي أن يتعامل معه كرجل قادر على الاستقلال، كما يشجعه على تحمل المسئوليات، واتخاذ القرارات، والتخطيط للمستقبل؛ هذا الفهم لمركز المراهق لا يأتي دفعة واحدة، ولكنه يكون محصول سنوات من الاستقلال التدريجي المتزايد، وإبراز الذات، والأسرة هي التي ينبغي أن ترسم الخطط لمراهقها حتى يتعلم الاعتماد على نفسه في سن مبكرة، فبذلك تعمل أحسن ما في وسعها لتأكيد نضج الفرد، هذا النوع من التوجيه يجب أن لا يكون أمراً عرضياً، لكنه ينبغي أن يكون نتيجة تفكير عميق وواع من الآباء، فالآباء يجب أن يسألوا أنفسهم على الدوام: متى نستطيع أن نسمح لولدنا المراهق أن يفعل هذا أو ذاك؟ ومن ثم يحدد هو بنظرته ما هو السلوك السليم في كل مرحلة؟ ما هي الفرص التي نسمح له بها كي يمارس استقلاله ويكتسب خبرات جديدة في الحياة وتبرز نضجه وذاته؟ فأحسن سياسة تتبع مع المراهق هي: سياسة احترام رغبته في الاستقلال والتحرر، لكن بشرط عدم إهمال رعايته وتوجيهه؛ فهذه السياسة تؤدي من جهة إلى خلق جو من الثقة بين الآباء وأبنائهم، وبالتالي يستطيع الابن أن يستفيد من خبرات أبيه ويصغي إلى نصحه، وفي نفس الوقت تساعد المراهق نفسه على أن ينمو نمواً ناضجاً ومتزناً. وتتميز مرحلة المراهقة في خصائصها عن مرحلة الطفولة والصبا؛ مما يؤدي إلى تعقيد وتنوع مطالب هذا النمو الذي يطرأ على المراهق، وبالتالي تتنوع وظائف المراهق وواجباته، هذا التنوع عبارة عن عملية تمهيدية لاكتمال النضج، ولانخراطه في مجتمع الراشدين، ومجتمع الشباب. أعطى الإسلام هذه المرحلة أهمية تتناسب مع الواقع النمائي للمراهق، كما لفت النظر لهذا الحد الفاصل بين مرحلة الصبا ومرحلة المراهقة، فإن الصبي بمجرد أن يبلغ الحلم وتظهر عليه علاماته؛ فإنه في نظر الشرع لم يعد ذاك الطفل أو الصبي بل غدا فتىً مسئولاً عن كل ما يصدر عنه من سلوك، ويصبح لحينه مكلفاً بكل واجبات العقائد والعبادات والأحكام التشريعية. كما أن من مظاهر أهمية هذا الموضوع أن أكثر الباحثين في هذا الموضوع يهملون إبراز المنهج الإسلامي في تربية المراهقين إبرازاً يظهر تميزه على المناهج البشرية الوضعية. على الجانب الآخر نجد انتشار المزاعم الباطلة والمذاهب المنحرفة التي سادت ولا تزال تسيطر على تفكير الغالبية من علماء النفس، والتي تسربت إلينا من ترهات وضلالات أوروبا والغرب، والتي تطبع بصمتها وتترك تأثيرها السلبي على المراهقين المسلمين. يتعامل الإسلام مع مرحلة المراهقة بحكمة بالغة، ويركز فيها بكثافة على استغلال القوى المتفجرة لدى المراهقين، وتكييفها وتوجيهها الوجهة الصحيحة؛ لتثمر الثمرة المرجوة التي سقيت بذرتها وهذبت شجرتها منذ الطفولة المبكرة، ولا يفصل الإسلام فصلاً تاماً ما قبل مرحلة المراهقة عما بعدها كما يفعل الغربيون، بل يتعامل معها كبناء يستحق أن توضع له الأسس الجسمية والروحية والنفسية والعقلية، حتى يتمكن الإنسان من اجتيازها دون مشاكل تحرف سلوكه، أو تؤثر في بدنه وعقله. فالتركيز على تربية المراهق في المجال النفسي والعقلي الذي يحظى باهتمام كبير في الإسلام أمر طبيعي يتطلبه النمو الجسمي السريع والنمو العقلي للمراهق، وذلك أنه كالسفينة التي تدخل منطقة أمواج عاتية؛ فإنها تحتاج من ربانها قيادة ماهرة حكيمة ت

стр. 1551

تعريف المراهقة وأقسامها أما من حيث اللغة، فيقال: رهقه أي: غشيه ولحق به، أو دنا منه سواء أخذه أم لم يأخذه، والرهق: السفه والنوك والخفة، وركوب الشر والظلم، وغشيان المحارم، وركوب المخاطر، والكذب والعجلة، وحمل الغير على ما يكره. وهذه المعاني قد تجتمع في المراهق الذي تسوء تربيته أو يهمل إهمال البهائم، ويقال: راهق الغلام، أي: قارب الحلم، ويقال: دخل مكة مراهقاً، يعني: دخل مكة آخر الوقت حتى كاد يفوته التعريف، أي: الوقوف بعرفة، ويقال: أرهقه عسراً: كلفه إياه، ويقال: أرهق الصلاة: أخرها حتى تدنو من آخر الوقت. أما في الاصطلاح فهو: المرحلة النمائية الثانية التي يمر بها الإنسان في حياته من الطفولة إلى الشيخوخة، وهي تتوسط بين الصبا والشباب، وتتميز بالنمو السريع في جميع اتجاهات النمو البدني والنفسي والعقلي والاجتماعي. ووردت مادة رهق بمشتقاتها في القرآن الكريم في أربعة مواضع، منها قوله تعالى: ﴿وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ﴾ [يونس:٢٦] أي: لا يغشى وجوههم قتر ولا ذلة، في حين قال في الكافرين: ﴿وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ [يونس:٢٧]. وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن:٦]، أي: ضلالاً وحيرة وقلقاً، ﴿فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخَافُ بَخْسًا وَلا رَهَقًا﴾ [الجن:١٣]. أما تعريف المراهقة عند علماء النفس؛ فهم يعتبرون المراهقة مثل الفاصل بين مرحلة ومرحلة، وفي نفس الوقت هي واصل بينهما؛ والمرحلتان هما الطفولة والرشد، فالمراهقة هي التدرج نحو النضج البدني والتناسلي والعقلي والانفعالي. أما البلوغ فيقتصر على ناحية واحدة فقط من نواحي النمو، إذاً: البلوغ يعبر به عن نوع واحد فقط من أنواع النمو وهو النمو من حيث القدرة على التناسل عن طريق الغدد التناسلية، واكتساب معالم جديدة تنتقل بالطفل من فترة الطفولة إلى فترة الإنسان الراشد. إذاً: البلوغ هو بداية المراهقة، ولا يعني النمو في كل مجالات النمو، وعلماء النفس يعتبرون أن المراهقة مرحلة ميلاد جديدة للإنسان، وهو الميلاد النفسي للإنسان عندما يحس بذاته، ويقع بين البلوغ والرشد كما ذكرنا. وكون البلوغ هو بداية المراهقة وليس كل المراهقة أشار إليه القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ [النساء:٦]، هذا هو البلوغ: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء:٦]. ومما تجدر الإشارة إليه أنه فيما مضى كانت مرحلة المراهقة أقل مما هي عليه الآن، وذلك أن فترة المراهقة ليست من الأمور الثابتة، بل من الأمور المتفاوتة باختلاف الثقافات والبيئات والأفراد أنفسهم؛ فهناك فروق فردية سواء بين الذكور والإناث أو بين الذكور أنفسهم، وهناك تفاوت في البداية والنهاية كما سنبين، وفيما مضى كانت مرحلة المراهقة أقل؛ لأن التعليم الإلزامي كان ينتهي عند السنة الثانية عشرة مثلاً، وبعدها يدخل الشخص في دنيا العمل، والزواج قد يكون مبكراً جداً بالذات في البيئات الريفية، فقد يتزوج بعد سن ست عشرة سنة، ويستقل تماماً، أما الآن فامتدت فترة التعليم، وبالتالي امتدت فترة الطفولة من الناحية الاقتصادية، وليس هكذا فحسب، فقد تجد عند بعض الناس أنه لابد أن ينتهي من تعليمه ويدخل مهنته، ثم يتخصص فيها، فبالتالي امتدت هذه الفترة امتداداً كثيراً في المجتمعات المتحضرة، فامتدت فترة التعليم، وطالت فترة العزوبة، وتأخر سن الزواج، وبالتالي لا يستطيع الاستقلال عن أهله اقتصادياً واجتماعياً بسرعة، وبالتالي تمتد فترة المراهقة، فهي تبدأ من البلوغ إلى اكتمال نمو العظام حيث يستقر النمو العضوي عند الفرد، وذلك غالباً بين سن اثنتي عشرة إلى تسع عشرة سنة؛ تزيد أو تقل. تنقسم المراهقة إلى ثلاث مراحل: المرحلة الأولى: المراهقة المبكرة: ويربطونها بالمرحلة التي هي من اثنتي عشرة سنة إلى أربع عشرة سنة، وهي فترة التعليم، ثم المرحلة الثانية: من خمس عشرة إلى ثماني عشرة، وهي المراهقة المتوسطة، وهذه تكون غالباً في التعليم الثانوي، ثم المرحلة الثالثة: وهي من ثماني عشرة إلى اثنتين وعشرين، وهي مرحلة التعليم الجامعي. وكما أشرنا من قبل: إذا دخل الفرد مرحلة الشباب بعد سن العشرين دون أن تتم تربيته خلال مرحلتي الطفولة والمراهقة فقد فات الأوان، ويصبح المطلوب حينئذ العلاج وليس التربية، فلا نقول: تربية الشباب، ولكن: علاج الشباب؛ إنما كانت تربية في المراحل التي هي قبل سن العشرين. فالتربية وقاية من الآفات، والعلاج يواجه الآفات ويحاول رفعها، ولا شك أن العلاج أشق من التربية؛ لماذا؟ لأن الشباب قد بلغ الأشد وبلوغ الأشد يتطلب الشعور بالذاتية، والشعور بالذاتية هو ما يشقى به الكثير من الآباء والأمهات والمجتمع؛ لأن الذاتية حين تحب أن تستقل قبل استكمال عناصر الاستقلال فذلك هو الفساد، يظل الواحد منا يوجه وليده إلى أن يبلغ سناً معينة، ثم يسمع منه معارضة لرأيه، فهل هذا الصغير مأمون على الذاتية، لو أنه أدب في مرحلة التأديب وربي لكان مأموناً على الذاتية، لكن إذا فات الأوان على المرحلة الأولى التي هي التربية، والمرحلة الثانية التي هي التأديب، وأعطيت له الذاتية، فإنه يحصل الفساد الكبير. والتربية التي يقصدها الإسلام هي أن يتعهد المربى تعهداً يبلغه الكمال المهيأ له، فالمربى تستقبله بيئاته لكنه يحتاج إلى المربي، فهو الذي ينقل له القضايا التي تشكل خميرة سلوكه في الحياة.

стр. 1552

تحديات وعقبات على طريق المراهقة أما عن التحديات التي تواجه الآباء والمربين؛ فإن الطريق ليس مفروشاً بالورود، لكن هناك تحديات جسيمة تواجههم يجب عليهم أن يقهروها. فالتحدي الأول يتمثل في سمات وخصائص المراهقة بقوة غرائزها، وعنادها واندفاعها والميل إلى مقاومة توجيه الآباء والمربين، والنزعة الاستقلالية، والميل إلى المناقشة والجدل وخاصة في مسائل الدين إلى حد الشك أحياناً؛ مما يتطلب منهم قدراً كبيراً من الحلم والصبر وسعة الصدر. التحدي الثاني: وهو ما يبذله أعداء الدين وأعداء الإسلام من جهد مكثف للانحراف بأبنائنا بعيداً عن الإسلام وقيمه؛ مستخدمين في ذلك من أساليب التشويق ما يسحر ألباب تلك البراعم البشرية الغضة، ويزين لهم طريق الغواية والانحراف بدعوى الحرية والتحرر والاستقلال في الرأي، تلك المعاني التي تصادف هوىً لدى المراهق على وجه الخصوص؛ ولذلك فعلى من أراد أن يبني أمة أن يستثمر مرحلة المراهقة، ومن أراد أن يحصن أمة فعليه أن يستثمر مرحلة المراهقة. فهذا التزيين للغواية والانحراف بدعوى التحرر والاستقلالية، وتلك المعاني التي تصادف هوى لدى المراهق على وجه الخصوص، وتتفق تماماً مع حاجاته النفسية، ويجد أن فيها تأكيداً لذاته، فتراه يستجيب لها بسرعة؛ لأن داعي الغرائز قوي جداً عنده، فيجد هذه الاتجاهات تجعله يحقق ذاته في هذا المجال، حيث إن هذا الدافع قوي عنده، لكن دافع العقل والاتزان العاطفي والاتزان الاجتماعي غير موجود عنده، فلذلك يستجيب لأنه لم يكتمل نضجه العقلي والانفعالي والاجتماعي، وإنما نضج في هذا الجانب فقط، فبالتالي يستجيب لهذه المغريات ولهذا التزيين، وينجذب إليه لعدم نضج القوى العقلية عنده؛ كما يقول الشاعر: إنما تنجح المقالة في المرء إذا صادفت هوىً في الفؤاد فيؤثر فيه هذا الكلام ما دام يصادف هوىً في نفسه وفي تكوينه بجانب الفراغ العقائدي أو الفكري، وهذا يكون عند الكثير من الشباب، فعندهم فراغ وخواء، حيث لا عقيدة ولا انتماء ولا فهم ولا فكر، فبالتالي إذا أدخلت هذه السموم في قلبه يتشربها قلبه بسهولة، كما قال الشاعر: أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى فصادف قلباً خالياً فتمكنا فمشكلة الفراغ هي سبب الامتلاء والتشبع بهذه القيم وهذه المفاهيم. التحدي الثالث: ويتمثل في التقدم المذهل في وسائل الاتصال والنشر للكلمة المسموعة والمقروءة والمرئية، الذي جعل من المتعذر إقامة السدود والحواجز أمام ما نريد أن لا يصل إلى عقول أبنائنا ونفوسهم، وأصبح الأمر يعتمد أساساً على الدوافع الذاتية للفرد وقوة إرادته، فجهاز الفيديو مثلاً -وبالتالي البث المباشر- يشكل أكبر الأخطار التي تهدد أبناءنا في الدين في السنوات الأخيرة. فالأمر وصل لمرحلة أنه يصعب جداً أن تخضع وسائل الاتصال الحديثة أو الكثير منها إلى أي نوع من الرقابة، بل ربما تسرب موضوع عبادة الشيطان إلى المراهقين من خلال شبكة الإنترنت، ومستحيل أن تخضع هذه الشبكة لرقابة؛ فبالتالي يسهل التفاعل مع هذه الأفكار الخبيثة التي يصعب جداً أن نوجد حواجز صناعية بيننا وبينها، وبالتالي يتعين أن يكون أقوى حاجز وأقوى منعة وحصن بين الشباب وبين هذه التيارات الفاسدة هو تقوية العقيدة والإيمان، والوازع الذي ينبع من ذاته هو كي يرفض رفضاً تلقائياً وذاتياً هذه المناهج الوافدة المنافية لعقيدته، فإذاً ينبغي الاعتماد على الرقابة الداخلية، بمعنى: أنك تجعل هذا الفتى هو نفسه يتشبع بالخوف من الله ، وبالاستحياء منه ، وبالقيم الإسلامية التي تعطيه ميزاناً للأمور التي يتفاعل معها حيثما توجه.

стр. 1553

تجربة عملية لعلاج سلوك المراهقين أتلو عليكم الآن تجربة ذكرها بعض الخبراء النفسيين، يقول بعض هؤلاء: يعامل الكثيرون من الآباء أبناءهم معاملة تكاد أن تكون واحدة في مختلف عمرهم، وهم بهذا لا يتبينون أن الطفل بتقدمه في العمر تتغير ظروفه الجسمية والنفسية، وهذا التغيير يستلزم تعديلاً في المعاملة التي يلقاها، وإلا فإن استمرار نفس المعاملة الطفلية الأولى قد يؤدي به في النهاية إلى التعبير عن نفسه بصور شتى قد تكون غير مرغوب فيها. قال صديقي: لقد بدأت ألاحظ أن سلوك ابني إبراهيم أخذ يتغير عما كان عهدي به من قبل، فبعد أن كان صبياً مطيعاً أخذ يظهر التمرد وعدم الانصياع لأوامري، بل لعله في بعض الأحيان يصبح عدوانياً، فيسيء إلى إخوته بالضرب مثلاً، وإذا نزل ضيوف ببيتنا احتل مقعداً كبيراً بينهم، وأخذ يجاذبهم أطراف الحديث كما لو كان رب الأسرة أو شخصاً بالغاً متقدماً في العمر، وليس طفلاً في الخامسة عشرة -هذه هي الشكوى- ومع أني نهرته مراراً على أن لا يفعل هذا، وأن يبقى مع إخوته الصغار، إلا أنه لا يلبث أن يعود إلى سلوكه هذا، فيجعل من نفسه رفيقاً لضيوفنا من الأصدقاء أو الأقارب، وأقول لك الحق: إني بدأت أضعه تحت ملاحظة دقيقة، وحاولت أن أحصي حركاته وتصرفاته، فتبين لي تبدل كبير في أسلوبه وفي نمط حياته، فقد أخذ يهتم بملبسه وأناقته بشكل لم يعودنا إياه من قبل، وهو يمضي الساعات أمام المرآة يمشط شعره، ويحكم رباط عنقه الذي تنازلت له عنه مجبراً بعد إلحاح طويل من جانبه، بل لقد اكتشفت ما هو أسوأ من هذا وذاك، فقد شاهدته بالقرب من المنزل يدخن سيجارة وضعها بين شفتيه بطريقة عجيبة لا تدل على أنه من مدمني التدخين، وإنما توحي فقط بأنه معجب بنفسه وبالسيجارة بين شفتيه، وقد كظمت غضبي ولم أتصرف معه أي تصرف قبل أن أستشيرك وألتمس منك النصح والمعونة، وحتى أوفر عليك بعض المتاعب: قمت من جانبي بالبحث عما إذا كانت هناك عوامل معينة دفعت به إلى هذا السلوك، كأن يكون قد تعرف على أصدقاء فاسدين أو غير ذلك، لكني لم أتمكن من الانتهاء إلى أي سبب من هذه الأسباب؛ فأصدقاؤه لم يتغيروا، ولم يحدث أي طارئ على ظروفه في المنزل أو المدرسة، فما هو السر إذاً في هذا السلوك؟ وهل لك أن تكشف لي عما استعصى علي فهمه؟ فقلت له: أريد أن أذكر لك أولاً أن اهتمامك بما طرأ على ابنك إبراهيم من تغيرات إنما هو تصرف حميد ينبغي أن يتبعه كل الآباء، وبأن يكونوا حريصين على ملاحظة كل تغيير يطرأ على أبنائهم، ومحاولة فهمه، وتناول الأسباب التي أدت إليه، وفي هذا النوع من العلاج المبكر الذي قد يقي الطفل شر مضاعفات لا نعلم مداها، والتي قد لا تستجيب للعلاج بسهولة مستقبلاً إذا تركت بدون اهتمام واستفحل أمرها. وفيما يختص بحالة ابنك بالذات؛ فإن ما وضحته لنا من ظروف يوحي بأن السبب فيما بدا لك من سلوك شاذ، والذي قد لا يكون شذوذاً بالمرة، مرجعه إلى أن إبراهيم يمر بمرحلة يسميها علماء النفس: مرحلة المراهقة -طبعاً مع التحفظ من قوله: قد لا يكون شذوذاً بالمرة- فهو كما ذكرت في الخامسة عشرة من عمره، ومعنى هذا: أن هناك تغيرات حيوية هامة تعتري هذا المراهق الصغير تغيرات جسمية ونفسية وبيولوجية، وغير ذلك من تغيرات تجعل منه شخصاً جديداً غير ذلك الطفل الذي عرفته قبل أن يدخل هذه المرحلة، ويترتب عليها تغيرات في علاقته بأسرته وبالمدرسة وبجماعة رفاقه، واتجاهاته نحو المجتمع وغير ذلك، هذه الاتجاهات لا بد من دراستها وفهمها فهماً جيداً حتى لا نسيء إليه بتفسيرنا لسلوكه تفسيراً قد لا يتفق مع الواقع، وحتى نتمكن من التعامل معه وفقاً لهذه الاتجاهات. ومن أهم مشكلات المراهق: ما يتعلق بعلاقاته ببالغين وبصفة خاصة بوالديه، ورغبته في التحرر من سلطان البالغين للحصول على ما لهم من مكانة واستقلال، وعلاقة المراهق بالبالغين مشكلة تتطلب ليس فقط قبولاً لرغباته ودوافعه، بل تتطلب -من جانبه- أيضاً قدراً من قبوله لإشراف الآخرين وقبول آرائهم. كل هذه المشاكل تتبلور حول الواقع الذي يحرره كون المراهق فرداً يقترب من الوصول إلى أقصى درجات النضوج، ويمر من الطفولة إلى البلوغ، وهو أحياناً أقرب ما يكون إلى الطفولة منه إلى البلوغ، وأحياناً أخرى يكون أقرب إلى البلوغ منه إلى الطفولة، مع أنه في الواقع لا هو هذا ولا هو ذاك. ومن المألوف في حضارتنا وفي تقسيماتنا ألا نقول بما هو وسط، فمثلاً قد نقسم الأفراد إلى بالغ وطفل، وقد نقسم الأطفال إلى خير وشر، إلا أنه من الناحية العملية فإن الأمور ليست بمثل هذه البساطة، فمثلاً في حالة المراهقة غالباً ما نواجه أفراداً لا يمكن وصفهم في أي من هاتين الفئتين؛ لأن في ذلك تداخلاً، لأنه يمكن أن ينضج جسمه لكن عقله لم ينضج اجتماعياً أو انفعالياً، والعكس ممكن. والمراهق باعتباره مزوداً برغبات الفرد البالغ التي تهدف إلى الاستقلال، وإلى درجة من التلقائية، فإنه يواجه بالحقيقة المرة، وهي أن الكبار يفسرون دوره بدور طفل، ويفرضون عليه الاعتماد الطفلي، ونتوقع منه أن يطيع والديه، وعليه أن يذهب إلى المدرسة، وأن يحترم علاقته بالمدرسين، وهي علاقة طفل ببالغ لا شك فيها، وبهذا فإننا ننكر عليه مكانة البالغ ومسئوليته في المجتمع، كما أن دوافعه وحياته الاجتماعية يسودها الكف؛ وفوق كل شيء فهو معتمد باستمرار على البالغين، ويجب عليه أن يتقبل مكانته منخفضاً، وأن ينفذ ما يفرض عليه من أوامر، وهكذا فإنه قد يحاول أحياناً حتى بطريقة سافرة أن يحارب في سبيل الحصول على مكانته والاعتراف به، ومن ثم يمكن اعتبار الرغبة والصراع السافر للاستقلال أموراً طبيعية في حياة المراهق، يعني: أنها مرحلة مؤقتة. قلنا: إن المراهق يرغب في أن يحرر نفسه من إشراف الكبار، حتى يتخذ ما يعتبره حقه ومكانه الطبيعي في الحياة، وتسمى عملية الاستقلال عن الوالدين، وعن إشراف البالغين الآخرين، وإحلال الاعتماد على الذات والكفاية الذاتية محلها؛ هذه العملية تسمى: الفطام النفسي. ولا تتوقف آثار عملية التحرر على المراهقة فقط، بل قد تمتد نتائجها خلال باقي حياة الفرد البالغ، فالمراهق قد يجاهد في سبيل الاستقلال بدون أن يحصل على ما يبتغيه، ولا تحدث له عملية الفطام النفسي؛ وعندما ننكر عليه الاستقلال ويتأخر تحقيقه مدة كافية؛ فإن المراهق قد يتقبل عدم الفطام، وبالتالي قد يفضله، وعلى هذا فمن الشائع أن ترى شخصاً ينبذ الاستقلال بشدة، ويجد نفسه غير قادر على التكيف مع العالم بدون حماية والديه، فبعض الآباء يجدون من الصعب أن يسمحوا لأطفالهم بالنمو مستقلين، ويحاولون أن تستمر علاقاتهم بأبنائهم على مستوى علاقة أب بطفل؛ وإذا استطاع الآباء بمرور الزمن السيطرة على مقاومة الأبناء، وأن يغرسوا فيهم عادات إذعان لسلطانهم، فبالتالي يجد المراهق بمرور الزمن أنه من الصعب عليه الانفصال، ثم يصبح من المريح له قبول الرعاية بدون الحاجة إلى الصراع والمنافسة في هذا الوضع، وتصبح رعايته ذات أهمية بالغة بالنسبة له. لا يعني هذا أن المنزل أو المدرسة ينبغي أن يمتنعا عن فرض أي نوع من الكف أو الضبط، فنحن نريد أن نتفهم سبب هذه الظواهر، لكن هل يعني هذا أن يترك له الحبل على الغارب؟ لا! فلا بد من الكف والضبط، لأن المراهق لا زال محتاجاً بالفعل إلى توجيه ومساعدة، لكن ينبغي أن لا تقتصر وظيفة كل من المنزل والمدرسة على المساعدة فقط، بل لهما وظيفة الحماية والضبط، لكن، فما الوسيلة المستخدمة للتوجيه؟ إن المنزل والمدرسة الصالحان هما اللذان يتعرفان على حاجات المراهق للاستقلال وصراعه في سبيل التحرر، ثم يساعدانه ويشجعانه كلما أمكن ذلك، وهما يهيئان له الفرص والوسائل كي يحاول الوصول إلى مكانة مستقلة، ويشجعانه في تحمل المسئولية، ووضع القرارات، وخطط المستقبل، وبصفة عامة اتخاذ موقف البالغ في وقت مبكر كلما أمكن ذلك. وهذا يتوقف على النمو في كل الاتجاهات وليس فقط النمو الجسمي، ولذلك نجد أن السلف الصالح والكثير من العلماء كانوا في سن مبكرة من حياتهم يعتادون الخروج للرحلة في طلب العلم، وإذا كان الشخص في بداية المراهقة يخرج مغترباً، ويلاقي العقبات والمشاق في سبيل طلب العلم؛ لا شك أن هذه علامة على النضج الاجتماعي المبكر، فبالتالي استطاع أن يستقل بحياته، أما مع هذه الأساليب المعاصرة فلا يمكن أن يستقل بحياته. على أن المراهق لا يتصرف تصرف الراشد مائة في المائة، ولا يتم ذلك دفعة واحدة، بل هو نتاج سنوات من الاستقلال التدريجي والاعتماد على الذات؛ فالأسرة التي تتجه هذه الوجهة إنما تهيئ للمراهق فترة سهلة غير حافلة بالمشكلات والصعوبات، وأفضل شيء للأب أن يصل إلى مرحلة يكون فيها صديقاً لابنه، كي يستطيع توجيهه، ويكتسب ثقته، وبالتالي يذعن له عن قناعة، ويسلك معه مسلك الإقناع وليس مسلك الثكنة العسكرية، أو مركز البوليس والشرطة، أو أن الواجب أن تنفذ، فالإقناع والتوجيه السديد هو الأكثر فعالية. على أن إعطاء المسئوليات لا ينبغي أن يتم عفواً وبمحض الصدفة، بل لابد أن يكون نتيجة تصميم دقيق من ناحية الوالدين، فلا بد لهما أن يسألا: متى نستطيع أن نسمح له بأن يفعل هذا أو ذاك؟ ما هي الفرص التي نستطيع أن نمده بها، والتي سوف تسمح له بأن يتصرف مستقبلاً، وأن يكتسب خبرات تدعم نضوجه واعتماده على نفسه؟ وهناك إشارة في القرآن إلى هذا: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء:٥]، إلى قوله: ﴿لا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء:٥]؛ فقد يبلغ الولد الحلم لكنه سفيه لم ينضج من الناحية العقلية، بحيث إذا مكنته من ميزانية الأسرة مثلاً بددها تماماً كما يبددها الطفل؛ لأنه ما نضج النضج الذي يؤهله لذلك؛ فهذه إشارة قرآنية إلى مراعاة هذا الجانب: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء:٥]، وهذا يتفاوت من شخص إلى آخر، لكن يمكن ذلك على سبيل الاختبار بأن يقف الأبوان خلف المراهق في هذه المرحلة ليساندانه ويدعمانه ويفيدانه بخبراتهما مت

стр. 1554

كيف نفهم المراهقين [٢] الشباب مكمن الطاقة في عمر الإنسان، وتحتل فترة المراهقة مقتبل هذه الفترة، وهذه الفترة تمتاز بنمو هذا الطفل على جميع الأصعدة الجسدية والعضوية والعقلية والفكرية والاجتماعية والانفعالية، وهو نمو متسارع ملحوظ، ولسرعته يكاد المراهق لا يحسن التكيف معه، أو السيطرة على نفسه، ومن هنا يأتي دور البيئة التي تحيط به في كيفية توجيهه الوجهة الصحيحة، وتجنيبه مواضع الخطر والخطأ.

стр. 1555

من فوائد حديث: (اغتنم خمساً قبل خمس) الحمد لله، نحمده ونستغفره ونستهديه، من يهد الله فهو المهتد، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل على محمد النبي وأزواجه أمهات المؤمنين وذريته وأهل بيته، كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: فعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، عن النبي ﷺ قال: (اغتنم خمساً قبل خمس: حياتك قبل موتك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وشبابك قبل هرمك، وغناك قبل فقرك)، رواه الحاكم والبيهقي عن ابن عباس ﵄، ورواه الإمام أحمد في الزهد، وأبو نعيم في الحلية عن عمرو بن ميمون مرسلاً، ورمز له السيوطي بالحسن، وقال العراقي: إسناده حسن. وكان ﷺ يقول ذلك لرجل وهو يعظه، أي: افعل خمسة أشياء قبل حصول خمسة أشياء أخرى تضادها. قوله: (حياتك قبل موتك) أي: اغتنم ما تلقى نفعه بعد موتك؛ فإن من مات انقطع عمله، فمن مات توقف عن أسباب النجاة، وفاته أمله، وحق ندمه، وتولى همه؛ فاقترض من نفسك لأجل نفسك ولمصلحتها فيما بعد الموت وقوله: (وصحتك قبل سقمك)، كما أن الحياة يعقبها الموت، كذلك الصحة يعقبها السقم، فهي عارية، أو ضيف زائل عما قريب، فاغتنم العمل حال صحتك قبل أن يمنع مانع المرض؛ فتقدم المعاد بغير زاد، ويحول المرض دون الاجتهاد في العمل، فما دمت في حالة الصحة والعافية فاغتنم هذه النعمة قبل أن تزول عنك؛ فإنها سرعان ما تزول، وقد قال ﵊ في الحديث الآخر: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ). وقوله: (وفراغك قبل شغلك)، أي: اغتنم فراغك في هذه الدار قبل شغلك بأهوال القيامة التي أول منازلها القبر؛ فاغتنم فرصة الإمكان لعلك تسلم من العذاب والهوان. وقوله: (وشبابك قبل هرمك)، أي: اغتنم الطاعة حال قدرتك قبل هجوم عجز الكبر عليك؛ فتندم على ما فرطت في جنب الله. وقوله: (وغناك قبل فقرك)، أي: اغتنم التصدق بفضول مالك قبل عروض جائحة تفقرك، فتصير فقيراً في الدنيا والآخرة. هذه الأمور الخمسة التي نوه بذكرها النبي ﷺ من خصائصها: أنه لا يعرف قدرها إلا بعد زوالها، ولذلك عبر عنها بقوله: (اغتنم)؛ لأن الإنسان لا يشعر بقيمة هذه النعمة إلا بعد أن يفقدها، وبعد أن تولي عنه، ويصعب عليه أن يستدعيها من جديد، ولهذا جاء في الحديث: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ). ونحن نركز بالذات على قوله ﵊: (حياتك قبل موتك، وشبابك قبل هرمك) لشدة لصوقه بموضوعنا، ففرصة الحياة فرصة ثمينة، وقيمة الوقت قد تكلمنا عنها من قبل مراراً، وسوف يسأل الإنسان عن وقته وحياته، كما جاء في الحديث: (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه)، إلى آخر الحديث. وقد ورد كثير من كلام العلماء والشعراء في تمني عودة الشباب بعد زواله، كما قال الشاعر: ألا ليت الشباب يعود يوماً فأخبره بما صنع المشيب فاستعمل (ليت)؛ لأنها تستعمل في تمني المستحيل الذي لا يمكن إدراكه، وقد قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: ما شبهت الشباب إلا بشيء كان في كمي فسقط، لشدة قصر فترة الشباب كان كشيء سقط دون أن يشعر به. وقال الشاعر الآخر مبيناً أيضاً سرعة مضي هذا الوقت وهذا العمر، وهو الشيخ محمد الخضر حسين رحمه الله تعالى، قال: وغلام قَرَب الساعة من أذنيه يسمع منها الطرقات قال ما بداخلها قلت سوسة تقرض أيام حياتي طفل صغير أخذ الساعة التي تصدر صوتاً معروفاً، فقرب الساعة من أذنيه ليسمع الطرقات المنتظمة التي تصدر من داخل الساعة، فسأل: ما الذي يصدر هذا الصوت من داخل الساعة؟ فقلت: سوسة تقرض أيام حياتي. فهكذا يمضي العمر ويولي. ويقول الشاعر الآخر: ما قلت للشباب في كنف الله ولا حفظه غداة استقلا ضيف أقام عندنا قليلاً سود الصحف بالذنوب وولى وتقول حفصة بنت سيرين رحمها الله تعالى: يا معشر الشباب! خذوا من أنفسكم وأنتم شباب؛ فإني ما رأيت العمل إلا في الشباب. ففترة الشباب هي فترة القوة بين ضعفين: ضعف الطفولة وضعف الشيخوخة، فهي فترة العمل والاستقامة التي لها قيمة وأثر؛ لأن الإنسان إذا ولى شبابه ضعفت فيه دوافع الهوى والغرائز؛ وحينها فمن الطبيعي أنه يئوب إلى ربه ويستعد للقائه بالكف عن المعاصي، لكن ليس كفه ككف الذي يجاهد نفسه ويستقيم لوجه الله ﵎. الشباب لهم وضع خاص في ميزان الإسلام، وفي شريعة الإسلام، وفي تاريخ الإسلام؛ فما كان أصحاب رسول الله ﵌ إلا شباباً؛ وأشار القرآن أيضاً لذلك في قوله تعالى عن أصحاب الكهف: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف:١٣]؛ وأيضاً قال تعالى في حق إبراهيم ﵇ إن قومه قالوا: ﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء:٦٠]. ففي تاريخ الإسلام لا يرتبط الشباب كما يرتبط الآن في أذهان كثير من الناس بالتهور بالجهالة بالفواحش بالتفريط في جنب الله؛ وإنما ارتبط بتدعيم رسالة الإسلام؛ فمن الذي نشر الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، وأضاء جنبتي العالم كله بنور الإسلام والتوحيد؟ إنهم الشباب؛ نعم كان يوجد شيوخ وكهول في الجيش الإسلامي، بل حتى أحداث؛ لكن عمدة الجهاد كان على هؤلاء الشباب الذين نصروا دين الله ﵎، فالشباب هو فترة العمل والإنجاز. ومن الخطأ أن نربط في أذهاننا كلمة الشباب أو المراهق بالمشاكل، فليس شرطاً أن ترتبط بالمشاكل، ونحن سنتعرض لمشاكل نعانيها بسبب أوضاعنا في هذا العصر تنشأ نتيجة سوء الفهم أو الجهل، وغير ذلك من الأسباب والظواهر التي تزحف علينا زحفاً وتجوس خلال ديارنا. الشباب هم الأعمدة التي أقيم عليها بناء الإسلام وبناء الدعوة كما ذكرنا عن أصحاب الكهف حيث كانوا شباباً، وعبر عنهم بالفتوة: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف:١٣]، وقال تعالى في إبراهيم: ﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء:٦٠]، وقال تعالى فيمن استجابوا لموسى ﵇: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ﴾ [يونس:٨٣]، وأسامة بن زيد تولى إمارة الجيش وهو شاب في مقتبل شبابه. وبعض الناس يسوغون للشباب مخالفة الشرع والانحراف عن الدين، ثم يتوب فيما بعد! أخت تتحجب! يقولون: ما زلت شابة، دعيه لما تكبرين! إذاً: ما قيمة الحجاب؟ حينما تصير من القواعد اللاتي قال تعالى فيهن: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ﴾ [النور:٦٠]؛ فإذاً: قيمة العمل والاستقامة عند الله إنما تكون عند قوة الدوافع الداخلية في الإنسان التي تغلب مخالفة الشرع، ومع ذلك يستقيم ويجاهد هواه في ذات الله . هذه بعض الفوائد المنتقاة من قوله ﵊: (اغتنم خمساً قبل خمس: حياتك قبل موتك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وشبابك قبل هرمك، وغناك قبل فقرك).

стр. 1556

خصائص فترة المراهقة نعود إلى موضوعنا الذي بدأناه وهو: كيف نفهم المراهقين؟

стр. 1557

كيفية استخدام مصطلح المراهقة بصورة صحيحة ونود قبل الاستطراد في هذا الموضوع أن نبين أن هناك منزلقاً تربوياً يقع فيه كثير من الناس عند الكلام على موضوع المراهقين، لسبب فرط الكتابة والكلام حول هذا الموضوع، فالمجتمعات المعاصرة أعطت انطباعاً مغلوطاً عن الدلالة النفسية لكلمة المراهقة، هذا الانطباع جعل هذه المرحلة عند كثير من الناس مرتبطة بحكم أخلاقي عند عموم الناس وعند معظم المراهقين. كلمة "مراهقة" عبارة عن حكم أخلاقي يحكم به على الشخص حتى صارت عند بعض الناس تعني الشطط في السلوك الخلقي والاجتماعي والديني؛ وكثيراً ما نجد المعلمين إذا أرادوا أن يعبروا عن عدم رضاهم عن سلوك فتىً من الفتيان يقولون: هذا مراهق، ويقصدون بذلك إعطاء هذا الانطباع عن جنوحه سلوكياً أو خلقياً أو دينياً. واستعمال الكلمة في هذا السياق عبارة عن إصدار حكم أخلاقي عليه، وهذا الاستعمال ليس استعمالاً علمياً؛ لأنه لا يعطي المدلول الحقيقي لكلمة المراهق؛ فإن فترة المراهقة تبدأ من سن الثانية عشرة إلى سن العشرين تزيد أو تنقص سنة أو سنتين، وهي عبارة عن قنطرة للعبور عليها من الطفولة إلى الرشد، وهذه الفترة لها مميزات خاصة، وقد يكون لها مشاكل خاصة. وإذا كانت الولادة هي تاريخ بداية الطفل فإن المراهقة هي نوع جديد من الميلاد، فهي ميلاد الرجولة عند الفتى، وتظهر خصائص هذا الميلاد في نموه في عدة مجالات، وفي التغييرات الجسمية والنفسية والانفعالية والاجتماعية والفكرية. إذاً: كلمة المراهقة ليست سبة، وليست تعبيراً عن انحراف أو شذوذ في السلوك أو الخلق، بل هي عبارة عن مصطلح علمي يقصد به التعبير عن هذه المرحلة المتميزة بخصائص معينة كما ذكرنا. إذاً: هي اصطلاح علمي يختص بفترة من العمر، وليست حكماً أخلاقياً على نوعية معينة من السلوك، فهذا أول ما ينبغي الالتفات إليه ونحن نناقش هذا الموضوع. كثير من الآباء يتساءلون: من هو المراهق؟ ما هو عالمه؟ ما الذي يحدث للمراهقين ليحصل هذا التغير الملفت في هيئاتهم وتصرفاتهم وطبيعة علاقاتهم؟ ولماذا لا ينقاد المراهقون الانقياد التام المعتاد للكبار؟ لماذا تكثر الخلافات والمشكلات بين المراهقين والكبار؟ ما الأسباب الخفية وراء شيوع الانحراف وارتكاب الشذوذ في كثير من أفراد هذه الفئة في المجتمع؟ هذه الأسئلة وغيرها -كما أشرت من قبل- لا نقصد بها أساساً هذه الفئة من الذين يتواردون على المساجد، فإن هذه الفئة أقل الفئات من ناحية هذه الانحرافات أو المشاكل، وكلامنا موجه لكل من ينتمي إلى الإسلام فيشمل المقصرين والجانحين خلقياً أو سلوكياً من أبناء المسلمين، ما دام المراهق في دائرة الإسلام فهو يخصنا، ويهمنا أن ننقذه مما هو فيه. ثم لا يمكن أن نجد أجوبة صحيحة على هذه الأسئلة كلها إلا إذا عرفنا من هو المراهق، وما خصائصه الجسدية والعقلية والانفعالية، ونموه الاجتماعي؟

стр. 1558

الخصائص الجسدية للمراهق فيما يتعلق بالنمو الجسدي للمراهق هناك مجموعة من الأسئلة تلفت النظر في هذه المرحلة: ما الذي يدعو المراهقين إلى استعراض ما لديهم من قوة، ولفت الأنظار إليهم أحياناً؟ ولماذا يسعى الكثير منهم أحياناً إلى اقتناء المجلات غير المحافظة، أو متابعة المسلسلات الغرامية أو البوليسية مثلاً؟ ولماذا يقومون بالمراسلات والمهاتفات والمعاكسات؟ ولماذا يصاب المراهق بالارتباك وعدم التوازن أمام الكبار؟ وما الذي يجعله يسرح ويحلم كثيراً في حالة اليقظة؟ ولماذا تسيطر عليه أحلام اليقظة؟ ولماذا تحاول الفتاة أو الفتى أحياناً التخفي بجسمه أو ببعض أعضاء جسمه عن الكبار؟ ما أسباب العزلة والانزواء والقلق والشك الذي ينتاب المراهق بشأن جسده؟ وكيف نفهم هذه الأسئلة وهذه الاستفسارات العديدة؟ جوابها: أن المراهق يعيش تحولاً عضوياً وجسدياً، حيث يحصل له نمو مفاجئ في جسده لا يعي الكبار عنه إلا القليل، ومن ثم فإنهم لا يحسنون التعامل مع المراهق والمراهقة، ولا يجيدون بناء العلاقة معه؛ مما يؤدي إلى كثير من الأخطاء التربوية والتوجيهية والعلاجية عند معايشة المراهقين والاحتكاك بهم، فجسد المراهق يواجه عملية تحول كامل في وزنه وحجمه وشكله وفي الأنسجة والأجهزة الداخلية، وفي الهيكل والأعضاء الخارجية، ويعد هذا التحول ميزة لمرحلة المراهقة ومن أبرز معالمها. النمو في المراحل السابقة بالنسبة للطفل كان مطرداً ومتدرجاً وبطيئاً باستثناء المرحلة المبكرة جداً في حياة الطفل، والفترة التي قبل المراهقة يكون نموه فيها بطيئاً لا يكاد يشعر به. أما في مرحلة المراهقة فإن الفرد يحس بالتغير العضوي السريع المتتابع على كل صعيد، ويكون مفاجئاً لم يعهد من قبل، ولذلك فإن من المهم جداً الانتباه للتعليقات التي تصدر في هذه المرحلة، فنجد الأقارب تتفاوت ردود أفعالهم حينما يفاجئون بالمراهق إذا لم يأت إليهم منذ مدة كبيرة؛ فيرى هذا الفتى وقد تضخم جسمه، وفتلت عضلاته، واتسع هيكله العظمي فتصدر التعليقات، وهذه التعليقات قد يكون لها أثر سيئ جداً، وقد يكون لها أثر حسن حسب انضباط هذا الشخص الذي يعلق. فمثل هذه التعليقات والمواقف قد تؤثر عليه سلباً أو إيجاباً. وهذا أمر يشهده ويتعجب له الراشدون من الكبار عندما يفاجئون بالطفل وقد بدا طويل القامة، مفتول الساعدين، عليه سمات الرجال، وكذلك بالنسبة للفتاة تبدأ تظهر الانفعالات والتعقيبات والتعليقات على هذا الوضع المفاجئ الذي يرونه. ترى الراشد عندما يرى ذلك المراهق بعد انقطاع يكيله بكلمات التعجب والاستغراب، ربما بعضهم يتعجب ويستغرب، والبعض الآخر ربما تصدر منه عبارات السخرية والاحتقار، يقول لك مثلاً: طفل الأمس أضحى كبيراً! أو ربما تصدر عبارات الفخر والاعتزاز بهذا الوضع الجديد، وهذا أحسن ما يكون من الردود، وهذا يرجع إلى اتجاهات الأسر ووعيها، مما يثير كل هذه الانفعالات أو الردود التي تشير إلى أنه قد كبر وتغير في وقت محدود وسرعة ملفتة. وترى الآباء والأمهات يهمزون أو يلمزون أبناءهم وبناتهم لما بدا من تغير أجسادهم وأشكالهم، سواء كانت البدانة أو طول الساقين وضخامة القدمين والكفين، فتحدث التنبيهات أو التعليقات أو المداعبات المشوبة بالاستغراب، وأحياناً بالسخرية والاحتقار. خلاصة الكلام: أن هذه كلها تعكس شعور هؤلاء الكبار بسرعة التغير والتحول عن الطفولة القاصرة المحدودة إلى السمات المؤذنة بالاكتمال والاستواء. وزن المراهق في هذه المرحلة يزداد زيادة ملحوظة جداً، وبصورة ملفتة مع وجود بعض الفروق بين الفتيان والفتيات، فيتجه الجسم إلى البدانة، ويقترن بزيادة الوزن النمو السريع والملفت في العظام والأنسجة العضلية، حيث تطول الساقان والذراعان، ويكبر حجم الكتفين والقدمين، ويكبر الرأس، أما في داخل الجسم فتبدأ بعض الغدد في إفراز هرمونات خاصة، أما الهيئة العامة فسوف تتحول إلى ملامح الرجولة والخصائص الثانوية، إلى آخره. إذاً: الشكل العام يتغير بالنسبة للبنات أو بالنسبة للفتيان بصورة ملفتة، ويتجه كل منهما في اتجاه معاكس للآخر تماماً في الغالب، ثم ينفرد كل نوع بتغيرات جسمية تخصه لا يشاركه فيها الآخر.

стр. 1559

مميزات الخصائص الجسدية للمراهق تتميز بعض هذه التغيرات العضوية أو الجسمية بأنها ترتبط أحياناً بالمضايقة الشديدة من قبل المراهقين أو المراهقات، وقد تشعرهم بالإحراج وبالخجل، كظهور حب الشباب الذي يوجد في الوجه وغير ذلك من الأشياء، أيضاً عدم التناسب بين الأجزاء المختلفة للجسم؛ لأنه ليس في وقت واحد يتناسخ الجسم كله، فقد ينمو نمواً سريعاً فتظهر الحنجرة بصورة معينة مثلاً، وتختلف أبعاد العظام، والجسم لم يعتد التكيف مع الأبعاد الجديدة، فبالتالي يكثر جداً التعثر مثلاً، وتكثر التعليقات أيضاً ممن يحيطون به، لذلك يسمونها بفترة الارتباك، أو سن الارتباك، حيث يكثر تعثره واصطدامه بالآفات ويكثر سقوط الأشياء من بين يديه، ويزداد شعوره بالحرج نتيجة هذه الأشياء، والسبب هو هذه الطفرة في النمو، ونقص اتفاق الجسم، واختلاف أبعاد الجسم، وأنه محتاج الآن إلى أن يتعلم حسن استخدام أعضاء الجسم بهذه الأبعاد الجديدة، فهذا يكون وراء ظاهرة التعثر في البداية. ملامح الوجه تظهر بصورة غير متناسقة كذلك الجسم غير متناسب حينما تقارن الأطراف بالجذع، ويحصل الاختلال الحركي، ويفقدون الاتزان في المشي والجري وحمل الأشياء والعمل اليدوي. هناك تغييرات داخلية سواء تتعلق بانخفاض نبض القلب، وارتفاع ضغط الدم تدريجياً، واستهلاك الجسم للأوكسجين، وبالتالي يشعر بالإرهاق وبالجهد وبالتعب، ويرغب في الراحة، ويكون شديد الحساسية جداً لأي نقد يتعلق بشكله، أو بجسمه، أو لهذه الملامح الجديدة، سواء كان من ذويه أو زملائه ومدرسيه أو غيرهم. هذه التغيرات أكثرها يتصف بالجدة والسرعة والتزامن، وتكون ملحة ومستغربة لدى المراهق نفسه ولدى أهله ومجتمعه، وتقوم هذه التغيرات بتحويل الطفل إلى عالم جديد ووسط غريب عليه، كما أن التركيبة الاجتماعية والأسرية لا تقبل في الغالب هذه التحولات المفاجئة والسريعة بسهولة وعفوية. أما الجدة فالمقصود بها في هذه التغيرات: أن هذه التغيرات جديدة في نوعها لم يسبق له أن مر بها من قبل، كظهور اللحية والشارب وتغير الصوت وإفراز بعض الغدد، وهذه التغيرات تشعره بأن عليه أن يستعد لعهد جديد ومهمة مختلفة بقدر اختلاف حالته، وتحولات جسده. هذه التغيرات تحدث كلها في وقت متقارب وفترة محددة قد لا تتجاوز ثلاث سنوات، يتصاحب فيها نمو العظام والأنسجة وزيادة الطول والوزن، وظهور الشعر، وتغير الصوت، والتغيرات الأخرى، فالمطلوب أن يتكيف مع هذه الأوضاع تكيفاً صحيحاً، أو يعان على ذلك. كما أن الإطار الاجتماعي القريب والبعيد يلاحظ هذه التحولات المتجمعة والمتتابعة، وفي الغالب لا يحسن فهمها ولا التعامل معها؛ على أي الأحوال هو في هذه المرحلة يستعد لمواقف الرجولة ولوظائفها ومهماتها، وكل ذلك تقتضيه سنة الله الذي له الخلق والأمر. هذا ما يتعلق بالتحولات الجسدية في هذه المرحلة.

стр. 1560

الخصائص العقلية للمراهق هناك مجال آخر من المجالات التي ينمو فيها هذا الإنسان أو هذا المراهق: وهو النمو العقلي، وهو في هذه المرحلة ملاحظ، وهذا التغير يشهد للإسلام، ولسبق الإسلام، وبأن هذا القرآن لا يمكن أن ينزله إلا خالق هذا الإنسان الذي هو أعلم بمن خلق: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤]، لذلك نتعجب من آيات الله حينما نعرف أن الشرع ربط التكليف وعلامة التكليف بمجرد بلوغه كما هو معلوم. هناك بعض أسئلة نستطيع من خلالها أن نجيب على أسئلة تتعلق بالنمو العقلي في المراهق. منها مثلاً: ما الذي يدعو المراهق للاختلاف في الرأي مع والديه ومعلميه؟ ما الأسباب التي تجعله يناقش القضايا معهم، ويجادل فيها بعد أن كان مستسلماً في سن الطفولة؟ لماذا يريد المراهق التحدث والنقاش والمداولة؟ ولماذا ينزع إلى الاستقلالية؟ لماذا ينزع إلى محاولة الانفراد في اتخاذ القرار، خصوصاً فيما يتعلق بحياته الشخصية؟ بل لماذا يسفه أحياناً آراء الآخرين، ويتهمهم بالإجبارية وبمصادرة الآراء، أو يسمهم بالفردية والتحيز؟ ولماذا يعاند ويصر ويجابه؟ ولماذا يجنح في كثير من الأحيان إلى المثالية والصور النموذجية للحياة ويطالب بذلك؟ ثم ما أسباب ورود الأسئلة الملحة من المراهق؟ مثلاً: من أنا؟ ما هويتي؟ ما وظيفتي؟ ما هدفي؟ ما موقعي من الأسرة؟ ما موقعي من المجتمع؟ هل أنا طفل أو طفلة؟ هل أنا رجل أو امرأة؟ بل قد ترد أسئلة مثل: لماذا خلقت؟ ما هدف الحياة؟ ما نهايتها؟ وأسئلة أخرى عن الحياة والكون والإنسان أعمق من هذه وأشمل؛ لأنه الآن منتقل لمرحلة جديدة، عقله نما ولم يعد عقل ذلك الطفل الذي كان متعلقاً بالأمور المادية كما مضى. لماذا تبرز مواقف الإباء ومقت التبعية؟ والاشمئزاز من المن والأذى وتظهر منه ألفاظ العزة والأنفة أحياناً، بل قد يلجأ بعض المراهقين إلى محاولة الانفصال، والبعد عن الهيمنة الأسرية، والاعتماد على النفس، أو على الأقل التظاهر بالقدرة على ذلك بل لماذا المجابهات بين الآباء والمراهقين والمتعلقة بكيفية الإنفاق، ومصادره، ومدى الحرية، أو التبعية فيه؟ ولماذا يفكر المراهق في ذاته، ودواخل نفسه، ويتأملها وينتقدها أحياناً بعد أن لم يكن كذلك؟ وكيف ينتقد هيئته وصفاته ويتفكر فيهما؟ هذه الأسئلة كلها تنم عن تحول مهم وجديد في تكوين المراهق من الناحية العقلية، فالتحولات والتغيرات العقلية والمعرفية تكمن فيها إجابة هذه الأسئلة الآنفة الذكر. أيضاً يتحول من التفكير الفردي - حيث كان فيما قبل يفكر فقط في ذاته- إلى التفكير شبه الجماعي، ويتحول من التفكير الموجه خارجه فقط، إلى التفكير القادر على تأمل الذات، كذلك يتأمل في المحيط الخارجي مع تأمله في ذاته في الوقت نفسه، كما أن المراهق والمراهقة تحولا عن التفكير السلبي القابل للتبعية إلى التفكير الإيجابي الباحث عن المسئولية، ومن التفكير الآني في اللحظة الحاضرة فقط إلى التفكير الآني والمستقبلي معاً. القدرة العقلية في مرحلة المراهقة تشهد تحولاً نوعياً، حيث يبدأ الفرد بإدراك المجردات والمعنويات، بعد أن كان أسيراً للمادة لا تتضح له أشياء إلا بالتمثيل المادي، ولا يستوعب القضايا المطروحة استيعاباً صحيحاً إلا بعد اقترانها بالنماذج والأمثلة الموضحة. فالمراهق يستطيع باستعداده العقلي أن يدرك المعاني والقيم إذا ذكرت أمامه مثل: الصدق والإخلاص، فيفهم معنى الصدق، ومعنى الإخلاص، أما في الطفولة الأولى فلا يستطيع أن يعي هذه الأشياء. فالصدق والإخلاص والأمانة والوفاء والنبل والعزة والكرامة وصفات الحرية والعدل والمسئولية، كل هذه القيم يستطيع أن يدركها ويفهمها، ويستطيع أيضاً إدراك الأبعاد المتعددة للقضية الواحدة في وقت واحد، والنظر للأمور نظرة شمولية يصفونها بنظرة عين العصفور! لأن العصفور وهو يطير يطلع على أبعاد المنطقة التي يطير فوقها كلها، بخلاف الشخص الذي يمشي ويرى أمامه جزءاً واحداً فقط. ويكتسب المراهق قدرة على تصور الموقف وتخيله، فمثلاً: يستطيع أن يتصور ويتخيل مكاناً معيناً يريد أن يصل إليه من عدة طرق دون أن يكون قد سلك هذه الطرق من قبل؛ فنمت لديه القدرات العقلية والتخيل حتى وصل لهذا النضج. ويتمكن أيضاً من التحكم في البدائل المتعددة للوصول إلى حل المشكلة، واختيار أي هذه الحلول أنفع، كما أنه يستطيع عندما يقع في مخالفة لا يرضى عنها والده أن يتصور الموقف المنتظر بأبعاده، ثم يفكر في الأوجه المتعددة للحل، وما يترتب على كل وجه، ويقوم بعملية الاختيار؛ وهذه الملكات كلها لم تكن موجودة في السنين الماضية. مثلاً: إذا عرضت عليه قضية الفراغ، وأسباب الفراغ، وكيفية استغلاله، بإمكانه أن يفهم ما معنى كلمة الفراغ، ويتصور أسبابها، والكيفيات المحيطة بها؛ بخلاف الأطفال، إذا أتيت طفلاً وقلت له: اكتب موضوعاً أو تحدث عن الفراغ وأسبابه، وكيف يستغل وقت الفراغ؟ فكثير من الأطفال قد لا يدركون جميع أبعاد مثل هذه الكلمة إلا إذا وضحت لهم، وضربت لهم الأمثلة؛ فضلاً عن أسباب الفراغ وكيفية استغلاله. وتميز المراهق عمن دونه بالقدرة على التفكير المعنوي، والتصور والتخيل، مما يساعده على تفهم القضايا، ووضع الحلول للمشكلات حتى قبل حدوثها، وهذا هو الذي يجعل المراهق يعي المعاني والقيم ويستطيع تفهمها. هذا هو الأصل في المراهقين؛ لكن المشكلة أن الخجل الذي يشعر به المراهق قد لا يمكنه من أن يظهر كل إمكانياته، ولذلك إذا وجد الوالدان أو البيئة التي تستطيع أن تستخرج كوامن هذه المواهب فيه فسوف ينضج نضوجاً مبكراً، بخلاف ما إذا بقي أبوه يقول له: لا تشتر كذا لأنك غير قادر، فيحطم فيه الثقة بالنفس، ولذلك فإن هدفنا من هذه الدراسة أن نفهم أن المراهقين غير مرتبطين بالمشاكل، ولا نتصور القضية على أن الأب في جانب والابن في جانب وكلاهما يحارب الآخر، فنحن نريد من الأبوين أن يقفا وراءه ليساندانه ويدعمانه ويوجهانه، وليس المقصود أن يقتلا طاقاته، أو يحطما الثقة في نفسه كما يحصل للأسف الشديد عند الكثير من الآباء. من فطرة الله أن المراهق يستطيع أيضاً في هذه المرحلة أن تتجاوز تساؤلاته الإطار المادي القريب إلى الأبعاد المعنوية النفسية الكونية، فهو يفكر في معنى الحياة، وأهداف الحياة، وخلق الكون، والنفس، وأسباب هذا الخلق، ويستطيع إدراك المعاني المرتبطة بذلك، وهو في نفس الوقت يبحث عن هويته وموقعه ممن حوله، ووظيفته الاجتماعية إلى غير ذلك من الجوانب المحتاجة إلى هذا النوع من التفكير التجريدي في المعاني. ورغم ما تمنحه خاصية التفكير المجرد والتصور التخيلي للمراهق من سعة أفق، كذلك يقدر على التعامل مع البيئة بكل أبعادها، ويقدر على فهم المعاني والمجردات على وجه حقيقي.

стр. 1561

مشكلات الخصائص العقلية للمراهق هل هذه الصفات الجميلة في هذه المرحلة من النمو العقلي الرائع الذي يحصل بهذه الصورة لها سلبيات؟ نعم لها بعض السلبيات والمشكلات المعرفية، والاجتماعية، وأهمها مشكلتان: - المثالية في المطالب، والحيرة بين البدائل. وذلك أن خاصية القدرة على التخيل والتجريد تعطي المراهق فرصة التفكير للوصول إلى حلول مثالية للمشكلات التي تعرض عليه، سواء مشكلات شخصية، أو أسرية، أو اجتماعية، وهذه الحلول المثالية غير ممكنة التطبيق، أي أنها ليست مستحيلة الوقوع لكنها من الناحية الواقعية غير ممكنة التطبيق، فيمكن للمراهق على أساس من هذا التفكير أن يتصور بيتاً مثالياً، ومجتمعاً مثالياً، وأمة مثالية؛ لكنه يصطدم بالواقع الثقيل المعقد. وهذا الخلل في الاستفادة من خاصية التفكير المجرد والتصور نشأ عن فقد الخبرة، أي أن عنده القدرة على التفكير لكن ليس عنده خبرة، فهو يفقد التجربة، ويفقد الرصيد الواقعي الذي يتولد عند الإنسان من احتكاكه بظروف الحياة المختلفة واختلاطه بأصحاب الخبرة والمراس، وهذا الذي يقربه إلى الواقعية! إذاً: توضع معادلة تلخص هذه المشكلة، وهي: (أن التفكير المجرد + فقد الخبرة =المثالية في الحلول أو الخطط) فتجده دائماً يفكر في آفاق بعيدة جداً، فيقول مثلاً: لابد أن يتحد العالم كله، ويصل بتفكيره إلى أبعاد مثالية جداً في التعامل مع الأمور. وإذا كانت هذه المطالب نموذجية ومثالية فمن الطبيعي أنها تواجه بالإهمال أو بالرفض من قبل الوالدين أو المجتمع، وبالتالي ينشأ الصراع بينه وبين الأسرة، أو بينه وبين المجتمع، أو ينشأ الاغتراب نتيجة هذا الاصطدام، ويعتزل المجتمع، ويفقد ثقته بالناس، وبالتالي ينتشر عند الشباب سلبية وتشاؤم. وهذه المشكلة أيضاً يمكن التعبير عنها في معادلة: (آراء ومطالب مثالية + رفض مستمر دون بيان =اغتراب وصراع) الأب أو المجتمع يرفض هذه الآراء دون أن يفهم هذا المراهق ويقنعه، فهو مقتنع بالتفكير المثالي وآراؤه المثالية النموذجية، والمجتمع أو الآباء يرفضون أفكاره دون بيان ودون توضيح ودون إقناع، فينشأ عن ذلك صراع أو اغتراب. - أما المشكلة الأخرى التي تنشأ عن هذه الخاصية فهي: الحيرة والنقد: ذكرنا أن المراهق يستطيع أن يتصور المواقف المختلفة قبل حدوثها، ويستطيع عند مواجهة المشكلات أن يدرك الوجوه المختلفة لها، والبدائل المتعددة لحلها، وعندما يواجه مشكلة ذات بدائل متعددة في حلها لابد من اتخاذ القرار لتحديد الحل واختياره، وإذا وضع في الاعتبار فقد الخبرة مع طبيعة المراهق الانفعالية وقعت هذه المشكلة بالنسبة له، فهو لابد أن يختار، ولابد أن يعرف التعليل عند اختيار هذا الحل دون غيره، ومن هنا تنشأ مشكلة الحيرة بين البدائل المختلفة، وتنشأ موجة الشك والتردد، وينشأ عنده الاتجاه للنقد والتمحيص لما حوله حتى في بعض المسلمات التقليدية الاجتماعية، باحثاً عن الحكمة من ورائها، ومناقشاً لوالديه أو معلميه في مواقفهم وفي اتخاذهم للقرارات واقتناعهم بالمسلمات. ورغم ما يواجهه المراهق من حيرة بين البدائل إلا أنه ينزع إلى اتخاذ القرار بنفسه، واختيار الحل الذي يقتنع هو به، لكنه قد يخفق في كثير من الأحيان ويفشل ما لم تتم إحاطته بوسط يساعده على اتخاذ القرار المناسب بطريقة غير مباشرة، أو بطريقة مباشرة غير ملزمة. يستطيع أيضاً أن يعي أو يستوعب الرموز المركبة، إذا رمزنا له بواحد عن سين مثلاً، واثنين نرمز لها بصاد، فهو يستطيع أن يعرف أن (س + ص =٣)، بالتالي يقدر أن يفكر هو بذاته، وبالتالي تنمو عنده القدرة على تأمل ذاته وأحواله وصفاته وسماته، ويبدأ بانتقاد ذاته. كما أنه يستطيع تكوين فكرة عن ذاته وطاقاته وميوله وحاجاته، ولا يتقبل رأي الآخرين فيه بسهولة؛ لأنه يريد أن ينبع الرأي منه هو، فرأي الآخرين في نفسه لا يتقبله، ويكون شديد الحساسية للنقد. ولبروز قدرة المراهق على التفكير والتأمل في نفسه وفي ذاته يبدأ عنده الادعاء أن الراشدين لا يفهمونه، وأنهم لا يدركون معاناته ولا مرحلته، ولا شك أن هذا النوع من التفكير لم يكن موجوداً في مرحلة الطفولة، إذاً: هذه من خصائص مرحلة المراهقة التي تتسم بالتغيرات البالغة في مستوى التفكير ونوعيته.

стр. 1562

خصائص المراهق التفكيرية المراهق يخرج من التفكير السلبي إلى التفكير الإيجابي الذي يبحث فيه عن المسئولية، ويتفحص ذاته ومقامه وسمعته؛ فيتساءل دائماً: ما هي صورتي عند الناس؟ بماذا يحكم عليّ الآخرون؟ هل أنا كبير بالفعل؟ ولماذا لا أقوم بمهام الرجال؟ هل أنا أحمل صفات الكبار؟ ما الذي يجعلني مقبولاً؟ ما هي عناصر القبول والرد الاجتماعي؟ كيف أقوم بالعمل المناسب؟ إذاً: لدى المراهق مستوى من النضج العقلي يمكنه من أن يحس ويشعر ما إذا كان هناك من يعامله معاملة المهمل أو المنبوذ، فهذا النضج الذي عنده يشعر بأنه يعامل بهامشية. أيضاً يتمكن من الشعور بالقيمة عندما يكون مسئولاً فيستجيب للوضع الذي يوضع فيه. وهذا كله مؤشر مهم على أن تفكيره قد أصبح تفكيراً إيجابياً، وبهذا التفكير بدأ يتفتح على الحياة. من مميزات المراهق: أنه يدرك إدراكاً تاماً مفهوم الزمن، كذلك يقدر على التفكير المستقبلي إضافة للتفكير الآني، حيث يستطيع أن يفكر في الأمور الآنية الحالية، وهذه كانت موجودة في الطفولة، لكن الشيء الجديد أنه بجانب التفكير الآني الحاضر يستطيع أن يفكر في المستقبل، فلا يكون أسير الحال مشدوداً إليه كما هو حال الطفل دون سن العاشرة. عقلية المراهق تتمكن من فهم الأبعاد الزمنية: الماضي والحاضر والمستقبل، وتستطيع ذاكرته استدعاء الماضي كما تستطيع التفكير في المستقبل ما قرب منه وما بعد بالتحديد وبالتعميم، فيدرك ما معنى الأيام والأشهر والسنين والقرون، ويدرك معنى بداية الحياة ونهايتها، ومفهوم الدنيا والآخرة، والوعد والوعيد، والأمل والطموح، والوسيلة والغاية، والمرحلة والنهاية إلى غير ذلك من المفاهيم التي ترتبط بالزمن وبأبعاد الزمن. هذا الاستعداد يؤدي عادة إلى الفهم الصحيح لكل هذه المعاني دون لبس أو غموض، وليس كحال الطفل الذي يفهم هذه المعاني فهماً خاصاً به مختلفاً عن مفهوم الكبار؛ لأن استعداده العقلي محدود، كما أن هذا الاستعداد هو من المهيئات؛ وإدراكه لأبعاد الزمن من الفطر التي يودعها الله فيه؛ لأنه في هذه الحالة يتهيأ للتساؤل عن خلق الكون؟ عن الحياة وأهدافها وأسبابها؟ عن الإنسان ووظائفه ونهايته؟ كذلك هذا من المهيئات التي تدعوه للتفكير بالمستقبل، فيتخيل المستقبل يخطط للمستقبل، وينشغل بذلك حتى يصل أحياناً إلى ما يسمى بأحلام اليقظة؛ وقد يفرط في إنفاق الوقت في تخيل المستقبل وهو ما يسمى بـ: أحلام اليقظة. هذه الاستعدادات أيضاً تمكنه من أن يواجه الآخرين، ويتصدى لهم عندما يريدون التخطيط لمستقبله بمعزل عن رأيه ووجهة نظره. كذلك يتضمن التفكير في المستقبل الصورة المستقبلية لحياته، وطبيعة عمله، ونوع مهنته، وشريك حياته، وهذا في نظره من أهم الموضوعات، ومكانته في الأسرة والمجتمع، ولديه أيضاً استعداد أوسع من ذلك، فيمكن أن يتضمن تفكيره المستقبلي التفكير في أحوال مجتمعه، ومستقبل أمته ومكانتها، والعمل للنهوض بها، لكنه لا يسلم في هذا كله من المثالية في التفكير؛ نظراً لقلة خبرته، وقصر تجربته؛ مما قد يصيبه بالإحباط، وبخيبة الأمل أحياناً.

стр. 1563

خصائص المراهق الانفعالية أشرنا من قبل إلى أن أكثر الناس يلفت نظرهم النمو الجسدي، وبالتالي يعاملون الطفل بنفس المعاملة التي كانت من قبل، وكأنه لا يدرك هذه الفروق، مع أنه ينمو في جسده كما ينمو في عقله، كما أنه ينمو في عواطفه حيث ينمو اجتماعياً. هنا أيضاً بعض الأسئلة من خلالها ندلف إلى موضوع انفعالات المراهق ونموه الانفعالي: هل تظهر موجات الغضب عند المراهقين أكثر من غيرهم؟ لماذا يتم التعبير عن الغضب بالانفعالات الشديدة أو المباشرة كالمصادمة والمضاربة، والتحدي، والتراشق اللفظي، والاستعراض الجسمي؟ لماذا يتسرع المراهق في اتخاذ القرارات، وفي الحصول على المطلوبات؟ لماذا العجلة والسرعة في ممارسة الأعمال، واقتناء الحاجات وتنفيذ المهمات؟ هل يحزن المراهق ويغتم؟ هل تصيبه الكآبة؟ هل يلجأ إلى العزلة والانطواء؟ هل يحس بالغربة والهامشية والدونية أحياناً؟ ولماذا؟ لماذا يفرح المراهقون بشدة عندما يفرحون؟ ولماذا يتشنجون عندما يشجعون؟ ولماذا يسرفون عندما يمدحون؟ يعني أن خصائص الانفعال لا تعرف الوسطية، فإذا أحب يحب حباً شديداً، إذا كره يكره كرهاً شديداً، فيكون هناك نوع من الأخذ بأطراف الأمور في المواقف الانفعالية ولا تكون متزنة. لماذا يسرفون عندما يهجون؟ هل صحيح أن العاطفة تغلب على فترة المراهقة؟ لماذا انفعال الحب والتعلق عند المراهق يتمكن منه تمكناً شديداً، ويستولي على نضجه ومشاعره، ويستولي على فكره ومخيلته؟ لماذا أحلام اليقظة؟ لماذا الجنوح إلى الخيال؟ لماذا يسرح كثيراً على مقعده وفي السيارة، وعلى فراشه، وبين الناس أو منفرداً؟ لماذا الإعجاب والتعلق بالنماذج الاجتماعية الشائعة؛ كنجوم الرياضة والمغامرات؟ لماذا الاقتداء بها والدفاع عنها والمعاداة والمؤاخاة من أجلها؟ كل هذه الأسئلة تدور حول انفعالات المراهق، وقد لا تتوفر دائماً الإجابات عليها، لكن أهم ملامح النمو الانفعالي عند المراهق التي يتميز فيها عن غيرها من المراحل هي ما يلي:

стр. 1564

غلبة الخوف والقلق غالباً ما يخاف المراهق على ذاته وعلى مستقبله، ويخشى من احتمالات الفشل والنجاح، ويشعر بعدم الاسترخاء نظراً لعدم الثبات على شيء، ولفقد الرؤية الواضحة، وللغموض الذي يكتنف طريقه الجديد، فهو يشعر بمشاعر الرجال ويملك بعض صفاتهم، لكنه لم يسلك طريقهم من قبل؛ فهو في بداية الطريق الطويل يقلق ويتساءل: ما هو العمل؟ ما هي الوظيفة؟ ما هو الدخل؟ من سيشاركه حياته؟ ما موقعه ومهمته؟ هل سيفشل أم سينجح؟ ما هي الضمانات؟ ماذا سيقول عنه الناس إذا عجز أو فشل؟ كيف سيواجه الحياة مع البطالة والهامشية؟ قد يخاف المراهق ولا يعرف مما يخاف، حيث يدركه القلق من المجهول، ويتوقع أن شيئاً مؤذياً سيحدث له، ولا يدري ما هو هذا الشيء، قد لا يكون لهذا الشيء وجود أصلاً، فهو مجرد توهم سببه الإفراط في الحساسية والعاطفة لديه.

стр. 1565

قوة الانفعال من هذه السمات قوة الانفعال: فبسبب التكامل العضوي والعقلي يملك ما يملكه الكبار من أنواع الانفعالات، ويدرك ما يدرك الكبار من الاستثارة والشعورية، فهو يحب ويكره، ويهدأ ويغضب، ويتأنى ويعجل، ويجرؤ ويخاف، وهكذا أيضاً صفات الرحمة والشفقة والشجاعة والأنفة والإخلاص والمودة والعطف والبر إلى آخرها، لكن مع وجود كل هذه الانفعالات -التي هي موجودة عند الكبار- تنقصه أيضاً في هذا المجال الخبرة والتجربة، ويستولي عليه التغير السريع المتتابع، فهو من حيث النمو والنضج يعيش في أوضاع وسمات جديدة عليه كل الجدة، ومن حيث البيئة والاكتساب لم تعركه التجارب بعد، ولم تثقله الخبرة، فبضاعته في هذا الشأن قليلة مزجاة، وزاده محدود جداً إن كان له زاد. ومن هنا فإن من أصعب الأشياء عليه أن يضع الشيء في موضعه، أو أن يعطي كل ذي حق حقه، أو أن يمسك إذا اقتضى الحال الإمساك، أو يطلق إذا اقتضى الحال الإطلاق؛ شأنه كمن يملك الوسيلة والمادة لكنه لا يجيد استعمالها بحسب المقتضى والحال، لذلك لا يستقر في انفعالاته، ولا يكون واقعياً في التعبير عنها، فيغضب كثيراً وسريعاً وربما لأسباب حقيرة قد لا يستطيع التحكم في المظاهر الخارجية لحالاته الانفعالية؛ فقد يلقي أو يحطم ما في يديه قد يتلف بعض المقتنيات قد يشتم أو يسب أو يهدد أو يضرب، وهو عندما يرغب في شيء يسرع إليه ويسعى حثيثاً في طلبه، ويتعجل في اتخاذ القرارات الخطيرة بشأنه، بل إذا أحب أسرف وبالغ، يتعلق بمن يحب، ويهيم به، ويضحي من أجله، ويملك عليه لبه، ويستولي على حاله ومخيلته، وهو حديثه وشغله الشاغل، وهذا سر شيوع الغرام والهيام في هذه السن. والله وضع هذه الفطرة في هذه المرحلة؛ لأن أولى الناس بها هم أهل الدين والإسلام والطاعة، فهذه الطاقة تعطى لتصرف في تسخيرها لطاعة الله ، وإقامة العبودية له، لكن تعتري ذلك عوامل كثيرة تخرج بهذه الطاقة إلى مجال آخر، فالمراهق إذا أعجب بشخص أو جماعة أو أنموذج سعى إليه وجمع الناس عليه، وبذل في سبيله، وبالغ في مدحه، ودافع عنه ونافح، ووضعه في أول مهماته التي لا يساوم عليها؛ وهذا من أسرار تعلق المراهقين الشديد بالرياضيين وبالفرق الرياضية، وبأصحاب الفن والتمثيل والمغامرات، وأبطال السيرك، وأبطال التاريخ أحياناً؛ فما سر هذا التعلق وهذا الغلو، أو ما سبب هذا الانفعال الشديد بهذه الصورة؟ -هذا من جهة المشهورين كأبطال، وليست هذه البطولة، لكن نحن نتعامل مع الواقع الموجود الآن في مجتمعنا- هؤلاء الأبطال في نظره توفرت لهم أشياء مهمة: الشهرة الظهور مكانة اجتماعية، ومكانة اعتبارية متميزة، الآن أصبحت هذه النماذج مجربة ومقربة وموثقة يتم الاحتذاء بها، والتوحد معها، ويترتب على ذلك الضعف في المراهقين واللمعان في المشتهرين: الميل والتعلق والإعجاب الشديد، والمبالغة في التأييد والمناصرة والتشنج. والعكس أيضاً صحيح! فالمراهقون يبالغون في الكراهية عندما يكرهون، ويظهرون من المقت والسخرية ما ينبئ عن هذه المبالغة، وانظر في مواقفهم من الفرق الرياضية التي لا يحبونها، أو الأشخاص الذين يكرهونهم؛ كبعض مدرسيهم مثلاً.

стр. 1566

الإغراق في الخيالات والأحلام يغرق المراهقون في خيالاتهم وأحلامهم، ويبالغون في تصور الحياة ومتاعها، ويضعون خططاً مثالية لها، ويجنحون إلى ذلك بسبب استعدادهم للتصور والتخيل، وأيضاً قلة الخبرة في الوقت نفسه، فقد يكتب المراهق الشعر، أو يكتب النثر، ويصور عواطفه وأحاسيسه، ويسطر خياله وسرحانه، فتحس منها العاطفة الجياشة، والحساسية المرهفة، بل وترى الجري وراء عاطفته، والثقة بها، والبناء عليها. هذه الميزة لدى المراهقين: القابلية للإيحاء، والاستهواء، وسرعة الاستثارة، وهشاشة الانفعال، والفراغ النفسي المستعد للامتلاء، بعبارة أخرى: مثل هذه الغرابة في الانفعال والعاطفة يمكن أن توجه الوجهة السليمة، وأن تضبط عن طريق محيط تربوي شامل متزن؛ لتخرج الشاب القوي الطموح المنضبط المتعلق بالمثل العليا، والنماذج الرائعة في تاريخ أمته وحاضرها؛ فيتعلق بـ خالد بن الوليد بـ عمر بن الخطاب بـ أبي بكر الصديق بالصحابة بالتابعين بعلماء المسلمين بالمجاهدين في القديم والحديث. هذه الطاقة إنما أودعها الله فيه ليخدم بها أمته ودينه، ويعز بها الإسلام في فترة العمل كما ذكرنا؛ ولذلك فإن من أراد تحطيم شباب المسلمين يبدأ معهم من هذه الفترة، كل عوامل التحطيم والاستهواء بما يصد عن سبيل الله كالفن والرياضة، وغير ذلك من الأشياء المعروفة، والعكس بالعكس كما ذكرنا. إذاً: هذه الغزارة في الانفعال والعاطفة يمكن أن توجه الوجهة الصحيحة السليمة، وتضبط عن طريق محيط تربوي شامل متزن؛ لتخرج الشاب القوي الطموح المنضبط المتعلق بالمثل العليا، والنماذج الرائعة في تاريخ أمته وحاضرها. ويمكن أيضاً أن تستثمر في تربية انفعالاته ووضعها في الاتجاه الصحيح، ليعرف المراهق كيف يرحم، ومتى يرحم، ولماذا؟ كيف يحب، ومتى يحب، ولماذا؟ كيف يعجب، ومتى يعجب ولماذا؟ وهكذا. هذه الغزارة يمكن أن تمهد لبناء شاب ذي عواطف فياضة متفاعلة مع الحياة؛ متجهة للخير والإصلاح، مؤثرة في علاقاته بالأمة في شتى مستوياتها.

стр. 1567

الذاتية من خصائص النمو الانفعالي: الذاتية: أي: إعجاب المراهق بذاته، فهو يعتد بها، ويعتقد في نفسه أنه محط أنظار الناس، وبؤرة اهتمامهم، ويسيطر على بعضهم الاعتقاد بأن الناس ينظرون إليهم كما ينظرون هم إلى أنفسهم، أو هكذا يجب أن يكون رأي الآخرين فيه، وهذا ناتج عن قلة أو فقد التوازن الانفعالي والعاطفي لديه، وعن التحولات الفجائية والسريعة المؤدية للرجولة؛ مما يشعره بالاكتمال والتمام. فهذه التطورات الجديدة في عقله في جسمه في انفعالاته في نموه الاجتماعي تلقي في روعه أنه مستحق أن الناس ينظرون إليه كما ينظر هو في نفسه، وأنه يستحق هذه المكانة؛ لأنه الآن اكتمل وتم. أيضاً نفس الخصائص تنتج نتيجة قلة الخبرة والتجربة اللتين تساعدان على الواقعية، وتحجمان من جموح المراهق وخياله، لذلك كان سبب ظاهرة الذاتية والاعتداد بالذات أن المراهق عنده حساسية مرهفة لنقد الآخرين، فلا يكاد يتحمل النقد بسبب هذه الخاصية من خصائص المراهقة، وهي الذاتية وإعجابه بنفسه؛ فيكون ذا حساسية مرهفة لنقد الآخرين، ويتألم من ذلك ويتوجع، وقد يطوي حسراته وآلامه عن الآخرين. وهذه الحساسية للنقد والرهافة في مواجهة مشاعر الآخرين إنما نتجت بسبب ما يشعر به من خسارة وخيبة أمل فيما كان يعتقده عن رأي الآخرين فيه، فبدل المدح إذا به يجد الذم؛ وبدلاً من ذكر مزاياه يذكرون مثالبه بدلاً من أن يشيدوا بحاله إذا بهم يستسفهون حاله، أو يشوهون صورته بدلاً من تلميعه والثناء عليه كما يرى هو نفسه. فأحلام المراهق وخيالاته وغلبة عواطفه وانفعالاته تضفي عليه قوة وكمالاً وفتوة، وتصوره عند نفسه على درجة من الأهمية والقيمة لا حقيقة لها في الواقع، ولا وجود لها عند الناس، بل إن عكس الصورة هو ما يعتقده الناس عنه، فهو ما زال صغيراً غير قادر على تحمل المسئولية، وممارسة المهام الصعبة، لذلك يصير في بعض الأحيان ناقماً على والديه، أو المجتمع، فما من أحد يفهمه، أو يشعر بأنه قد أصبح شخصاً آخر، ولا يعامل بالمعاملة التي يستحقها، ولا يرونه كما ينبغي أن يروه؛ فتبدأ العبارات تترا على لسانه: لا أحد يفهمني، أنا أفهم منكم، أنا أعرف بحالي، أنا لا أريد أن أجلس إلا مع أصحابي؛ لأن أصحابي هم الذين يفهمونني. وتبدأ موجات الغضب والاشمئزاز من مجتمع الكبار، ويشرع المراهق في الممارسات الدالة على هروبه من قضاء الوقت مع والديه، ومن الجلوس في منتديات الكبار ومناسباتهم، والضيق والتبرم من تلك المجالس، فينزوي وينحاز إلى مجتمع الشلة أو الجماعة التي ينتمي إليها، ويشتد ولاؤه لهذه الجماعة أقوى من ولائه لوالديه، وارتباطه بأصدقائه يكون أقوى من ارتباطه بالوالدين أو بالبيت. هذه الذاتية تعد من الاعتبارات المهمة التي يجب أن تلحظ عند التعامل مع المراهق وتربيته، أو عند حل مشكلاته، ومعالجة انحرافاته. فمثلاً الإنسان لابد أن يكون حذراً في النقد أو عند إسداء النصح، وتكون الطريقة غير المباشرة أنجح وأوقع في نفسه، فالمفروض الانتباه لهذه الحساسية، وأنه لا يكاد يتحمل النقد، وقد تكون هذه الذاتية هي منبع الحساسية المرهفة، أو الرفض والمواجهة، أو الخيبة والإحباط، ومن ثم العزلة والانطوائية، أو الارتماء في أحضان رفقة السوء والانقطاع إليهم، وقد تكون هذه الذاتية هي سبب الغرور والعجب والمثالية، أو الطموح الزائد، أو الإغراق في العناية بشكله وهندامه، إلى آخره.

стр. 1568

خصائص النمو الاجتماعي للمراهقين يتساءل الكبار عن ميولات أبنائهم الاجتماعية بعد سن الطفولة ومقاربتهم للبلوغ: لماذا يزهد المراهق في التأسي بالكبار، ويرفض سلطتهم ظاهراً أو باطناً؟ ولماذا ينقاد لرفاقه وأصحابه وينصرف إليهم في مشاعره وتوجهاته؟ لماذا يلجأ إلى جماعة الرفاق في تحديد ميوله وهواياته، وفي تحديد شكل ملابسه وهندامه، وفي كيفية قضاء وقت فراغه؟ هل يحتاج المراهق فعلاً إلى الرفقة أو الجماعة بحيث لا يمكن الاستغناء عنهم كضرورة صحية وتربوية؟ وما دور هذه الرفقة في نمو شخصية المراهق؟ ولماذا يغترب مع رفقته وينزوي عن المجتمع، وتظهر عليه أعراض الجنوح أحياناً؟ هل يحتاج المراهق إلى التقدير والاحترام من قبل والديه ورفقته ومجتمعه أم لا؟ هل يطمح المراهق إلى تحقيق ذاته وتطلعاته بثقة الآخرين به، واعتمادهم عليه، وتحميلهم إياه العمل والمسئولية؟ وما دور هذه الأشياء في صحته النفسية وفي نمو شخصيته؟ لماذا يمقت بعض المراهقين مجتمع الكبار، ويثورون عليه، ويخرجون على أعرافه؟ لماذا يوجدون أعرافاً خاصة بهم في التعامل والتخاطب؟ تجد الشلة يسموها بالإنجليزية (ميني سوسياتك) أي: مجتمع مصغر؛ لأنه يكون معهم لساعات، حتى أننا نلحظ لغة خاصة بهم هم؛ واصطلاحات تدور فيما بينهم في هذا المجتمع المغلق الذي يشبه حارة اليهود، لهم رموزهم وقوانينهم وأعرافهم، وقد يهددون الواحد منهم لو ترك الشلة بعقاب جماعي ويقاطعون، خاصة بالذات في المجتمعات التي هي بعيدة عن الملتزمين؛ فلهم أعراف في التعامل والتخاطب وأنماط الملابس التي يلبسونها والاهتمامات والهوايات. جواب هذه الأسئلة كله يفسر لنا سمات وخصائص النمو الاجتماعي للمراهق. يعيش المراهق في حالة تبدل عضوي ومعرفي وانفعالي سريع ومتتابع، ولا شك أن هذا النمو يقربه من الرجولة والنضج، أو يقربه من مجتمع الكبار ويبعده عن مجتمع الأطفال، وهذا واضح في التحولات التي تطرأ على القدرات العقلية التي تؤهله للفهم للمحاكمة العقلية تساعده على إدراك الأشياء كما هي في الواقع تساعده في القدرة على البحث والنقاش وإدراك وجهات نظر الآخرين. أيضاً التغيرات العضوية كالزيادة في الطول والوزن، كل هذه التغيرات تؤذن ببداية الرجولة والاكتمال، لكن كثيراً من الكبار يرفضون ذلك، أو لا يأبهون به، أو يصادمونه، وهذا التصرف من الكبار يسيئ إلى المراهق، ويؤدي به إلى خيبة الأمل والشك، أو يؤدي به إلى المعاندة ونبذ سلطة الكبار، والارتماء في أحضان الرفقة، وإلى ضعف الارتباط بالكبار، وعدم الاعتراف بأعراف الكبار ونظمهم، وإلى الثورة عليها ومحاربتها باطناً أو ظاهراً. أيضاً من خصائص هذه الفترة: المشاعر الجماعية، فيشعر بأنه يريد كهفاً يأوي إليه، لأنه لا يفهمه أحد في البيت؛ ويعاملونه كطفل، وهذا كله سببه عدم فهم خصائص هذه المرحلة، وعدم وجود سياسة تربوية واضحة المعالم في طريقة التعامل معه، فلديه إحساس وتعطش للانتئماء إلى رفقة أو صحبة أو مجموعة تشاركه مشاعره تعيش مرحلته يبث إليها آلامه وآماله وأفراحه وأتراحه وتبث إليه ذلك، هذه الرفقة أو المجموعة تعنى بأحاسيسه ومطالبه وتعمل لإشباعها، وقد تنجح وقد تخفق، وهذه الرفقة أحياناً تخلص لبعضها حتى لو في سبيل الشر، وتقوم على التعاون والتكامل حتى ولو على الإثم والعدوان؛ لأنهم يظنون أن بعضهم يخدم بعضاً، وأن هذا من الوفاء للأصدقاء وغير ذلك. لا يستغني معظم المراهقين عن هذه الرفقة لأنها مطلب حيوي، وحاجة نفسية ملحة تقتضيها التغيرات الفجائية والتحولات الجديدة غير المعللة، ولذلك قد يحاصر الأب ابنه محاصرة شديدة، وهو يظن أنه يحميه، وبالتالي يحرمه تماماً من الاحتكاك بأي إنسان، وفي بعض هذه الحالات- يقول له الأب: لا توجد حاجة إلى صديق، فيعزله تماماً عن الرفقة، وبالتالي يحرمه من النمو الاجتماعي الطبيعي؛ لأن مفهوم إيجاد البديل والرفقة الصالحة غائب، والحديث معروف: (إنما مثل الجليس الصالح والجليس السوء) إلى آخر الحديث، فلا بد من إيجاد هذه الرفقة من خلال المساجد؛ لأنها لم تعد ممكنة من خلال الأندية الاجتماعية -كما يقولون- فقد أصبحت بؤر فساد وانحراف؛ فلا بد من وجود البدائل، وليس الحل هو حرمانه من الانخراط في أقرانه أو مجموعة السن الموافقة له، فهذه من الأمور المهمة جداً. إذاً: تقوم الشلة أو المجموعة على التعاون والتكامل، ولا يستغني معظم المراهقين عن هذه الرفقة؛ لأنها مطلب حيوي وحاجة نفسية ملحة تقتضيها التغيرات الفجائية والتحولات الجديدة غير المعللة، التي لا يجد المراهق الجواب عليها في حال عزلته وانزوائه، ولا يحسن التعامل معها كما يرى بمفرده، فيلجأ إلى رفاقه أو أصحابه في مرحلته ومن أبناء سنه؛ لأنه يحقق ذاته مع أصحابه، فمشاكلهم واحدة ومفاهيمهم واحدة وخصائصهم واحدة، يحقق ذاته معهم، وهم قد يتعاملون مع بعض كأنهم رجال؛ بخلاف ما يلقى من معاملة في البيت، لذلك تجد ولاءه للشلة أقوى بكثير من ولائه للبيت، والوقت الذي يقضيه معهم يكون أكثر مما كان يقضيه من قبل في المنزل. من الأشياء المهمة أيضاً: خصوصيات المراهق، فهو لا يرى أنه كالكبار تماماً بالذات والديه؛ لأنه يرى فرقاً كبيراً في السن بينه وبين والديه، لكنه يتجه إلى أساليب مختلفة تقل أو تكثر في نمط هندامه في أسلوب حياته في موضوعات اهتمامه في كيفية قضاء وقت الفراغ، ولذلك هو حساس إذا قورن بكبار السن في هذا الجانب، ولا ينتبه له كثير من الكبار. موضوع تحقيق الذات شيء يسعى إليه كل إنسان حتى الطفل؛ لكن كل مرحلة تقوم بما يناسبها، وتجتمع كلها في مفهوم واحد، هو: أن الإنسان يقوم بالوظائف الملائمة لقدراته واستعدادته، ويمارس الأدوار المناسبة له والمتوقعة منه. هذا المراهق يعيش مرحلة انتقال من الصبا إلى الرجولة، بالتالي يتغير موقعه ووظيفته في الأسرة أو في المجتمع من حيث طبيعتها ومستواها ومقدارها. والمراهق يبتغي تحقيق ذاته، واختبار قدراته، وتفريغ طاقاته، وهو يريد أن يبلو نفسه بممارسة الدور الاجتماعي، والقيام بالمسئولية، ومرحلته ومستوى نضجه يقتضيان رفض البطالة، ويرفض الهامشية الاجتماعية، وهذه الهامشية والبطالة أيضاً قد يفرضهما عليه الكبار أحياناً، بل إن كثيراً من المراهقين يمقتون التبعية، ويكرهون أن يكونوا عالة على غيرهم، هذا شعور فطري يولد فيه كره أن يكون عالة على غيره، إن شاء أعطاه وإن شاء منعه، وهم يسخرون داخل أنفسهم من هذا الأسلوب في التعامل، كما أن مشاعر اللوم ومقت النفس تراودهم وهم يرون أنفسهم تبعاً للكبار وعالة عليهم، بينما قد يموت هذا الإحساس أو يضعف إذا لم يستغل في حينه بتوجيهه الوجهة الصحيحة، واستثماره في تربية المراهق وتهذيبه. كل خصيصة من الخصائص التي نذكرها قابلة لحسن التوجيه، وقابلة لسوء الاستعمال، فالحاجة إلى تحقيق الذات مطلب نفسي مهم للمراهق، وتحقيق الذات ممكن أن يتم بأمور كثيرة، المهم أن يكون له دور في الحياة، حتى لو كان طالباً يدرس فهذا دوره في الحياة اقتنع به ويبذل في سبيله. فهذا الشعور بالحرص والحاجة إلى تحقيق الذات مطلب نفسي مهم للمراهق ينبع من داخل نفسه، وينبع من أحاسيسه وهواجسه ومشاعره المدعومة، هذه المشاعر إنما يدعمها التحولات، فهناك تحولات عقلية معرفية عضوية انفعالية يمر بها جسده وعقله وانفعالاته، وهو لا يحس بالتنفيس عنها إلا إذا قام بالدور الاجتماعي المناسب، وتحمل المسئولية حسب مؤهلاته وقدراته وطاقاته، والمجتمع الحديث غالباً ما يواجه هذا الميل إلى الاستقلالية، أو إلى رفض البطالة ونبذ الهامشية الاجتماعية بنكران شديد وإهمال بالغ، وغالباً ما تكون مشاعر ومواقف الكبار غالباً والأمهات والمدرسين والإخوة الكبار مخيبة لآمال المراهقين قولاً وعملاً، فهم لا يأبهون بأن يحقق المراهق ذاته من خلال استغلال طاقاته، ومنحه للمسئولية، وعزو الوظائف المناسبة له، بل إن الكبار أحياناً يسخرون من المراهقين ويحتقرونهم أن يقوموا بمثل ذلك. ويتجه بعض الكبار إلى عدم الثقة بهم، وعدم الاطمئنان إلى ما يتولونه من الأعمال، ويشعرونهم بذلك بطرق مباشرة وجهاً لوجه، وبطرق غير مباشرة من خلال عزلهم عن ممارسة الأدوار المناسبة، ومنعهم من تحمل المسئولية، وصرفهم إلى أعمال هامشية أو تكميلية أو ترفيهية، ويقوم الأعم والأغلب من الآباء بتوجيه أبنائهم إلى الدراسة وتفريغهم لذلك، والاستغناء بذلك عن توظيفهم، أو تكليفهم بأعمال أو مهمات تحقق ذاتيتهم، وتشعرهم بالمسئولية وبشيء من الاستقلالية، وتبرز شخصياتهم، وتصقل قدراتهم الاجتماعية. أما النظام الاجتماعي الحديث فتطول فيه فترة الطفولة والاعتماد على الغير، حيث لا ينتهي الفرد من التعليم العام إلا في سن الثامنة عشرة، ثم عليه أن يستمر في الجامعة إلى الثالثة والعشرين مثلاً، وهو في كل ذلك مستقبل فقط؛ فهذه السياسة لا شك أنها تتصادم مع متطلبات تلك المرحلة واحتياجاتها الطبيعية، وقد تؤدي إلى كثير من المشكلات، أو إهدار الطاقات، وتعطيل الحاجات. فالإسلام عامل المراهق على أنه مسئول عن التكاليف الشرعية بمجرد البلوغ، وحمله المسئولية عن نفسه في العبادات في المعاملات في التصرفات المختلفة؛ وقد كان النبي ﵊ يأذن بالجهاد في سبيل الله لمن بلغ الحلم من الفتيان وهو من أشق المهام وأصعب الوظائف.

стр. 1569

تجربة عملية لعلاج سلوك المراهقين هنا تكملة للقصة السابقة عن إبراهيم الذي تلونا قصة سابقاً، وأن أباه كان يشكو منه، يقول هنا: المراهقة هي فترة النمو الاجتماعي، وفيها يميل المراهق إلى إعطاء اهتمام كبير لأوجه النشاط والميول والاتجاهات الخاصة بأقرانه، ويسعى المراهقون إلى الحصول على القبول من أقرانهم، وهم في سبيل الاحتفاظ بهذا القبول يذهبون إلى مدىً بعيد، فيصبح الانحراف عن عرف الجماعة أمر لا يمكن التفكير فيه، طالما أن هذه الجماعات تحقق لهم إشباعاً لم يستطيعوا الحصول عليه في عالم البالغين، ومن ثم تتضح أهمية الجماعة. استطرد صديقي يقول: ولكنك لم توضح لي بعد ذلك الجانب الآخر الذي تكشفته في سلوك ابني إبراهيم، فما يكاد يجد لديه قدراً من وقت الفراغ أو عطلة أو ما شابه ذلك حتى يسرع إلى مجموعة من رفاقه في الحي الذي نقطنه يقضي معهم ساعات فراغه إلى آخر الكلام يقول: أنا لا أريده أن يخالط أحداً أو يكون له صداقات مع أحد، مع أن هذه الشلة على مستوى طيب من الخلق، ومن بيئة طيبة، بل إن معظم آبائهم هم من أصدقائي، إلا أنني مع هذا أعارض أشد المعارضة أن يتخذ لنفسه أصحاباً؛ لأني أعتقد أنه من الأفضل أن لا يرتبط بمثل هذه المجموعات، وأن يتفرغ للتفكير في دروسه ومستقبله، وبالرغم من بذلي النصح له مراراً عديدة إلا أنه لم ينصرف عن أصدقائه، وإن كان يحاول ظاهرياً أن يظهر لي أنه قد خضع لتعاليمي؛ فما قولك أيها الصديق العزيز؟ فأجبته قائلاً: إن المراهق يواجه مواقف مشكلة تتطلب إيجاد حلول لها، فهو لا يزال فرداً بدون خبرة كافية بعد، بل لا زال في الواقع طفلاً يجد نفسه بسرعة في عالم البالغين، وهو يجد نفسه أيضاً بدوافع جسمية ونمو جسمي وميول وقيم جديدة وفكرة جديدة عن نفسه، وعليه من ناحية أخرى أن يظهر اتجاهات اجتماعية ناضجة وكافية، ومهارات معينة إذا أراد أن يحصل على درجة من التوافق الاجتماعي كشخص بالغ. كل هذا يؤدي به في النهاية إلى الإحساس بعدم الأمن في مجالات كثيرة من حياته اليومية، ومن ثم فإنه يبحث عن شيء يمنحه الأمن وحماية الذات، وهو يجد ما ينشده في الجماعة من أقرانه الذين لهم مثل مواقفه، فيستطيع باندماجه مع أقرانه أن يحل مشكلاته، وأن تهيئ له الجماعة الانتماء والمكانة التي كان يبحث عنها، كما تمنحه الجماعة أيضاً الخبرات والتدريب اللذين كان يجاهد في سبيلهما، ولهذا فإن الجماعة تصبح هامة جداً بالنسبة للفرد؛ بحيث إن الاستبعاد منها أو عدم وجود مكانة للمراهق فيها يسبب له خبرات صادمة، وباندماج المراهق شيئاً فشيئاً مع أقرانه ومشاركته في نشاط الجماعة تزداد مشاعره بالانتماء إلى الجماعة يوماً بعد يوم، حتى لقد تصبح الجماعة كل شيء بالنسبة له، وهذا الانتماء للجماعة الذي تزداد أهميته بالنسبة للمراهق لأنه يحل محل الروابط الأسرية إلى حد ما، مما يهيئه لأنواع جديدة من التكيف إزاء حياة الجماعة من البالغين. يقول: إن فائدة هذا الانتماء توفير الأمن، والحصول على مكانة، والشعور بالانتماء، كذلك الجماعة التي يحتك بها تعطيه فرصة أن يتعلم من طريقها شيئاً عن حقوق الآخرين؛ كما أنها تهيئ له مأوى من عالم البالغين، ثم لها في النهاية وظيفة تعليمية هامة؛ حيث يتعلم العمليات الاجتماعية القائمة، ويتخذ الدور الذي ينبغي أن يقوم به فيما بعد، ويتعلم أيضاً المنافسة والتعاون والقيم والأهداف التي تساعده في المشاركة في الحياة الاجتماعية. نفس الجماعة قد يكون لها تأثير ضار إذا كانت جماعة منحرفة، مثل التدخين والمخدرات كل هذا الفساد يأتي من هذه الجماعة، إذاً: يتعين بالنسبة لمن يريد السلامة لأبنائه في هذه المرحلة ربطهم بالمتدينين. وقد كنت أود أن أحضر لكم كتاباً مؤلفاً بالفرنسية ومترجماً باللغة العربية، كان البحث يتناول مشكلة انحراف الأحداث؛ والغريب أن الرجل الفرنسي الذي كتب هذا البحث قال كلاماً في غاية الروعة يقول: إن العاصم الوحيد من الانحراف بالنسبة للأحداث أو للشباب المراهقين هو أن يعيش من أجل عقيدة يقتنع بها، ويدعو إليها، ويضحي في سبيلها. هذا كلام رجل كافر، وإذا كان أكبر ما يحمي الشباب هو أن يعيش من أجل عقيدة يقتنع بها، ويعمل في سبيل نشرها، والدفاع عنها ويضحي في سبيلها، فلا أعظم ولا أنبل من عقيدة الإسلام ومنهج الله : ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ [البقرة:١٣٨]، فهذا هو طريق النجاة والسلامة للأبناء، والآباء لو فقهوا لما قلقوا ولا انزعجوا إذا ارتبط أبناؤهم بإخوانهم من الملتزمين في جماعة المسجد أو شلة المسجد؛ لأن هذا هو الذي يعصمهم من كافة المنزلقات في هذه المرحلة. لكن بعض الآباء يكون عندهم ازدواجية: هذا رجل غربي يقول لك: لن نعطيه الحرية المطلقة والاستقلالية، ونترك له الحبل على الغارب، ويرخي له العنان تماماً بكل أنواع الفساد التي يمكن أن يفعلها! بل حتى في البنات أيضاً يفعلون ذلك، حتى إذا ما التجأ ابن للدين والالتزام ولطاعة الله ورسوله ﵇ والحياة من أجل الإسلام وبالإسلام ينزعج وينقلب إلى وحش كاسر، ونرى على الجهة المقابلة تماماً: الكبت المنع من صلاة الجماعة الخوف عليه أن يفرضوا عليك، وهل إذا انحرف عن سبيل الله سيسلم وسينجو؟ لا! إن الله قد يبتليه، ويكفي أن يبتلى مثلاً بالمخدرات، ومثل هذا ينتهي تماماً إلا إذا شاء الله ، ولذلك نجد أن من أقوى الأسلحة لدى أعداء الإسلام نشر وتهريب المخدرات؛ لأنها تحطم الشخص تماماً من الحياة، وقل من يسلم منها إذا دخل في أسرها، وكذلك التدخين والفساد الأخلاقي والانحرافات، كل هذه تنشأ بسبب البعد عن العقيدة والبعد عن الله. إذاً: ليس لهذه المحن من كاشفة إلا الالتزام بطاعة الله ، والثبات على طريق الإسلام الذي هو دين الفطرة. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت.

стр. 1570

الإحياء أبو حامد الغزالي ﵀ إمام بحر، وعالم متمكن له مكانته، يعد من أذكياء العالم، وأعاجيب الزمان، نال شهرة عظيمة حتى لقب بحجة الإسلام، وهو بشر كغيره يصيب ويخطئ، وقد أوغل في التصوف فخرج عن الحقيقة، وخرج في أكثر أحواله عن الطريقة، وجاء بألفاظ لا تطاق، ومعان ليس لها مع الشريعة انتظام ولا اتفاق، ومن ذلك ما جاء في كتابه إحياء علوم الدين، الذي نال شهرة واسعة، واهتماماً كبيراً من العلماء، وهو بحق يعد دستور التصوف، ففيه من الانحرافات والشطحات ما ينبغي أن يوقف عندها، وأن تبين ويحذر منها.

стр. 1571

ضمان الرزق من الله تعالى لعباده الحمد لله الذي أنار الحق وأبانه، وهدم الباطل وأزاله، والصلاة والسلام على رسوله محمد خير عابد وقانت، القائل: (لقد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك) اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد. أما بعد: فعن جابر رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: (لو أن ابن آدم هرب من رزقه كما يهرب من الموت لأدركه رزقه كما يدركه الموت)، هذا الحديث رواه أبو نعيم في الحلية بسنده عن جابر بن عبد الله ﵄ وغيره، وحسنه الألباني. يقول المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير: قوله ﷺ : (لو أن ابن آدم هرب من رزقه كما يهرب من الموت لأدركه رزقه كما يدركه الموت)؛ لأن الله تعالى ضمنه له، وكما أن الله لا راد لقضائه إذا حضر الأجل ونفذ العمر، كذلك لا راد لرزقه، فإن رزق الله لا يرده كراهية كاره ولا يجره حرص حريص، ولكن سبق علم الله وقضاؤه وقدره بما كتب لكل نفس، سواء من الطعام أو من الشراب أو من النفس، ومن كل ما يرزقه الله . وقد ضمن الله هذا الرزق لعباده فقال : ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود:٦]، ونحن نرى كيف يطمئن الناس إذا ضمنت لهم البنوك الأموال، وإذا حازوا الشيكات، وإذا رصدت لهم الأرصدة والضمانات الكافية، فيثقون بهذه الضمانات من لدن المخلوقين، وقد جاء هذا الضمان من الله فقال : ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود:٦]، وهذا من صيغ العموم، خاصة إذا دخلت عليها (من) (وما من دابة). ثم لم يكتف الله بهذا الضمان الوارد في قوله: (إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا) حتى أقسم فقال : ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ﴾ [الذاريات:٢٢ - ٢٣].

стр. 1572

ضرورة الأخذ بالأسباب في طلب الرزق ثم لم يكتف بهذا القسم حتى أمر بالتوكل وأبلغ وأنذر فقال : ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفرقان:٥٨]؛ فإن ضمان الرزق لا يعني ترك الأسباب التي ربطها الله بالنتائج، فإن الرزق مضمون، وقد سبقت كتابة الأرزاق، ولكن مع ذلك قال ﷺ : (احرص على ما ينفعك). وقد علمتنا سيرة الأنبياء عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام الأخذ بالأسباب، وكذلك سير الصالحين، فهذا رسول الله ﷺ لما هاجر إلى المدينة أخذ بالأسباب وعمل بها؛ حتى يعمي الخبر على كفار قريش، وهذه مريم ﵍ تؤمر بالأخذ بالأسباب مع ضمان الرزق: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ [مريم:٢٥]، وموسى ﵇ أخذ بالأسباب حينما فر من فرعون وخرج من المدينة خائفاً يترقب. يقول ﷺ : (احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز)، فلابد من الحرص على ما ينفع، سواء في الدين أو في الدنيا، وهذا لا ينافي أن الرزق مضمون؛ لأن الرزق وكل الأعمال قد سبق قضاؤها من عند الله ، ومع ذلك لابد من الأخذ بالأسباب، فإن لم يطمئن العبد بضمان الله ، ولم يقنع بقسمه ، ولم يبال بأمره ووعده ووعيده؛ فهو من الهالكين. قال الحسن ﵁: لعن الله أقواماً أقسم لهم ربهم فلم يصدقوه. وقال هرم بن حيان لـ ابن ادهم: أين تأمرني أن أقيم؟ قال: فأومأ بيده إلى الشام، قال: وكيف المعيشة فيها؟ فقال له: أف لهذه القلوب، لقد خالطها الشك فما تنفعها الموعظة. المقصود: أن يكون الإنسان على ثقة بما في يد الله ، ويكون أوثق بهذا منه بما في يده هو، فإن ما عند الله لا ينفد، وإنما يعطي العبد بمقدار ما يصلحه: (لو أن ابن آدم هرب من رزقه كما يهرب من الموت، لأدركه رزقه كما يدركه الموت)، ولذلك لا يحل للإنسان أن يبحث عن الرزق فيما حرم الله عليه، فإن ما عند الله لا يطلب بمعاصي الله، وإنما يطلب بطاعة الله وما أحله .

стр. 1573

بحث قيم يدرس كتاب إحياء علوم الدين ما يتعلق بكتاب: إحياء علوم الدين، يعتبر من القضايا المهمة التي سبق أن وعدنا بالكلام المفصل فيها، ثم يسر الله كتاباً قيماً بعنوان: أبو حامد الغزالي والتصوف، دراسة حول العديد من كتب الغزالي وخاصة كتابه: إحياء علوم الدين للأخ الشيخ عبد الرحمن دمشقية، والكتاب غير متوفر مع أهميته، وهو عبارة عن دراسة نقدية للفكر الصوفي، وقد تكلم عن مرجع يعد بحق دستور التصوف الذي يعتمد عليه الصوفية اعتماداً أساسياً حتى يومنا هذا، والدراسة النقدية أيضاً في إمام من أئمة التصوف، وعلم من أعلامه، فالإمام الغزالي رحمه الله تعالى يعتبر محطة رئيسية في قضية التصوف، لابد أن ينزل عليها ويردها كل من نسب إلى طريق التصوف.

стр. 1574

قاعدة مهمة قبل الكلام عن الغزالي وكتابه لكن قبل أن نشرع في دراسة فكر الإمام أبي حامد الغزالي كعلم من أعلام التصوف ومحطة رئيسية من محطاته، هناك قاعدة ينبغي أن تكون محل اتفاق قبل الشروع في المقصود، هذه القاعدة: هي أن تخطئة غير المعصوم أهون من نسبة الباطل إلى المعصوم، بمعنى: تخطئة الشخص غير المعصوم أهون من أن ننسب الباطل والخطأ إلى المعصوم وهو الشريعة المطهرة، فالمعصوم هو كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، اللذان هما بحق حجة الإسلام على كل أحد، والكتاب والسنة هما المرشد من الضلال، وهما القسطاس المستقيم، وهما ميزان العمل، وهما منهاج العاملين والعارفين. إن التساهل في هذه القاعدة تحت أي ضغط أو إرهاب فكري، يعيد فتح باب التحريف والتبديل في دين الله على مصراعيه، والتحريف والتبديل أخطر على الإسلام من وصف كبار الشخصيات بالخطأ. إن الإسلام لا يعطي العصمة لأحد بعد رسول الله ﷺ ، ولكننا معشر المسلمين في الواقع نعطي هذه العصمة للرجال، ويعز علينا أن نرى الشخصية الكبيرة التي نحبها ونجلها تخطئ، كما أننا عملياً لا نتعامل مع هذه الشخصيات الكبيرة إلا على أساس التسليم لهم بكل شيء أو رفض كل شيء. لقد تحول هذا الأسلوب إلى منهج مقرر، يتحدى القواعد الإسلامية الراسخة التي يحفظها كل الناس، مثل قول مالك بن أنس: ليس أحد بعد النبي ﷺ إلا ويؤخذ من قوله ويترك إلا النبي ﵌. وهذا الكلام في الأصل مروي عن الحبر البحر ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وأخذه عن ابن عباس مجاهد والحكم بن عتيبة، وعنهما أخذه الإمام مالك رحمه الله تعالى، ثم اشتهر عن الإمام مالك رحمه الله تعالى، ثم أخذه الإمام أحمد ﵀ عن الإمام مالك رحمهم الله تعالى أجمعين. إذاً: التنازل عن القاعدة التي ذكرنا آنفاً يعد تنكراً لهذه الأصول التي أسسها السلف الصالح، مثل قول ابن عباس ﵄ المذكور. ومثل قول الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى: إذا قلت قولاً يخالف كتاب الله تعالى وخبر الرسول ﷺ فاتركوا قولي. وقول الإمام مالك رحمه الله تعالى: إنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا في رأيي، فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوه، وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه. وقول الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: ما من أحد إلا وتذهب عليه سنة لرسول الله ﷺ وتعزب عنه، فمهما قلت من قول أو أبطلت من أصل فيه عن رسول الله ﷺ خلاف ما قلت، فالقول ما قال رسول الله ﷺ ، وهو قولي. وقول الشافعي أيضاً رحمه الله تعالى: كل مسألة صح فيها الخبر عن رسول الله ﷺ عند أهل النقل بخلاف ما قلت، فأنا راجع عنها في حياتي وبعد موتي. وقول الإمام أحمد رحمه الله تعالى: لا تقلدني، ولا تقلد مالكاً ولا الشافعي ولا الأوزاعي ولا الثوري، وخذ من حيث أخذوا. إن تذوق العلم وحده هو الذي يستطيع أن يعودنا الاحترام الواجب لأهل العلم، بحيث نصل معه إلى درجة نقدر فيها العلم الذي عندهم، ونغفر لهم الخطأ الذي وقعوا فيه دون أن يصير خطؤهم غلاً في أعناقنا، نأخذ ما أصابوا فيه ونتجنب ما أخطئوا فيه، دون أن نجعل خطأهم انتقاصاً لهم، ودون أن نجعل صوابهم عصمة مطلقة لهم، فهذا الأمر هو الذي ينزه الاحترام الواجب لأهل العلم عن أن يتحول إلى نوع من التقديس والغلو والتعصب. فليس الهدف إذاً تجريح شخصيات أو تقليصها، وإنما الهدف اتخاذ موقف سديد بين الحق وبين الرجل، وأن يبقى الحق حقاً والرجل رجلاً؛ لأن الحق حق فقط، ولكن الرجل غير المعصوم يمكن أن يكون محقاً، ويمكن أن يكون مبطلاً، وبينهما درجات كثيرة، ولهذا يقال: لا تعرف الحق بالرجال، ولكن اعرف الحق تعرف أهله.

стр. 1575

أبو حامد الغزالي ومكانته العلمية نحن الآن سندرس فكر أبي حامد الغزالي وكتبه، خاصة كتاب الإحياء، الذي هو بحق -كما ذكرنا- دستور التصوف، وكلاهما -الكتاب والمؤلف- ملآ أسماع الدنيا، وشغل الناس كثيراً، فـ أبو حامد الغزالي إمام بحر وعالم له مكانته، يعد من أذكياء العالم وأعاجيب الزمان، نال شهرة عظيمة، حتى لقب بحجة الإسلام. هذه المكانة الرفيعة إلى جانب نبوغه وعبقريته وعلو همته، ليست محل منازعة بين الموافقين والمخالفين له على السواء، ولقد اجتمع في أبي حامد رحمه الله تعالى الذكاء الخارق، والعاطفة الجياشة، حتى كأنك إذ تطالع كتاباته تتعامل مع كائن حي، تحس فيه الحرارة المتقدة والوجدان الصادق، وتتنسم من خلال السطور عبير الإخلاص الذي كان همه. لقد كان الإخلاص هم أبي حامد رحمه الله تعالى، حتى قال فيه الحافظ شمس الدين الذهبي رحمه الله تعالى: لولا أن أبا حامد ﵀ من الأذكياء وخيار المخلصين لتلف. وحتى إن رجلاً يقول للإمام أبي حامد ﵀ وهو في سياق الموت: أوصني، فيقول له: عليك بالإخلاص، عليك بالإخلاص فلم يزل يكررها حتى فارق الحياة رحمه الله تعالى، ومع ذلك فإن أبا حامد كان من البشر، وواحداً من ولد آدم الذين قال فيهم رسول الله ﵌: (كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون)، يقول تلميذه القاضي أبو بكر بن العربي رحمه الله تعالى، وقد التقى به هنا في الإسكندرية: كان أبو حامد تاجاً في هامة الليالي، وعقداً في لبة المعالي، حتى أوغل في التصوف، وأكثر معهم التصرف، فخرج عن الحقيقة، وخرج في أكثر أحواله عن الطريقة، وجاء بألفاظ لا تطاق، ومعان ليس لها مع الشريعة انتظام ولا اتفاق، فكان علماء بغداد يقولون: لقد أصابت الإسلام فيه عين.

стр. 1576

المآخذ على أبي حامد الغزالي

стр. 1577

قلة علمه بالحديث المأخذ الأول على أبي حامد رحمه الله تعالى: قلة علمه بالحديث. ونحن ندرس سيرة الإمام أبي حامد حتى نأخذ العبرة والعظة؛ فإن طريق النجاة والفرقة الناجية أخص خصائصها التمسك بالكتاب والسنة، ولا يصح التمسك بالكتاب والسنة إلا بمعرفة سنن النبي ﷺ وأحاديثه، فمن ليس بعالم بالحديث لا يكون عالماً قط، يقول الإمام أبو حامد عن نفسه: بضاعتي في علم الحديث مزجاة. وقد أثر قلة بضاعة الإمام الغزالي في علم الحديث في مذاهبه الفكرية وتصرفاته الفلسفية والكلامية كما سيأتي بالتفصيل. وننبه إلى هذا لأن العاصم من الوقوع في هذه المخاطر هو التمسك بسنة النبي ﵌، يقول الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى: ولم يكن له علم بالآثار، ولا خبرة بالسنن النبوية القاضية على العقل. ومن ثم قال الإمام أبو بكر الطرطوشي رحمه الله تعالى: شحن أبو حامد الإحياء بالكذب على رسول الله ﷺ ، فلا أعلم كتاباً على بسيط الأرض أكثر كذباً منه، يعني: لا يوجد كتاب مشحون بالكذب على رسول الله -يقصد بذلك الأحاديث الموضوعة والضعيفة- أكثر من كتاب الإحياء. فنقول كما قال بعض العلماء: إنه كتبها كما اقتراها لا أنه افتراها، فليس المقصود أن أبا حامد هو الذي وضع هذه الأحاديث، معاذ الله وحاشاه من ذلك، لكنه أثبتها كما قرأها لا أنه افتراها. هذا هو المأخذ الأول الذي سوف نلاحظه من سيرة هذا الإمام.

стр. 1578

شكه وحيرته واضطرابه بين مذاهب الفلاسفة والصوفية المأخذ الثاني: شكه وحيرته واضطرابه بين مذاهب الفلاسفة والصوفية. فقد كان أبو حامد ﵀ يعظم المنطق، رغم بعض النقد الذي وجهه إليه، واستطاع أن يدخله في علوم الإسلام؛ بل جعل تعلمه فرض كفاية على المسلمين. وفي النبوة اقتفى الغزالي أثر الفلاسفة بعامة وابن سينا بخاصة، وتلمح في أبي حامد شخصية فيها ذكاء ونبوغ لا ريب فيهما، وفيها رغبة في معارضة الغزو الثقافي الدخيل على المسلمين، كما ظهر ذلك جلياً في كتابيه العظيمين: تهافت الفلاسفة، وفضائح الباطنية، وتراه مع ذلك في أكثر كتبه تابعاً للفلسفة اليونانية والتصوف الهندي الشرقي، رغم أنه أراد أن يهدم هذه المذاهب، إلا أنه لم يسلم من دخنها، ووقع في بعض مؤاخذاتها، حتى قال فيه تلميذه القاضي أبو بكر بن العربي رحمه الله تعالى: شيخنا أبو حامد بلع الفلاسفة وأراد أن يتقيأهم فما استطاع. وهذا يذكرنا بنصيحة شيخ الإسلام ابن تيمية: أن الإنسان لا يفني عمره في تتبع الفرق الضالة والانحرافات الفكرية لأن القلب لابد أن يتصرف وأن يتوه ويعلق به كثير من مفاسد هذه الضلالات، يقول: وإلا كان قلبك مثل الإسفنجة، فإن الإسفنجة كلما ألقيت إليها قطرة تتشربها وتتشبع بها حتى تمتلئ بالشبهات، فلذلك يقول الإمام أبو بكر بن العربي في شيخه: شيخنا أبو حامد بلع الفلاسفة ثم أراد أن يتقيأهم فما استطاع. وفي مكان آخر: شيخنا أبو حامد دخل في بطن الفلاسفة فأراد أن يخرج فما استطاع. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: ولما وقع في المضنون به على غير أهله وغيره من كتبه -أي: الشيخ أبو حامد - ما هو من جنس كلام الفلاسفة في الشفاعة وفي النبوة وغير ذلك، اشتد نكير علماء الإسلام على أبي حامد لهذا الكلام، وتكلموا في أبو حامد وأمثاله بكلام معروف. وممن انتقد أبا حامد وتكلم فيه أصحاب أبي المعالي كـ أبي الحسن المرغياني وغيره، وأهل بيت القشيري وأتباعه، والشيخ أبو البيان، وأبو الحسن بن سكر، وأبو عمرو بن الصلاح، وأبو زكريا النووي، وأبو بكر الطرطوسي، وأبو عبد الله المنذري، وابن حمدين القرطبي، وأبو بكر بن العربي تلميذه، وأبو الوفاء بن عقيل، وكان من أشد الناس على أبي حامد أبو الفرج بن الجوزي، وأبو محمد المقدسي، والخرزي وغيره من أصحاب أبي حنيفة. إذاً: حينما نتكلم في دراسة نقدية لفكر الغزالي ولكتابه إحياء علوم الدين خاصة، نقول: لسنا أول من قرع هذا الباب من أولي الألباب؛ بل لنا سلف قاموا على شرف المناضلة والذب عن الشريعة الغراء، مع احترامهم وحبهم للإمام الغزالي، وحسن ظنهم به رحمه الله تعالى.

стр. 1579

حصره لاحتمالات النجاة في مذاهب الفلاسفة والمتكلمين والباطنية والصوفية المأخذ الثالث: أن الإمام أبا حامد حصر احتمالات وجود طريق النجاة في دوائر الفلاسفة والمتكلمين والباطنية والمتصوفة: أراد أن يبحث عن الحق فقال: إن الحق لا يخرج عن هذه الطوائف الأربع: الفلاسفة والمتكلمين والباطنية والصوفية، وهذا بعد الدراسة المستفيضة التي أنفق فيها كماً كبيراً من عمره ﵀، فخلص بعد دراسة هذه الاتجاهات والتنقل بينها إلى أن المنقذ من الضلال هو التصوف، وقد أخطأ الإمام رحمه الله تعالى خطأً فادحاً حين أغفل منهج أهل السنة والجماعة، منهج أصحاب الحديث وأهل العلم والفقه والأثر، الذين هم بحق الفرقة الناجية والطائفة المنصورة إلى قيام الساعة، مصداقاً لقوله ﷺ : (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك)، وقد ذكر العلماء أنهم أصحاب الحديث أو أهل العلم والفقه والأثر. فإذا قلنا: نوافق الإمام الغزالي رحمه الله تعالى فيما أخذه على الباطنية والفلاسفة والمتكلمين وإذا كان هو قد أصاب في الأمور التي أخذها عليهم، فلا يلزم من هذا أن يكون الإمام أبو حامد مصيباً في اعتباره التصوف طريق النجاة، بل إن التصوف ذاته في حاجة إلى من يحاكمه، ويزنه بميزان الكتاب والسنة اللذين هما بحق حجة الإسلام، ليكشف مظاهر مخالفته لدين الله . فالتصوف بمعناه المعروف الآن يخالف دين الله في مصادر التلقي، فهناك فرق بين مصادر التلقي عند أهل السنة والجماعة أهل الاستقامة، والصوفية المبتدعين، ونحن نخالفهم في تقسيم الدين إلى شريعة وحقيقة، ونخالفهم في تبني معظم المفاهيم الكنسية الرهبانية، ومصادمة بعض مقاصد الشريعة كالترغيب في العزوبة، والترهيب من النكاح، بجانب انحراف الصوفية في تصوراتهم؛ ونخالفهم في الإلهيات والنبوة والولاية، واعتقادهم اختصاص الخواص بأسرار دينية لا يطلع عليها غيرهم, وتقديم المكاشفات والإلهامات والمنامات المزعومة على الأدلة المعصومة، وشيوع استدلالهم بالأحاديث والآثار الواهية والموضوعة إلى آخر مظاهر انحرافهم عن الجادة، فضلاً عن بدعهم الشنيعة التي أفاض في ذكرها الإمام أبو الفرج ابن الجوزي رحمه الله تعالى في تلبيس إبليس، أو: نقد العلم والعلماء -الكتاب له اسمان- وغيره من الأئمة الأعلام. ومن ثم يمكننا بعد الدراسة المستفيضة لأحوال الصوفية ومخالفتهم للكتاب والسنة أن نخلص إلى القول بأن الصوفية فئة غارقة في البدع بأنواعها: علمية وعملية، حقيقية وإضافية، عبادية وعادية، فعلية وتركية، كلية وجزئية، وأن الصوفية غير مؤهلة لحمل أمانة هذا الدين إلى العالمين؛ لأنها لا تؤتمن عليه وقد انحرفت عن حقائقه هذا الانحراف الخطير. هذا فيما يتعلق بالمؤلف وهو الإمام أبو حامد الغزالي باختصار.

стр. 1580

كتاب إحياء علوم الدين أما الكتاب المؤلف وهو كتاب الإحياء، ونحن في الحقيقة نتحرج من أن نقول: إحياء علوم الدين، لكن نستطيع أن نقول: كتاب الإحياء، فهناك ظاهرة تتعلق بكتاب الإحياء تستلفت النظر. وهذا الكتاب قد استحوذ من اهتمام العلماء على قدر عظيم، ما بين شارح ومختصر، ومخرج لأحاديثه، وراد عليه وهكذا، فقد شرحه الإمام الزبيدي في كتاب يقع في ثلاثين مجلداً سماه: إتحاف السادة المتقين بشرح أسرار إحياء علوم الدين، وألف الحافظ العراقي كتاباً مستقلاً في تخريج أحاديث إحياء علوم الدين أسماه: المغني عن حمل الأسفار في الأسفار لتخريج ما في الإحياء من الآثار، والكتاب الملحق بالطبعة المتداولة من إحياء علوم الدين هو مختصر للكتاب الأصلي الذي ألفه الحافظ العراقي في تخريج أحاديث الإحياء، أما الكتاب الحقيقي فلا أعلم أنه عثر عليه حتى الآن، لكن يقال إن الزبيدي استعان به في تخريجاته الرائعة للأحاديث في كتابه إتحاف السادة المتقين. كذلك الإمام الغزالي نفسه ألف على كتاب الإحياء كتاب الإملاء في إشكالات الإحياء، وشقيق الإمام الغزالي أحمد بن الغزالي ألف كتاب: مختصر إحياء علوم الدين، وهو أول من اختصره، كذلك الشيخ عبد القادر العيدروس ألف كتاب: تعريف الأحياء بفضائل الإحياء.
следующие страницы →