Полный текст (2 122 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.
стр. 1716
بيان المصالح والمفاسد الواقعة في الحادثة
والمفاسد التي ذكروها هي أن هذا يثير الاحتكاكات الطائفية بين الهندوس والمسلمين، سواء في سيرلانكا أو الهند أو الصين أو تايلاند أو غيرها، وبعدما تم تأليب الغربيين علينا يبدأ تأليب الشرق كله على المسلمين، وأن ذلك يؤدي لإهانة المصحف الشريف، كما حصل في بعض التظاهرات أن هؤلاء البوذيين أحرقوا المصحف الشريف لعنهم الله.
ومن أضراره تحويل الأنظار عن الانتفاضة في الأقصى، أو تشويه سمعة الإسلام عالمياً، أو ترسيخ الحصار الظالم ضد الطالبان من جديد وعزلها عن المحيط الإسلامي والدولي، فهذا الكلام في المفاسد.
أما الكلام الآخر الذي هو التراث البشري والإنساني فقد وضحنا الموقف منه.
أما المصالح فأعظم مصلحة على الإطلاق هي الدعوة إلى توحيد الله ، والذين يقولون: إن هذه الأفعال يمكن أن يكون فيها تشويه لسمعة الإسلام فذلك في حق المغفلين أو الجهلة، أما إنسان عنده بصيص من النور أو الفطرة فشأنه هو العكس، إذ هذه الأمور يمكن أن تكون بوابة يدخل منها إلى الإسلام ليسمع، فمن الممكن أن يكون هناك نوع من المصلحة، خاصة في حق الذين يعبدون هذه الأصنام؛ إذ يرد السؤال حينها: لماذا لم يدافع بوذا عن نفسه؟ فيمكن أن يثوب بعض هؤلاء البوذيين إلى رشدهم عندما يرون معبودهم تحول إلى أنقاض، فيعلمون أنه حجارة لا تضر ولا تنفع، بدليل أنه بقي صامتاً جامداً لا يدافع عن نفسه، فيبحثون عن الإله الحق النافع الضار الحي الذي لا يموت.
يمكن أن يكون ذلك فعلاً؛ لأن البشرية الآن مسوقة كالقطيع، فكل الذي تريده أمريكا هو الذي يؤمل فيه، فكأن البشرية كانت بحاجة إلى منبه يوقظها من غفلتها، وذلك أشبه ما يكون بالعلاج بالصدمات الكهربائية، لكي يفيق الناس قليلاً، فالناس الغارقون في هذه الوثنية الماشون وراء الغرب ينظرون إلى كل شيء بعين أمريكا وبميزان أمريكا وبميزان الغرب، فيعلمون بذلك أن الغرب ليس قدوة ولا يصلح أن يكون قدوة، والغرب ما عرف الإنصاف أو العدل.
وأعتقد أن الطالبان قد رأوا أنهم ممكنون، والله يقول: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج:٤١]، فما داموا ممكنين في بلادهم -إذ عندهم تسعون في المائة من مساحة أفغانستان- فما الذي يمنعهم من أن يهدموا الصنم، خاصة أنهم في كل الحالات ليسوا مرضياً عنهم، فأمريكا لو كانت تقدر على أذيتهم بأكثر مما فعلت آذتهم، ولكن قد بلغت الغاية التي تستطيعها.
فهذه البلد حطمت أولاً -أو أريد تدميرها- خلال الحكم الشيوعي، ثم بعد ذلك العالم الغربي الذي كان يعدهم أيام الحرب مع الاتحاد السوفياتي الشيوعي قلب الكفة عليهم، فليست هناك خسارة أكثر مما حصل، فيمكن أن تكون وجهة نظرهم أنهم ممكنون وفي بلدهم، وهذه أمور داخلية، وليس لأحد حق في أن يتدخل في الشئون الداخلية، فربما كانت هذه بعض الأشياء التي استندوا إليها، والله تعالى أعلم.
فالمسلمون إذا كانوا في حالة ضعف لا يستطيعون إزالة هذه الأصنام، أو كان يترتب على إزالتها سب لله وسب للرسول ﵊ ونحو ذلك من الشركيات، فإنه يدخل هذا في باب المصلحة.
فقاعدة المصالح والمفاسد معروفة في الشريعة فلا نطيل في تفصيلها.
стр. 1717
دعوى أولوية الانتفاع بثمن الأصنام
أما القول بأنهم ما داموا قد غلبوا عليها فكان الأولى أن يبيعوها ويأخذوا قيمتها فذلك باطل، فالرسول ﷺ (نهى عن ثمن الأصنام)، وحرم ثمن الأصنام.
أما الخسائر وفقدان ما يترتب على ذلك من مصالح فقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة:٢٨] يقول ابن إسحاق: وذلك أن الناس قالوا: لتنقطعن عنا الأسواق ولتهلكن التجارة وليذهبن ما كنا نصيب فيها.
إلخ، فأنزل الله : ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ﴾ [التوبة:٢٨].
فالتوكل على الله والاجتهاد في فتح أبواب الرزق سبب في إغناء الله تعالى للمسلمين، وقد يقوم جماعة من الخبراء والمختصين فيبتكرون أشياء تعود بأموال كثيرة في مثل هذا الأمر، ولا نقول: اعملوا مثل اليهود.
فاليهود لأنهم يهود قامت دولتهم اللقيطة ببيع زجاجات فارغة على اليهود في أمريكا، باعتبار أن هذه الزجاجات مليئة بهواء القدس، يفكر أحدهم كيف يقدر على أن يصل لأعمال بديلة.
стр. 1718
دعوى تذكير بقاء الأصنام بنعمة الهداية
ومن التأويلات الغريبة لبعض هؤلاء الفضائيين قول أحدهم: المفترض أن نترك هذه التماثيل؛ لأنها تذكر المسلمين بنعمة الإسلام، لنرى كيف كنا سنعبد هذه الأصنام! تأويل عجيب جداً، وإذا كان كذلك فقد كان أولى بالرسول ﵊ أن لا يكسر اللات والعزى ومن غيرهما الأصنام لكي تبقى عبرة يتذكر بها الناس نعمة الإسلام، ونرى كيف كنا سنعبد هذه الأصنام.
ونقول لهم: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة:١١١].
стр. 1719
دعوى قياس التماثيل على الدمى
وهناك أقاويل أخرى، كقياس بعضهم التماثيل على دمى البنات، ولعب الأطفال، وهذا كلام لا أعتقد أنه يستحق أن نتوقف معه لنبطله.
ومثله أن يقال: كما يجوز الكفر في حالة الإكراه يجوز الكفر في حالة الاختيار، وهذا نوع من الدجل أيضاً، فهم قاسوا نفس التماثيل التي ورد النهي الشديد عنها بالدمى التي خصها الشارع من المنهي عنه كما خص حالة الإكراه بجواز الكفر.
стр. 1720
وقفات مع التداعي العالمي تجاه الحادثة وقضايا المسلمين
ومن الشبهات كلامهم على قضية المصالح والمفاسد، وهذه المسألة هي الشيء الوحيد الذي يمكن أن يقبل الكلام فيه، أما القول بأن الإسلام لا يحرم التماثيل وأن المسلمين أقروا ذلك فكل هذا دجل في دجل، لكن كون الدعوة تقتضي أن نتمهل وأن ننتظر، ويستدلون بقوله تعالى: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام:١٠٨] فهذه عملية اجتهاد في المصالح والمفاسد، هذه وهي المنطقة المباحة فقط.
أما أنهم يحاولون أن يغيروا عقيدة المسلمين تجاه الأصنام فهذا عدوان سافر على الشريعة، ونحن لا نريد الموضوع أن يتحول من تحطيم الأصنام إلى تحطيم الشيوخ والعلماء؛ لأن أعداء الإسلام حين يستدرجون العلماء أو يخدعونهم في مثل هذه المواقف إنما هم في كل حالة يكسبون الموقف، فهم يعرفون أن هذه المسائل يمكن أن تهبط هبوطاً حاداً بشعبية الداعية أو العالم المؤثر، فهم في الحالتين كاسبون، فلو حطموا العالم كسبوا، ولو أن العالم ساعد على الحفاظ على الأصنام لكسبوا أيضاً.
فنحن لابد لنا من حسن الظن بالشيوخ، وحسن الظن يقتضي اعتبار الإعلان وسيلة غير آمنة في نقل وجهات نظر الشيوخ، وكم دلس الإعلام على الشيوخ، فالأصل هو حرمة الشيوخ والدعاة واحترامهم، إلا الذي نسمعه بأنفسنا يتكلم دون أن يكون هناك أحد يهدده أو يضغط عليه ويتبرع بتلوين الكلام، وهؤلاء غالباً ليسوا شخصيات رسمية، وإنما هم متطفلون على العلم.
فالشاهد أن العلماء يجب حسن الظن بهم، والتأكد من صحة نسبة الكلام إلى أحدهم.
وهنا أمثل بمثال: فـ القرضاوي تكلم ووضح موقفه وقال: لماذا تفترون علي؟ وقال: لقد ذهبت وكان وكان.
أعلن أن تسعين في المائة حطمت فعلاً من حجم التمثالين، فقال: أنا سأذهب لكي أتناصح مع الإخوة لحل مشاكل إخواننا الأفغان ومعاناة الفقر وكذا وكذا.
إلى آخر هذه الأشياء.
فهذا ما قاله، وهو أنه يعرف أنه غير معقول أن يذهب ليدافع عن أصنام.
فلسنا مع بعض الشباب الذين أطلقوا ألسنتهم بكلام بشع جداً ما كان ينبغي أن يقال.
وعلى أي الأحوال فنحن نفرق بين الحكم والفتوى، فالحكم حكم الشرع الذي يؤخذ من نصوص الكتاب والسنة، والفتوى تطبيق الحكم على الواقع.
مثلاً: عندما نسأل عن أكل الميتة نقول: ما حكم أكل الميتة؟
و
الجواب
حرام.
لكن عندما نسأل عن حالات معينة، كما لو أن الجائع لم يأكل من الميتة فسوف يموت فإنا نقول له: ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام:١١٩]، فهذه حالة ضرورة، فهنا لا نقول له: مباح أن تأكل بل نقول له: واجب عليك أن تأكل من الميتة.
فانتقل الأمر من حرام إلى واجب لحفظ حياته.
فالشاهد أن هذا من مرونة الشريعة، وأن قاعدة الشريعة أن التكليف منوط بالاستطاعة، قال تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، والمسلمون تطرأ عليهم حالات معينة يصعب وضعهم فيها، وقد كان الرسول ﵊ يمر بالصحابة وهم يعذبون في مكة فيقول لهم: (صبراً آل ياسر؛ فإن موعدكم الجنة)، وهو رسول الله المؤيد بالوحي، فما استطاع أن ينقذ هؤلاء المستضعفين، بل هو نفسه ﷺ بقي في مكة والأصنام حول الكعبة، وبقيت إلى تأريخ مكة.
فإذاً هناك فرق بين الحكم الشرعي الذي تكلمنا عنه، والفتوى هي التطبيق لهذا الحكم على الواقع، فالكلام على المصلحة الدينية هو القنطرة الوحيدة التي يمكن أن نلتقي فيها مع هؤلاء القوم.
وبعض المتكلمين -وهو غير باحث- قال: إننا بهذا العمل فتحنا باباً لمفسدة عظيمة، فهو نظر إلى المفاسد في زعمه، ونحن نقول: مادام أنه يتكلم على مصالح ومفاسد فلا بد من أن نتأكد من المصالح ونعطي كل شيء حجمه حين نتكلم على المفاسد والمصالح، فهذه المنطقة هي الوحيدة المباح لنا فيها أن نتكلم، ما دام الكلام فيها عن المصلحة الشرعية ودرء المفاسد وسد الذريعة لئلا ينال المسلمين نفس الضرر؛ فليس من مصلحة المسلمين الدخول في أمر يعود بمنكر أكبر، ففي بعض الأماكن أو بعض البلاد لو هدم أحد صنماً فإنه سيبنى أحسن منه وأكبر منه، فالنظر في عواقب الأمور، ووزن الأمور بميزان الشرع، راجع لأهل العلم الذين يحسنون ضبط الأمور.
стр. 1721
الصمت العالمي وتدمير مسجد البابري
أخيراً نقف قليلاً مع طالبان، وإن كان عندنا مشكلة، وهي أن الاستيثاق صعب جداً؛ لأن المصادر الموثقة التي يمكن أن نتلقى منها معلومات موثقة أمرها صعب جداً، خاصة أن طالبان معزولة، ويبدو أنهم عزلوا أنفسهم عن العالم أكثر، فوسائل التعرف على حقيقة موقفهم في الحقيقة أمر صعب جداً، ولذلك فالإنسان دائماً يشك في الكلام الكثير والدندنة على موضوع تعليم النساء وأنه حرام عند طالبان، ومن الصعب أن يصدق؛ لأن المتكلمين يدعون أن الإسلام يحرم تعليم المرأة، وهذا غير صحيح، ومن المؤكد أنهم وضعوا للأمر ضوابط، وفيها كلام كثير، والقرضاوي قد ناقش هذه المسألة بالتفصيل، وليس هنا مكانها، ونحن ليست قضيتنا أن ندافع عن طالبان؛ لأن معلوماتنا غير ميسرة، وعلى أقل تقدير فمن الأمور الواضحة أنهم في ذلك ينطلقون من منطلق شرعي.
وفي نفس الوقت نقول: إن موضوع العدوان على التراث البشري وغير ذلك من الكلام الذي لا يساوي شيئاً ليس المعني فيه الطالبان وحدها، وليس هناك داع للكيل بمائة مكيال بالنسبة للمسلمين، لكن أين كانت الأمم المتحدة وأين كانت الوفود، وأين كان هذا الاستنصار الذي حصل من أجل صنمين، ذلك الاستنصار الذي استفز قسيساً حتى قال: لماذا تقدسون الحجر ولا تقدسون البشر؟ كان يقول لهم: أنتم تقدسون الحجر وتقدسون البقر ولا تقدسون البشر! فهذا كلام قسيس، يعني: والبشر لا يقدس.
وأقول: كل هذه الحمية والغيرة والوفود والبركان الجاهلي الثائر أين كانت عندما هدم الهندوس المسجد البابري في الهند بحجة أنه بني على أنقاض مسقط رأس إلهي مرام؟ وقالوا: هذا إلهنا ولد في المكان الذي بني فيه المسجد؟! فانظر إلى الوثنية والعقول التافهة؟! علماً أن زعيم الهندوس الذي تزعم حركة تدمير المسجد أسلم، وأعلن أنه راغب في أن يكفر عن كل ما مضى منه في حق الإسلام أو في حق بيت الله ، فهذه آية من آيات الله ، والإسلام دائماً يأتي بالبشائر.
стр. 1722
الموقف العالمي من صنيع اليهود
والمسجد الأقصى لما أحرقه اليهود في سنة تسعة وستين كان مما أحرق تماماً منبر صلاح الدين الأيوبي، الذي أنشأه حين فتح القدس ﵀.
واليهود في فلسطين هدموا عشرات المساجد، وحولوا بعض المساجد إلى حانات وإلى متاحف وإلى أماكن فساد وإلى مجامع للقمامة، فأين كانت هذه الوفود وهذه الثورة؟! وفي فلسطين محيت أربعمائة قرية من الخريطة تماماً وتناساها الجميع، وغيرت الدولة اللقيطة -ولا تزال- الطابع التأريخي والديمغرافي لمدينة القدس عن طريق الحفريات والأنفاق وكأن ذلك شيء لا قيمة له! ثم بعد ذلك يأتي أحد من المسلمين ليحث العالم الغربي على التدخل العسكري ضد طالبان لكي ينقذ هذين الصنمين، فانظر إلى المأساة التي وصلنا إليها!
стр. 1723
ذكر مواقف أخرى من تهديم التراث
وفي أثناء الثورة الثقافية في الصين دمر الشيوعيون (٩٠%) من التراث الكونفشيوسي؛ لأن الشيوعيين كانوا ملاحدة ضد الدين، ومن المعلوم أن الدين الكونفشيوسي شركي، فدمر الشيوعيون -انطلاقاً من أن هذا يتعارض مع عقيدتهم الشيوعية- (٩٠%) من التراث الكونفشيوسي.
وفي كمبوديا حصل نفس الشيء، وعمل هتلر أشياء قريبة من ذلك، ونابليون هو الذي كسر أنف أبي الهول، وقصف الجامع الأزهر وحوله إلى اصطبل للخيول، أليس نابليون اتبع الحرية والإخاء والمساواة والرقي والحضارة؟!
стр. 1724
الموقف العالمي من تهديم مساجد أفغانستان والبوسنة
والبريطانيون أنفسهم في أفغانستان هدموا مسجد (مصلى حسن) سنة (١٨٨٦م)، وهو مسجد يعود إلى القرن الخامس عشر، ولم يعد هذا عدواناً على التراث! وقد هدم الصرب في البوسنة كثيراً من المساجد، فقد تم قصف ثمانمائة أثر إسلامي في البوسنة لطمس الهوية الإسلامية في البوسنة على يد الصرب.
والروس عندما تمردوا أخيراً على الشيوعية حطموا تمثال لينين وتماثيل ضخمة ل لينين، فقد كان الروس الشيوعيون في كثير من بلاد العالم يعبرون عن تحررهم وانعتاقهم من الشيوعية عن طريق تحطيم تماثيل لينين؛ لأنها رمز لشيء معين.
الإيرانيون لماذا حطموا تماثيل الشاه؟ لأنه هدم لرموز الماضي.
стр. 1725
الموقف العالمي من سفك دماء مسلمي العراق
وهذا كولن باول الذي حطم العراق وقتل الأطفال والنساء يدعي أن تحطيم التمثالين وحشية وهمجية وجريمة في حق البشرية، فكيف بالذي عمله في العراق؟ أليس ذلك وحشية وهمجية وبربرية؟! وكذلك تدمير مساجد السنة في إيران، فأين أصحاب الحمية وأين هذه المنظمات؟! واليهود تحت أعين الأمم المتحدة قصفوا الآثار الرومانية والإسلامية في بعلبك والقرى الجنوبية في لبنان، وأين القتل البطيء المستمر لمسلمي العراق والغارات المتتابعة على العراق إلى الآن لإزالتها من الخارطة؟ والصنم حين يضرب بالبارود هل يحس؟! إن الصنم ثابت في حاله لا يشعر بالبرد ولا يجوع ولا يمرض ولا يموت؛ لأنه جماد.
لكن المسلمين في العراق وفي البلاد المحاصرة يحسون ويشعرون، فلماذا القتل البطيء لهم ومحاصرتهم في كل مكان؟! إنه جزاء من يأبى الركوع لأمريكا وللغرب.
стр. 1726
القانون الدولي شريعة الغاب
والقانون الدولي حينما يتعارض مع الشرع الإلهي فهو المقدم، وكل هذا أكاذيب يتستر الغرب وراءها لإهلاك الشعوب، والمنطق الذي يمشي عليه الغرب هو: (الحق هو القوة)، فما دمت قادراً على أن تعمل أي شيء فهذا هو الحق! في حين أن الإسلام يعتمد على منطق قوة الحق، ولذلك فإن المسلمين يثبتون على الحق، ويعلنون الحق ويتمسكون بالحق، حتى ولو كانوا ضعفاء مادياً، أما الغرب فعندهم حق القوة، فما دمت قوياً فلك أن تقهر الضعيف، فهي شريعة الغاب كما هو معلوم.
وقد قال الله : ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣٣].
ولا ننتظر من الغرب غير هذا العداء، والذي يتوقع أنهم سيرضون عنا يوماً من الأيام فهو واهم؛ لأن القرآن قد قطع فقال: ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة:٢١٧]، ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠].
فالكلام الذي يتردد الآن تسميم خطير جداً لعقائد الناس بمعاني العولمة والتراث البشري ومهادنة الشركيات واحترام الأديان.
وإننا نحترم حقوق أهل الأديان التي شرعها الإسلام، لكن كيف نحترم من يعبد الأصنام أو يعبد المسيح ﵊؟! كيف نحترمه وهو مطالب أصلاً برسالة محمد والإيمان به ﵊.
فإذا كان الالتزام بالقانون الدولي والأعراف الدولية يقودك إلى الخروج من ملة الإسلام فأيهما تختار؟! إن من المناقضات أن كل شعوب العالم -تقريباً- تأكل اللحوم، فلما جاء عيد الأضحى قامت قيامة ممثلة أوروبية فاجرة، فقادت حملة ضد الوحشية والقسوة ضد الحيوان -كما تزعم- فأصبحت الوحشية والقسوة من سمات المسلمين لأنهم يذبحون الأضاحي! لكن أين هي من المذابح التي تقام للمسلمين في كل مكان؟! لقد أصبحت أفغانستان دولة منسية إلا في العقوبات الدولية، بهذا السجع: (أفغانستان الدولة المنسية إلا في العقوبات الدولية) فنصف شعب الأفغان يتضور جوعاً، وإحصائيات الأمم المتحدة تقول: كل يوم يموت أربعمائة طفل من البرد.
وهم يعانون أيضاً من الجفاف، فمنذ ثلاث أو أربع سنوات لم تنزل قطرة ماء واحدة على أفغانستان، والحصار مشدد عليها، فنقول لهؤلاء: الإنسان الحي الذي يحس ويجوع ويمرض ويعاني أليس هو نفسه داخلاً في التراث؟! أليس له قيمة بحيث تخفف عنه هذه الضغوط.
فاليونسكو كانت مستعدة أن تنفق أموالاً كثيرة لكي تحفر الجبل وتنقل التمثالين إلى مكان آخر لحفظهما.
أليس الواجب هو أن تنفق هذه الأموال على الجياع والمساكين في أفغانستان؟!
стр. 1727
مرد الأحكام في القضايا الدولية
إن من الكلمات التي قالها أحد الدعاة الأفاضل قوله: يجب أن تحاكم كل دولة من خلال مرجعيتها التي تؤمن بها.
يعني: أنا مسلم فحاكمني إلى الإسلام؛ لأن هذه الوسيلة الوحيدة لإقناعي، وليس بقهري، إذ يمكن تحت القهر أن أقول كلاماً غير هذا، لكن أنا مسلم ملتزم بمقتضى الكتاب والسنة، وبفهم السلف.
فيجب أن تحاكم كل دولة من خلال مرجعيتها التي تؤمن بها لا حسب مرجعيات أخرى مخالفة، أما الاستناد إلى آراء قلة من العلماء المعاصرين الذين سلط الإعلام المنحاز ضد الإسلام الأضواء عليهم، فهذا غير ملزم، فالعلمانيون يقولون: لقد قال فلان وفلان.
والرد عندنا في الإسلام واضح جداً، فليس عندنا فاتيكان، ولا كهنوت، ولا صكوك غفران، ولا أناس معهم مفاتيح الجنة، ولا بابا يحل ويحرم ما يشاء، بل عندنا الكتاب والسنة حكم على الجميع، وعندنا كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ ، كما قال الإمام مالك.
стр. 1728
الأدب مع العلماء والدعاة إلى الله تعالى
وهنا أذكر إخواني بأنه لا يحق لأحد أن يطيل لسانه على العلماء أو الدعاة؛ لأننا لم نسمع منهم مباشرة، بل العكس، فنحن أحسنا الظن، وقلنا: إنه ليس معقولاً أن عالماً يشد الرحال لكي يدافع ويشفع لتنجو الأصنام، ولا أظن هذا، وحسن الظن واجب، إلا إذا أتى شيء يقيني، ونحن جربنا على الإعلام التدليس على الشيوخ والعلماء كثيراً.
فالكلام بأن العلماء يذهبون لكي يقولوا كذا وكذا صعب جداً أن نصدقه، خاصة مفتي الجمهورية، فصعب جداً أن نصدق أنه ذهب لكي يقول ذلك، ومن المؤكد أنه ذهب لكي يقول: إن الوقت غير مناسب لمصلحة المسلمين، وإن هذا من باب سد الذرائع حتى لا تحصل أذية للمسلمين واضطهاد لهم مثلاً.
أو: أنتم ما زلتم في مرحلة ضعف.
وهذا مقتضى حسن الظن.
وقد اطلعت على كلام يقول: إن المفتي قال إنه ذهب إلى أفغانستان لإقناع حركة طالبان بأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.
إلى آخره.
وحين نحسن الظن لن نخسر شيئا، بل نحافظ على علمائنا، فمن الضروري أن لا نساهم في تحطيم العلماء، فالعلماء يحطمون بذلك كقدوة، فصعب جداً أن نصدق أن عالماً أو فقيهاً يخالف كل هذه الأدلة التي ذكرناها.
стр. 1729
اتهامات بحق حكومة طالبان وردها
في القضايا الإسلامية كل واحد يعطي نفسه الحق في الكلام.
فبعضهم قال: إن الذي عملته طالبان صح شرعاً، لكن هم لهم هدف سياسي، فلأنهم معزولون الآن عالمياً، أرادوا أن يلفتوا الأنظار لأجل أن يعترف بهم العالم.
إلى آخر هذا الكلام.
وبعضهم أساء الظن وقال: إن هذا صرف للأنظار عن قضايا المسلمين، أو إعطاء اليهود مبرراً لأجل أن يهدموا المسجد الأقصى في المقابل.
إلى آخر هذا الكلام، فكل هذا سوء ظن في الحقيقة.
وبعضهم قال: هذا حق يراد به باطل.
فتدخلوا في النيات.
وقائل: هذه عبارة عن رسالة سياسية من أفغانستان.
ونقول: ليكن الافتراض الأول، فليكن أن لها هدفاً سياسياً أو تكتيكاً سياسياً، فمن المعروف أن من حق كل دولة أن تمارس ممارسة ذات مصلحة خاصة بها من أجل قضاياها، فإذا أرادوا بالفعل شد أنظار العالم لتسليط الأضواء على بلادهم المنسية التي قتلها سابقاً الروس والشيوعيون ويخلفهم الآن الحصار؛ فماذا يعيبهم؟! ومع ذلك نقول: هذه هي الطريقة الغربية في التفكير؛ لأنهم لا يؤمنون بالله ولا بالرسل، فالغرب ومن تبعهم -فضلاً عن وثنيي الشرق- في أي ظاهرة دينية يأخذون منها البعد الإيماني أو البعد الديني، فلا يقرون بالبعد الديني في أي عمل يقوم به المسلم، بل يفسرونها تفسيراً مادياً، فيفسرون حركة دعوة الرسول ﵊ والصحابة بأنها كانت لأجل الأوضاع الاقتصادية والطبقية في مكة، فهو تفسير مادي.
وكل العالم يقاطع طالبان، ولا يزال يعترف بالحكومة التي لا تكاد تسيطر على أي شيء في أفغانستان، حتى منظمة المؤتمر الإسلامي لا تعترف بطالبان، وإنما تعترف بها - كما أظن- باكستان والإمارات فحسب.
وكان هذا لأن رئاسة منظمة المؤتمر الإسلامي كانت بيد إيران، ومعروف العداء الشديد بين طالبان وبين إيران، فلم يفكر أحد في أن يتعامل معهم إلا من خلال هذا الضغط.
والمسألة كتكتيك سياسي ما المانع منها؟ أهي حلال لغيرهم وحرام عليهم؟! فلو كان هناك بعد سياسي لهذه القضية، فما الذي ينكر عليهم في هذا الأمر؟! وهناك موضوع آخر في قضية أفغانستان هو موضوع المخدرات، إذ يقول بعض الناس: إن أولئك أهل مخدرات، فأولى بطالبان أن يحرموا المخدرات قبل الإقدام على هدم التماثيل! ونقول: أي دولة في العالم ليس فيها مخدرات؟ فأمريكا نفسها أم المخدرات، والعالم مليء بالمخدرات في كل مكان، ولا يوجد بلد -تقربياً- يخلو من هذا الأمر؛ لكن هنا إشارة عابرة، فالأمم المتحدة نفسها أعلنت مؤخراً أن مسئوليها في مجال مكافحة المخدرات في أفغانستان فوجئوا بنتائج دراسة حول وضع المخدرات في أفغانستان، حيث حصل انخفاض هائل في زراعة المخدرات بعد المرسوم الذي أصدره الملا محمد عمر زعيم طالبان بتحريم زراعة المخدرات والاتجار بها ومعاقبة من تثبت مخالفته.
فبعد أن كان هناك سبعون ألف هكتار مزروعة بالمخدرات بقي منها سبعة وعشرون هكتاراً مزروعة بالمخدرات في إحدى وخمسين مديرية، فهذه الإحصائية والمسح الذي عملته الأمم المتحدة نفسها بخبراء يتبعونها.
فهذه الإحصائيات أعتقد أنها تكشف الكلام عن هذا الموضوع.
стр. 1730
وجوب توحيد الله تعالى والكفر بالطاغوت لسلامة الإسلام
وأخيراً نقول: إن أصل الأصول هو توحيد الله ، فإنه لا يسلم إلا من سلم توحيده لله ، فكل مسلم كي يسلم له إسلامه وتوحيده لابد له من أمرين: أن يؤمن بالله وحده لا شريك له، ثانياً: أن يكفر بالطاغوت، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة:٢٥٦] التي هي (لا إله إلا الله).
ومن الكفر بالطاغوت تكفير المشركين كالبوذيين والهندوس واليهود والنصارى وغيرهم وخلع معبوداتهم، وإزالتها عند القدرة عليها، والبراءة منهم ومما يعبدون من دون الله، كما قال الله : ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة:٤] فجمعت البراءة بين أمرين: (إنا برآء منكم) براءة من نفس الكفار (ومما تعبدون من دون الله) أي: البراءة من أصنامهم ومعبوداتهم.
فهذا ما تيسر من الكلام في هذه القضية.
стр. 1731
الرد على الكاتب فهمي هويدي
ومن المؤسف أن هناك مقالة لـ فهمي هويدي -هداه الله- في الثالث عشر من مارس عام (٢٠٠١م) في (قضايا وآراء) في صحيفة الأهرام تقريباً، ففي الفقرة الثالثة يقول: يكاد المرء يجد تشابهاً بين مشهد جموع الوهابيين وهم يوارون الأضرحة والقبور والأشجار التي كان يتبرك بها المسلمون في نجد وبين محاولة تحطيم التماثيل البوذية في أفغانستان الآن، فالأولون اعتبروا الأضرحة والأشجار من أمور الشرك باعتبار أن المسلمين كانوا يتوسلون بها إلى الله، والآخرون اعتبروا التماثيل أصناماً من رموز الشرك أيضاً.
فهو يتكلم بغضب بأن ما يجري في أفغانستان هو حلقة في مسلسل بدأ في الجزيرة العربية قبل أكثر من قرن ونصف قرن من الزمان، وليس هذا فحسب، بل يقول: إن هناك تشابهاً بين الفكر الطالباني وبين الفكر السلفي الشائع.
وللأسف هذا كلام غير صحيح.
وأقول: السلفية ليست فكراً، بل هي منهج ملزم لكل مسلم، فالسلفية ليست جماعة ولا تنظيماً ولا حزباً، السلفية هي منهج لفهم الإسلام -القرآن والسنة- بفهم السلف، فما يزعمه هذا الصحفي من أن هناك تشابهاً بين السلفيين والطالبان غير صحيح، بل أوجه الاختلاف كبيرة جداً، ولأول مرة يتفق -تقريباً- السلفيون مع الطالبان في هذه القضية، وقد رحب بها السلفيون وعلماؤهم في كل مكان، ففي هذه الجزئية فكر مركب، لكن ما عدا ذلك فالمؤاخذات كثيرة جداً، وليس الموضوع مناسباً لأن نتكلم بالتفصيل.
والذي ذهبوا إلى أفغانستان أيام الحرب والجهاد يعرفون الفرق الشاسع بين الأفغان جملة والاتجاه السلفي، فالفروق شديدة جداً في موضوع المذهبية والتعصب للمذهب الحنفي، وموضوع الأضرحة ونحو ذلك، فهم هدوا التمثالين لكن هناك أضرحة تعبد من دون الله، وهناك شركيات معروفة؛ فهذا نوع من الدجل الصحفي أن هناك نوعاً من التوافق بين الاتجاهين، فهذا من مجازفاته، ولن ننشغل بالرد عليه، ولكن نسأل الله الهداية لنا ولسائر المسلمين، ونكتفي بهذا القدر.
стр. 1732
السيرة البازية
إن الله سبحانه قد جعل لهذه الأمة في كل فترة من الزمن من يجدد لها إيمانها، ويقوِّم اعوجاجها، وينافح عن عقيدتها ومبادئها، ألا إنهم العلماء الأبرار، ورثة الأنبياء، وحجج الله على خلقه، ومن أبرز هؤلاء الأئمة في هذا العصر الشيخ الإمام عبد العزيز بن باز ﵀، فقد كان أعبد الناس، وأزهدهم في الدنيا، وأشجعهم في قول الحق، وأخوفهم من الله تعالى، وألطفهم عبارة، وأرأفهم قلباً، فكان حرياً أن يُمدح ويثنى عليه من كل علماء الإسلام من مختلف الأمصار، فرحمه الله رحمة واسعة.
стр. 1733
حياة الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى
стр. 1734
موت العالم مصيبة على الأمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهدي الله فهو المهتد، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد.
كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد.
كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: فقد صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: (أيما عبد من أمتي أصيب بمصيبة من بعدي فليتعز بمصيبته التي يصاب بها من بعدي) فلما كان فقد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أعظم قاصمة حلت بأهل الإسلام بحيث لا ترقى إلى مستواها قاصمة أخرى، فندبنا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم -إن كنا له حقاً ﷺ محبين الحب اللائق به- أن نتذكر هذه المصيبة، فكل مصيبة بعده تكون أهون وأخف، وقد نظم الشاعر معنى هذا الحديث بقوله: اصبر لكل مصيبة وتجلد واعلم بأن المرء غير مخلد فإذا ذكرت مصيبة تسلو بها فاذكر مصابك بالنبي محمد ﵌.
ولا شك أن التاريخ مليء بتراجم عظماء الرجال، وسوف نتوقف كثيراً هذا اليوم؛ لينضم شيخ الإسلام وإمام المسلمين العلامة الشيخ: عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى إلى هذه القائمة المباركة التي ضمت أعلام الإسلام من السلف الصالح رحمه الله تعالى، وليذكر إلى جنب الأئمة الأربعة، وإلى جنب الإمام البخاري ومسلم وابن تيمية وابن القيم وسائر أئمة الإسلام، فاليوم حكم القضاء الإلهي -ونحن بحكم الله راضون- باليتم على السلفيين، فقد قضى إمامهم وشيخهم الأكبر في هذا العصر رحمه الله تعالى.
يقول عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه: (موت العالم ثلمة في الإسلام لا يسدها شيء ما اختلف الليل والنهار).
وقال أيوب السختياني رحمه الله تعالى: إني أخبر بموت الرجل من أهل السنة، فكأني أفقد بعض أعضائي.
وكان أيوب السختياني رحمه الله تعالى يبلغه موت الفتى من أصحاب الحديث، فيرى ذلك فيه، فيبلغه موت الرجل يذكر بعبادته، فما يرى ذلك فيه.
وقال أيضاً رحمه الله تعالى: إن الذين يتمنون موت أهل السنة يريدون أن يطفئوا نور الله، وقد قال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [الصف:٨] فلا شك أن موت أمثال هؤلاء الأئمة من أعظم المصائب التي تحل بالمسلمين، حتى كان بعض الأئمة يتمنى أن يؤخذ من عمره ليضيف في عمر هؤلاء الأعلام.
يقول يحيى بن جعفر: لو قدرت أن أزيد في عمر محمد بن إسماعيل البخاري من عمري لفعلت، فإن موتي يكون موت رجل واحد، وموته ذهاب العلم.
ويقول الشاعر: لعمرك ما الرزية فقد مال ولا شاة تموت ولا بعير ولكن الرزية فقد حر يموت بموته بشر كثير ويقول آخر: فما كان قيس هلكه هلك واحد ولكنه بنيان قوم تهدم فالمصيبة في أمثال هؤلاء الناس تعم جميع المسلمين، ولو فقه المسلمون لأدركوا قيمة الخسارة التي حلت بهم، والمصيبة التي نزلت بهم، ولرأيناهم على الأقل صنعوا كما صنعوا حينما ماتت الأميرة ويلز، فقالوا: هي التي كانت وكانت، فعم الحزن والبلاء، ودخلت الشعائر الكنيسية كل بيت، فلا شك أن هذه من أمارات غفلة المسلمين وضعف إحساسهم بمطالبهم.
عمت طلائعه فعم هلاكه فالناس فيه كلهم مأجور والناس مأتمهم عليه واحد في كل دار رنة وزفير يثني عليك لسان من لم توله خيراً لأنك بالثناء جدير ردت صنائعه عليه حياته فكأنه من نثرها منشور
стр. 1735
ولادة الشيخ ابن باز وطلبه للعلم
لا شك أن هذا المصاب الجلل الذي ابتلي به المسلمون حدث عظيم وخطير، ومن أقل حقوق الشيخ رحمه الله تعالى على المسلمين وعلى أهل الإسلام أن يذكر بخير، فإن المؤمنين شهداء الله في الأرض، فلعل في ذكر مآثره ومناقبه رحمه الله تعالى ما يستوجب الدعاء الصالح له، والترضي عنه رحمه الله تعالى.
هو الشيخ الجليل أبو عبد الله عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الرحمن بن باز أحد أئمة السنة المطهرة في علوم الشريعة الإسلامية، ومرجع المستفتين من مختلف أنحاء العالم الإسلامي، وهذه الترجمة مذكورة في كتاب: علماء ومفكرون عرفتهم، شرع الأستاذ محمد المزوكي تسطيرها منذ أكثر من (٢٥) سنة.
يقول: ولد في الرياض عاصمة نجد يوم (١٢/ ذي الحجة/ ١٣٣٠هـ)، فيكون الشيخ توفي عن تسعين سنة تقريباً رحمه الله تعالى.
يقول: في أسرة يغلب على بعضها العناية بالزراعة، وعلى بعضها عمل التجارة، وعلى كثير من كبرائها طلب العلم، ومن أعيان هذه الأسرة الشيخ عبد المحسن بن أحمد آل باز، تولى القضاء في الحوطة، والإرشاد في الهجرة، ومنهم كذلك الشيخ المبارك بن عبد المحسن تولى القضاء في بلدان كثيرة كالطائف وبيشة والحلوة.
فالطابع الغالب على أسرته كان طابع الجد في ممارسة الخير؛ سعياً في كسب الحلال، ومذاكرة مسائل الدين، والتزاماً بفضائله، فهي بيئة إسلامية تذكر الناسي، وتعلم الجاهل، وتنبه الغافل.
شاء أن يحجب عن العلامة الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى البصر وهو في مطالع الصبا، وكان الشيخ رحمه الله تعالى يقرأ عليه كتاب: الأدب العربي في السنة الثانية من الجامعة، ففسر بعض الناس قول امرئ القيس: (له ساقا نعامة) فقال: (ساقا نعامة) يعني: أنه قصير الساقين طويل الفخذين، وهو ما ذهب إليه الأصمعي، فاعترض الشيخ ما في الكتاب بأن العكس هو الصواب، والشيخ رحمه الله تعالى قال يومئذ: إنه قد رأى في حداثته النعامة بالرياض، وفي ظنه أن ساقها أطول من فخذها، فهذا يشير إلى أنه بعد أن أصيب بفقدان البصر كان يتثبت من أشكال الأشياء، وبعض الناس يذكرون أن الشيخ لم يفقد البصر إلا في التاسعة عشرة من عمره رحمه الله تعالى.
ولا شك أن هذا الابتلاء بفقد البصر ضاعف من أثر هذه البيئة المنزلية في نشأته العلمية إذ طالت ملابسته إياها فكثرت صفاته من فضائلها، وانطباعه من سلوكها، ثم تم الله عليه نعمته، فوصله بطائفة من صفوة أهل الصلاح، عنهم أخذ العلم، وبهم تخرج، فجمع بين الحسنيين، مما جعله أنموذجاً حياً بما تصنعه التربية الكريمة إذا التقت بالتثقيف السليم.
كان القرآن العظيم ولا زال إلى آخر حياة الشيخ رحمه الله تعالى هو النور الذي يضيء له حياته، فبدأ دراسته وطلب العلم بالقرآن الكريم، فحفظه عن ظهر قلب قبل أن يبدأ مرحلة البلوغ، ومع اجتهاده أيضاً في تحصيل سنة رسول الله ﵌، واتباعه في كل ما يصدر عنه وما يأتيه وما يذر، وبعد أن حفظ كتاب الله باشر انطلاقه في طلب العلم وجهاده فيه، فما ينفك عالماً ومتعلماً وواعظاً ومذكراً لا يجد في غير هذه السبيل متعة ولا فائدة، ولم يحبس الشيخ وقته على أستاذ واحد، بل اتصل بالعديد من المشايخ يتلقى عنهم العلم كلاً في حدود تخصصه، وكان أكثرهم من الأسرة التي لا تزال قائمة على رعاية الأمانة، هذه الأسرة المباركة التي تداولت راية العلم منذ حاملها الأول مجدد القرن الثالث عشر شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، فقد تتلمذ الشيخ على الشيخ محمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن وهو من أحفاد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، ثم تتلمذ على الشيخ صالح بن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن حسن، ثم الشيخ محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف، وهو حفيد شيخ الإسلام، وكان المفتي الأكبر في السعودية إلى عهد الملك فيصل.
فأثر هؤلاء المشايخ في عقله وتوجهه، وكانوا يشجعونه على المثابرة في تحقيق الخير والعلم والتبحر في عقيدة السلف.
أما مشايخه من غير آل الشيخ فمنهم الشيخ سعد بن حمد بن آل عتيق وكان قاضي الرياض في ذلك الوقت، ثم الشيخ حمد بن فارس وكان وصي بيت المال فيها، ثم الشيخ سعد البخاري بمكة المباركة والمكرمة، حيث أخذ عنه علم التجويد، إلا أن أطول فترة دراسية قضاها في التتلمذ هي على العلامة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله تعالى، حيث لازمه في دروسه ما بين سنة: (١٣٤٧ إلى ١٣٥٧هـ)، حيث رشحه الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله تعالى لتولي القضاء.
стр. 1736
تولية ابن باز للقضاء
ولي الشيخ القضاء في منطقة الخرج ما بين عامي: (١٣٥٧ إلى ١٣٧١هـ) حيث قضى في عمله أربع عشرة سنة ونيفاً، كان خلالها كشأنه في كل مكان مصدر خير وبركة وإصلاح لكل ما حوله ومن حوله، وقد ساعده على ذلك طيب قلوب الناس، وتقديرهم لأهل الفضل، وميلهم الفطري إلى العدل.
فكان ينظر في القضايا المعروضة عليه في المحكمة، بقسطاس العدالة بين المتقاضين، ويولي اهتمامه مصالح الناس في كل ما يهمهم، ويكتب إلى المسئولين في كل ما يراه ضرورياً لإصلاح حال الناس.
ولأن الشيخ لا يحب الانقطاع عن طلب العلم فلم يستطع أن يصبر على الانقطاع عن إشاعة العلم ما وجد إلى ذلك سبيلاً، وكان محفوفاً بطلبة العلم حتى أثناء قيامه بتجربة القضاء، ويبين الشيخ حاله في تلك الفترة بقوله: إن من الصعوبة بمكان محاولة الجمع بين القضاء والتدريس، يعني: كان يهتم اهتماماً كبيراً بالتحري في قضائه بين الناس، لكن كان في نفس الوقت يؤدي مادة التدريس لطلبة العلم، فمن أراد أن يتقن التدريس فإنه لا يسمح لنفسه بإطلاق الآراء دون أن يتثبت، ولا يتقاعس عن الاستزادة من ضياء العلم، وأيضاً كان يعاني من موضوع القضاء؛ لأن القضاء قد يعزل صحبته عن الناس وخاصة عامتهم؛ لأن القضاء حاجز بين القاضي وبين عموم الناس؛ حتى لا يطمع أصحاب المصالح بالتلصص والاحتكاك بالقاضي لتحصيل بعض فوائده من ذلك، فلذلك وجد الشيخ صعوبة في الجمع بين القضاء والتعليم والتدريس؛ لأن كلاً منهما يتطلب من صاحبه التفرغ التام، فكل تساهل في أحدهما إنما يتم من حيث الاهتمام في حق الأخرى.
стр. 1737
ابن باز وتوليه رئاسة الجامعة الإسلامية
تخلى الشيخ رحمه الله تعالى عن عمله في القضاء عام: (١٣٧١هـ) ليتفرغ للتدريس في المعاهد والكليات حينما بدأ عهد افتتاح هذه الكليات والمدارس في الرياض، وبقي هناك إلى سنة: (١٣٨٠هـ)، ثم انتقل بعد ذلك إلى المدينة النبوية نائباً عن أستاذه سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله تعالى في رئاسة الجامعة الإسلامية سنة افتتاحها، ثم تولى رئاسة الجامعة إلى عام: (١٣٩٥ هـ) حيث عهد إليه برئاسة إدارتها فاستقر في الرياض، فكان لا يغادرها إلا لحضور المؤتمرات التي يكلف بها أو لأداء العمرة أو الحج الذي يكاد الشيخ لم ينقطع عنه على الإطلاق، فكل من صحب الشيخ رحمه الله تعالى في عمره المبارك الطويل يقولون: ما انقطع الشيخ عن الحج حتى هذا العام رحمه الله تعالى.
وكان يكره أن يسمي مرضه الشديد بالسرطان رحمه الله تعالى.
ولما زار الملك فيصل ﵀ الجامعة الإسلامية للمرة الأولى عام: (١٣٨٤هـ) كان الشيخ رحمه الله تعالى موجوداً في هذه المناسبة، وعرض فيها المقدم -وهو الشيخ محمد المجذوب - انطباعاته عن الجامعة الإسلامية ورسالتها في العالم، وهو يعني بذلك المدح والثناء على جهود الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى في إدارته، فيقول: هذه الحديقة من أغراس بيتكم وقد بدا ينعها واخلولق الثمر ردت إلى طيبة العظمى قيادتها فكل صدع به من نفحها أثر فانظر إلى أمم الدنيا بساحتها في وحدة لم يكن في لهفها شجر جاءت طلاب الهدى من كل ناحية ظمأى إلى النور تحدوها المنى الكبر فيومها دأب في الدرس متصل ومعظم الليل في تحصيصه السفر لا ترتضي الرأي إلا أن تغيبه طريقة المصطفى والآي والسور جيل الهداة الذي كفوا لمطلعه روح الكفاح ويرنو نحوه القدر فصدق هذا التوقع والأمل حتى استعاد مهبط الوحي مركزه المشع على عالم الإسلام، وانتشر خريجو هذه الجامعة المباركة في مختلف القارات لاسيما الأفريقية، وكان من ذلك خير كثير.
ولا شك أن للشيخ رحمه الله تعالى أثره العميق في كل قدر أحرزته الجامعة تحت إشرافه أولاً نائباً لرئيسها، ثم رئيساً مستقلاً لها بعد وفاة رئيسها الأول الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ تغمده الله بعفوه، فقد كان الشيخ رحمه الله تعالى يتفقد الفصول بين الحين والآخر، فيستمع إلى دروس المشايخ، ويلقي توجيهاته الحكيمة هنا وهناك، وأحياناً كان يعرض في بعض الدروس ما يختلف مع طريقته في اتباع الدليل وتحريه، فيعقب على ما سمع بما يؤدي الغرض في منتهى الكياسة والتقدير، وكان يتردد على قاعات المدرسين فيسألهم عن صحتهم وراحتهم، ويحاورهم في شئون التعليم، ويشجعهم على المزيد من الجهد في خدمة الطلبة ابتغاء ما عند الله، ويدعو المدرسين في مطلع كل عام دراسي لاجتماع عام، يضم أساتذة المعاهد مرة، وأساتذة الكليات الأخرى مرة؛ ليتابع أمور الجامعة، مؤكداً على وجوب الاهتمام بأصول العقيدة التي كان الشيخ يعتبرها المنطلق العملي لتكوين شخصية الطالب.
وكان اهتمامه كثيراً بلغة القرآن الكريم التي يتوقف عليها مذاق هذا الطالب في الفهم عن الله وعن رسوله ﷺ ، خاصة أن في الجامعة طلاباً من غير الناطقين بالعربية، فلذلك كان يهتم بأن يعطي المدرسون الاهتمام الكبير بعدم اللحن، وأن يكونوا قدوة في نطقهم وسلوكهم، وكان يحرضهم على التزام اللغة الفصحى في كل حوار مع الطلاب.
وفي نهاية العام الدراسي يعقد مع المدرسين اجتماعاً عاماً آخر، فيتدارس شئون المقررات وملاحظاتهم، ويرى آراءهم وما يتعلق بسلوك الطلاب، والانطباعات التي حصلت من خلال هذا العام المنصرم، ويعرض على مجلس الجامعة فوائد ونتائج ذلك.
وكان الشيخ يشرف على أنشطة دار الحديث طوال السنة، ويلقي محاضراته فيها.
стр. 1738
اهتمام الشيخ بأحوال المسلمين والأقطار الإسلامية
يقول أحد الأساتذة في مقدمة محاضرة ألقاها الشيخ عن سيرة شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب: وفي العقائد كان الشيخ ابن باز مثالنا في ذلك، لا هو من أولئك المتطرفين الذين يطلقون عبارات الشرك على كل صغيرة وكبيرة، ولا هو من المتساهلين الذين يغضون النظر عن صغار الأمور، بل إنه لينبه عن الصغيرة والكبيرة، ويضع كل شيء في موضعه، والذين يعرفون الشيخ مثلنا عن كثب يدركون هذه الخاصة في أسلوبه، ومرد ذلك فيما نرى إلى سجيته السمحة التي تعامل حتى المخالفين بروح الطبيب الذي يعلم أن ثقة المريض به أول أسباب الشفاء.
وكان نشاط الشيخ يمتد إلى الأقاصي البعيدة من وطن الإسلام ومهاجر المسلمين، فمن خصائص شخصيته موضوع الاهتمام بأحوال المسلمين اهتماماً غير عادي، حتى إنه ما يسلم عليه أحد إلا ويسأله عن أهله وأولاده، وعن بيته وجيرانه، ويحمل معه إليهم السلام، ولذلك بعض له العاجزين كان يفرح جداً إذا أتاه الأخ من الحج وقد لقي الشيخ ابن باز، فيقول له: الشيخ ابن باز يسلم عليك، فهو يسأل، فيقول للناس: من الذي يقوم بالدعوة والسنة عندكم؟! أتبعث إليه السلام؟! فيظن الرجل أن الشيخ شخصياً يسأل عنه ويبعث له بالسلام، لكن هذه عادته مع كل الناس، حتى عندما يجلس الشيخ ابن باز للأكل لا يأكل وحده أبداً، فدائماً بيته مفتوح، سواء إذا كان في الرياض، أو في مكة، أو في غيرهما، فمعروف عن الشيخ أنه لا يمكن أن يطعم وحده أبداً، وإنما موائده دائماً منصوبة للأغنياء والفقراء، والوزراء والأمراء، والمساكين، كل يأتي يجلس، ويجلس الشيخ على الأرض فيأكل معه الناس، ويعود الشخص المسكين أو الفقير من أمثالنا إلى بلده فيقول: أنا كنت آكل عند ابن باز، وقال لي: كذا وقلت له: كذا بحيث يظهر أنه كان مع ابن باز في دعوة شخصية، لكن هذا لأن الشيخ كان يعامل كل شخص على أنه أكرم إنسان عليه من الجالسين.
كان الشيخ يهتم بالمدرسين الذين تم تدريبهم في الجامعة الإسلامية للتدريس في شتى بقاع الأرض، في الهند والباكستان، فكان يهتم بالمتفوقين من متخرجي الجامعة لينتدبهم إلى الدعوة في بلادهم وغير بلادهم، وهؤلاء هم المنبثون في كافة أقطار الأرض، يعلمون الناس دينهم ليل نهار، ويحصنونهم من التيارات الهدامة مثل الطرق الصوفية الضالة أو القاديانية المرتدة أو التكفيرية الضالة.
كذلك كان للشيخ جهد عظيم جداً في إمداد المسلمين في كافة أقطار الأرض بالكتب التي هم بحاجة إليها في مصيرهم بقصد التدريس والمطالعة.
فبفضل جهود الشيخ -بعد فضل الله سبحانه تعالى- صارت الجامعة مركز إشعاع على مستوى العالم الإسلامي كله.
وقد ذكر الشيخ المجذوب كثيراً من الإنجازات فيما يتعلق بأمور الجامعة كأنواع الكليات التي أسسها الشيخ من أجل أن تؤدي رسالتها كما ينبغي، كإنشاء كلية القرآن والدراسات الإسلامية وغيرها من الكليات.
стр. 1739
أخلاق الشيخ ابن باز ﵀
الحديث عن المترجم لا يكون مستوفى إذا لم يوف الجانب الخلقي عنه حقه يقول المترجم للشيخ: لقد أشرت قبل قليل إلى سجيته السمحة التي يعامل بها حتى المخالفين، وكانت إشارة عابرة لابد من الوقوف عندها ولو لحظات؛ وذلك أن الرجل بسماحته وحلمه وكرمه وأناته يكاد يكون صورة أنموذجية للتوجيه النبوي القائل: (تعلموا العلم، وتعلموا له السكينة والوقار، وتواضعوا لمن تتعلمون منه، ولا تكونوا جبابرة العلماء) فالسكينة والوقار أبرز صفات الشيخ، وهما أول ما يواجه به الناس القرباء منه والبعداء من جلسائه أو زواره العابرين.
يقول أحد الشعراء في ممدوح له: يا من له ألف خل من عاشق وصديق أراك خليت للناس منزلاً في طريق يقول: ما أعلم أحداً أحق بهذا الوصف من الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى، إن الناس ليتكوكبون حوله أينما وجد في المسجد في المنزل في الجامعة وإنه ليصغي لكل منهم في إقبال يخيل إليه أنه مختص برعايته، فلا ينصرفوا عنه حتى ينصرف هو، ومراجعوه من مختلف الطبقات، ومن مختلف الأرجاء، ولكل حاجته، هذا يقصده من أطراف المملكة يسأله الفتيا في أمر ضاق به العلماء، وذلك يفضي إليه بحاجة لا يجد فيها سوى الحلماء الكرماء، وربما كان بين هذا وذاك من لا يستحق اهتماماً ولا إصغاء، ولكنه لا يعدم منه الرعاية التي تجبر قلبه، وقد يكون بين المراجعين من يغلب عليه الحق فيسخط ويغلو لغير ضرورة، فلا يغير ذلك من حلم الشيخ، ولا يزد على الدعاء له بالهداية، ودعوته إلى الأمان.
حصل موقف من أحد تلامذة الشيخ المعروفين له، فكان يحكي أنه خالف الشيخ في المسألة الفلانية، قال: ورددت عليه وقلت له: كذا وكذا فقال: كذا فرددت عليه بكلام فيه شيء من الشدة، فقال له أحد إخواننا الجالسين معه: أما تخشى أن تكلم ابن باز بهذا الأسلوب؟ فالأخ قال له: لا، فهذا الشيء لا نبالي به على الإطلاق؛ لأن الشيخ رجل يريد وجه الله، فلا تبال إذا اختلفت معه ما دام قصدك الحق، فهو لا يتغير قلبه.
فكان إذا حصل مثل هذا كمراجعة في الكلام لا يغير ذلك من حلمه، ولا يزيده إلا الدعاء له بالهداية، ودعوته إلى الأمان، وليس بالنادر أن يزدحم عليه هؤلاء حتى لا يدعون له متسعاً لراحة، ومع ذلك لا يحاول التخلص من مقامه الصعب، بل تراه يصغي لحاجة كل منهم بهدوئه المعهود، ويجيب كلاً بما يرى أنه الحق.
يقول الشيخ المجذوب: لقد دخلت سرادقه في منى ذات يوم، فإذا هو محاصر بهجمة من الناس قد أحاطت به من كل صوب، بعضهم مكب عليه، وبعضهم قائم ينتظر دوره، وهو راض يسمع ويجيب دون أن يبدو عليه أي تذمر؛ لأن الشيخ من صفاته الغريبة والفذة التواضع الشديد.
رأيته مرة في منى وقت رمي الجمرات، فكان يمشي في نعل رطب جداًً، ويلبس ثوباً قصيراً في غاية التواضع، ولولا نور العلم الذي كان يضفيه الله عليه لقلت: هذا رجل من الفقراء والمساكين ماشٍ بالعصا، والجندي يدله على مكان رمي الجمرات، فيرمي الجمرات وحده، فهل ينكر أحد أن هذا هو الملك الحقيقي، وأن هذا هو الزعيم من زعماء الحق، ومع هذا لا يحتاج إلى الشرطة ولا كذا وكذا، فهذا هو الملك الذي ليس بعده ملك في الدنيا.
يقول: ومع أن الشيخ يعطي كل زائر ومراجع حقه المناسب عند مجلسه وإسناده، فالملاحظ أن له عناية خاصة بالفقراء والضعفاء، حتى لقد رأيت منهم من تأخذه نشوة الاعتزاز مما يجده من انبساطه إليه، واهتمامه بشئونه الخاصة، كأنه واحد من أقرب الناس إليه.
فالشيخ كان منحازاً جداً للفقراء والضعفاء والمساكين، وكان كل الناس في السعودية وإلى اليوم لا يعبرون عن الشيخ إلا بالوالد، فهو كالأب لهم جميعاً كباراً وصغاراً، ما من أحد إلا ويحس أنه والده وأبوه، حتى الفقراء والضعفاء يفخرون بالاعتزاز أن الشيخ يعطيهم هذا القدر من الاهتمام، وهذا يذكر بمجلس سفيان الثوري رحمه الله تعالى، فقد قيل في وصف مجلسه: ما رأيت الفقراء والضعفاء والمساكين في مجلس أعز منهم من مجلس سفيان، فقد كان يكرمهم جداً، ويعلي شأنهم، وهكذا الشيخ رحمه الله تعالى كان ينحاز جداً للفقراء والمساكين والضعفاء، ويعطف عليهم، ويحسن إليهم.
وفي الحقيقة أن سيرة الشيخ ابن باز هي ظاهرة غيرت مجرى التاريخ الإسلامي، خاصة في هذا العصر الذي أجدب بأمثال هذه النماذج الفذة، فلذلك نتوقع إن شاء الله تعالى أن تصدر تراجم كثيرة توفي الشيخ بعض حقه.
وقد وصف الشيخ ابن باز بأنه حاتم الطائي في هذا العصر من كرمه وجوده وإحسانه إلى الفقراء.
يقول الشيخ المجذوب حفظه الله تعالى: ولا أذيع سراً إذا قلت: إن نصيب هؤلاء من الشيخ لا يقتصر على حنانه وتلطفه، بل كثيراً ما يتجاوز ذلك إلى العون الذي يسد الحاجة، ولو كلفه ذلك الحيف على ميزانيته والذين يعرفون الشيخ عن قرب يقولون: إن الشيخ ما تمر أيام قليلة من الشهر بعدما يتقاضى مرتبه إلا ويكون قد استدان إلى أن يأتي الشهر الجديد، ويسدد الدين من مرتبه؛ لأن الشيخ كان لا يرد سائلاً أبداً.
يقول الشيخ: وإذا سمحت لنفسي برواية ما يتناقله عارفوه قلت: إن ذلك كثيراً ما يرهق الشيخ بتحميله ما لا يطيق.
بعض الناس يتصور الشيخ ابن باز شخصية سياسية، والحقيقة أن الموقع المتميز الذي كان فيه، هو أعظم من ذلك بكثير، وهذا نتيجة سر أودعه الله في قلوب خلقه، ويشير إليه قول النبي ﵌: (إذا أحب الله عبداً نادى جبريل: يا جبريل! إن الله يحب فلاناً فأحبه، ثم ينادي جبريل في الملائكة بذلك، ثم يوضع له القبول في الأرض) إلى آخر الحديث المعروف، فهذا هو السر في الحقيقة، والشيخ ابن باز ليس شخصية سياسية، وإلا فالشيخ ما أعطي حقه الذي يستحق، الشيخ ابن باز كانت سيارته تقف أمام الحرم ليدخل يصلي في الحرم المكي، فقد كانت له هذه المكانة المتميزة التي يتربع بها في قلوب جميع أئمة أهل السنة وأنصار السنة في كل بقاع الأرض؛ وذلك لأن هذه المحبة التي أوجدها الله في قلوب العباد للشيخ ﵀ ما كانت تستمد من موقعه ولا من وظيفته ولا غيرها؛ لأن أي وظيفة ستكون أقل مما ينبغي لإمام الدنيا، ولرجل الأمة، ولشيخ الإسلام في هذا الزمان.
يقول: ومما يندرج في هذا النطاق من أخلاق الشيخ طبيعة الكرم التي لا يملك لها تغييراً ولا تعديلاً، فعلى مائدته يلتقي بالصغير والكبير، والغريب والقريب، وما أحسب طعاماً له خلا من عديد الضيفان، حتى لكأنه هو القائل: إذا ما اصطنعت الزاد فالتمسي له أكيلاً فإني لست آكله وحدي أخا سفر أو جار بيت فإنني أخاف مذمات الحوادث من بعدي بهذه الأخلاق الرضية كان الشيخ ﵀ يستجيب لدعوات الآخرين، فلا يستمسك عن حضورها إلا لرجل قام، وقد يكون الداعي له تلميذاً له أو واحداً من عامة الناس، يقول: وأذكر أني حللت في ضيافته أياماً بمدينة الرياض فلم يتناول غداءه إلا على مائدة غيره من الداعين له.
يعني: طوال الفترة التي مكث فيها الشيخ المجذوب معه كان الشيخ دائماً مدعواً عند أحد، فكانت الدعوات تتوالى عليه من كل صوب، فيأمر بتحديد ما يمكن إجابته منها في جدول خاص، فلا ينفك يعتذر به كلما زادت الدعوات عن عدد الأيام، وهذه من المسائل الكثيرة التي أرتني مدى حب الناس لهذا الرجل.
وقد كان وما يزال رحمه الله تعالى وقته مباحاً للمراجعين، يأخذون منه ما يشاءون كما يشاءون، ولكل منهم حاجته الخاصة، مما قد يحيط على أعماله الرسمية، فكان لابد من تنظيم أفضل لهذه الجوانب، فقسم الشيخ وقته حسب الإمكان، جزء للعمل الرسمي، وآخر للمستفتين والمراجعين، وثالث للمراسلات والاتصالات، يتناوب على الكتابة للشيخ عدد من المساعدين يقرءون له ما يريد من نصوص المراجع، وما يرد إليه من الرسائل، ثم يتلقون منه الفوائد التي لا يكاد يخلو منها يوم، وإذا كان كتّابه هؤلاء يستحقون الإشفاق لكثرة ما يتحملون من هذه المتاعب، فهو أحق منهم بإشفاق المحبين؛ لأن الجهد الذي كان يعانيه رحمه الله تعالى تنوء به العصبة أولو القوة.
والحق أن أحدنا ليتساءل في دهشة كيف يستطيع هذا الرجل النهوض بكل هذه الأعباء؟ ثم يتذكر أنها البركة التي يختص بها الله من يشاء من عباده، فتحقق لأحدهم من أعمال اليوم الواحد ما تضيق به الأسابيع، بل الأشهر من أعمال الآخرين، وعلى ضوء هذا الواقع الملموس من حماس حياة الشيخ لزم التفسير المعقول لذلك الإنتاج الضخم الذي خلفه للأجيال أولئك السابقون من أمثال ابن تيمية وابن الجوزي والنووي والكثيرين من صالحي المؤمنين.
стр. 1740
جدول الشيخ ابن باز وأعماله اليومية
يقول: ولكي تتوفر للقارئ الصورة المقربة لأعباء الشيخ أضع بين يديه هذه القائمة التي تكاد تستوعب عمل اليوم والليلة من واقعه الذي يوشك ألا يتغير.
يبدأ دوام الشيخ الرسمي قرابة الساعة التاسعة من ضحى كل يوم، فإذا ما وافى مقر الرئاسة وجد المراجعين يملئون الأمكنة المعدة لهم بانتظاره، فيحييهم، ويستقبل مصافحيه ومعانقيه منهم، ثم يأخذ مكانه، وإلى جانبيه كاتبان مع كل منهما كدس من الأوراق المقدمة من هؤلاء، وكثير من يجتزئ عن الكتابة بالعرض الشفهي، فيبدأ بالاستماع إلى مضمون كل معروض على حدة، حتى إذا ما فرغ الكاتب من التلاوة المهموسة أملى عليه التعليق الذي يراه الشيخ، فإذا ما استوفى الكاتب بعض أوراقه تركه يستريح، والتفت إلى الآخر الذي يشرع في عرض ما لديه، وتلقي ما يملي عليه، وهكذا حتى تنفذ العرائض أو يحين وقت صلاة الظهر.
وقد تكون هناك اجتماعات لبعض اللجان تستدعي حضوره فينهض إليها، ثم يعود ليستقبل بقية المراجعين المشافهين، وكثيراً ما يمتد دوامه هذا إلى ما بعد انصراف الموظفين، فيظل هو ومن لابد من بقائه من مساعديه حتى ينطلق إلى البيت مع ضيوفه الذين لا يخلو غداء له ولا عشاء من بعضهم، وبعد الطعام يدعو بالقهوة والطيب، ويتحدث إلى جلسائه المرافقين والمنتظرين في مصالحهم، حتى إذا وافى موعد صلاة العصر أخذ سبيله إلى المسجد فصلى وراء الإمام في المدينة أو صلى بالناس في مسجد الرياض الكبير، وكثيراً ما رأيته يعقب الصلاة بموعظة قصيرة، ثم يعود إلى المنزل لمواصلة ما انقطع من حديث أو استقبال مراجعين جدد، وقل ما يخلو ذلك الوقت للقراءة في بعض الكتب القديمة، يتلوها عليه بعض المشايخ من خاصة طلبته، إلى ميعاد المغرب فيمضي معهم إلى المسجد، ثم يعود معهم إلى المنزل من قراءة والنظر في شئون الناس حتى وقت العشاء، وبعد أداء الصلاة يتناول مع الحضور طعام الليل، ثم يقبل عليه أحد مساعديه في المعاملات الخاصة بالمساجد ونحوها فيستمع ويملي، ولا يزال بين قراءة وإملاء وحديث في المكان حتى وقت متأخر، وقلما يتاح له الإخلاد إلى النوم قبل منتصف الليل! ويحين موعد صلاة الفجر في اليوم التالي فيتهيأ لها، ثم يأخذ كنفه إلى المسجد مع مرافقه، فإذا ما عاد إلى المسكن جلس يجيب في الاستفتاءات الواردة إلى مكتب البيت من مختلف الأرجاء والأقطار، فإذا فرغ منها نظر في طلبات المستشفعين من أصحاب الحاجات، فأوردها مواردها اللازمة، وهنا يوافيه موعد الدوام الرسمي فينهض إليه على عادته التي وصفناها.
هذه هي الصورة المقاربة ليوميات الشيخ، نقلنا بعضها من مشاهدتنا، ومعظمها عن أخ كريم طويل الصحبة له، ومن حق القائل أن يستشعر العجب بإزاء هذه الوقائع التي تكاد لا تصدق، ولكنها مع ذلك حقيقة يعرفها عن الشيخ كل من خالطه عن كثب.
стр. 1741
مفهوم الشورى عند الشيخ ابن باز ﵀
ثم يقول: وصف الله المؤمنين بقوله الحق: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى:٣٨] وألزم نبيه ﵌ وهو المؤيد بوحيه ألا يفارق الشورى في كل شأن هام فقال تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران:١٥٩] وقد استمرت مسيرة المجتمع المسلم في صعود حتى أسقطوا هذا المبدأ من حياتهم، فباتوا عرضة لتقلبات الأهواء، يتخذهم المستفزون مطايا لشهواتهم، حتى انتهوا إلى التخبط في الظلمات، والشيخ الذي أخذ نفسه بأدب الإسلام عزائمه ورخصه ما كان أبداً يتخلى عن مبدأ الشورى في أي شأن يقتضيه، وقد شاء الله أن أصحبه في مجلس الجامعة عدداً من الاجتماعات، فقيض لي أن أشهد من فضائله -وبخاصة في هذا الجانب من خلقه- ما لا يصح إغفاله من أي ترجمة تكتب عنه، أول ما نواجهه من فعل الشيخ في هذه المجالس ذلك الأنس الذي يشيعه في نفوس الأعضاء، لسؤاله كلاً منهم عن حاله وصحته، ووقوفه على ما سمع من الأنباء العالمية وأحوال المسلمين، فإذا ما بدأ النظر في جدول الأعمال أخذ بكل منها على حدة، فعرضت المناقشة وأعطى كل عضو رأيه فيها، فإذا انعقد على وجه منها بالإجماع أثبت ذلك في المحضر، وإلا طرح كلاً من الوجوه المختلفة للتصويت، وتقرر في شأنها الوجه الأجمع للأصوات، وكثيراً ما يكون هذا الترجيح مخالفاً لرأي الشيخ، ولكن ثقته بأعضاء المجلس، والتزامه بمبدأ الشورى، ينتهيان به إلى الرضا التام بكل ما تم.
وذات ليلة احتدم النقاش حول إحدى القضايا المطروحة، وتباينت الآراء فيها، وكأني بالشيخ خشي أن يكون في إبدائه وجهة نظره إحراجاً للآخرين فقال بلهجة ملؤها الود: أرى -يا إخوان- أن يأتي رأيي ورأي نائبي آخر الآراء؛ لئلا يكون في ذلك حرج لكم! وهذا مسلكه أيضاً في كل شأن يتسع للتساؤل، حتى القضية التي يسأل بها في الفقه -وهي من صميم اختصاصه- فيناقشونه الرأي فيها على ضوء النصوص الواردة في شأنها، حتى يطمئن قلبه إلى الوجه الأمثل، وقد يعترضه الأمر فيه الإبهام فيطرق ملياً يتأمله في صمت، ثم يدلي برأيه أو يقول لمن حوله ممن يثق به: أشيروا علي.
وهذا الرجل السهل السمح الحليم، محب الفقراء، سرعان ما ينقلب أسداً لا يرده عن إقدامه شيء إذا علم بظلم يقع على المسلمين، أو عدوان على شريعة الله ، إن مسلك الشيخ في هذه الناحية هو مسلك العالم الإسلامي الذي يوقن أنه مسئول عن حماية محارم الله، والدفاع عن حقوق أهل الإسلام بكل ما يملك من طاقة، وبدافع من الشعور الكامل بهذه المسئولية يتتبع أحوال العالم الإسلامي، فلا ينال المسلمين خير إلا فرح به، ولا يمسهم سوء إلا اضطرب له، ويرتفع غضبه إلى القمة حين يتعلق الأمر بدين الله، لذلك تراه أسرع العلماء إلى إنكار البدع؛ لأنها بنظره عدوان على حقائق الوحي، وتغيير لدين الله، وفي النهاية هي إبعاد للمسلمين عن جادة الإسلام.
стр. 1742
مراسلات الشيخ ابن باز للحكام والطغاة
عندما أصدرت محكمة البغي قرارها بإعدام سيد قطب وإخوانه ﵏ اعترى الشيخ ما يعتري كل مؤمن من الغم من مثل هذه النازلة التي لا تستهدف حياة البرآء المحكومين بقدر ما تستهدف منزلة الإسلام نفسه والمعتصمين.
يقول الشيخ المجذوب حفظه الله: وكلفني الشيخ يومئذ بصياغة البرقية المناسبة لهذا الموقف، فكتبتها بقلم يقطر ناراً وكرهاً وغيرة وأدخلتها عليه وكلي يقين بأنه سيدخل عليها من التعبير ما يجعلها أقرب إلى لغة المسئولين الدبلوماسيين منها إلى لغة المنذرين، ولكنه حطم كل التوقعات حين أقرها جميعاً، ولم يكتف حتى أضاف إليها قول الله تعالى في سورة النساء: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٩٣]، ووصلت يومئذ البرقية التي كانت -فيما أظن- الوحيدة من أنحاء العالم الإسلامي بهذه المناسبة لما تحمله من عبارات أشد على الطغاة من نزع السياط.
وينفخ الشيطان في نفس أحد الحكام فيعلن شبهاته بالطعن على كتاب الله وعلى رسوله ﷺ ، فهذا الطاغية طعن في القرآن والسنة بتوجيهاته التي تقيأها في مؤتمر للمعلمين عام (١٩٩٤م) وكان المجلس الاستشاري يضم ثلة من كبار علماء العالم الإسلامي يواصل اجتماعاته بالجامعة الإسلامية لدراسة المناهج وتطويرها، وإصدار توصياته بشأن الإحداثات التي تتطلبها المرحلة الجديدة، فوجه المجلس عدداً من برقيات الاحتجاج والاستنكار بمزاعم الطاغية حملت توقيعات الأعضاء جميعاً ما عدا واحداً اكتفى بالدعاء عليه، على أن الشيخ لم يستطع الاكتفاء بذلك فقال إلى كاتبه يملي عليه مقالاً في تفنيد تلك الأباطيل، وفضح مزاعم الطاغية التي تلم عن منتهى الجهل بالإسلام ولغة العرب، وقد نقلت الصحف والمجلات ذلك البيان الذي كان قطعة بارعة من فقه الشيخ وأدبه وغيرته اللاهبة على دين الله، يتلو تلك الهجمة الطائشة عدوان طواغيت الصومال من الشيوعيين على شريعة الإسلام.
فمعروف أن عدو الله سياد بري، ألغى أحكام الإسلام في الميراث، وأعلن التسوية بين الرجل والمرأة في الميراث، فثار ضده علماء المسلمين، فجمعهم في الميادين العامة وأحرقهم أحياء -عليه من الله ما يستحق- اعتداء منه على الإسلام، ثم تلته هذه الهجمة من طواغيت الصومال الشيوعيين على شريعة الإسلام، إذ ألغوا أحكامها العادلة في موضوع الإرث والحياة الأسرية، ليحلوا مكانها أحكام جاهلية ماركسية، ولما أعلن علماء مقديشو حكم الله في عدوانهم هذا أخذت الظالمين العزة بالإثم، فأحرقوا عشرة منهم وهم أحياء، وزجوا بالعشرات الآخرين في السجون، فكان لهذا الطغيان الرهيب أثره العميق في قلب الشيخ، لم يلمس إزاءه سوى القلم الذي حمل إلى البغاة ما يجب أن يتلقوه من مثله ﵀، وقبل ذلك كان للشيخ صولة في رابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة، خرج منها بالقرار التاريخي الذي يدين ثلة الشيوعيين الذين يفرضون وجودهم بقوة الحديد والنار، وطواغيت موسكو على مسلمي الجنوب العربي الذي لم تقف فيه حمامات الدم منذ استيلاء هذه العصابة الحاقدة على زمام السلطة في عدن وحضرموت، وعلى هذا الغرار يمضي الشيخ في مواجهة الأحداث التي تهم بالإسلام وأهله على مستوى العالم الإسلامي كله.
стр. 1743
تمكن الشيخ من الخطابة وتميزه فيها
يحكي الشيخ حفظه الله كيف استقبلت الجامعة الإسلامية (عام ١٣٩٣هـ) الملك فيصل، ثم وقف الشيخ يلقي كلمة يوجز فيها تاريخ الجامعة وأطوارها، ويذكر زيادة طلابها، وعدد خريجيها، ومطالبهم بعد التخرج، حيث انطلقوا يحققون رسالتها في مختلف أنحاء العالم الإسلامي، ثم إن الشيخ رحمه الله تعالى وقف يذكّر -في حضور الملك فيصل ﵀ بأهمية الإعلام في تبليغ الدعوة، وإبراز محاسن الإسلام للسامعين والناظرين والقارئين، ويذكر الملوك والأمراء بمسئوليتهم في هذا الصدد، ويهيب بالإعلام بعدم الانجراف في المزالق التي سبقه إليها الآخرون، وكان يتكلم بحرارة توحي للسامعين أنه يؤدي أمانته، ويبرئ ذمة، كأنما يستحضر مشهد الحشر حيث يسأل كل إنسان عما علم، وتكون مسئولية العلماء أضخم المسئوليات، ثم علق الشيخ المجذوب في هذه اللحظات بقوله: لم أتمالك نفسي أن قلت: الحمد الله الذي حفظ للإسلام من يقول مثل هذا الكلام.
ثم تكلم عن الشيخ ابن باز خطيباً رحمه الله تعالى فيقول: من الأمور الهامة أن يلمس القارئ ثقافة الشيخ في اللغة والأدب؛ لأنهما من الأسس الرئيسية لنظام التعليم الإسلامي، فإن كل جهد يبذل لفهم الآية أو الحديث أو استنباط الحكم الفقهي ذاهب سدى إذا لم يدعم بتعمق في قواعد العربية وآدابها وغريبها، وما يتبع ذلك من علوم البلاغة والنثر والشعر، وقد كان للشيخ أدواته الكافية الوافرة لإجابة الأشياء البديعة، فأهل العلم أكثر ما تنمو قدرتهم الأدبية في نطاق الخطابة؛ لأن معظم اعتمادهم عليها في الدرس والوعظ والدعوة، وهذا ما يتجلى واضحاً في مواهب الشيخ ابن باز، إنه لخطيب مبدع سواء في محاضراته الكثيرة أو تعقيباته على محاضرات غيره أو في توجيهاته الحكيمة التي تشرئب إليها الأسماع.
ومن خصائصه الخطابية قدرته على ترتيب أفكاره حتى لا تتشتت، وضبطه لعواطفه حتى لا تغلب عقله، ثم سلامة أسلوبه الذي لا يكاد يعتريه اللحن في صغير من القول أو كبير.
وأخيراً: تحرره من كل تكلف.
إن هذا الرجل من أشد الناس غيرة على حقائق الوحي واستمرارها سليمة من كل شائبة، وفي طبعه النفور عمن شذ عن هذا، فإذا ما سمع أي شيء من ذلك لم يلبث أن ينهض للتعقيب عليه بما يبين وجه الحق، فرحمة الله عليه رحمة واسعة.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1744
فوائد من السنة النبوية
جُبلت النفس البشرية على التطلع إلى مافي أيدي الآخرين، وهذا قد يفظي بها إلى العدوان عليهم، فيعتدي المرء على غيره قاصداً أخْذ ماله، أو إزهاق روحه، أو هتك عرضه، ومن ثَم فقد شُرع في الإسلام دفع هذا المجرم المعتدي بما يسميه الفقهاء (أحكام دفع الصائل)، وفيما يلي بيان لهذا الحكم الشرعي.
стр. 1745
شرح حديث: (مررت ليلة أسري بي بالملأ الأعلى وجبريل كالحلس البالي)
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم! صل على محمد وعلى محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم! بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: فقد روى جابر بن عبدالله ﵄ عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: (مررت ليلة أسري بي بالملأ الأعلى وجبريل كالحلس البالي من خشية الله تعالى).
هذا الحديث رواه محمد بن نصر في كتابه (تعظيم قدر الصلاة)، والبيهقي في الدلائل من حديث أنس، وفيه الحارث بن سعد الإيادي ضعفه الجمهور، وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح.
ورواه -أيضاً- الطبراني في الأوسط، وابن أبي عاصم في السنة، ورمز السيوطي له بالصحة، وحسنه الألباني.
فالحديث هو عن جابر بن عبدالله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (مررت ليلة أسري بي بالملأ الأعلى وجبريل كالحلس البالي من خشية الله تعالى).
أما الحلس فهو كساء يبسط ويفرش في أرض البيت، وهو قماش رقيق يوضع على ظهر البعير تحت قتبه، فشبه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم جبريل ﵇ بالحلس برؤيته لاصقاً بما تلبس به من هيبة الله تعالى، وشدة فرقه منه، فالسر في هذا التشبيه هو أن الحلس يلصق بالأرض، أو يلصق بظهر البعير، وكذلك هذا الخوف وهذه الخشية من الله لصيقة بجبريل ﵇ تماماً كلصوق الحلس بالأرض، أو بظهر البعير.
وتلك الخشية التي تلبس بها جبريل ﵇ هي التي ترقيه في مدارج التبجيل والتعظيم، حتى دعي في التنزيل بأنه الرسول الكريم، وعلى قدر خوف العبد من ربه يكون قربه، فلأن جبريل ﵇ شديد الخوف والخشية والهيبة لله فلذلك كان قريباً معظماً عند الله .
وفي الحديث أن الملائكة بين الخوف والرجاء كسائر المكلفين، مع أن الملائكة لم يخلقوا من نفس طبيعة البشر من حيث وجود الشر أو العصيان، وإنما هم لا وظيفة لهم سوى عبادة الله وتسبيحه وتحميده والسجود له، ومع ذلك فهم دائماً بين الخوف والرجاء يخافون الله ، فأولى لهم أن يكونوا كالملائكة الذين لا يفعلون المعاصي وهم معصومون منها، فما بالك بمن ليله ونهاره في معصية الله ، فلاشك في أنه لو فقه وعلم حق العلم لكان أشد خشية لله ، فهذا حال جبريل -وهو أفضل الملائكة- يقول عنه النبي ﷺ : (مررت ليلة أسري بي بالملأ الأعلى وجبريل كالحلس البالي من خشية الله تعالى).
فيفهم من ذلك أن الملائكة يكونون بين الخوف من الله ورجائه كسائر المكلفين.
قال الحكيم الترمذي: (وأوفر الخلق حظاً من معرفة الله أعلمهم به) فكلما زاد علم الإنسان بالله وعرف الله أكثر كلما ازداد خوفه من الله ، وأعظمهم عنده منزلة هو -أيضاً- أخوفهم من الله، وأرفعهم عنده درجة وأقربهم منه وسيلة.
فالأنبياء إنما فضلوا على الخلق بالمعرفة لا بالأعمال، وما ثبت من تفضيل الأنبياء ﵈ على سائر البشر ليس بكثرة العمل، بل بكثرة العلم والمعرفة بالله ؛ لأنهم يعرفون الله أكثر، فلو كان تفاضلهم بالأعمال لكان المعمرون من الأنبياء وقومهم أفضل من نبينا ﷺ وأمته، أي لكانت تلك الأمم التي عاشت أكثر منا أفضل عند الله من أمة محمد ﷺ ، وهذا لا يقع، ولكان أنبياؤهم كذلك الذين عمروا وطالت أعمارهم أفضل من نبينا ﷺ ، ولكن الأمر ليس بذلك، وإنما العبرة بمعرفة الله وليس بالأعمال، فنوح ﵇ مكث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً، والرسول ﷺ عاش ثلاثاً وستين سنة ﷺ ، ومع ذلك هو أفضل من نوح، بل أفضل من سائر الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام، فدل على أن العبرة في المفاضلة خشية الله، وعظم المعرفة به، وليس بمجرد الأعمال.
فهذا نموذج من الغيب الذي أخبرنا به النبي ﷺ في هذه الرحلة المباركة رحلة الإسراء.
وهذا الملك العظيم جبريل ﵇ لو تخيلنا عظم خلقه لرأينا أمراً يفوق الوصف، فجبريل رآه النبي ﵇ على صورته الحقيقية التي خلقه الله عليها وله ستمائة جناح قد سدَّ الأفق، هذا هو جبريل وعظيم خلقه، ومع ذلك فانظر إلى خوفه وخشيته لله ، وهذا شأن الملائكة، فالملائكة قد وصفهم الله ﵎ بقوله: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ * وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٢٦ - ٢٩]؛ فالملائكة يتصفون بكل صفات العبودية لله ، وهم قائمون بالخدمة بين يديه، ومنقادون لأوامره، وعلم الله بهم محيط، فلا يستطيعون أن يتجاوزوا هذه الأوامر، بل هم خائفون وجلون منه سبحانه، ومن تمام عبوديتهم له أنهم لا يقترحون شيئاً على الله ، كما قال تعالى: ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٧].
وقد جاء في صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: إن رسول الله ﷺ قال لجبريل ﵇: (ألا تزورنا أكثر مما تزورنا) وذلك لأن النبي ﵇ كان شديد المحبة لجبريل ﵇، فكان يشتاق إلى نزوله عليه بالوحي وإلى ملاقاته، فلما قال له ذلك نزلت هذه الآية الكريمة في سورة مريم: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم:٦٤].
وفي القرآن الكريم نماذج من اجتهاد الملائكة في عبادة الله ، فأعظم ذكر يلزمه الملائكة هو التسبيح وتنزيه الله سبحانه وتعالى عما لا يليق، فهؤلاء حملة العرش قال الله عنهم: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [غافر:٧] وقال تعالى: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [الشورى:٥] وهذا التسبيح دائم لا ينقطع أبداً في ليل ولا نهار، يقول : ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء:٢٠] لا يصيبهم السأم ولا الملل، ولذلك حق لهم أن يفتخروا بأنهم هم المسبحون لله على الحقيقة؛ لأنهم ملازمون للتسبيح لا ينقطعون عنه أبداً، فحق لهم أن يفتخروا بذلك، كما حكى الله عنهم في قوله ﵎: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ * وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ [الصافات:١٦٥ - ١٦٦]؛ أي: نحن المسبحون لله على الحقيقة.
لأنهم لا يغفلون أبداً عن تسبيح الله ، ولا شك في أننا حين نتصور هذا الأمر لابد لنا من أن نحتقر الأعمال التي نعملها، فليست شيئاً يذكر في جانب عبادة الملائكة، فنحن لن ننجو إلا برحمة الله لا بالأعمال، ولكن مهما كانت فهل ستصل إلى عبادة الملائكة؟! وما كثرة تسبيحهم إلا لأن التسبيح أفضل الذكر، كما جاء في صحيح مسلم عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه قال: (سئل رسول الله ﷺ : أي الذكر أفضل؟ قال: ما اصطفى الله لملائكته أو لعباده.
سبحان الله وبحمده).
أما صلاتهم: فالملائكة يصطفون عند الله ، كما في الحديث: (ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها، فقيل: وكيف تصف الملائكة عند ربها؟! فقال ﵊: يتمون الصف الأول فالأول، ويتراصون في الصف) رواه البخاري.
وقال في القرآن: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾ [الصافات:١٦٥] فهم يقومون ويركعون ويسجدون، كما في حديث حكيم بن حزام رضي الله تعالى عنه قال: (بينما رسول الله ﷺ في أصحابه إذ قال لهم: أتسمعون ما أسمع؟ قالوا: ما نسمع من شيء.
قال: إني لأسمع أطيط السماء) والأطيط هو صوت الأحمال على ظهر البعير، فعندما يكون مثقلاً بالأحمال على ظهره فإنه يئط من شدة الثقل، فهذا إشارة إلى شدة ازدحام الملائكة ﵈ في السماوات، قال ﷺ : (إني لأسمع أطيط السماء، وحق لها أن تئط، وما فيها موضع شبر إلا وعليه ملك ساجد أو قائم).
والملائكة لهم كعبة في السماء يحجون إليها، وهذه الكعبة هي التي أسماها الله : البيت المعمور، وأقسم به في سورة الطور لما تأتيه الملائكة، وقد ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال في حديث الإسراء بعدما جاوز السماء السابعة.
(ثم رفع بي إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألفاً لا يعودون إليه آخر ما عليهم)، يعني: أن الذين يدخلون كل يوم
стр. 1746
أحكام دفع الصائل
روى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن حبان في صحيحه عن سعيد بن زيد رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: (ما تعدون الشهيد فيكم؟ قالوا: من قتل في سبيل الله.
قال: إن شهداء أمتي إذاً لقليل! قالوا: فمن هم يا رسول الله؟ فقال ﷺ : من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد)، وهذا الحديث رمز له السيوطي بالحسن، وقال -أيضاً- في حقه: هو حديث متواتر.
أما قوله ﷺ : (من قتل دون ماله) فمعناه: عند ماله.
وكلمة (دون) في الأصل هي ظرف مكان، تقول: جلست دونه.
أي: في مكان أقل منه.
فـ (دون) أصلها ظرف مكان بمعنى (أسفل) أو (تحت)، واستعملت هنا بمعنى: (لأجل)، (من قتل دون ماله) يعني: لأجل ماله، فهي للسببية؛ لأن الذي يقاتل دون ماله كأنه يجعله خلفه أو تحته ثم يقاتل عنه، وهذا ذكره جمع من العلماء.
والمقصود من قوله ﵊: (فهو شهيد) أي: في حكم الآخرة لا في أحكام الدنيا، فلا تطبق عليه في الدنيا أحكام الشهيد الدنيوية من أنه لا يغسل، ولا يصلى عليه ويدفن بدمائه، وغير ذلك من الأحكام الخاصة بالشهيد.
أما هذا فله حكم الشهادة في الآخرة لا في الدنيا، والمقصود من الحديث أن له ثواباً كثواب شهيد مع ما بين الثوابين من التفاوت، فهناك تفاوت -بلا شك- عظيم بين من يجاهد في سبيل الله ويقتل في ساحة القتال، وبين هذا الذي يقتل دون ماله أو عرضه أو دينه، فهو له ثواب كثواب الشهيد مع ثبوت التفاوت بين الدرجتين، والحكم له بالشهادة لأنه محق في القتال والدفاع عن هذه الأمور، كما أنه مظلوم بطلب هذه الأشياء منه، سواء أكان المطلوب غصب ماله، أم انتهاك عرضه، أم إراقة دمه، أم غير ذلك.
وقوله ﷺ : (ومن قتل دون دمه) يعني: في حالة الدفع عن نفسه.
كشخص يريد أن يقتله ويصول عليه بالقتل، فهو يدافع عن نفسه، فمن قتل دون دمه في الدفع عن نفسه فهو شهيد.
وقوله ﷺ : (ومن قتل دون دينه)، المقصود به: من قتل في نصرة دين الله ﵎ والذب عنه وقتال المرتدين؛ لأن المرتدين خارجين على الدين، فهو شهيد.
وقوله ﷺ : (ومن قتل دون أهله) أي: في الدفع عن بضع حليلته أو قريبته.
يعني العرض أو الشرف، فقوله: (ومن قتل دون أهله) أي: مدافعاً عن أعراضهن (فهو شهيد) بحكم الآخرة لا بحكم الدنيا؛ لأن المؤمن بإسلامه له حرمة ذاتاً ودماً ومالاً وأهلاً.
إن كل ما سبق من الأمور ينبغي أن تحترم ولا تنتهك، فإذا ورد شيء من ذلك جاز له الذب عنه أو وجب على الاختلاف المعروف، وهذه مسألة أخرى، وهي: هل الدفاع الشرعي في هذه الحالة واجب أم أنه جائز فقط؟ ويحسن بنا في أثناء تناول هذه المسألة أن تتناول كل مسألة منها على حدة؛ فإن للعلماء خلافاً في ذلك وتفصيلاً.
وضابط أمر الدفع أنه يدفعه دفع الصائل، فلا يصعد إلى رتبة وهو يرى ما دونها كافياً، فإذا أدى هذا الدفاع المتدرج الذي يحتمل الشروط الموجودة في فقه دفع الصائل إلى قتله فهو هدر، أي: لا قصاص على القاتل.
لأنه كان في حالة الدفاع عن النفس.
وهذا الحديث هو العمدة والأساس في باب معروف من أبواب الفقه هو باب الدفاع الشرعي، أو ما يعبر عنه في الفقه بـ (دفع الصائل).
стр. 1747
ضوابط دفع الصائل
ما هي الضوابط التي تحكم الإنسان إذا صال أو اعتدى معتد على شيء من هذه الأشياء المحترمة؟ لقد خصص لهذا الدكتور وهبة الزحيلي فصلاً مستقلاً في رسالته: (نظرية الضرورة الشرعية مقارنة مع القوانين الوضعية) وهو أستاذ الشريعة الإسلامية في كلية الشريعة والحقوق، ورئيس قسم الفقه الإسلامي ومذاهبه في جامعة دمشق سابقاً.
يقول -حفظه الله تعالى- في هذا الفصل الذي وضح فيه شروط وضوابط قضية دفع الصائل: إذا اعتدى إنسان على غيره في نفس أو مال أو عرض، أو صالت عليه بهيمة -لأن العدوان لا يشترط فيه أن يكون من إنسان، فقد يكون من بهيمة- فللمعتدى عليه أو لغيره أن يرد العدوان بالقدر اللازم لدفع الاعتداء حسب تقديره في غالب ظنه، مبتدئاً بالأخف فالأخف إن أمكن، فإن أمكن دفع المعتدي بكلام، واستغاثة بالناس، حرم عليه الضرب.
يعني: إذا كنت تستطيع أن تدفعه برفع الصوت وطلب المعونة من الناس والاستغاثة بهم فيما يقدرون عليه من معاونتك على ذلك فيحرم عليك أن تتدرج إلى مرحلة أشد وهي الضرب والقتل، ويجب عليك أن تفعل ذلك فقط، فإذا كان يندفع بضرب اليد فيحرم عليك استعمال السوط، وإن أمكن الدفع بالسوط حرم استعمال العصا، وإن أمكن الدفع بقطع عضو حرم القتل؛ لأن ذلك جوز للضرورة استثناءً من قاعدة: (الضرر لا يزال بالضرر)، وأصل هذه القاعدة حديث الرسول ﵊: (لا ضرر ولا ضرار) أي: نهى عن أن يضر الإنسان الآخرين ابتداءً، ونهى عن أن يقابل إضرارهم بإضرار، فأخذ من هذا الحديث قاعدة أن الضرر يزال، ثم صرح العلماء بأن الضرر يزال لكن بدون أن توقع ضرراً، ولنفرض أنه لابد من وقوع ضرر واضح، ففي حالة وقوع ضرر ومنفعة فالضرر يقدم على جلب المنفعة، وإذا كان هناك احتمال أن يحصل ضرران لكن أحدهما أشد من الآخر، فيرتكب الضرر الأخف دفعاً للأشد.
إذاً: الضرر يزال لكن لا بضرر، فإن كان لابد من ضرر فيختار أخف الضررين.
وليس هناك ضرورة تلجئك إلى أن تستعمل الأخطر والأشد مثل قطع العضو وأنت تستطيع أن تدفعه بالضرب، ولا ضرورة في اللجوء إلى الأثقل مع إمكان تحصيل المقصود بالأسهل، فمادام أنه يمكنك أن تدفع عن نفسك أو مالك أو عرضك بالشيء الأسهل فلا تنتقل إلى ما هو أشد منه وأثقل، فالدمع بالأشد إنما يصبح في حال الضرورة، وليس ضرورة كونك تستطيع دفعه بما هو أخف.
يقول: ومن المعلوم أن الضرورة تقدر بقدرها، حتى إنه إن تمكن المعتدى عليه أو المصول عليه من الهرب أو الالتجاء بحصن أو جماعة فيجب عليه ذلك عند الشافعي، وفي وجه عند الحنابلة، ويحرم قتال المعتدي أو الصائل بحيث إذا كان يحرز نفسه أو أهله أو ماله في مكان فلا يناله هذا الصائل، والشافعية يوجبون عليه أن يلتجئ إلى هذا المكان، ولا يدفعه بالقتل أو غيره، وهو وجه عند الحنابلة؛ لأن المعتدى عليه مأمور بتخليص نفسه بالأهون فالأهون، وبما أن الهرب ونحوه أسهل من غيره فلا يلجأ إلى الأشد.
قال العز بن عبدالسلام رحمه الله تعالى: (إذا انكف الصُوال عن الصيال حرم قتالهم وقتلهم) والصيال: مأخوذ من قولهم صال الفحل صولاً وصيالاً: إذا وثب البعير عل الإبل يقاتلها، فمن يعدو على الناس ويقتلهم يقال له صائل، يقول العز ﵀: (إذا انكف الصوال عن الصيال حرم قتالهم وقتلهم) فمادام أنهم توقفوا عن العدوان على الدم أو النفس أو المال أو الأرض فإنه يحرم قتلهم وقتالهم.
стр. 1748
أدلة دفع الصائل
الدليل على مشروعية هذا المبدأ قوله : ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:١٩٤] فالأمر بالتقوى دليل على ضرورة التزام مبدأ المماثلة أو التدرج في الأخذ بالأخف فالأخف، فهذا دليل من القرآن على وجوب احترام هذه القاعدة، وهي قضية التدرج وعدم الأخذ بالأثقل مع إمكان الدفع بالأسهل، يقول تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [البقرة:١٩٤] يعني: ولا تزيدوا عن المثلية، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:١٩٤].
فالأمر بالتقوى دليل على ضرورة أخذ مبدأ المماثلة، أو التدرج في الأخذ بالأخف فالأخف، أما السنة فقد ذكرنا حديث سعيد بن زيد رضي الله تعالى عنه في هذه المسألة الذي صدرنا به الكلام، وهناك جملة أخرى من الأحاديث، مثل قوله ﷺ : (من اطلع في بيت قوم من غير إذنهم فقد حل لهم أن يفقأوا عينه).
فلما كانت هذه العين خائنة أصبحت هدراً، وإنما شرع هذا أساساً لأجل البصر، وحتى لا تقع عيون الناس على عورات البيوت، فإذا كان هذا يدخل بعينه عن طريق النظر من خلال الثقوب أو غير ذلك فكأنه دخل؛ لأن العبرة بوضع الأبواب والستائر، وقد قال ﵊: (إنما جعل الاستئذان من أجل البصر)، فإذا كان قد انتهك حرمة البيت وامتدت عينه الخائنة إلى عورات الناس في بيتهم فإنهم إذا فقئوا عينه بأي آلة وهو ينظر من هذا الثقب فإن عينه هدر ولا قصاص هنا في هذه الحالة؛ لأنه معتد بانتهاكه حرمة بيوت الآخرين، وهذا نوع من الصيال والعدوان على الناس.
ومن هذه الأحاديث -أيضاً- أن رجلاً عض يد رجل، فنزع يده من فيه بشدة فوقعت ثنيتاه، أي أن الثاني عض يد صاحبه بشدة لدرجة أن الثنيتان انكسرتا ووقعتا، فاختصما إلى النبي ﷺ ، فقال ﵊: (يعض أحدكم يد أخيه عض الفحل! لا دية لك) أي: أنت الذي تسببت في ذلك وعضضته وهو يدفع عن نفسه ويحاول أن يخلص يده.
فلذلك أهدر هاتين الثنيتين ولم يوجب عليه الدية.
وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة ﵁ قال: جاء رجل فقال: (يا رسول الله! أرأيت إن عدى على مالي؟! قال: انشد الله) يعني: انشده بالله، واستحلفه بالله أن يتركك ومالك ولا يعتدي عليك، قال: (فإن أبو علي) أي: فعلت ثم أصروا على أن يعتدوا على مالي، قال: (قاتل، فإن قُتلت ففي الجنة، وإن قَتلت ففي النار) أي: الذي قتلته يكون في النار.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: فيه من الفقه: أنه يدفع بالأسهل فالأسهل.
وروى يعلى بن أمية ﵁ قال: (كان لي أجير، فقاتل إنساناً فعض أحدهما صاحبه، فانتزع أصبعه فأنزل ثنيته -يعني: أزال ثنيته التي هي أسنان مقدم الفم- فسقطت، فانطلقا إلى النبي ﷺ فأهدر ثنيته، وقال: أيدع يده في فيك تقضمها كما يقضم الفحل؟!) أي: أتريد أن يتركك تقضم يده وتقطعها كما يفعل الفحل؟! فهو يدافع عن نفسه وينتزع يده حتى ينجيها وينقذها.
فهذا فيما يتعلق بمبدأ الدفاع عن النفس الدفاع الشرعي أو دفع الصائل.
ويدخل في دفع الصائل وفي الدفاع الشرعي -أيضاً- الدفاع عن الأخرين، والدليل على جوازه وأساس هذا المبدأ هو الحفاظ على الحرمات مطلقاً من نفس أو مال، والحرمة في المجتمع الإسلامي تشمل اثنين: المسلم والذمي؛ لأن عهد الذمة الذي يعهده الإمام لأهل الذمة ينبغي أن يحترم ولا ينتهكه أحد، فيعتبر محترماً أو معصوماً، بمعنى أنه لا يجوز الصيال ولا الاعتداء على ماله أو عرضه ونحو ذلك.
فأساس هذا المبدأ أو جواز الدفاع عن الآخرين هو: الحفاظ على الحرمات مطلقاً من نفس أو مال، ولولا التعاون لذهبت أموال الناس وأنفسهم، وقد قال ﷺ : (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً.
قيل: كيف أنصره ظالماً؟ قال: تحجزه عن الظلم، فإن ذلك نصره).
وقال ﵊: (من أذل عنده مؤمن فلم ينصره وهو يقدر على أن ينصره أذله الله على رءوس الأشهاد يوم القيامة).
فهذا شيء مما يتعلق بالأدلة على مشروعية مبدأ الدفاع سواء عن النفس أو عن الآخرين، فتعتبر أفعال الدفاع مباحة باتفاق الفقهاء، فلا مسئولية على المدافع من الناحيتين المدنية والجنائية إلا إذا تجاوز حدود الدفاع المشروع، فيصبح عمله جريمة يسأل عنها مدنياً، ويحاكم من أجلها، ويعاقب ويتحمل المسئولية.
стр. 1749
شروط دفع الصائل
أما شروط جواز دفع الصائل والأخذ بهذا المبدأ فهي أربعة شروط.
أولاً: أن يكون هناك اعتداء في رأي أكثر العلماء، فلابد من أن يكون هناك اعتداء وصيال، وعند الحنفية: أن يكون الاعتداء جريمة معاقباً عليها.
فالأحناف يقولون: يكون هذا الاعتداء عبارة عن جريمة يعاقب عليها.
وجمهور العلماء يقولون: يشترط أن يكون اعتداءً يدخل تحت مسمى الاعتداء، وعلى هذا فممارسة حق التأديب من الأب أو الزوج أو المعلم وفعل الجلاد لا يوصف بكونه اعتداءً، وهذه الأشياء لا تدخل في مصطلح الاعتداء، فالأب له حق التأديب، والذي يؤدب ابنه عن طريق الضرب هل معناه أن لهذا الولد أن يقول: أبي يصول علي؟ لا.
وكذلك المدرس إذا كان يؤدب تلميذه، ففعله لا يسمى اعتداءً، فهو يمارس حق التأديب، وكذلك المرأة الناشز جواز ضربها معروف بشروطه، فهذا -أيضاً- لا يعني صيالاً ولا عدواناً، وكذلك فعل الجلاد الذي هو موظف في الدولة الإسلامية يقوم بإقامة الحدود، فالحاكم أو الخليفة يأتيه بالشخص الذي يستحق الجلد حداً أو تعزيراً فيقيم عليه أمر الخليفة أو القاضي، فمثل هذا لا يطلق عليه أنه اعتداء، وكذلك فعل الصبي والمجنون وصيال الحيوان لا يوصف بكونه جريمة عند الحنفية؛ لأن الاعتداء لابد من أن يكون جريمة معاقباً عليها، قالوا: والصبي والمجنون والحيوان إذا صالوا على الإنسان فهذه ليست جريمة يعاقب عليها ولا يوصف الفعل فيها بكونه جريمة.
الشرط الثاني: أن يكون الاعتداء في الحال واقعاً بالفعل لا مؤجلاً ومهدداً به فقط.
أي: أن يكون الاعتداء في الحال، ويريد الصائل أن يعتدي بالفعل ليقتلك أو ليسرق مالك أو ينتهك عرضك، أو غير ذلك من الفعل الواقع في الحال، وليس مجرد تهديد غير مهم، كمن يقول لك سآخذ مالك، سأقتلك.
فهذا مجرد تهديد لا يدخل في هذا الباب، فلابد من أن يكون الاعتداء واقعاً بالفعل لا مؤجلاً ولا مهدداً به فقط.
الشرط الثالث: أن لا يمكن دفع الاعتداء بطريق آخر، فإذا وجدت وسيلة أخرى ممكنة لدفع الصائل وجب استعمالها، فإذا أمكن دفعه -مثلاً- بالصراخ والاستغاثة فليس للمصول عليه أن يضربه أو يقتله، فإن فعل كان فعله جريمة، وإذا أمكن الاحتماء برجال السلطة أو استطاع المصول عليه أن يمنع نفسه أو يمتنع بغيره دون استعمال العنف فليس له أن يستعمله.
الشرط الرابع: أن يدفع الاعتداء بالقوة اللازمة لرده، فإن زاد على ذلك فهو اعتداء لا دفاع، فليس للمصول عليه أن يدفع الصائل بالكثير إذا كان يندفع بالقليل، وليس له أن يضربه إذا كان يندفع بالتهديد، وليس له أن يضربه بآلة قتل كالحديد إذا كان يندفع بضربه بالعصا، والله أعلم.
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.
стр. 1750
حكم المرابحة [١]
بيع المرابحة له صورتان: صورة قديمة جائزة، وصورة حديثة محرمة، وقد أجاز بعض الناس الصورة الحديثة بسبب عدم تمييزه بين الصورتين، ومعرفة صور بيع المرابحة وحكمها مع أدلتها من المهمات لاسيما في الآونة الأخيرة؛ حيث إن البنوك الإسلامية نشطت في هذه المعاملة، مع أنها في الحقيقة تقوم مقام الإقراض الربوي والعياذ بالله من لعنة الله.
стр. 1751
أنواع البيوع التجارية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: فسنتكلم عن موضوع متعلق بمسألة فقهية ظاهرة، شاعت بين الناس في المعاملات العامة، والمعارض والنقابات، وشاع القول بإباحتها مطلقاً، وهي مسألة حكم بيع المرابحة وهناك حاجة ماسة إلى تحقيق القول في حكم بيع المرابحة للآمر بالشراء.
العلماء المعاصرون الذين صنفوا في هذا الموضوع يضطرون إلى ذكر هذا العنوان الطويل: (حكم بيع المرابحة للآمر بالشراء) كما تجريه البنوك الإسلامية في هذا العصر، ولماذا احتاجوا إلى هذا؟ لأن هناك اشتراكاً في لفظ المرابحة بين المرابحة التي عرفها الفقهاء الأقدمون، وتداولوا هذا المصطلح في كتبهم، وبين المرابحة في الوضع الحالي، فلأجل هذا التمييز ولإزالة هذا الاشتراك اللفظي اضطر كل من كتب في هذا الموضوع إلى ذكر هذا العنوان الطويل حتى تتميز المرابحة التي ذكرها العلماء فيما مضى واصطلحوا عليها عما يجري الآن، فيقولون: (بيع المرابحة للآمر بالشراء كما تجريه البنوك الإسلامية المعاصرة).
نبدأ أولاً بتحقيق الاسم نفسه؛ لأن الأسماء هي قوالب المعاني، فالتساهل في الأسماء قد يترتب عليه تطبيق أحكام على غير حقيقتها، فاسم المرابحة قد يختلط على بعض الناس مع بيع المرابحة المحرر عند متقدمي الفقهاء في باب بيوع الأمان، فمن أجل هذا الاشتراك اللفظي لابد أن نبين معناه عند الأقدمين، وقبل ذلك نمهد للموضوع، بأن نجري عملية استقرائية لأنواع البيوع، وهي على ثلاثة أنواع: بيع المساومة، وبيع الأمانة أو الأمان، وبيع المزايدة.
стр. 1752
النوع الأول: بيع المساومة
هو بيع عن طريق مساومة تحدث بين الطرفين، فيحصل نوع من المساومة في هذا النوع من البيع، ثم يتفق المتبايعان على ثمن البيع، بغض النظر عن الثمن الأول الذي كلف البائع لشراء السلعة أو إنتاجها.
بغض النظر عن كثرة الربح أو قلته أو خسارة البائع.
стр. 1753
النوع الثاني: بيع المزايدة
وهو بيع من يزيد، وهذا جائز في المزاد، لكن شرطه: ألا يكون هناك نجش، فللبائع أن يقول: من يزيد؟ فهذا يقول: أشتريها بعشرة، وآخر يقول: باثني عشر، وآخر يقول: بخمسة عشر، فيعطيها لمن يعرض أكثر ثمن، فهذا لا حرج فيه من الناحية الشرعية إلا إذا اتفق صاحب المزاد أن يأتي بمن يمارس النجش -بتسكين الجيم- فيحضر المجلس أو المزاد، ثم يرفع الأسعار بالتشاور المسبق والتواصل مع البائع حتى يرفع السعر على الناس وهو لا يريد الشراء.
стр. 1754
النوع الثالث: بيع الأمانة
بيع الأمانة أو بيع الأمان: وسمي بيع الأمان لوجود الائتمان بين الطرفين على صحة خبر رفع السلعة بمقدار ما عن رأس المال، فهذا النوع من البيع مبني على الائتمان والثقة؛ فإن البائع إذا قال لك: هذه السلعة اشتريتها بمائة وأربحني فيها خمسين مثلاً أو عشرين مثلاً، فهذا النوع من البيع مبني على أنه صادق فيما يخبر به من أنه فعلاً اشترى السلعة بمائة.
وبيوع الأمانة كلها جائزة ما دامت بين متبايعين، وما دامت السلعة في ملك البائع، ويصرح البائع تصريحاً ويقول: اشتريتها بكذا، وقد يأتي بفواتير تبين أنه بالفعل اشترى هذه السلعة بمقدار الثمن الأول على وجه الأمانة، فيقول: أنا اشتريتها بكذا، ويحدد له مكسباً يربحه إياه؛ فيقول مثلاً: أنا اشتريتها بأربعمائة، وأبيعها لك بزيادة خمسين، والثاني قبل، فلا توجد حينها مشكلة؛ لأنه حدد له المبلغ الذي سيربحه إياه، فمجموع الربح خمسون، ولا يوجد غرر ولا جهالة، لأن الزيادة على رأس المال كانت مبلغاً مقطوعاً أو نسبة مئوية من الثمن الأول، فالمشتري يأتمن البائع على كلفة سلعته، ويصدقه فيما يخبره من الكلفة ومقدار ربحه؛ لأنه قد يخشى الغبن في المساومة لجهله بالسلع وأثمانها.
فالمشتري الذي ليس لديه خبرة يخدع بسهولة ويغبن، فلذلك جعل الشرع له هذا الباب؛ لأنه لو اشترى ببيع المساومة فالتاجر قد يخدعه، ويبيع له بسعر فيه غبن فاحش ويظلمه، فهذا له سعة في بيع المرابحة؛ حتى نحمي مثل هذا الرجل من أن يظلم بسبب جهله بمقدار الربح، والله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال:٢٧].
وهذا البيع مبني على أن البائع صادق فيما يخبر به من ثمن الأصل، فمثال المرابحة أن يقول البائع: أنا اشتريت هذه الدار بألف، وبعتكها بما اشتريتها به وزيادة مائتين، فيقول المشتري: قبلتها بذلك.
فهذا من بيوع الأمانة؛ لأن ما اشترى به البائع لم يعلم إلا من جهته، فإن تبين أنه كذب في الإخبار بالثمن، وأنه إنما اشتراها بتسعمائة فقط؛ وجب حط المائة عن المشتري، ولابد أنه إذا ظلمه أن يعطى حقه، ويخفض من ثمن السلعة.
стр. 1755
أنواع بيوع الأمانة
بيع الأمان أو الأمانة على أنواع ثلاثة: الأول: بيع المرابحة، وهذا هو الذي يحصل اشتباه بينه وبين موضوعنا.
الثاني: بيع الوضيعة.
الثالث: بيع التولية.
следующие страницы →