← Джавами‘

Джавами‘ · id 37018

دروس الشيخ محمد إسماعيل المقدم

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (2 122 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

ذكر البيت والطواف ففي ربعهم لله بيت مبارك إليه قلوب الخلق تهوي وتهواه يطوف به الجاني فيغفر ذنبه ويسقط عنه جرمه وخطاياه فكم لذة كم فرحة لطوافه فلله ما أحلى الطواف وأهناه نطوف كأنا في الجنان نطوفها ولا هم لا غم فذاك نفيناه فياشوقنا نحو الطواف وطيبه فذلك شوق لا يحاط بمعناه فمن لم يذقه لم يذق قط لذة فذقه تذق يا صاح ما قد أذقناه فوالله ما ننسى الحمى فقلوبنا هناك تركناها فيا كيف ننساه ترى رجعة هل عودة لطوافنا وذاك الحمى قبل المنية نغشاه ووالله ما ننسى زمان مسيرنا إليه وكل الركب قد لذ مسراه وقد نسيت أولادنا ونساؤنا وأموالنا فالقلب عنهم شغلناه تراءت لنا أعلام وصل على اللوى فمن أجلها فالقلب عنهم لويناه جعلنا إله العرش نصب عيوننا ومَنْ دونه خلف الظهور نبذناه وسرنا نشق البيد للبلد الذي بجهد وشق للنفوس بلغناه رجالاً وركبانا على كل ضامر ومن كل ذي فج عميق أتيناه نخوض إليه البر والبحر والدجى ولا قاطع إلا وعنه قطعناه ونطوي الفلا من شدة الشوق للقا فتمسي الفلا تحكي سجلاً قطعناه ولا صدنا عن قصدنا بعد أهلنا ولا هجر جار أو حبيب ألفناه وأموالنا مبذولة ونفوسنا ولم نبق شيئاً منهما ما بذلناه عرفنا الذي نبغي ونطلب فضله فهان علينا كل شيء بذلناه فمن عرف المطلوب هانت شدائد عليه ويهوى كل ما فيه يلقاه فيا لو ترانا كنت تنظر عصبة حيارى سكارى نحو مكة وُلاه فلله كم ليل قطعناه بالسرى وبر بسير اليعملات بريناه وكم من طريق مفزع في مسيرنا سلكنا وواد بالمخوفات جزناه ولو قيل إن النار دون مزاركم دفعنا إليها والعذول دفعناه فمولى الموالي للزيارة قد دعا أنقعد عنها والمزور هو الله ترادفت الأشواق واضطرم الحشا فمن ذا له صبر وفي النار أحشاه وأسرى بنا الحادي فأمعن في السرى وولى الكرى نوم الجفون نفينا

стр. 1647

الإحرام من الميقات ولما بدا ميقات إحرام حجنا نزلنا به والعيس فيه أنخناه ليغتسل الحجاج فيه ويحرموا فمنه نلبي ربنا لا حرمناه ونادى مناد للحجيج ليحرموا فلم يبق إلا من أجاب ولباه وجردت القمصان والكل أحرموا ولا لبس لا طيب جميعاً هجرناه ولا لهو لا صيد ولا نقرب النسا ولا رفث لا فسق كُلاً رفضناه وصرنا كأموات لففنا جسومنا بأكفاننا كل ذليل لمولاه لعل يرى ذل العباد وكسرهم فيرحمهم رب يرجّون رحماه ينادونه: لبيك لبيك ذا العلا وسعديك كل الشرك عنك نفيناه فلو كنت يا هذا تشاهد حالهم لأبكاك ذاك الحال في حال مرآه وجوههم غبر وشعث رءوسهم فلا رأس إلا للإله كشفناه لبسنا دروعاً من خضوع لربنا وما كان من درع المعاصي خلعناه وذاك قليل في كثير ذنوبنا فيا طالما رب العباد عصيناه إلى زمزم زُمَّت ركاب مطينا ونحو الصفا عيس الوفود صففناه نؤم مقاماً للخليل معظماً إليه استبقنا والركاب حثثناه ونحن نلبي في صعود ومهبط كذا حالنا في كل مرقى رقيناه وكم نشزٍ عالٍ علته وفودنا وتعلو به الأصوات حين علوناه نحج لبيت حجه الرسل قبلنا لنشهد نفعاً في الكتاب وعدناه دعانا إليه الله قبل بنائه فقلنا له لبيك داع أجبناه أتيناك لبيناك جئناك ربنا إليك هربنا والأنام تركناه ووجهك نبغي أنت للقلب قبلة إذا ما حججنا أنت للحج رمناه فما البيت ما الأركان ما الحجر ما الصفا وما زمزم أنت الذي قد قصدناه وأنت منانا أنت غاية سؤلنا وأنت الذي دنيا وأخرى أردناه إليك شددنا الرحل نخترق الفلا فكم سدَّ سَدٌّ في سواد خرقناه كذلك ما زلنا نحاول سيرنا نهارا وليلاً عيسنا ما أرحناه إلى أن بدت إحدى المعالم من منى وهبّ نسيم بالوصول نشقناه ونادى بنا حادي البشارة والهنا فهذا الحمى هذا ثراه غشيناه

стр. 1648

رؤية البيت وما زال وفد الله يقصد مكة إلى أن بدا البيت العتيق وركناه فضجت ضيوف الله بالذكر والدعا وكبرت الحجاج حين رأيناه وقد كادت الأرواح تزهق فرحة لما نحن من عظم السرور وجدناه تصافحنا الأملاك من كان راكبا وتعتنق الماشي إذا ثم تلقاه

стр. 1649

طواف القدوم فطفنا به سبعاً رملنا ثلاثة وأربعة مشينا كما قد أمرناه كذلك طاف الهاشمي محمد طواف قدوم مثلما طاف طفناه وسالت دموع من غمام جفوننا على ما مضى من إثم ذنب كسبناه ونحن ضيوف الله جئنا لبيته نريد القرى نبغي من الله حسناه فنادى بنا أهلاً ضيوفي تباشروا وقروا عيونا فالحجيج قبلناه غداً تنظروني في جنان خلودكم وذاك قراكم معْ نعيم ذخرناه فأي قرى يعلو قرانا لضيفنا وأي ثواب مثل ما قد أثبناه وكل مسيء قد أقلنا عثاره ولا وزر إلا عنكم قد وضعناه ولا نصب إلا وعندي جزاؤه وكل الذي أنفقتموه حسبناه سأعطيكم أضعاف أضعاف مثله فطيبوا نفوساً فضلنا قد منحناه فيا مرحباً بالقادمين لبيتنا إليّ حججتم لا لبيت بنيناه علي الجزا مني المثوبة والرضا ثوابكم يوم الجزاء ضمناه فطيبوا سروراً وافرحوا وتباشروا وتيهوا وهيموا بابنا قد فتحناه ولا ذنب إلا قد غفرناه عنكم وما كان من عيب عليكم سترناه فهذا الذي نلنا بيوم قدومنا وأول ضيق للصدور شرحناه

стр. 1650

المبيت بمنى والسير إلى عرفات وبتنا بأقطار المحصب من منى فيا طيب ليل بالمحصب بتناه وفي يومنا سرنا إلى الجبل الذي من البعد جئناه لما قد وجدناه فلا حج إلا أن نكون بأرضه وقوفاً وهذا في الصحيح رويناه إليه ابتدرنا قاصدين إلهنا فلولاه ما كنا لحج سلكناه وسرنا إليه قاصدين وقوفنا عليه ومن كل الجهات أتيناه على علميه للوقوف جلالة فلا زالتا تحمى وتحرس أرجاه وبينهما جزنا إليه بزحمة فيا طيبها ليت الزحام رجعناه ولما رأيناه تعالى عجيجنا نلبي وبالتهليل منا ملأناه وفيه نزلنا بكرة بذنوبنا وما كان من ثقل المعاصي حملناه

стр. 1651

الوقوف بعرفة وبعد زوال الشمس كان وقوفنا إلى الليل نبكي والدعاء أطلناه فكم حامد كم ذاكر ومسبح وكم مذنب يشكو لمولاه بلواه فكم خاضع كم خاشع متذلل وكم سائل مدت إلى الله كفاه وساوى عزيز في الوقوف ذليلنا وكم ثوب عز في الوقوف لبسناه ورب دعانا ناظر لخضوعنا خبير عليم بالذي قد أردناه ولما رأى تلك الدموع التي جرت وطول خشوع معْ خضوع خضعناه تجلى علينا بالمتاب وبالرضا وباهى بنا الأملاك حين وقفناه وقال انظروا شعثاً وغبراً جسومهم أجرنا أغثنا يا إلهاً دعوناه وقد هجروا أموالهم وديارهم وأولادهم والكل يرفع شكواه إلي فإني ربهم ومليكهم لمن يشتكي المملوك إلا لمولاه ألا فاشهدوا أني غفرت ذنوبهم ألا فانسخوا ما كان عنهم نسخناه فقد بدلت تلك المساوي محاسنا وذلك وعد من لدنا وعدناه فيا صاحبي من مثلنا في مقامنا ومن ذا الذي قد نال ما نحن نلناه على عرفات قد وقفنا بموقف به الذنب مغفور وفيه محوناه وقد أقبل الباري علينا بفضله وقال ابشروا فالعفو فيكم نشرناه وعنكم ضمنا كل تابعة جرت عليكم وأما حقنا فوهبناه أقلناكم من كل ما قد جنيتم وما كان من عذر لدينا عذرناه فيا من أسا يا من عصى لو رأيتنا وأوزارنا ترمى ويرحمنا الله وددت بأن لو كنت بين رحالنا وترجو رحيماً كلنا يترجاه وقفنا لديه سائلين من الخطا وغفراننا من ربنا قد طلبناه أمرنا بحسن الظن والله حثنا عليه وهذا في الحديث رويناه عليه اتكلنا واطمأنت قلوبنا لما عنده من وسع عفوعرفناه فطوبى لمن ذاك المقام مقامه وبشراه في يوم التغابن بشراه ترى موقفاً فيه الخزائن فتحت ووالى علينا الله منها عطاياه فصالح مهجوراً وقرب مبعداً وذاك مقام الصلح للصلح قمناه ودار علينا الكأس بالفضل والرضا سقينا شراباً مثله ما سقيناه فإن شئت تسقى ما سقينا على الحمى فقلل وما واقصد مقاماً قصدناه وفيه نصبنا للرحيل صفوفنا فقال كفيتم عفونا قد بسطناه وأعتقنا كلاً وأهدر ما مضى وقال لنا كل العتاب طويناه

стр. 1652

ذكر خزي إبليس اللعين فإبليس مغموم لكثرة ما يرى من العتق محقوراً ذليلاً دحرناه على رأسه يحثو التراب مناديا بأعوانه: ويلاه ذا اليوم ويلاه وأظهر منا حسرة وندامة وكل بناء قد بناه هدمناه تركناه يبكي بعدما كان ضاحكاً فكم مذنب من كفه قد سللناه وكم أمل نلناه يوم وقوفنا وكم من أسير للمعاصي فككناه وكم قد رفعنا للإله مطالبا ولا أحداً ممن نحب نسيناه وخصّصت الآباء والأهل بالدعا وكم صاحب دانٍ وناء ذكرناه كذا فعل الحجاج هاتيك عادة وما فعل الحجاج فيه فعلناه وظل إلى وقت الغروب وقوفنا وقيل ادفعوا فالكل منكم قبلناه

стр. 1653

الإفاضة والمبيت بمزدلفة وذكر الله عند المشعر الحرام أفيضوا وأنتم حامدون إلهكم إلى مشعر جاء الكتاب بذكراه وسيروا إليه واذكروا الله عنده فسرنا وفي وقت العشاء نزلناه وفيه جمعنا مغرباً وعشاءها ترى عائداً جمعاً لجمع جمعناه وبتنا به حتى لقطنا جمارنا ورباً شكرناه على ما هداناه ومنه أفضنا حيثما الناس قبلنا أفاضوا وغفران الإله طلبناه ونحو منى ملنا بها كان عيدنا ونلنا بها ما القلب كان تمناه فمن منكم بالله عيّد عيدنا فعيد منى رب البرية أعلاه وفيه رمينا للعقاب جمارنا ولا جرم إلا مع جمار رميناه وبالجمرة القصوى بدأنا وعندها حلقنا وقصرنا لشعر حضرناه ولما حلقنا حل لبس مخيطنا فيا خلقة منها المخيط لبسناه وفيها نحرنا الهدي طوعاً لربنا وإبليس لما أن نحرنا نحرناه ومن بعدها يومان للرمي عاجلاً ففيها رمينا والإله دعوناه وإياه أرضينا برمي جمارنا وشيطاننا المرجوم ثَم رجمناه وبالخيف أعطانا الإله أماننا وأذهب عنا كل ما نحن نخشاه

стр. 1654

النفر من منى وطواف الإفاضة وردت إلى البيت الحرام وفودنا نحنُّ له كالطير حنّ لمأواه وطفنا طوافا للإفاضة حوله وفزنا به بعد الجمار وزرناه ومن بعد ما زرنا دخلناه دخلة كأنا دخلنا الخلد حين دخلناه ونلنا أمان الله عند دخوله كذا أخبر القرآن فيما قرأناه فيا منزلاً قد كان أبرك منزل نزلناه في الدنيا وبيتاً حججناه ترى حجةً أخرى إليه ودخلةً وهذا على رب الورى نتمناه فإخواننا ما كان أحلى دخولنا إليه ولبثا في ذراه لبثناه نطوف به والله يحصي طوافنا ليسقط عنا ما نسينا وأخطاه

стр. 1655

ذكر استلام الحجر الأسود والركن اليماني وبالحجر الميمون عدنا فإنه برب السما والأرض للخلق يمناه نقبله من حبنا لإلهنا وكم لثمه طي الطواف لثمناه وذاك لنا يوم القيامة شاهد وفيه لنا لله عهد عهدناه ونستلم الركن اليماني طاعة ونستغفر المولى إذا ما لمسناه وملتزم فيه التزمنا لربنا عهوداً وعهد الله فيه لزمناه وكم موقف فيه يجاب لنا الدعا دعونا به والقصد فيه نويناه وصلى بأركان المقام حجيجنا وفي زمزم ماءً طهوراً وردناه وفيه الشفا فيه بلوغ مرادنا لما نحن ننويه إذا ما شربناه

стр. 1656

ذكر السعي بين الصفا والمروة والتحلل من الإحرام وبين الصفا والمروة الوفد قد سعى فإن تمام الحج تكميل مسعاه فسبعاً سعاها سيد الرسل قبلنا ونحن تبعناه فسبعاً سعيناه نهرول في أثنائها كل مرة فهذاك من فعل الرسول فعلناه وبعد تمام الحج والنسك كلها حللنا وباقي عيسنا قد أنخناه فمن شاء وافى الصيد والطيب والنسا فقد تم حج للإله حججناه ولما اعتمرنا كان أبركَ عمرنا زمان نراه باعتمار عمرناه ولما قضينا للإله مناسكاً ذكرناه والمطلوب منه سألناه فمن طالب حظاً بدنيا فما له خلاق بأخراه إذا الله لاقاه ومن طالب حسنا بدنيا لدينه وحسنا بأخراه وذاك يوفاه وآخر لا يبغي من الله حاجة سوى نظرة في وجهه يوم عقباه

стр. 1657

طواف الوداع وبات حجيج الله بالبيت محدقاً ورحمة رب العرش إذ ذاك تغشاه تداعى رفاق للرحيل فما ترى سوى دمع عين بالدعاء مددناه لفرقة بيت الله والحجر الذي لأجلهما صعب الأمور سلكناه وودعت الحجاج بيت إلهها وكلهم تجري من الحزن عيناه فللَّه كم باك وصاحب حسرة يود بأن الله كان توفاه فلو تشهد التوديع يوماً لبيته فإن فراق البيت مراً وجدناه فما فرقة الأولاد والله إنه أمرّ وأدهى ذاك شيء خبرناه فمن لم يجرب ليس يعرف قدره فجرب تجد تصديق ما قد ذكرناه لقد صدعت أكبادنا وقلوبنا لما نحن من مُرّ الفراق شربناه ووالله لولا أن نؤمل عودة إليه لذقنا الموت حين فجعناه

стр. 1658

ذكر الرحيل إلى طيبة وزيارة النبي ﷺ ومن بعد ما طفنا طواف وداعنا رحلنا لمغنى المصطفى ومصلاه ووالله لو أن الأسنة أشرعت وقامت حروب دونه ما تركناه ولو أننا نسعى على الروس دونه ومن دونه جفن العيون فرشناه وتملك منا بالوصول رقبانا ويسلب منا كل شيء ملكناه لكان يسيراً في محبة أحمد وبالروح لو يشرى الوصال شريناه ورب الورى لولا محمد لم نكن لطيبة نسعى والركاب شددناه ولولاه ما اشتقنا العقيق ولا قبا ولولاه لم نهوى المدينة لولاه هو القصد إن غنت بنجد حداتنا وإلا فما نجد وسلع أردناه وما مكة والخيف قل لي ولا منى وما عرفات قبل شرع أراناه به شرفت تلك الأماكن كلها وربك قد خص الحبيب وأعطاه لمسجده سرنا وشدت رحالنا وبين يديه شوقنا قد كتبناه قطعنا إليه كل بر ومهمه ولا شاغل إلا وعنا قطعناه كذا عزمات السائرين لطيبة رعى الله عزماً للحبيب عزمناه وكم جبل جزنا ورمل وحاجز ولله كم واد وشعب عبرناه تروحنا الأشواق نحو محمد فنسري ولا ندري بما قد سريناه ولما بدا جذع العقيق رأيتنا نشاوى سكارى فارحين برؤياه شممنا نسيماً جاء من نحو طيبة فأهلاً وسهلاً يا نسيما شممناه فقد ملئت منّا القلوب مسرة وأي سرور مثل ما قد سررناه فوا عجباه كيف قرّت عيوننا وقد أيقنت أن الحبيب أتيناه ولقياه منا بَعدَ بُعدٍ تقاربت فو الله لا لقيا تعادل لقياه وصلنا إليه واتصلنا بقربه فلله ما أحلى وصولاً وصلناه وقفنا وسلمنا عليه وإنه ليسمعنا من غير شك فديناه ورد علينا بالسلام سلامنا وقد زادنا فوق الذي قد بدأناه كذا كان خلق المصطفى وصفاته بذلك في الكتب الصحاح عرفناه وثَم دعونا للأحبة كلهم فكم من حبيب بالدعا قد خصصناه وملنا لتسليم الإمامين عنده فإنهما حقاً هناك ضجيعاه وكم قد مشينا في مكان به مشى وكم مدخل للهاشمي دخلناه وآثاره فيها العيون تمتعت وقمنا وصلينا بحيث مصلاه وكم قد نشرنا شوقتنا لحبيبنا وكم من غليل في القلوب شفيناه ومسجده فيه سجدنا لربنا فلله ما أعلى سجوداً سجدناه بروضة قمنا فهاتيك جنة فيا فوز من فيها يصلي وبشراه ومنبره الميمون منه بقية وقفنا عليها والفؤاد كررناه كذلك مثل الجذع حنت قلوبنا إليه كما ود الحبيب وددناه وزرنا قبا حبا لأحمد إذ مشى عسى قدماً يخطو مقاما تخطاه ليبعث يوم البعث تحت لوائه إذا الله من تلك الأماكن ناداه وزرنا مزارات البقيع فليتنا هناك دفنا والممات رزقناه وحمزة زرناه ومن كان حوله شهيداً وأحداً بالعيون شهدناه ولما بلغنا من زيارة أحمد منانا حمدنا ربنا وشكرناه ومن بعد هذا صاح بالبين صائح وقال ارحلوا يا ليتنا ما أطعناه سمعنا له صوتاً بتشتيت شملنا فيا ما أمر الصوت حين سمعناه وقمنا نؤم المصطفى لوداعه ولا دمع إلا للوداع صببناه ولا صبر كيف الصبر عند فراقه؟ وهيهات إن الصبر عنه صرفناه أيصبر ذو عقل لفرقة أحمد فلا والذي من قاب قوسين أدناه فواحسرتاه من وداع محمد وأواه من يوم التفرق أواه سأبكي عليه قدر جهدي بناظر من الشوق لا ترقى من الدمع غرباه فيا وقت توديعي له ما أمره ووقت اللقا والله ما كان أحلاه عسى الله يدنيني لأحمد ثانياً فيا حبذا قرب الحبيب ومدناه فيا رب فارزقني لمغناه عودة تضاعف لنا فيها الثواب وترضاه رحلنا وخلفنا لديه قلوبنا فكم جسد من غير قلب قلبناه ولما تركنا ربعه من ورائنا فلا ناظر إلا إليه رددناه لنغنم منه نظرة بعد نظرة فلما أغبناه السرور أغبناه فلا عيش يهنى مع فراق محمد أأفقد محبوبي وعيشي أهناه دعوني أمت شوقاً إليه وحرقة وخطوا على قبري بأني أهو

стр. 1659

الحث على الحج بالمال الحلال فيا صاحبي هذي التي بي قد جرت وهذا الذي في حجنا قد عملناه فإن كنت مشتاقاً فبادر إلى الحمى لتنظر آثار الحبيب وممشاه وتحظى بيت الله من قبل منعه كأنا به عما قليل منعناه أليس ترى الأشراط كيف تتابعت فبادره واغنمه كما قد غنمناه إلى عرفات عاجل العمر واستبق فثم إله الخلق يسبغ نعماه وعيّد مع الحجاج يا صاح في منى فعيد منى أعلاه عيداً وأسناه وضح بها واحلق وسر متوجهاً إلى البيت واصنع مثل ما قد صنعناه وكن صابراً إنا لقينا مشقة فإن تلقها فاصبر كصبر صبرناه لقد بعدت تلك المعالم والربا فكم من رواح مع غدو غدوناه فبادر إليها لا تكن متوانيا لعلك تحظى بالذي قد حظيناه وحج بمال من حلال عرفته وإياك والمال الحرام وإياه فمن كان بالمال المحرم حجه فمن حجه والله ما كان أغناه إذا هو لبى الله كان جوابه من الله لا لبيك حج رددناه كذلك جانا في الحديث مسطرا ففي الحج أجر وافر قد سمعناه

стр. 1660

الحث على زيارة المسجد النبوي ومن بعد حج سر لمسجد أحمد ولا تخطه تندم إذا ما تخطاه فوا أسف الساري إذا ذكر الحمى إذا ربع خير المرسلين تخطاه ووالهف الآتي بحج وعمرة إذا لم يكمل بالزيارة ممشاه يعزى على ما فاته من مزاره فقد فاته أجر كثير بأخراه نظرناه حقاً حين بانت ركابنا على طيبة حقاً وصدقاً نظرناه وزادت بنا الأشواق عند دنونا إليها فما أحلى دنواً دنيناه ولما بدت أعلامها وطلولها تحدرت الركبان عما ركبناه وسرنا مشاة رفعة لمحمد حثنا الخطا حتى المصلى دخلناه لنغنم تضعيف الثواب بمسجد صلاة الفتى فيه بألف يوفاه كذلك فاغنم في زيارة طيبة كما قد فعلنا واغتنم ما غنمناه فإذ ما رأيت القبر قبر محمد فلا تدن منه ذاك أولى لعلياه وقف بوقار عنده وسكينة ومثِّل رسول الله حيا بمثواه وسلم عليه والوزيرين عند وزره كم زرنا لنحصد عقباه وبلغه عنا لا عُدمت سلامنا فأنت رسول للرسول بعثناه ومن كان منا مبلغا لسلامنا فإنا بإدلاء السلام سبقناه فيا نعمة لله لسنا بشكرها نقوم ولو ماء البحور مددناه فنحمد رب العرش إذا كان حجنا بزورة من كان الختام ختمناه عليك سلام الله ما دامت السما سلام كما يبغى الإله ويرضاه

стр. 1661

فضائل يوم عرفة أما الشق الثاني فيتعلق بيوم عرفة والوقوف بعرفة: لا شك أن يوم عرفة يوم عظم الله أمره، ورفع على الأيام قدره، فقد أقسم الله به، والعظيم لا يقسم إلا بعظيم، فقال : ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ [الفجر:٣] قال ابن عباس: (الوتر يوم عرفة، والشفع يوم الذبح) وقيل: إنه هو اليوم المشهود الذي أتى ذكره في سورة البروج، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (اليوم الموعود يوم القيامة، واليوم المشهود يوم عرفة، والشاهد يوم الجمعة قال: ولا طلعت الشمس ولا غربت على يوم أفضل منه، فيه ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يدعو الله بخير إلا استجاب الله له، ولا يستعيذ من شيء إلا أعاذه الله منه). ومن فضائله: أنه هو اليوم الذي أنزل الله فيه فيه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]، وعن طارق بن شهاب قال: (قالت اليهود لـ عمر ﵁: إنكم تقرءون آية لو نزلت فينا لاتخذناه عيداً فقال عمر: إني لأعلم حيث أنزلت، وأين أنزلت، وأين رسول الله ﷺ حين أنزلت، يوم عرفة، وإنا والله بعرفة يوم جمعة) وهذا حديث متفق عليه. إذاً: يوم عرفة هو يوم عيد لأهل الموقف، وإنما يكمل الحج بالوقوف بعرفة؛ لأن الوقوف بعرفة هو ركن الحج الأعظم، لقول النبي ﷺ : (الحج عرفة) قال ابن حجر رحمه الله تعالى: استدل بهذا الحديث -أي: حديث عمر - على مزية الوقوف بعرفة يوم الجمعة على غيره من الأيام؛ لأن الله تعالى إنما يختار لرسوله ﷺ الأفضل، فاختار له أن يكون عرفة يوم الجمعة، فاجتمع عيد عرفة وعيد الجمعة. فالأعمال تشرف بشرف الأزمنة كالأمكنة، ويوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع؛ ولأن في يوم الجمعة الساعة المستجاب فيها الدعاء، ولاسيما على قول من قال: إنها بعد العصر، وهو الأرجح والله تعالى أعلم. أما ما روي من حديث: (خير يوم طلعت فيه الشمس يوم عرفة وافق يوم الجمعة، وهو من أفضل من سبعين حجة من غيرها) فهو حديث لا أعرف حاله هذا كلام الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى. أيضاً يوم عرفة فيه أخذ الميثاق قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف:١٧٢]، فأخذ الله فيه الميثاق على ذرية آدم بتوحيده، قال رسول الله ﷺ : (إن الله أخذ من ظهر آدم بنعمان يوم عرفة، وأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها، فنثرهم بين يديه كالذر، ثم كلمهم قبلاً قال: ألست بربكم؟ قالوا: بلى)، وهذا الحديث صحيح. ومن فضائل هذا اليوم أن الله يباهي بأهله الملائكة، كما قال رسول الله ﵊: (إن الله يباهي بأهل عرفات أهل السماء، يقول لهم: انظروا إلى عبادي هؤلاء! جاءوني شعثاً غبراً)، فهذا يقتضي الغفران وعموم التكفير؛ لأنه لا يباهي بالملائكة وهم مطهرون إلا بمطهر، فلا يكون الحجاج مطهرين إلا إذا غفر الله لهم ذنوبهم مغفرة عامة وشاملة، وينتج من ذلك أن الحج يكفر حق المولى وحق الخلق حتى الكبائر والتبعات، وهذا أشار إليه في قوله: (وعنكم ضمنا كل تابعة جرت)، وهو حق الخلق، فيغفره الله ويتحمله ويضمنه عن الحجاج. وفيه أفضلية عرفة على يوم النحر، وهو ما عليه الأكثر، وإنما سمي الموقف عرفة لأنه عرف لإبراهيم ﵇ فلما أبصره عرفه، أو لأن جبريل كان يدور في المشاعر، فلما رآه إبراهيم قال: قد عرفت، أو لأن الناس يتعارفون فيه. عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله ﷺ : (ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبداً أو أمة من الناس من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ماذا أراد هؤلاء؟). وعن بلال بن رباح (أن النبي ﷺ قال له غداة جمع: يا بلال أسكت أو أنصت الناس، ثم قال: إن الله تطول عليكم في جمعكم هذا فوهب مسيئكم لمحسنكم، وأعطى محسنكم ما سأل، ادفعوا باسم الله). وقال رسول الله ﷺ : (أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة، وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له). الذي يخصنا نحن أكثر في هذا المقام هو بيان أن الله من رحمته بعباده جعل المتخلف لعذر شريكاً للسائل، كما قال النبي ﷺ لما رجع من غزوة تبوك: (إن في المدينة أقواماً ما سرتم مسيراً ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم، خلفهم العذر)، وقال الشاعر في ذلك: يا سائرين إلى البيت العتيق لقد سرتم جسوماً وسرنا نحن أرواحا إنا أقمنا على عذر وقد رحلوا ومن أقام على عذر كمن راحا وربما سبق بعض من سار بقلبه وعزمه بعض السائرين بأبدانهم فليس الشأن فيمن سار ببدنه، إنما الشأن فيمن قعد بدنه لعذر وسار بقلبه حتى سبق الركب.

стр. 1662

أعمال صالحة تقوم مقام الحج والعمرة

стр. 1663

ذكر الله وهناك أعمال قد تقوم مقام الحج والعمرة لمن عجز عنهما، فمنها ذكر الله دبر كل صلاة، فقد روى البخاري بسنده عن أبي هريرة ﵁ قال: (جاء الفقراء إلى رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله! ذهب أهل الدثور من الأموال بالدرجات العلى والنعيم المقيم، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ولهم فضل أموال يحجون بها، ويعتمرون، ويجاهدون، ويتصدقون، فقال رسول الله ﷺ : ألا أحدثكم بما لو أخذتم به لحقتم من سبقكم، ولم يدرككم أحد بعدكم، وكنتم خير من أنتم بين ظهرانيه إلا من عمل مثله: تسبحون وتحمدون وتكبرون خلف كل صلاة ثلاثاً وثلاثين). وعن أبي الدرداء ﵁ قال: (قلنا: يا رسول الله! ذهب الأغنياء بالأجر يحجون ولا نحج، ويجاهدون ولا نجاهد وبكذا وبكذا، فقال رسول الله ﷺ : ألا أدلكم على شيء إن أخذتم به جئتم بأفضل ما يجيء به أحد منهم: تكبروا الله أربعاً وثلاثين، وتسبحوه ثلاثاً وثلاثين، وتحمدوه ثلاثاً وثلاثين في دبر كل صلاة) وهذا رواه الإمام أحمد والنسائي. إذاً: هذا مما يعوض من عجز عن الذهاب إلى البيت بعذر، فيستطيع أن يصل إلى رب البيت بالتقرب بهذا العمل، وهو ذكر الله دبر الصلوات المكتوبة.

стр. 1664

صلاة العشاء والغداة في جماعة من ذلك أيضاً صلاة العشاء والغداة في جماعة، والغداة هي صلاة الفجر، عن أبي ذر ﵁: (أن ناساً من أصحاب النبي ﷺ قالوا: يا رسول الله! ذهب أهل الدثور بالأجور -يعني: الأغنياء- يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم، فقال النبي ﷺ : أوليس قد جعل الله لكم صلاة العشاء في جماعة تعدل حجة، وصلاة الغداة في جماعة تعدل عمرة؟!) وهذا رواه مسلم. قال أبو هريرة ﵁ تعالى عنه لرجل: (بكورك إلى المسجد أحب إلي من غزوتنا مع رسول الله ﷺ . ولا شك أن أداء الواجبات كلها أفضل من التنفل بالحج والعمرة وغيرهما، فما تقرب العباد إلى ربهم بمثل أداء ما افترضه الله عليهم، وكثير من النفوس يعسر عليها التنزه عن كسب الحرام والشبهات، ويسهل عليها إنفاق ذلك في الحج والصدقات، قال بعض السلف: ترك فعل الشيء مما يكرهه الله أحب إلي من خمسمائة حجة، يعني: هناك ما هو أولى من مجرد فعل الفرائض، وهو التعفف عن كسب الحرام، والتنزه عن المال الحرام، فهذا من أعظم ما يتقرب به إلى الله . قال الفضيل بن عياض مبيناً باباً آخر من أبواب العبادة التي قد تفضل على حج التطوع: ما حج ولا رباط ولا جهاد أشد من حفظ اللسان، ولو أصبحت يهمك لسانك أصبحت في همٍّ شديد، وليس الاعتبار بأعمال البر بالجوارح، وإنما الاعتبار بلين القلوب وتقواها وتطهيرها عن الآثام.

стр. 1665

صلاة الفجر في جماعة ثم المكوث حتى تطلع الشمس لصلاة ركعتين مما يعوض الحج والعمرة صلاة الفجر في جماعة، والذكر حتى طلوع الشمس، وصلاة الركعتين بعدها، فقد قال رسول الله ﷺ : (من صلى الفجر في جماعة، ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين، كانت له كأجر حجة وعمرة تامة تامة تامة)، وهذا رواه الترمذي وصححه الألباني.

стр. 1666

حضور الجماعات والمشي إلى صلاة التطوع من ذلك أيضاً حضور الجماعات والمشي إلى صلاة التطوع، قال رسول الله ﷺ : (من مشى إلى صلاة مكتوبة في الجماعة فهي كحجة، ومن مشى إلى صلاة تطوع فهي كعمرة نافلة)، وهذا حديث حسن. المقصود بالمشي إلى صلاة التطوع: أن يمشي إلى المسجد يصلي صلاة الضحى مثلاً كما في رواية أبي داود، قال المناوي: من مشى إلى أداء صلاة مكتوبة فليسرع. والخصلة كحجة يعني: كثواب حجة، ومن مشى إلى صلاة التطوع فهي كثواب عمرة، لكن لا يلزم التساوي في المقدار.

стр. 1667

الصلاة في مسجد قباء كذلك الصلاة في مسجد قباء، فقد قال رسول الله ﷺ : (من تطهر في بيته، ثم أتى مسجد قباء فصلى فيه، كان له عدل عمرة)، وهذا صحيح رواه أحمد في مسنده والنسائي والحاكم وصححه الألباني. وقال ﷺ : (الصلاة في مسجد قباء كعمرة)، وقال ﷺ : (من أتى مسجد بني عمرو بن عوف -وهو مسجد قباء- لا ينزعه إلا الصلاة كان له أجر عمرة). وعن عائشة بنت سعد بن أبي وقاص قالت: سمعت أبي ﵁ يقول: (لأن أصلي في مسجد قباء ركعتين أحب إلي من آتي بيت المقدس مرتين، لو يعلمون ما في قباء لضربوا إليه أكباد الإبل)، وهذا بدون سفر أو شد الرحال، فالإنسان يأتي المدينة لزيارة المسجد النبوي ثم من السنة أن يزور مسجد قباء. وهذا المسجد هو الذي نزل فيه وفي دياره قول الله : ﴿فيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة:١٠٨]، وقال لهم رسول الله ﷺ : (إن الله قد رضي طهوركم يا أهل قباء).

стр. 1668

شهود صلاة العيدين كذلك مما يعوض فوات الحج والعمرة شهود العيدين: الفطر والأضحى، قال ابن رجب: قال مخنس بن سليم وهو معدود من الصحابة: (الخروج يوم الفطر يعدل عمرة، والخروج يوم الأضحى يعدل حجة). قال ابن رجب رحمه الله تعالى: رأى بعض الصالحين الحاج في وقت خروجه، فوقف يبكي ويقول: واضعفاه! وينشد: فقلت دعوني واتباعي ركابكم أكن طوع أيديكم كما يفعل العبد ثم تنفس وقال: هذه حسرة من انقطع عن الوصول إلى البيت، فكيف تكون حسرة من انقطع عن الوصول إلى رب البيت؟! يقول الحافظ ابن رجب: إخواني! إن حبستم العام عن الحج، فارجعوا إلى جهاد النفوس، أو أحصرتم عن أداء النسك، فأريقوا على تخلفكم من الدموع ما تيسر، فإن إراقة الدماء لازمة للمحصر، ولا تحلقوا رءوس أديانكم بالذنوب، فإن الذنوب حالقة للدين وليست حالقة للشعر، وقوموا لله باستشعار الرجاء والخوف مقام القيام بأرجاء الخيف والمشعر، ومن كان قد بعد عن حرم الله فلا يبعد نفسه بالذنوب عن رحمة الله، فإن رحمة الله قريب ممن تاب إليه واستغفر، ومن عجز عن حج البيت أو البيت منه بعيد فليقصد رب البيت، فإنه ممن دعاه ورجاه أقرب من حبل الوريد. من فاته في هذا العام القيام بعرفة فليقم لله بحقه الذي عرفه، ومن عجز عن المبيت بمزدلفة فليبيت عزمه على طاعة الله وقد قربه وأزلفه، ومن لم يمكنه القيام بأرجاء الخيف فليقم لله بحق الرجاء والخوف، ومن لم يقدر على نحر هديه بمنى فليذبح هواه هنا وقد بلغ المنى، ومن لم يصل إلى البيت لأنه منه بعيد فليقصد رب البيت فإنه أقرب إلى من دعاه ورجاه من حبل الوريد، إن لم نصل إلى ديارهم فلنصل انكسارنا بانكسارهم، إن لم نقدر على عرفات فلنستدرك ما قد فات، إن لم نصل إلى الحجر فلين كل قلب حجر، إن لم نقدر على ليلة جمع ومنى فلنقم بمأتم الأسف ههنا. أين المريد المجد السابق؟! هذا يوم يرحم فيه الصادق، من لم يُنِب في هذا اليوم فمتى ينيب؟! ومن لم يجب في هذا الوقت فمتى يجيب؟! ومن لم يتعرف بالتوبة فهو غريب، أسفاً لعبد لم يغفر له اليوم ما جنى، كلما هم بخير نفض الثوب وما بنى، حضر مواسم الأفراح فما حصل خيراً ولا اقتنى، ودخل بساتين الفلاح فما مد كفاً ولا جنى، ليت شعري من منا خاف ومن منا نال المنى! فيا إخواني! إن فاتنا نزول منى فلننزل دموع الحسرات هاهنا، وكيف لا نبكي ولا ندري ماذا يراد بنا؟! وكيف بالسكون وما نعلم ما عنده لنا؟! فلذا الموقف أعددنا البكاء ولذا اليوم الدموع تقتنى، أخي! لئن سار القوم وقعدنا، وقربوا وبعدنا، فما يؤمننا أن نكون ممن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين. لله در ركائب سارت بهم تطوي القطار الشافعات على الدجى رحلوا إلى البيت الحرام وقد شدا قلب المتيم منهم ما قد شدا نزلوا بباب لا يخيب نذيره وقلوبهم بين المخافة والرجا يحق لمن رأى الواصلين وهو منقطع أن يقلق، ولمن شاهد السائرين إلى ديار الأحبة وهو قاعد أن يحزن: عرض بذكري عندهم لعلهم إن سمعوك سألوك عني قل ذلك المحبوس عن قصدكم معذب القلب لكل فنى إخواني! نفحت في أيام الحج نفحة من نفحات الأنس من رياض القدس على كل قلب أجاب إلى ما دعا. يا همم العارفين لغير الله لا تقنعي، يا عزائم الناسكين لدمع أنساك السالكين اجمعي، لحب مولاك اخرجي وبين خوفه ورجائه اقرني، وبذكره تمتعي، يا أسرار المحبين بكعبة الحب طوفي واركعي، وبين صفاء الصفا ومروى المروة اسعي وأسرعي، وفي عرفات الغرفات قفي وتضرعي، ثم إلى مزدلفة الزلفى فادفعي، ثم إلى منى نيل المنى فارجعي، فإذا قربت القرابين فقربي الأرواح ولا تمنعي، فإنه قد وضح الطريق، ولكن قل السالك على التحقيق وكثر المدعي!

стр. 1669

فضل تلقي الحجاج ومصافحتهم أخيراً: ننوه إلى أن تلقي الحجاج مسنون، أي: يستحب أن يتلقى الإنسان الحاج ويسلم عليه، ويطلب الاستغفار منه والدعاء له، ففي صحيح مسلم عن عبد الله بن جعفر ﵁ قال: (كان النبي ﷺ إذا قدم من سفر تلقي بصبيان أهل المدينة)، كانوا يقابلونه بالصبيان وصغار أهل المدينة. وعن عائشة ﵂ قالت: (أقبلنا من مكة في حج أو عمرة فتلقانا غلمان من الأنصار كانوا يتلقون أهليهم إذا قدموا)، وقد كان السلف يدعون لمن رجع من حجه، فهذا خالد الحذاء لما رجع، قال له أبو قلابة: بر العمل. يعني: جعله الله مبروراً. وعن ابن أبي ثابت قال: (خرجت مع أبي نتلقى الحجاج ونسلم عليهم قبل أن يتدنسوا) يعني: قبل أن يعودوا فيخالطوا الحياة من جديد، وقد رجعوا أنقياء أطهاراً من الذنوب، فهذا هو السبب، ولعلك تحرص على دعائه لك؛ لأنه لم يخض في الفتن والدنيا. وعن الحسن قال: إذا خرج الحجاج فشيعوهم وزودوهم الدعاء، وإذا قفلوا فالقوهم وصافحوهم قبل أن يخالطوا الذنوب، فإن البركة في أيديهم. وفي مسند البزار وصحيح الحاكم من حديث أبي هريرة مرفوعاً: (اللهم اغفر للحاج، ولمن استغفر له الحاج)، وعن ابن عباس ﵄ قال: (لو يعلم المقيمون ما للحاج عليهم من الحق لأتوهم حين يقدمون حتى يقبلوا رواحلهم؛ لأنهم وفد الله في جميع الناس). ما للمنقطع حيلة سوى التعلق بأذيال الواصلين: هل الدهر يوماً بوصل يجود وأيامنا باللوا هل تعود زمان تقضى وعيش مضى بنفسي والله تلك العهود ألا كل زوار دار الحبيب هنيئاً لكم في الجنان الخلود أفيضوا علينا من الماء فيضاً فنحن عطاش وأنتم ورود أحب شيء إلى المحب سؤال من قدم من ديار الحبيب، فيقول: عرضاني ركب الحجاز أسائله متى عهده بأيام سلع واستمليا حديث من سكن الخيـ ـف ولا تكتباه إلا بدمع فاتني أن أرى الديار بطرفي فلعلي أرى الديار بسمعي من يعد أيام جمع على ما كان منها وأين أيام جمعي فهذا الشاعر يعبر عن مشاعره فيقول: عرضاني ركب الحجاز أسائله لأنه حرم من الحج والسؤال في الموسم فيريد أن يُجْعَلَ في عرض الطريق حين يعود الحجاج من طريق الحجاز. عرضاني ركب الحجاز أسائله متى عهده بأيام سلع أي: أريد أن أسمع منهم الذكريات التي عاشوها هناك في أيام سلع وفي منى وفي هذه المواقع. (واستمليا حديث من سكن الخيف) يعني: من سكن مسجد الخيف في منى، وأقام هناك فيها، (ولا تكتباه إلا بدمعى) أي: عليهم أن يملوا علي حديث من سكن الخيف ولا يكتبوه إلا بأدمعي. فاتني أن أرى الديار بطرفي فلعلي أن أرى الديار بسمعي من يعد لي أيام جمع على ما كان منها وأين أيام جمعي لقاء الأحباب لقاح الألباب، وأخبار تلك الديار أحلى عند المحبين من الأسمار: إذا قدم الركب يممته أحيي الوجوه صدوراً وورداً وأسألهم عن عقيق الحمى وعن أرض نجدٍ ومن حل نجداً حدثوني عن العقيق حديثاً أنتم بالعقيق أقرب عهداً ألا هل سمعتم ضجيج الحجيج على ساحة الخيف والعيس تحدى فذكر المشاعر والمروتين وذكر الصفا يطرد الهم طرداً والعقيق: هو الوادي المعروف الذي وصفه النبي ﵇ بأنه واد مبارك. أرواح القبول تفوح من المقبولين، وأنوار الوصول تلوح على الواصلين: تفوح أرواح نجد من ثيابهم عند القدوم لقرب العهد بالدار أهفو إلى الركب تعلو لي ركائبهم من الحمى في أفيحات وأطمار يا راكبان قفا لي واقضيا وطري وحدثاني عن نجد بأخبار ولا يؤهل بالإكثار من التردد إلى تلك الآثار إلا محب مختار، يقول علي بن الموفق: حججت ستين حجة، فلما كان بعد ذلك جلست في الحجر أفكر في حالي وكثرة ترددي إلى ذلك المكان، ولا أدري هل قبل مني حجي أم رد، ثم نمت فرأيت في منامي قائلاً يقول لي: هل تدعو إلى بيتك إلا من تحب؟ قال: فاستيقظت وقد سري عني، أي: أنت لا تستضيف في بيتك إلا شخصاً تحبه. كان بعض السلف يقول في دعائه: اللهم إن لم تقبلني فهبني لمن شئت من خلقك. وقال آخر: اللهم ارحمني فإن رحمتك قريب من المحسنين، فإن لم أكن محسناً فقد قلت: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب:٤٣]؛ فإن لم أكن كذلك فأنا شيء، وقد قلت: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف:١٥٦]، فإن لم أكن شيئاً فأنا مصاب برد عملي وتعبي ونصبي فلا تحرمني ما وعدت المصاب من الرحمة. قال هلال بن يسار: بلغني أن المسلم إذا دعا الله فلم يستجب له كتب له حسنة. من كان في سخطه محسناً فكيف يكون إذا ما رضي وقدوم الحاج يذكر بالقدوم على الله ، قدم مسافر فيما مضى على أهله فسروا به، وهناك امرأة من الصالحات فبكت وقالت: ذكرني هذا بقدومه القدوم على الله . قال بعض الملوك لـ أبي حازم: كيف القدوم على الله تعالى؟ قال: أما قدوم الطائع على الله فكقدوم الغائب على أهله المشتاقين إليه، وأما قدوم العاصي فكقدوم العبد الآبق على سيده الغضبان: لعلك غضبان وقلبي غافل سلام على الدارين إن كنت راضياً فاللهم اجعلنا ممن تتلقاهم الملائكة على أبواب الجنة: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر:٧٣]. ونكتفي بهذا القدر، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم. سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك!

стр. 1670

الإسلام عدو الأصنام [١] لقد أخذت قضية هدم حكومة طالبان تمثالي بوذا أكبر موقعها في العالم، حيث قامت منظمات وحكومات تطالب بإيقاف هذه العملية الهمجية بزعمها، وليس غريباً على أهل الكفر والشقاق أن يصدر منهم مثل هذا، لكن الغرابة في بعض الشخصيات المتقمصة لباس الإسلام حين رأت أن مثل هذا يعد تدميراً للتراث، وأنه ليس من الإسلام في شيء، فقامت بالدور نيابة عن الكفار متناسية النصوص المستفيضة في وجوب طمس التماثيل والصور وإزالتها، واتفاق علماء المسلمين على ذلك، فتباً لأقلامها المأجورة.

стр. 1671

وقفات مع تدمير تمثالي بوذا

стр. 1672

الموقف العالمي تجاه تدمير تمثالي بوذا بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، لاسيما عبده المصطفى، وآله المستكملين الشَّرفا، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدى هدى محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: فهناك حدث فرض نفسه ينطبق عليه قول القائل مع بعض التعديل: الجنازة حارة والميت صنم. فكثير من الضوضاء حصل في قضية تحطيم الصنمين لبوذا في أفغانستان كما هو معلوم، ولقد انتزعت حركة طالبان الأضواء في الأيام الأخيرة فصوبت عيون العالم كله على أفغانستان حالياً وخراسان سابقاً في التاريخ الإسلامي، واستُنفر علماء الآثار والمؤرخون ومدراء المتاحف العالمية، وجميع الصحف. وهذه اليابان -وهي أكبر مانح للمعونات في تلك المنطقة- طالبت بتدخل دول الخليج، وضغطت على قطر حتى أرسلت وفداً. وطلب مدير عام اليونسكو وهو شيرو متورا، -وهو ياباني بوذي- وساطة سياسية من بعض الدول، ومكث مبعوثه -وفي نفس الوقت- أيضاً -مكث بيير لافرانك مبعوث رئيس فرنسا شيراك أكثر من عشرة أيام يحاول أن يثني عزم طالبان عن قرار هدم أكبر تمثالين لبوذا في العالم، وهما واقعان في وسط أفغانستان، وقد استغرق بناؤهما مائتي سنة، أي قرنين كاملين. وتقدمت دول عديدة مثل الهند واليونان بعروض سخية لإنقاذ التمثالين، ومتحف الميترو كوليتن في نيويورك تقدم -أيضاً- بعروض سخية يتبرع بها لأجل أخذهما، وجمعت اليونسكو خمسةً وأربعين وزير ثقافة ليتحدثوا عن هذين الصنمين، ومحاولة المطالبة والضغط لاستنقاذهما.

стр. 1673

الألسن المنتسبة إلى الإسلام ودفاعها عن الأصنام والمؤلم -حقيقة- في القضية أن أناساً من بني جلدتنا وصل بهم الحال إلى أنهم طالبوا الدول الغربية بتدخل عسكري سريع وحاسم لإنقاذ هذه الحجارة، وهو تدخل عسكري سيترتب عليه إراقة دماء مسلمة، فالتراث البوذي عندهم لا يمكن التهاون به، لكن دماء المسلمين شيء أرخص ما يكون! وهذه القضية لا ينبغي أن تمر مروراً عابراً، بل هي كمثيلاتها من القضايا تحتاج إلى وقفة وتأمل وتدبر ومدارسة، وعلى الأقل يكون كلامنا وجهة من وجهات النظر، ويسمع الناس صوتاً آخر غير تلك الأبواق التي تأتينا عبر الفضائيات -كما يسمونها- وتشوش على الناس وعلى أحكام الإسلام. فبعض الناس أقاموا أنفسهم وكلاء عن الغرب في الدفاع عن هذا الأمر، وزين بعضهم العبارات، وأوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً، ولم يكونوا منصفين على الإطلاق. وعامة من سلطت عليه الأضواء في تناول هذه القضية من المنحازين تماماً للثقافة الغربية، وإن كانوا يظهرون بلغة عربية وفي ثوب إسلامي للأسف الشديد! وأقوى دليل على أنهم لم يكونوا منصفين ولم يكونوا ممثلين صادقين لحكم الإسلام في هذه القضية: أنهم تجاهلوا تماماً أدلة الآخرين، وما أوردوا حديث علي بن أبي طالب إلا في معرض الرد عليه أو تأويله، أو إذا كانت الأصنام تعبد فقط، أما أن يكون كأي بحث علمي في العالم لابد له من أن تأتي بأدلة كل طرف، ثم تتكلم عن وجه الدلالة بعد توثيق الأدلة، ثم تحصل المناظرة أو المناقشة ثم يكون الترجيح بين هذه الأدلة والموازنة بينها فذلك أمر ليس مكانه هنا. فهؤلاء المدسوسون على الفقه فرضوا نوعاً من الوصاية على الفتوى الشرعية، وأوهموا الناس أن كلامهم الحق الذي لا يقبل الجدال، وأن من يخالف فهو رجعي متخلف، وأحياناً يستخدمون كلمة (سلفي) للتعبير عن المخالفين في سياق الذم والتحقير للمسلمين.

стр. 1674

دلالات الحادثة على حال البشرية أو وضع المسلمين والحادث حدث جلل في الحقيقة يحتاج إلى أن نتأمل فيه الحالة التي وصلت إليها البشرية، فهذه الحادثة في حد ذاتها من الوقائع التاريخية التي تكشف لنا المدى الذي تردت إليه البشرية في انحطاطها، وليس في تحضرها كما يزعمون، فهذا أقوى شاهد على مدى الانحطاط الذي وصلت إليه البشرية، وكيف أنها وقعت في هاوية سحيقة من الجهل والكفران. كان ينبغي للجميع أن يعلموا أن لدينا منظومة قيميَّة خاصة بنا نستمدها من إسلامنا ومن عقيدتنا، ومن ديننا الحنيف الذي نؤمن أنه الدين الوحيد الحق، وكل الأديان باطلة، وإن كان أرباب القانون الدولي والمنظمات العالمية والعولمة لا يقروننا على هذا الكلام. ونحن نقول: من شك لحظة واحدة في أن الإسلام هو الدين الحق، وأن كل ما عداه باطل، وأن الإسلام مهيمن على ما عداه من الأديان فلا يبقى من المسلمين، ولا يبقى عنده ذرة من الإيمان. وأصدق ما يعبر عن الوضع الذي رأيناه والذي حصل أن نقول في جملة واحدة: كيف وقع المسلمون في جحر الضب؟! إلى هذا الحد دخل المسلمون جحر الضب، كما قال النبي ﵊: (لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لتبعتموهم. قيل: اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟!) أو كما قال النبي ﷺ . فهذا يبين لنا الداء التي وصل إليه المسلمون، والوضع الذي غصوا به بعد أن دخلوا بالفعل جحر الضب، والرسول ﵊ شبه بجحر الضب لأنه ملتوٍ، ولأنه لا يستوعب الضب ولا يستره، ولا يفي بحاجته، ومع ذلك يصر المسلمون على أن يتبعوهم وأن يحصروا أنفسهم في جحر الضب! وقد قال النبي ﵊: (يأتي على الناس زمان يصدق فيه الكاذب، ويكذب فيه الصادق، ويخون فيه الأمين، ويؤتمن فيه الخائن، وينطق فيه الرويبضة. قيل: ومن الرويبضة؟ قال: الرجل التافه يتكلم في أمر العامة) أو كما قال ﵌. فهذه الحادثة كشفت أحد أعراض مرض التبعية والانهزامية التي تغلغلت في قلوب كثير من المسلمين، وهي تذكرنا بقول ابن خلدون رحمه الله تعالى حينما تكلم عن أن المغلوب مولع دائماً بتقليد الغالب، وتكلم عن أمارات تشبه المسلمين في الأندلس في ذلك الوقت بالأسبان أو بالكفار، إلى أن قال: وذلك من أمارات -أو علامات- الاستيلاء. فقد تنبأ بسقوط الأندلس، وكان عمدته في ذلك أنه رأى المسلمين بدءوا يقلدون الكفار، فعد ذلك من أمارات الاستيلاء، وأن هذا سينتهي بهم في النهاية إلى أن يذوبوا في هذه الأمة التي يقلدونها.

стр. 1675

الحادثة وما يستفاد منها وموضوع التماثيل في الحقيقة لا نريد أن نقول عنه: رب ضارة نافعة؛ لأنها -إن شاء الله- ليست ضارة، لكن مثل هذه الأحداث قد تكون نعمة من الله تلفت نظر الناس إلى أمور مهمة جداً؛ لأن حكم الشرع في التماثيل مما ينبغي أن يشاع العلم به بين المسلمين؛ لأننا نرى من المسلمين من يزين بيته بالتماثيل، سواء في مدخل البيت أو الفيلا أو في داخل الحجرات، وهذه شائعة في مجتمعاتنا، فهذا الأمر -أيضاً- يؤكد ضرورة الوقوف على هذا الأمر. وإن الكلام عن موضوع علاقة المسلمين بالغرب أو بالكفار عموماً مهم، فإنه لما استنفر كل العالم الغربي علينا وحصل ما حصل جاء الدور ليستنفر العالم الشرقي الوثني عابد الأوثان على المسلمين أيضاً، وعليه فإننا ما زلنا نؤكد الحقيقة التي ينبغي أن يفقهها كل مسلم، وهي أن التفسير الوحيد الصحيح للتاريخ هو أنه صراع بين الإسلام والكفر، كل التاريخ من لدن آدم إلى أن تقوم الساعة يدور حول هذا المحور، وصحيح أنه يؤخذ صوراً أخرى، لكن هذا هو جوهر الصراع، فهو صراع بين الإسلام والكفر، بين الإسلام الذي أتى به جميع الأنبياء من لدن آدم ﵇ إلى خاتمهم محمد ﷺ ، وبين الكفر بكل ألوانه واتجاهاته.

стр. 1676

أثر العولمة في زعزعة العقائد إننا الآن نعيش في عصر ما يسمى بالعولمة، أو النظام العالمي الجديد الذي رسمت ملامحه أمريكا بكل صلف واستبداد، والذي يهدف إلى توطيد دعائم الود والتفاهم والسلام والأخوة الإنسانية أو الأخوة الحمارية. أريد أن أقول: إن المقصود من هذه الأمور أن توطد دعائم الود والتفاهم بين الحمار وراكبه، فهذه نظرة أمريكا للعالم عموماً وللعالم الإسلامي -للأسف- على وجه الخصوص! فالناس كلهم صاروا يتنفسون هذا الهواء المسمم، ولذلك نحن لا نحس بهذا التسمم إلا إذا فتحنا نافذة للهواء النقي الذي يهب علينا من عصور الإسلام الأولى ومن الكتاب ومن السنة. وقد تواضعوا الآن على جملة من المفاهيم قدسوها تقديساً، وشنوا الحملات الشرسة على كل من يخالف هذه المفاهيم، وهذا بمنتهى البساطة لا يلزم المسلمين؛ لأنه لا يمثل لنا أي مرجعية. وهنا يأتي موضوع المقايضة، ومعناه: أن تتنازل لي عن شيء من عقيدتك وأتنازل لك عن شيء من عقيدتي. وهذا المنطق موجود، لكن وجوده لا بأس به بين الأديان الباطلة بعضها مع بعض، كل واحد يتنازل حتى يلتقي الجميع في منتصف الطريق، أما المسلمون فلا يمكن أبداً أن يقبلوا مبدأ التنازل عن موقف الإسلام من الأصنام، فهذا غير قابل على الإطلاق للتحوير أو المغالطة، وهذا هو ما كشفته بجلاء سورة الكافرون، وقد جاء الرد فيها حاسماً لأطماع هؤلاء الكافرين. فمبدأ (تنازل لي وأتنازل لك) بحجة الأعراف الدولية والقانون الدولي والتراث الإنساني إلى آخر ذلك الكلام؛ هذا موضوع يسري بينهم، وعندهم قابلية للتنازل إلى أبعد مدى، حتى لو خلعوا دينهم بالكلية كما حصل من الغرب مع النصرانية، وإن لم يخلعوا ثوب التعصب والحقد الأعمى على المسلمين. والحاصل أن الدين الحق غير قابل على الإطلاق لأن يدخل في هذه المقايضة. وكما قلت فهذه الحادثة كشفت عن المدى الذي وصلت إليه البشرية من الانحطاط والتدهور، وأثبتت أن المسلمين هم أرقى الأمم على الإطلاق، وأقصد المسلمين الذين هم موحدون؛ لأن كل المسلمين -والحمد لله- موحدون، فنحن المسلمين أرقى الأمم وأعقل الأمم، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: لا توجد أمة على الإطلاق في عقل المسلمين. وصحيح أن هناك تخلفاً في النواحي المادية وغير ذلك، وهذه قضية أخرى، لكن لا يوجد في جوهر الحياة والغاية من الحياة -وهي عبودية الله أمة ترتقي إلى مستوى هذه الأمة الإسلامية.

стр. 1677

مصطلحات القانون الدولي ومناقضتها لمبادئ الإسلام أما موضوع القانون الدولي ونحوه من العبارات التي يطلقونها فنحن لا ننخدع بالقانون الدولي والأعراف الدولية والتقاليد والذم، وقول: هذه وحشية وبربرية، والتماثيل إبداع وفن وتراث إنساني إلى آخر هذا الكلام. ونقول لهؤلاء الناس: ألم يدافعوا عن سلمان رشدي من قبل بحجة الإبداع، وأن سلمان رشدي له حرية الكاتب في أن يعبر عما شاء، في حين أنّه لما رفع المسلمون قضية في القضاء البريطاني تطالب بمحاكمته طبقاً للقانون الإنجليزي قالت بريطانيا والغرب معها: لا؛ فالقانون الإنجليزي يحمي النظام الملكي فقط، فلا أحد يسب الملكة وإلا فإنه يعاقب ويُجرّم، أما ما عدا ذلك فالقانون لا يحميه. فالشاهد أن هذا من تسمية الأشياء بغير مسمياتها، واللعب بالاصطلاحات، وإظهار الباطل في صورة الحق والحق في صورة الباطل، عن طريق إضفاء أسماء منفرة أو أسماء جذابة، كتسمية هذه الأشياء إبداعاً، أو فناً جميلاً، أو رقياً، أو تحضراً إلى آخر هذه الأسماء. وفي عقيدتنا -باختصار شديد- أن تعظيم التماثيل وعبادتها من دون الله هو قمة انحطاط البشرية، وهل هناك نقاش عند أي عاقل في أن إنساناً يصنع التماثيل بيده ثم يعبدها وهو أكمل منها وأعقل منها، لهو أحمق؟ يقول الله ﵎: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج:٣١]. فموضوع منظومة القيم والمبادئ التي عندنا -نحن المسلمين- تختلف تماماً عما هي عند الغرب وعند الشرق بكل وضوح، فلا نستطيع إطلاق القول بأن الإسلام يعمل نوعاً من الفلترة أو الترشيح للتراث، ليس كل تراث الإسلام يقبله، فالإسلام لما دخل وأشرق نوره في ربوع الأرض كلها في الزمن القديم حصل نوع من الترشيح والفرز لهذا التراث في كل بلاد دخلها، وصبغها بصبغة دين الحق، وألغى ما يتعارض مع عقيدته وشريعته، فما يلهج به بعض الناس كل حين فيتكلمون ويجعلون هذه الجملة قاسماً مشتركاً بين كل المقالات التي نشرت، وهي أن هذه التماثيل موجودة قبل أن يدخل الإسلام هذه البلاد، ولها أقدمية فينبغي أن تحترم؛ كل هذا غير صحيح؛ فدين الإسلام ناسخ لكل ما عداه من الأديان السماوية، فما بالك بالأديان الوثنية الأرضية؟! أتدري ما الإسلام؟ ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [الصف:٩] وتأمل قوله تعالى: (ولو كره المشركون)، فالموقف الطبيعي أنهم يكرهون ذلك. فموضوع التراث البشري واحترام عقائد الآخرين ليس بصحيح على إطلاقه، فلو عثر على صليب عمره ألف وثلاثمائة سنة -مثلاً- فهل نقول: هذا تراث بشري ينبغي أن نحافظ عليه، أم أن هذا رمز من رموز الكفر والتكذيب بالله ولرسل الله؟ فإن قيل: هذا تراث بشري يحافظ عليه قلنا: إذا كنتم تحترمون عقائد الآخرين فلا تذبحوا البقر؛ لأن الهندوس سيغضبون وسيغارون على آلهتهم ويمنعون ذبح البقر؛ لأنها آلهتهم، وهي عندهم أفضل من أمهاتهم، كما كان غاندي يدافع عن البقر، وينشد في ذلك كثيراً من الكلام، فالمفروض أن لا تذبح البقر من أجل التراث البشري، بل إن هذا أهم عندهم من التراث، وهو الإله نفسه! ولا حول ولا قوة إلا بالله! وسنقول كذلك: لا تقتلوا الفئران؛ فهناك في شرق آسيا من يعبدون الفئران، وروى أحد الإخوة أنهم وهم جالسون في مكان عام يأكلون الأرز كان الفأر يصعد على الطبق ويصعد على رأس أحدهم ولا يمس بسوء؛ لأن هذا إله عنده! ويقيمون معابد من الرخام الأبيض حتى تعبد فيها الفئران، فلا داعي لقتل الفئران، من باب احترام تراث الآخرين.

стр. 1678

موقف الإسلام من الأديان وأهلها وهناك موضوع مهم جداً في هذه المسألة، وهو كلمة: (الإسلام يحترم الأديان الأخرى). فالإسلام لا يمكن أن يحترم الأديان الأخرى أبداً، الإسلام يحفظ لأهل الأديان حقوقهم التي شرعها الله ، أما الاحترام فلو احترم الإسلام الأديان الأخرى لكان المعنى أن الإسلام يهدم نفسه حين يحترم الأديان التي تصفه بأنه باطل، والتي تدعو إلى الشرك، وهذا من التجاوز في التعبير، فالإسلام يحترم حقوق أهل الأديان الأخرى التي شرعها لهم الله . يقول بعض الكاتبين -وهي مقالة في مجلة العصر-: أخبرني أحد العلماء قال: قرأت في سيرة صلاح الدين الأيوبي لـ ابن شداد أن ملك الإنجليز كتب رسالة لـ صلاح الدين فيها طلب الصليب، الذي يزعمون أن المسيح -والعياذ بالله- صلب عليه، وكان قد غنمه صلاح الدين الأيوبي ﵀، فبعث ملك الإنجليز يخاطب صلاح الدين يقول له: وأما الصليب فهو خشبة عندكم. أي: هو عندكم -معشر المسلمين- قطعة خشب ليس له قيمة. يقول الملك: وأما الصليب فهو خشبة عندكم لا مقدار له، وهو عندنا عظيم، فليمن به السلطان علينا. فأجابه صلاح الدين ﵀: وأما الصليب فهلاكه عندنا قربة عظيمة، لا يجوز لنا أن نفرط فيها إلا لمصلحة راجعة إلى الإسلام هي أوفى منها. فما كان ذا قيمة تاريخية أو روحية أو عقدية عند أهل الشرك ليس بالضرورة أن يكون ذا قيمة لدى أهل التوحيد والإسلام، والعكس بالعكس، فالمسلم الفلسطيني الغارق في دمائه على يد علج يهودي هو في نظر قاتله لا يساوي الرصاصة التي رمي بها، رغم أن هدم بيت الله حجراً حجراً أهون على الله من سفك دم امرئ مسلم كما جاء في الحديث عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. فصنم بوذا لدى المشركين البوذيين أو غيرهم هو أثر تاريخي وقيمة تراثية، لكن عند المسلمين لا يعدو أن يكون صنماً حجرياً عبده من دون الله من لا خلاق لهم في الآخرة، وحقه أن يفعل به ما فعل بإخوانه من قبل، فيضحى به على اسم الله، ويقال ما قاله أكرم البشر رسول الله ﷺ يوم فتح مكة وهو يهدم الأصنام بيده: (﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء:٨١])، فإن اعترض معترض قلنا له ما قاله الخليل عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: ﴿فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ﴾ [الأنبياء:٦٣] فلماذا لم يدفع عن نفسه البارود والمدافع ونحو هذه الأشياء؟!

стр. 1679

مواقف دعاة التنوير الخبثاء ويخرج من يسمون أنفسهم بالمستنيرين -وهم في ضلالهم يعمهون- والعلمانيين -وهم في جهلهم سادرون- يقول أحدهم -للأسف الشديد-: أتى ذات مرة رجل من قوات طالبان فزارني إلى منزلي وصلى فيه، فشك في الصلاة وأعاد الصلاة بعد ذلك لأن منزلي به أصنام! فيحكي أن هذا إنسان متخلف شك في الصلاة، يقول: لما صلى في البيت عندي وعرف أن هناك تماثيل في الحجرة شك وأعاد الصلاة بعد ذلك خارج البيت! فكأنه يتكلم عن مخلوق جاء من كوكب آخر! فما هذا الإنسان الغريب؟! فهو يحكي الكلام لأناس بنبرة استنكار، فلماذا يغضب الطالباني هكذا على الصنم؟!

стр. 1680

موقف الإسلام من الشرك وذرائعه وإذا تأملنا في حال الشجرة التي بويع تحتها رسول الله ﷺ بيعة الرضوان، وهي شجرة ذات بعد تاريخي حقيقي، نجد أن عمر رضي الله تعالى عنه عندما خاف من أن تكون ذريعة إلى الشرك، اقتلعها من جذورها، فكيف بـ بوذا المعبود من دون الله؟! فبعد أن: كنا نرى الأصنام من ذهب فنهدمها ونهدم فوقها الكفارا صرنا نرى الأصنام من حجر فنرفعها لنرضي بعدها الكفارا فليعلم بالضرورة أن الإسلام هو دين التوحيد، وأنه عدو الأصنام، يقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦]. وحينما نقول: (الإسلام) فلا نقصد رسالة النبي محمد ﵊ فحسب، وإنما الإسلام الدين الوحيد الذي نزل من السماء على جميع الأنبياء والمرسلين عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥]. جاء خاتم الرسل والنبيين ﷺ فنشر الله به التوحيد، وأعلى مناره، ودك به حصون الشرك ومحى أثره. ثم إن الإسلام ازداد غربة يوماً بعد يوم إلى أن صارت قطعيات الدين وقطعيات التوحيد محل نقاش وسؤال عند كثير من الجهلة، مصداق قول رسول الله ﷺ : (بدأ الإسلام غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ). ونقول ما قاله بعض العلماء الأفاضل: لا يشك صبيان أهل التوحيد وأطفالهم في أن مثل هذا العمل من أعظم القربات وأجل الطاعات، وهو ما بعثت له الأنبياء وأرسلت الرسل، وما كنا نظن أن يأتي زمان نحتاج فيه إلى أن نثبت بالأدلة أن هدم الأوثان والأصنام وأوكار الشرك من أعظم واجبات الدين، ولكننا في زمن أتى بالعجائب.

стр. 1681

الأدلة الشرعية على حرمة صنع تماثيل ذوت الأرواح يقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة:٢٥٦]، لقد احتاط الإسلام أشد الاحتياط في قضية التوحيد، وتواترت النصوص الصحيحة الصريحة على تحريم عمل التماثيل ذوات الأرواح مطلقاً، وقد حكى الإجماع على تحريم ذلك غير واحد من العلماء. فمن تلك الأدلة: ما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (الذين يصنعون الصور يعذبون يوم القيامة، يقال لهم: أحيوا ما خلقتم) وكلمة (الصور) تشمل فيما تشمل التماثيل، بل أولى شيء أن يدخل في الصور هو التمثال. وفي الصحيحين -أيضاً- عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أشد الناس عذاباً يوم القيامة المصورون). وفيهما -أيضاً- عن سعيد بن أبي الحسن قال: جاء رجل إلى ابن عباس ﵄ فقال: إني رجل أصور هذه الصور، فأفتني فيها. فقال له: ادنُ مني. فدنا منه، ثم قال: ادن مني. فدنا منه، حتى وضع يده على رأسه، قال: أنبئك بما سمعت من رسول الله ﷺ ؟ سمعت رسول الله ﷺ يقول: (كل مصور في النار يجعل له بكل صورة صورها نفساً فتعذبه في جهنم) وقال: إن كنت -ولا بد- فاعلاً فاصنع الشجر وما لا نفس له -يعني: ما لا روح فيه. وفي الصحيحين أيضاً عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها عن النبي ﷺ قال: (إن من أشد الناس عذاباً يوم القيامة الذين يشبهون بخلق الله). وفي صحيح البخاري عن أبي جحيفة ﵁ (أن النبي ﷺ لعن المصور). وفيهما -أيضاً- عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: (من صور صورة في الدنيا كلف يوم القيامة أن ينفخ فيها الروح، وليس بنافخ). وفيهما عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (قال الله : ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا حبة، فليخلقوا ذرة، فليخلقوا شعيرة). وعن جابر ﵁ قال: (نهى رسول الله ﷺ عن الصورة في البيت، ونهى أن يصنع ذلك) رواه الترمذي وصححه. وروى -أيضاً- الترمذي -وصححه- عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (تخرج عنق من النار يوم القيامة لها عينان تبصران، وأذنان تسمعان، ولسان ينطق يقول: إني وكلت بثلاثة: بكل جبار عنيد، وبكل من دعا مع الله إلهاً آخر، وبالمصورين). وروى الإمام أحمد من حديث عاصم عن أبي وائل عن عبد الله ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (أشد الناس عذاباً يوم القيامة رجل قتله نبي أو قتل نبياً، وإمام ضلالة، وممثل من الممثلين) و (ممثل) معناه: صانع التماثيل. وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تدخل الملائكة بيتاً فيه تماثيل أو تصاوير). وفي حديث أبي طلحة: (لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب ولا صورة). وعن معاوية رضي الله تعالى عنه أنه خطب الناس فذكر في خطبته أن رسول الله ﷺ حرم سبعة أشياء، وذكر منها التصاوير. وهذه الأحاديث دلالتها ظاهرة جداً على تحريم الصور ذوات الأرواح بكافة أشكالها، وعلى أن ذلك من الكبائر، فلعن المصور، وبيان أنه أشد الناس عذاباً يوم القيامة، وأنه من أظلم الناس، وبيان أن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه تمثال أو صورة يندر أن نجد مثله يتحقق في محرم من المحرمات. يقول الإمام النووي ﵀: قال أصحابنا وغيرهم من العلماء: تصوير صورة الحيوان حرام شديد التحريم - أي ما فيه روح- وهو من الكبائر؛ لأنه متوعد عليه بهذا الوعيد الشديد المذكور في الأحاديث. ونلاحظ -أيضاً- من هذه النصوص أن التحريم أتى عاماً لم يستثن فيه شيء، ولم يفرق فيه بين تمثال وآخر، فلم يفرق بين كونه تمثالاً يعبد أو لا يعبد، أو تمثالاً مأخوذاً للزينة، أو تمثالاً لحفظ التراث والسجل البشري الذي يقاس عليه تاريخ الأمم إلخ، أو كان التمثال صغيراً أم كبيراً، حديثاً أم قديماً، فيلاحظ في الأحاديث أن صيغها صيغ عموم؛ ففي قول الرسول ﵊: (من صور صورة) (من) هذه من صيغ العموم، وقوله: (كل مصور في النار) (كل) صيغة عموم، وقوله: (لا تدع صورة إلا طمستها) لفظ (صورة) نكرة في سياق النفي، فتفيد العموم، وقول النبي ﵊: (أشد الناس عذاباً يوم القيامة المصورون) (أل) هنا في قوله (المصورون) للاستغراق، فتفيد العموم. فإذاً الشريعة تحرم التماثيل أياً كان نوعهاً، سواء اتخذت للعبادة أو كانت لا تعبد، والأحاديث تتناول كافة أشكال التماثيل والتصاوير بمعناها ومعقولها فتشملها علة التحريم.

стр. 1682

علة تحريم صنع التماثيل أو اقتنائها

стр. 1683

سد ذريعة الشرك بالله ﷻ أما علة التحريم فلأنّ اتخاذ الأصنام والتماثيل ذريعة لعبادتها من دون الله ﵎، وطريق للغلو فيها وتعظيمها، وهذا الذي وقع بالفعل، فقد كانت أول ذريعة لوقوع الشرك في بني آدم ما ذكر في صحيح البخاري من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قول الله ﵎: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح:٢٣]. قال ابن عباس: هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا في مجالسهم التي كان يجلسون فيها أنصاباً وسموها بأسمائهم. ففعلوا فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك ونسخ العلم عبدت هذه التماثيل. وروى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (يجمع الله الناس يوم القيامة في صعيد واحد، ثم يطلع عليهم رب العالمين فيقول: ألا فليتبع كل أناس ما كانوا يعبدونه، فيمثل لصاحب الصليب صليبه، ولصاحب التصاوير تصاويره، ولصاحب النار ناره، فيتبعون ما كانوا يعبدون). قال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء:٩٨]. يقول الإمام ابن القيم: وقال غير واحد من السلف: كان هؤلاء قوماً صالحين في قوم نوح ﵇، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم. فهؤلاء القوم -كما يقول بعض العلماء- اجتمع فيهم الفتنتان: فتنة التماثيل وفتنة القبور. والفتنتان جمعهما النبي ﷺ في الحديث المتفق على صحته عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها أن أم سلمة ﵂ ذكرت لرسول الله ﷺ كنيسة رأتها بأرض الحبشة يقال لها: مارية، فذكرت له ما رأت فيها من الصور، فقال ﵊: (أولئك قوم إذا مات فيهم العبد الصالح -أو الرجل الصالح- بنوا على قبره منزلاً وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله تعالى). وعن مجاهد في قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ [النجم:١٩] قال: كان اللات رجلاً صالحاً يلت لهم السويق، فمات فعكفوا على قبره. وكذلك قال أبو الجوزاء عن ابن عباس: كان يلت السويق للحاج. فتعظيم القبور واتخاذ التماثيل كان -بلا شك- هو الذريعة إلى عبادتها من دون الله. يقول الإمام ابن العربي المالكي رحمه الله تعالى: والذي أوجب النهي عنه في شرعنا -والله أعلم- ما كانت العرب عليه من عبادة الأوثان والأصنام، فكانوا يصورون ويعبدون، فقطع الله الذريعة وحمى الباب، فإن قيل: فقد قال حين ذم الصور وعملها من الصحيح قول النبي ﵊: (من صور صورة عذبه الله حتى ينفخ فيها الروح، وليس بنافخ)، وفي رواية: (الذين يشبهون بخلق الله) فعلل بغير ما زعمتم -يعني: أن العلة علة أخرى، وهي مضاهاة خلق الله-! قلنا: نهى عن الصورة، وذكر علة التشبيه بخلق الله، وفيها زيادة علة عبادتها من دون الله، فنبه على أن نفس عملها معصية، فما ظنك بعبادتها؟! وقد ورد في كتب التفسير شأن يغوث ويعوق ونسر، وأنهم كانوا أناساً، ثم صوروا بعد موتهم وعبدوا، يقول الإمام ابن العربي رحمه الله تعالى: وقد شاهدت بثغر الإسكندرية إذا مات منهم ميت صوروه من خشب في أحسن صورة، وأجلسوه في موضعه من بيته، وكسوه بزته إن كان رجلاً، وحليتها إن كانت امرأة، وأغلقوا عليه الباب، فإذا أصاب أحداً منهم كرب، أو تجدد لهم مكروه فتح الباب عليه، وجلس عنده يبكي ويناديه بكان وكان. حتى يكسر سورة حزنه بإهراق دموعه، ثم يغلق الباب عليه وينصرف عنه. وإن تمادى بهم الزمان عبدوها من جملة الأصنام والأوثان. إذاً العلة الأولى هي سد الذريعة إلى عبادتها من دون الله.

стр. 1684

مضاهاة خلق الله تعالى بها العلة الثانية: أن فيها مضاهاة لخلق الله تعالى، فالذين يتكلمون في الفضائيات والمجلات والجرائد إما أنهم جهلة وإما أنهم مدلسون؛ لأنهم يخفون الحقيقة، فهم يدلسون في الكلام، وإنه ليشك في نزاهة هؤلاء الناس أو كثير منهم، فهم يحرصون على دعوى أن الناس قد ترقوا، والعقيدة راسخة لا يضرها وجود التماثيل إلى آخر هذا الكلام. فنقول: هل العلة -فقط- هي سد الذريعة دون عبادتها؟ و الجواب لا، فهناك علة أخرى ما زالت قائمة، وهي علة مضاهاة خلق الله؛ لأنه كما يحرم على المخلوق أن يشبه الله بالمخلوق، فكذلك يحرم عليه أن يتشبه بفعل من أفعال الخالق ، فلا نشبه الله بخلقه ولا نتشبه المخلوق بفعل هو من خصائص الخالق وهو التصوير والخلق، فهناك مضاهاة لخلق الله ﵎ كما جاء في الحديث: (الذين يضاهون بخلق الله) وقال: (الذين يشبهون بخلق الله)، ويقول الله في الحديث القدسي: (ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي)، وأيضاً في الحديث: (كلف أن ينفخ فيها الروح)، أي: كلف على سبيل التعجيز له أن ينفخ فيها الروح. إذاً هذه العلة ظاهرة ثابتة ولا تنسخ، ولا تتغير بتغير الزمان والمكان، ولا بتغير حجم التماثيل والتصاوير واختلافها، يقول الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: وقد تظاهرت دلائل الشريعة على المنع من التصوير والصور، ولقد أبعد غاية البعد من قال: إن ذلك محمول على الكراهة، وإن هذا التشديد كان في ذلك الزمان لقرب العهد من الأوثان، وهذا الزمان حيث انتشر الإسلام وتمهدت قواعده لا يساويه في هذا المعنى، فلا يساويه في هذا التشديد. يقول ابن دقيق العيد ﵀: وهذا عندنا باطل قطعاً؛ لأنه قد ورد في الأحاديث الإخبار عن أمر الآخرة بعذاب المصورين، فإنهم يقال لهم: (أحيوا ما خلقتم) وهذه علة مخالفة لما قاله هذا القائل، وقد صرح بذلك في قوله: (المشبهون بخلق الله)، وهذه علة عامة مستقلة مناسبة لا تخص زماناً دون زمان، وليس لنا أن نتصرف في النصوص المتظاهرة المتظافرة بمعنى خيالي يمكن أن لا يكون هو المراد مع اقتضاء اللفظ التعليل بغيره، وهو التشبيه بخلق الله ﵎. اهـ

стр. 1685

التشبه بالمشركين وهناك علة أخرى، وهي: أن في اتخاذ التماثيل تشبهاً بالمشركين وعباد الأوثان، وقد ثبت في السنن عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (من تشبه بقوم فهو منهم).
следующие страницы →