Полный текст (2 122 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.
стр. 1681
الأدلة الشرعية على حرمة صنع تماثيل ذوت الأرواح
يقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة:٢٥٦]، لقد احتاط الإسلام أشد الاحتياط في قضية التوحيد، وتواترت النصوص الصحيحة الصريحة على تحريم عمل التماثيل ذوات الأرواح مطلقاً، وقد حكى الإجماع على تحريم ذلك غير واحد من العلماء.
فمن تلك الأدلة: ما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (الذين يصنعون الصور يعذبون يوم القيامة، يقال لهم: أحيوا ما خلقتم) وكلمة (الصور) تشمل فيما تشمل التماثيل، بل أولى شيء أن يدخل في الصور هو التمثال.
وفي الصحيحين -أيضاً- عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أشد الناس عذاباً يوم القيامة المصورون).
وفيهما -أيضاً- عن سعيد بن أبي الحسن قال: جاء رجل إلى ابن عباس ﵄ فقال: إني رجل أصور هذه الصور، فأفتني فيها.
فقال له: ادنُ مني.
فدنا منه، ثم قال: ادن مني.
فدنا منه، حتى وضع يده على رأسه، قال: أنبئك بما سمعت من رسول الله ﷺ ؟ سمعت رسول الله ﷺ يقول: (كل مصور في النار يجعل له بكل صورة صورها نفساً فتعذبه في جهنم) وقال: إن كنت -ولا بد- فاعلاً فاصنع الشجر وما لا نفس له -يعني: ما لا روح فيه.
وفي الصحيحين أيضاً عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها عن النبي ﷺ قال: (إن من أشد الناس عذاباً يوم القيامة الذين يشبهون بخلق الله).
وفي صحيح البخاري عن أبي جحيفة ﵁ (أن النبي ﷺ لعن المصور).
وفيهما -أيضاً- عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: (من صور صورة في الدنيا كلف يوم القيامة أن ينفخ فيها الروح، وليس بنافخ).
وفيهما عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (قال الله : ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا حبة، فليخلقوا ذرة، فليخلقوا شعيرة).
وعن جابر ﵁ قال: (نهى رسول الله ﷺ عن الصورة في البيت، ونهى أن يصنع ذلك) رواه الترمذي وصححه.
وروى -أيضاً- الترمذي -وصححه- عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (تخرج عنق من النار يوم القيامة لها عينان تبصران، وأذنان تسمعان، ولسان ينطق يقول: إني وكلت بثلاثة: بكل جبار عنيد، وبكل من دعا مع الله إلهاً آخر، وبالمصورين).
وروى الإمام أحمد من حديث عاصم عن أبي وائل عن عبد الله ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (أشد الناس عذاباً يوم القيامة رجل قتله نبي أو قتل نبياً، وإمام ضلالة، وممثل من الممثلين) و (ممثل) معناه: صانع التماثيل.
وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تدخل الملائكة بيتاً فيه تماثيل أو تصاوير).
وفي حديث أبي طلحة: (لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب ولا صورة).
وعن معاوية رضي الله تعالى عنه أنه خطب الناس فذكر في خطبته أن رسول الله ﷺ حرم سبعة أشياء، وذكر منها التصاوير.
وهذه الأحاديث دلالتها ظاهرة جداً على تحريم الصور ذوات الأرواح بكافة أشكالها، وعلى أن ذلك من الكبائر، فلعن المصور، وبيان أنه أشد الناس عذاباً يوم القيامة، وأنه من أظلم الناس، وبيان أن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه تمثال أو صورة يندر أن نجد مثله يتحقق في محرم من المحرمات.
يقول الإمام النووي ﵀: قال أصحابنا وغيرهم من العلماء: تصوير صورة الحيوان حرام شديد التحريم - أي ما فيه روح- وهو من الكبائر؛ لأنه متوعد عليه بهذا الوعيد الشديد المذكور في الأحاديث.
ونلاحظ -أيضاً- من هذه النصوص أن التحريم أتى عاماً لم يستثن فيه شيء، ولم يفرق فيه بين تمثال وآخر، فلم يفرق بين كونه تمثالاً يعبد أو لا يعبد، أو تمثالاً مأخوذاً للزينة، أو تمثالاً لحفظ التراث والسجل البشري الذي يقاس عليه تاريخ الأمم إلخ، أو كان التمثال صغيراً أم كبيراً، حديثاً أم قديماً، فيلاحظ في الأحاديث أن صيغها صيغ عموم؛ ففي قول الرسول ﵊: (من صور صورة) (من) هذه من صيغ العموم، وقوله: (كل مصور في النار) (كل) صيغة عموم، وقوله: (لا تدع صورة إلا طمستها) لفظ (صورة) نكرة في سياق النفي، فتفيد العموم، وقول النبي ﵊: (أشد الناس عذاباً يوم القيامة المصورون) (أل) هنا في قوله (المصورون) للاستغراق، فتفيد العموم.
فإذاً الشريعة تحرم التماثيل أياً كان نوعهاً، سواء اتخذت للعبادة أو كانت لا تعبد، والأحاديث تتناول كافة أشكال التماثيل والتصاوير بمعناها ومعقولها فتشملها علة التحريم.
стр. 1682
علة تحريم صنع التماثيل أو اقتنائها
стр. 1683
سد ذريعة الشرك بالله ﷻ
أما علة التحريم فلأنّ اتخاذ الأصنام والتماثيل ذريعة لعبادتها من دون الله ﵎، وطريق للغلو فيها وتعظيمها، وهذا الذي وقع بالفعل، فقد كانت أول ذريعة لوقوع الشرك في بني آدم ما ذكر في صحيح البخاري من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قول الله ﵎: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح:٢٣].
قال ابن عباس: هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا في مجالسهم التي كان يجلسون فيها أنصاباً وسموها بأسمائهم.
ففعلوا فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك ونسخ العلم عبدت هذه التماثيل.
وروى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (يجمع الله الناس يوم القيامة في صعيد واحد، ثم يطلع عليهم رب العالمين فيقول: ألا فليتبع كل أناس ما كانوا يعبدونه، فيمثل لصاحب الصليب صليبه، ولصاحب التصاوير تصاويره، ولصاحب النار ناره، فيتبعون ما كانوا يعبدون).
قال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء:٩٨].
يقول الإمام ابن القيم: وقال غير واحد من السلف: كان هؤلاء قوماً صالحين في قوم نوح ﵇، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم.
فهؤلاء القوم -كما يقول بعض العلماء- اجتمع فيهم الفتنتان: فتنة التماثيل وفتنة القبور.
والفتنتان جمعهما النبي ﷺ في الحديث المتفق على صحته عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها أن أم سلمة ﵂ ذكرت لرسول الله ﷺ كنيسة رأتها بأرض الحبشة يقال لها: مارية، فذكرت له ما رأت فيها من الصور، فقال ﵊: (أولئك قوم إذا مات فيهم العبد الصالح -أو الرجل الصالح- بنوا على قبره منزلاً وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله تعالى).
وعن مجاهد في قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ [النجم:١٩] قال: كان اللات رجلاً صالحاً يلت لهم السويق، فمات فعكفوا على قبره.
وكذلك قال أبو الجوزاء عن ابن عباس: كان يلت السويق للحاج.
فتعظيم القبور واتخاذ التماثيل كان -بلا شك- هو الذريعة إلى عبادتها من دون الله.
يقول الإمام ابن العربي المالكي رحمه الله تعالى: والذي أوجب النهي عنه في شرعنا -والله أعلم- ما كانت العرب عليه من عبادة الأوثان والأصنام، فكانوا يصورون ويعبدون، فقطع الله الذريعة وحمى الباب، فإن قيل: فقد قال حين ذم الصور وعملها من الصحيح قول النبي ﵊: (من صور صورة عذبه الله حتى ينفخ فيها الروح، وليس بنافخ)، وفي رواية: (الذين يشبهون بخلق الله) فعلل بغير ما زعمتم -يعني: أن العلة علة أخرى، وهي مضاهاة خلق الله-! قلنا: نهى عن الصورة، وذكر علة التشبيه بخلق الله، وفيها زيادة علة عبادتها من دون الله، فنبه على أن نفس عملها معصية، فما ظنك بعبادتها؟! وقد ورد في كتب التفسير شأن يغوث ويعوق ونسر، وأنهم كانوا أناساً، ثم صوروا بعد موتهم وعبدوا، يقول الإمام ابن العربي رحمه الله تعالى: وقد شاهدت بثغر الإسكندرية إذا مات منهم ميت صوروه من خشب في أحسن صورة، وأجلسوه في موضعه من بيته، وكسوه بزته إن كان رجلاً، وحليتها إن كانت امرأة، وأغلقوا عليه الباب، فإذا أصاب أحداً منهم كرب، أو تجدد لهم مكروه فتح الباب عليه، وجلس عنده يبكي ويناديه بكان وكان.
حتى يكسر سورة حزنه بإهراق دموعه، ثم يغلق الباب عليه وينصرف عنه.
وإن تمادى بهم الزمان عبدوها من جملة الأصنام والأوثان.
إذاً العلة الأولى هي سد الذريعة إلى عبادتها من دون الله.
стр. 1684
مضاهاة خلق الله تعالى بها
العلة الثانية: أن فيها مضاهاة لخلق الله تعالى، فالذين يتكلمون في الفضائيات والمجلات والجرائد إما أنهم جهلة وإما أنهم مدلسون؛ لأنهم يخفون الحقيقة، فهم يدلسون في الكلام، وإنه ليشك في نزاهة هؤلاء الناس أو كثير منهم، فهم يحرصون على دعوى أن الناس قد ترقوا، والعقيدة راسخة لا يضرها وجود التماثيل إلى آخر هذا الكلام.
فنقول: هل العلة -فقط- هي سد الذريعة دون عبادتها؟
و
الجواب
لا، فهناك علة أخرى ما زالت قائمة، وهي علة مضاهاة خلق الله؛ لأنه كما يحرم على المخلوق أن يشبه الله بالمخلوق، فكذلك يحرم عليه أن يتشبه بفعل من أفعال الخالق ، فلا نشبه الله بخلقه ولا نتشبه المخلوق بفعل هو من خصائص الخالق وهو التصوير والخلق، فهناك مضاهاة لخلق الله ﵎ كما جاء في الحديث: (الذين يضاهون بخلق الله) وقال: (الذين يشبهون بخلق الله)، ويقول الله في الحديث القدسي: (ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي)، وأيضاً في الحديث: (كلف أن ينفخ فيها الروح)، أي: كلف على سبيل التعجيز له أن ينفخ فيها الروح.
إذاً هذه العلة ظاهرة ثابتة ولا تنسخ، ولا تتغير بتغير الزمان والمكان، ولا بتغير حجم التماثيل والتصاوير واختلافها، يقول الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: وقد تظاهرت دلائل الشريعة على المنع من التصوير والصور، ولقد أبعد غاية البعد من قال: إن ذلك محمول على الكراهة، وإن هذا التشديد كان في ذلك الزمان لقرب العهد من الأوثان، وهذا الزمان حيث انتشر الإسلام وتمهدت قواعده لا يساويه في هذا المعنى، فلا يساويه في هذا التشديد.
يقول ابن دقيق العيد ﵀: وهذا عندنا باطل قطعاً؛ لأنه قد ورد في الأحاديث الإخبار عن أمر الآخرة بعذاب المصورين، فإنهم يقال لهم: (أحيوا ما خلقتم) وهذه علة مخالفة لما قاله هذا القائل، وقد صرح بذلك في قوله: (المشبهون بخلق الله)، وهذه علة عامة مستقلة مناسبة لا تخص زماناً دون زمان، وليس لنا أن نتصرف في النصوص المتظاهرة المتظافرة بمعنى خيالي يمكن أن لا يكون هو المراد مع اقتضاء اللفظ التعليل بغيره، وهو التشبيه بخلق الله ﵎.
اهـ
стр. 1685
التشبه بالمشركين
وهناك علة أخرى، وهي: أن في اتخاذ التماثيل تشبهاً بالمشركين وعباد الأوثان، وقد ثبت في السنن عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (من تشبه بقوم فهو منهم).
стр. 1686
منعها دخول الملائكة البيوت وأماكن وجودها
وهناك علة أخرى، وهي أنها مانعة من دخول الملائكة، فالرسول ﵊ يقول: (إن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه تصاوير)، وهذا عام، فهذه العلة تدل على أن كافة التماثيل تدخل في هذا الحكم، وإن كانت متخذة للعبادة فإن ذلك يكون من باب أولى مع وجود العلل الأخرى.
إذاً هي محرمة على كل حال.
وأيضاً: إذا تأملنا سنة النبي ﷺ علمنا أن هذا التحريم عام وشامل لجميع أشكال التماثيل، أما ما اتخذ من أجل العبادة من دون الله فلا شك أنه قد تواترت الأحاديث في هدمه ومحوه وإزالته.
أما ما لا يتخذ للعبادة فقد روى الترمذي -وصححه وأبو داود - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أتاني جبريل فقال: إني كنت أتيت البارحة، فلم يمنعني أن أكون دخلت عليك البيت الذي كنت فيه إلا أنه كان في باب البيت تمثال الرجال -وكان في البيت قرام ستر فيه تماثيل، وكان في البيت كلب- فمر برأس التمثال الذي بالباب فليقطع فليصر كهيئة الشجرة، ومر بالستر فليقطع ويجعل منه وسادتان منتبذتان توطآن، ومر بالكلب فيخرج.
ففعل رسول الله ﷺ أو كما جاء في الحديث.
فهل كان التمثال الذي في البيت يتخذ للعبادة؟! معاذ الله! ومع ذلك أمره جبريل بأن يزيله.
وكذلك أنكر النبي ﵊ على عائشة القرام الذي فيه التصاوير، فهل كان يتخذ للعبادة؟ لا.
ومن المعروف أن الإسلام عدو الأوثان وعدو الأصنام، يقول الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة:٩٠] فأدخل الأنصاب، وقال: (رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه).
ومن تأمل يجد كل الأدلة من القرآن أو من السنة بأنواعها القولية أو الفعلية أو التقريرية تنهى عن ذلك، ثم يأتي أيضاً الدليل الآخر وهو واقع المسلمين والتاريخ الذي يحاول أن يزوره هؤلاء المخادعون المدلسون.
ومن الغريب أنهم عندما يتكلمون لا يتطرقون إلى أي شيء من هذه الأدلة، فلا يوجد أحد منهم أتى بأحاديث أو آيات إلا لماماً، يأتي بها في سياق التأويل من أجل إخضاعها لأهوائهم وأغراضهم.
стр. 1687
موقف الأنبياء ﵈ من الأصنام والأوثان
стр. 1688
موقف إبراهيم الخليل ﵇
ولنتأمل قول الله ﵎ عن إبراهيم ﵇: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ [الأنبياء:٥٧]، ﴿فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلا تَأْكُلُونَ * مَا لَكُمْ لا تَنطِقُونَ * فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ [الصافات:٩١ - ٩٢] فإبراهيم ﵇ ما كان له أتباع كثيرون، وكان غريباً في قومه، ومع ذلك قام بتحديهم بتكسير هذه الآلهة وهذه الأصنام التي يعبدونها من دون الله، والله قال لنا: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ [الممتحنة:٤].
أي: لكم أسوة حسنة في إبراهيم في هذه الأشياء التي ذكرت من مباينة الكفار ومعاداتهم وترك موالاتهم، إلا في قوله لأبيه: (لأستغفرن لك) فإنه لا أسوة لكم في هذا.
فاستثناء هذا الأمر وحده دليل على أنه أسوة فيما عدا ذلك، فيؤخذ منه مشروعية تكسير هذه الأصنام.
وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام:٧٤].
ويقول الله ﵎ -أيضاً-: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء:٨١]، وفي صحيح البخاري وغيره عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (دخل النبي ﷺ مكة وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنماً -وفي رواية: نصباً- فجعل يطعنها بعود في يده، وجعل يقول: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء:٨١]).
يقول القرطبي: في هذه الآية دليل على كسر نصب الأوثان إذا غَلب عليهم.
فهنا أمر مهم جداً، ونحن نقر به، وهو أن تكسير هذه الأوثان مرتبط بفقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو مشروط بالقدرة، وستلاحظ كلام العلماء فانتبه واستصحب هذا، فالعلماء عندما يتكلمون يشترطون ويقولون: موضوع التمكين والغلبة.
بدليل أن الرسول ﵊ نفسه في المرحلة المكية كانت الأصنام حول الكعبة فما أزالها، لكن حينما دخلها فاتحاً كسر هذه الأصنام، فعنصر التمكين هنا لابد من أن يؤخذ في الاعتبار.
стр. 1689
موقف موسى الكليم ﵇
إن هدم الأصنام أمر جرى عليه فعل الأنبياء، فقد قال الله ﵎ في قصة موسى ﵇ في شأن العجل الذي اتخذه قومه إلهاً من دون الله: ﴿وَانظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا﴾ [طه:٩٧].
فهكذا فعل موسى -أيضاً- مع عجل السامري، مع أن الله قال عن أنبياء ومنهم موسى ﵈: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام:٩٠] فمن هنا نستدل بفعل موسى ﵇؛ لأنّ قدوتنا أمر بالاقتداء بهم، وأمر القدوة أمر لأتباعه.
стр. 1690
هدم النبي ﷺ أصنام الكعبة وأمره بهدم غيرها
وقد تواتر هدم النبي ﵊ لأصنام الجاهلية بيده الشريفة، فالرسول ﵊ كان يشير إلى الأصنام ويطعنها ويكسرها حينما دخل مكة فاتحاً، جاء في صحيح البخاري ومسلم: (لما فتح رسول الله ﷺ مكة كان حول الكعبة ثلاثمائة وستون صنماً، فجعل يطعنها بالقوس ويقول: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء:٨١]، ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾ [سبأ:٤٩])، فجعلت تخر وتتساقط على وجوهها.
وفي الصحيحين أن الرسول ﵊ بعث جرير بن عبد الله البجلي مع سرية لكسر صنم ذي الخلصة في اليمن.
وروى ابن سعد وغيره: أن النبي ﵊ بعث خالد بن الوليد إلى نخلة لهدم العزى، والقصة في ذلك معروفة.
وبعث النبي ﵊ المغيرة بن شعبة وأبا سفيان بن حرب إلى الطائف لهدم اللات.
وروى ابن سعد: أن النبي ﵊ بعث علي بن أبي طالب إلى الفلس -وهو صنم طيّئ- لهدمه.
وروى ابن سعد: أنه أيضاً بعث عمرو بن العاص ﵁ إلى سواع لكسره، وهو عمرو بن العاص الذي يفتري عليه المفترون، ولا يستحون من الله حيث يدعون أن عمرو بن العاص رأى الأصنام وأقرها! وربما يكون رآها وما استطاع هدمها، لكن أن يرى ما يقدر على كسره من الأصنام والأوثان ولا يفعل، كيف يظن هذا بـ عمرو بن العاص ﵁ الذي قال فيه النبي ﵊: (ابنا العاص مؤمنان: عمرو، وهشام) رضي الله تعالى عنهما، بل ذهب بعضهم إلى الافتراء على عمرو، حيث يقولون: إن عمرو بن العاص صك عملة على أحد وجهيها الصليب! فالله المستعان! وهل كان في أيامه عولمة؟! كذلك روى ابن سعد أن النبي ﵊ بعث الطفيل بن عمرو إلى ذي الكفين -وهو صنم دوس -لتحريقه.
وروى ابن سعد أنه ﵊ بعث سعد بن زيد الأشهلي إلى المشلل لهدم مناة.
فهل كان الرسول وأصحابه يدمرون الآثار، ويهدمون الحضارة والتراث الإنساني، أم كانوا ينظفون العقول ويغسلون القلوب من أوضار الشرك ورجس الوثنية؟!
стр. 1691
محاربة النبي ﷺ للأصنام
في صحيح مسلم عن عمرو بن عبسة ﵁ قال: (قلت: يا رسول الله! بأي شيء أرسلك الله؟ قال: بصلة الأرحام، وكسر الأوثان، وأن يوحد الله ولا يشرك به شيئاً).
سأله: بم أرسلك؟ فذكر من جملة ما ذكر كسر الأوثان.
وكان النبي ﵊ يوصي أصحابه بذلك، فعن أبي الهياج الأسدي قال: قال علي بن أبي طالب ﵁: (ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ ؟ أن لا تدع صورة إلا طمستها، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته).
يقول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى: إن كانت ملونة - أي: إن كانت لوحة ملونة- فَطَمْسُها بوضع لون آخر يزيل معالمها، وإن كانت تمثالاً فإنه يقطع رأسه.
ثم قال: وظاهر الحديث عام، سواء أكانت تعبد أم لا.
وهناك رواية أخرى لحديث أبي الهياج قال: قال لي علي ﵁: (ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ ؟ أن لا تدع صورة إلا طمستها، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته) وعند أحمد بلفظ: (وأن أطمس كل صنم) وفي رواية أخرى -أيضاً- عند أحمد: (وأن تلطخ كل صنم).
وجاء الوعيد الشديد لمن نصب الأصنام والأوثان، كما حدث للطاغية عمرو بن لحي الخزاعي إمام الشرك والوثنية في قريش، فقد قال النبي ﷺ فيما رواه البخاري في المناقب في باب قصة خزاعة، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (رأيت عمرو بن لحي الخزاعي يجر قصبه في النار -يعني: يجر أمعاءه في النار- وكان أول من سيب السوائب) قال ابن كثير: عمرو بن لحي أحد رءوس خزاعة، وكان أول من غير دين إبراهيم ﵇ فأدخل الأصنام إلى الحجاز.
فالأدلة كثيرة -كما قلنا- من السنة القولية والسنة العملية، وسرايا النبي ﷺ التي أرسلها لكسر هذه الأصنام تؤكد ذلك، ومعروف أن العزى واللات ومناة الثالثة هي أعظم أصنام العرب، كما قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى﴾ [النجم:١٩ - ٢٠]، ومع أنها كانت معظمة جداً عند العرب إلا أنه ﷺ لم يكترث ولم يخش من أن تجتمع عليه العرب بأجمعها، فجعلها كلها جذاذاً ولم يدع منها شيئاً.
وروى البخاري في مغازيه قال: قال جرير بن عبد الله ﵁: (قال لي رسول الله ﷺ : ألا تريحني من ذي الخلصة -أي: أن الرسول ﵊ كان حزيناً من وجود هذا الصنم الذي يعبد من دون الله-؟ قال: فنفرت في مائة وخمسين راكباً فكسرناه) إلى آخر الحديث.
وثقيف سألت رسول الله ﷺ أن يدع لهم صنمهم اللات لا يهدمها ثلاث سنين، وألحوا على الرسول ﵊ في أن يؤجل هدم الصنم ثلاث سنين، فأبى، فما برحوا يسألونه ويأبى عليهم، فألحوا على أن يؤجل تحطيمها سنة ويأبى عليهم، حتى سألوه شهراً واحداً فأبى أن يدعها، فبعث رسول الله ﷺ أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة ﵄ يهدمانها، فهدماها في مشهد عظيم.
يقول ابن القيم -رحمه الله تعالى- في فقه هذه القصة في زاد المعاد: ومنها هدم مواضع الشرك التي تتخذ بيوتاً للطواغيت، وهدمها أحب إلى الله ورسوله ﷺ ، وأنفع للإسلام والمسلمين من هدم الحانات والمواخير.
وهذا حال المشاهد المبنية على القبور التي تعبد من دون الله، ويشرك بأربابها مع الله، فإنه لا يحل إبقاؤها في الإسلام، ويجب هدمها.
فإذاً رسولنا ﷺ -أيضاً- هو محطم الأوثان والتماثيل.
стр. 1692
موقفه ﷺ من الصور والصلبان
وفي الصحيحين عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (دخل علي رسول الله ﷺ وأنا متسترة بقرام فيه صورة، فتلون وجهه فهتكته، ثم قال: إن من أشد الناس عذاباً يوم القيامة الذين يشبهون بخلق الله).
وروى ابن أبي شيبة عن أسامة ﵁ قال: (دخلت مع النبي ﷺ الكعبة، فرأيت في البيت صورة، فأمرني فأتيته بدلو من الماء، فجعل يضرب تلك الصورة ويقول: قاتل الله قوماً يصورون ما لا يخلقون)، ولم يصل النبي ﵊ داخل الكعبة إلا بعد أن أزيلت منها هذه الصور.
فأين موقف ذلك الشخص المستنير المثقف الذي يشتكي أن أحد قوات طالبان صلى في بيته، ثم أعاد الصلاة وشك في صحتها؛ لأنه كان هناك تماثيل في الحجرة بعد أن اكتشف الأمر، في صيغة التهكم والتحقير؛ أين هو من فعل النبي ﷺ ؟! ودائماً يتكلمون معنا باستعلاء، وإذا قالوا كلمة: (سلفية) فبالاحتقار والازدراء، مع أن الرسول ﵊ يقول: (المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه ولا يخذله ولا يحقره، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم) فكيف إذا كان هذا هو المحق وأنت المبطل المدافع عن الأوثان؟! فهذا يتكلم بنوع من الأنفة والغرور والاستعلاء بأن هؤلاء أناس متخلفون وجهلة! وعن أبي محمد الهذلي عن علي رضي الله تعالى عنه قال: (كان رسول الله ﷺ في جنازة، فقال: أيكم ينطلق إلى المدينة فلا يدع بها وثناً إلا كسره، ولا قبراً إلا سواه، ولا صورة إلا لطخها؟ فقال رجل: أنا يا رسول الله.
فانطلق فهاب أهل المدينة فرجع، فقال علي ﵁: أنا أنطلق يا رسول الله.
قال: فانطلق.
فانطلق ثم رجع، فقال: يا رسول الله! لم أدع بها وثناً إلا كسرته، ولا قبراً إلا سويته، ولا صورة إلا لطختها).
وروى البخاري عن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: (لم يكن رسول الله ﷺ يترك في بيته شيئاً فيه تصاليب إلا نقضه) وبوب عليه البخاري رحمه الله تعالى: (باب نقض الصور).
وروى الترمذي عن عدي بن حاتم ﵁ قال: (أتيت النبي ﷺ وفي عنقي صليب من ذهب، فقال: ما هذا يا عدي؟! اطرح عنك هذا الوثن) أو كما قال النبي ﵊.
وروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (والذي نفسي بيده ليوشكن ابن مريم أن ينزل حكماً مقسطاً فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد).
стр. 1693
بين العقيدة والفتوى في التماثيل والصور
تكسير الأصنام والأوثان حث عليه الشرع أولاً بدلالة السنة، حيث كسر الرسول ﵊ بنفسه الأصنام كما في فتح مكة، وكذلك بعثه للسرايا لكسر الأصنام الأخرى، والأمر المطلق للصحابة بكسر الأصنام، وبيان أنه بعث لكسر الأصنام، وهتكه للصور التي رآها.
أما ما يذكره هؤلاء الناس فنحن نقول لهم باختصار شديد: خير الهدي هدي محمد ﷺ .
وهناك أمر يعبر عنه الأجانب باصطلاحين مهمين جداً في هذه المسألة، وهو الشيء التكتيكي والاستراتيجي، فالتكتيكي هو مثل الفتوى عندنا، الفتوى من حيث مطابقتها وملاءمتها مع الواقع، والاستراتيجي يعني أنه عقيدة وفكر لا يتغير أبداً، ولا يتنازل الإنسان عنه.
ففي هذه القضية جانب فقهي نظري -الذي هو الاستراتيجي من ناحية العقيدة والأدلة- فهو الحكم الشرعي، وهناك جانب واقعي تطبيقي -وهو التكتيكي- وهو ربط ذلك الأمر بالواقع، وهذا ما سنوضحه إن شاء الله تعالى فيما بعد.
فنحن نقول لهؤلاء: خير الهدي هدي محمد ﷺ ، فلا يليق أن يأتي بعد ذلك من يفرض علينا انهزاميته أمام الغرب بحجة مجاراة العصر والحضارات الكافرة، وينسى أنه قد وافق الكفار ووقف معهم في خندق واحد للأسف الشديد.
وهذه الشبه التي يلقونها على المسلمين هي لتخذيل أمة الإسلام عن أن تتم رسالة محمد ﵌، والله يقول: ﴿فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ﴾ [القصص:٨٦]، ويقول تعالى على لسان موسى ﵇: ﴿رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [القصص:١٧]، وقال تعالى: ﴿وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء:١٠٥]، وقال تعالى: ﴿وَلا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ﴾ [النساء:١٠٧]، وقال تعالى: ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢].
стр. 1694
أقوال السلف ومواقفهم تجاه الصور والتماثيل
وهنا نذكر بعض أقوال السلف الصالح ﵏ في هذه المسألة: فقد روى ابن أبي شيبة عن عثمان بن عفان ﵁ أنه كان يصلي إلى تابوت فيه تماثيل، فأمر به فحك.
أي أزيلت هذه التماثيل.
وروى البيهقي في سننه عن أبي مسعود ﵁ أن رجلاً صنع له طعاماً فدعاه، فقال: أفي البيت صورة؟ قال: نعم.
فأبى أن يدخل حتى كسر الصورة ثم دخل.
وروى الإمام أحمد عن المسور بن مخرمة أنه دخل على عبد الله بن عباس يعوده، فرأى عليه ثوب إستبرق، فقال: يا ابن عباس! ما هذا الثوب؟ قال ابن عباس ﵄: وما هو؟ قال: الإستبرق.
قال: إنما كره ذلك لمن يتكبر فيه.
قال: ما هذه التصاوير في الكانون؟ فقال: لا جرم، ألم تر كيف أحرقتها بالنار؟ فلما خرج قال: انزعوا هذا الثوب عني، واقطعوا رءوس هذه التصاوير التي في الكانون.
وروى ابن أبي شيبة عن محمد بن سيرين أنه كان لا يُترك لأهل فارس صنماً إلا كسر، ولا ناراً إلا أطفئت.
وروى أبو الشيخ عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى عدي بن أرطأة أن يمحو التماثيل المصورة.
стр. 1695
المذاهب الفقهية وموقفها من التماثيل والصور
стр. 1696
المذهب الحنفي
ولا بأس -أيضاً- أن نذكر أقوال بعض الفقهاء، وهي كثيرة جداً في المذاهب الأربعة المتبعة: جاء في (مجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر) قوله في الشريعة: (قتل الكفار ونحوه إلى قوله: وكسره أصنامهم).
والمراد الاجتهاد في تقوية الدين.
أما السرخسي فقد قال في شرح السير الكبير: ولو وجدوا في الغنائم صليباً من ذهب أو فضة أو تماثيل أو دراهم أو دنانير فيها التماثيل، فإنه ينبغي للإمام أن يكسر ذلك كله.
وقال الملا علي القاري في (مرقاة المفاتيح): قال العلماء: التصوير حرام، والمحو واجب حيث لا يجوز الجلوس في مشاهدته.
وفي الفتاوى الهندية: إن وجدوا في الغنيمة قلائد ذهب أو فضة فيها الصليب والتماثيل، فإنها يستحب كسرها قبل القسمة.
ونقل الملا علي القاري الحنفي في المرقاة قول العلماء بوجوب محو الصور.
стр. 1697
المذهب المالكي
وقال القرطبي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء:٨١] في هذه الآيات الدليل على كسر نصب الأوثان إذا غلب عليهم.
أي: إذا تمكن المسلمون.
وقال أيضاً: ما ذكرنا من تفسير الآية ينظر قوله ﵊: (والله لينزلن عيسى بن مريم حكماً عادلاً، فليكسرن الصليب، وليقتلن الخنزير، وليضعن الجزية، ولتتركن القلاص فلا يسعى عليها) والحديث في الصحيحين.
يقول القرطبي: ومن هذا الباب هتك النبي ﷺ الستر الذي فيه الصور، وذلك أيضاً دليل على إفساد الصور وآلات الملاهي كما ذكرنا، وهذا كله يحظر المنع من اتخاذها، ويجب التغيير على صاحبها إلخ.
وقال الخرشي في (شرح مختصر خليل) في تكسير الأوثان: ومثله الصليب إذا أظهروه في أعيادهم واستسقائهم.
стр. 1698
المذهب الشافعي
والعز بن عبد السلام يقول: محو الكفر وإزالته من قلوب الكافرين ومن ألسنتهم إلى أن قال: وكسر صلبانهم وأوثانهم.
وقال أبو يحيى الأنصاري الشافعي في (أسنى المطالب) في كتاب الغصب، باب الضمان: ويلزم المكلف القادر كسر الأصنام.
ثم نقل عن صاحب الإحياء أنه قال: ليس لأحد أن يمنع أحداً من كسرها، وإن الصبي غير المكلف مأجور على كسرها.
وقال الهيتمي: والأصنام والصلبان وآلات الملاهي والأواني المحرمة لا يجب في إبطالها شيء لوجوبه على القادر عليه.
وقال الأنصاري: يلزم المكلف القادر كسر الأصنام.
стр. 1699
المذهب الحنبلي
أما الحنابلة فيقول ابن القيم في الطرق الحكمية: المنكرات من الأغاني والصور يجوز إتلاف محلها تبعاً لها، مثل الأصنام المعبودة من دون الله لما كانت صورها منكرة جاز إتلاف مادتها، فإذا كانت حجراً أو خشباً أو نحو ذلك جاز تكسيرها وتحريقها.
وذكر حديث أبي الهياج الأسدي، ثم قال: وهذا يدل على طمس الصور في أي شيء كانت، وهدم القبور المشرفة وإن كانت من حجارة أو آجر أو لبن، قال المروذي: قلت لـ أحمد: الرجل يكتري البيت فيرى فيه تصاوير، ترى أن يحكها؟ قال: نعم.
وحجته هذا الحديث الصحيح.
وذكر حديث الرسول ﵊ أنه لما رأى الصور في البيت لم يدخل حتى أمر بها فمحيت، وحديث: (لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب ولا صورة)، كذلك حديث نقض التصاليب، وحديث نزول المسيح ﵇.
ثم يقول: فهؤلاء رسل الله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين -إبراهيم، وموسى، وعيسى، وخاتم المرسلين محمد ﷺ كلهم على محق المحرم وإتلافه بالكلية، وكذلك الصحابة ﵃، فلا التفات إلى من خالف ذلك.
وقال في روضة المحبين: وإنما بعث الله رسله بكسر الأصنام وعبادته وحده لا شريك له.
وقال الإمام ابن القيم -أيضاً- في زاد المعاد: لا يجوز إبقاء مواضع الشرك والطواغيت بعد القدرة على هدمها وإبطالها يوماً واحداً؛ فإنها شعار الكفر والشرك، وهي أعظم المنكرات فلا يجوز الإقرار عليها ألبتة، وهذا حكم المشاهد التي بنيت على القبور التي اتخذت أوثاناً وطواغيت تعبد من دون الله، والأحجار التي تقصد للتعظيم والتبرك والنذر والتقبيل، لا يجوز إبقاء شيء منها على وجه الأرض مع القدرة على إزالته، وكثير منها بمنزلة اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، بل أعظم شركاً عندهم، والله المستعان.
стр. 1700
المذهب الظاهري
يقول ابن حزم في (المحلى): ومن كسر إناء فضة أو إناء ذهب فلا شيء عليه، وقد أحسن؛ لنهي النبي ﵊ عن ذلك، وكذلك من كسر صليباً.
وقال: وإنما الواجب في الآنية المذكورة والصلبان والأوثان الكسر.
стр. 1701
الإسلام عدو الأصنام [٢]
جرت أقلام بعض المنتسبين إلى الإسلام تبيح وتحلل وتفتري وتكذب زوراً باسم الإسلام في قضية هدم تمثالي بوذا.
ولقد اتكأ أصحابها في أقاويلهم الباطلة على جملة من الشبه، وظنوا أن باطلهم سينفق، فافتروا على الصحابة الفاتحين، بل وافتروا على رسول الله ﷺ أنه لم يأت لهدم التماثيل قصداً كما فعلت حركة طالبان حين هدمت التمثالين.
ولكن أنى لهم الوصول إلى أغراضهم وألسن العلماء لهم بالمرصاد؟! فلا يصح القول بأن الهدم كان للأصنام المعبودة في مكة أو المدينة أو الجزيرة العربية، وأبقيت التماثيل التي لم تعبد من دون الله.
стр. 1702
شبهات المخالفين في هدم الأصنام
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: فننتقل إلى الكلام عن شبه القوم في هذه المسألة.
وفي الحقيقة أنّ هؤلاء أشبه بالحرباء، فالأسلوب المتبع عندهم ليس أسلوب العالم أو الباحث النزيه، بل هو الكلام الحاوي نوعاً من الحيل في طمس الحقيقة، وكنا نود أن يكون هناك محامون غير هؤلاء الناس عن التماثيل.
стр. 1703
دعوى ترك الصحابة الفاتحين مصر هدم الأصنام
يقول أحدهم: وهو يتكلم بمنتهى الجزم والقطع والحث: المسلمون عندما دخلوا مصر مع عمرو بن العاص لم يطمسوا التماثيل -وانظر إلى الكلام المحرف-، كان منهم عشرات من الصحابة، كان فيهم البدريون والأنصار وحفاظ القرآن، ومنهم الرجل الذي بثلاثة آلاف ولم يطمسوا تمثالاً قط.
وسنجيب بالدليل عليه، ونقول له: بل العكس، فمتى رأوا تمثالاً أو وثناً استطاعوا هدمه هدموه، فأثبت أنت العكس! فعندنا نحن الأسانيد وقد ذكرناها، أما هو فلم يأت بدليل.
وهذا الدكتور قال كلاماً، فمن ضمن الكلام أنه بعدما قال إن الصحابة دخلوا مصر ولم يطمسوا تمثالاً قط قال: لم يطمسوا تمثالاً قط، إنما كان الذي طمس التماثيل هم النصارى الذين دخلوا مصر، فوجدوا الفراعنة قد صنعوا تماثيل، ومن زار منطقة الصعيد والأقصر -خاصة- فهناك معابد مصرية قديمة فيها التمثال بصورته الأصلية، وفيها التمثال مطموساً وجهه ومرسوماً عليه الصليب؛ لأن النصارى لما دخلوا رأوا أن هذه التماثيل تناقض عقيدتهم فطمسوها.
وهذا شيء يخجل، فهو الذي قال هذا الكلام بالحرف، ويقول: لأن النصارى لما دخلوا رأوا أن هذه التماثيل تناقض عقيدتهم فطمسوها.
مع أنه واضح أن هؤلاء النصارى لم يكونوا على الدين الحق؛ لأن النصارى عباد صلبان، ومع ذلك كيف يقال: رأوا التماثيل تناقض عقيدتهم فطمسوها؟! يقول: وبعض التماثيل مطموس منها الوجه الفرعوني ومركب عليه وجه الإسكندر الأكبر؛ لأن هؤلاء من أتباع الإسكندر فصنعوا هذا، ففكرة تدمير ما كان سابقاً فكرة غير إسلامية، أي: فكرة صنعها غير المسلمين.
ونقول: بل أمر بها الله، وصنعها رسوله ﵊، وصنعها إبراهيم ونوح وأنبياء الله أجمعين.
وإذا أردتم التدليس فهاتوا القضية مجتمعة لنناقش، فالقضية واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار.
стр. 1704
دعوى هدم المسلمين الأصنام المعبودة وتركهم تماثيل الآثار
ومن مغالطات هؤلاء الكلمة التي يكررونها دائماً وكل حين، حيث يتكلمون عما عليه الناس باعتباره حجة، فيقولون: المسلمون دخلوا وما فعلوا، وكان المسلمون وما زالت هناك تماثيل إلخ.
وكان هناك مسجد بين تمثالين كبيرين في الأقصر، وأن ذلك المسجد هدم كان فيها فتن.
ونحن نقول: الذي هدم المسجد إنما هدمه لأنه قال: لا يجوز أن يقام مسجد أمام التمثالين.
ثم أعيد بعد ذلك تحديثه.
فهم يدندنون على أن المسلمين لم يمسوا الأصنام بسوء، وقد علم بالاستقراء أنّ هذا الكلام مزيف، وهذه دعوى زائفة وكذب وتضليل وخداع، فإذا كان العلماء لم يوافقوا الإمام مالكاً رحمه الله تعالى -وهو إمام دار الهجرة- في اعتبار أن عمل أهل المدينة حجة كحجة الإجماع، فكيف بغير أهل المدينة؟! فالمغالطة هنا أنهم يضحكون على الناس، والناس معظمهم عوام لا يفهمون، لكن المتخصصين لا ينطلي عليهم هذا الدجل؛ لأن الأدلة الشرعية لها ترتيب في القرآن، فهناك أدلة متفق عليها، وهناك أدلة مختلف في حجيتها، فالأدلة المتفق عليها أربعة: الكتاب والسنة والإجماع والقياس، ثم الأدلة المختلف عليها معروفة، وهي أدلة كثيرة.
وعمل الناس في الواقع ليس من ضمن الأدلة المختلف عليها، فلا أحد يستطيع أن يدعي أن الناس معصومون، والبدع كانت قد حصلت في أواخر عهد الصحابة، ونشأت بعد ذلك حركات كثيرة في الإسلام، فالناس غير معصومين.
ولقد عرضت أمام بعض الفقهاء الكبار في المدينة -أعني علماء التابعين- قضية معينة، فقال أحد الحاضرين: ليس على هذا عمل الناس.
فرد عليه أحد الأئمة فقال: أرأيت إن كثر الجهال حتى كانوا هم الحكام، أهم الحجة على السنة؟ فالحجة إنما هي في الكتاب والسنة والإجماع والقياس، فإذا أردت أن تقيم دليلاً فاحصر نفسك في داخل الأدلة الشرعية، أو على الأقل هات الأدلة المختلف في حجيتها، ولكن لا تأت بدليل ليس هو من الأدلة الشرعية، فينبغي أن ننتبه إلى هذا، فالقول بأن الناس عملوا، وإن المسلمين أقروا هذه الأشياء وهي موجودة في بلادهم ولم يمسوها بسوء، لا يصح هنا؛ لأن المسلمين ليسوا معصومين كأفراد من الناس؟! فالحجة في إجماع المجتهدين.
وبعض أولئك وصل به الدجل إلى أن قال: حتى الإمام محمد عبده عندما زار صقلية ورأى هذه التماثيل النصرانية أشاد بها وقال: إنها ليست للعبادة.
فأنت تأتي برجل متأخر تقدمه على كلام الله وكلام الرسول ﵊ وكلام السلف الصالح والصحابة! فهذا نوع من الدجل فيه قصد تلبيس بالدليل الشرعي، والدليل الشرعي ليس كلام أي أحد كما يريدون أن يفعلوا، بل الدليل الشرعي إما الكتاب أو السنة أو الإجماع أو القياس، أما أن تتشبث بكلام الناس وأفعال الناس فهذا من الدجل في الحقيقة.
стр. 1705
موقف الإسلام من التراث
وهنا أمر مهم جداً ينبغي أن ننتبه له، وهو كلمة قالها وزير خارجية طالبان -وهو وكيل أحمد المتوكلي - بمنتهى الدقة، قال: نحن نقر أن التماثيل جزء من تراث أفغانستان، ولكننا سنتخلص من ذلك الجزء من تراثنا الذي يتعارض مع عقيدتنا.
كلمة حكيمة في الحقيقة، فصحيح أن ذلك تراث، لكن ذلك التراث سنعمل له تصفية بحيث نبقي ما لا يتعارض مع العقيدة، بل يتوافق معها.
فوجود هذه الآثار فيه عظة لمن يعتبر، ولذلك أمر الله بالنظر في آثار السابقين لأنها عبرة؛ لأنهم كانوا أشد منا قوة، فلما عتوا عن أمر ربهم نزل بهم العذاب واستأصلهم، فتلك ديارهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلاً.
فالتعميم كذلك فيه نوع من الظلم، والموقف واضح للغاية، فالتراث عندنا يفرز، فما يتعارض مع العقيدة يزال، وما لم يتعارض مع العقيدة فلا بأس به، لذلك ترك الصحابة أشياء غير التماثيل، وإلا فلن يعجزوا عن تحطيمها كما سنبين إن شاء الله تعالى.
ولذلك أعلنت طالبان نفسها أنها لن تدمر الآثار القديمة التي ليست على شكل تماثيل، وأعيد عبارة وزير خارجية طالبان، يقول: نحن نقر أن التماثيل جزء من تراث أفغانستان، ولكننا سنتخلص من ذلك الجزء من تراثنا الذي يتعارض مع عقيدتنا.
ومن الأشياء التي لا يعلمها كثير من الناس أن الجزيرة العربية مليئة بالآثار، فنحن نتكلم عن أماكن الآثار كالأقصر وأماكن الفراعنة الكبيرة، بينما في الجزيرة العربية في منطقة ديار ثمود عجائب وعجائب، فديار ثمود -قوم صالح- نفسها موجودة، والذي يذهب من مصر أو الشام إلى الحجاز عن طريق البر يمر وهو على طريق المدينة فيجد السهم يؤدي إلى هذه الأشياء.
ولقد رأيت بنفسي صوراً لديار ثمود، فالجبال نفسها منحوتة من الداخل -البيوت والسلالم والنوافذ- نحتاً عجيباً يدل على مدى قوة هؤلاء القوم الذين أهلكهم الله .
فهذه آية من آيات الله، ولن نتكلم الآن في التفصيل في حكم زيارة هذه الأماكن؛ لأن هناك تفصيلاً فيها، لكننا ننبه على أن هذه الأشياء ما دمرها الصحابة، وهي موجودة، والرسول ﵊ مر بها، وأمر الصحابة أن لا يمروا بهؤلاء المعذبين إلا أن يكونوا باكين.
فهي موجودة وهي آثار، والرسول ﵊ رآها، ولكن مر عليها بسرعة؛ لأنها ديار أولئك المعذبين، فهي لا تزال شاخصة موجودة في الجزيرة العربية.
وكذلك بيوت اليهود في خيبر، ولقد دخلتها، فبيوت اليهود في خيبر على أطم عالٍ، وكان هناك ثقب في الأسلاك الشائكة فدفعني الفضول إلى أن أصعد إلى أن وصلت، وهي موجودة حتى الآن في خيبر، ولكن علماء السعودية -جزاهم الله خيراً- يقومون بواجبهم في الاحتياط الشديد من هذه الأشياء، ولذلك هي مهجورة.
ومما يدل على حرصهم وانتباههم للوسائل التي قد تؤدي إلى محذور أنه حصل في يوم من الأيام أن بعض الناس من أصحاب النوايا الحسنة أتوا إلى بيت الإمام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، وأعادوا بناءه من جديد بنفس اللبن الطيني الذي كان بني به، وأرادوا بذلك الاهتمام بتراث شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، ونشر هذا الخبر في إحدى الصحف، فالعلماء بمجرد أن سمعوا ذلك أصدروا أمراً بهدم هذا البيت؛ لكي لا يفتح باب الغلو في شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، وأمروا بأن يتخذ مكانه توسعة للشارع حتى ينسى تماماً موضوع بيت شيخ الإسلام، وممن أفتى بذلك الشيخ محمد بن إبراهيم والشيخ ابن باز رحمهما الله، وهناك أيضاً فتوى في موضوع دار الأرقم بن أبي الأرقم.
ومما احتاطوا فيه كذلك موضوع المكان الذي ولد فيه النبي ﵇، وهو الآن المكتبة التي هي قريبة من الحرم، فهناك احتياط شديد لعقيدة الناس، والعلماء رأيهم أنه مهما أخذت من احتياطات فالجهال لا يقتنعون، ولعلك ترى بعينيك ما يفعلون أمام المقصورة النبوية، فالسياج من النحاس يتمسحون به، ويغافلون الحارس لكي يأخذوا قبلة، ويتمسحون بثيابهم.
إلى آخر هذه الأشياء! فالغلو أصلاً موجود، والجهل شائع بين الناس، فلابد من الاحتياط في أمر العقيدة ما أمكن.
وقد كتب فهمي هويدي للأسف الشديد، وأنا لا أعرف دراية فهمي هويدي بالفقه! ودعك من السياسة والتحليلات والكلام كله، فما له وللفقه يتكلم فيه! فهو يضع نفسه في مواضع نسأل الله أن يسامحه فيها، ومن ذلك كلامه على الشيعة، والكلام كله غير صحيح، وكذلك كلامه في موضوع الأصنام حيث يقول كلاماً غريباً، يقول: وبعض الصحابة الذين دخلوا إلى مصر ذهبوا إلى الأهرامات وكتبوا أسماءهم عليها، وكأنه يرى أنهم أصحاب ذكريات، ولم يبق لهم إلا أن يرسموا عليها قلوباً تخترقها أسهم كما يصنع الشباب اليوم!
стр. 1706
دعوى العلمانية بطروء الإسلام بعد وجود الأصنام ودحضها
من الملاحظ في سياق كثير من الكاتبين -وخاصة العلمانيين- أنهم دائماً يكررون عبارة موهمة، كما قال تعالى: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد:٣٠]، يقولون: هذه كانت موجودة قبل دخول الإسلام.
أي أنها قبل أن يأتي الإسلام كانت موجودة، فهذا الأصل وأنتم أناس طارئون ودينكم كذلك.
ونقول: إن الإسلام الذي نزل إلى الأرض ليس هو دين محمد ﵊ فقط، بل الإسلام هو دين البشرية كلها منذ أن أنزل الله آدم إلى الأرض إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فالإسلام دين شامل، وليس رسالة خاصة بدئت برسول الله محمد ﵊.
ثم أين روح الغيرة وروح الانتماء للإسلام؟! فالقائل: هذه موجودة قبل أن يأتي إسلامكم إلى بلادنا أو إلى هذه البلاد له روح ليس فيها انتماء للإسلام ولا غيرة ولا حمية، والله المستعان! ولو انقلب الأمر وصار المسلمون أهل التمكين وأهل الغلبة على وجه الأرض، فماذا سيفعل هؤلاء الناس؟! إنهم سيقلدون الأغلب والأقوى.
مضطر أيضاً للإطالة هنا في هذه الجزئية قليلاً، وأبتدئها بترديد قول الشاعر: اقرءوا التاريخ إذ فيه العبر ظل قوم ليس يدرون الخبر فقضية التوحيد كانت لها أولوية مطلقة عند سلف الأمة، فلذلك عندما فتحوا البلاد كان أول أمر عملوه هو تطهير تلك البلاد المفتوحة من درن الوثنية، فهذا هدف واضح في القرآن، قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال:٣٩] والفتنة هنا هي الشرك.
والذين يدعون قائلين: لماذا لا تأتون بأدلة من التاريخ على ما صنع الفاتحون؟ نقول لهم: الكلام الحقيقي كلام العلماء الذين هم بحق وحقيقة علماء وليسوا كذبة غاشين.
إن الصحابة والسلف لما فتحوا بلاد الدنيا كانوا يهتمون بتطهير البلاد من هذه الأوثان، فالإتيان بشواهد تؤيد هذا المعنى -أيضاً- مما يرد ويبطل كلام بعض الناس بأن تحريم الصور - التماثيل- كان في أول الإسلام لقرب العهد بالوثنية، فلما اشتهر الإسلام وتمكنت العقيدة نسخت هذه العلة.
стр. 1707
الهوية الوطنية لدى الصحابة وموقفهم بعد الإسلام منها
وهنا أمر مهم جداً -أيضاً- نحب أن ننبه إليه، وهو متعلق بموضوع الهوية، فالمسلمون الفاتحون الأوائل، سواء أوائل المسلمين الذين دخلوا في الإسلام مثل الصحابة رضي الله تعالى عنهم من المهاجرين والأنصار ومن تبعهم بعد ذلك في الدخول إلى الإسلام، أو التابعين، كيف كانوا قبل الدخول في الإسلام؟ كانوا وثنيين يعبدون الأصنام، وكانوا كفاراً مشركين إلا القليل، فهؤلاء كانت لهم هوية وطنية، وهوية قومية، وتراث حضاري، وكانوا معتزين جداً باللات والعزى، وأقاموا الدنيا ولم يقعدوها لما كان القرآن ينزل بشتم وتسفيه آلهتهم، فكان لهم وطنية وقومية ووثنية وأصنام خاصة بهم، وكانوا يقدسون الأوثان ويعبدونها من دون الله، فهم لهم هوية أيضاً، وهو نفس القاسم المشترك الموجود الآن، لكن لما أتى الإسلام عرفوا أن الإسلام أتى لينسخ ويقضي على ما خالفه.
ونحن ندخل مع جميع العلمانيين، ونعيش معهم نفس دورهم، وننسى أن الذي يسمونه حضارة إنما ينفخون فيه قائلين: (هذه هي الحضارة).
وهذه الدنيا كلها لا تعدل عند الله جناح بعوضة، فهي كلها إلى زوال، فأي حضارة يقصدون؟! إنهم يقولون: الحضارة والإنسانية مجرد نفخ في أشياء؛ لأن هؤلاء أناس غربيون أفئدتهم خواء وعقولهم فارغة، فهم أحياناً يعظمون أشياء بطريقة تدل على تخلفهم عقلياً، كموضوع الكلاب مثلاً، أي: تعظيم الكلاب.
وقد كنت مرة في أمريكا في الطريق العام في الليل تقريباً، ففوجئت بقوات الإطفاء والشرطة والزحام، وكان المرور متوقفاً، وكان الأمر كبيراً جداً، ثم ظهر في آخر الأمر أن ذلك بسبب قط أو كلب صدمته سيارة، ليظل المرور قرابة ساعتين متوقفاً.
والناس الذين عاشوا في تلك البلاد يعرفون هذا الأمر، يعرفون اهتمامهم الشديد بموضوع الحيوانات والرفق بالحيوان، ويراد منهم أن يعملوا شيئاً اسمه الرفق بالإنسان، أي: الإنسان المسلم الذي يعذبونه في شتى بقاع الأرض.
فعندهم أشياء سخيفة يبالغون فيها، ومن ذلك أنهم يورثون الملايين للكلاب، فالكلب يرث، ويحرم المورث أولاده، فهؤلاء أناس انتكسوا في العقول والقلوب، ولا يصلحون أن يكونوا قدوة على الإطلاق، فالوجه الحقيقي للغرب -الوجه القبيح- ينبغي أن يكشف لهؤلاء المخدوعين بالغرب بالصورة التي هم عليها.
وإذا كان الإسلام قد أبطل الشرائع السماوية السابقة فكيف لا يبطل الأديان الباطلة والوثنية، فالإسلام يأتي بكل خط فاصل في حياة كل من ينتمي إليه، بحيث يفترق المستقبل عن الماضي تماماً، بخط فاصل، ومحطة فاصلة بين الماضي وبين الحاضر، فهكذا كل المسلمين الصادقين كانوا يفصلون بين الماضي والحاضر إذا دخلوا في الإسلام.
стр. 1708
مواقف الفاتحين المسلمين من الأصنام
جاء في (معجم البلدان) أنه لما غلب عبد الرحمن بن سمرة بن حبيب على ناحية سجستان في أيام عثمان ﵁ سار إلى الدوار، فحاصرهم في جبل الزون، وكان على الزون صنم من ذهب، فقطع يديه، وقطعه المسلمون وكسروه.
والقائد الفاتح محمد بن القاسم رحمه الله تعالى لما فتح بلاد السند حصل أنه في أثناء فتح إحدى مدن تلك البلاد علم أن في المدينة معبداً يقدسه الهندوس، وأن أهل المدينة يعتقدون أن مدينتهم ستفتح على يد جنود يسقطون العلم المثبت فوق المعبد، فقرر ابن القاسم الاستفادة من هذا الاعتقاد، فوجه المنجنيق الضخم إلى ذلك المعبد، وأمر قائد المنجنيق جعوبة السلمي بضرب ذلك العلم، ووعده بعشرة آلاف درهم جائزة له إذا أصاب الهدف، ونجح القائد، وتم ضرب العلم ودك المعبد، فهاج الكفار وخرجوا، فناهضهم المسلمون حتى هزموهم وردوهم.
فهذا -أيضاً- بلغة العولمة عدوان على التراث الإنساني.
والقائد محمود الغزنوي الذي عاش في نهاية القرن الرابع، وقال عنه ابن كثير ﵀: الملك الكبير المجاهد الغازي.
وكان يحب العلماء والمحدثين، ويحب أهل الخير والدين- حينما غزا الهند كسر صنمهم الأكبر سنة أربعمائة وست عشرة من الهجرة، رغم أن عابدي هذا الصنم دفعوا له وبذلوا له وزنه ذهباً من أجل أن لا يهدم هذا الوثن، ومع ذلك هدمه رحمه الله تعالى.
وذكر ابن الجوزي ﵀ في تلبيس إبليس: أن أهل بلخ كان لهم صنم بناه بنو شهر، فلما ظهر الإسلام خربه أهل بلخ.
وكذلك ما فعله الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ من تحطيم الأصنام والأوثان في عصره، وهو أمر معروف مشهور.
ويروي ابن كثير قصة فتح سمرقند بقيادة قتيبة بن مسلم فيقول: واقترب من المدينة العظمى التي بالصغد -وهي سمرقند- فنصب عليها المجانيق فرماها بها، وهو مع ذلك يقاتلهم لا يقلع عنهم، وناصحه من معه عليها من بخارى وخوارزم فقاتلوا أهل الصغد قتالاً شديداً، فأرسل إليه غورك ملك الصغد: إنما تقاتلني بإخواني وأهل بيتي -يعني المسلمين الذين انضموا إليه- فاخرج إلي في العرب.
فغضب عند ذلك قتيبة، وميز العرب من العجم، وأمر العجم باعتزالهم، وقدم الشجعان من العرب، وأعطاهم جيد السلاح، وانتزعه من أيدي الجبناء، وزحف بالأبطال على المدينة، ورماها بالمجانيق، فثلم فيها ثلمة -أي: فتحة- فسدها الترك بغرار الدخن، وقام رجل منهم فوقها.
فجعل يشتم قتيبة، فرماه رجل من المسلمين فقلع عينه حتى خرجت من قفاه، فلم يلبث أن مات قبحه الله، فأعطى قتيبة للذي رماه عشرة آلاف، ثم دخل الليل، فلما أصبحوا رماهم بالمجانيق فثلم -أيضاً- ثلمة، وصعد المسلمون فوقها، وتراموا هم وأهل البلد بالنشاب، فقالت الترك لـ قتيبة: ارجع عنا يومك هذا، ونحن نصالحك غداً.
فرجع عنهم، فصالحوه من الغد على ألفي ألف ومائة ألف يحملونها إليه كل عام، وعلى أن يعطوه في هذه السنة ثلاثين ألف رأس من الرقيق ليس فيهم صغير ولا شيخ ولا عيب -وفي رواية: مائة ألف من الرقيق، وعلى أن يأخذ حلية الأصنام وما في بيوت النيران، وعلى أن يخلوا المدينة من المقاتلة حتى يبني فيها قتيبة مسجداً ويوضع له فيه منبر يخطب عليه ويتغدى ويخرج، فأجابوه إلى ذلك.
فلما دخلها قتيبة دخلها ومعه أربعة آلاف من الأبطال، وذلك بعد أن بنى المسجد، ووضع فيه المنبر، فصلى في المسجد وخطب وتغدى، وأُتي بالأصنام التي لهم فسلبت بين يديه، وألقيت بعضها فوق بعض حتى صارت كالقصر العظيم، ثم أمر بتحريقها، فتصارخوا وتباكوا، وقال المجوس: إن فيها أصناماً قديمة من أحرقها هلك.
أي أن هذه الآلهة قادرة على ضر من يؤذيها، فلو حرقتها ستموت وستمسك آلهتنا بسوء.
قال: فتصارخوا وتباكوا، وقال المجوس: إن فيها أصناماً قديمة من أحرقها هلك.
وجاء الملك غورك فنهى عن ذلك، وقال لـ قتيبة: إني لك ناصح -يعني: إني خائف عليك-.
فقام قتيبة، وأخذ في يده شعلة نار وقال: أنا أحرقها بيدي، فكيدوني جميعاً ثم لا تنظرون.
ثم قام إليها وهو يكبر الله وألقى فيها النار فاحترقت، فوجد من بقايا ما كان بها من الذهب خمسين ألف مثقال من ذهب.
فالشاهد أن قتيبة بن مسلم القائد الفاتح أحرق أصنامهم، فأين هذا من الذين يقولون: هذا كان في أول الإسلام ثم نسخ بعد ذلك؟! ونحن نرى كيف كانت عزة المسلم في ذلك الزمان، وننظر اليوم إلى التمسح والتزلف على أعتاب الغرب والشرق! قال ابن خلدون رحمه الله تعالى في مقدمته: ولما فتحت أرض فارس وجدوا فيها كتباً كثيرة، فكتب سعد بن أبي وقاص إلى عمر بن الخطاب ليستأذنه في شأنها ونقلها للمسلمين، فكتب إليه عمر أن: اطرحوها في الماء؛ فإن يكن ما فيها هدىً فقد هدانا الله بأهدى منه، وإن يكن ضلالاً فقد كفاناه الله.
فطرحوها في الماء أو في النار، وذهبت علوم الفرس فيه دون أن تصل إلينا.
فإذا كان هذا في شأن الكتب فكيف بالأصنام والمعبودات؟!
стр. 1709
ردود على شبهات المخالفين في هدم الأصنام
стр. 1710
الرد على دعوى عدم عبادة التماثيل في عصرنا
وقولهم: إنها ليست ذريعة للشرك ولا أحد يعبدها، غير صحيح؛ إذ إنه معروف جداً أن بوذا يعبد، والصنم يعبد، ولقد سمعت من أحد الإخوة من حلوان أن حديقة حلوان -التي أقامتها اليابان- فيها تماثيل بوذا، وإنه تأتي مجموعات من اليابانيين لتعبد هذه التماثيل، فهم يعبدون الأصنام والتماثيل حقيقة، فهي معبودة بالفعل، فهي مثل اللات والعزى ومناة بالنسبة للعرب.
стр. 1711
الرد على دعوى ما ترك المسلمون هدمه من التماثيل
أما الأشياء التي تركها المسلمون ولم يهدموها فهي -كما يقول بعض العلماء- على أقسام: الأول: ما كان من هذه التماثيل داخلاً في كنائسهم ومعابدهم التي صولحوا عليها، أي: حصل صلح واتفاق بين المسلمين وبين أهل هذه البلاد من الكفار فتركوا لهم تماثيلهم وأوثانهم وصلبانهم بشرط عدم إظهارها.
فالإسلام يصبغ المجتمع بصبغة الله ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ [البقرة:١٣٨]، والإسلام يحرص على الظاهر العام، فالظاهر لا يكون فيه ما يناقض شريعة الإسلام.
فأقروا على ما كان داخل معابدهم بشرط أن يكون عن صلح وعهد، فالمسلمون يحترمون عهودهم ولا يحترمون الأوثان، فهم يحترمون شرع الله الذي يلزمهم باحترام العهود والمواثيق، فما كان في الداخل وغير ظاهر لا ينكر عليهم، ولا يمس بسوء.
ففي الشروط العمرية -المعروفة- على أهل الذمة: وأن لا نضرب بنواقيسنا إلا ضرباً خفياً في كنائسنا، ولا نظهر عليها صليباً، وأن لا نخرج صليباً ولا كتاباً في أسواق المسلمين إلى آخره.
القسم الثاني: أن تكون هذه التماثيل من القوة والإحكام بحيث يعجز المسلمون عن هدمها وإزالتها، فهناك تماثيل هائلة منحوتة في الصخور وفي الجبال لا يستطاع إزالتها أو تغييرها، ولذلك يقول ابن خلدون في مقدمته: إن الهياكل العظيمة جداً لا تستقل ببنائها الدولة الواحدة، بل تتم في أزمنة متعاقبة حتى تكتمل وتكون ماثلة للعيان.
يعني التي تستغرق قروناً أحياناً لكي تبنى، مثل الصنمين في باميان في أفغانستان، فقد بنيا في قرنين، يتعاقبون على نحتها مائتي سنة.
وفي مدينة ميلانو في إيطاليا توجد كنيسة هناك مشهورة بنيت في خمسمائة سنة! وكان على قمتها صنم من الذهب وضعوه فطمس، لكن ليس المسلمون الذين طمسوه، وإنما جاءت عصابة المافيا بالطيارة فسرقته.
وهذه الأشياء المنحوتة العظيمة تجعل بعض الناس يفترض أن الجن هي التي صنعت لهم هذه التماثيل من صعوبة نحت الجرانيت، فالجرانيت ينحتونه كتلة واحدة كما هو معروف، فـ ابن خلدون يشير إلى هذا، يقول: إن الهياكل العظيمة جداً لا تستقل ببنائها الدولة الواحدة، بل تتم في أزمنة متعاقبة حتى تكتمل وتكون ماثلة للعيان.
قال: لذلك نجد آثاراً كثيرة من المباني العظيمة تعجز الدول عن هدمها وتخريبها، مع أن الهدم أيسر من البناء؛ هذا كلام ابن خلدون في مقدمته.
وذكر مثالاً أن الرشيد عزم على هدم إيوان كسرى، فشرع في ذلك، وجمع الأيدي، واتخذ الفئوس، وأصلاه بالنار، وصب عليه الخل حتى أدركه العجز.
وذكر أيضاً أن المأمون أراد أن يهدم الأهرام في مصر فجمع الفعلة ولم يقدر.
وما يقال من أن عمرو بن العاص ﵁ ترك أصنام مصر كأبي الهول وغيره فذلك غير صحيح، إذ لم يثبت أنها لم تكن مطمورة بالأتربة، وهذا شيء معروف جداً، يدل عليه موضوع النشاط المحموم في استخراج التماثيل منذ قرن أو قرن ونصف في مصر لما نشأت عملية البحث عن هذه الآثار.
ففي مصر قامت الحملة الفرنسية في الأهرامات، وحين ترى صورة أبي الهول ترى أن أبا الهول ليس كاملاً، والصور الموجودة مرسومة بخط اليد منذ زمن، فأبو الهول كان لا تزال أجزاء منه مخفية تحت الرمل، فإما أن الصحابة لم يروا هذه التماثيل، وإما أنهم رأوا هذه الأصنام ولم يقدروا على تحطيمها، وهذا عذر يعذرون به؛ لأن طالبان لما حاولت تحطيم هذه الأصنام كيف حطمتها؟ أعدت الديناميت والمتفجرات والمدافع وأشياء حديثة جداً، فكيف بعصر كان السلاح هو القوس والسيف والرمح ونحو هذه الأشياء؟ فهل سيقدرون على أن يحطموا هذه الأشياء؟ وهل كل بلاد يفتحونها يظلون فيها لكي يشتغلوا بهذا ويتركوا امتداد النور لآفاق الأرض؟! إن الرسول ﵊ أمر عمرو بن العاص ﵁ على سرية لكسر بعض أصنام العرب، فكيف يدعي هؤلاء الناس أن عمراً أقر الأصنام اعتقاداً منه بجواز تركها؟!
و
الجواب
لا؛ إذ يمكن أن يكون تركها عجزاً عن ذلك، لكن اعتقاد هذا افتراء شديد على عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه، ولو قيل: إن هذا رأي لـ عمرو بن العاص فأسوتنا رسول الله ﵊، ومعروف التفصيل في قول الصحابي، فقول الصحابي الذي يحتج به هو ما لم يخالف قول النبي ﵊.
وكذلك يحتمل أنها كانت مطمورة تحت الأرض، أو مغمورة بالرمال ولم تظهر إلا بعد انتهاء زمن الفتوحات، فمعمل أبي سنبل ألم يكن مطموراً بالرمال مع التماثيل والأصنام إلى ما قبل قرن أو نصف قرن تقريباً؟! وهذا المقريزي المتوفى سنة (٧٤٥هـ) يقول في الخطب في الجزء الأول: إن أبا الهول مغمور تحت الرمال -أي: في وقت المقريزي - لم يظهر منه إلا الرأس والعنق فقط دون الباقي.
وهذا بخلاف الحال اليوم.
والزركلي سئل عن الأهرام وأبي الهول ونحوهما: هل رآها الصحابة الذين دخلوا مصر؟ فقال: كان أكثرها مغموراً بالرمال، ولاسيما أبا الهول.
وهذا في كتاب عن شبه جزيرة العرب.
فمن التطاول على خير القرون أن يفترى عليهم ويزعم ذلك الزعم على هذا النطاق.
стр. 1712
الرد على دعوى هدم ما يعبد من التماثيل دون ما سواه
وشبهة أن التماثيل التي تحطم هي ما عبد من دون الله يرد عليها بأن سد الذرائع من أصول الشريعة أو من أدلة الشريعة، خاصة في باب التوحيد، فتحريمها من باب سد الذرائع.
كذلك حديث جبريل ﵇ لما أمر الرسول ﵊ بقطع التمثال الذي في بيته، وما كان للعبادة بلا شك.
ثم إن هذه التماثيل -كما قلنا- معبودة بالفعل، فهي تعبد بالفعل وتقدس، وكذلك تعظيم التمثال بطريقة عجيبة عندما يكون ارتفاعه يساوي سبعة عشر طابقاً، فتخيل تمثالاً بهذه الضخامة! أليس هذا نوعاً من التعظيم لما ينبغي أن يحقر؟! فاتخاذ صنم بهذا الحجم الضخم أليس فيه نوع من التعظيم له؟ بل هو تعظيم بلا شك، فلا شك أن هذا جاء استفزازاً لأي موحد.
والدليل على تقديسهم وعبادتهم لها غضب هؤلاء البوذيين، حتى إنهم أحرقوا المصاحف -لعنهم الله- ثأراً لإلههم ولمعبودهم.
أما قول البعض: إن هذه الأشياء لا تشكل خطراً على المسلمين فإننا نقول: فلماذا أمر الرسول ﵊ بتحطيم الأصنام وكل ما يعبد؟! ونقول: هذا خطر على التوحيد، والمسلمون لا يخاطبون بالتوحيد أهل ملتهم فقط، وإنما كل البشرية.
وبعضهم يقول: إن التمثال الحرام هو الذي صنعه المسلمون.
ونقول: وهل هناك مسلم يصنع أصناماً؟! والأصنام التي حطمها الرسول ﵊ هل كان واحد منها من صنع المسلمين؟! فهي من وضع الجاهليين.
стр. 1713
الرد على دعوى تحطيم الأصنام لحداثة عهد الناس بالشرك
أما القول بأن التحطيم كان أولاً لحدوث عهد الناس بالشرك فقائلوه لا يعرفون أن يتصرفوا في الأحاديث، فيقولون: هذا كان في الأول سداً للذريعة؛ لأن الناس كانوا لا يزالون حديثي عهد بالتوحيد، فلما استقر التوحيد وقويت عقيدة الناس أبيح حدوث هذه الأشياء.
ونقول: أين الناسخ؟ هاتوا دليلاً واحداً فقط على النسخ، ولا يوجد.
стр. 1714
كلام العلامة الشيخ أحمد شاكر رحمه الله تعالى في التماثيل
وهنا أسوق كلام فخر الديار المصرية العلامة أبي الأشبال أحمد شاكر رحمه الله تعالى، فله كلام كأنه يعيش معنا في هذه الأيام، وله كلام في تعليقه على مسند الإمام أحمد.
وانظر إلى روح الكلام والحمية والغيرة من عالم جليل، هو من أعظم علماء مصر، وهو من أعظم علماء الأزهر، وعالم جليل في مستوى الشيخ أحمد شاكر ﵀ نفاخر به الدنيا.
يقول: وفي عصرنا هذا كنا نسمع عن أناس كبار ينسبون إلى العلم ممن لم ندرك أن نسمع منهم أنهم يذهبون إلى جواز التصوير كله -بما فيه التماثيل الملعونة- تقرباً إلى السادة الذين يريدون أن يقيموا التماثيل تذكاراً لآبائهم المفسدين، وأنصارهم العتاة أو المنافقين، ثم تقرباً إلى العقائد الوثنية الأوروبية التي ضُربت على مصر وعلى بلاد الإسلام من أعداء الإسلام الغاصبين، وتبعهم في ذلك المقلدون والدهماء أتباع كل ناعق، حتى امتلأت بلاد المسلمين بمظاهر الوثنية السافرة من بناء الأوثان والأنصاب وتعظيمها وتبجيلها بوضع الأزاهير والرياحين عليها والتقدم بين يديها بمظاهر الوثنية الكاملة، حتى بوضع النيران أحياناً عندها، وكان من حجة أولئك الذين شرعوا لهم هذا المنكر أول الأمر أن تأولوا النصوص بربطها بعلة لم يذكرها الشارع، ولم يجعلها مناط التحريم، هي -فيما بلغنا- أن التحريم إنما كان أول الأمر لقرب عهد الناس بالوثنية، أما الآن وقد مضى على ذلك دهر طويل فقد ذهبت علة التحريم، ولا يخشى على الناس أن يعودوا لعبادة الأوثان.
ونسي هؤلاء ما هو بين أيديهم من مظاهر الوثنية الحقة بالتقرب إلى القبور وأصحابها، واللجوء إليها عند الكروب والشدائد، وأن الوثنية عادت إلى التغلغل في القلوب دون أن يشعر أصحابها، بل نسوا نصوص الأحاديث الصريحة في التحريم وعلة التحريم، وكنا نعجب لهذا التفكير العقيم والاجتهاد الملتوي، وكنا نظنهم اخترعوا معنى لم يسبقوا إليه وإن كان باطلاً ظاهراً بطلانه، حتى كشفنا بعد ذلك أنهم كانوا في باطلهم مقلدين، وفي اجتهادهم واستنباطهم سابقين، فرأينا الإمام الحافظ الحجة ابن دقيق العيد ﵀ المتوفى سنة (٧٠٢هـ) يحكي مثل قولهم، ويرده أبلغ رد وبأقوى حجة في كتابه (إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام) الجزء الأول، (ص:٩٥٩ - ٩٦٠) بتحقيق الأخ الشيخ حامد الفقي ومراجعتنا.
وفي شرح حديث عائشة أن رسول الله ﷺ قال: (أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً ثم صوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله).
فقال ابن دقيق العيد: وقد تظاهرت دلائل الشريعة على المنع من التصوير والصور، ولقد أبعد غاية البعد من قال: إن ذلك محمول على الكراهة، وإن هذا التشديد كان في ذلك الزمان لقرب العهد من الأوثان، وهذا الزمان حيث انتشر الإسلام وتمهدت قواعده لا يساويه في هذا المعنى، وهذا عندنا باطل قطعاً؛ لأنه قد ورد في الأحاديث الإخبار عن أمر الآخرة بعذاب المصورين، فإنهم يقال لهم: أحيوا ما خلقتم.
وهذه علة مخالفة لما قاله هذا القائل، وقد صرح بذلك في قوله ﷺ : (المشبهون بخلق الله) وهذه علة عامة مستقلة مناسبة لا تخص زماناً دون زمان، وليس لنا أن نتصرف في النصوص المتظاهرة المتضافرة بمعنى خيالي يمكن أن لا يكون هو المراد مع اقتضاء اللفظ التعليل بغيره وهو التشبه بخلق الله.
ثم قال الشيخ أحمد شاكر معقباً على كلام ابن دقيق العيد: هذا ما قال ابن دقيق العيد منذ أكثر من سبعين وستمائة سنة يرد على قوم تلاعبوا بهذه النصوص في عصره أو قبل عصره، ثم يأتي هؤلاء المفتون المضللون وأتباعهم المقلدون أو الملحدون الهدامون يعيدونها جذعة ويلعبون بنصوص الأحاديث كما لعب أولئكم من قبل، ثم كان من أثر هذه الفتاوى الجاهلية أن ملئت بلادنا بمظاهر الوثنية كاملة، فنصبت التماثيل وملئت بها البلاد تكريماً لذكرى من نسبت إليه وتعظيما، ثم يقولون لنا: إنها لم يقصد بها التعظيم، ثم ازدادوا كفراً ووثنية فصنعوا الأنصاب ورفعوها تكريماً لمن صنعت لذكراهم، وليست الأنصاب مما يدخل في التصوير حتى يصلح لهم تأويلهم، إنما هي وثنية كاملة صرف نهى الله عنها في كتابه بالنص الصريح الذي لا يحتمل التأويل.
وكان من أثر هذه الفتاوى الجاهلية أن صنعت الدولة -وهي تزعم أنها دولة إسلامية في أمة إسلامية- ما سمته مدرسة الفنون الجميلة.
وهي في العهد الملكي كان اسمها مدرسة الفنون الجميلة أو كلية الفنون الجميلة، صنعت معهداً للفجور الكامل الواضح.
ثم بعدما ذكر بعض الأشياء السيئة مما يحدث في التصاوير في هذه الكلية قال: يقولون: إن هذا فن.
لعنهم الله ولعن من رضي هذا منهم أو سكت عليه، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
стр. 1715
تشبث المخالفين بالمصالح والمفاسد وموقفنا منه
ومن الشبهات كلامهم على قضية المصالح والمفاسد، وهذه المسألة هي الشيء الوحيد الذي يمكن أن يقبل الكلام فيه، أما القول بأن الإسلام لا يحرم التماثيل وأن المسلمين أقروا ذلك فكل هذا دجل في دجل، لكن كون الدعوة تقتضي أن نتمهل وأن ننتظر، ويستدلون بقوله تعالى: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام:١٠٨] فهذه عملية اجتهاد في المصالح والمفاسد، هذه وهي المنطقة المباحة فقط.
أما أنهم يحاولون أن يغيروا عقيدة المسلمين تجاه الأصنام فهذا عدوان سافر على الشريعة، ونحن لا نريد الموضوع أن يتحول من تحطيم الأصنام إلى تحطيم الشيوخ والعلماء؛ لأن أعداء الإسلام حين يستدرجون العلماء أو يخدعونهم في مثل هذه المواقف إنما هم في كل حالة يكسبون الموقف، فهم يعرفون أن هذه المسائل يمكن أن تهبط هبوطاً حاداً بشعبية الداعية أو العالم المؤثر، فهم في الحالتين كاسبون، فلو حطموا العالم كسبوا، ولو أن العالم ساعد على الحفاظ على الأصنام لكسبوا أيضاً.
فنحن لابد لنا من حسن الظن بالشيوخ، وحسن الظن يقتضي اعتبار الإعلان وسيلة غير آمنة في نقل وجهات نظر الشيوخ، وكم دلس الإعلام على الشيوخ، فالأصل هو حرمة الشيوخ والدعاة واحترامهم، إلا الذي نسمعه بأنفسنا يتكلم دون أن يكون هناك أحد يهدده أو يضغط عليه ويتبرع بتلوين الكلام، وهؤلاء غالباً ليسوا شخصيات رسمية، وإنما هم متطفلون على العلم.
فالشاهد أن العلماء يجب حسن الظن بهم، والتأكد من صحة نسبة الكلام إلى أحدهم.
وهنا أمثل بمثال: فـ القرضاوي تكلم ووضح موقفه وقال: لماذا تفترون علي؟ وقال: لقد ذهبت وكان وكان.
أعلن أن تسعين في المائة حطمت فعلاً من حجم التمثالين، فقال: أنا سأذهب لكي أتناصح مع الإخوة لحل مشاكل إخواننا الأفغان ومعاناة الفقر وكذا وكذا.
إلى آخر هذه الأشياء.
فهذا ما قاله، وهو أنه يعرف أنه غير معقول أن يذهب ليدافع عن أصنام.
فلسنا مع بعض الشباب الذين أطلقوا ألسنتهم بكلام بشع جداً ما كان ينبغي أن يقال.
وعلى أي الأحوال فنحن نفرق بين الحكم والفتوى، فالحكم حكم الشرع الذي يؤخذ من نصوص الكتاب والسنة، والفتوى تطبيق الحكم على الواقع.
مثلاً: عندما نسأل عن أكل الميتة نقول: ما حكم أكل الميتة؟
و
الجواب
حرام.
لكن عندما نسأل عن حالات معينة، كما لو أن الجائع لم يأكل من الميتة فسوف يموت فإنا نقول له: ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام:١١٩]، فهذه حالة ضرورة، فهنا لا نقول له: مباح أن تأكل بل نقول له: واجب عليك أن تأكل من الميتة.
فانتقل الأمر من حرام إلى واجب لحفظ حياته.
فالشاهد أن هذا من مرونة الشريعة، وأن قاعدة الشريعة أن التكليف منوط بالاستطاعة، قال تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، والمسلمون تطرأ عليهم حالات معينة يصعب وضعهم فيها، وقد كان الرسول ﵊ يمر بالصحابة وهم يعذبون في مكة فيقول لهم: (صبراً آل ياسر؛ فإن موعدكم الجنة)، وهو رسول الله المؤيد بالوحي، فما استطاع أن ينقذ هؤلاء المستضعفين، بل هو نفسه ﷺ بقي في مكة والأصنام حول الكعبة، وبقيت إلى تأريخ مكة.
فإذاً هناك فرق بين الحكم الشرعي الذي تكلمنا عنه، والفتوى هي التطبيق لهذا الحكم على الواقع، فالكلام على المصلحة الدينية هو القنطرة الوحيدة التي يمكن أن نلتقي فيها مع هؤلاء القوم.
وبعض المتكلمين -وهو غير باحث- قال: إننا بهذا العمل فتحنا باباً لمفسدة عظيمة، فهو نظر إلى المفاسد في زعمه، ونحن نقول: مادام أنه يتكلم على مصالح ومفاسد فلا بد من أن نتأكد من المصالح ونعطي كل شيء حجمه حين نتكلم على المفاسد والمصالح، فهذه المنطقة هي الوحيدة المباح لنا فيها أن نتكلم، ما دام الكلام فيها عن المصلحة الشرعية ودرء المفاسد وسد الذريعة لئلا ينال المسلمين نفس الضرر؛ فليس من مصلحة المسلمين الدخول في أمر يعود بمنكر أكبر، ففي بعض الأماكن أو بعض البلاد لو هدم أحد صنماً فإنه سيبنى أحسن منه وأكبر منه، فالنظر في عواقب الأمور، ووزن الأمور بميزان الشرع، راجع لأهل العلم الذين يحسنون ضبط الأمور.
стр. 1716
بيان المصالح والمفاسد الواقعة في الحادثة
والمفاسد التي ذكروها هي أن هذا يثير الاحتكاكات الطائفية بين الهندوس والمسلمين، سواء في سيرلانكا أو الهند أو الصين أو تايلاند أو غيرها، وبعدما تم تأليب الغربيين علينا يبدأ تأليب الشرق كله على المسلمين، وأن ذلك يؤدي لإهانة المصحف الشريف، كما حصل في بعض التظاهرات أن هؤلاء البوذيين أحرقوا المصحف الشريف لعنهم الله.
ومن أضراره تحويل الأنظار عن الانتفاضة في الأقصى، أو تشويه سمعة الإسلام عالمياً، أو ترسيخ الحصار الظالم ضد الطالبان من جديد وعزلها عن المحيط الإسلامي والدولي، فهذا الكلام في المفاسد.
أما الكلام الآخر الذي هو التراث البشري والإنساني فقد وضحنا الموقف منه.
أما المصالح فأعظم مصلحة على الإطلاق هي الدعوة إلى توحيد الله ، والذين يقولون: إن هذه الأفعال يمكن أن يكون فيها تشويه لسمعة الإسلام فذلك في حق المغفلين أو الجهلة، أما إنسان عنده بصيص من النور أو الفطرة فشأنه هو العكس، إذ هذه الأمور يمكن أن تكون بوابة يدخل منها إلى الإسلام ليسمع، فمن الممكن أن يكون هناك نوع من المصلحة، خاصة في حق الذين يعبدون هذه الأصنام؛ إذ يرد السؤال حينها: لماذا لم يدافع بوذا عن نفسه؟ فيمكن أن يثوب بعض هؤلاء البوذيين إلى رشدهم عندما يرون معبودهم تحول إلى أنقاض، فيعلمون أنه حجارة لا تضر ولا تنفع، بدليل أنه بقي صامتاً جامداً لا يدافع عن نفسه، فيبحثون عن الإله الحق النافع الضار الحي الذي لا يموت.
يمكن أن يكون ذلك فعلاً؛ لأن البشرية الآن مسوقة كالقطيع، فكل الذي تريده أمريكا هو الذي يؤمل فيه، فكأن البشرية كانت بحاجة إلى منبه يوقظها من غفلتها، وذلك أشبه ما يكون بالعلاج بالصدمات الكهربائية، لكي يفيق الناس قليلاً، فالناس الغارقون في هذه الوثنية الماشون وراء الغرب ينظرون إلى كل شيء بعين أمريكا وبميزان أمريكا وبميزان الغرب، فيعلمون بذلك أن الغرب ليس قدوة ولا يصلح أن يكون قدوة، والغرب ما عرف الإنصاف أو العدل.
وأعتقد أن الطالبان قد رأوا أنهم ممكنون، والله يقول: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج:٤١]، فما داموا ممكنين في بلادهم -إذ عندهم تسعون في المائة من مساحة أفغانستان- فما الذي يمنعهم من أن يهدموا الصنم، خاصة أنهم في كل الحالات ليسوا مرضياً عنهم، فأمريكا لو كانت تقدر على أذيتهم بأكثر مما فعلت آذتهم، ولكن قد بلغت الغاية التي تستطيعها.
فهذه البلد حطمت أولاً -أو أريد تدميرها- خلال الحكم الشيوعي، ثم بعد ذلك العالم الغربي الذي كان يعدهم أيام الحرب مع الاتحاد السوفياتي الشيوعي قلب الكفة عليهم، فليست هناك خسارة أكثر مما حصل، فيمكن أن تكون وجهة نظرهم أنهم ممكنون وفي بلدهم، وهذه أمور داخلية، وليس لأحد حق في أن يتدخل في الشئون الداخلية، فربما كانت هذه بعض الأشياء التي استندوا إليها، والله تعالى أعلم.
فالمسلمون إذا كانوا في حالة ضعف لا يستطيعون إزالة هذه الأصنام، أو كان يترتب على إزالتها سب لله وسب للرسول ﵊ ونحو ذلك من الشركيات، فإنه يدخل هذا في باب المصلحة.
فقاعدة المصالح والمفاسد معروفة في الشريعة فلا نطيل في تفصيلها.
стр. 1717
دعوى أولوية الانتفاع بثمن الأصنام
أما القول بأنهم ما داموا قد غلبوا عليها فكان الأولى أن يبيعوها ويأخذوا قيمتها فذلك باطل، فالرسول ﷺ (نهى عن ثمن الأصنام)، وحرم ثمن الأصنام.
أما الخسائر وفقدان ما يترتب على ذلك من مصالح فقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة:٢٨] يقول ابن إسحاق: وذلك أن الناس قالوا: لتنقطعن عنا الأسواق ولتهلكن التجارة وليذهبن ما كنا نصيب فيها.
إلخ، فأنزل الله : ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ﴾ [التوبة:٢٨].
فالتوكل على الله والاجتهاد في فتح أبواب الرزق سبب في إغناء الله تعالى للمسلمين، وقد يقوم جماعة من الخبراء والمختصين فيبتكرون أشياء تعود بأموال كثيرة في مثل هذا الأمر، ولا نقول: اعملوا مثل اليهود.
فاليهود لأنهم يهود قامت دولتهم اللقيطة ببيع زجاجات فارغة على اليهود في أمريكا، باعتبار أن هذه الزجاجات مليئة بهواء القدس، يفكر أحدهم كيف يقدر على أن يصل لأعمال بديلة.
стр. 1718
دعوى تذكير بقاء الأصنام بنعمة الهداية
ومن التأويلات الغريبة لبعض هؤلاء الفضائيين قول أحدهم: المفترض أن نترك هذه التماثيل؛ لأنها تذكر المسلمين بنعمة الإسلام، لنرى كيف كنا سنعبد هذه الأصنام! تأويل عجيب جداً، وإذا كان كذلك فقد كان أولى بالرسول ﵊ أن لا يكسر اللات والعزى ومن غيرهما الأصنام لكي تبقى عبرة يتذكر بها الناس نعمة الإسلام، ونرى كيف كنا سنعبد هذه الأصنام.
ونقول لهم: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة:١١١].
стр. 1719
دعوى قياس التماثيل على الدمى
وهناك أقاويل أخرى، كقياس بعضهم التماثيل على دمى البنات، ولعب الأطفال، وهذا كلام لا أعتقد أنه يستحق أن نتوقف معه لنبطله.
ومثله أن يقال: كما يجوز الكفر في حالة الإكراه يجوز الكفر في حالة الاختيار، وهذا نوع من الدجل أيضاً، فهم قاسوا نفس التماثيل التي ورد النهي الشديد عنها بالدمى التي خصها الشارع من المنهي عنه كما خص حالة الإكراه بجواز الكفر.
стр. 1720
وقفات مع التداعي العالمي تجاه الحادثة وقضايا المسلمين
ومن الشبهات كلامهم على قضية المصالح والمفاسد، وهذه المسألة هي الشيء الوحيد الذي يمكن أن يقبل الكلام فيه، أما القول بأن الإسلام لا يحرم التماثيل وأن المسلمين أقروا ذلك فكل هذا دجل في دجل، لكن كون الدعوة تقتضي أن نتمهل وأن ننتظر، ويستدلون بقوله تعالى: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام:١٠٨] فهذه عملية اجتهاد في المصالح والمفاسد، هذه وهي المنطقة المباحة فقط.
أما أنهم يحاولون أن يغيروا عقيدة المسلمين تجاه الأصنام فهذا عدوان سافر على الشريعة، ونحن لا نريد الموضوع أن يتحول من تحطيم الأصنام إلى تحطيم الشيوخ والعلماء؛ لأن أعداء الإسلام حين يستدرجون العلماء أو يخدعونهم في مثل هذه المواقف إنما هم في كل حالة يكسبون الموقف، فهم يعرفون أن هذه المسائل يمكن أن تهبط هبوطاً حاداً بشعبية الداعية أو العالم المؤثر، فهم في الحالتين كاسبون، فلو حطموا العالم كسبوا، ولو أن العالم ساعد على الحفاظ على الأصنام لكسبوا أيضاً.
فنحن لابد لنا من حسن الظن بالشيوخ، وحسن الظن يقتضي اعتبار الإعلان وسيلة غير آمنة في نقل وجهات نظر الشيوخ، وكم دلس الإعلام على الشيوخ، فالأصل هو حرمة الشيوخ والدعاة واحترامهم، إلا الذي نسمعه بأنفسنا يتكلم دون أن يكون هناك أحد يهدده أو يضغط عليه ويتبرع بتلوين الكلام، وهؤلاء غالباً ليسوا شخصيات رسمية، وإنما هم متطفلون على العلم.
فالشاهد أن العلماء يجب حسن الظن بهم، والتأكد من صحة نسبة الكلام إلى أحدهم.
وهنا أمثل بمثال: فـ القرضاوي تكلم ووضح موقفه وقال: لماذا تفترون علي؟ وقال: لقد ذهبت وكان وكان.
أعلن أن تسعين في المائة حطمت فعلاً من حجم التمثالين، فقال: أنا سأذهب لكي أتناصح مع الإخوة لحل مشاكل إخواننا الأفغان ومعاناة الفقر وكذا وكذا.
إلى آخر هذه الأشياء.
فهذا ما قاله، وهو أنه يعرف أنه غير معقول أن يذهب ليدافع عن أصنام.
فلسنا مع بعض الشباب الذين أطلقوا ألسنتهم بكلام بشع جداً ما كان ينبغي أن يقال.
وعلى أي الأحوال فنحن نفرق بين الحكم والفتوى، فالحكم حكم الشرع الذي يؤخذ من نصوص الكتاب والسنة، والفتوى تطبيق الحكم على الواقع.
مثلاً: عندما نسأل عن أكل الميتة نقول: ما حكم أكل الميتة؟
و
الجواب
حرام.
لكن عندما نسأل عن حالات معينة، كما لو أن الجائع لم يأكل من الميتة فسوف يموت فإنا نقول له: ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام:١١٩]، فهذه حالة ضرورة، فهنا لا نقول له: مباح أن تأكل بل نقول له: واجب عليك أن تأكل من الميتة.
فانتقل الأمر من حرام إلى واجب لحفظ حياته.
فالشاهد أن هذا من مرونة الشريعة، وأن قاعدة الشريعة أن التكليف منوط بالاستطاعة، قال تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، والمسلمون تطرأ عليهم حالات معينة يصعب وضعهم فيها، وقد كان الرسول ﵊ يمر بالصحابة وهم يعذبون في مكة فيقول لهم: (صبراً آل ياسر؛ فإن موعدكم الجنة)، وهو رسول الله المؤيد بالوحي، فما استطاع أن ينقذ هؤلاء المستضعفين، بل هو نفسه ﷺ بقي في مكة والأصنام حول الكعبة، وبقيت إلى تأريخ مكة.
فإذاً هناك فرق بين الحكم الشرعي الذي تكلمنا عنه، والفتوى هي التطبيق لهذا الحكم على الواقع، فالكلام على المصلحة الدينية هو القنطرة الوحيدة التي يمكن أن نلتقي فيها مع هؤلاء القوم.
وبعض المتكلمين -وهو غير باحث- قال: إننا بهذا العمل فتحنا باباً لمفسدة عظيمة، فهو نظر إلى المفاسد في زعمه، ونحن نقول: مادام أنه يتكلم على مصالح ومفاسد فلا بد من أن نتأكد من المصالح ونعطي كل شيء حجمه حين نتكلم على المفاسد والمصالح، فهذه المنطقة هي الوحيدة المباح لنا فيها أن نتكلم، ما دام الكلام فيها عن المصلحة الشرعية ودرء المفاسد وسد الذريعة لئلا ينال المسلمين نفس الضرر؛ فليس من مصلحة المسلمين الدخول في أمر يعود بمنكر أكبر، ففي بعض الأماكن أو بعض البلاد لو هدم أحد صنماً فإنه سيبنى أحسن منه وأكبر منه، فالنظر في عواقب الأمور، ووزن الأمور بميزان الشرع، راجع لأهل العلم الذين يحسنون ضبط الأمور.
следующие страницы →