Полный текст (2 122 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.
стр. 1751
أنواع البيوع التجارية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: فسنتكلم عن موضوع متعلق بمسألة فقهية ظاهرة، شاعت بين الناس في المعاملات العامة، والمعارض والنقابات، وشاع القول بإباحتها مطلقاً، وهي مسألة حكم بيع المرابحة وهناك حاجة ماسة إلى تحقيق القول في حكم بيع المرابحة للآمر بالشراء.
العلماء المعاصرون الذين صنفوا في هذا الموضوع يضطرون إلى ذكر هذا العنوان الطويل: (حكم بيع المرابحة للآمر بالشراء) كما تجريه البنوك الإسلامية في هذا العصر، ولماذا احتاجوا إلى هذا؟ لأن هناك اشتراكاً في لفظ المرابحة بين المرابحة التي عرفها الفقهاء الأقدمون، وتداولوا هذا المصطلح في كتبهم، وبين المرابحة في الوضع الحالي، فلأجل هذا التمييز ولإزالة هذا الاشتراك اللفظي اضطر كل من كتب في هذا الموضوع إلى ذكر هذا العنوان الطويل حتى تتميز المرابحة التي ذكرها العلماء فيما مضى واصطلحوا عليها عما يجري الآن، فيقولون: (بيع المرابحة للآمر بالشراء كما تجريه البنوك الإسلامية المعاصرة).
نبدأ أولاً بتحقيق الاسم نفسه؛ لأن الأسماء هي قوالب المعاني، فالتساهل في الأسماء قد يترتب عليه تطبيق أحكام على غير حقيقتها، فاسم المرابحة قد يختلط على بعض الناس مع بيع المرابحة المحرر عند متقدمي الفقهاء في باب بيوع الأمان، فمن أجل هذا الاشتراك اللفظي لابد أن نبين معناه عند الأقدمين، وقبل ذلك نمهد للموضوع، بأن نجري عملية استقرائية لأنواع البيوع، وهي على ثلاثة أنواع: بيع المساومة، وبيع الأمانة أو الأمان، وبيع المزايدة.
стр. 1752
النوع الأول: بيع المساومة
هو بيع عن طريق مساومة تحدث بين الطرفين، فيحصل نوع من المساومة في هذا النوع من البيع، ثم يتفق المتبايعان على ثمن البيع، بغض النظر عن الثمن الأول الذي كلف البائع لشراء السلعة أو إنتاجها.
بغض النظر عن كثرة الربح أو قلته أو خسارة البائع.
стр. 1753
النوع الثاني: بيع المزايدة
وهو بيع من يزيد، وهذا جائز في المزاد، لكن شرطه: ألا يكون هناك نجش، فللبائع أن يقول: من يزيد؟ فهذا يقول: أشتريها بعشرة، وآخر يقول: باثني عشر، وآخر يقول: بخمسة عشر، فيعطيها لمن يعرض أكثر ثمن، فهذا لا حرج فيه من الناحية الشرعية إلا إذا اتفق صاحب المزاد أن يأتي بمن يمارس النجش -بتسكين الجيم- فيحضر المجلس أو المزاد، ثم يرفع الأسعار بالتشاور المسبق والتواصل مع البائع حتى يرفع السعر على الناس وهو لا يريد الشراء.
стр. 1754
النوع الثالث: بيع الأمانة
بيع الأمانة أو بيع الأمان: وسمي بيع الأمان لوجود الائتمان بين الطرفين على صحة خبر رفع السلعة بمقدار ما عن رأس المال، فهذا النوع من البيع مبني على الائتمان والثقة؛ فإن البائع إذا قال لك: هذه السلعة اشتريتها بمائة وأربحني فيها خمسين مثلاً أو عشرين مثلاً، فهذا النوع من البيع مبني على أنه صادق فيما يخبر به من أنه فعلاً اشترى السلعة بمائة.
وبيوع الأمانة كلها جائزة ما دامت بين متبايعين، وما دامت السلعة في ملك البائع، ويصرح البائع تصريحاً ويقول: اشتريتها بكذا، وقد يأتي بفواتير تبين أنه بالفعل اشترى هذه السلعة بمقدار الثمن الأول على وجه الأمانة، فيقول: أنا اشتريتها بكذا، ويحدد له مكسباً يربحه إياه؛ فيقول مثلاً: أنا اشتريتها بأربعمائة، وأبيعها لك بزيادة خمسين، والثاني قبل، فلا توجد حينها مشكلة؛ لأنه حدد له المبلغ الذي سيربحه إياه، فمجموع الربح خمسون، ولا يوجد غرر ولا جهالة، لأن الزيادة على رأس المال كانت مبلغاً مقطوعاً أو نسبة مئوية من الثمن الأول، فالمشتري يأتمن البائع على كلفة سلعته، ويصدقه فيما يخبره من الكلفة ومقدار ربحه؛ لأنه قد يخشى الغبن في المساومة لجهله بالسلع وأثمانها.
فالمشتري الذي ليس لديه خبرة يخدع بسهولة ويغبن، فلذلك جعل الشرع له هذا الباب؛ لأنه لو اشترى ببيع المساومة فالتاجر قد يخدعه، ويبيع له بسعر فيه غبن فاحش ويظلمه، فهذا له سعة في بيع المرابحة؛ حتى نحمي مثل هذا الرجل من أن يظلم بسبب جهله بمقدار الربح، والله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال:٢٧].
وهذا البيع مبني على أن البائع صادق فيما يخبر به من ثمن الأصل، فمثال المرابحة أن يقول البائع: أنا اشتريت هذه الدار بألف، وبعتكها بما اشتريتها به وزيادة مائتين، فيقول المشتري: قبلتها بذلك.
فهذا من بيوع الأمانة؛ لأن ما اشترى به البائع لم يعلم إلا من جهته، فإن تبين أنه كذب في الإخبار بالثمن، وأنه إنما اشتراها بتسعمائة فقط؛ وجب حط المائة عن المشتري، ولابد أنه إذا ظلمه أن يعطى حقه، ويخفض من ثمن السلعة.
стр. 1755
أنواع بيوع الأمانة
بيع الأمان أو الأمانة على أنواع ثلاثة: الأول: بيع المرابحة، وهذا هو الذي يحصل اشتباه بينه وبين موضوعنا.
الثاني: بيع الوضيعة.
الثالث: بيع التولية.
стр. 1756
البيع الأول: بيع المرابحة
هو البيع بأزيد من رأس المال، يقول: أنا اشتريت الدار بألف، وأبيعها لك على أن أكسب فيها مائتين.
إذاً: بيع المرابحة هو: البيع بأزيد من رأس المال بمثل الثمن الأول مع ربح مبلغ معلوم ومحدد.
стр. 1757
البيع الثاني: بيع الوضيعة أو المحاطة
هو البيع بأنقص من رأس المال، يقول: أنا اشتريت هذه الدار بألف وأبيعها لك بتسعمائة، وهذا داخل في بيوع الأمان؛ لأنه مبني على تصديقه، وأنه أمين فيما يخبر به من الثمن الأصلي، فهو يحط عن رأس المال الأصلي.
стр. 1758
البيع الثالث: بيع التولية
هو البيع برأس المال سواء بسواء، يعني يبيع بمثل الثمن الأول بلا ربح ولا خسارة.
إذاً: بيع المرابحة عند المتقدمين من العلماء هو بيع السلعة بربح معلوم بين المتعاقدين، وهو الذي يسمونه السلم الحال.
فيقول صاحب السلعة: رأس مالي مائة، وأبيعك إياها بمائة وعشرة، فهذا هو معنى قولهم: اشتريت السلعة مرابحة أو بعتها مرابحةً.
وما هو ركن هذا العقد؟ ركن عقد المرابحة الأساسي: العلم بين المتعاقدين، فيكون كلاهما سواء في العلم بمقدار الثمن، وبمقدار الربح، فحيث توافر العلم بالثمن وبالربح فالبيع صحيح وإلا فباطل.
стр. 1759
حكم بيع المرابحة المعاصر والقديم
بيع المرابحة بصورته القديمة جائز بلا خلاف عند أهل العلم، كما ذكر ذلك الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى في المغني، وحكى الوزير ابن هبيرة رحمه الله تعالى الإجماع على إباحتها، وكذا الكاساني، وما زال الناس يتوارثون العمل بهذه المرابحة بأسواقهم من غير نكير، والقاعدة في المعاملات الشرعية هي: أن الأصل في المعاملات الجواز والحل حتى يقوم على المنع دليل، عكس القاعدة في العبادات.
وقد قال بعض العلماء: بيع المرابحة مكروه كراهة تنزيه؛ لأن فيه جهالة، ما سر هذه الجهالة؟ قالوا: إذا قال له مثلاً: بعته لك برأس المال مائة جنيه وربح جنيه زيادة في كل عشرة، فهذه جهالة تؤثر في العقد، والصواب أن هذه ليست جهالة، والمشتري يحتاج إلى الحساب ليعلم مقدار الربح، والجهالة هنا مرتفعة؛ لأنه يمكنه معرفة الحساب بسهولة، ومثل هذا لا يوصف بأنه جهالة، وهذا ليس فيه تغرير ولا مخاطرة.
إذاً: هناك اشتراك لفظي بين بيع المرابحة عند السابقين وبين بيع المرابحة للآمر بالشراء في صورته الحادثة التي تتعامل بها المصارف المسماة بالإسلامية، فإذا اشتركا باسم المرابحة فهل يشتركان في حكم الجواز؟ بيع المرابحة القديم هو بيع من أنواع بيوع الأمان أو الأمانة، وهو البيع بأزيد من رأس المال، وركن هذا العقد هو علم المتعاقدين بالثمن وبرأس المال، هذا هو بيع المرابحة عند السلف، ومن الغش والخيانة أن بعض الناس تكلم عن بيع المرابحة المعاصر ونقل نصوص العلماء السابقين عن بيع المرابحة على أنه المصطلح المتعامل به في البنوك الآن، ونقل الأدلة على إباحته بنصوص العلماء السابقين في بيع المرابحة الذي هو أحد بيوع الأمان أو الأمانة! فإن كان عامداً فهي خيانة، وإن كان جاهلاً فيغفر الله لمن قال بذلك.
إذاً: الاشتراك في اللفظ لا يلزم منه الاشتراك في الحكم.
стр. 1760
المحاذير الشرعية في التعامل ببيع المرابحة المعاصر
صورة بيع المرابحة التي تجريها المصارف الإسلامية تدخل تحت اسم السلم الحال، وهذا السلم الحال منهي عنه في حديث حكيم بن حزام رضي الله ﵎ عنه، وعمدة الكلام فيه هو حديث حكيم بن حزام رضي الله تعالى عنه.
وحتى ينتهي باب الخلط بين بيع المرابحة القديم وبيع المرابحة المعاصر اختار له بعض العلماء اسماً متميزاً حتى يتميز به عن بيع المرابحة عند الأقدمين، فسماه: بيع المواعدة، وليس بيع الوعد؛ لأن الوعد إنما يكون من طرف واحد، لكن بيع المواعدة فيه تفاعل بين الطرفين: هذا يعد بكذا، وهذا بالمقابل يعد بكذا، فسمي بيع المواعدة؛ لأن هذه المعاملة في جميع صورها مبنية على الوعد سواء كان ملتزماً به أو غير ملتزم.
ومما يزيد خطورة الكلام في هذا الموضوع: ما ذكره بعض العلماء الخبراء في هذا الباب أنه قد قامت طريقة بيع المرابحة في بعض البنوك الإسلامية في السنوات القليلة الماضية مقام الإقراض الربوي في البنوك الربوية، يعني: نشط هذا النوع من التعامل في البنوك الإسلامية بصورة غير عادية في الفترات الأخيرة؛ بحيث إنه بالفعل حل محل الإقراض الربوي، قال: ووصل التعامل على أساسها في البنوك الإسلامية إلى (٩٠%) من عمليات الاستثمار! يقول: وهذا يبين ضرورة التأني والبحث العميق والمحايد عن حكمها شرعاً قبل الانطلاق في العمل بها أكثر، مما يجعل الرجوع عنها عندما يتبين عدم شرعيتها عسيراً.
فقد فتح هذا الباب، وهجم عليه الناس بهذه الصورة بدون بصيرة، وبدون جزم بحكم الشرع فيها، أو تأكد وأناة وتمهل في الحكم عليه، فإن قيل لهم: اتضح لنا أنه حرام، فهذا فيه نوع من هز الثقة والتردد والشك والبلبلة، وهذا مما يؤكد أن هذا الموضوع كان من المفروض أن يأخذ حقه من البداية من البحث العلمي والتمحيص الدقيق المحايد.
فلو فتحنا هذا الباب وأجزناه ثم قلنا: إنها معاملة غير مشروعة، فهذا سيجعل الأمة والعلماء والقراء الاقتصاديين يتوقفون عن الاجتهاد في إيجاد بدائل شرعية لمثل هذه النظم؛ لأن المرابحة عملية فيها نوع من اليسر والسهولة بالنسبة للطرفين: البنك والمشتري سواء.
فالبنك يفرح جداً بنظام المرابحة؛ لأنه يعتبر كبديل لمن لا يتقي الله ولا يتعامل إلا بالقرض الربوي، وكذلك البنك يضمن الربح، وليس فيه مخاطرة، بل يقطع البنك بعدم الخسارة، خاصة إذا بني هذا التعامل على أساس أن المواعدة ملزمة، كما سنبين إن شاء الله ﵎.
стр. 1761
الوفاء بالوعد
وحتى نفقه الموضوع فقهاً دقيقاً نحتاج إلى ذكر بعض المقدمات أيضاً، وإلا فالموضوع نفسه أسهل من ذلك، وهذا تمهيد يبين حكم الوفاء بالوعد.
стр. 1762
حكم الوفاء بالوعد
ما من شك أن الوفاء بالعهد محمود ومرغب فيه في الشريعة، فقد أجمع المسلمون على أن الوفاء بالعهد وبالوعد محمود، وأن إخلاف الوعد أو العهد وعدم الوفاء به مذموم، فإن الله امتدح نبيه إسماعيل عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام بقوله : ﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ [مريم:٥٤]، فيفهم من هذه الآية: أن إخلاف الوعد مذموم، وهذا استدلال بالمفهوم على ذم إخلاف الوعد؛ لأن الآية وردت في سياق المدح والثناء عليه، وقد صرح الله بذم إخلاف الوعد في آيات أخرى، مثل قوله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف:٢ - ٣]، وقال: ﵎ ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة:٧٧]، وقال ﷺ : (آية المنافق ثلاث: إذا وعد أخلف) إلى آخر الحديث.
والوفاء بالوعد محمود بالإجماع، وإخلاف الوعد مذموم بالإجماع، ويدخل في ذلك الوعد المالي بعقد تحدثه في المستقبل، وهذا متعلق بالمعاملات المالية.
стр. 1763
الوفاء بالوعد يجب ديانة لا قضاء
هناك اختلاف بين العلماء في حكم الوفاء بالوعد المالي.
فلو وعدت شخصاً لك عليه دين، فقلت له: أعدك إن شاء الله أني سأحط عنك -أي: سأضع- النصف، فهذا وعد مالي، أو تقول: اهدم بيتك وابنيه من جديد وأنا سأعطيك المبلغ الفلاني، أو تقول: سأقرضك في الشهر القادم كذا، والوعد دائماً يكون في المستقبل.
ونحتاج لبيان الاصطلاح المستعمل هنا وفي مواضع أخرى من القضايا الفقهية، وهو: الواجب ديانةً والواجب قضاءً؛ فلو أن واحداً تخاصم مع واحد على مال مثلاً، وتحاكموا إلى القاضي، فالقاضي بعد اطلاعه على الوثائق والشهود وغير ذلك من الأمور يحكم بما يظهر له، لكن إن كان أحدهما ألحن بقوله، وأدلى بحجج قوية، والآخر كانت عنده حجة لكن ما عنده خبرة، فحكم القاضي وقال: إن هذا المال من حق فلان، وهو ظالم في الحقيقة، لكن القاضي حكم بما يظهر له، فنقول: إن تنفيذ حكم القاضي الشرعي واجب قضاءً في أحكام الدنيا، لكنه لا يعني أنه مقبول ديانةً، وأما صاحب هذا الدين فالأمر بينه وبين الله فمن يعلم أن هذا المال لا يحق له فهو حرام عليه حتى لو حكم له القاضي به، فينبغي أن يتدين في إعطائه هذا المال لصاحبه، حتى لو حكم له القاضي بالظاهر، وهل القاضي هنا يوصف بالظلم؟ لا؛ لأنه يتعامل مع ما يظهر له، فهذا يحلف وهذا يحلف، وهذا معه شهود وهذا معه شهود، لكن انتهت القضية بأنه حكم بما يظهر.
فالواجب عليك ديانةً بينك وبين الله، خشية الحساب في اليوم الآخر؛ أن تفي بوعدك.
أما الواجب قضاءً فيكون من حق القاضي أن يتدخل فيه ويلزم به، وينفذه ويلزم الناس به؛ فهذا الواجب قضاءً.
مثلاً: شخص شهدت له البينة وكان كاذباً، أو شهد له ظاهر الحال وكان الواقع خلافه، مثل بعض قضايا الطلاق، فأحياناً تختلف النية المكنونة عن الظاهر المشهود، وهذه نقطة خطيرة جداً، فقد يطلق الرجل زوجته وهو ينوي الطلاق فعلاً، ثم يذهب إلى المفتي ويخدعه، فيسأله المفتي عن نيته، فيقول له: ما كنت أنوي الطلاق، وهو يعلم أن هذه المعلومة إذا تغيرت سيتغير الحكم؛ فيبيحها المفتي له، وهذا ليس في الطلاق الصريح إنما في طلاق الكناية، والناس يقعون في تخليط عجيب، يقول مثلاً لزوجته: هي طالق، ثم يقول: ما كنت ناوياً الطلاق! لماذا؟ لأن هناك من يلقنه هذا الكلام، وتعود الذين لا يحققون هذه المسائل أن يسألوه: ماذا كانت نيتك؟ حتى لو كان طلاقاً صريحاً، وهو لا يسأل عن النية، ولو رفعت القضية للقاضي وقد قال: هي طالق، فلن يسأل عن النية، لأن النية إنما تكون في طلاق الكناية، كأن تقول لها مثلاً: اذهبي عند أهلك، أو غير ذلك من العبارات غير الصريحة، لكن يحتمل أنه أراد الطلاق، فإذا كان الطلاق بطريق الكناية فنسأله: هل كنت تنوي الطلاق أم لا؟ فإذا كان ينويه فبالفعل يقع طلاقاً، أما إذا كان لم ينو فهذا لا يقع طلاقاً، ففي هذه الحالة لو أن الرجل كذب وقال: ما كنت أنوي الطلاق، وهو بالفعل كان ينويه، فالقاضي سيلزم هذه الزوجة قضاءً أنها ترجع إليه، حتى لو كان طلقها مرتين من قبل، وكانت هذه هي الثالثة، لكنه لا يجوز للزوج ديانة أن يعود إلى هذه الزوجة إذا كانت هذه هي الثالثة، وهو إنما كذب من أجل ألا يوقعها.
هذه مجرد أمثلة لتقريب المعنى، وكلها تدل على أن هناك فرقاً بين الواجب ديانة والواجب قضاءً.
стр. 1764
حكم الوفاء بالوعد المالي
اختلف العلماء في حكم الوفاء بالوعد المالي، وهم يجرون الخلاف في حكم الوفاء به قضاءً على أساس حقيقته الاصطلاحية التي تُواضِع عليها.
فمن الناحية الاصطلاحية هناك كتاب معروف بالحدود لـ ابن عرفة المالكي، وهو إمام من أئمة المالكية، وهو تعريفات اصطلاحية دقيقة للألفاظ الفقهية؛ فمن ضمن هذه المصطلحات عرف ابن عرفة كلمة العِدَة بأنها: (إخبار عن إنشاء المخبر معروفاً في المستقبل)؛ فالشخص يخبر عن نيته في المستقبل أنه سيعمل معروفاً، وباختصار هو: الوعد بالمعروف، وكلمة وعد معناها أنها تكون في المستقبل.
стр. 1765
الفرق بين الوعد بالمعروف وبين بيع المرابحة المعاصر
هناك فرق بين الوعد بالمعروف وبين بيع المواعدة -بيع المرابحة- الذي تجريه المصارف الإسلامية، فالوعد بالمعروف مثاله: من يعد شخصاً بقرض، فيقول له: بعد شهرين أقرضك المبلغ الفلاني، أو وعده بالعتق فيقول له: بعد شهرين أعدك بأني أعتقك أو يقول: بعد شهر أتصدق عليك أو أعيرك وهكذا.
هذا هو الوعد بالمعروف، فهو عقود المعاوضات التي يقصد بها تحصيل المنافع، وإدرار الربح لا تدخل في المواعدة، فالوعد بالمعروف عقد من عقود الارتفاق والإحسان إلى الناس، وليس من باب الكسب التجاري المتعلق بالمعاوضات، وسنزيد هذا إيضاحاً إن شاء الله تعالى فيما بعد.
ومن أمثلة الوعد بالمعروف أن تعد شخصاً أن تخصم له ثلث الدين الذي عليه، أو تقول: أعدك أني سأقرضك أعدك أني أهبك أعدك أن أعيرك عارية، فهذا وعد بإنشاء معروف في المستقبل، وهو يختلف تماماً عن بيع المواعدة الذي نتكلم فيه؛ لأن كل هذه الصور التي ذكرناها ليس فيها كسب تجاري، وليست معاوضة تجارية، وليس لها مقابل، فلو كان لك عنده من الدين مائة، فقلت: سأخصم منها خمسين فقط، فهل هذه تعود عليك بربح مادي؟ لا، بل هذا نوع من الارتفاق بين الناس والرحمة والتراحم والإحسان إليهم، فالأمثلة التي ذكرناها التي فيها الوعد بالمعروف لا علاقة لها بقضيتنا التي هي الكسب التجاري.
لماذا نذكر هذا التفريق؟ لأن بعض من يبيح بيع المرابحة المعاصر يقول: هذا من باب الوعد بالمعروف، ويجب على الإنسان أن يلتزم بالمعروف إذا وعد به، فلابد أن نميز الوعد بالمعروف من باب الارتفاق عن بيع المواعدة أو المرابحة التي تجريه المصارف المعاصرة، فهذا وعد تجاري مع المصرف، وليس وعداً بالمعروف.
فالوعد التجاري هو تداول سلعة بالثمن والربح، ولما تحصل ملكيتها بعد، وصورتها: معرض ثلاجات وأجهزة منزلية، يذهب صاحبه إلى نقابة أو نادي أو نحو هذا، ويعرض عليهم السلع، فرجل من هذه النقابة أو النادي يرى ثلاجة ويريد أن يشتريها، ولكن سعرها مرتفع ولا يستطيع أن يدفعه مباشرة، وهو محتاج إلى مال حتى يشتريها، فيذهب إلى البنك ويقول له: أنا رأيت ثلاجة بالصفة الفلانية، وأنا أريد أن أقتنيها، وليس معي مال، فاشترها لي أنت، وأنا أشتريها منك فيما بعد، فالبنك يشتري الثلاجة حسب المواصفات المتفق عليها سلفاً، ويدفع ثمنها نقداً لصاحب المعرض، ويبيعها هو بعد ذلك إلى العميل بأقساط على أمد بعيد، والمبلغ أعلى حتى يربح، فما هو الإشكال هنا؟ الإشكال أنك عندما تذهب إلى البنك من أجل أن تشتري هذه السلعة، فهذه السلعة غير موجودة أصلاً في حوزته، ولم يمتلكها، فماذا يعمل البنك؟ يأخذ منك الضمانات على ألا ترجع في كلامك، وأنك لابد أن تلتزم بأخذها منه، وهذه هي صورة بيع المرابحة للآمر بالشراء الجارية في البنوك المعاصرة.
فهي وعد تجاري مع المصرف، بمعنى: تداول سلعة بالثمن والربح ولما تحصل ملكيتها بعد، يبيعها لك قبل الحصول عليها، فهذا يتنزل على حديث حكيم بن حزام رضي الله تعالى عنه: (لا تبع ما ليس عندك).
وباختصار شديد: هذا بيع من بيوع المعاوضات المحرمة، مثل بيع العينة، وبيع الغرر، وتعليق العقود بالشروط ونحوها من الحيل المحرمة.
إذاً: هناك فرق بين الوعد بالمعروف وبين بيع المواعدة التي هي المرابحة المعاصرة؛ فالوعد بالمعروف عملية ارتفاق وليس فيها شبهة الكسب التجاري، أما بيع المواعدة أو المرابحة التي تجريه المصارف المعاصرة فهو من بيوع المعاوضات المحرمة؛ لأنه يبيع ما ليس عنده، فالخلاف القديم في حكم الوفاء بالوعد لا ينسحب على هذا؛ ولذا سنذكر الآن خلاف العلماء في الوعد المالي، هل يجب الوفاء به أم لا؟
стр. 1766
حكم إخلاف الوعد المالي
ذكر الشنقيطي رحمه الله تعالى قضية الوعد بالمعروف: هل يلزم الوفاء بالوعد المالي؟ وهل يجب عليك فعلاً أن تفي به؟ يقول: الذي يظهر لي في هذه المسألة -والله تعالى أعلم- أن إخلاف الوعد لا يجوز؛ لكونه من علامات المنافقين، ولأن الله يقول: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف:٣]، وظاهر عمومه يشمل إخلاف الوعد، ولكن الواعد إذا امتنع عن إنجاز الوعد لا يحكم عليه به، ولا يلزم به قهراً يعني: يجب عليه أن يفي بالوعد ديانة لا قضاءً، أي: يؤمر به لكن لا يلزم به، ولا يجبر عليه.
قال: بل يؤمر به ولا يجبر عليه؛ لأن أكثر علماء الأمة على أنه لا يجبر على الوفاء به، لأنه وعد بمعروف محض، والعلم عند الله تعالى.
يعني: لو قال لك: أنا سأهبك مالاً بعد شهرين، ثم مر الشهران ولم يف لك بهذا، فإذا ذهبت به إلى القاضي الشرعي وتحاكمت إليه، فماذا يملك القاضي؟ مذهب جمهور العلماء وعامة العلماء أن للقاضي أن يحرضه على الوفاء، ويقول له: قال الله كذا، وقال الرسول كذا، والمسلم عليه أن يفي بالوعد، لكن لا يلزمه قهراً؛ لأن هذا الوعد معروف محض، أراد أن يفعله ثم رجع عنه، فيؤمر به ولا يجبر عليه، ولا يلزم به من حيث القضاء الشرعي؛ لأنه وعد بمعروف محض، وقد اختلف العلماء في حكم الوعد بالمعروف، وهل يلزم به الشخص قضاءً وحكماً أم لا؟ ونحن قلنا: إنه يلزم به ديانة، وسنناقش هل يلزم به قضاءً؟ بمعنى: هل يلزم به من حيث الحكم، ويجبر عليه أم لا؟
стр. 1767
ذكر اختلاف العلماء في الوفاء بالوعد المالي
اختلف العلماء في حكم الوفاء بالوعد على المال على ثلاثة أقوال: القول الأول: لا يلزم ولا يؤمر وجوباً أن يفي بالمعروف مطلقاً، وهذا مذهب جمهور العلماء.
وأدلة هذا القول: أنه وعد بمعروف محض، ولا دليل على الإلزام بالمعروف، وأيضاً هو في معنى الهبة، والهبة لا تتم عند الجمهور إلا بالقبض خلافاً للمالكية، فإذا وهبت شخصاً لا يتم عقد الهبة إلا إذا قبضها، وذلك يقتضي عدم الحكم بها قضاءً فيما لو رجع الواهب عنها قبل قبض الموهوب إياها، فإذا كانت الهبة لا تلزم ولا تجب إلا بالقبض فكيف تلزم الهبة لو وعده بها مجرد وعد؟! يقول الإمام النووي رحمه الله تعالى: واستدل من لم يوجبه بأنه في معنى الهبة، والهبة لا تلزم إلا بالقبض عند الجمهور، وعند المالكية تلزم قبل القبض.
وذكر نحوه ابن قدامة حيث استدل بهذا الفرع على عدم وجوب الوفاء بالوعد قضاءً وحكماً.
القول الثاني: الإلزام بالوفاء بالوعد مطلقاً: وهذا محكي عن عمر بن عبد العزيز وابن الأشوع وابن شبرمة.
وأدلتهم هي النصوص الواردة في وجوب الوفاء بالوعد، وذكرنا بعضاً منها، مثل قوله تعالى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة:٧٧]، وقوله تعالى: ﴿وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الأحقاف:١٦]، وغير ذلك من الأدلة، وكذلك استدلوا بحديث ابن مسعود: (العدة دين)، وهذا الحديث ضعيف.
وهذا المذهب ضعيف؛ أولاً: لعدم ثبوته صراحة عن هؤلاء الذين حكي عنهم.
ثانياً: من حيث الأدلة.
القول الثالث: وهو رواية عن الإمام مالك، وهو التفصيل في المسألة: فيقولون: إن أدخل الواعد في وعده الشخص الآخر الذي وعده في ورطة لزمه الوفاء به، وإلا فلا يلزم الوفاء به.
مثال: رجل قال لرجل: تزوج، فقال له: ليس عندي ما أصدق به الزوجة، وما أملك مهراً، فقال له: تزوج والتزم لها الصداق في ذمتك، وأنا أدفع عنك، فتزوج على هذا الأساس، فقد احتمل هذا الوعد ورطة، فيلزم الواعد الوفاء به.
واستدل من قال بذلك بعموم قوله ﷺ : (لا ضرر ولا ضرار).
ونقول في الرد على هذا الاستدلال: نعم (لا ضرر ولا ضرار)، ولا يجوز لإنسان أن يبدأ بالإضرار بالغير، ولا أن يقابل الإضرار بالإضرار بالمثل، وهذا غاية ما يدل عليه الحديث، ولا يدل الحديث على إلزامه بأن يغرم له مالاً حتى لو أضر به، ولا يلزم أن يغرم هذا المال الذي التزمه.
مثال آخر: لو قال له: اهدم دارك، وأنا أسلفك ما تبني به، فهدم الدار، هل يلزمه أن يسلفه لأنه يترتب على إخلاف الوعد إيقاعه في ورطة؟ ففي رواية عن الإمام مالك أن إخلاف الوعد إذا كان يترتب عليه ورطة فيلزم به، والقول الآخر لا يلزم.
وقول قال له: اشتر كذا وأنا أعطيك ألفاً أعينك به، فلا يقضى على الواعد في المال إلا إذا دخل الموعود في الأمر، فتزوج في المثال الأول، أو هدم داره في المثال الثاني، أو اشترى سلعة في المثال الثالث.
هذا هو الخلاف في هذا الموضوع، والوعد الذي يتحدث عنه المالكية في هذا القسم ليس هو الوعد التجاري، فالوعد هنا ليس وعداً تجارياً فيه شبهة مرابحة، فلما يقول لك: تزوج وسأدفع لك المهر، أو اهدم البيت وأنا أسلفك لتبنيه من جديد، فهل هذا فيه وعد تجاري فيه ربح؟ لا، حتى الخلاف في قضية الوفاء بالوعد ليس له علاقة بالموضوع، بل هو موضوع بيع المواعدة، فالوعد الذي يتحدث عنه المالكية ليس هو الوعد التجاري، وإنما هو الوعد بإنشاء المعروف كما عرفه ابن عرفة في قوله: (الوعد إخبار عن إنشاء المخبر معروفاً في المستقبل)، وعلى هذا الصنف من الوعد يدور جميع كلام المالكية من قرض أو كفالة أو عارية أو إبراء أو نحو ذلك.
أما الوعد التجاري أو الوعد في المعاوضات مقابل السلع التي سيأخذ عليها ربحاً أحد الطرفين من الطرف الآخر فهو شيء آخر لم يدر بخلد المالكية، فبعض المعاصرين الذين يبيحون بيع المواعدة المتبع في المصارف، يجعلون الخلاف المذكور بين العلماء هنا على مسألة الوفاء بالوعود المالية المعاصرة، ولم يدر بخاطر العلماء أبداً أن يستدل بكلامهم على مثل هذا الفعل المعاصر الآن، بدليل أن علماء المالكية ذكروا في كتبهم هذه الصورة الموجودة الآن، وقطعوا بتحريمها كما سنبين ذلك إن شاء الله ﵎.
والقول بأن عملية المرابحة التي تديرها المصارف الإسلامية الآن عملية مستحدثة وتحتاج إلى اجتهاد، كلام غير صحيح؛ لأن كثيراً من الفقهاء نصوا على هذه المسألة بعينها من المالكية والشافعية والحنيفية والحنابلة، وكل من نص عليها حرمها، وبعض الفقهاء المعاصرين الذين أباحوها ليس لهم سوى أنهم قاموا بعملية تلفيق وترقيع، فما صار بيع المواعدة المعاصر حلالاً عند هذا الفريق من العلماء إلا بالتلفيق بين مناهج ليست المسألة حلالاً في منهج من هذه المناهج، لكن أجروا عملية التلفيق كما أشرنا، فنحتاج إلى أن نتتبع صور بيع المواعدة الذي هو بيع المرابحة للآمر بالشراء الذي تجريه المصارف الإسلامية.
стр. 1768
صور بيع المواعدة
стр. 1769
صورة التواعد غير الملزم مع جهالة مقدار الربح
أول صورة من صور بيع المواعدة تنبني على التواعد غير الملزم بين الطرفين، مع عدم ذكر مسبق بمقدار الربح؛ فهي مبنية على تواعد وتفاعل، هذا يقول له: اشتر لي الثلاجة، وأعدك أني سأشتريها منك عندما تتملكها، والبنك يقول له: أنا أعدك أني أسلمها لك بعد أن أشتريها، فهنا يجوز هذا البيع، وهو غير بيع التواعد الذي فيه تفاعل بين الاثنين؛ فهذا وعد أنه يشتريها منه، والثاني وعد أنه يبيعه إياها.
هذه الصورة الأولى تنبني على التواعد غير الملزم بين الطرفين، بمعنى: أن البنك يشتري الجهاز أو الماكينة أو أي سلعة بناءً على الوعد ثم يأتي رجل آخر فيقول له: بكم تبيع هذه الثلاجة، فإذا كان سيبيعها للأول بخمسمائة مثلاً فيقول له: أبيعها لك بسبعمائة، فيقول: موافق، فإذا ظهر للبنك مصلحة جديدة فله أن يرجع في كلامه.
إذاً الوعد هنا غير ملزم للبنك، ويمكن أن يبيع السلعة للمشتري نفسه الذي جاءه في البداية، أو شخص آخر فيبيع له، وكذا المشتري له ألا يشتريها، ويقول له: أنا جاءني عرض أقل من هذا العرض، وأنا قبلته ولن أشتري منك.
هذه الصورة الأولى وفيها الوعد غير ملزم، ولا أحد يعاتب الثاني إذا رجع في كلامه؛ لأن العقد لم يتم، وهذه الصورة من بيع المرابحة هي الصورة الصحيحة إن شاء الله كما سنبين.
وهذه الصورة تنبني على التواعد غير الملزم بين الطرفين، مع عدم ذكر مسبق لمقدار الربح، وهذا هو سر حلها، وهو أنه لا يعرف مقدار الربح؛ فيرغب العميل في شراء سلعة بعينها فيذهب إلى المصرف، ويقول: اشتروا هذه البضاعة لأنفسكم، ولي رغبة في شرائها بثمن مؤجل أو بربح، أو: وأنا سأربحكم فيها، فما حكم هذا النوع؟ الظاهر جواز هذه المعاملة عند الحنفية والمالكية والشافعية كما ذكر ابن رشد في المقدمات، فهذا البيع جائز، وليس فيه أي مشكلة؛ لأنه ليس في هذه الصورة التزام بإتمام الوعد بالعقد، أو بالتعويض عن ضرر لو هلكت السلعة.
وفي هذه الحالة لو هلكت السلعة عند البنك، فمن الذي سيتحمل هلاكها؟ البنك هو الذي سيضمنها، إذاً: الشبهة تزول، أما إذا شرط البنك عليك أنها لو هلكت عنده فأنت المسئول عنها، فهذا منكر آخر.
فليس في هذه الصورة التزام بإتمام الوعد بالعقد أو بالتعويض عن الضرر لو هلكت السلعة، وليس الضمان على العميل وإنما على البنك، وليس فيها التزام ولا تحديد قاطع بالربح مسبقاً، فالبنك في هذه الحالة يخاطر بشراء السلعة لنفسه، وهو على غير يقين من شراء العميل لها بربح، فلو عدل أحدهما عن رغبته فلا إلزام، ولا يترتب عليه أي أثر، فهذه الدرجة من المخاطرة هي التي جعلتها في حيز الجواز، ووجود هذه المخاطرة هي التي جعلت هذا التعامل جائزاً والله تعالى أعلم.
стр. 1770
صورة التواعد غير الملزم مع معرفة مقدار الربح
هذه الصورة تنبني على التواعد غير الملزم بين الطرفين، مع ذكر مقدار ما سيبذله من ربح.
الصورة: أن يرغب العميل في شراء سلعة معينة بذاتها أو جنسها، يعني لا يقول له: الثلاجة هذه بالذات، لكن ثلاجة من هذا الجنس.
فيقول الرجل للبنك: اشتروا هذه السلعة لأنفسكم -وهذا قيد مهم-، ولي رغبة بشرائها بثمن مؤجل أو معجل، وسأربحكم زيادة عن رأس المال ألفاً.
وهذه المسألة نص ابن رشد في المقدمات أنها محظورة، وهي من بيع العينة المحظور؛ لأنه ازداد الرجل في سلفه، يعني: وهذا النوع من التحايل على الربا؛ لأنه إذا كان هذا المشتري ليس معه مال يشتري به هذا الجهاز فهناك صورتان: الأولى: أن يذهب للبنك مباشرة ويقول له: أقرضني خمسة آلاف مقابل فائدة ربوية مقدارها خمسمائة، أي: أنه يقول له: أقرضني -مباشرة- خمسة آلاف لأشتري بها الجهاز وأسددها لك بعد أجل بخمسة آلاف وخمسمائة، وهذه الصورة ربا صريح.
الثانية: أنه لا يستلف من البنك، ولكن يقول له: اشتر لي هذا الجهاز أنت بثمن عاجل وأنا سأسددها لك بهذا الثمن مقابل الزيادة المقررة بخمسمائة، فالعلماء قالوا: إنها عبارة عن حيلة من حيل الربا، فبدل التعامل مباشرة مع البنك بالطريقة الربوية، يحول الموضوع ويتحايل بما صورته حلال، وهو في الحقيقة حرام.
قالوا: هذه من صور العينة، فالرجل يريد أن يتعامل بالربا، فيقول للآخر: أبيعك الساعة التي معي بمائة في الحال، فيعطيه الساعة في الحال بمائة، ثم يقول صاحب الساعة الأول: أنا أشتريها منك بمائة وخمسين ديناً لمدة ستة أشهر، فيقول له: نعم ويرجعها له مرة ثانية ويلبسها من جديد، والحقيقة أنه يريد أن يقترض بربا.
وهذه الحيلة الظاهر منها أنها حلال، ولكن المقصود بها التوصل للحرام، فبعض العلماء من المالكية اعتبروا هذه الصورة -بالذات- من صور العينة.
يقول ابن رشد: (والمحظورة - أي: العينة المحظورة- أن يراوضه على الربح، فيقول له: اشتر سلعة كذا وكذا بعشرة دراهم نقداً، وأنا أبتاعها منك باثني عشر نقداً -يعني: بعدما يتملكها-، والثانية: أن يقول له: اشترها لي بعشرة نقداً وأنا اشتريها منك باثني عشر إلى أجل).
يقول الدردير في الشرح الصغير: (العينة وهي بيع من طلبت منه سلعة للشراء وليست عنده لطالبها) يعني: بيعها لطالبها بعد شرائها جائز، (إلا أن يقول الطالب: اشترها بعشرة نقداً، وأنا آخذها منك باثني عشر إلى أجل، فيمنع لما فيه من تهمة سلف جر نفعاً)؛ لأنه كأنه سلفه ثمن السلعة على أن يأخذ عنها بعد الأجل اثني عشر.
وهذه الصورة الثانية تنبني على المواعدة الغير الملزمة للطرفين مع ذكر مقدار ما يبذله من ربح، وهي أن يرغب العميل في شراء سلعة معينة بذاتها أو جنسها، فيذهب إلى المصرف فيقول: اشتروا هذه السلعة لأنفسكم ولي رغبة بشرائها بثمن مؤجل أو معجل، وسأربحكم زيادة عن رأس المال ألفاً، قال ابن قدامة: إنها من العينة المحظورة؛ لأنه رجل ازداد في سلفه.
стр. 1771
المواعدة الملزمة بالاتفاق بين الطرفين
هذه هي غالباً الصورة التي فيها الإشكال، وهي التي تتعامل بها المصارف الإسلامية -كما تسمى- وتنبني على المواعدة الملزمة بالاتفاق بين الطرفين مع ذكر مقدار الربح، فما معنى ملزمة؟ أي: أن البنك يأخذ ضمانات كافية جداً على أن هذا الرجل لا يرجع عن كلامه أبداً، فيبيع له السلعة قبل أن يمتلكها.
فليس العقد عبارة عن اتفاق إرادتين على إنشاء حق، بل اتفاق إرادتين على إنشاء حق بحيث يصير ملزماً، فهذه المواعدة ملزمة بالاتفاق بين الطرفين مع ذكر مقدار الربح، وهي: أن يرغب العميل بشراء سلعة معينة ذاتها أو جنسها المنضبطة عينها بالوصف، فيذهب إلى المصرف، ويتفقان على أن يقوم المصرف ملتزماً بشراء البضاعة من عقار أو آلات أو نحو ذلك، ويلتزم العميل بشرائها من المصرف بعد ذلك، ويلتزم المصرف ببيعها للعميل بثمن اتفقا عليه من قبل.
إذاً: هذه المعاملة تتركب من الآتي: أولاً: المواعدة بين الطرفين: هذا وعد بأن يشتري وهذا وعد بأن يبيع، على ألا يرجع أحدهما في كلامه.
ثانياً: الالتزام بالمواعدة: أي: أن هناك مواعدة والتزاماً بالاتفاق بين الطرفين قبل حيازة المصرف للسلعة، وقبل أن تستقر في ملكية المصرف، مع ذكر مقدار الربح مسبقاً، واشتراط أنها إن هلكت فهي من ضمان أحدهما بالتعيين، بينما في المعاملة الشرعية لا يحتاج الأمر أصلاً لذكر من الذي يضمن؛ لأن البنك هو الذي يضمن إذا تلفت السلعة أو احترقت أو أصابها أي شيء، فالذي يشتري السلعة هو المسئول عن ضمانها، لكن في المواعدة يوجد بند في الاتفاق: إذا أصاب السلعة أي تلف فالذي يضمن هو المشتري نفسه، أما من الناحية الشرعية فهذا الشرط لا ينبغي أن يكون له وجود أصلاً؛ لأنه لا محل له في هذا التعاقد حتى لو اتفق الطرفان على أن البنك هو الذي يضمن؛ لأن الآمر بالشراء ما دخلت السلعة في ذمته.
إذاً: الصورة تتركب من المواعدة والالتزام بها بالاتفاق بين الطرفين قبل حوزة المصرف للسلعة، وقبل استقرارها في ملكه مع ذكر مقدار الربح مسبقاً، واشتراط أنها إن هلكت فهي من ضمان أحدهما بالتعيين، وهذا الاشتراط لا يجوز شرعاً، والمفروض أن البنك هو الذي يضمن، لكن هذه مسألة مبدأ، لا ينبغي أن يقال فيها: هذا البنك ضامن، وطبيعي أن البنك هو الذي يضمن، وهذا مما لا يحتاج إلى ذكر.
وهذه الصورة حكمها كما يقول الفقهاء المحققون: البطلان والتحريم؛ لأن حقيقتها القرض بفائدة، وسنذكر الأدلة على هذا.
فالمرابحة المصرفية إذا أطلقت الآن في عصرنا فهي: أن يتقدم الراغب في شراء سلعة من المصرف؛ لأنه لا يملك المال الكافي لسداد ثمنها نقداً، ولأن البائع لا يبيعه إلى أجل، ولو أن البائع قال: أنا أبيعها لك إلى أجل انتهى الأمر، فيختار الأجل، لكنه يريد حالاً، والمشتري ليس معه نقود، فيذهب إلى المصرف فيشتريها المصرف بثمن نقدي ليبيعها على طالبها بثمن مؤجل أغلى، فإذا اشترى المصرف السلعة ولم يلتزم ببيعها على العميل أو لم يلتزم العميل بشرائها، وكان كل واحد منهما بالخيار، فالبيع جائز، لكن الواقع الذي يحصل في بعض البنوك أن البنك يأخذ ضمانات مثل الشيكات من أجل ألا يرجع المشتري في كلامه، ويشترط أن يؤمن المشتري على هذه السلعة، فإذا هلكت ولم يؤمن فهي من ضمان المشتري، وإذا هلكت وهو مؤمن فتتحمل الخسارة شركة التأمين، والتأمين من الظلم الذي شاع في هذا الزمان، ولعلنا نتكلم في فرصة أخرى عن التأمين بالتفصيل إن شاء الله.
стр. 1772
حكم المرابحة [٢]
بيع المرابحة انتشاراً كبيراً في البنوك الإسلامية، مع أنه لا يخلو من محاذير شرعية، بل لقد انتشر إن فيه أحياناً حيلة على الربا المحرم في جميع الشرائع السماوية، فكيف يستحله كثير ممن ينتمون إلى الملة الإسلامية؟! وهناك ضوابط شرعية إذا عملت بها البنوك الإسلامية كان هذا البيع جائزاً.
стр. 1773
أدلة تحريم بيع المواعدة الملزمة بالاتفاق بين الطرفين
стр. 1774
فقدان شرط الملكية والقدرة على التسليم
الدليل الأول: أن حقيقة بيع المواعدة هو: عقد بيع على سلعة مقدرة التملك للمصرف بثمن مربح قبل أن يملك المصرف السلعة ملكاً حقيقياً وتستقر في ملكه، هذا أول سبب في التحريم، ويظهر ذلك جلياً بمعرفة شروط المبيع وهي: أن يكون مباحاً، مقدوراً على تسليمه، مملوكاً لبائعه، منتفعاً به.
فأحد شروط المبيع: أن يكون مملوكاً لبائعه، ولا يصح بيع شيء غير مملوك لبائعه، كمن يبيع بيت جاره وهو لا يملكه! فالبنك يبيع لك الثلاجة أو الجهاز قبل أن يمتلكه، فهنا فقد شرط من شروط المبيع؛ لأن الملكية مقدرة وليست حقيقية.
فهو باع بيعاً معلقاً، وليس بيعاً حقيقياً؛ فهو يقول للبنك: إن اشتريتموها اشتريتها منكم.
وقد صرح بإبطال هذا العقد بسبب هذه العلة الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، وكذلك ابن رشد؛ لأنه كان على مواطئة بيعها قبل أن يمتلكها البائع.
стр. 1775
النصوص الكثيرة الناهية عن بيع ما لا يملك
الدليل الثاني: عموم الأحاديث النبوية التي نصت على النهي عن بيع الإنسان ما ليس عنده، والبنك باع للعميل ما لا يملك، فعن حكيم بن حزام رضي الله تعالى عنه قال: (قلت: يا رسول الله! يأتيني الرجل فيسألني عن البيع لما ليس عندي فأبيعه منه، ثم أبتاعه من السوق، فقال ﷺ : لا تبع ما ليس عندك)، رواه أصحاب السنن وحسنه الترمذي.
وبعض الناس يفعلون هذا بدون أن يشعروا، قد تذهب إلى الصيدلية لتشتري دواء، ولأنه حريص على الزبون يأخذ منك الثمن، ثم يرسل من يشتريه من صيدلية ثانية، وهو بهذا سيبيع لك ما ليس عنده، ولابد أن يملك السلعة أولاً ثم يبيعها، والصحيح أنه يقعده عنده، ويبعث من يجلب له الدواء من صيدلية أخرى، حتى يمتلكه، ثم يبيعه للزبون.
قال ابن قدامة رحمه الله تعالى: وعلته الغرر في القدرة على التسليم وقت العقد.
والحديث ينص على النهى عن الغرر، مثل أن يبيع السمك في الماء، أو الطيور في الهواء، أو الأجنة في بطون أمهاتها، وهذا كله يسري فيه الغرر والجهالة فيبطل.
وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أن رسول الله ﷺ قال: (لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم يضمن، ولا بيع ما ليس عندك)، رواه أصحاب السنن، وقال الترمذي: حسن صحيح.
يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: فاتفق لفظ الحديثين على نهيه ﷺ عن بيع ما ليس عنده، فهذا هو المحفوظ من لفظه ﷺ ، وهو يتضمن نوعاً من الغرر؛ فإنه إذا باعه شيئاً معيناً وليس في ملكه ثم مضى ليشتريه ويسلمه له كان متردداً بين الحصول وعدمه، فكان غرراً يشبه القمار المنهي عنه، وقد ظن بعض الناس أنه إنما نهي عنه لكونه معدوماً، فقال: لا يصح بيع المعدوم، وروى في ذلك حديثاً: (أنه ﷺ نهى عن بيع المعدوم)، وهذا الحديث لا يعرف في شيء من كتب الحديث، ولا له أصل.
اهـ من زاد المعاد.
وقال الخطابي رحمه الله تعالى: (قوله: (لا تبع ما ليس عندك) يريد بيع العين دون بيع الصفة، ألا ترى أنه أجاز السلم إلى الآجال، وهو بيع ما ليس عند البائع في الحال، وإنما نهى عن بيع ما ليس عند البائع من قبل الغرر، وذلك مثل أن يبيعه عبده الآبق، أو جمله الشارد، ويدخل في ذلك كل شيء ليس بمضمون عليه، مثل أن يشتري سلعة قبل أن يقبضها.
وهذا يوافق كلام ابن القيم في بيان العلة، وهذا الحكم ثابت: لا يبع ما ليس عنده، والاختلاف في العلة، فبعضهم قال: لإن هذا بيع لشيء معدوم، فيحتمل أنه لا يجد السلعة التي باعها له، فلا يقدر على تسليمها، لكن لو قبضها وحازها فإنه يقدر على تسليمها، فنهي عن بيع مالا يملك من أجل الغرر، كمن يبيع الجمل الشارد، وهو لا يقدر على تسليمه، والصحيح أن هذا النهي ليس من باب بيع المعدوم، ولكن لوجود الغرر، وهو عدم القدرة على التسليم، وأياً كان الأمر فالحديث ثابت.
стр. 1776
النهي عن بيع ما لم يقبض
الدليل الثالث: عموم الأحاديث النبوية التي نصت على نهي الإنسان أن يبيع ما اشتراه ما لم يقبضه، فإذا اشتريت شيئاً ولم تقبضه فلا يجوز لك أن تبيعه حتى تحوزه إلى رحلك.
ففي الحديث: (نهى أن تباع السلعة حيث تبتاع حتى يأويها التجار إلى رحالهم) وقد صحت الأحاديث في هذا، ومنها حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ قال: (من ابتاع طعاماً فلا يبعه حتى يستوفيه) أي: حتى يكتاله، رواه الترمذي.
والذي عليه المحققون: أنه لا يجوز بيع شيء من المبيعات قبل قبضها، سواء الطعام أو غيره، وذكر الطعام هنا خرج مخرج الغالب، أي: أن الغالب بيع الطعام.
وقد حرر ابن القيم رحمه الله تعالى الخلاف في علة المنع من بيع ما لم يقبض فقال: فالمأخذ الصحيح في المسألة: أن ما هو معلل بعدم تمام الاستيلاء يجب عنده قدرته على التسليم، وعدم انقطاع علاقة بيعه عنه؛ فإنه يطمع في الفسخ والامتناع عن الإقراض إذا رأى المشتري قد ربح فيه.
الشاهد من هذا: أن النصوص إذا كانت صريحة وصحيحة عن النبي ﷺ في النهي عن بيع ما لم يقبض، وأنه على عمومه، وأن العلة هي عدم تمام الاستيلاء، وعدم الاستقرار في ملكية المشتري؛ فكيف يجوز للمصرف أن يبيع ما لم يملك أصلاً؟ وهذا من باب قياس الأولى وهو قياس جلي، فإذا كان الرسول ﵊ نهى عن بيع ما لم يقبض، وأنت ذهبت لتشتري السلعة من الرجل، واتفقتما على البيع، ولكن لم يسلمك السلعة، فلا يجوز لك في هذه الحالة بيعها مع أنك اشتريتها ودفعت الثمن، لكنك لم تقبضها، ففي هذه الحالة لو جاء من يشتريها منك قبل أن تستلمها يحرم عليك هذا، فإذا كان البيع في هذه الصورة لا يحل، فكيف يحل والبنك أصلاً لا يملك السلعة، ويأخذ كل الضمانات قبل أن يشتريها؟! فملك البنك تقديري لا حقيقي، وقبضه له تقديري لا حقيقي، فالمنع من هذا أولى.
стр. 1777
وجود التحايل على الربا
الدليل الرابع: أن حقيقة عقد بيع المواعدة بيع نقد بنقد أكثر منه إلى أجل.
وهذه المسألة خلاصتها: أن هذا الرجل محتاج إلى خمسمائة حتى يشتري السلعة نقداً، لكنه عاجز أن يشتريها مباشرة، فماذا يفعل؟ يذهب للمصرف ويقول له: أعطني الخمسمائة لأشتري بها السلعة نقداً؛ لأن البائع مصر على بيعها نقداً، وسأسددها لك فيما بعد بخمسمائة وخمسين أو ستمائة مثلاً، فالصورة آلت إلى الربا أو تكاد! فخلاصة هذا العقد وحقيقته أنه بيع نقد بنقد أكثر منه إلى أجل؛ لأنه أعطاك الخمسمائة مقابل أن تردها إلى أجل بزيادة، وبينهما سلعة محللة، وهذه حيلة من أجل أن تحلل فقط، مثل المحلل في الطلاق تماماً، فهو يعتبر حيلة على الإقراض بفائدة.
يقول ابن عبد البر رحمه الله تعالى: معناه أنه تحيل في بيع دراهم بدراهم أكثر منها إلى أجل، وبينهما سلعة محللة، مثال ذلك: أن يطلب رجل من رجل آخر سلعة يبيعها منه بنسيئة لأجل، وهو يعلم أنها ليست عنده، فيقول له: اشترها من مالكها بعشرة، وهو علي باثني عشر إلى أجل كذا، فهذا لا يجوز لما ذكرنا.
هذا كلام الإمام ابن عبد البر المالكي.
ولهذا قال ابن عباس ﵄ في بيع ما لم يقبض: إنه يكون قد باع دراهم بدراهم والطعام مرجى، وهذا الأثر متفق عليه.
وقال الخطابي: وهو غير جائز؛ لأنه بتقدير بيع ذهب بذهب، والطعام مؤجل، غائب غير حاضر.
стр. 1778
اشتمال البيع على الغرر
الدليل الخامس: أن البيوعات المنهي عنها ترجع إلى قواعد ثلاث، وأي تعامل شرعي يحرم وينهى عنه يرجع سبب ذلك النهي إلى ثلاثة قواعد هي: الربا، الغرر، أكل أموال الناس بالباطل.
روى الجماعة إلا البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: (أن النبي ﷺ نهى عن بيع الغرر)، وهذا ليس من باب إضافة الموصوف إلى صفته، أي: ليس المعنى: نهى عن البيع الذي هو غرر، وإنما معناه نهى عن بيع المبيع الغرر كالثمار قبل بدو صلاحها، وبيع ما لا يملكه، والعلماء قسموا بيع المعدوم إلى أنواع: النوع الأول: السلم، وهو: بيع موصوف في الذمة، فهو يتعجل أخذ المبلغ كله، وهذا استثناء من بيع ما ليس عنده، وله أسماء أخرى هي: السلم والسلف وبيع المحاويج؛ لأن الرجل الذي سيزرع التمر أو يأتي بالسلعة المسلم فيها محتاج إلى المال حتى يصرفه على الزراعة مثلاً، والمشتري محتاج إلى السلعة في الوقت الآجل فيما بعد، فلابد في السلم أن يعجل الثمن ويؤجل استلام السلعة، لكن لابد أن تكون السلعة موصوفة بصفات منضبطة تماماً، ويسمونه بيع المحاويج؛ لأن هذا محتاج وهذا محتاج، ففيه تيسير على الأمة، وقد رخص النبي ﵊ فيه.
النوع الثاني: بيع الموجود: مثل بيع الثمار بعد بدو صلاحها، وهو يجوز أيضاً.
النوع الثالث: بيع المعدوم الذي لا يدرى أيحصل أم لا يحصل، ولا ثقة لبائعه بحصوله، بل يكون المشتري منه على خطر، فهذا منع الشارع من بيعه؛ لا لكونه معدوماً بل لكونه غرراً، فإن البائع إذا باع ما ليس في ملكه ولا له قدرة على تسليمه، بل يذهب يحصله ثم يسلمه إلى المشتري، يعتبر شبيهاً بالقمار والمخاطرة من غير حاجة بهما إلى هذا العقد، ولا تتوقف مصلحتهما عليه.
стр. 1779
النهي عن بيعتين في بيعة
الدليل السادس: (أن النبي ﷺ نهى عن بيعتين في بيعة)، فالمواعدة إذا لم تكن ملزمة للطرفين لم يكن ثمة بيعتين في بيعة، لكنها إذا صارت ملزمة كانت عقداً بعد أن كانت وعداً، وكأن هناك بيعتين في بيعة واحدة، فالأولى: بين المصرف وعميله المشتري، والثانية: بين المصرف والبائع، فصارت بيعتين في بيعة.
стр. 1780
وجود صورة بيع دين بدين المنهي عنها
الدليل السابع: بيع المرابحة مع الإلزام يفضي إلى بيع مؤجل البدلين، الذي يسمى: بيع الدين بالدين، أو الكالئ بالكالئ، لماذا؟ لأنه لا المصرف سوف يسلم السلعة في الحال، ولا العميل سيسلم الثمن، يعني: هذا العقد الذي يحصل مع المرابحة فيه بيع معاوضة لكن البدلين مؤجلان، السلعة دين والثمن دين؛ فهل تقول للمصرف بعد العقد: أنا أريد الجهاز الفلاني، فيحضره لك في الحال، لا، فعند التعاقد مع البنك هو لن يسلمك السلعة في الحال، ولا أنت تسلم الثمن؛ لأن السلعة ستكون ديناً في ذمة المصرف، والثمن سيكون ديناً في ذمتك، وهذا هو بيع الدين بالدين أو الكالئ بالكالئ الذي أجمع الفقهاء على النهي عنه رغم ضعف الحديث الوارد فيه، لكن الحكم ثابت بالإجماع.
وإذا حاولنا أن نتحاشى هذه الصورة حتى لا يكون هناك بيع دين بدين، فنجمع المشتري والمصرف والبائع أو وكيلاً عن كل منهم في مجلس واحد، فيدفع المصرف الثمن النقدي إلى البائع، ويسجل المصرف في الحال اسم المشتري، ويكون الثمن مؤجلاً بذمة المشتري الخمسة آلاف -مثلاً- بزيادة خمسمائة؛ فهذا رباً واضح بتواطؤ الثلاثة، ونكون قد تجنبنا الرمضاء فوقعنا في النار! وما الفرق بين هذه الصورة وبين ما إذا قال الرجل للمصرف: أقرضني خمسة آلاف وأسددها لك خمسة آلاف وخمسمائة؟!
стр. 1781
شبهات المبيحين لبيع المرابحة الجاري في المصارف
شبهات المخالفين في هذه المسألة ركيكة وضعيفة، كقولهم: إن الوعد المالي ملزم، وما الجواب عن هذا؟ نقول: أولاً: هذا فيه خلاف، هل الوعد ملزم أو غير ملزم؟ ففي وجوب الإلزام به ثلاثة مذاهب: وجوب الوفاء به مطلقاً.
عدم وجوب الوفاء به مطلقاً.
إذا كان يترتب عليه ورطة فيكون ملزماً.
ثانياً: أن الخلاف إنما هو في الوعد بالمعروف -العدة-، وليس له علاقة بموضوع بيع المرابحة؛ لأن بيع المرابحة هو تبادل تجاري، ومعاوضة تجارية فيها كسب وربح، وهذا أول فرق.
ويقولون: الأصل في المعاملات الإباحة إلا ما جاء به نص صحيح الثبوت صريح الدلالة يمنعه ويحرمه فيوقف عنده.
فنقول: نعم الأصل في المعاملات الإباحة، لكن إذا أتى دليل شرعي يتعرض لهذه الإباحة ويزيلها فلا شك أنه لا يصح الاستدلال بهذه القاعدة، فقد أتى ما يمنع هذا، مثل حديث حكيم بن حزام وغيره من الأدلة التي نقلت هذه الإباحة إلى الحرمة.
قالوا: إذا كان تحريم الحلال خطيراً فأخطر منه أن تحل حراماً، والله سبحانه تعالى يقول: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة:٢٧٥]، والبيع يشمل المقايضة التي هي عين بعين، أو الصرف الذي هو ثمن بثمن مثل ذهب بذهب، وفضة بفضة، أو السلم الذي هو عين بثمن، والبيع المطلق سواء حالاً أو مؤجلاً، قالوا: إن هذا يشمل المرابحة، فالمرابحة تدخل في أنواع البيوع، مثل: بيع المساومة، وبيع المزايدة، وبيع الأمان، فبيع الأمان يدخل فيه المرابحة، فدخلت كلمة أحل الله في قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة:٢٧٥].
الجواب
أقسام البيوع هي: بيع المساومة، وبيع المزايدة، وبيع الأمانة، وبيع الأمان ثلاثة أنواع: بيع المرابحة، وبيع التولية، وبيع الوضيعة أو المحاطة، فبيع المرابحة الداخل في البيوع التي أحلها الله هو على اصطلاح الفقهاء الأقدمين في المرابحة، وليس هو الذي نتكلم عنه الآن، وهي صورة مختلفة تماماً عن المرابحة، ولا يجوز أن نستغل تشابه الأسماء بل لابد من تحقيق المعنى المراد بهذا الاسم.
يقولون أيضاً: إن الحاجة ماسة وداعية إليه في التعامل، كما دعت الحاجة إلى السلم والاستصناع.
و
الجواب
أن السلم يختلف عما يدعون أنه مشروع، والأحاديث معروفة في ذلك، ويغتفر ما فيه من غرر، لكن السلم أذن به الشرع، أما الغرر في هذه المعاملة؛ فأين الدليل على أن الشرع أذن فيه والرسول ﷺ يقول: (لا تبع ما ليس عندك)؟! يقولون: واغتفر ما يعتريها من الغرر تقديراً للحاجة الداعية، ولاتساع رقعة التعامل، وتضخم رءوس الأموال، فإذا لم تتم هذه المعاملة وقع المسلم في حرج، وشق عليه فوات مصالح كان يريد تحقيقها، وإذا فتحنا هذا الباب فسيضطر الناس إلى القرض بفائدة، وهذا هو الربا، لكن دينه يعصمه من الربا المحرم، فيلجأ إلى هذا التعامل تحت وطأة الحاجة أو الضرورة، فحتى لا يلجأ الناس إلى الربا لزمنا أن نفتح لهم هذا الباب، ونسهل عليهم؛ حتى ننتشلهم من المحرم، ونحقق مصالح المسلمين.
فالجواب: نحن نوافقهم على أن القول بإباحة بيع المواعدة بهذه الصورة أيسر على الناس، ولكن هل كل ما اختلف فيه العلماء يجوز الأخذ فيه بالأيسر؟ وهل اليسر مسلك من مسالك الترجيح عند التعارض؟ الترجيح عند التعارض يكون باعتبارات أخرى لا محض اليسر، وفي الحديث: (ما خير رسول الله ﷺ بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً).
إذاً: الترجيح يكون بالنظر إلى الأيسر للناس في مجالات التطوع الاختيارية، أما في أشياء مقطوع بحرمتها فلا يوجد شيء اسمه تيسير، وما كان إثماً فقد كان ﷺ أبعد الناس منه.
إذاً: ليس كل ما اختلف العلماء فيه يجوز الأخذ فيه بالأيسر؛ إذ الواجب عند اختلافهم هو الأخذ بما هو أرجح دليلاً؛ لأن ذلك أقرب إلى امتثال أمر الله ﵎، وليس اختلافهم دليلاً على جواز كل الوجوه التي اختلفوا عليها؛ لأن التعبد ليس بالخلاف، وهذه هي الضلالة التي تحاول بعض الجماعات أن تغرسها الآن في الناس في زمن الغربة، يقولون: ضعها في رقبة عالم واطلع سالم! وهناك دعاة يقلدون الجهلة هذا الكلام ويقولون: من قلد عالماً لقي الله سالماً! وهم لا يستدلون بالحديث، ولكن يقول: ما دام أن عالماً قال به فأنا آخذ بكلام العالم، فيستترون وراء المسألة، ثم ننتهي إلى اتباع الهوى لا اتباع الشرع، والانقياد لداعية الهوى، بحجة أن عالماً قال بها، ولو تتبعت زلات العلماء اجتمع فيك الشر كله.
إذاً: لا ينبغي إعمال نظرية التعبد بالخلاف، وهذه من البدع المعاصرة؛ لأن معنى ذلك أنه يجوز للمكلف أن يفعل الواجب أو يتركه، وأن يفعل الحرام وأن يتركه، ولا يلتزم إلا بالحكم المجمع عليه، والمسائل المجمع عليها قليله جداً بالنسبة لآلاف المسائل المختلف فيها، فهل مجرد وقوع الخلاف في مسألة يبيح لك أن تأخذ بأي قول؟! إذاً: ستأخذ من مذهب إباحة النبيذ، ومن مذهب إباحة نكاح المتعة، ومن مذهب ربا النسيئة، فلا يبقى واجب ولا محرم، ولا يفقه شيء إلا المجمع عليه، وهذا فساد عريض، فهذا نقد وتحطيم لقاعدة التكليف كما بينه الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى في الموافقات، فكيف يجوز الأخذ في مثل هذه المسألة الخطيرة بقول شاذ، بل بقول غير محدد ولا مثقف، وكل كلامه منسوب إلى ابن شبرمة، وقد سبق أن بينا أنه غير راجح، وليس له علاقة بموضوعنا، علاوة على أنه قول شاذ من بين أقوال الفقهاء.
стр. 1782
الضوابط الشرعية لبيع المرابحة الآمر بالشراء
نذكر هنا الضوابط الكلية التي تجعل بيع المواعدة أو بيع المرابحة للآمر بالشراء الذي تجريه المصارف الإسلامية في دائرة الجواز.
أولاً: خلوها من الالتزام بإتمام البيع كتابة أو مشافهة قبل الحصول على العين بالتملك والقبض، فليس من حق البنك بعد الإتيان بالسلعة إلزام العميل، وله الحق في أن يرجع في كلامه، وكذلك من حق المشتري عدم الالتزام بإتمام البيع كتابة أو مشافهة قبل الحصول على العين بالتملك أو القبض.
ثانياً: خلوها من الالتزام بضمان هلاك السلعة أو تضررها من أحد الطرفين العميل أو المصرف، بل هي على الأصل، والأصل أنها في ضمان المصرف، بل لا ينبغي أن يذكر هذا الشرط أصلاً، فلا يذكر البنك أنه ملتزم بها إذا هلكت، بل الأصل أن يبقى الشيء على ما كان عليه، فلا ينبغي النص في العقد على أن الالتزام بالضمان سواء على هذا أو ذاك، حتى لو قال: البنك أنا الذي أضمنها، فيكون موافقاً للكلام الذي نقوله، لكن هذا هو الأصل، ولا يحتاج إلى التنصيص عليه.
ثالثاً: ألا يقع العقد على المبيع بينهما إلا بعد قبض المصرف للسلعة واستقرارها في ملكه، يعني: لا يحصل عقد التبايع إلا بعد أن يمتلكها البنك بالفعل ويحوزها، وحينئذ يعقد العقد بين البنك والمشترى منه.
ونلخص الكلام في هذا الموضوع من رسالة للدكتور محمد سليمان أشقر حفظه الله اسمها: بيع المرابحة كما تجريه البنوك الإسلامية، يقول في نهاية هذا البحث القيم: الذي يظهر لي -والله أعلم- أن التواعد على بيع المرابحة، وذكر السعر الذي سيشتري به الواعد في المرابحة، لا يجعلها إذا أتمت بعد ذلك حراماً خلافاً للمالكية، ولما فهمناه عن مذهب الحنابلة، ووفاقاً للمذهب الشافعي، ولما فهمناه عن مذهب الحنفية، ولما أفتى به فضيلة الشيخ عبد العزيز بن باز؛ لأن البنك يشتري لنفسه وهو يعلم أن العميل ربما لا يرجع إليه، وربما رجع فاشترى أو لم يشتر، فله مطلق الحرية في ذلك، ولأن البنك يستطيع أن يبيع لغير العميل؛ فلكل منهما أن يعدل عن وعده إذا وجد فرصة أنسب، ولأن السلعة إن هلكت تهلك على ملك البنك، وهذه الدرجة من المخاطرة، وهي: أن يكون البنك يشتري البضاعة وهو على غير يقين من شراء العميل لها بربح، وهذه الدرجة هي التي تبيح هذه المعاملة وتخرجها عن حيز التحريم إلى حيز الحل، وتفصل بين كون هذه المعاملة بيعاً وتجارة وبين كونها قرضاً، أما العمل على أساس الإلزام بالوعد السابق؛ فإنه يربط الواعد ويوثقه ويعدمه الرضا حال عقد الشراء اللاحق من البنك.
وهذه نقطة مهمة جداً؛ لأنه عند كتابة العقد هل عنصر الرضا والاختيار من المشتري موجود؟ لا؛ لأنه قد أخذ عليه ضمانات قبل العقد، ثم يعقد بعد أن يحوز السلعة ويبيعها له ويكتب العقد، فما فائدة هذا العقد؟ هل هو مسلوب الإرادة أم غير مسلوب؟ مسلوب الإرادة؛ لأخذه ضمانات كافية من قبل.
قال الأشقر: (فيكون المشتري مسلوب الرضا عند إجراء عقد شراء اللاحق من البنك، فيكون العقد صورياً، ويخرج عن كونه ﴿تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٢٩]، إلى كونه قرضاً بفائدة؛ لأن الوعد الملزم يكون قد ربط ربطاً محكماً بين دفع البنك الثمن عند شرائه البضاعة، وبين أخذ العميل لها بثمن زائد، فتحققت صورة القرض، ولا ينفعهم أن يسموه: وعداً ببيع المرابحة؛ لأنه قد علم أن شرط العقود الرضا التام حين التعاقد، وبذلك التراضي يحل لكل من الطرفين ما يأخذه من مال الآخر، ومع ذلك، فلما في هذا التعامل من شبهة الإقراض بالفائدة فهو مكروه).
وربما قال البعض: إن وعد المرابحة مع مراعاة هذه الضوابط يعرض أموال البنك الإسلامي إلى المخاطر؛ فإن كثيراً من العملاء سيتراجعون عن الوفاء بوعودهم في كثير من الأحوال لعدم التزامهم، ولعدم لزوم شيء من الغرامة لهم في حال النكول؛ فيضطر لبيع البضائع في كثير من الأحيان بثمن بخس، فنقول: الرجل ممكن أن يرجع، والبنك ممكن أن يرجع، ولو جاء للبنك عميل سيربحه أكثر باع له، فعنصر احتمال الرجوع متوافر للطرفين، وهذا العقد الشرعي للصورة الشرعية سيجعل للطرفين مطلق الحرية، وإذا أتى عرض من البنك أفضل سيكسب أكثر قبل إتمام العقد، وكذلك العميل، لكن بلا شك أن البنك فعلاً هو المعرض للخسارة أكثر؛ لأن بعض السلع النادرة لا يشتريها كل الناس، يقول الدكتور الأشقر: وجوابي عن ذلك: أن هذا لا يعرض البنك للخطر بل يضيق دائرة تحركه نسبياً في مجال العمل بالمرابحة، فلا يتعامل إلا بالعمليات التي يطمئن فيها إلى العميل، والعمليات التي للبضائع المطلوبة فيها سوق رائجة، والعمليات التي تتم في برهة قريبة بعد الوعد، كشراء العقار في الداخل، وتبقى سائر العمليات التي فيها خطورة، فتحال على أنواع أخرى للتعامل.
يعني: أن البنك سيترك السلع التي فيها نوع من المخاطرة فلا يتعامل فيها بالمواعدة، ويتعامل فيها بالمضاربة أو المشاركة.
إذاً: يجب أن يصاغ الوعد بهذه الطريقة ليكون ظاهراً في عدم الإلزام والالتزام، ولئلا يؤخذ المؤمن بالحياء، بل يكون عقد البيع اللاحق عن تراض، لقول الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٢٩]، وأرجو أن يكون الأمر قد فهم على وجهه.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
стр. 1783
الحذر من الشيعة
لقد حذر العلماء من خطر الشيعة الإثني عشرية وبينوا أنهم أكذب خلق الله على الإطلاق، فينبغي على المسلم أن يحذر من عقائدهم الباطلة، وطعنهم في القرآن والسنة والصحابة، وأن يحذر من عقيدة التقية التي بها يخفون ما هم عليه من الباطل.
стр. 1784
الحذر من خطر الشيعة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين.
أما بعد: فهنا أخ أتى بهذه القصاصة بعنوان: حديث في الطائرة، وهي عبارة عن مقالة منشورة في إحدى الجرائد، يقول كاتب هذه المقالة: في أثناء رحلتي إلى أسوان بالطائرة جلست في المقعد المجاور لي سيدة غير مصرية تقرأ في كتاب ديني، استنتجت من أسلوبه واسم مؤلفه أنه من كتب الشيعة الإمامية الإثني عشرية، وقد كانت لي قراءات عدة في المذهب الشيعي، بمذاهبه المتعددة، ولكنها كانت المرة الأولى التي ألتقي فيها بأحد الشيعة على الطبيعة، وهي فرصة بالنسبة لما سبق؛ لذلك استجمعت شجاعتي وبدأت أتبادل معها الحديث، وتأكدت من صحة استنتاجي من أنها على المذهب الشيعي، فقررت أن أغتنم هذه الفرصة الذهبية؛ لأستوضح بعض النقاط الخاصة بمذهبهم، وقررت في داخلي أن أنصت فقط لما تقوله ولا أناقش أو أنتقد شيئاً مما يدور حوله الحديث؛ لأن هدفي هو المعرفة المجردة وليس المناظرة في اختلاف المذهب، وكان حصيلة ما عرفته كذا وكذا وكذا وأقول: هنا كلمة قالها السادات في خطبة له قال فيها: يا جماعة! الشيعي أول حاجة تخاف منه بدل ما تتكلم معه.
فالشيعة أخطر شيء؛ لأنهم أكذب خلق الله، كما قال بعض العلماء: خلق الله الكذب عشرة أجزاء جعل تسعة منها في الشيعة، فالكذب عندهم عبادة.
ومن عقيدتهم التقية، وهي: إبطان خلاف ما يظهر، فأحدهم قد يوافقك، لكن ذلك تقية، وليس مثل ما نلقب نحن واحداً تقي الدين، فهذه من التقوى، وأما هم فعندهم تقي الدين من كان ماهراً جداً في التقية، ويزعمون أن التقية تسعة أعشار الدين أو نحوه، فمعروف عند علماء الحديث والجرح والتعديل أن الشيعة أكذب خلق الله، وأن أكذب الفرق الإسلامية على الإطلاق هم الشيعة.
كذلك لا تثق على الإطلاق بكلام يظهره لك الشيعي، فأنت ستقول له: أنتم تكفرون الصحابة، فيقول لك: من يكفر الصحابة؟! رضي الله عن المهاجرين والأنصار! فتقول له: أنتم تقولون كذا في عمر؟ فيقول: نحن لا نقول كذا في عمر!! بل عمر ﵁، وكذا، إلى آخره.
فهم يتقنون التقية جداً، ولهذا فإن النقاش مع الشيعة في الحقيقة لا جدوى من ورائه، ولا أمل في هدايتهم؛ ولذلك كثير من العلماء يشبهونهم باليهود؛ لأن الأمل في هدايتهم صعب جداً، لكن قد يشاء الله هداية بعض الضالين منهم، وهذا وارد، لكن كما يشاء في هداية بعض اليهود في دخول الإسلام؛ فإن المهتدين من اليهود قلة جداً؛ فهم لا يريدون أن يدخلوا في الإسلام.
فهؤلاء الشيعة يحذر من التحاور معهم، وهذه المرأة التي جلست بجوار ذلك الشخص أكيد أنها كانت تفتح الكتاب أمامه لكي تصطاده؛ لأن الشيعة خبراء في دعوة الناس وتصدير منهجهم الفاسد المتعفن.
وأما قوله: أنا قرأت عن الشيعة فواضح أنه لم يقرأ كلاماً كافياً كما سيتضح فيما يأتي.
стр. 1785
حقيقة الاتفاق بين السنة والشيعة
يقول الكاتب: إن هدفي كان المعرفة المجردة، وليس المناظرة في اختلاف المذاهب، وكان حصيلة ما عرفته هو أن الشيعة متفقون مع السنة في أغلب الأحكام الفقهية خاصة الفرائض.
أقول: هذا كلام غير صحيح؛ فهناك خلافات كثيرة جداً بيننا وبينهم في الفرائض وفي الفروع، ولكن ما دام أنهم متفقون معنا في الفرائض فلماذا أهملت القسم الأعظم من الدين، وهو العقيدة وأمور الإيمان وأصول الدين؟ ولكن بالعكس هناك اختلاف كبير جداً بيننا وبين هؤلاء الطوائف في الفرائض وفي الأصول.
стр. 1786
سبب تعلق الشيعة بمصر
يقول الكاتب: إن مصر لها مكانة خاصة في قلوب الشيعة، وكذلك للمصريين مكانة كبيرة؛ لحبهم الشديد لآل البيت.
أقول: صحيح أن مصر لها معزة عندهم، وهم يموتون حسرة على مصر؛ لأن مصر احتلت من قبل الدولة الفاطمية العبيدية التي جاءت من المغرب؛ ولذلك مصر أعظم البلاد الإسلامية حظاً في البدع والخرافات والموالد والقبور والأضرحة والمآتم، وكل هذه الأشياء من آثار العبيديين، فهذه البلايا والمصائب والبدع أوجدها الفاطميون العبيديون هنا في مصر، هذا هو السبب الذي جعل الشيعة يحبون مصر، حتى إن واحداً منهم صرح في بعض المؤتمرات مخاطباً أحد العلماء المصريين بقوله: نحن هنا نعدكم في مصر نصف شيعة؛ لأن النساء والعوام -بالذات في الأرياف- مازالوا يتعلقون جداً بآل البيت.
نقول: هل نحن أهل السنة لا نحب أهل البيت؟!! فكما نقول للنصارى: نحن أولى بالمسيح منكم، وكما نقول لليهود نحن أولى بموسى ﵇ منكم، فكذلك نقول للشيعة: نحن أولى بآل البيت منكم سواء بـ علي بن أبي طالب ﵁ أو بـ فاطمة ﵂، أو بآل البيت بالمعنى الواسع، فنحن أشد الناس حباً لهم ونحن أنصارهم ونحن شيعتهم في الحقيقة، لكننا لا نعبدهم من دون الله، هذا هو الفرق بيننا وبين الشيعة، فهم يعبدون الأئمة من دون الله أو مع الله، ويخلعون عليهم صفات الألوهية والعياذ بالله، وعندهم أن الإمام معصوم من الخطأ والسهو والنسيان، وأنه إذا أراد شيئاً يقع في يديه بدون الأخذ بالأسباب، وأنه يعلم كذا وكذا، حتى إن الخميني أشعل الله قبره عليه ناراً كان يقول: إن من ضروريات مذهبنا أن لأئمتنا مقاماً معلوماً ومنزلة سامية لا يدانيها أو لا يبلغها ملك مقرب ولا نبي مرسل.
فعندهم أن درجة الإمام فوق الأنبياء، ولكن للأسف الشديد أن الأخ المتكلم هنا يقول: إن مصر لها مكانة خاصة في قلوبهم.
أقول: إنهم يهدفون إلى إعادة احتلال مصر من جديد؛ فهم يعتبرونها احتلت على يد صلاح الدين الأيوبي وصلاح الدين الأيوبي هو الذي أعاد مصر إلى ما هو أقرب إلى مذهب أهل السنة وهو المذهب الأشعري، لكن هو أخف من مذهب الشيعة.
وأحد الشيعة عرض على رجل أمريكي أن يدخل في دين الشيعة، والشيعة مشهورون جداً في الغرب، والرجل كان نصرانياً، وكان هذا الشيعي يدعوه إلى الإسلام، فظل يشرح له صفات الأئمة، وأنه لابد أن تعتقد في الأئمة أنهم كذا وكذا وكذا، فالرجل الأمريكي الكافر النصراني رد عليه رداً منطقياً، فقال له: أنا فررت من عبادة ثلاثة آلهة، وأنت تريدني أن أعبد اثني عشر إلهاً مع الله!!
стр. 1787
وجه سجود الشيعة على حجر أو تربة من كربلاء
إن الشيعة يقومون بالسجود على حجر أو تربة من كربلاء؛ لأنهم يرددون حديثاً منسوباً إلى الرسول ﵇، وفيه: (صلوا على ما لا يؤكل ولا يشرب ولا يلبس)، وبالتالي لا يجوز عندهم السجود على السجاد؛ لأنه مصنوع من الخيط الذي يستخدم في صناعة الملابس؛ ولذلك هم يسجدون على التربة التي يأتون بها من كربلاء، وتربة كربلاء في زعمهم تربة مطهرة، وكون الواحد منهم يحمل تربة من كربلاء معه ليضعها ويسجد عليها هذا شيء معروف عنهم.
والخميني يقول: السجود للحوائج وطلب قضاء الحاجات للحجر أو الشجر ليس شركاً، وإن كان عملاً باطلاً!
стр. 1788
موقف الشيعة الحقيقي من رسالة النبي ﷺ
يقول الكاتب: ويؤمنون تماماً برسالة سيدنا محمد ﷺ ، ويؤمنون بإمامة الإمام علي.
أقول: هل يكفي الإيمان برسالة سيدنا محمد ﵊، أم لابد من سنة وشرع؟! فما موقفكم أيها الشيعة من القرآن؟ أليس في كتبكم المقدسة كالكافي وغيره من الكتب التي هي طافحة بالنصوص التي تزعم تحريف القرآن الكريم، وأن القرآن الحقيقي ثلاثة أضعاف القرآن الموجود بين أيدينا؟! وإذا ناقشت أحدهم في هذا يقول لك: من جحد القرآن فهو كافر، ويظهر لك الكلام الذي توافقه عليه تماماً، الذين يناظرونهم في عصور شتى يقولون لهم: أعلنوا التبرؤ من هذه الكتب، ففي ساعة الجد لا يعلنون البراءة من هذه الكتب التي تصرح بهذه العقائد.
والخميني نفسه كان يترحم على النوري الطبرسي، ويزعم أنه قدم خدمات جليلة للإسلام!! والنوري الطبرسي هو مؤلف كتاب "فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب"، هذا هو النوري الطبرسي الذي يمدحه الخميني على ما قدمه من خدمات جليلة للإسلام.
فالشيعة يؤمنون برسالة النبي ﷺ ، لكن من غير قرآن؛ لأن القرآن محرف عندهم، وأيضاً لا يحتجون بالسنة لا بصحيح البخاري ولا صحيح مسلم ولا سنن الترمذي ولا غيرها، فهذه الكتب كلها مرفوضة؛ لأن الحديث لابد أن عندهم يأتي عن طريق سند من أهل البيت فقط، فلهم مصطلح مستقل في هذا الجانب.
стр. 1789
موقف الشيعة من صحابة رسول الله ﷺ
إن هذا الأخ الكاتب الله يهديه أتى بكل الكلام الذي أتى به ونسي موضوع الصحابة، وقال: نتعاون فيما اتفقنا فيه، ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه.
أقول: فهل نعذرهم في سب الصحابة وفي تكفير الصحابة؟! وقوله: ويؤمنون بإمامة الإمام علي أقول: نحن أيضاً نؤمن، لكننا أيضاً لا نعبد علياً رضي الله تعالى عنه، ولا نغالي في حبه، ونؤمن بخلافة أبي بكر وعمر وعثمان، فلماذا سكت الأخ هنا؟ ولماذا أتى بالقاسم المشترك في إمامة علي؟ وأين إمامة أبي بكر وعمر وعثمان التي أجمع عليها المسلمون والصحابة؟! هل هذا شيء هين؟ وهم يقولون بالمسح على الأرجل في الوضوء، وليس الغسل إلى آخره.
стр. 1790
حقيقة دعوة التقريب بين السنة والشيعة
يقول الكاتب: وفي نهاية الرحلة قررتُ أن أقرأ أكثر في مذهب الشيعة، وجعلتها تقرأ في فقه السنة هي أيضاً، فهذه قراءات تمهد لمحو الفوارق الطفيفة، وتؤدي إلى توحيد الكلمة والصف.
أقول: كلمة التوحيد قبل توحيد الكلمة، فلابد أولاً من الدخول في الدين الصحيح الذي أنزله الله، وتحقيق كلمة التوحيد، وبعد ذلك نسعى لتوحيد الكلمة، أما توحيد الكلمة على أساس عاطفي، وعلى كلام لا يسمن ولا يغني من جوع، فهذا لا ينفع، ودائماً التقريب عند الشيعة له معنى واحد فقط هو أن يقترب أهل السنة من الشيعة، لكنهم لا يقتربون منا، ولا يمكن أن يتنازلوا على الإطلاق عن أي شيء من عقيدتهم.
والأخ جزاه الله خيراً على أنه سلط الضوء على هذه القصاصة، وأرجو أن تأتي فرصة فيما بعد لنتكلم في الموضوع بالتفصيل.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، سبحانك الله ربنا وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك، والحمد لله رب العالمين.
следующие страницы →