Полный текст (2 122 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.
стр. 1611
الآيات الدالة على أن السنة تبين القرآن وتشرحه
المجموعة الثانية: آيات تدل على أن السنة تبين الكتاب وتشرحه شرحاً معتبراً عند الله، مطابقاً لما حكم الله به على العباد، كما قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل:٤٤].
هنا تنزيلان: ((َأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ)) المبين وهو السنة ((لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ)) من القرآن؛ لأن السنة تبين القرآن.
والسنة منزلة كما أن القرآن منزل بنص هذه الآية: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل:٤٤].
وقال ﵎: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة:٢].
والحكمة إذا أتت في سياق الامتنان على أمة محمد ﵌ فهي سنته بإجماع السلف، كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى كما في هذه الآية.
وتدل الآية على أن الأمان من الضلال يكون باتباع القرآن (الكتاب)، واتباع الحكمة التي هي السنة.
وقال ﵎: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ [البقرة:٢٣١] فكلاهما منزل.
وقال تعالى: ﴿وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ [النساء:١١٣]، فالواو هنا تقتضي المغايرة، فالكتاب غير الحكمة.
وقال ﵎ مخاطباً أمهات المؤمنين: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب:٣٤]، فعطف الله الحكمة على الكتاب، والعطف بالواو يقتضي المغايرة.
والحكمة لا يصح أن تكون شيئاً آخر غير السنة؛ لأن الله تعالى امتن علينا بتعليمها، والمن لا يكون إلا بما هو صواب، وحق مطابق لما عنده، فتكون الحكمة واجبة الاتباع كالكتاب، خصوصاً وأن الله قد قرنها به، وهو لم يوجب علينا كسائر كتبه إلا اتباع كتابه وسنة نبيه ﵌، وهذا المعنى أفاده الإمام الشافعي رحمه الله تعالى في الرسالة.
стр. 1612
الآيات التي توجب طاعة الرسول مطلقاً
هناك جملة ثالثة من الآيات الكريمات تدل على وجوب طاعة رسول الله ﷺ طاعة مطلقة، وتبين أن طاعة رسول الله هي طاعة الله .
كما قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٢]، وقال: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:٣٢]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال:٢٠]، وقال : ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ [المائدة:٩٢]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٣].
قال ميمون بن مهران: الرد إلى الله في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء:٥٩] هو الرجوع إلى كتابه، والرد إلى الرسول ﷺ هو الرجوع إليه في حياته، وإلى سنته بعد وفاته ﵌.
من الآيات التي تدل بمجموعها على طاعة النبي ﷺ طاعة مطلقة قوله: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [المائدة:٩٢]، إشارة إلى استقلال الرسول بالطاعة، ولم يعده في أولي الأمر إشارة إلى أنه يوجد فيهم من لا تجب طاعته.
وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء:٦٤] وقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [النساء:٨٠] وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧]، وقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣].
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء:١١٥].
стр. 1613
الآيات الدالة على وجوب اتباع النبي مطلقاً والتأسي به
المجموعة الرابعة: آيات تدل على وجوب اتباع النبي ﷺ مطلقاً، والتأسي به كقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران:٣١]، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:٢١].
وقد كلفه الله باتباع ما أوحي إليه، سواء كان وحياً متلواً وهو القرآن أو غيره مكتوباً، وهو السنة، وأمره بتبليغ جميع ما أنزل إليه قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [الأحزاب:١ - ٢].
وقال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الجاثية:١٨]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة:٦٧] إلى آخر الآية ثم مدح هديه فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢]، وقال: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨]، ﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المؤمنون:٧٣] وقال: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ [النمل:٧٩] وقال: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الزخرف:٤٣].
وقال : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب:٤٥ - ٤٦].
стр. 1614
الأحاديث الدالة على حجية السنة
الدليل الرابع على حجية السنة: السنة الشريفة نفسها.
فعن العرباض بن سارية ﵁ قال: (قام فينا رسول الله ﷺ ، فقال: أيحسب أحدكم متكئاً على أريكته قد يظن أن الله تعالى لم يحرم شيئاً إلا ما في القرآن، ألا وإني والله قد أمرت، ووعظت، ونهيت عن أشياء إنها لمثل القرآن أو أكثر، وإن الله لم يحل لكم أن تدخلوا بيوت أهل الكتاب إلا بإذن، ولا ضرب نسائهم، ولا أكل ثمارهم إذا أعطوكم الذي عليهم) رواه أبو داود.
وهذا رد على المكذبين بالسنة والطاعنين فيها، وقد وصفوا بالاتكاء الذي يدل على الاسترخاء والتواني، وعدم الكد والكدح والسهر في طلب العلم، فيكون أحدهم متكئاً على أريكته ويهاجم السنة وهو شبعان، بخلاف المجاهدين من المحدثين والعلماء الذين جابوا الأقطار، وسافروا إلى الأمصار، وضحوا بكل شيء في سبيل خدمة سنة النبي ﵌.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله) متفق عليه.
وعنه أيضاً ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: (كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قالوا: يا رسول الله! ومن يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى) رواه البخاري.
وعن عبد الله بن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: (لكل عمل شرة، ولكل شرة فترة، فمن كانت فترته إلى سنتي فقد اهتدى، ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد هلك) رواه ابن حبان في صحيحه.
والشرة الهمة والنشاط.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدي ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي، ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض) رواه الحاكم وصححه.
ولما تردد عبد الله بن عمرو ﵄ في كتابة الأحاديث ليحفظها قال له رسول الله ﷺ : (اكتب، فوالذي نفسي بيده ما خرج منه إلا حق، وأشار بيده إلى فمه)، فلا يخرج من فم النبي ﵇ كلام إلا وهو حق.
أيضاً حديث العرباض بن سارية: (فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور) إلى آخر الحديث.
من ذلك أيضاً أن الرسول ﵊ أمر باتباع حديثه وحفظه وتبليغه إلى من لم يسمعه من الموجودين في عصرنا، بل وعد من يقوم على ذلك بالأجر العظيم، ولا شك أن هذا يستلزم حجية هذا الكلام، لأنه يدل على اهتمام الرسول ﷺ بما يقوله من السنن والأحكام، وحثه على حفظها وتبليغها، فما قيمة ذلك إذا لم تكن السنة حجة؟! وقال ﵊: (إن كذباً علي ليس ككذب على أحد؛ فمن كذب علي فليتبوأ مقعده من النار).
وقال ﵊: (نضر الله امرأً سمع منا حديثاً فحفظه حتى يبلغه، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه).
هذا الحديث واضح الدلالة على حجية السنة، فهو يدعو بنضارة الوجه لمن يحفظ الحديث، ويحافظ على لفظه، ثم ينقله إلى من بعده، فيبلغه وينشره للناس، ثم علل ذلك بقوله: (فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه)، واستعمل النبي ﷺ لفظة: (فقه)؛ لأن الفقه هو الفهم الدقيق الذي يعين على استنباط الأحكام من اللفظ، فلولا أن السنة دليل شرعي، وحجة شرعية لما اشترط فيمن يحمله أن يكون فقيهاً؛ لأن بعض الناس يحمل الفقه وليس بفقيه، فإذا أدى اللفظ بدقة، وبلغه إلى من هو أفقه منه مكن هذا الأفقه من أن يستنبط منه الحكم الشرعي الذي ينسب إلى الله، وإلى رسول الله ﵌.
وقال ﵊: (نضر الله امرأً سمع منا شيئاً فبلغه كما سمعه، فرب مبلغ أوعى من سامع)، وروى البخاري في حديث وفد عبد القيس لما نهاهم الرسول ﷺ عن أربع، وأمرهم بأربع، ثم قال لهم: (احفظوه وأخبروا من وراءكم)، لأن هذه مسائل فرعية، كي يعلموها الناس.
وقال ﷺ : (لا ألفين أحدكم متكئاً على أريكته يأتيه أمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول: لا أدري، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه، وإلا فلا).
стр. 1615
تعذر العمل بالقرآن وحده
أما الدليل الخامس فهو: تعذر العمل بالقرآن الكريم وحده، وتعذر إقامة الشريعة، وإقامة الفضائل، وسائر أمور الدين بدون الرجوع إلى سنة النبي ﵌، يقول الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:٤٣].
ونحن اليوم نتكلم في هذا الموضوع، وقد صدرت تصريحات ممن يتطاول وهو جاهل ولا يعرف قدر نفسه، حيث تكلم في عمر رضي الله تعالى عنه، وهو لا يعلم أن مما بايع عليه الصحابة: (وألا ننازع الأمر أهله)، وليس هذا خاصاً في الخروج على الخلفاء فقط، بل يدخل فيه احترام التخصصات؛ فهذا الجاهل يجلس أمام مجموعة من الشيوخ، ويطعن في السنة، ولا يقوى واحد منهم فقط على أن يعترض، بل أقروه ليتكلم كما يشاء فيما يتعلق بالدين وهو عدو نفسه وعدو الله؛ فالله المستعان على ما نرى من فتن آخر الزمان، ونطق الرويبضة! وقد كان له أن يتكلم في أي شيء من أمور الدنيا، لكن تكلم في أمر الدين، وأنكر سنة النبي ﵊، وهو يعتبر نفسه شيخاً من مشايخ الإسلام، وأنه يمثل الإسلام، فيظن أنه إذا كتب مقالاً ينكر فيه السنة فلن يكون هناك شيء اسمه السنة، ولا يعلم أن الرسول ﷺ قد بشره الله بقطع كل من يؤذيه كما في قوله ﵎: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ﴾ [الكوثر:١ - ٣].
والأبتر هو مقطوع الذكر، وهو الذي يقطع من الخير كله بسبب بغضه وشنآنه لرسول الله ﷺ أو لسنته.
كل رويبضة تافه، يوغل في الجهل وفي الصد عن سبيل الله، ومع ذلك يظن نفسه حجة، فيتجرأ ويأتي أمام المشايخ الأزهريين ويقول لهم: نحن ليس عندنا شيء اسمه سنة، فلا نعترف بسنة، نحن نعترف بالقرآن وحده! فنقول لمثل هذا: قال الله مثلاً: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:٤٣].
وهذا نفهم منه وجوب الصلاة والزكاة، ولكن ما هي تلك الصلاة الواجبة؟ ما وقتها؟ ما عددها؟ وعلى من تجب؟ وكم مرة تجب في العمر؟ وما هي هذه الزكاة؟ وعلى من تجب؟ وفي أي مال تجب؟ وما مقدارها؟ وما شروط إخراجها؟ وقال الله ﵎: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل:٢٠].
والذي نأخذه من الآية وجوب قراءة ما تيسر من القرآن الكريم، لكن ما المراد من هذه القراءة؟ هل هي في الصلاة؟ أم هي قراءة القرآن عموماً؟ وإذا كانت في الصلاة ففي أي ركعة؟ وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج:٧٧].
ففهمنا من الآية وجوب الركوع والسجود، لكن كم عدد الركعات في اليوم؟ وجاء في السنة أكثر من ركوع في صلاة الخسوف.
وقال ﵎: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة:٣٤].
ففهمنا من ذلك تحريم الكنز وعدم الإنفاق، لكن ما المراد بهذا الإنفاق المقابل للكنز؟ هل هو إنفاق جميع المال كما فهم الصحابة لما نزلت هذه الآية، أم إنه إنفاق بعض المال؟ وهذا البعض من الذي يحدده؟ وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢].
فما المراد بالظلم: هل هو جميع أنواع الظلم كما فهم الصحابة أم أنه نوع خاص منه كما بينه النبي ﷺ ؟ لا شك أنه خاص وهو الشرك قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣].
وقال تعالى أيضاً: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة:٣٨].
نفهم من الآية وجوب قطع يد كل منهما، لكن هل كل سرقة توجب القطع؟ وما هي شروط قطع اليد؟ وما هو نصاب المال الذي توجب سرقته قطع اليد؟ وكيف يتم القطع؟ وهل تقطع اليد من الكتف أم من العضد أم من الكوع؟ هذا كله محتمل من حيث اللغة.
وإذا تكررت السرقة فهل يتكرر القطع؟ كل هذا لم يبينه إلا النبي ﵌، ولذلك لما أرسل علي بن أبي طالب ابن عباس إلى الخوارج قال له: اذهب إليهم فخاصمهم -يعني: ناظرهم- ولا تحاجهم بالقرآن، فإنه ذو وجوه، ولكن خاصمهم بالسنة.
قال الشاعر: ورب فقيه خابط في ضلالة وحجته فيها الكتاب المنزل بعض النصوص القرآنية الكريمة عامة، وهي مفتقرة إلى التبليغ الذي بينها به الرسول ﷺ أو العلماء.
стр. 1616
أقوال السلف في حجية السنة والإنكار على من يعارضها
стр. 1617
التحذير من وضع الأحاديث دليل على حجيتها
كذلك غلظ الله عقوبة من يتعمد الكذب على النبي ﵌، وما ذاك إلا لأن الكذب على الرسول ﵊ سوف يستلزم تبديل الأحكام الشرعية، واعتقاد الحرام حلالاً، والحلال حراماً.
ولذلك قال ﵊: (من يقل علي ما لم أقل، فليتبوأ مقعده من النار)، وهذا الحديث متواتر، وفي بعض الروايات: (إن كذباً علي ليس ككذب على أحد، من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار).
وقال ﵊: (من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكذابين)، وهذا رواه مسلم، وروي أيضاً عن أبي هريرة مرفوعاً: (يكون في آخر الزمان دجالون كذابون يأتونكم من الأحاديث بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم! لا يضلونكم ولا يفتنونكم).
إن لم يكن الحديث والسنة حجة فلماذا هذا التحذير الأكيد من الأحاديث المكذوبة، ولم يحصل بها الضلال والفتنة؟
و
الجواب
لأنها إضافة إلى الشرع؛ ولأن الأحاديث الصحيحة حجة، فهذه إذا اعتقد أنها صحيحة ففيها تعرض للشرع بالزيادة أو بالنقصان.
وعن عمران بن حصين رضي الله تعالى عنه (أنهم كانوا يتذاكرون الحديث، فقال رجل: دعونا من هذا، وجيئونا بكتاب الله فقال له عمران: إنك أحمق، أتجد في كتاب الله الصلاة مفسرة؟ أتجد في كتاب الله الصيام مفسراً؟ إن القرآن أحكم ذلك، والسنة تفسره).
стр. 1618
علي بن أبي طالب يحض على المحاجة بالسنة
ولما أرسل علي بن أبي طالب ابن عباس ليناظر الخوارج وقال له: لا تخاصمهم بالقرآن، فإنه ذو وجوه، ولكن خاصمهم بالسنة.
فقال له: يا أمير المؤمنين! فأنا أعلم بكتاب الله منهم، في بيوتنا نزل، قال له علي: صدقت، ولكن القرآن حمال ذو وجوه، تقول ويقولون، ولكن حاججهم بالسنن، فإنهم لن يجدوا عنها محيصاً، فخرج إليهم فحاجهم بالسنة، فلم يبق بأيديهم حجة.
وعن ابن مسعود ﵁ قال: يا أيها الناس! عليكم بالعلم قبل أن يرفع، فإن من رفعه قبض أصحابه، وإياكم والبدع والتنطع! وعليكم بالعتيق، فإنه سيكون في آخر هذه الأمة أقوام، يزعمون أنهم يدعون إلى كتاب الله، وقد تركوه وراء ظهورهم.
وعن رجاء بن حيوة عن رجل قال: كنا جلوساً عند معاوية ﵁ قال: إن أغرى الضلالة لرجل يقرأ القرآن فلا يفقه فيه، فيعلمه الصبي والعبد، والمرأة والأمة، فيجادلون به أهل العلم.
стр. 1619
كلام ابن عمر في حجية السنة
وأخرج مالك عن ابن شهاب عن رجل من آل خالد بن أسيد أنه سأل عبد الله بن عمر ﵄ فقال: يا أبا عبد الرحمن! إنا نجد صلاة الخوف، وصلاة الحضر في القرآن، ولا نجد صلاة السفر، فقال له ابن عمر ﵄: يا ابن أخي! إن الله بعث محمداً ﷺ ولا نعلم شيئاً، وإنما نفعل كما رأيناه يفعل.
стр. 1620
كلام مطرف في حجية السنة
وعن أيوب السختياني أن رجلاً قال لـ مطرف بن عبد الله بن الشخير: لا تحدثونا إلا بما في القرآن، فقال له مطرف: إنا والله ما نريد بالقرآن بدلاً، ولكنا نريد من هو أعلم بالقرآن منا، وهو النبي ﷺ .
стр. 1621
كلام أيوب في حجية السنة والإنكار على من يخالفها
وعن أيوب أيضاً قال: إذا حدثت الرجل بسنة، فقال: دعنا من هذا وأنبئنا عن القرآن، فاعلم أنه ضال.
يعني: إذا حدثت رجلاً بالسنة فقال: لا تكلمني إلا بالقرآن دون السنة والشيطان يمنيه أنه على الصراط المستقيم، فتلك علامة على أنه ضال؛ لأن العصمة من الضلال لا تأتي إلا بالتمسك بالقرآن والسنة.
يقول ﷺ : (تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً: كتاب الله وسنتي)، ولم يقل كتاب الله فقط، مع أن كتاب الله نفسه حجة.
стр. 1622
كلام ابن مسعود في حجية السنة
وعن عبد الله بن مسعود ﵁: أن امرأة جاءت إليه فقالت: أنت الذي تقول: لعن الله النامصات، والمتنمصات والواشمات إلخ؟ قال: نعم.
قالت: وتنسب هذا إلى القرآن؟ قال: نعم، قالت: فإني قرأت كتاب الله من أوله إلى آخره فلم أجد ما تقول فقال لها: إن كنت قرأت لقد وجدتيه، أما قرأت: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧]؟ قالت: بلى، قال: فقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لعن الله النامصات إلخ) متفق عليه.
وعن عبد الرحمن بن يزيد أنه رأى محرماً عليه ثياب، فنهاه، فقال هذا الرجل: ائتني بآية من كتاب الله تنزع ثيابي، فقرأ عليه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧].
стр. 1623
كلام عمران بن حصين في حجية السنة
وجاء من طريق خليل بن أبي فضالة المكي أن عمران بن حصين رضي الله تعالى عنه ذكر الشفاعة فقال رجل من القوم: يا أبا نجيد! إنكم تحدثونا بأحاديث لم نجد لها أصلاً في القرآن، فغضب عمران وقال للرجل: قرأت القرآن؟ قال: نعم، قال: فهل وجدت فيه صلاة العشاء أربعاً، ووجدت المغرب ثلاثاً، والغداة ركعتين، والظهر أربعاً، والعصر أربعاً؟ قال: لا، قال: فعن من أخذتم ذلك؟ ألستم عنا أخذتموه وأخذناه عن رسول الله ﷺ ؟ أوجدتم فيه في كل أربعين شاة شاة، وفي كل كذا بعير كذا؟ وفي كل كذا درهماً كذا؟ قال: لا.
قال: فعمن أخذتم ذلك؟ ألستم عنا أخذتموه وأخذناه عن النبي ﷺ ؟ وقال في القرآن: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٢٩] أوجدتم فيه الطواف سبعاً؟ واركعوا ركعتين خلف المقام؟ أوجدتم في القرآن: (لا جلب ولا جنب ولا شغار في الإسلام؟) أما سمعتم الله قال في كتابه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧]؟ قال عمران: فقد أخذنا عن رسول الله ﷺ أشياء ليس لكم بها علم.
стр. 1624
كلام سعيد بن جبير في حجية السنة
وعن سعيد بن جبير أنه حدث يوماً بحديث عن النبي ﷺ فقال له رجل: في كتاب الله ما يخالف هذا، فقال: لا أراني أحدثك عن رسول الله ﷺ وتعرض فيه بكتاب الله! كان رسول الله ﷺ أعلم بكتاب الله منك.
يعني: أن القدر المشترك بين كل من يعترض على السنة أو يدعي اتباع القرآن فقط، هو الإغراق في الجهالة.
فلو قام كل واحد منا وجرد نفسه وعقله، وحاول أن ينسى كل ما علمه من السنة، ونسي أي شيء متعلق بسنة النبي ﵌، وأيضاً نسي ما علم من الدين بالضرورة عن طريق السنة، ونسي كل ما استنبطه الفقهاء باجتهاداتهم وبالأقيسة التي استعانوا عليها بالسنة، ثم نظر هل يستطيع أن يجيب عن شيء من هذه الأشياء التي ذكرنا كالصلاة، وشروطها، وأركانها، وكذلك الصيام والحج وغيرها؛ فإنه لن يجد جواباً.
فإذا لم نستطع أن نقيم الصلاة، ولا الزكاة، ولا الصيام، ولا الحج، ولا أي شيء من أمور الدين إلا عن طريق السنة، فهل يمكن أن يكلفنا الله بتكاليف أخفاها عنا، وأعمانا عن مراده منها؟ وهل يمكن أن يكلفنا الله أن نصل إلى رضاه بعقولنا؟ العقول لا تستطيع أن تهتدي إلى ما يرضي الله في كل هذه الأشياء، بل لابد أن تأتي عن طريق الوحي إلى النبي ﷺ .
стр. 1625
كلام ابن حزم في الرد على من ينكر السنة
هذا كله يدلنا على أن الله لم يكلفنا بهذه التكاليف التي أجملها في كتابه، وهو يعلم حق العلم أن عقولنا تقصر عن إدراك مراده، فما كلفنا لذلك إلا وقد نصب لها شارحاً مبيناً، ومفسراً موضحاً، ألا وهو رسول الله ﷺ بإنزال وحيه وتأييده له.
في هؤلاء يقول الإمام ابن حزم رحمه الله تعالى: في أي قرآن وجد أن الظهر أربع ركعات، وأن المغرب ثلاث ركعات، وأن الركوع على صفة كذا، والسجود على صفة كذا، وصفة القراءة فيها والسلام، وبيان ما يجتنب في الصوم، وبيان كيفية زكاة الذهب والفضة، والغنم والإبل والبقر، ومقدار الأعداد المأخوذة منها في الزكاة، ومقدار الزكاة المأخوذة، وبيان أعمال الحج من الوقوف بعرفة، وصفة الصلاة بها، وفي مزدلفة، ورمي الجمار، وصفة الإحرام، وما يجتنب فيه، وقطع يد السارق؟ وصفة الرضاع المحرم، وما يحرم من المآكل، وصفة الذبائح والضحايا، وأحكام الحدود، وصفة وقوع الطلاق، وأحكام البيوع، وبيان الربا والأقضية والتداعي والأيمان، والأحباس، والعمرة، والصدقات، وسائر أنواع الفقه.
وإنما في القرآن جمل لو تركنا وإياها لم ندر كيف نعمل بها، وإنما المرجوع إليه في كل ذلك النقل عن النبي ﷺ ، وكذلك الإجماع، إنما هو على مسائل يسيرة، فلابد من الرجوع إلى الحديث ضرورة.
وقال ابن حزم رحمه الله تعالى أيضاً: ولو أن امرأ قال: لا نأخذ إلا ما وجدنا في القرآن لكان كافراً بإجماع الأمة، ولكان لا يلزمه إلا ركعة ما بين دلوك الشمس إلى غسق الليل، وأخرى عند الفجر؛ لأن ذلك هو أقل ما يقع عليه اسم صلاة، ولا حد للأكثر في ذلك، وقائل هذا كافر مشرك حلال الدم والمال.
هذا كلام ابن حزم رحمه الله تعالى.
стр. 1626
كلام عمر بن الخطاب في العمل بالسنة
وقال عمر ﵁: إياكم وأصحاب الرأي! فإنهم أعداء السنن، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها، وتفلتت منهم أن يعوها، فاستحيوا حين سئلوا أن يقولوا لا نعلم، فعارضوا السنن برأيهم، فإياكم وإياهم! وقال أيضاً ﵁: سيأتي أناس يجادلونكم بشبهات القرآن، فخذوهم بالسنن، فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله .
стр. 1627
من أدلة حجية السنة ما ثبت في القرآن من أن السنة وحي كالقرآن
ومن أدلة حجية السنة ما ورد في آيات قرآنية تثبت أن السنة وحي كالقرآن الكريم.
منها: قول الله ﵎: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤] يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: ولم يقل وما ينطق بالهوى؛ لأن نطقه عن الهوى أبلغ.
فإنه يتضمن أن نطقه لا يصدر عن هوى، وإذا لم يصدر عن هوى فكيف ينطق به؟ فتضمن نفي الأمرين: نفي الهوى عن مصدر النطق، ونفيه عن نفسه، فنطقه بالحق، ومصدره الهدى والرشاد لا الغي والضلال، ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤].
وقال تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [البقرة:١٥١]، وقال تعالى في دعاء إبراهيم وإسماعيل: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [البقرة:١٢٩].
وقال تعالى -وتأملوا كلمة: (وَأَنزَلَ) يعني: أنزل وحيه-: ﴿وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ [النساء:١١٣]، وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ [البقرة:٢٣١]، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [الجمعة:٢].
وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب:٣٤]، قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: سمعت من أرضى من أهل العلم بالقرآن يقول: الحكمة سنة رسول الله ﷺ .
ومن هذا قوله تعالى: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة:١٦ - ١٨]، يعني: أنت تقرأ ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة:١٩] وكلمة: (بَيَانَهُ) هذه تعم كل أنواع البيان، أن يظهره بلسانه ﵊ فيقرؤه كما أقرأه جبريل، وكذلك قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة:١٩] ضمان وتأمين لتبيين الأحكام المجملة في القرآن الكريم، فما في القرآن من أحكام الله تكفل ببيانها، وما يتعلق بها من الحلال والحرام، والتفصيل والإجمال، والقييد والإطلاق وما إلى ذلك.
فهذا بلا شك يدل على حجية السنة؛ لأن الذي بين هو الله : ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة:١٩] فالله أوحى المبَين والمبِين كلاهما إلى رسول الله ﵌ وقال ﷺ : ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الأنعام:٥٠].
وقال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:٤٤]، وقال ابن القيم رحمه الله تعالى أيضاً في تفسير هذه الآية التي ذكرناها في سورة النجم قوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٤] قال في موضع آخر قال: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤] فأعاد الضمير على المصدر المفهوم من الفعل.
أي: ما نطقه ﴿إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٤]، وهذا أحسن من قول من جعل الضمير عائداً إلى القرآن، فإنه يعم نطقه بالقرآن والسنة، وأن كليهما وحي يوحى، وقد احتج الشافعي لذلك بقوله تعالى: ﴿وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [النساء:١١٣]، فالعطف يقتضي المغايرة، فالحكمة لما عطفت على الكتاب كان كلاهما منزل من عند الله.
وقال الإمام ابن حزم رحمه الله تعالى: قال الله عن نبيه ﷺ : ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٤] وقال تعالى آمراً لنبيه ﷺ أن يقول: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الأنعام:٥٠]، يعني: في كل تصرفاته هو اتباع للوحي، سواءً كان في ذلك لهذا الحكم الذي في القرآن أم في السنة.
فهو في كل سلوكه متبع للوحي، يعني: إذا صلى سنة الظهر كذا وكذا وفعل كذا قال في ركوعه وسجوده ولبس كذا وأكل كذا وقال كذا فهذا كله داخل في الوحي؛ لأن الله أمره أن يعلم الناس قال تعالى: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الأنعام:٥٠]، يعني: ما يصدر عني أي شيء إلا بوحي، فهذا بلا شك دليل على أن السنة بأنواعها وحي من الله ﵎.
وقال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩] لفظ (الذِّكْرَ) يشمل كل ما أنزله الله الذكر المتلو الذي هو القرآن، والذكر غير المتلو الذي هو السنة النبوية بأنواعها.
السنة وحي، لكنه وحي في المعاني، والألفاظ من عند النبي ﵊، أما القرآن فلفظه ومعناه من عند الله ﵎، ولذلك لما اشتكى رجل للإمام عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى انتشار الأحاديث الضعيفة والموضوعة، فرد عليه الإمام عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى فقال: تعيش لها الجهابذة، قال الله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩].
فاستدل بالآية على أن الذكر يشمل سنة النبي ﵊، وممكن بعض الناس القاصرين يقول: كيف أتبع السنة، والسنة فيها أشياء كثيرة غير ثابتة مما ينسب إليها كالأحاديث الضعيفة والموضوعة وغيرها، وتختلط على الناس؟ ف
الجواب
أنها لا تختلط إلا على الجاهل الذي ليس هذا فهمه، وليس هذا تخصصه، لكن هل تختلط على العلماء الراسخين؟ لا تختلط عليهم، إنما تختلط على من هو قاصر في العلم.
وقال ﵎: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:٤٤]، فالذكر الذي هو يبين هو السنة، يقول ابن حزم: فصح أن كلام رسول الله ﷺ كله في الدين وحي من عند الله ، لا شك في ذلك، ولا خلاف بين أحد من أهل اللغة والشريعة، في أن كل وحي نزل من عند الله فهو ذكر منزل، فالوحي كله محفوظ بحفظ الله تعالى له بيقين، وكلما تكفل الله بحفظه فمضمون ألا يضيع منه، وألا يحرف منه شيء أبداً تحريفاً لا يأتي البيان ببطلانه، انتهى كلام ابن حزم.
وقال ابن القيم في تفسير الآيات التي قرن فيها الكتاب بالحكمة قال: والكتاب والقرآن والحكمة هي سنة باتفاق السلف، وما أخبر به الرسول ﷺ عن الله تعالى، فهو في وجوب تطبيقه والإيمان به كما أخبر به الرب تعالى على لسان رسوله ﷺ ، هذا أصل متفق عليه بين أهل الإسلام، ولا ينكره إلا من ليس منهم.
وإذا كانت حجة الله على عباده لا تقوم إلا بحفظ رسالته وشرعه، فإن هذا الحفظ لا يتم إلا بحفظ القرآن، والسنة التي تبينه وتشرحه للناس، فنجد من ذلك لزوماً حتمياً أن يحفظ الله السنة؛ لأن هذه الأدلة تدل على أن السنة وحي منزل كالقرآن.
يقول الله ﵎: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ [البقرة:١٤٢ - ١٤٣] إلى آخر الآيات الكريمة أين الشاهد في هذه الآيات على أن السنة وحي؟ قوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا﴾ [البقرة:١٤٣] فإذا تأملنا الآية، يقول تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة:١٤٣] القبلة التي كان عليها هي: استقبال بيت المقدس، هل توجد آية في القرآن الكريم تجعل بيت المقدس قبلة للمسلمين كما كان الأمر في السابق؟ جاء في سنة النبي ﷺ أنه بدأ الصلاة في استقبال بيت المقدس، فصلى مدة إلى بيت المقدس قبل نزول هذه الآيات، والله هنا يقول في القرآن: ﴿وَمَا جَعَلْنَا﴾ [البقرة:١٤٣] يعني: ما كان تشريعنا القبلة إلى بيت المقدس من قبل إلا لحكمة وهي: ﴿لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة:١٤٣].
هل ورد أن بيت المقدس قبلة عن طريق القرآن أم أنه ورد عن طريق السنة؟ عن طريق السنة؛ لأننا لا نجد آية في القرآن تأمرنا باستقبال بيت المقدس، وفي لفظ هذه الآية يدل على أن هذا التشريع كان بفعل الله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ﴾ [البقرة:١٤٣] (مَا) هي الفاعل تعود إلى الله .
فهذه الآيات نزلت عن
стр. 1628
الأدلة من السنة على حجية السنة
стр. 1629
حديث: (ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه)
من أدلة السنة الشريفة على أن السنة وحي حديث المقدام بن معد يكرب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان متكئ على أريكته، يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من الحلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من الحرام فحرموه، وإنما حرم رسول الله ﷺ كما حرم الله، ألا لا يحل لكم الحمار الأهلي، ولا كل ذي ناب من السباع، ولا لقطة معاهد إلا أن يستغني عنها صاحبها، ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروه، فإن لم يقروه، فله أن يعقبهم بمثل قراه).
فهذا واضح الدلالة على أن السنة وحي، ومن ذلك قوله ﵊: (أيحسب أحدكم متكئاً على أريكته يظن أن الله لم يحرم شيئاً إلا ما في هذا القرآن، ألا وإني قد أمرت ووعظت، ونهيت عن أشياء إنها مثل القرآن أو أكثر).
وعن طلحة بن نضيلة قال: قيل لرسول الله ﷺ : (سعر لنا يا رسول الله! قال: لا يسألني الله عن سنة أحدثها فيكم لم يأمرني بها، ولكن اسألوا الله تعالى من فضله).
فهذا يدل على أن ما سنه لهم لم يكن من قبل نفسه، وإنما هو وحي من الله، وقد سن رسول الله ﷺ سنناً، وبين أحكاماً ليست في القرآن، فدل هذا الحديث على أنها بوحي الله وأمره.
стр. 1630
حديث: (والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله)
من هذه الأحاديث أيضاً حديث أبي هريرة وزيد بن خالد ﵄ قالا: (إن رجلاً من الأعراب أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! أنشدك الله إلا قضيت لي بكتاب الله).
يعني: بحكم الله (وقال الرجل الآخر وهو أفقه منه: نعم، فاقض بيننا بكتاب الله، وائذن لي، فقال رسول الله ﷺ : قل: قال: إن ابني هذا كان عسيفاً عند هذا)، (عسيفاً)، يعني: أجيرا (فزنى بامرأته، وإني أخبرت أن على ابني الرجم، فافتديت منه بمائة شاة ووليدة)، يعني: بذل له من المال فداء لولده.
قال: (فسألت أهل العلم فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام)، هل في القرآن تغريب عام؟ ليس في القرآن تغريب عام، إذاً: هذا دليل على أن حكم رسول الله وحي، ومع ذلك أقسم النبي ﷺ أنه يحكم بينهم بكتاب الله قال: (فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم فقال رسول الله ﷺ : والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله: الغنم والوليدة رد عليك، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام واغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها، قال: فغدا عليها، فاعترفت، فأمر بها رسول الله ﷺ فرجمت)، متفق عليه.
هذا واضح جداً في أن السنة وحي؛ لأنه حلف أن يحكم بينهما بكتاب الله، وقد حكم بأشياء ليست في القرآن الكريم.
стр. 1631
حديث يعلى بن أمية في الرجل الذي تلطخ بالطيب وهو محرم
عن يعلى بن أمية قال: (كنا مع رسول الله ﷺ ، فأتاه رجل عليه جبة بها أثر من خلوق فقال: يا رسول الله! إني أحرمت بعمرة فكيف أفعل؟ فسكت عنه فلم يرجع إليه، وكان عمر يستره إذا أنزل عليه الوحي يظله، فقلت لـ عمر ﵁: إني أحب إذا أنزل عليه الوحي أن أدخل رأسي معه في الثوب، فلما نزل عليه خمره عمر ﵁ بالثوب، فجئته فأدخلت رأسي معه في الثوب فنظرت إليه فلما سري عنه قال: أين السائل آنفاً عن العمرة؟ فقام إليه الرجل فقال: انزع عنك جبتك واغسل أثر الخلوق الذي بك، وافعل في عمرتك ما كنت فاعلاً في حجك) رواه مسلم.
فقوله: (أين السائل آنفاً عن العمرة؟) يدل على أنه وحي، حيث إنه أوحي إليه قبل ذلك.
стр. 1632
حديث عائشة في موافقة الوحي لعمر في الحجاب
تذكر عائشة أن عمر رضي الله تعالى عنه ظل يحدث النبي ﵊ في أمر الحجاب، وكان يتمنى أن يأمر نساءه أن يحتجبن احتجاباً كاملاً، يغطي جميع البدن، فوافقه الوحي، ونزلت آية الحجاب، فطمع عمر في أكثر من ذلك، طمع أن تستتر نساء رسول الله ﵊ حتى لو كن مغطيات، فظن أن الوحي سيوافقه هذه المرة.
تقول عائشة ﵂: (خرجت سودة بعدما ضرب الحجاب لحاجتها، وكانت امرأة جسيمة -يعني: عظيمة الجسم- تفرع النساء جسماً) يعني: أنها إذا وقفت مع النساء تكون أطول منهن، (فرآها عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه خارجة فقال: يا سودة! أما والله ما تخفين علينا، فانظري كيف تخرجين)، هو لم ير وجهها، لكن من هيئتها يظهر أنها سودة، فربما كان يأمل أن الحجاب يوافقه في حجبها تماماً (قالت: فانكفأت راجعة ورسول الله ﷺ في بيته، وإنه ليتعشى وفي يده عرق، فدخلت فقالت: يا رسول الله! إني خرجت لبعض حاجتي فقال لي عمر كذا وكذا، قالت عائشة: فأوحى الله إليه، ثم رفع عنه، وإن العرق في يده ما وضعه، فقال: إنه قد أذن لكن أن تخرجن لحاجتكن)، قال هشام -يعني: البراز- متفق عليه.
هذا دليل صريح جداً على حجية السنة.
стр. 1633
حديث عبد الله بن مسعود: (ليس من عمل يقرب إلى الجنة إلا قد أمرتكم به)
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ليس من عمل يقرب إلى الجنة إلا قد أمرتكم به، ولا عمل يقرب إلى النار إلا قد نهيتكم عنه، لا يستبطئن أحد منكم رزقه، إن جبريل ﵇ ألقى في روعي: إن أحداً منكم لن يخرج من الدنيا حتى يستكمل رزقه، فاتقوا الله أيها الناس وأجملوا في الطلب، فإن استبطأ أحد منكم رزقه، فلا يطلبه بمعصية، فإن الله لا ينال فضله بمعصيته).
فهذا الحديث رواه الحاكم وسكت عنه هو والذهبي، وأخرجه من حديث جابر، وصححه على شرط الشيخين، وأقره الذهبي وقوله هنا: (إن جبريل ألقى في روعي).
هذا نوع آخر من الوحي الذي هو الإلهام.
стр. 1634
حديث أبي هريرة (غفار غفر الله لها)
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (غفار الله غفر الله لها، وأسلم سالمها الله، أما إني لم أقله، ولكن الله قاله).
أين قاله الله وليس في القرآن آية تدل على ذلك؟ وفي حديث آخر: (من الله تعالى لا من رسوله: لعن الله قاطع السدر)، يعني: قاطع شجرة السدر.
وبين أنه ليس من عنده، وإنما هو من عند الله.
وعن حسان بن عطية رحمه الله تعالى قال: كان جبريل ﵇ ينزل على رسول الله ﷺ بالسنة كما ينزل عليه بالقرآن، ويعلمه إياها كما كان يعلمه القرآن.
стр. 1635
حديث: (أمني جبريل عند البيت مرتين)
وفي حديث: (أمني جبريل عند البيت مرتين، فصلى بي الظهر حين زالت الشمس، والعصر حين كان ظله مثله، والمغرب حين أفطر الصائم، والعشاء حين غاب الشفق) إلى آخر الحديث، وفي النهاية قال: (الوقت ما بين هذين الوقتين).
فهذا وحي بالفعل عن طريق جبريل.
стр. 1636
حديث: (إن أخوف ما أخاف عليكم ما يخرج الله لكم من بركات الأرض)
وقال ﵊: (إن أخوف ما أخاف عليكم ما يخرج الله لكم من بركات الأرض، قيل: ما بركات الأرض؟ قال: زهرة الدنيا، فقال له رجل: هل يأتي الخير بالشر؟ فصمت حتى ظننت أنه سينزل عليه، ثم جعل يمسح عن جبينه)، يعني: العرق الذي يتصبب إذا نزل عليه الوحي.
وفي رواية لـ مسلم: (فأفاق يمسح عنه الرحض قال: أين السائل؟ قال: هأنا.
فقال رسول الله ﷺ : إن الخير لا يأتي إلا بالخير)، متفق عليه.
стр. 1637
أقسام السنة بالنسبة للقرآن
стр. 1638
أن تكون السنة موافقة للقرآن
السنة وعلاقتها بالقرآن تكون على ثلاثة أقسام: القسم الأول: سنة موافقة ومؤكدة لما في القرآن الكريم، كقول الرسول ﵊: (من وحد الله وكفر بما يعبد من دون الله، حرم ماله ودمه، وحسابه على الله).
هذا يوافق قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٥٦].
كذلك قول النبي ﷺ : (كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا من مات مشركاً)، هذا يوافق قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨].
كذلك قول النبي ﵊: (بعثت إلى الناس كافة)، يوافق قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ [سبأ:٢٨].
وقوله ﵊: (يا أيها الناس إنما أنا رحمة مهداة)، يوافق قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧].
وقوله ﷺ : (إنما البيع عن تراض) وقوله ﷺ : (لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب من نفسه)، يوافق قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٢٩]، إذاً: هذه الأحاديث لا شك أنها تتوارد مع القرآن على نفس الدلالات.
стр. 1639
أن تكون السنة مفصلة لمجمل أو مخصصة لعامٍ أو مقيدة لمطلق
القسم الثاني: سنة تفصل مجمل القرآن، وسنة تخصص عموم القرآن، وسنة تقيد مطلق القرآن، وسنة توضح مشكل القرآن.
السنة المفصلة لمجمل القرآن مثل قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة:٤٣]، بينه في قوله ﷺ : (صلوا كما رأيتموني أصلي).
وقوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران:٩٧] مجمل فصله قوله ﷺ : (خذوا عني مناسككم).
السنة المخصصة لعموم القرآن، مثل قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ [المائدة:٦] إلى آخر الآية فظاهرها أنه كلما قمتم إلى الصلاة فلابد أن تفعلوا هذا، لكن جاء في السنة ما يخصص هذا العموم كالمسح للمريض، والتيمم، ومواقيت المسح للمسافر والمقيم، هذه كلها أتت بها السنة.
كذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم:٣٩] هذا النفي عام، فخصص عموم هذا النفي بقول الرسول ﵊: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث)، والحديث معروف، فدل على أن الإنسان المؤمن لا ينقطع عمله.
كذلك قول الله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء:١١] هذا عام خصه قوله ﵊: (نحن معاشر الأنبياء لا نورث)، وخصه قوله: (لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم)، وخصه قوله: (لا ميراث لقاتل).
كذلك مطلق القرآن تقيده السنة كما في قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٢٩]، فإنه مطلق، فقيده قوله ﷺ : (الطواف بالبيت صلاة) فالطواف يشترط فيه الطهارة.
وقوله ﵎: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء:١١]، هذا مطلق، قيده قوله ﷺ : (إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث).
إجمال القرآن مثل الظلم في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢] بينت السنة أن الظلم يقصد به الشرك للآية: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣].
كذلك قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون:٦٠] لما سألته عائشة: (أهم الذين يشربون الخمر ويزنون؟ قال: لا يا ابنة الصديق، ولكنهم الذين يصومون، ويصلون، ويتصدقون، وهم يخافون ألا يتقبل منهم).
стр. 1640
أن تكون السنة مستقلة بحكم لم يأت به القرآن
القسم الثالث: أن تكون السنة مستقلة بإثبات حكم لم يأت به القرآن.
وهذا هو الغصة في حلوق أعداء السنة؛ لأنهم على درجات، منهم من ينكر السنة مطلقاً، ومنهم من ينكر السنة على استحياء، لكن حتى يسد عليك الباب يقول: نأخذ من السنة العملية المتواترة.
وقد رأيت بنفسي من منكري السنة أنهم غارقون في الجهل بطريقة غير عادية! فمنهم شخص من الإسكندرية، وله كتب مؤلمة وموجعة، منها كتاب: الدين الصواب للمحاورة بين السؤال والجواب، وكتاب آخر أسماه: الأضواء القرآنية لاكتساح الأحاديث الإسرائيلية، وتطهير البخاري منها.
إلى غير ذلك.
وهذا موجود في كلام محمد عبده، فإنه يرى أن السنة العملية المتواترة يعمل بها.
فبعضهم ينكر كل السنة كما ذكرنا، ومنهم من ينكر الأحاديث المتواترة العملية، فمن أين نعرف الصلاة؟ ومن أين نعرف الزكاة؟ ومن أين نعرف كذا؟ ومنهم من يقبل السنة التي تشرح القرآن، لكن لا يقبل السنة التي تستقل بإثبات حكم غير موجود في القرآن، ولذلك كان هذا القسم من أخطر أقسام السنة في علاقتها بالقرآن، وهو أن تأتي السنة بحكم غير موجود في القرآن على الإطلاق.
فعن عائشة ﵂ أن امرأة سألتها قالت: (أتقضي الحائض الصلاة؟ فقالت لها عائشة: أحرورية أنت؟ قد كنا نحيض عند النبي ﷺ ثم نطهر، ولم يأمرنا بقضاء الصلاة).
وقال ﵊: (لا تنكح المرأة على عمتها، ولا على خالتها)، فهذا النهي عن الجمع بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها غير موجود في القرآن.
وعن المغيرة: (قضى رسول الله ﷺ بالدية على العاقلة)، هذا غير موجود في القرآن.
وحديث: (كل ذي ناب من السباع فأكله حرام)، هذا في مسلم، وهو غير موجود في القرآن.
كذلك جاء القرآن بجلد الزاني غير المحصن، وزاد في السنة تغريبه، وأوجبت السنة الكفارة على من جامع في نهار رمضان.
كذلك جاء في السنة المسح على الخفين، وليس في القرآن.
كذلك القرآن ينص على أن العين بالعين، ويقول النبي ﵊: (من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم، فقد حل لهم أن يفقئوا عينه).
كذلك حديث ابن عمر: (فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير على العبد والحر إلى قوله: وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة) متفق عليه.
يقول ابن القيم: بل أحكام السنة التي ليست في القرآن إن لم تكن أكثر منها لم تنقص عنها، فلو كان لنا رد كل سنة زائدة على نص القرآن لبطلت سنن رسول الله ﷺ كلها، إلا سنة دل عليها القرآن، وهذا الذي أخبر النبي ﷺ بأنه سيقع، ولابد من وقوع خبره.
وكما قال الشافعي: أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة رسول الله ﷺ لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس.
стр. 1641
انحرافات في العمل بالسنة
وهناك بعض العوائق تعيق العمل بالسنة كعدم الاحتجاج بأحاديث الآحاد في العقيدة، أو تقديم القياس على أحاديث الآحاد الصحيحة، أو تقديم عمل أهل المدينة على حديث الآحاد الصحيح، أو التعبد بالتقييد واتخاذه ديناً، أو تحكيم العقل وتقديمه على النقل، أو الاقتصار على الصحيحين، وهناك أيضاً مظهر من مظاهر الانحراف في هذه القضية، وهو ما حصل من بعض الشيوخ الأفاضل، وهو الشيخ عبد العزيز بن راتب النجدي رحمه الله تعالى، وله فضل كبير جداً على علماء أنصار السنة، فهو أستاذهم وشيخهم، وهو من الذين رحلوا إلى مصر خصيصاً من أجل نشر دعوة التوحيد والاتباع، لكن كان في هذه الجزئية بالذات له كتاب: تيسير الوحيين بالاقتصار على القرآن مع الصحيحين، وانتصر لهذه المسألة، والكلام فيه نظر شديد، لأن فيه قصر العمل على ما في الصحيحين من السنة، وهذا الكلام غير صحيح.
كذلك من هذه البدع والضلالات: بدعة التصحيح على الصحيحين، يأتي شخص فقير في طلب العلم فيقول في آخر هذا الزمان العجيب: رواه البخاري وهو صحيح، وكأن هذه الأجيال من الأمة تنتظره حتى يأتي ليصحح على البخاري، ونحن لا نقول: البخاري معصوم، ولكن نقول: الأمة معصومة من أن تجتمع على ضلالة، فالأمة أجمعت على تلقي أحاديث الصحيحين بالقبول، فهذه هي الحجة في هذه المسألة، وتوجد بعض أحاديث انتقدت، والعلماء الذين انتقدوها كـ الدارقطني وغيره ما أرادوا للبخاري ولـ مسلم إلا الكمال، لكن الآن فتح باب النقد في البخاري وفي مسلم لأجل الطعن في السنة كلها، فشتان بين النيات والمقاصد، فيمكن أن يقبل قول بعض المحققين مثلاً، لكن شرطه أن يتقن علم الحديث ثم يحقق، لكن أن يأتي شخص ويقول: رواه البخاري وهو صحيح، فهذا من التطاول الذي لا ينبغي أن يفتح بابه.
فنحن نثق ثقة مطلقة فيما اتفقت عليه كلمة علماء الأمة، وأن ما رواه الشيخان أو رواه أحدهما قد تجاوز القنطرة، فلا يسأل عنه ولا يبحث عن سنده ولا عن رجاله، فإما أن يقول: صحيح متفق عليه أو يقول: رواه الشيخان فحسب.
أما أن يقول: رواه الشيخان وهو صحيح، فهذا من العدوان، فالعدوان ناشئ عن سدور صاحبه وغفلته عن أهل العلم، وإعراضه عن إجماع الأمة، وكأن نفسه تتوق إلى أن تكون فوق البخاري ومسلم وأن يحكم على البخاري ومسلم وأمثالهما.
стр. 1642
موقف الخوارج من السنة
كذلك ممن يهملون العمل ببعض السنن: الخوارج، فإنهم يكفرون بعض الصحابة، وبالتالي يردون أحاديث جمهور الصحابة بعد الفتنة؛ لرضاهم بالتحكيم، واتباعهم أئمة الجور بزعمهم.
لكن الخوارج لهم خصيصة، وهي أنهم لم ينغمسوا في رذيلة الكذب كما انغمس الشيعة، فإن أكذب خلق الله، وأكذب الفرق الإسلامية الشيعة، بل الكذب عندهم عبادة، لأنهم يتعبدون بالكذب الذي يسمونه التقية، فالشيعة من أخبث الفرق الضالة وأشدهم كذباً.
стр. 1643
موقف الشيعة من السنة
والشيعة أيضاً يجمعون على عدم الاحتجاج بالسنة إلا إذا صحت لهم عن طريق أهل البيت في أسانيدهم المزعومة.
فيقول أحد أئمتهم بعد ذكر مرويات بعض الصحابة وخاصة روايات أبي هريرة: ما يرويه الصحابة ليس له عند الإمامية من الاعتبار مقدار بعوضة.
وحدثني أحد المشايخ عن والده رحمه الله تعالى أنه ناظر بعض الشيعة، فوصل في المناقشة معه إلى أن أخرج له كتب تراجم معتمدة عند الشيعة، فترجم لبعض الصحابة وقال مثلاً: سعد بن أبي وقاص مجهول، أبو هريرة كذاب.
والعياذ بالله! فنحن نختلف مع الشيعة في الأصول لا في الفروع كما يتوهم بعض الناس، ولهم شيخ يدعى حسين بن عبد الصمد العاملي يقول: فصحاح العامة كلها وجميع ما يروونه غير صحيح.
ويقصد بالعامة أهل السنة.
أما تطاول زعيمهم وإمامهم الهالك الخميني عليه من الله ما يستحقه فقد أوصله إلى تكفير أبي بكر وعمر ورميهما بالزندقة، وهو يكفر عامة الصحابة ويتطاول على مقاماتهم الشريفة، فهذا شيء مشهور ومعروف، ولم يكن يحتج أيضاً في كتبه إلا بمرويات الشيعة.
فالشيعة مع هدمهم للأصل الثاني من الإسلام وهو السنة إلا أنهم أيضاً غرقوا في الرواية عن أئمة الكذب والوضع كما فعل الكليني.
أما موقفنا نحن فلا نقبل على الإطلاق مرويات الشيعة؛ لأنهم أكذب الفرق على الإطلاق.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1644
فضائل يوم عرفة
خص الله يوم عرفة بفضائل عديدة، ومزايا حميدة، منها أنه يوم الحج الأكبر الذي يباهي الله فيه ملائكته بعباده، ويعتق الله فيه جماً غفيراً من النيران، وقد بين الشيخ فضائل هذا اليوم وما يكون فيه، وتجد في هذه المادة قصيدة العلامة الصنعاني في الحج.
стр. 1645
قصيدة ابن الأمير في وصف رحلته إلى الحج
الحمد لله الذي أمر خليله أن ﴿أذن في الناس بالحج إلى البيت العتيق يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق﴾ [الحج:٢٧]، والصلاة والسلام على من أنزل عليه: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران:٩٧]، وعلى آله وصحبه وذرية خليله الذين أسكنهم بواد غير ذي زرع فطابوا مقيلاً، ولم تزل أفئدة الناس تهوي إليهم وتطير بأجنحة الشوق بكرة وأصيلاً.
أما بعد: فإن ذكريات رحلة الحج وزيارة المدينة النبوية المباركة من أشرف معالم العمر، وأعز وقائع الدهر؛ لأنها تنذر ذا القلب الساكن، فترحل به إلى أشرف البقاع وأطهر الأماكن، وتحلق به في آفاق السمو الروحي الذي يضع عن نفس المسلم آصار التراب وأثقال الرغام، وأغلال الحطام، فتسمو به بعيداً وراء حدود الزمان، لتسترجع ذكريات شروق شمس الإسلام في تلك الأرض المباركة، وتستعيد فصول جهاد الرعيل الأول وصبرهم الشديد الذي قهر اليأس، وإيمانهم العميق الذي أذل الكفر، وهجرتهم إلى الله ورسوله ﷺ بالقلوب والأبدان، حين أخرجوا من البلد الحرام إلى حرم المصطفى ﵊، حيث أسست الدولة الإسلامية الأولى على تقوى من الله ورضوان.
ومن قلب هذا الحرم الأطهر بدأت كتائب الإسلام زحفها لاستئصال الجاهلية، ومن قلب طيبة الطيبة بدأت الانطلاقة الأولى لمشعل الإسلام إلى خارج حدود الجزيرة تبدد الظلام، وتوقظ النيام، وتخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة.
ما أعظم الدروس التي يتلقاها المؤمنون في رحلتهم إلى مهبط الوحي! فيتعلمون منها كيف يربطون وجودهم بأهداب الرسالة التي ألفت في ربع قرن من الأميين الضائعين في صحراء المجهول خير أمة أخرجت للناس، ثم قذفت بهم إلى الدنيا كما تقذف الشمس بأشعتها حياة للأرض الميتة، وضياء للأعين الزائغة، ودفئاً للأكباد المقروحة، لتعود بجهادهم إلى الحياة بهجتها، وتشرق الأرض بعد ظلمة بنور ربها، وتحلق الذكريات بنفس المؤمن بعيداً وراء حدود المكان، تطوف بها في أرجاء تلك المشاعر المقدسة، والربوع الطاهرة، وكيف لا تنجذب الأفئدة إليها بخطاطيف الأشواق، وترحل نحوها قلوب أهل النواحي والآفاق، وفيها بيت الله الحرام الذي جعله مثابة يثوب إليه أهل الإسلام من أقطار الأرض على تعاقب الأعوام، فلا تشبع من زيارته القلوب، ولا ترتحل الأنفس إلا وهي بذكره طروب: لا يرجع الطرف عنها حين ينظرها حتى يعود إليها الطرف مشتاقا ومن الناس من بلغهم الله بيته الحرام فذاقوا وارتزقوا، وعرفوا واغترفوا، فمهما يترددون إليه لا يبغون عنه حولا، ولا يرون أنهم قضوا منه وطراً، إذا ذكروا بيت الله حنوا، وإذا تذكروا بعدهم عنه أنوا، ثم لا يزالون يجأرون إلى مولاهم بقلوب محترقة، ودموع مستبقة، أن يعيدهم إليه مرة، بعد مرة وكرة بعد كرة، ومنهم من فاته منه الدنو فهو يضمه بقلبه في كل حين وآن، ويولي إليه وجهه حيثما كان، قد حرم الوصول إلى البيت، وقلبه موصول برب البيت، عاقته المعاذير، ولم تساعده المقادير، فإذا أذن مؤذن الحج حي على الرحيل تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناً ألا يجدوا ما ينفقون، فأقاموا مأتماً لها، وأراقوا دموع الأسف، ما أصنع هكذا جرى المقدور الجبر لغيري وأنا المكسور أسير ذنبٍ مقيد مأسور، هل يمكن أن يبدل المذكور؟! ثم أما بعد: فهذه الليلة المباركة هي ليلة عرفات التي يجتمع فيها عيد الجمعة وعيد الحج وموقف الحج الأعظم، نستثمر هذه الفرصة بتلاوة قصيدة عصماء رائعة البيان، خطها بقلمه السيال، وسحره الحلال، الإمام العلامة أبو إبراهيم محمد بن إسماعيل بن صلاح الصنعاني رحمه الله تعالى، حيث سطر فيها ذكريات رحلته إلى حج البيت الحرام، وزيارة مدينة الرسول ﷺ ، وعبر تجربته الشعورية الصادقة أنشأ هذه الأبيات التي تبوح بالشجون، وتكشف الوجد المكنون، وتستنفر الدمع الهتون، وتستمد مدادها من شعلة الأشواق التي اتقدت في أحشائه، واضطرمت في ضلوعه وبين جوانحه، ثم فاضت منها المآقي كالسواقي: عجباً لنار ضرمت في أحشائه فتفيض من أجفانه ينبوعا لهب يكون إذا تلبس بالحشى قيظاً ويظهر في الجفون ربيعا فنشرع بإذن الله تعالى في قراءة هذه القصيدة، والمفترض أن نشرح غريب القصيدة، ولكن في الحقيقة لو توقفنا عند كل كلمة لنشرحها فستذهب حلاوة القصيدة، ومتابعة ما عليها، فنعتذر عن ذكر ألفاظ الغريب، وإن كان المعنى في الجملة واضح تستطيعون إن شاء الله تعالى متابعته، وليتسنى ذكر الحج وبركاته.
يقول رحمه الله تعالى بادئاً بما كان اعتاد عليه أهل الجاهلية من الوقوف على الأطلال في أول الكلام ثم يدخل في الموضوع: أيا عذبات البان من أيمن الحمى رعى الله عيشا في رباك قطعناه سرقناه من شرخ الشباب وروْقه فلما سرقنا الصفو منه سُرقناه وجاءت جيوش البين يقدمها القضا فبدد شملاً بالحجاز نظمناه حرام بذي الدنيا زوال اجتماعنا فكم صرمت للشمل حبلاً وصلناه فيا أين أيام تولت على الحمى وليل مع العشاق فيه سمرناه ونحن لجيران المحصب جيرة نوفي لهم حسن الوداد ونرعاه ونخلو بمن نهوى إذا رقد الورى ويبدوعلينا من نحب محياه أقرب ولا بعد وشمل مجمع وكأس وصال بيننا قد أدرناه فهاتيك أيام الحياة وغيرها ممات فياليت النوى ما شهدناه فيا ما أمر البين ما أقتل الهوى أما يا الهوى إن الهنا قد سلبناه فو الله لم يبق الفراق لذاذة فلو من سبيل للفراق فرقناه فكم من قتيل بيننا بسهامه فلو أننا نعطى الخطاق قتلناه فأحبابنا بالشوق بالحب بالجوى لحرمة عقد عندنا ما حللناه لحق هوانا فيكم وودادنا لميثاق عهد صادق ما نقضناه أعيدوا لنا أعيادنا بربوعكم ووقت سرور في حماكم قضيناه فما العيش إلا ما قضينا على الحمى فذاك الذي من عمرنا قد عددناه فياليت عنا أغمض البين طرفه ويا ليت وقتاً للفراق فقدناه وترجع أيام المحصب للمنى ويبدو ثراه للعيون وحصباه وتسرح فيه العيس بين ثمامة وتستنشق الأرواح نشر خزاماه ونشكو إلى أحبابنا طول شوقنا إليهم وماذا بالفراق لقيناه فلا كانت الدنيا إذا لم يعاينوا هم القصد في أولى المشوق وأخراه عليكم سلام الله يا ساكني الحمى بكم طاب رياه بكم طاب سكناه وربكم لولاكم ما نوده ولا القلب من شوق إليه أذبناه أسكان وادي المنحنى زاد وجدنا بمغنى حماكم ذاك مغنى شغفناه نحنّ إلى تلك الربوع تشوقاً ففيها لنا عهد وعقد عقدناه ورب برانا ما سلونا ربوعكم وما كان من ربع سواه سلوناه فيا هل إلى ربع الأعاريب عودة فذاك وحق الله ربع حببناه قضينا مع الأحباب فيه مآربا إلى الحشر لا تنسى سقى الله مرعاه فشدّوا مطايانا إلى الربع ثانياً فإن الهوى عن ربعهم ما ثنيناه
стр. 1646
ذكر البيت والطواف
ففي ربعهم لله بيت مبارك إليه قلوب الخلق تهوي وتهواه يطوف به الجاني فيغفر ذنبه ويسقط عنه جرمه وخطاياه فكم لذة كم فرحة لطوافه فلله ما أحلى الطواف وأهناه نطوف كأنا في الجنان نطوفها ولا هم لا غم فذاك نفيناه فياشوقنا نحو الطواف وطيبه فذلك شوق لا يحاط بمعناه فمن لم يذقه لم يذق قط لذة فذقه تذق يا صاح ما قد أذقناه فوالله ما ننسى الحمى فقلوبنا هناك تركناها فيا كيف ننساه ترى رجعة هل عودة لطوافنا وذاك الحمى قبل المنية نغشاه ووالله ما ننسى زمان مسيرنا إليه وكل الركب قد لذ مسراه وقد نسيت أولادنا ونساؤنا وأموالنا فالقلب عنهم شغلناه تراءت لنا أعلام وصل على اللوى فمن أجلها فالقلب عنهم لويناه جعلنا إله العرش نصب عيوننا ومَنْ دونه خلف الظهور نبذناه وسرنا نشق البيد للبلد الذي بجهد وشق للنفوس بلغناه رجالاً وركبانا على كل ضامر ومن كل ذي فج عميق أتيناه نخوض إليه البر والبحر والدجى ولا قاطع إلا وعنه قطعناه ونطوي الفلا من شدة الشوق للقا فتمسي الفلا تحكي سجلاً قطعناه ولا صدنا عن قصدنا بعد أهلنا ولا هجر جار أو حبيب ألفناه وأموالنا مبذولة ونفوسنا ولم نبق شيئاً منهما ما بذلناه عرفنا الذي نبغي ونطلب فضله فهان علينا كل شيء بذلناه فمن عرف المطلوب هانت شدائد عليه ويهوى كل ما فيه يلقاه فيا لو ترانا كنت تنظر عصبة حيارى سكارى نحو مكة وُلاه فلله كم ليل قطعناه بالسرى وبر بسير اليعملات بريناه وكم من طريق مفزع في مسيرنا سلكنا وواد بالمخوفات جزناه ولو قيل إن النار دون مزاركم دفعنا إليها والعذول دفعناه فمولى الموالي للزيارة قد دعا أنقعد عنها والمزور هو الله ترادفت الأشواق واضطرم الحشا فمن ذا له صبر وفي النار أحشاه وأسرى بنا الحادي فأمعن في السرى وولى الكرى نوم الجفون نفينا
стр. 1647
الإحرام من الميقات
ولما بدا ميقات إحرام حجنا نزلنا به والعيس فيه أنخناه ليغتسل الحجاج فيه ويحرموا فمنه نلبي ربنا لا حرمناه ونادى مناد للحجيج ليحرموا فلم يبق إلا من أجاب ولباه وجردت القمصان والكل أحرموا ولا لبس لا طيب جميعاً هجرناه ولا لهو لا صيد ولا نقرب النسا ولا رفث لا فسق كُلاً رفضناه وصرنا كأموات لففنا جسومنا بأكفاننا كل ذليل لمولاه لعل يرى ذل العباد وكسرهم فيرحمهم رب يرجّون رحماه ينادونه: لبيك لبيك ذا العلا وسعديك كل الشرك عنك نفيناه فلو كنت يا هذا تشاهد حالهم لأبكاك ذاك الحال في حال مرآه وجوههم غبر وشعث رءوسهم فلا رأس إلا للإله كشفناه لبسنا دروعاً من خضوع لربنا وما كان من درع المعاصي خلعناه وذاك قليل في كثير ذنوبنا فيا طالما رب العباد عصيناه إلى زمزم زُمَّت ركاب مطينا ونحو الصفا عيس الوفود صففناه نؤم مقاماً للخليل معظماً إليه استبقنا والركاب حثثناه ونحن نلبي في صعود ومهبط كذا حالنا في كل مرقى رقيناه وكم نشزٍ عالٍ علته وفودنا وتعلو به الأصوات حين علوناه نحج لبيت حجه الرسل قبلنا لنشهد نفعاً في الكتاب وعدناه دعانا إليه الله قبل بنائه فقلنا له لبيك داع أجبناه أتيناك لبيناك جئناك ربنا إليك هربنا والأنام تركناه ووجهك نبغي أنت للقلب قبلة إذا ما حججنا أنت للحج رمناه فما البيت ما الأركان ما الحجر ما الصفا وما زمزم أنت الذي قد قصدناه وأنت منانا أنت غاية سؤلنا وأنت الذي دنيا وأخرى أردناه إليك شددنا الرحل نخترق الفلا فكم سدَّ سَدٌّ في سواد خرقناه كذلك ما زلنا نحاول سيرنا نهارا وليلاً عيسنا ما أرحناه إلى أن بدت إحدى المعالم من منى وهبّ نسيم بالوصول نشقناه ونادى بنا حادي البشارة والهنا فهذا الحمى هذا ثراه غشيناه
стр. 1648
رؤية البيت
وما زال وفد الله يقصد مكة إلى أن بدا البيت العتيق وركناه فضجت ضيوف الله بالذكر والدعا وكبرت الحجاج حين رأيناه وقد كادت الأرواح تزهق فرحة لما نحن من عظم السرور وجدناه تصافحنا الأملاك من كان راكبا وتعتنق الماشي إذا ثم تلقاه
стр. 1649
طواف القدوم
فطفنا به سبعاً رملنا ثلاثة وأربعة مشينا كما قد أمرناه كذلك طاف الهاشمي محمد طواف قدوم مثلما طاف طفناه وسالت دموع من غمام جفوننا على ما مضى من إثم ذنب كسبناه ونحن ضيوف الله جئنا لبيته نريد القرى نبغي من الله حسناه فنادى بنا أهلاً ضيوفي تباشروا وقروا عيونا فالحجيج قبلناه غداً تنظروني في جنان خلودكم وذاك قراكم معْ نعيم ذخرناه فأي قرى يعلو قرانا لضيفنا وأي ثواب مثل ما قد أثبناه وكل مسيء قد أقلنا عثاره ولا وزر إلا عنكم قد وضعناه ولا نصب إلا وعندي جزاؤه وكل الذي أنفقتموه حسبناه سأعطيكم أضعاف أضعاف مثله فطيبوا نفوساً فضلنا قد منحناه فيا مرحباً بالقادمين لبيتنا إليّ حججتم لا لبيت بنيناه علي الجزا مني المثوبة والرضا ثوابكم يوم الجزاء ضمناه فطيبوا سروراً وافرحوا وتباشروا وتيهوا وهيموا بابنا قد فتحناه ولا ذنب إلا قد غفرناه عنكم وما كان من عيب عليكم سترناه فهذا الذي نلنا بيوم قدومنا وأول ضيق للصدور شرحناه
стр. 1650
المبيت بمنى والسير إلى عرفات
وبتنا بأقطار المحصب من منى فيا طيب ليل بالمحصب بتناه وفي يومنا سرنا إلى الجبل الذي من البعد جئناه لما قد وجدناه فلا حج إلا أن نكون بأرضه وقوفاً وهذا في الصحيح رويناه إليه ابتدرنا قاصدين إلهنا فلولاه ما كنا لحج سلكناه وسرنا إليه قاصدين وقوفنا عليه ومن كل الجهات أتيناه على علميه للوقوف جلالة فلا زالتا تحمى وتحرس أرجاه وبينهما جزنا إليه بزحمة فيا طيبها ليت الزحام رجعناه ولما رأيناه تعالى عجيجنا نلبي وبالتهليل منا ملأناه وفيه نزلنا بكرة بذنوبنا وما كان من ثقل المعاصي حملناه
следующие страницы →