Полный текст (2 122 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.
стр. 1576
المآخذ على أبي حامد الغزالي
стр. 1577
قلة علمه بالحديث
المأخذ الأول على أبي حامد رحمه الله تعالى: قلة علمه بالحديث.
ونحن ندرس سيرة الإمام أبي حامد حتى نأخذ العبرة والعظة؛ فإن طريق النجاة والفرقة الناجية أخص خصائصها التمسك بالكتاب والسنة، ولا يصح التمسك بالكتاب والسنة إلا بمعرفة سنن النبي ﷺ وأحاديثه، فمن ليس بعالم بالحديث لا يكون عالماً قط، يقول الإمام أبو حامد عن نفسه: بضاعتي في علم الحديث مزجاة.
وقد أثر قلة بضاعة الإمام الغزالي في علم الحديث في مذاهبه الفكرية وتصرفاته الفلسفية والكلامية كما سيأتي بالتفصيل.
وننبه إلى هذا لأن العاصم من الوقوع في هذه المخاطر هو التمسك بسنة النبي ﵌، يقول الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى: ولم يكن له علم بالآثار، ولا خبرة بالسنن النبوية القاضية على العقل.
ومن ثم قال الإمام أبو بكر الطرطوشي رحمه الله تعالى: شحن أبو حامد الإحياء بالكذب على رسول الله ﷺ ، فلا أعلم كتاباً على بسيط الأرض أكثر كذباً منه، يعني: لا يوجد كتاب مشحون بالكذب على رسول الله -يقصد بذلك الأحاديث الموضوعة والضعيفة- أكثر من كتاب الإحياء.
فنقول كما قال بعض العلماء: إنه كتبها كما اقتراها لا أنه افتراها، فليس المقصود أن أبا حامد هو الذي وضع هذه الأحاديث، معاذ الله وحاشاه من ذلك، لكنه أثبتها كما قرأها لا أنه افتراها.
هذا هو المأخذ الأول الذي سوف نلاحظه من سيرة هذا الإمام.
стр. 1578
شكه وحيرته واضطرابه بين مذاهب الفلاسفة والصوفية
المأخذ الثاني: شكه وحيرته واضطرابه بين مذاهب الفلاسفة والصوفية.
فقد كان أبو حامد ﵀ يعظم المنطق، رغم بعض النقد الذي وجهه إليه، واستطاع أن يدخله في علوم الإسلام؛ بل جعل تعلمه فرض كفاية على المسلمين.
وفي النبوة اقتفى الغزالي أثر الفلاسفة بعامة وابن سينا بخاصة، وتلمح في أبي حامد شخصية فيها ذكاء ونبوغ لا ريب فيهما، وفيها رغبة في معارضة الغزو الثقافي الدخيل على المسلمين، كما ظهر ذلك جلياً في كتابيه العظيمين: تهافت الفلاسفة، وفضائح الباطنية، وتراه مع ذلك في أكثر كتبه تابعاً للفلسفة اليونانية والتصوف الهندي الشرقي، رغم أنه أراد أن يهدم هذه المذاهب، إلا أنه لم يسلم من دخنها، ووقع في بعض مؤاخذاتها، حتى قال فيه تلميذه القاضي أبو بكر بن العربي رحمه الله تعالى: شيخنا أبو حامد بلع الفلاسفة وأراد أن يتقيأهم فما استطاع.
وهذا يذكرنا بنصيحة شيخ الإسلام ابن تيمية: أن الإنسان لا يفني عمره في تتبع الفرق الضالة والانحرافات الفكرية لأن القلب لابد أن يتصرف وأن يتوه ويعلق به كثير من مفاسد هذه الضلالات، يقول: وإلا كان قلبك مثل الإسفنجة، فإن الإسفنجة كلما ألقيت إليها قطرة تتشربها وتتشبع بها حتى تمتلئ بالشبهات، فلذلك يقول الإمام أبو بكر بن العربي في شيخه: شيخنا أبو حامد بلع الفلاسفة ثم أراد أن يتقيأهم فما استطاع.
وفي مكان آخر: شيخنا أبو حامد دخل في بطن الفلاسفة فأراد أن يخرج فما استطاع.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: ولما وقع في المضنون به على غير أهله وغيره من كتبه -أي: الشيخ أبو حامد - ما هو من جنس كلام الفلاسفة في الشفاعة وفي النبوة وغير ذلك، اشتد نكير علماء الإسلام على أبي حامد لهذا الكلام، وتكلموا في أبو حامد وأمثاله بكلام معروف.
وممن انتقد أبا حامد وتكلم فيه أصحاب أبي المعالي كـ أبي الحسن المرغياني وغيره، وأهل بيت القشيري وأتباعه، والشيخ أبو البيان، وأبو الحسن بن سكر، وأبو عمرو بن الصلاح، وأبو زكريا النووي، وأبو بكر الطرطوسي، وأبو عبد الله المنذري، وابن حمدين القرطبي، وأبو بكر بن العربي تلميذه، وأبو الوفاء بن عقيل، وكان من أشد الناس على أبي حامد أبو الفرج بن الجوزي، وأبو محمد المقدسي، والخرزي وغيره من أصحاب أبي حنيفة.
إذاً: حينما نتكلم في دراسة نقدية لفكر الغزالي ولكتابه إحياء علوم الدين خاصة، نقول: لسنا أول من قرع هذا الباب من أولي الألباب؛ بل لنا سلف قاموا على شرف المناضلة والذب عن الشريعة الغراء، مع احترامهم وحبهم للإمام الغزالي، وحسن ظنهم به رحمه الله تعالى.
стр. 1579
حصره لاحتمالات النجاة في مذاهب الفلاسفة والمتكلمين والباطنية والصوفية
المأخذ الثالث: أن الإمام أبا حامد حصر احتمالات وجود طريق النجاة في دوائر الفلاسفة والمتكلمين والباطنية والمتصوفة: أراد أن يبحث عن الحق فقال: إن الحق لا يخرج عن هذه الطوائف الأربع: الفلاسفة والمتكلمين والباطنية والصوفية، وهذا بعد الدراسة المستفيضة التي أنفق فيها كماً كبيراً من عمره ﵀، فخلص بعد دراسة هذه الاتجاهات والتنقل بينها إلى أن المنقذ من الضلال هو التصوف، وقد أخطأ الإمام رحمه الله تعالى خطأً فادحاً حين أغفل منهج أهل السنة والجماعة، منهج أصحاب الحديث وأهل العلم والفقه والأثر، الذين هم بحق الفرقة الناجية والطائفة المنصورة إلى قيام الساعة، مصداقاً لقوله ﷺ : (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك)، وقد ذكر العلماء أنهم أصحاب الحديث أو أهل العلم والفقه والأثر.
فإذا قلنا: نوافق الإمام الغزالي رحمه الله تعالى فيما أخذه على الباطنية والفلاسفة والمتكلمين وإذا كان هو قد أصاب في الأمور التي أخذها عليهم، فلا يلزم من هذا أن يكون الإمام أبو حامد مصيباً في اعتباره التصوف طريق النجاة، بل إن التصوف ذاته في حاجة إلى من يحاكمه، ويزنه بميزان الكتاب والسنة اللذين هما بحق حجة الإسلام، ليكشف مظاهر مخالفته لدين الله .
فالتصوف بمعناه المعروف الآن يخالف دين الله في مصادر التلقي، فهناك فرق بين مصادر التلقي عند أهل السنة والجماعة أهل الاستقامة، والصوفية المبتدعين، ونحن نخالفهم في تقسيم الدين إلى شريعة وحقيقة، ونخالفهم في تبني معظم المفاهيم الكنسية الرهبانية، ومصادمة بعض مقاصد الشريعة كالترغيب في العزوبة، والترهيب من النكاح، بجانب انحراف الصوفية في تصوراتهم؛ ونخالفهم في الإلهيات والنبوة والولاية، واعتقادهم اختصاص الخواص بأسرار دينية لا يطلع عليها غيرهم, وتقديم المكاشفات والإلهامات والمنامات المزعومة على الأدلة المعصومة، وشيوع استدلالهم بالأحاديث والآثار الواهية والموضوعة إلى آخر مظاهر انحرافهم عن الجادة، فضلاً عن بدعهم الشنيعة التي أفاض في ذكرها الإمام أبو الفرج ابن الجوزي رحمه الله تعالى في تلبيس إبليس، أو: نقد العلم والعلماء -الكتاب له اسمان- وغيره من الأئمة الأعلام.
ومن ثم يمكننا بعد الدراسة المستفيضة لأحوال الصوفية ومخالفتهم للكتاب والسنة أن نخلص إلى القول بأن الصوفية فئة غارقة في البدع بأنواعها: علمية وعملية، حقيقية وإضافية، عبادية وعادية، فعلية وتركية، كلية وجزئية، وأن الصوفية غير مؤهلة لحمل أمانة هذا الدين إلى العالمين؛ لأنها لا تؤتمن عليه وقد انحرفت عن حقائقه هذا الانحراف الخطير.
هذا فيما يتعلق بالمؤلف وهو الإمام أبو حامد الغزالي باختصار.
стр. 1580
كتاب إحياء علوم الدين
أما الكتاب المؤلف وهو كتاب الإحياء، ونحن في الحقيقة نتحرج من أن نقول: إحياء علوم الدين، لكن نستطيع أن نقول: كتاب الإحياء، فهناك ظاهرة تتعلق بكتاب الإحياء تستلفت النظر.
وهذا الكتاب قد استحوذ من اهتمام العلماء على قدر عظيم، ما بين شارح ومختصر، ومخرج لأحاديثه، وراد عليه وهكذا، فقد شرحه الإمام الزبيدي في كتاب يقع في ثلاثين مجلداً سماه: إتحاف السادة المتقين بشرح أسرار إحياء علوم الدين، وألف الحافظ العراقي كتاباً مستقلاً في تخريج أحاديث إحياء علوم الدين أسماه: المغني عن حمل الأسفار في الأسفار لتخريج ما في الإحياء من الآثار، والكتاب الملحق بالطبعة المتداولة من إحياء علوم الدين هو مختصر للكتاب الأصلي الذي ألفه الحافظ العراقي في تخريج أحاديث الإحياء، أما الكتاب الحقيقي فلا أعلم أنه عثر عليه حتى الآن، لكن يقال إن الزبيدي استعان به في تخريجاته الرائعة للأحاديث في كتابه إتحاف السادة المتقين.
كذلك الإمام الغزالي نفسه ألف على كتاب الإحياء كتاب الإملاء في إشكالات الإحياء، وشقيق الإمام الغزالي أحمد بن الغزالي ألف كتاب: مختصر إحياء علوم الدين، وهو أول من اختصره، كذلك الشيخ عبد القادر العيدروس ألف كتاب: تعريف الأحياء بفضائل الإحياء.
стр. 1581
مواقف العلماء من كتاب الإحياء
من الناس من غض الطرف تماماً عن المآخذ التي تضمنها هذا الكتاب وغلا فيه، حتى قال بعضهم: كاد الإحياء أن يكون قرآناً! وقال آخر: لو بعث الله الموتى لما أوصوا الأحياء إلا بالإحياء! وقال ثالث: من لا يطالع في الإحياء فما فيه حياة! وقال رابع: الحجة فيما اختاره الحجة! وقال خامس: دع اللحية واقتنِ الإحياء! يعني: دع الاهتمام باللحية والمظهر واقتن كتاب الإحياء.
وفي الجانب الآخر -وانظر إلى تضارب مواقف العلماء من الكتاب- أفتى بتحريق نسخ الإحياء علماء المغرب ممن عرف بالسنة، وتم ذلك بالفعل، فقد جمعوا نسخ كتاب الإحياء وأحرقوها، وسماه كثير من علماء المغرب: إماتة علوم الدين، وقام الإمام ابن عقيل الحنبلي أعظم قيام فيه بالذم والتشنيع، وقال فيه قولاً شديداً حوى أوصافاً شنيعة لا نستجيد حكايتها؛ لأننا كطلبة علم لنا حدود لا ننقل كل ما يكون في الكتب.
وصنف بعض العلماء في الرد على ما تضمنه الإحياء من مجازفات، كما فعل الإمام أبو الفرج بن الجوزي، فقد ألف كتاب: إعلام الأحياء بأغلاط الإحياء، والإمام أبو الحسن بن سكر ألف كتاب: إحياء مجلس الأحياء في الرد على كتاب الأحياء، والإمام المازري ألف كتاب: الكف والإنباء عن كتاب الإحياء.
ومن العلماء من زجر عن مطالعته إلا بشروط، كما قال الإمام المازري: ومن لم يكن عنده من البسطة في العلم ما يعتصم به من غوائل هذا الكتاب فإن قراءته لا تجوز، وإن كان فيه ما ينتفع به.
يعني: مع أنه يوجد ما ينتفع به في هذا الكتاب، إلا أنه لا تجوز قراءته لكل أحد، إلا رجل قد آتاه الله من العلم ما ينجو به من غوائل وآفات هذا الكتاب.
ومن العلماء من أرشد في رفق إلى التحذير من مطالعته، كما فعل الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى، ومنهم من زجر عن ذلك مطلقاً، كما قال الشيخ عبد اللطيف الحنبلي في رسالة كتبها إلى بعض أصحابه: بسم الله الرحمن الرحيم من عبد اللطيف بن عبد الرحمن إلى الأخ في الله عبد الله بن معيذر، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وبعد: فقد بلغني عنك ما يشغل كل من له حمية إسلامية، وغيرة دينية على الملة الحنيفية؛ وذلك أنك اشتغلت بالقراءة في كتاب الإحياء للغزالي، وجمعت عليه من لديك من الضعفاء والعامة الذين لا تمييز لهم بين مسائل الهداية والسعادة، ووسائل الكفر والشقاوة، وأسمعتهم ما في الإحياء من التحريفات الجائرة، والتأويلات الضالة الخاسرة، والثقافة التي اشتملت على الداء الجسيم والفلسفة في أصل الدين، وقد أمر الله تعالى وأوجب على عباده أن يتبعوا رسله وأن يلتزموا سبيل المؤمنين، وهذا الأصل المحكم لا قيام للإسلام إلا به.
وقد سلك في الإحياء طريق الفلاسفة والمتكلمين في كثير من مباحث الإلهيات وأصول الدين، وكسا الفلسفة لحاء الشريعة، حتى ظنه الأغمار والجهال بالحقائق من دين الله الذي جاءت به الرسل ونزلت به الكتب ودخل به الناس في الإسلام، وهي في الحقيقة نهج فلسفة منتنة يعرفها أولو الأبصار، ويمجها من سلك سبيل أهل العلم كافة في القرى والأمصار، قد حذر أهل العلم والبصيرة عن النظر فيها ومطالعة قاصيها ودانيها إلى أن قال: إذا سمعت بعض عباراته المزخرفة قلت: كيف ينهانا عن هذا فلان، أو يأمر بالإعراض عن هذا الشان؟! كأنك سقطت على الدرة المفقودة، والضالة المنشودة، وقد يكون ما أطربك وهز أعطافك وحركك فلسفة منتنة وزندقة مبهمة أخرجت في قالب الأحاديث النبوية والعبارات السلفية إلخ.
وهناك فريق من العلماء نظر إلى القواعد الجليلة المبسوطة في الإحياء، والمقتبسة من نور القرآن ومشكاة السنة، فرأوه مدرسة تربوية شاملة في جنسها ونفيسة في نفسها، وفي ذاك الوقت أدركوا خطر المجازفات التي تضمنها، والتي تنحرف بمعتقد سالكها عن سبيل أهل السنة والجماعة، فدندنوا حول الإحياء.
إذاً: هناك علماء رفضوا على الإطلاق كتاب الإحياء حتى قاموا بإحراقه، وعلماء غالوا فيه حتى قالوا: كاد الإحياء أن يكون قرآناً، وعلماء حذروا من قراءته إلا لبعض الخواص ممن قد حشاهم الله بالعلم بحيث يأمنون غوائل الكتاب، ثم أتى هذا الجانب المتوسط الذي أراد أن يجمع بين المصلحتين، واتخذ الموقف الوسط، فدندنوا حول الإحياء يحاولون تهذيبه، وإخراجه غضاً سائغاً من بين فرث الفلسفة ودم الكلام المذموم، ومن هؤلاء الإمام أبو الفرج ابن الجوزي رحمه الله تعالى، الذي ألف كتاباً في تهذيب كتاب الإحياء سماه: منهاج القاصدين ومفيد الصادقين، قال في مقدمته: اعلم أن في كتاب الإحياء آفات لا يعلمها إلا العلماء، وأقلها الأحاديث الباطلة الموضوعة والموقوفة، وقد جعلها مرفوعة، وإنما نقلها كما اقتراها لا أنه افتراها، ولا ينبغي التعبد بحديث موضوع، والاغترار بلفظ مسموع.
стр. 1582
القول الوسط في كتاب الإحياء
هذه المواقف من العلماء، وهذه الدندنة حول الكتاب -كما سنرى- تفيد أن الكتاب فيه فوائد قطعاً غير موجودة في غيره، وأن الكتاب عبارة عن مدرسة تربوية شاملة في علم الأخلاق والرقائق، وفي نفس الوقت هذه الظاهرة تومئ وتشير إلى أن الكتاب فيه آفات خطيرة أدت إلى هذه المواقف من العلماء، ويجمع هذين الجانبين موقف الفريق الوسط الذي قام بتهذيب الكتاب ودندن حوله، وجعله محور حركته في إيجاد مدرسة تربوية مستخلصة من فوائد كتاب الإحياء.
يقول الإمام ابن الجوزي في مقدمة منهاج القاصدين ومفيد الصادقين: اعلم أن في كتاب الإحياء آفات لا يعلمها إلا العلماء، وأقلها الأحاديث الباطلة الموضوعة والموقوفة، وقد جعلها مرفوعة، وإنما نقلها كما اقتراها -أي: كما وجدها وقرأها في الكتب- لا أنه افتراها، ولا ينبغي التعبد بحديث موضوع، والاغترار بلفظ مسموع، وكيف أرتضي لك أن تصلي صلوات الأيام ولياليها، وليس فيها كلمة قالها رسول الله ﷺ -يعني: الصلاة يوم السبت، والصلاة يوم الأحد، والصلاة يوم كذا، وكل يوم له صلاة مخصوصة به بلا دليل وبلا حديث صحيح مرفوع إلى النبي ﷺ يقول: وكيف أرتضي لك أن تصلي صلوات الأيام ولياليها وليس فيها كلمة قالها رسول الله ﷺ ، وكيف أوثر أن يطرق سمعك من كلام المتصوفة الذي جمعه وندب إلى العمل به -يعني جمعه أبو حامد، ورغب الناس: إلى العمل به- ما لا حاصر له، من الكلام في الفناء والبقاء، والأمر بشدة الجوع، والخروج إلى السياحة في غير حاجة، والدخول في الفلاة بغير زاد إلى غير ذلك مما قد كتبت عن عواره في كتابي المسمى: بتلبيس إبليس، وسأكتب لك كتاباً يخلو عن مفاسده ولا يخل بفوائده إلى آخر كلامه رحمه الله تعالى.
ثم قام الإمام نجم الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن عبد الرحمن بن قدامة المقدسي باختصار كتاب ابن الجوزي منهاج القاصدين ومفيد الصادقين، في كتاب سماه: مختصر منهاج القاصدين، وهو معروف ومتداول.
وممن اختصر كتاب الإحياء أيضاً العجلوني ومحمد بن سعيد اليماني، وأحمد بن موسى الموصلي، والسيوطي، والقاسمي في كتابه: موعظة المؤمنين، ثم حققه طائفة وأسموه: تهذيب موعظة المؤمنين، وللشيخ محمود عوض ﵀ أيضاً مختصر له أسماه: طب القلوب، وللشيخ أبي الحسن الندوي أيضاً مختصر له أسماه: تهذيب الأخلاق، وقد تجاوزت الكتب المؤلفة حول كتاب الإحياء العشرين كتاباً.
ونحن اليوم على أعتاب نهضة قرآنية وصحوة سنية ويقظة سلفية، نتلمس الطريق الذي نرتقي بسلوكه إلى مستوى الجيل الأول، بعيداً عن مخلفات الغزو الفكري، سواء كان الغزو الحديث أو القديم؛ فالحديث يتمثل في العلمانية والتنصير والاستشراق إلخ، والغزو الفكري القديم المتمثل في الباطنية والفلسفة والكلام والصوفية إلخ.
فما أشد حاجتنا إلى الدراسة المسفرة الواعية لفكر أبي حامد الغزالي رحمه الله تعالى، باعتباره رمزاً من رموز المنهج الصوفي، دخل في غمار الفلاسفة والمتكلمين والباطنية، فحمل عليهم وانغمس في صفوفهم، وما زال يجاهدهم حتى فل شوكتهم وكسرهم، وفرق جموعهم شذر مذر، وفلق هام كثير منهم، غير أنه أصابه في أثناء ذلك شيء من دمائهم، فحاول أن يغسل أثر الدم عنه فما استطاع، فالإمام أبو حامد لم يكن يقصد أن يتبني منهج الفلاسفة أو الباطنية، لكنه دخل يقاتلهم ويقضي عليهم، فأصابه شيء من لوثهم، أو من دمائهم.
стр. 1583
نشأة الإمام الغزالي في أحضان التصوف وعودته إلى مذهب السلف
هذا هو حال أبي حامد رحمه الله تعالى، وواجبنا أن نتأمل في تجربته وأن نستنبط منها العبر، وأعظم عبرة نستقيها من تجربة الإمام أبي حامد رحمه الله تعالى، هي عودته بعد طول غربة إلى منهج السلف الصالح رحمه الله تعالى.
فالإمام أبو حامد في آخر أيامه ندم على تضييع عمره في هذه الطرق المشتتة، وعكف على دراسة علم الحديث، حتى إنه ﵀ مات وصحيح البخاري على صدره رحمه الله تعالى، فأعظم عبرة نستخلصها من تجربته -كما سنرى- هي عودته بعد طول غربة إلى منهج السلف الصالح، نادماً على بضاعة العمر النفيسة التي أنفقها في التحري والبحث والتنقل.
فحري بنا أن نحرص جميعاً على نقطة البداية ونحن نتلقى المفاهيم والعلوم، وهذه أعظم العبر، وهي أن كل إنسان عليه أن يهتم بنقطة البداية في تربية نفسه وتعليمها، أو في تربية غيره من أولاد أو غيرهم، فنقطة البداية تشكل محوراً خطيراً جداً في حياة أي إنسان، والغالب أن الإنسان دائماً يتعصب لأول شيخ تعلم على يديه، ويتعصب لأول كتاب قرأه، ويتعصب لأول مدرسة ينتمي لها، فمن كان يراد له السعادة من الله وفقه الله إذا كان حدثاً أن ينشأ على يد رجل من أهل السنة والجماعة، وإن كان كافراً وأسلم أن يسلم على يد رجل من أهل السنة، وإلا فكم رأينا عشرات الكفار يسلمون على أيدي أناس لا علاقة لهم بالإسلام، ويظنون أن هذا هو الإسلام.
وعلى كل حال فالإنسان يتعصب ويتمسك بأول من يرشده إلى الإسلام، فإذا كان حظه سعيداً ووقع عند واحد من أهل السنة، فهذه من علامات إرادة الخير به.
وقد كانت نقطة البداية في تربية الإمام أبي حامد أنه نشأ في أحضان الصوفية، وتربى في كنفها، وترعرع في ظلالها، فإن كان الغزالي بدأ بالصوفية، وتدرج إلى الباطنية والفلاسفة والمتكلمين، وظن في النهاية أن طريق الخلاص والنجاة هو طريق التصوف، ثم ندم بعد ذلك على هذا كله ورجع إلى منهج السلف الصالح، وألف وقال كلاماً عظيما جداً في الانتقال إلى عقيدة السلف في نهاية عمره وفي آخر مؤلفاته، وإن كان -كما ذكرنا- مات والبخاري على صدره، من شدة اهتمامه وتعطشه إلى علم الحديث الذي أيقن أنه فرط في حقه كثيراً؛ فعلينا أن نبدأ من حيث انتهى الغزالي رحمه الله تعالى، وأن ندقق في الطريق الذي سوف نسلكه قبل أن تطأه أقدامنا، وننفق فيه بضاعة العمر، وإلا فإذا مشينا في طريق مسدود فسنقف في النهاية أمام سد منيع يحول بيننا وبين طريق النجاة، فنعض أناملنا، ويغشانا الندم ولات حين مندم! وقد قيل: فساد الانتهاء من فساد الابتداء، فالأصل أن الإنسان إذا كانت بدايته فاسدة فإنها تستمر معه إلى النهاية والعياذ بالله، إلا من ﵀، ومن هنا عد السلف الصالح رحمهم الله تعالى من علامات السعادة للإنسان إذا نسك وإذا تعبد وإذا تاب: أن يواخي صاحب سنة يحمله عليها، وأن يقيض الله له رجلاً من أهل السنة والجماعة يضع قدميه منذ البداية على طريق الفرقة الناجية والطائفة الظاهرة المنصورة.
стр. 1584
ترجمة الإمام الغزالي ﵀
стр. 1585
اسمه ومولده ونشأته
يقول عبد الرحمن دمشقية: هو محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الطوسي المعروف بـ الغزالي، ولد بطوس سنة (٤٥٠هـ)، وكان والده يغزل الصوف ويبيعه في دكانه بطوس، فلما حضرته الوفاة أوصى به وبأخيه أحمد إلى صديق له متصوف من أهل الخير، وقال له: إن لي لتأسفاً عظيماً على تعلم الخط، وأشتهي استدراك ما فاتني في ولدي هذين فعلمهما، ولا عليك أن تصرف في ذلك جميع ما أخلفه لهما.
فلما مات أبوهما أقبل صديقه على تعليمهما إلى أن أفنى ذلك المال اليسير الذي خلفه لهما أبوهما، فتعذر عليه القيام بقوتهما لأنه كان رجلاً فقيراً، فقال لهما: اعلما أني قد أنفقت عليكما ما كان لكما، وأنا رجل من الفقر والتجريد بحيث لا مال لي فآويكما به، وأصلح ما أرى لكما أن تلجآ إلى مدرسة، فإنكما من طلبة العلم، فيحصل لكما قوت يعينكما على وقتكما.
يعني: إنكما ما زلتما صغيرين، وأنا ليس عندي ما أنفق عليكما، فأنصحكما أن تلتحقا بإحدى المدارس، فإنكما من طلبة العلم، وستجدون فيها القوت والطعام.
ففعلا ذلك، وكان هو السبب في سعادتهما وعلو درجاتهما، وكان الغزالي رحمه الله تعالى حينما يتذكر هذه الأيام يحكيها، ويقول: طلبنا العلم لغير الله، فأبى أن يكون إلا لله، يعني: كانت بداية طلب العلم أنهما يذهبان إلى المدرسة حتى ينالا القوت؛ لأنه نفذ ما كان لهما من مال في تعلم الخط، فقد أرادا العلم لأجل القوت فقط، فأبى العلم إلا أن يأخذ بناصيتهما حتى يكون لوجه الله .
كانت الحالة المادية الصعبة هي التي دفعت بـ الغزالي إلى دخول إحدى المدارس الدينية ليتعلم الفقه فيها ظاهراً، وليضمن القوت باطناً، حيث إنه لم يكن له اختيار في ذلك، لكن هذا الفقر كان عامل خير في تكوين شخصية الغزالي الفقهية التي تطورت ونمت بشكل أثار حوله إعجاب الآخرين، ولذلك نرى الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى يصفه بأنه كان من أذكياء العالم، ومعلوم أن الغزالي من الأذكياء النوابغ في التاريخ، وأنه من شخصيات التاريخ النادرة التي عرفت بالذكاء الخارق.
يقول: كان من أذكياء العالم في كل ما يتكلم فيه، وقد ساد الإمام الغزالي في شبيبته، حتى إنه درس بالنظامية في بغداد وكان يحضر درسه هذا أكابر العلماء، وممن كان يحضر عنده أبو الخطاب وابن عقيل، فتعجبوا من فصاحته واطلاعه.
وقد حكى عنه ابن كثير أيضاً بأن النسخ كان من مصادر قوته، كان ينسخ الكتب والمصاحف مثلاً ويبيعها.
стр. 1586
طلبه للعلم ونبوغه فيه
قال ابن السبكي ﵀: وفي عام (٤٦٥هـ) -وكان عمره حينئذٍ خمسة عشر عاماً- بدأ الغزالي يدرس الفقه على أحمد الراذكاني بطوس، ولما تمكن من العلم سافر إلى جرجان ليطلب المزيد من العلم على يد الشيخ أبي نصر الإسماعيلي، وعلق عنه التعليقة، ثم قدم نيسابور ونزل هناك على إمام الحرمين الجويني، وجد واجتهد حتى برع في العلوم، ووقف على الخلاف والجدل والأصلين -يعني أصول الدين وأصول الفقه- والمنطق، وقرأ الفلسفة وأحكم ذلك كله، وفهم كلام أرباب هذه العلوم، وتصدى للرد عليهم وإبطال دعاويهم.
وقد أظهر إمام الحرمين الجويني عناية خاصة به لما ظهر له فيه من بوادر النبوغ السريع، حتى كان الإمام الجويني يصف الغزالي بأنه البحر المغرق، وقد لازمه الغزالي مدة انتهت بوفاته سنة (٤٧٨هـ).
لقد كان هذا التلميذ النابغ للإمام الجويني يمضي نحو تألقه وسطوعه بخطوات سريعة، فقد ألف كتاباً في أصول الفقه أسماه: المنخول من علم الأصول، غطى هذا الكتاب على أستاذه حتى قال له شيخه الجويني لما رآه وقرأه: دفنتني وأنا حي هلا صبرت حتى أموت! يقول ابن عساكر نقلاً عن عبد الغافر -وهو أحد تلامذة الغزالي - في ترجمته: ثم قدم نيسابور مختلفاً إلى درس إمام الحرمين في طائفة من الشبان، وجد واجتهد حتى تخرج في مدة قريبة، وبز الأقران -يعني: تفوق على أقرانه- وحمل القرآن، وصار أنظر أهل زمانه في المناظرة، وأوحد أقرانه في أيام إمام الحرمين، وكان الطلبة يستفيدون منه ويدرس لهم ويرشدهم، ويجتهد في نفسه، وبلغ الأمر به إلى أن أخذ في التصنيف.
وكان الإمام مع علو درجته وسمو عبارته وسرعة جريه في النطق والكلام لا يصفي نظره إلى الغزالي سراً لإنافته عليه في سرعة العبارة وقوة الطبع، ولا يطيب له تصديه للتصنيف، فكان الشيخ يجد حرجاً من أن يتصدر تلميذه لتأليف الكتب، وإن كان متخرجاً به منتسباً إليه، كما لا يخفى من طبع البشر، ولكنه يظهر التبجح به والاعتزاز بمكانه ظاهراً خلاف ما يضمره.
ثم بقي كذلك إلى انقضاء أيام الإمام، ثم عهد إليه التدريس بالمدرسة النظامية ببغداد فقبل ذلك، وكان ذلك سنة (٤٨٤هـ) ولم يكن تجاوز فيها الرابعة والثلاثين من عمره.
стр. 1587
تدريسه في بغداد وتصديه لفضح الباطنية
وقد احتل من مجلس نظام الملك هناك محل القبول، وظهر اسمه، وبرزت مناظراته للفحول ومناقرته للكبار، وارتفق بذلك أكمل الارتفاق، حتى أدت به الحال إلى أن صمم على ترك المعسكر والتدريس بنظامية بغداد.
وصل أبو حامد إلى بغداد ولاقى تشجيعاً له على تحقيق دعوته ومواصلة تدريسه في نظامية بغداد، وصارت له مكانة وشهرة واسعة، حيث كان مدرساً لثلاثمائة من الطلاب في الفقه والأصول وغيرهما، لكن ذلك لم يدم طويلاً، فقد أصابه مرض اضطره إلى مفارقة بغداد، فرحل إلى الحجاز حاجاً، ثم أتى الشام وتركها ذاهباً إلى القدس نحو سنتين، وقيل: إن خروجه من بغداد كان لسبب خطر الباطنية الذين تم على أيديهم اغتيال نظام الملك سنة (٤٨٥هـ)، وبهذا فقد قويت شكيمتهم واستفحل أمرهم، ولقد كان وقع نبأ نظام الملك عميقاً في نفس الغزالي، وتأثر بسبب ذلك تأثراً بليغاً، وبلغ هذا التأثر مبلغه حين توفي المهتدي سنة سبع وثمانين وأربعمائة بطريقة غامضة، ولعلها مؤامرة باطنية أيضاً.
ثم جاء المستظهر بالله فطلب من الغزالي محاربة عقيدة الباطنية وفضح آرائهم ومذهبهم، ففعل الغزالي ذلك، وصنف ضدهم العديد من المصنفات أشهرها كتابه: المستظهري، إذاً: المستظهري نسبة إلى المستظهر بالله الذي أمره بالرد على عقائد الباطنية، وأصبح اسم الكتاب: فضائح الباطنية، ولذلك لما رد الغزالي على عقيدة الباطنية وفضحهم أصبح مهدداً بالخطر، فالباطنية يترصدونه ويتحينون الفرصة المواتية للتخلص منه، فخرج من بغداد سنة (٤٨٨هـ)، وقد ترك أخاه أحمد للتدريس في نظامية بغداد، وفي بغداد أيضاً انصرف الغزالي إلى دراسة الفلسفة دراسة عميقة، فطالع كتب الفارابي وابن سينا، وألف على إثر ذلك كتابه: تهافت الفلاسفة.
يقول بعض العلماء: الغزالي لم يؤلف هذا الكتاب عن رغبة مجردة في العلم؛ بل لأنه عانى من مرحلة من الاضطراب والتشكك الذهني أو الفكري، والدليل على ذلك أنه ألف كتابه المشهور: تهافت الفلاسفة لإبداء شكوكه في قيمة العلم وبراهينه المنطقية، وبعض الناس يفسرون خروجه من بغداد بأنه كان نتيجة هذه الشكوك التي طرأت على عقيدته فجعلته يترك التدريس، وترك الأهل والولد والمال وخرج من بغداد سنة (٤٨٨هـ).
стр. 1588
تركه للتدريس وخروجه من بغداد إلى الشام
يقول الغزالي حاكياً عن خروجه من بغداد: ثم لاحظت أحوالي فإذا أنا منغمس في العلائق، وقد أحدقت بي من كل الجوانب، ولاحظت عملي وأحسنها التدريس والتعليم، فإذا أنا مقبل على علوم غير مهمة ولا نافعة في طريق الآخرة، فلم أزل أتردد بين تجاذب الدنيا ودواعي الآخرة قريباً من تسعة أشهر، أولها رجب سنة (٤٨٨هـ)، ثم لما أحسست بعجزي وسقط بالكلية اختياري، أظهرت عزم الخروج إلى مكة وأنا أضمر في نفسي سفر الشام؛ حذراً أن يطلع الخليفة وجملة الأصحاب على عزمي في المقام بالشام، فتلطفت بلطائف الحيل في الخروج من بغداد على عزم أن لا أعاودها أبداً، ففارقت بغداد.
فخرج الغزالي يريد الشام في الباطن، وأظهر للناس أنه يريد الحج في الظاهر، ويبدو أنه كان تواقاً إلى العيش في الشام، والدليل على ذلك أنه عزم في نفسه على أن لا يعود إلى بغداد أبداً.
يقول: ثم تفكرت في نيتي في التدريس فإذا هي غير خالصة لوجه الله؛ بل باعثها ومحركها طلب الجاه وانتشار الصيت، فتيقنت أني على شفا جرف هار، فصارت شهوات الدنيا تجاذبني بسلاسلها إلى المقام، ومنادي الإيمان ينادي الرحيل الرحيل، فلم يبق من العمر إلا القليل، وبين يديك السفر الطويل، وجميع ما أنت فيه من العلم والعمل رياء وسمعة.
فخرج الغزالي إلى مكة، فالمدينة، فدمشق، فالقدس، فدمشق، فالإسكندرية، ثم عاد إلى بغداد؛ قال القاضي أبو بكر بن العربي تلميذه: رأيت الغزالي في البرية -وهي صحراء دمشق- وبيده عكازة، وعليه مرقعة وعلى عاتقه ركوة، وقد كنت رأيته في بغداد يحضر درسه أربعمائة عمامة من أكابر الناس وأفاضلهم يأخذون عنه العلم، فدنوت منه فسلمت عليه وقلت له: يا إمام! أليس تدريس العلم ببغداد خيراً من هذا؟ فنظر إلي، ثم قال: لما طلع بدر السعادة في فلك الإرادة، وجنحت شمس الوصول في مغارب الأفول تركت هوى ليلى وسعدى بمنزل وعدت إلى تصحيح أول منزل ونادت بي الأشواق مهلاً فهذه منازل من تهوى رويدك فانزل غزلت لهم غزلاً دقيقاً فلم أجد لغزلي نساجاً فكسرت مغزلي
стр. 1589
عودته إلى التدريس في بغداد
ثم بعد عشرة أعوام من السفر بين الحجاز ودمشق والقدس والإسكندرية، عاد أخيراً إلى نيسابور، وكان ذلك سنة (٤٩٨هـ)، بأمر من الوزير فخر الملك علي بن نظام الملك، الذي كان وزيراً في نيسابور للسلطان سنجر حاكم خراسان، فألح عليه فخر الملك إلحاحاً شديداً في ذلك، فلبى الغزالي طلبه، وتولى التدريس بالنظامية في ذي القعدة سنة (٤٩٩هـ)، لكنها فترة قصيرة لم تدم طويلاً، فسرعان ما طغت أيدي الباطنيين على فخر الملك سنة (٥٠٣هـ)، وحينئذ خرج الغزالي مسرعاً إلى طوس ثانية، وسكن في الطابران منها.
стр. 1590
وفاته ﵀
توفي الغزالي يوم الإثنين (١٤) من شهر جمادى الآخرة سنة (٥٠٥هـ)، ودفن بظاهر قصبة طابران وهي قصبة في طوس، فرحمه الله تعالى، ولم يعقب إلا بنات، وكان له من الأسباب إرث وكسب يقوم بكفايته ونفقة أهله وأولاده، قيل: لقد قسمت كراريس الغزالي بعدد الأيام التي عاشها فبلغت أربعة كراريس لكل يوم، أي أنهم قسموا المؤلفات التي ألفها فوجدوا أن كل يوم كان يؤلف فيه أربعة كراريس، وقد بلغت هذه الكتب والرسائل المئات، منها المطبوع ومنها غير المطبوع.
стр. 1591
تأثر الإمام الغزالي بأهل الكلام والفلاسفة والباطنية والصوفية
لقد عاش الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى زمناً كثرت فيه الآراء والمذاهب والفرق، وكان أبرز تلك الفرق آنذاك أهل الكلام والفلاسفة والباطنية والصوفية، وقد عكف الغزالي على دراسة كل واحدة من هذه الاتجاهات الأربعة.
تلقى الأصول وعلم الكلام عن إمام الحرمين الجويني وتفرغ لدراسة الفلسفة دراسة وافية، وأكب على كتب ابن سينا: كالشفاء والنجاة والإشارات، حتى يقول بعض العلماء: الغزالي أمرضه الشفاء، يعني: كتاب الشفاء لـ ابن سينا، والعجيب أن بعض الناس يضللون في دراسة كتب التاريخ فيقولون: الفلاسفة أنشئوا حضارة، وبرعوا في شتى الاتجاهات الفكرية، فكان منهم ابن سينا، والكندي، والفارابي!! المقصود أنه درس كتب ابن سينا: كالشفاء والنجاة والإشارات، ورسائل أبي حيان التوحيدي، ورسائل إخوان الصفا، ولذلك فإن أغلب الفلسفة التي في كتاب الإحياء مأخوذة من هذه الرسائل الإلحادية الباطنية (رسائل إخوان الصفا) ومؤلفات الفارابي، وتهذيب الأخلاق لـ ابن مسكويه، وأكثر المصادر التي أخذ منها هي النجاة لـ ابن سينا، وتهذيب الأخلاق لـ ابن مسكويه.
стр. 1592
ذكر بعض خرافات الصوفية
وها هو الشيخ أحمد الرفاعي يطلب شراء بستان من صاحبه فيقول له صاحب البستان: تشتريه مني بقصر في الجنة؟ فقال: من أنا حتى تطلب مني هذا يا ولدي؟! اطلب من الدنيا.
فقال: يا سيدي! شيئاً من الدنيا لا أريد، فإن أردت البستان فاشتره بما أطلب.
فنكس السيد أحمد الرفاعي رأسه ساعة واصفر لونه وتغير -ما أدري هل كان الوحي ينزل عليه أم ماذا؟! - يقول: نكس رأسه ساعة واصفر لونه وتغير، ثم رفع وقد تبدلت الصفرة احمراراً، وقال: يا إسماعيل! قد اشتريت منك البستان بما طلبت! فقال: يا سيدي! اكتب لي خط يدك، فكتب له السيد أحمد الرفاعي ورقة فيها: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما اشترى إسماعيل بن عبد المنعم من العبد الفقير الحقير أحمد بن أبي الحسن الرفاعي ضامناً على كرم الله تعالى قصراً في الجنة تجمعه حدود أربعة: الأول إلى جنة عدن، والثاني إلى جنة المأوى، والثالث إلى جنة الخلد، والرابع إلى جنة الفردوس، بجميع حوره وولدانه وفرشه وستره وأنهاره وأشجاره، عوض بستان في الدنيا، وله الله شاهد وكفيل.
فهذه بعض مهازل هؤلاء الصوفية التي شابهوا بها سلوك النصارى، بالإضافة إلى الرهبنة والغلو في الدين وفي الرجال، مما جعل تصرفاتهم شبيهة بمهازل الكنيسة وأربابها، فلا شك أن بيع العقارات في الجنة أسلوب معروف عند النصارى.
فالبابا لا يقدر على أن يضمن لأحد الجنة، بل ولا لنفسه، ولا الشيخ عبد الله العيدروس قادر على ضمان الجنة لأحد بل ولا لنفسه.
وقد صح عن النبي ﷺ ما يفيد نهيه عن تزكية الأخ أخاه مجرد المدح فقط، فكيف بالذي يضمن له الجنة؟! (لما توفي عثمان بن مظعون ﵁ وكفن في أثوابه، دخل رسول الله ﷺ ، فقالت أم العلاء الأنصارية: رحمة الله عليك أبا السائب، فشهادتي عليك لقد أكرمك الله، فقال النبي ﷺ : وما يدريك أن الله أكرمه، فقالت: بأبي أنت يا رسول الله فمن يكرمه الله؟ فقال ﵇: أما هو فقد جاءه اليقين، والله إني لأرجو له الخير، والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي، فقالت أم العلاء: فوالله لا أزكي أحداً بعده أبداً).
يقول الله: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ﴾ [الأحقاف:٩]، يعني: في الدنيا، أما في الآخرة فلا شك أن النبي ﵊ مقطوع له بأنه يكون في الجنة.
стр. 1593
عجائب وغرائب وخرافات من كلام الغزالي
стр. 1594
كلامه حول الخلوة والانقطاع من الدنيا
نعرض بعض العجائب من أقوال الغزالي في كتبه، وخاصة كتاب الإحياء.
يقول: وأما حياة الخلوة ففائدتها دفع الشواغل، وضبط السمع والبصر، فإنهما دهليز القلب، وليس يتم ذلك إلا بالخلوة في بيت مظلم، وإن لم يكن له مكان مظلم فليلف رأسه في جيبه، أو يتدثر بكساء أو إزار، ففي مثل هذه الحالة يسمع نداء الحق، ويشاهد جلال الحضرة الربوبية.
واستدل على ذلك بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر:١]، وقوله : ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ [المزمل:١]، فهو ينصح الشخص الذي يدخل في الخلوة بأن يخلو بنفسه في زاوية ويقتصر على الفرائض، ولا يقرن همه بقراءة القرآن، ولا بالتأمل في التفسير، ولا بكتب حديث ولا غيره.
فنقول: ومن أين يأتيه الخير إن كان يعتزل القرآن ويعتزل أحاديث النبي ﵌؟! ويقول أيضاً: واطو الطريق فإنك بالواد المقدس طوى، واستمع بسر قلبك لما يوحى، فلعلك تجد على النار هدى، ولعلك من سرادقات العرش تنادى بما نودي به موسى: إني أنا ربك! ويقول أيضاً: اعلم أن المريد في ابتداء أمره ينبغي أن لا يشغل نفسه بالتزويج، فإن ذلك شغل شاغل يمنعه من السلوك، ويستجره إلى الأنس بالزوجة، ومن أنس بغير الله شغل عن الله، ولا يغرنه كثرة نكاح رسول الله ﷺ ؛ فإنه كان لا يشغل قلبه جميع ما في الدنيا عن الله تعالى، فلا تقاس الملائكة بالحدادين، قال أبو سليمان الداراني: من تزوج فقد ركن إلى الدنيا.
فنقول: أين هذا من قول النبي ﵊: (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج)؟! فهذه دعوة كنسية، ورهبانية ليست من الإسلام في شيء؛ لأنها مناقضة لأصول مقاصد الشريعة العليا.
стр. 1595
كلام الغزالي عما يسمى بالأباجاد
وله في بعض كتبه كلام كانوا يسمونه الترياق، ويسمونه: أباجاد، وهذه الأشياء يتعاطاها المنجمون الذين ينظرون في النجوم، ويعتقدون أن لها تأثيراً على الحوادث الأرضية، وأن معرفة هذه الأشياء لها صلة بالأحوال الفلكية، فكانوا يعملون حوالي تسعة مربعات، ويكتبون أحرفاً ضمن هذه المربعات، فتكون هذه الحروف رموزاً لأرقام محددة، يحصل بواسطته كشف المقادير المخبأة في تلك الأفلاك، يعملون مربعين منقسمين إلى ثلاثة أفلاك، ويعملون في كل مربع تسعة مربعات، فواحد فيه: (ب.
ط.
د.
ز.
ع.
و.
واحد.
ح) وهكذا، حروف ورموز لهؤلاء المنجمين، والغريب أن الغزالي رسمها في بعض كتبه! وذكر أنه من الأسباب ذات الخواص العجيبة والمجربة في معاملة الحامل التي عسر عليها الطلق، ثم قال: يكتب على خرقتين ثم يشدهما لم يصبهما ماء، وتنظر إليهما الحامل بعينها وتضعهما تحت قدميها، فيسرع الولد في الحال إلى الخروج.
وهذه الطريقة شائعة الاستعمال عند اليهود؛ لأنهم أهل خبرة بها.
وقد سئل ابن عباس عن قوم يكتبون أباجاد وينظرون في النجوم، فقال: (ما أرى من فعل ذلك له عند الله من خلاق).
стр. 1596
إثبات الغزالي للمشاهدات والمكاشفات الصوفية
ويقول الغزالي أيضاً: عند أول سلوك طريق التصوف تتبع المشاهدات والمكاشفات، حتى إنهم في يقظتهم يشاهدون الملائكة وأرواح الأنبياء، ويسمعون منهم أصواتاً ويقتبسون منهم فوائد، ثم يترقى الحال من مشاهدة الصور والأمثال إلى درجة يضيق عنها نطاق النطق.
يعني أنه لا يجوز لنا أن نحكيها، إنما هي أسرار وألغاز! مع أنه لا يوجد في الإسلام أسرار ولا ألغاز، يقول الله تعالى لنبيه: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة:٦٧]، وقال ﵊ للصحابة أجمعين في أعظم اجتماع لهم وهو حجة الوداع: (ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد ألا إنكم مسئولون عني فبماذا تجيبون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت)، فهل بعد ذلك يشك شاك أن الرسول ﵇ خص بعض الناس بعلوم وخبأها عن الآخرين؟ هذه أيضاً من مهازل هذا الفكر الصوفي الخبيث.
يقول: ثم يترقى الحال من مشاهدة الصور والأمثال إلى درجة يضيق عنها نطاق النطق، فلا يحاول معبر أن يعبر عنها إلا اشتمل لفظه على خطأ صريح لا يمكنه الاحتراز عنه.
وعلى الجملة ينتهي الأمر إلى قرب يكاد يتخيل منه طائفة الحلول، وطائفة الاتحاد، وطائفة الوصول، وكل ذلك خطأ، بل الذي لابسته تلك الحالة لا يزيد على أن يقول: وكان ما كان مما لست أذكره فظن خيراً ولا تسأل عن الخبر يحيلك على مذهلات، (وكان ما كان مما لست أذكره) أي حصلت أشياء لا أستطيع أن أحكيها، فهي أسرار، كما لو سرحت في مقامات الفناء ونحو ذلك مما يذكرونه، ومثل هذه الكلمات التي لا ينطقون بها، فإذا نطقوا بها كانت قرينة الكفر، والتي يذكر الغزالي بأنه لا أحد يحاول أن يفسر هذه الأشياء أو يعبر عنها، مثل قول بعضهم: سبحاني ما أعظم شأني! وقول الحلاج: ما في الجبة إلا الله! وقول الآخر: أنا الحق وما في الدارين غيري! ونحو ذلك من تعبيراتهم الكفرية.
стр. 1597
كلام الغزالي حول إسقاط الجاه عند الناس
يلفت الغزالي في مواضع من كتابه إلى وسيلة إسقاط الجاه، فيقول: إن الجاه نوع من الكرب للإنسان، ولذلك يستحسن بعض الناس أن يعملوا تصرفات حتى يسقط جاههم في قلوب الناس.
ويقول: فإسقاط الجاه عن قلوب الخلق بمباشرة أفعال يلام عليها حتى يسقط من أعين الخلق.
وهذا مذهب الملامتية، والملامتية الشخص الذي لا يظهر في ظاهره ما في باطنه، وهذا عند الصوفية من أعظم الناس إخلاصاً لله ؛ لأنه يخفي على الناس صلاحه وتقواه ويظهر خلاف الحقيقة.
يقول: إذ اقتحموا الفواحش في صورتها ليسقطوا أنفسهم من أعين الناس؛ ليسلموا من آفة الجاه.
أي: من أجل أن يتخلص من مسألة الجاه، فإن الناس يحترمونه لأنه رجل صالح وتقي، فيقول: أريد أن أزيل عني هذه الشبهة، وحتى لا أطلب الجاه بقلوب الناس، فيأتي ببعض التصرفات كأن يظهر أنه مجنون مثلاً، ويجعل الصبيان يضربونه بالحجارة، أو يجلس على مزبلة، أو في مكان قذر بحيث يمتلئ بالقمل والقاذورات، يقول الغزالي: فمنهم من شرب شراباً حلالاً في قدح لونه لون الخمر، حتى يظن أنه يشرب الخمر فيسقط في أعين الناس! وأقول: هل هذه مفاهيم إسلامية؟ أن توقع نفسك في مواقع الشبهة ومواقع التهمة؟! ومما يحكى أن بعضهم عرف بالزهد وأقبل الناس عليه ووصفوه بالزهد، والرجل عابد ومجتهد في العبادة، فدخل حماماً عاماً ولبس ثياب غيره -سرق ملابس غيره- وخرج، فوقف في الطريق حتى عرفوه، من أجل أن يكتشفوا أن هناك ملابس سرقت فيبحثون عن الذي سرقها، فيجدون أنه هو الذي سرقها، فأخذوه وضربوه واستردوا منه الثياب، وفي هذه الحالة اطمأن أنه لم يعد متهماً بالصلاح، طالما أنه سيتهم بالفسق.
أيضاً يقول عن بعضهم: إنه كان يعالج قوة الغضب، ويتكلف صفة الحلم، فكان يعطي السفهاء أجرة ليزدروه بالشتم في المحافل فيتعود احتمالهم.
يعني أنه يريد أن يمرن نفسه على أن يشتم أو يهان من أجل أن يعالج صفة الغضب في نفسه! فيعطي بعض السفهاء أموالاً من أجل أن يشتموه في المحافل أمام الناس، ويصبر هو على ذلك الشتم تدريباً لنفسه، فصار بحيث يضرب به المثل في الحلم! وآخر عالج حب المال بأن باع كل ماله، ورمى بثمنه في البحر.
هذا يريد أن يعالج فتنة المال، فباع كل ما يملك من أموال وأخذ ثمنها وألقاه في البحر!! أليست هذه سفاهة؟! سبحان الله! وهذا مثل عباد الهند، يقول الغزالي: وعباد الهند يعالجون الكسل عن العبادة بالقيام طول ليلة على رجل واحدة لا ينتقل عنها.
وحكى عن الشبلي أنه عالج البخل بأن قام ورمى أمواله في دجلة، وقال: ما أعزك أحد إلا أذله الله ! وعقب الغزالي على فعل الشبلي بقوله: فكذلك الذي يريد علاج البخل ينبغي أن يفارق المال تكلفاً بأن يبذله، بل لو رماه في الماء كان أولى به من إمساكه إياه مع الحب له! كيف سيكون جوابه أمام الله إذا سأله عن ماله من أين اكتسبه وفي أي شيء أنفقه؟ لماذا لا يحرص على أن يطعم الفقراء والجياع بهذا المال، أو يعد للغزو والجهاد في سبيل الله؟ وسوف يعالج البخل، وفي نفس الوقت ينفع بهذا المال غيره.
стр. 1598
قول الغزالي إن من أولياء الله من تزوره الكعبة وتطوف به
أيضاً يقول الغزالي في الإحياء: إن من أولياء الله من تزوره الكعبة وتطوف به! أيها الإخوة! هذه الخرافات الصوفية هي فعلاً أفيون الشعوب، تجد الحكام الظلمة والطواغيت أعداء الإسلام لا يجدون مطية أحسن من الصوفية يركبونها للعبور على الإسلام والإجهاز عليه، حتى إن هناك كتاباً ألفه رجل أمريكي اسمه: (القناطر التي نعبر عليها حتى نجهز على الإسلام) وكل الكتاب يتكلم على أن الصوفية هي أعظم مطية نستطيع أن نركبها لنقضي على الإسلام.
فإذا كان الغزالي يقول: إن الكعبة تروح إلى بعض الناس وتطوف بهم، فلا نستبعد ما حكي عن رابعة أنها نذرت هي وآخر أن يحجوا إلى الكعبة، فالرجل نذر أن يذهب زاحفاً على بطنه، وهي نذرت أن تمشي خطوة وتركع ركعتين وهكذا حتى تصل، وكل واحد وفى بنذره، فوصل الرجل إلى الكعبة قبلها، فحينما وصل لم يلق الكعبة في الحرم، فقال: أين الكعبة؟ قالوا: ذهبت تستقبل رابعة! والله المستعان!
стр. 1599
قول الغزالي بأنه يجوز للصوفي تمزيق ثيابه عند السماع
يقول أيضاً: يجوز للصوفي تمزيق الثياب الجديدة.
وهذا عندما يسمع الإنشاد الصوفي ويحصل الانفعال والوجد، ونحو هذه الأشياء من الفناء، فيجوز له تمزيق الثياب الجديدة إذا قطعها قطعاً مربعة، يعني إذا أراد أن يقطع ثيابه فلا يقطعها قطعاً عشوائية، بل يقطعها على هيئة معينة فيجوز له ذلك.
وكيف تحصل هذه الهيئة؟ يقول: يجوز للصوفي تمزيق الثياب الجديدة إذا قطعها قطعاً مربعة مربعة تصلح لترقيع الثياب والسجادات، فإن الثوب يمزق حتى يخاط منه القميص ولا يكون تضييعاً.
يعلق الإمام ابن الجوزي على ذلك قائلاً: ولقد عجبت من هذا الرجل كيف سلبه حب مذهب التصوف عن أصول الفقه ومذهب الشافعي! وليس العجب من تلبيس إبليس على الجهال فيهم، بل الفقهاء الذين اختاروا بدع الصوفية على حكم أبي حنيفة والشافعي ومالك وأحمد رضوان الله عليهم أجمعين.
стр. 1600
قول الغزالي بأن صلاة المنفرد أفضل من الجماعة إذا كان خشوعه يزيد بانفراده
أيضاً من ذلك: فتوى الغزالي بأن صلاة المنفرد أولى من صلاة الجماعة إن كان خشوعه يزيد بانفراده، وقد أنكر الإمام السبكي هذه الفتوى على الغزالي رغم أنه متعصب للغزالي، وقال: ولا تترك سنة رسول الله ﷺ التي أفتى البعض بأنها فرض -صلاة الجماعة- وجعلها آخرون شرطاً لصحة الصلاة لمثل هذه الخيالات.
أيضاً من هذه العجائب: أنه استحسن ابتداء قص الأظفار بالسبابة؛ لأن لها الفضل على بقية الأصابع، ولكونها المسبحة.
стр. 1601
قول الغزالي بأفضلية السماع على القرآن
أيضاً من عجائب ما قاله الغزالي: قوله بأفضلية السماع -سماع الغناء- على القرآن لقلب المبتدئ.
يقول: فإن سأل سائل: إن كان سماع القرآن مفيداً بالوجد فما بالهم يجتمعون على سماع الغناء من القوالين دون القارئين؟ قال الغزالي: فاعلم أن السماع أشد تهييجاً للوجد من القرآن من سبعة أوجه.
ثم ذكر الوجه الأول: أن جميع آيات القرآن لا تناسب حال المستمع، وأن القرآن محفوظ للأكثرين ومتكرر على الأسماع والقلوب.
وأطال في ذكر الأوجه إلى أن ختم بالوجه السابع فقال فيه: السابع: أن القرآن كلام الله وصفة من صفاته، وهو حق لا تطيقه البشرية؛ لأنه غير مخلوق، فلا تطيقه الصفات المخلوقة، والألحان الطيبة مناسبة للطباع، فنسبتها نسبة الحظوظ لا نسبة الحقوق، فما دامت البشرية باقية، ونحن بصفاتنا وحظوظنا نتنعم بالنغمات الشجية والأصوات الطيبة، فانبساطنا لمشاهدة بقاء هذه الحظوظ إلى التصاعد أولى من انبساطنا إلى كلام الله تعالى الذي هو صفته وكلامه الذي منه بدأ وإليه يعود.
وهذا كلام عجيب! فهل مجرد وجود التلذذ بهذه الأنغام والتمتع يبيح الفعل؟! إذاً لماذا لا نستحل كثيراً من المحرمات التي فيها مثل هذا التلذذ؟! ثم يحكي الغزالي قصة رجل فيقول: وقد حكي عن أبي الحسن الدراج أنه قال: قصدت يوسف بن الحسين الرازي من بغداد للزيارة والسلام عليه، فلما دخلت الري كنت أسأل عنه، فكل من سألته عنه قال: أيش تعمل بذلك الزنديق؟ قال أبو الحسن: فلم أسأل عنه حتى دخلت عليه في مسجده، وهو قاعد في المحراب، وبين يديه رجل وبيده مصحف يقرأ، فإذا هو شيخ بهي حسن الوجه واللحية، فسلمت عليه، فأقبل علي وقال لي: أتحسن أن تقول شيئاً؟ فقلت: نعم، قال: هات، قال: فأنشأت أقول: رأيتك تبني دائماً في قطيعتي ولو كنت ذا حزم لهدمت ما تبني كأني بكم والليت أفضل قولكم ألا ليتنا كنا إذ الليت لا يغني فأطبق المصحف ولم يزل يبكي حتى ابتلت لحيته، وابتل ثوبه، حتى رحمته من كثرة بكائه، ثم قال: يا بني! تلوم أهل الري يقولون: يوسف زنديق! هأنا من صلاة الغداة أقرأ المصحف لم تقطر من عيني قطرة، وقد قامت القيامة علي لهذين البيتين.
أي: أنك استغربت من الناس الذي كنت تسألهم في الطريق وكلما تسأل واحداً: أين فلان؟ فيقول لك: الزنديق ماذا تريد منه؟! يقول: كيف تستغرب من ذلك وأنا جالس أقرأ القرآن من صلاة الفجر إلى هذا الوقت وعيني لم تقطر منها قطرة، وقد قامت علي القيامة بسماع هذين البيتين من الشعر! ويعلق الغزالي على هذه القصة بقوله: فإذاً القلوب وإن كانت محترقة في حب الله تعالى، فإن البيت الغريب يهيج منها ما لا تهيج تلاوة القرآن! ويستدل الغزالي على إباحة السماع الصوفي بقوله تعالى: ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ [فاطر:١] فيقول: إنه الصوت الحسن.
стр. 1602
تجويز الغزالي للرقص عند التواجد بالسماع
الصوفية ليس لهم سلاح غير المنامات والخيالات والأوهام، كما يقول بعض السلف: أعوذ بالله من فكر الفلسفي وخيال الصوفي، فالفلسفة فكر منحرف، والصوفية خيال وأوهام وأساطير وخرافات، يروي الغزالي عن الدنوري قوله: رأيت النبي ﷺ في النوم فقلت له: يا رسول الله! هل تنكر من هذا السماع شيئاً؟ فقال: لا أنكر منه شيئاً، ولكن قل لهم يفتتحون قبله بالقرآن ويختتمون بعده بالقرآن.
لا حول ولا قوة إلا بالله! مثل التلفزيون فعلاً.
أيضاً: يقول الغزالي في ذكر آداب السماع: الأدب الخامس في السماع: موافقة القوم.
يعني تتأدب مع الناس الذين تسمع معهم الإنشاد الصوفي، فإذا جاء واحد منهم وأصابته المواجيد وانفعل وقام يرقص، فقم واشترك معه في الرقص؛ لأن هذا من حسن العشرة وحقوق الأخوة.
يقول: موافقة القوم في القيام إذا قام واحد منهم في وجد صادق من غير رياء وتكلف، كذلك إن جرت عادة طائفة بتنحية العمامة على موافقة صاحب الوجد إذا سقطت عمامته.
يعني إذا سقطت عمامة أحدهم لأجل الوجد فعليك أن توافقه أيضاً وتنحي عمامتك.
يقول: كذلك إن جرت عادة طائفة بتنحية العمامة على موافقة صاحب الوجد إذا سقطت عمامته، أو خلع الثياب إذا سقط عنه الثوب بالتمزيق، فالموافقة في هذه الأمور من حسن الصحبة والمعاشرة.
وهذا مذكور في الإحياء (٢/ ٣٠٤ - ٣٠٥).
يقول: ومن الأدب أن لا يقوم للرقص مع القوم إن كان يستثقل رقصه، ولا يشوش عليهم أحوالهم، إذ الرقص من غير إظهار التواجد مباح.
أقول: لقد ذكر ربنا أن الرقص والطبل والتصفيق هذه من أفعال المشركين: ﴿وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال:٣٥] قال ابن عباس: كانت قريش تطوف بالبيت عراة تصفر وتصفق.
فالتصفيق عند الصوفية من جملة الآداب التي يؤدونها في خلواتهم.
فأي دين هذا؟! يقول بعض الشعراء: أقال الله حين عشقتموه كلوا أكل البهائم وارقصوا لي؟! ما قال الله ذلك وما أحل الله ذلك.
стр. 1603
الجنة ونعيمها وأهلها عند الغزالي
أخيراً: نختم برأي الغزالي ﵀ وعفا عنه في الجنة وأهلها.
فيرى الغزالي أن للعارفين مقاماً يجاوز مقام الجنة، أي أن العارفين لهم مقام أعلى من مجرد الدخول إلى الجنة، وهو مقام مجالسة الرحمن الدائمة.
هذا المقام لا يناله عموم الناس وهم عوامهم، وإنما هو لخواص الناس من العارفين.
وكل هذا الانحراف سره اعتماده على أثر ضعيف من الآثار السيئة والأحاديث الضعيفة، حديث ضعيف يقول: (أكثر أهل الجنة البله، وعليون لذوي الألباب)، كان الناس إذا رأوا رجلاً معتوهاً فيقولون: هذا ولي من أولياء الله، وبمجرد أن يموت يبنون على قبره قبة، ويقولون للناس: إن هذا من أولياء الله، وأنتم لا تعرفون ذلك، هؤلاء لهم أسرار وكذا وكذا، ويفترون على رسول الله ﷺ أنه يقول: (أكثر أهل الجنة البله، وعليون لذوي الألباب)، ومن هنا يستطيع الإنسان أن يتصور إلى أي مدى تعتبر الصوفية خطراً على الإسلام ومفاهيم الإسلام.
يقول الغزالي: فمن كان حبه في الدنيا رجاء نعيم الجنة والحور العين، مكن من الجنة يتبوأ منها حيث يشاء، فيلعب مع الولدان ويتمتع بالنساء، فهناك تنتهي لذته في الآخرة، فالأبرار يرتعون في البساتين وينعمون في الجنان مع الحور العين والولدان، والمقربون ملازمون للحضرة عاكفون بطرفهم عليها، يستحقرون نعيم الجنان بالإضافة إلى ذرة منها، فقوم بقضاء شهوة البطن والفرج مشغولون وللمجالسة قوم آخرون، ولذلك قال رسول الله ﷺ : (أكثر أهل الجنة البله).
والحديث -كما سبق- ضعيف.
أرونا إثبات رؤية الله في الآخرة؟ أين مرتبة إثبات رؤية الله في الآخرة لأهل الجنة؟ التي يدافع عنها الغزالي ويرد على المعتزلة في تفسير قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٣]، فأهل الجنة يرون ربهم؛ لأن الإنسان بدن وروح، فنعيم البدن نعيم حسي، ونعيم الروح هو أعظم هذا النعيم، وهو الذي يأخذ كل لذات الجنة وهو رؤية الله في الآخرة، فليس هناك تعارض أن يتم النعيم لهم من كل الوجوه، وأن يكون أرقى وأعظم هذه المقاصد هو رؤية الرب في الآخرة؛ فهو يقول: إن تناولهم لشهوات البطون والفروج يلهيهم عن إبصار جمال الله وجلاله الذي هو خاص بالمقربين فهذه الآية لها هذا الكلام، وهو يعلم عقيدة أهل السنة في إثبات رؤية الله في الآخرة، خاصة وأنه أطال في الرد على المعتزلة في إنكارهم الرؤية.
يقول الغزالي: وأما العارف إذا انفتح له ثمانية أبواب من أبواب جنة المعارف، يعني أن هناك جنتين: جنة البله وجنة المعارف، وجنة المعارف لها ثمانية أبواب غير أبواب الجنة الثمانية.
فيقول: وأما العارف إذا انفتح له ثمانية أبواب من أبواب جنة المعارف، واعتكف فيها، لم يلتفت أصلاً إلى جنة البله، وإياك أن تستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير فتكون من جملة البله.
إذاً: البله هم الذين يريدون النجاة الفوز بالجنة والنجاة من النار.
يقول: ولا تظن أن روح العارف من الانشراح في رياض المعرفة وبساتينها، أقل من روح من يدخل الجنة التي يعرفها ويقضي فيها شهوة البطن والفرج، وأنى يتساويان! بل لا ينكر أن يكون في العارفين من رغبته في فتح أبواب المعارف لينظر في ملكوت السماء والأرض أكثر من رغبته في المنكوح والمأكول والملبوس.
وخلاصة الكلام يقول: فإن كنت ترى مشاركة البهائم لذاتها، أحق بالطلب من مساهمة الملائكة في فرحهم وسرورهم بمطالعة جمال حضرة الربوبية، فما أشد غيك وجهلك وغباوتك.
يقول: اعلم أن هذه الشهوة خلقت في العارفين ولم تخلق لك، كما خلقت لك شهوة الجاه ولم تخلق للصبيان، وإنما للصبيان شهوة اللعب.
فأقول: أين هذا الكلام من سلوك الأنبياء؟ لماذا لا ننضبط بضوابط الكتاب والسنة؟ أليس إبراهيم ﵇ خليل الرحمن وأبو الأنبياء يدعو الله ويقول: ﴿وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ [الشعراء:٨٥]؟ والأنبياء كلهم كانوا يطلبون الجنة، فالصوفية اخترعوا مفاهيم أجنبية عن الإسلام، يحكون عن رابعة العدوية أنها مشت وفي يدها اليمين ماء وفي يدها الشمال نار، فقالوا: أين تذهبين يا رابعة؟ قالت: أنا ذاهبة إلى الجنة والنار، سوف أطفئ النار بهذا الماء، وأحرق الجنة بهذه النيران، حتى أفني الجنة والنار، حتى لا يعبده الناس خوفاً من ناره ولا طمعاً في جنته، ولكن حباً فيه! فهذه المفاهيم أجنبية، مفاهيم دخيلة على دين الإسلام، وليست من الإسلام في شيء، فهم يقتبسون تارة من النصارى والرهبان، وتارة من اليهود، وتارة من البراهمة والهنادسة والوثنيين، فهذه الأشياء كلها من الفلاسفة، ومن المتكلمين، ومن الباطنية الملاحدة وهكذا، فدين الصوفية دين أجنبي عن دين الإسلام! الرسول ﵇ رغبنا في أن ندعو الله : (اللهم آت محمداً الوسيلة والفضيلة) إلى آخر الحديث، والوسيلة ذكر ﵊ أن الوسيلة منزلة في الجنة، ورغب أمته في أن يدعوا الله أن يكون هو صاحب هذه المنزلة ﵌.
إذاً: هذا رسول الله ﵊ أفضل البشر، أحوجهم لله وأحبهم لله، ومع ذلك كان يسأل الله الجنة، وقد ورد في الحديث: أن مريم وفاطمة ﵄ من سيدات نساء العالمين، و: الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، وورد أن أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً وطلحة والزبير وسعد بن مالك وعبد الرحمن بن عوف مشهود لهم بالجنة، وبشر الله أهل بدر بالجنة، وكذلك وعد بالجنة الذين بايعوا تحت الشجرة، وأي الوعدين أعظم: وعد الله لهؤلاء الأفاضل الكرام بالجنة، أم وعد الغزالي نفسه والصوفية بجنة المعرفة التي يعظمونها بجانب جنة الخلد التي وعد المتقون؟ أي قيمة تحصل لهذا الوعد الإلهي إذا كانت هذه الجنة مخصوصة بالبله الذين ليس لهم هَمٌّ إلا الأكل والتمتع، وأنهم يشابهون الأنعام كما يرمز الغزالي إلى ذلك؟ فمتاع الجنة عند الغزالي بهذه النظرة الصوفية مثل متاع الدنيا ينبغي أن يزهد فيه.
يقول بعض السلف: يا معشر الشباب! أكثروا من ذكر الحور العين حتى تتشوقوا إلى الجنة! فالشريعة تأمر بالحرص على متاع الجنة سواء في ذلك المتاع الحسي والمتاع الروحي، وهؤلاء الصوفية يوافقون الشريعة في الزهد في الدنيا، لكنهم يخالفونها في أنهم يطالبوننا بالزهد في فضل الله ورحمته في الجنة.
فهذه مناقضة للشريعة، وهذا فهم دخيل وأجنبي عما بعث الله به رسله.
يقول الغزالي حاكياً عن ممشاد الدينوري قال: منذ ثلاثين سنة تعرض علي الجنة بملكها فما أعرتها طرفي! يعني: احتقاراً للجنة وزهداً فيها.
ويقول أيضاً: روي عن إبراهيم بن أدهم أنه قال: إلهي إنك تعلم أن الجنة لا تزن عندي جناح بعوضة في جنب ما أكرمتني من محبتك وآنستني من ذكرك.
وهكذا يأتون بعد تلك العبارة بكلام حسن من أجل أن تتقبلها وتشرب السم في العسل، وهذا كما يحكون عن رابعة العدوية أنهم قالوا لها: يا رابعة! هل تحبين رسول الله ﷺ ؟ قالت: والله إني لأحبه غير أن حبي لله لم يبق في قلبي مكاناً لحب مخلوق سواه! وهل تتعارض محبة رسول الله مع محبة الله؟ وهذا الكلام لا يصح عنها رحمها الله، لكن هذا الكلام معتمد عند الصوفية ويبنون عليه دينهم.
وقيل أيضاً لـ رابعة العدوية: ألا تسألين الله الجنة؟ فقالت: الجار ثم الدار.
تقصد مجاورة الله أولاً ثم بعد ذلك تسأله الجنة.
وروي عن بعضهم قوله: من عبد الله لعوض فهو لئيم! سبحان الله! أي معارضة للقرآن والسنة مثل هذه التي تعرض في ثوب الزهد والتصوف؟! وكل هذه الأشياء موجودة في كتب الغزالي.
стр. 1604
انحراف الصوفية في العبادة والمحبة
أيضاً: انحرف الصوفية بمزيد من الشطحات والانحرافات، حيث صرفهم الشيطان عن طلب أعظم ما وعد الله به عباده بدعوى المحبة والإخلاص في التعبد، فيقولون: نعبد ربنا حباً فيه فقط، لكن لا نعبده خوفاً من ناره ولا طمعاً في جنته! فاختلت عندهم الموازين، وظنوا أن الرجاء والخوف من الله يخل بالعبودية الصحيحة.
يقول أبو يزيد البسطامي: ما النار؟ لا أفهمها، لأستندن عليها غداً وأقول: اجعلني فداء لأهلها وإلا بلعتها! أستغفر الله أستغفر الله! ويقول: ما الجنة؟ لعبة صبيان ومراد أهل الدنيا.
ولا يكتفي بتحقير ما عظمه الله ؛ بل لما سأله أحدهم أن يحدثه بشيء من كراماته قال له: أدخلني الله في الفلك الأسفل، فدورني في الملكوت السفلي وأراني الأرضين وما تحتها إلى الثرى، ثم أدخلني في الفلك العلوي فصوت لي في السماوات وأراني ما فيها من الجنان إلى العرش، ثم أوقفني بين يديه فقال: سلني أي شيء رأيته حتى أهبه لك، فقلت: يا سيدي ما رأيت شيئاً فأسألك إياه! كل هذا لم يعجبه شيء منه والله المستعان، وهذه كلها موجودة عند الغزالي تحت فصل: حكايات المحبين، أي: الذين لا يعبدون الله خوفاً من النار ولا طمعاً في الجنة؛ لكن حباً فيه.
وهذا التصرف من الصوفية جعل من بعدهم يبنون على هذه المفاهيم الاستخفاف والاستهانة بالنار وبعذابها، حتى إنهم قالوا: إن عذاب النار مشتق من العذوبة، فيقول ابن عربي في حق أهل النار: وإن دخلوا دار الشقاء فإنهم على لذة فيها نعيم مباين نعيم جنان الخلد فالأمر واحد وبينهما عند التجلي تباين يسمى عذاباً من عذوبة لفظه وذاك له كالقشر والقشر صاين وهذا الملحد ابن عربي يفسر قوله : ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الأحقاف:٢٤]، فيقول: (عذاب) هنا مشتقة من العذوبة والريح من الراحة، ﴿رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الأحقاف:٢٤] يقول: إن الريح هاهنا إشارة إلى ما فيها من الراحة، فإن بهذه الريح أراحهم الله من هذه الهياكل المظلمة.
وهذه درجة أحط من درجة احتقار الجنة والنار، فالصوفية الأوائل بنوا المذهب على أن تعبد الله حباً فيه -وهذه زندقة- لا خوفاً من ناره ولا طمعاً في جنته؛ فأتى ابن عربي فيما بعد وأسس المذهب الأحط من هذا، وهو أن عذاب النار في ذاته نعيم وراحة وعذوبة.
يقول: وفي هذه الريح عذاب، أي: أمر يستعذبونه إذا ذاقوه، ويسألون الله أن يذيقهم هذه العذوبة، ولما قرأ البعض كلام ابن عربي قال: الله يذيقكم هذه العذوبة، يقصد هؤلاء الصوفية.
وقد قال الحلاج قبل ابن عربي: أريدك لا أريدك للثواب ولكني أريدك للعقاب فاستجاب الله له فمات مصلوباً، ﴿وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ [طه:١٢٧].
ولا شك أن هذه التصرفات إنما نشأت بسبب أنهم لا يعبدون الله طمعاً في جنته ولا خوفاً من ناره، لكن يزعمون المحبة، وكما قال بعض السلف الصالح -وهذا محكي عن مكحول الدمشقي -: من عبد الله بالخوف فهو حروري -أي مثل الخوارج- ومن عبده بالرجاء فهو مرجئي أو مرجئ، ومن عبده بالمحبة فهو زنديق، ومن عبده بالخوف والرجاء والمحبة فهو مؤمن موحد.
نسأل الله أن يجعلنا من هؤلاء الموحدين.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.
стр. 1605
حجية السنة ومنزلتها من القرآن
لقد أنزل الله على نبيه القرآن، وجعله معجزاً في البلاغة والفصاحة والحجة والبرهان، وأنزل على نبيه وحياً مرادفاً لوحي القرآن، وهو السنة المطهرة التي خرجت من لسان من لا ينطق عن الهوى، فجاءت السنة مبيِّنة لمجمله، ومفصِّلة لمحكمه، ومقيِّدة لمطلقه، ومخصصِّة لعمومه، وناسخة لبعض أحكامه، وبعضها جاء بإثبات حكم مستقل، وهناك توجد دعوات ضالة تدعو إلى ترك السنة وعدم الاحتجاج بها، وقد رد عليها العلماء، وبينوا ضلالها.
стр. 1606
وجوب طاعة الرسول ﷺ
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: فقد انتهينا في تفسير سورة محمد ﵌ إلى قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٣]، وقال الله أيضاً: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩].
وقوله: (وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ) فيه إشارة إلى أن طاعة أولي الأمر مقيدة بطاعة الله ورسوله ﷺ ، وليست طاعة مستقلة، وفي ذلك أيضاً إثبات لحجية السنة النبوية كمصدر مهم من مصادر التشريع.
فهذه الآية تصلح عنواناً لمبحث مهم نحتاجه بين الفينة والفينة، وهو إثبات حجية سنة النبي ﵌.
وقد قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: إن الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه بعث محمداً ﷺ بالهدى ودين الحق، ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، وأنزل عليه كتابه الهدى والنور لمن اتبعه، وجعل رسوله الدال على ما أراد من ظاهره وباطنه، وخاصه وعامه، وناسخه ومنسوخه، وما قصد له الكتاب، فكان رسول الله ﷺ هو المعبر عن كتاب الله الدال على معانيه، شاهده في ذلك أصحابه الذين ارتضاهم الله لنبيه، واصطفاهم له، ونقلوا ذلك عنه، فكانوا هم أعلم الناس برسول الله ﷺ ، وبما أراد الله من كتابه بمشاهدتهم، وما قصد له الكتاب، فكانوا هم المعبرين عن ذلك بعد رسول الله ﵌.
انتهى كلام الإمام أحمد رحمه الله تعالى.
وقال جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما في أثناء حكايته لحجة الوداع: فنظرت إلى مد بصري من بين يديه من راكب وماشٍ، وعن يمينه مثل ذلك، وعن يساره مثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك، ورسول الله ﷺ بين أظهرنا، وعليه ينزل القرآن، وهو يعرف تأويله، وما عمل به من شيء عملنا به.
стр. 1607
الأدلة القرآنية على حجية السنة النبوية
حجية السنة النبوية ضرورة دينية، ولاشك أن هذا أمر كان ومن في قلبه ذرة من إيمان في غنى عن بيان أدلته؛ لكن لا بأس أن نبين هذه الأدلة، لقطع شبه الملاحدة, ودابر الزنادقة الذين يريدون الكيد بالإسلام، والعبث بعقول الدعاة من المسلمين وراء ستار البحث عن الحقيقة، أو الحرية الفكرية المزعومة التي تجاوزت حدها وطغت في هذا العصر.
стр. 1608
عصمة النبي ﷺ
فمن أول أدلة حجية السنة: عصمة النبي ﵌.
فقد انعقد الإجماع على أن رسول الله ﷺ وسائر الأنبياء معصومون عن أي شيء يخل بالتبليغ، ككتمان الرسالة، والكذب في دعواها، والجهل بأي حكم نزل عليهم أو الشك فيه، والتقصير في تبليغه.
وهم كذلك معصومون من أن يتصور الشيطان لهم في صورة الملك، ومعصومون من أن يلبس عليهم في الرسالة، ومعصومون من أن يتسلط على خواطرهم بالوساوس، ومعصومون من تعمد الكذب في أي خبر أخبروا به عن الله ﵎، وتعمد بيان أي حكم شرعي على خلاف ما أنزل الله عليهم، سواء كان ذلك البيان بالقول أم بالفعل، والمعجزات التي أظهرها الله على أيدي الأنبياء ﵈ تقوم مقام قوله تعالى: صدق رسلي في كل ما يبلغونه عني؛ لأن الله قادر على أن يخاطب كل واحد من بني آدم خطاباً مباشراً، ويقول له: إن محمداً ﵊ رسولي، فاتبعه وآمن بما جاء به.
لكن هذا -مع عدم إمكان وقوعه في الدنيا لأحد- فإنه يقتضي أن يصبح الإيمان عن طريق الإجبار والإكراه، لكن الله بعث رسله وأيدهم بالمعجزات، وهذه المعجزات تقوم مقام قول الله للبشر: صدق رسولي فيما يبلغه عني، فآمنوا به واتبعوه.
فالله أيدهم بالمعجزات التي لا يمكن أن تكون لأحد من البشر ولا تجري إلا على يد من أيده الله بها وخرق العادة على يده.
فإذا جاز على الأنبياء أي شيء مما يخل بالتبليغ، إذاً لأدى ذلك إلى إبطال دلالة المعجزات على النبوة، وهذا مخالف، يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة:٤٤ - ٤٧].
ثم بعد هذا شهد الله له ﵊ بالبلاغ والصدق، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى:٥٢] إلى آخر الآيات.
وقال ﵎: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم:١ - ٣].
فهو معصوم من أن ينطق بالهوى على الإطلاق، ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٤]، فلذلك إذا استعملت قوله: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم:٣] فهذا أبلغ من أن يقال: (وما ينطق بالهوى)؛ لأن استعمال حرف (عن) فيه تنبيه على مصدر كلامه ﵌.
أما في آخر حياته ﵊ فقد أوحى الله إليه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]، وقال ﷺ : (ما تركت شيئاً مما أمركم الله به إلا وقد أمرتكم به، ولم أترك شيئاً مما نهاكم الله عنه إلا وقد نهيتكم عنه).
وأيضاً: الرسل معصومون من السهو والغلط في هذا التبليغ على الصحيح، والذين جوزوا مثل ذلك أجمعوا على حصول التنبيه فوراً من الله ، وعدم التقرير عليه، هذا كله يستلزم أن أي خبر أخبر به النبي ﵊، وأقره الله عليه، صادق قطعاً ومطابق لما عند الله من الحكم فيجب التمسك به بالإجماع.
فبهذا تثبت حجية قول النبي ﵊ في القرآن إن هذا كلام الله؛ لأنه معصوم كما ذكرنا، وتثبت أيضاً حجية قول النبي ﵊ في الأحاديث القدسية، قال الله أو قال رب العزة كذا وكذا لأنه معصوم من السهو والخطأ في التبليغ، ومن أن يوسوس له الشيطان أو أن يلبس عليه، ومن أن يكذب على الله، ومن أن يقصر في التبليغ، فهو معصوم من كل هذه الأشياء لسبب، وهو: أن أقواله وأفعاله حجة ﵌.
وبهذه العصمة تثبت حجية قوله ﷺ : (ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه)، لأنه خبر معصوم فيكون حجة دالة على أن الوحي قسمان: كتاب، وغير كتاب، الكتاب: هو المعجز المتعبد بتلاوته وهو القرآن الكريم، وغير الكتاب ما ليس كذلك، وهو قسمان: الحديث القدسي، والحديث النبوي.
فإذا كان كل ذلك من عند الله كان الكل حجة قائمة على الخلق إلى يوم الدين.
وبعصمته ﷺ عن الكذب في التبليغ تثبت حجية قوله ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات)، وقوله مثلاً: (بني الإسلام على خمس)، وقوله: (ما حرم رسول الله ﷺ كما حرم الله)، وقوله: (صلوا كما رأيتموني أصلي)، وقوله ﷺ : (خذوا عني منا سككم)، وقوله: (فعليكم بسنتي)، وبهذا تثبت حجية جميع أنواع السنة من قول أو فعل أو تقرير، قال ﵊: (تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا أبداً: كتاب الله وسنتي).
فهذا الخبر صادر عن معصوم من الكذب، ومن الخطأ في التبليغ، فهذا يدل على أنه لا يمكن أن يكون الضلال في التمسك بالسنة، وإنما الضلال في تركها، والعمل بما يخالفها، فلا يمكن أن يأمن الإنسان من الضلال إلا إذا أخذ بالقرآن والسنة معاً.
أما الضالون المبتدعون ممن يسمون أنفسهم بالقرآنيين، فهؤلاء غير معصومين من الضلال؛ لأن الأمان من الضلال معلق على أمرين، لا على أمر واحد، وهما: (تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا أبداً كتاب الله وسنتي).
стр. 1609
تقرير الله للصحابة على استمساكهم بالسنة
أما الدليل الثاني فهو: أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم تمسكوا بالسنة في عصر النبي ﷺ الذي هو عصر الوحي، وقد أقرهم الله على ذلك.
فقد ثبت أنه ﷺ كان يحث أمته على التمسك بسنته، ويحذرهم من مخالفتها، وكان الصحابة رضي الله تعالى عنهم يمتثلون أمره في ذلك، ويقتدون به، ويتبعونه في جميع أقواله وأفعاله، وتقريراته، ويعتبرون أن كل ما يصدر منه فهو حجة يلزمهم اتباعها.
وقد كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم أفضل من كل من أتى بعدهم من العلماء والأئمة والمجتهدين، وكانوا أقدر على الاجتهاد واستنباط الأحكام من الكتاب، ومع ذلك فكانوا لا يستقلون بالفهم منه فيما ينزل بهم من الحوادث، بل كانوا يرجعون إليه ﷺ في كل ما يطرأ من أحوال.
حتى إنهم إذا اجتهدوا في حال غيابه عنهم ﵌ سألوه عند حضوره، فإن أقرهم وإلا رجعوا عن اجتهادهم.
فحث النبي ﷺ الصحابة على اتباع السنة، وتحذيرهم من مخالفتها، ثم اتباع الصحابة للسنة، وتمسكهم بها، واحتجاجهم بها دليل على حجيتها، وهذا السلوك في حد ذاته قد أقرهم الله عليه، ولم يبين أنهم أخطئوا فيه، مع أن الزمان كان زمان وحي، ولو كانوا مخطئين في ذلك لما أقرهم الله عليه؛ لأن تقرير الله في زمان الوحي حجة بمثابة الوحي المنزل نفسه، وهذا كله مضاف إلى أنه ﵎ كان يأمرهم باتباع الرسول ﷺ وطاعته، ويحذرهم من عصيانه ومخالفته.
إذاً: الدليل الأول: العصمة، الدليل الثاني: تقرير الله للصحابة رضي الله تعالى عنهم في استمساكهم بسنة النبي ﵌.
стр. 1610
آيات القرآن الدالة على وجوب اتباع النبي والرضا بحكمه
الدليل الثالث: القرآن الكريم نفسه: فقد شحن القرآن العظيم بمئات الآيات والكلمات التي تدل مجتمعة دلالة قاطعة على حجية سنة النبي ﵌.
وهذه الآيات يمكن أن نقسمها إلى مجموعات متوائمة ومتوافقة، المجموعة الأولى: آيات تدل على وجوب الإيمان بالنبي ﷺ واتباعه، والرضا بحكمه، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النور:٦٢].
يقول ابن القيم: فإذا جعل من لوازم الإيمان أنهم لا يذهبون مذهباً إذا كانوا معه إلا باستئذانه، فأولى أن يكون من لوازمه ألا يذهبوا إلى قول ولا إلى مذهب علمي إلا بعد استئذانه، وإذنه يعرف بدلالة ما جاء به على أنه أذن فيه ﷺ .
وقال ﵎: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب:٣٦]، فالمؤمن لا خيار له في أمر الله وأمر الرسول ﷺ .
وقال ﵎: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥] لأنه لا يمكن أن ينقاد في الظاهر وقلبه غير مطمئن، فالإيمان لا يثبت إلا باجتماع هذه الأمور كلها.
وعن عروة قال: خاصم الزبير رجلاً من الأنصار في شراج الحرة، فقال النبي ﷺ : (اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك، فقال الأنصاري: يا رسول الله! أن كان ابن عمتك؟ فتلون وجهه ﵊، ثم قال: اسق يا زبير، ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر) واستوعب النبي ﷺ للزبير حقه في الماء حين أحفظه الأنصاري، وكان قد أشار عليهما بأمر لهما فيه سعة قال الزبير: فما أحسب هذه الآية إلا نزلت في ذلك: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥].
وهذا الحديث أخرجه الجماعة.
إذا تأملنا وجه الدلالة في هذا الحديث فالكلام هنا متعلق بهذه الحادثة التي هي سبب النزول، فهذا الحكم الذي حكم به النبي ﷺ لا يوجد في آية من القرآن؛ ولكن أتت الآية في القرآن الكريم لتقر هذا الحكم، وتنفي الإيمان عمن لم يمتثل ويرضى به ظاهراً وباطناً.
ولهذا قال الشافعي: وهذا القضاء سنة من رسول الله ﷺ ، لا حكم منسوخ في القرآن، وليس حتماً في القرآن، ومع ذلك القرآن أتى يحرض على الانقياد له، ودل على أن السنة حجة.
وقال ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات:١] وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ﴾ [النساء:٦٠ - ٦١]، يعني: إلى سنته، ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النساء:٦١].
إذاً: هذه جملة من الآيات تدل على وجوب اتباع النبي ﷺ والرضا بحكمه.
стр. 1611
الآيات الدالة على أن السنة تبين القرآن وتشرحه
المجموعة الثانية: آيات تدل على أن السنة تبين الكتاب وتشرحه شرحاً معتبراً عند الله، مطابقاً لما حكم الله به على العباد، كما قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل:٤٤].
هنا تنزيلان: ((َأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ)) المبين وهو السنة ((لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ)) من القرآن؛ لأن السنة تبين القرآن.
والسنة منزلة كما أن القرآن منزل بنص هذه الآية: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل:٤٤].
وقال ﵎: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة:٢].
والحكمة إذا أتت في سياق الامتنان على أمة محمد ﵌ فهي سنته بإجماع السلف، كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى كما في هذه الآية.
وتدل الآية على أن الأمان من الضلال يكون باتباع القرآن (الكتاب)، واتباع الحكمة التي هي السنة.
وقال ﵎: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ [البقرة:٢٣١] فكلاهما منزل.
وقال تعالى: ﴿وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ [النساء:١١٣]، فالواو هنا تقتضي المغايرة، فالكتاب غير الحكمة.
وقال ﵎ مخاطباً أمهات المؤمنين: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب:٣٤]، فعطف الله الحكمة على الكتاب، والعطف بالواو يقتضي المغايرة.
والحكمة لا يصح أن تكون شيئاً آخر غير السنة؛ لأن الله تعالى امتن علينا بتعليمها، والمن لا يكون إلا بما هو صواب، وحق مطابق لما عنده، فتكون الحكمة واجبة الاتباع كالكتاب، خصوصاً وأن الله قد قرنها به، وهو لم يوجب علينا كسائر كتبه إلا اتباع كتابه وسنة نبيه ﵌، وهذا المعنى أفاده الإمام الشافعي رحمه الله تعالى في الرسالة.
стр. 1612
الآيات التي توجب طاعة الرسول مطلقاً
هناك جملة ثالثة من الآيات الكريمات تدل على وجوب طاعة رسول الله ﷺ طاعة مطلقة، وتبين أن طاعة رسول الله هي طاعة الله .
كما قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٢]، وقال: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:٣٢]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال:٢٠]، وقال : ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ [المائدة:٩٢]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٣].
قال ميمون بن مهران: الرد إلى الله في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء:٥٩] هو الرجوع إلى كتابه، والرد إلى الرسول ﷺ هو الرجوع إليه في حياته، وإلى سنته بعد وفاته ﵌.
من الآيات التي تدل بمجموعها على طاعة النبي ﷺ طاعة مطلقة قوله: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [المائدة:٩٢]، إشارة إلى استقلال الرسول بالطاعة، ولم يعده في أولي الأمر إشارة إلى أنه يوجد فيهم من لا تجب طاعته.
وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء:٦٤] وقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [النساء:٨٠] وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧]، وقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣].
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء:١١٥].
стр. 1613
الآيات الدالة على وجوب اتباع النبي مطلقاً والتأسي به
المجموعة الرابعة: آيات تدل على وجوب اتباع النبي ﷺ مطلقاً، والتأسي به كقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران:٣١]، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:٢١].
وقد كلفه الله باتباع ما أوحي إليه، سواء كان وحياً متلواً وهو القرآن أو غيره مكتوباً، وهو السنة، وأمره بتبليغ جميع ما أنزل إليه قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [الأحزاب:١ - ٢].
وقال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الجاثية:١٨]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة:٦٧] إلى آخر الآية ثم مدح هديه فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢]، وقال: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨]، ﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المؤمنون:٧٣] وقال: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ [النمل:٧٩] وقال: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الزخرف:٤٣].
وقال : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب:٤٥ - ٤٦].
стр. 1614
الأحاديث الدالة على حجية السنة
الدليل الرابع على حجية السنة: السنة الشريفة نفسها.
فعن العرباض بن سارية ﵁ قال: (قام فينا رسول الله ﷺ ، فقال: أيحسب أحدكم متكئاً على أريكته قد يظن أن الله تعالى لم يحرم شيئاً إلا ما في القرآن، ألا وإني والله قد أمرت، ووعظت، ونهيت عن أشياء إنها لمثل القرآن أو أكثر، وإن الله لم يحل لكم أن تدخلوا بيوت أهل الكتاب إلا بإذن، ولا ضرب نسائهم، ولا أكل ثمارهم إذا أعطوكم الذي عليهم) رواه أبو داود.
وهذا رد على المكذبين بالسنة والطاعنين فيها، وقد وصفوا بالاتكاء الذي يدل على الاسترخاء والتواني، وعدم الكد والكدح والسهر في طلب العلم، فيكون أحدهم متكئاً على أريكته ويهاجم السنة وهو شبعان، بخلاف المجاهدين من المحدثين والعلماء الذين جابوا الأقطار، وسافروا إلى الأمصار، وضحوا بكل شيء في سبيل خدمة سنة النبي ﵌.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله) متفق عليه.
وعنه أيضاً ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: (كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قالوا: يا رسول الله! ومن يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى) رواه البخاري.
وعن عبد الله بن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: (لكل عمل شرة، ولكل شرة فترة، فمن كانت فترته إلى سنتي فقد اهتدى، ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد هلك) رواه ابن حبان في صحيحه.
والشرة الهمة والنشاط.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدي ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي، ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض) رواه الحاكم وصححه.
ولما تردد عبد الله بن عمرو ﵄ في كتابة الأحاديث ليحفظها قال له رسول الله ﷺ : (اكتب، فوالذي نفسي بيده ما خرج منه إلا حق، وأشار بيده إلى فمه)، فلا يخرج من فم النبي ﵇ كلام إلا وهو حق.
أيضاً حديث العرباض بن سارية: (فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور) إلى آخر الحديث.
من ذلك أيضاً أن الرسول ﵊ أمر باتباع حديثه وحفظه وتبليغه إلى من لم يسمعه من الموجودين في عصرنا، بل وعد من يقوم على ذلك بالأجر العظيم، ولا شك أن هذا يستلزم حجية هذا الكلام، لأنه يدل على اهتمام الرسول ﷺ بما يقوله من السنن والأحكام، وحثه على حفظها وتبليغها، فما قيمة ذلك إذا لم تكن السنة حجة؟! وقال ﵊: (إن كذباً علي ليس ككذب على أحد؛ فمن كذب علي فليتبوأ مقعده من النار).
وقال ﵊: (نضر الله امرأً سمع منا حديثاً فحفظه حتى يبلغه، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه).
هذا الحديث واضح الدلالة على حجية السنة، فهو يدعو بنضارة الوجه لمن يحفظ الحديث، ويحافظ على لفظه، ثم ينقله إلى من بعده، فيبلغه وينشره للناس، ثم علل ذلك بقوله: (فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه)، واستعمل النبي ﷺ لفظة: (فقه)؛ لأن الفقه هو الفهم الدقيق الذي يعين على استنباط الأحكام من اللفظ، فلولا أن السنة دليل شرعي، وحجة شرعية لما اشترط فيمن يحمله أن يكون فقيهاً؛ لأن بعض الناس يحمل الفقه وليس بفقيه، فإذا أدى اللفظ بدقة، وبلغه إلى من هو أفقه منه مكن هذا الأفقه من أن يستنبط منه الحكم الشرعي الذي ينسب إلى الله، وإلى رسول الله ﵌.
وقال ﵊: (نضر الله امرأً سمع منا شيئاً فبلغه كما سمعه، فرب مبلغ أوعى من سامع)، وروى البخاري في حديث وفد عبد القيس لما نهاهم الرسول ﷺ عن أربع، وأمرهم بأربع، ثم قال لهم: (احفظوه وأخبروا من وراءكم)، لأن هذه مسائل فرعية، كي يعلموها الناس.
وقال ﷺ : (لا ألفين أحدكم متكئاً على أريكته يأتيه أمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول: لا أدري، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه، وإلا فلا).
стр. 1615
تعذر العمل بالقرآن وحده
أما الدليل الخامس فهو: تعذر العمل بالقرآن الكريم وحده، وتعذر إقامة الشريعة، وإقامة الفضائل، وسائر أمور الدين بدون الرجوع إلى سنة النبي ﵌، يقول الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:٤٣].
ونحن اليوم نتكلم في هذا الموضوع، وقد صدرت تصريحات ممن يتطاول وهو جاهل ولا يعرف قدر نفسه، حيث تكلم في عمر رضي الله تعالى عنه، وهو لا يعلم أن مما بايع عليه الصحابة: (وألا ننازع الأمر أهله)، وليس هذا خاصاً في الخروج على الخلفاء فقط، بل يدخل فيه احترام التخصصات؛ فهذا الجاهل يجلس أمام مجموعة من الشيوخ، ويطعن في السنة، ولا يقوى واحد منهم فقط على أن يعترض، بل أقروه ليتكلم كما يشاء فيما يتعلق بالدين وهو عدو نفسه وعدو الله؛ فالله المستعان على ما نرى من فتن آخر الزمان، ونطق الرويبضة! وقد كان له أن يتكلم في أي شيء من أمور الدنيا، لكن تكلم في أمر الدين، وأنكر سنة النبي ﵊، وهو يعتبر نفسه شيخاً من مشايخ الإسلام، وأنه يمثل الإسلام، فيظن أنه إذا كتب مقالاً ينكر فيه السنة فلن يكون هناك شيء اسمه السنة، ولا يعلم أن الرسول ﷺ قد بشره الله بقطع كل من يؤذيه كما في قوله ﵎: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ﴾ [الكوثر:١ - ٣].
والأبتر هو مقطوع الذكر، وهو الذي يقطع من الخير كله بسبب بغضه وشنآنه لرسول الله ﷺ أو لسنته.
كل رويبضة تافه، يوغل في الجهل وفي الصد عن سبيل الله، ومع ذلك يظن نفسه حجة، فيتجرأ ويأتي أمام المشايخ الأزهريين ويقول لهم: نحن ليس عندنا شيء اسمه سنة، فلا نعترف بسنة، نحن نعترف بالقرآن وحده! فنقول لمثل هذا: قال الله مثلاً: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:٤٣].
وهذا نفهم منه وجوب الصلاة والزكاة، ولكن ما هي تلك الصلاة الواجبة؟ ما وقتها؟ ما عددها؟ وعلى من تجب؟ وكم مرة تجب في العمر؟ وما هي هذه الزكاة؟ وعلى من تجب؟ وفي أي مال تجب؟ وما مقدارها؟ وما شروط إخراجها؟ وقال الله ﵎: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل:٢٠].
والذي نأخذه من الآية وجوب قراءة ما تيسر من القرآن الكريم، لكن ما المراد من هذه القراءة؟ هل هي في الصلاة؟ أم هي قراءة القرآن عموماً؟ وإذا كانت في الصلاة ففي أي ركعة؟ وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج:٧٧].
ففهمنا من الآية وجوب الركوع والسجود، لكن كم عدد الركعات في اليوم؟ وجاء في السنة أكثر من ركوع في صلاة الخسوف.
وقال ﵎: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة:٣٤].
ففهمنا من ذلك تحريم الكنز وعدم الإنفاق، لكن ما المراد بهذا الإنفاق المقابل للكنز؟ هل هو إنفاق جميع المال كما فهم الصحابة لما نزلت هذه الآية، أم إنه إنفاق بعض المال؟ وهذا البعض من الذي يحدده؟ وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢].
فما المراد بالظلم: هل هو جميع أنواع الظلم كما فهم الصحابة أم أنه نوع خاص منه كما بينه النبي ﷺ ؟ لا شك أنه خاص وهو الشرك قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣].
وقال تعالى أيضاً: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة:٣٨].
نفهم من الآية وجوب قطع يد كل منهما، لكن هل كل سرقة توجب القطع؟ وما هي شروط قطع اليد؟ وما هو نصاب المال الذي توجب سرقته قطع اليد؟ وكيف يتم القطع؟ وهل تقطع اليد من الكتف أم من العضد أم من الكوع؟ هذا كله محتمل من حيث اللغة.
وإذا تكررت السرقة فهل يتكرر القطع؟ كل هذا لم يبينه إلا النبي ﵌، ولذلك لما أرسل علي بن أبي طالب ابن عباس إلى الخوارج قال له: اذهب إليهم فخاصمهم -يعني: ناظرهم- ولا تحاجهم بالقرآن، فإنه ذو وجوه، ولكن خاصمهم بالسنة.
قال الشاعر: ورب فقيه خابط في ضلالة وحجته فيها الكتاب المنزل بعض النصوص القرآنية الكريمة عامة، وهي مفتقرة إلى التبليغ الذي بينها به الرسول ﷺ أو العلماء.
следующие страницы →