← Джавами‘

Джавами‘ · id 37018

دروس الشيخ محمد إسماعيل المقدم

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (2 122 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

سبب تعلق الشيعة بمصر يقول الكاتب: إن مصر لها مكانة خاصة في قلوب الشيعة، وكذلك للمصريين مكانة كبيرة؛ لحبهم الشديد لآل البيت. أقول: صحيح أن مصر لها معزة عندهم، وهم يموتون حسرة على مصر؛ لأن مصر احتلت من قبل الدولة الفاطمية العبيدية التي جاءت من المغرب؛ ولذلك مصر أعظم البلاد الإسلامية حظاً في البدع والخرافات والموالد والقبور والأضرحة والمآتم، وكل هذه الأشياء من آثار العبيديين، فهذه البلايا والمصائب والبدع أوجدها الفاطميون العبيديون هنا في مصر، هذا هو السبب الذي جعل الشيعة يحبون مصر، حتى إن واحداً منهم صرح في بعض المؤتمرات مخاطباً أحد العلماء المصريين بقوله: نحن هنا نعدكم في مصر نصف شيعة؛ لأن النساء والعوام -بالذات في الأرياف- مازالوا يتعلقون جداً بآل البيت. نقول: هل نحن أهل السنة لا نحب أهل البيت؟!! فكما نقول للنصارى: نحن أولى بالمسيح منكم، وكما نقول لليهود نحن أولى بموسى ﵇ منكم، فكذلك نقول للشيعة: نحن أولى بآل البيت منكم سواء بـ علي بن أبي طالب ﵁ أو بـ فاطمة ﵂، أو بآل البيت بالمعنى الواسع، فنحن أشد الناس حباً لهم ونحن أنصارهم ونحن شيعتهم في الحقيقة، لكننا لا نعبدهم من دون الله، هذا هو الفرق بيننا وبين الشيعة، فهم يعبدون الأئمة من دون الله أو مع الله، ويخلعون عليهم صفات الألوهية والعياذ بالله، وعندهم أن الإمام معصوم من الخطأ والسهو والنسيان، وأنه إذا أراد شيئاً يقع في يديه بدون الأخذ بالأسباب، وأنه يعلم كذا وكذا، حتى إن الخميني أشعل الله قبره عليه ناراً كان يقول: إن من ضروريات مذهبنا أن لأئمتنا مقاماً معلوماً ومنزلة سامية لا يدانيها أو لا يبلغها ملك مقرب ولا نبي مرسل. فعندهم أن درجة الإمام فوق الأنبياء، ولكن للأسف الشديد أن الأخ المتكلم هنا يقول: إن مصر لها مكانة خاصة في قلوبهم. أقول: إنهم يهدفون إلى إعادة احتلال مصر من جديد؛ فهم يعتبرونها احتلت على يد صلاح الدين الأيوبي وصلاح الدين الأيوبي هو الذي أعاد مصر إلى ما هو أقرب إلى مذهب أهل السنة وهو المذهب الأشعري، لكن هو أخف من مذهب الشيعة. وأحد الشيعة عرض على رجل أمريكي أن يدخل في دين الشيعة، والشيعة مشهورون جداً في الغرب، والرجل كان نصرانياً، وكان هذا الشيعي يدعوه إلى الإسلام، فظل يشرح له صفات الأئمة، وأنه لابد أن تعتقد في الأئمة أنهم كذا وكذا وكذا، فالرجل الأمريكي الكافر النصراني رد عليه رداً منطقياً، فقال له: أنا فررت من عبادة ثلاثة آلهة، وأنت تريدني أن أعبد اثني عشر إلهاً مع الله!!

стр. 1787

وجه سجود الشيعة على حجر أو تربة من كربلاء إن الشيعة يقومون بالسجود على حجر أو تربة من كربلاء؛ لأنهم يرددون حديثاً منسوباً إلى الرسول ﵇، وفيه: (صلوا على ما لا يؤكل ولا يشرب ولا يلبس)، وبالتالي لا يجوز عندهم السجود على السجاد؛ لأنه مصنوع من الخيط الذي يستخدم في صناعة الملابس؛ ولذلك هم يسجدون على التربة التي يأتون بها من كربلاء، وتربة كربلاء في زعمهم تربة مطهرة، وكون الواحد منهم يحمل تربة من كربلاء معه ليضعها ويسجد عليها هذا شيء معروف عنهم. والخميني يقول: السجود للحوائج وطلب قضاء الحاجات للحجر أو الشجر ليس شركاً، وإن كان عملاً باطلاً!

стр. 1788

موقف الشيعة الحقيقي من رسالة النبي ﷺ يقول الكاتب: ويؤمنون تماماً برسالة سيدنا محمد ﷺ ، ويؤمنون بإمامة الإمام علي. أقول: هل يكفي الإيمان برسالة سيدنا محمد ﵊، أم لابد من سنة وشرع؟! فما موقفكم أيها الشيعة من القرآن؟ أليس في كتبكم المقدسة كالكافي وغيره من الكتب التي هي طافحة بالنصوص التي تزعم تحريف القرآن الكريم، وأن القرآن الحقيقي ثلاثة أضعاف القرآن الموجود بين أيدينا؟! وإذا ناقشت أحدهم في هذا يقول لك: من جحد القرآن فهو كافر، ويظهر لك الكلام الذي توافقه عليه تماماً، الذين يناظرونهم في عصور شتى يقولون لهم: أعلنوا التبرؤ من هذه الكتب، ففي ساعة الجد لا يعلنون البراءة من هذه الكتب التي تصرح بهذه العقائد. والخميني نفسه كان يترحم على النوري الطبرسي، ويزعم أنه قدم خدمات جليلة للإسلام!! والنوري الطبرسي هو مؤلف كتاب "فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب"، هذا هو النوري الطبرسي الذي يمدحه الخميني على ما قدمه من خدمات جليلة للإسلام. فالشيعة يؤمنون برسالة النبي ﷺ ، لكن من غير قرآن؛ لأن القرآن محرف عندهم، وأيضاً لا يحتجون بالسنة لا بصحيح البخاري ولا صحيح مسلم ولا سنن الترمذي ولا غيرها، فهذه الكتب كلها مرفوضة؛ لأن الحديث لابد أن عندهم يأتي عن طريق سند من أهل البيت فقط، فلهم مصطلح مستقل في هذا الجانب.

стр. 1789

موقف الشيعة من صحابة رسول الله ﷺ إن هذا الأخ الكاتب الله يهديه أتى بكل الكلام الذي أتى به ونسي موضوع الصحابة، وقال: نتعاون فيما اتفقنا فيه، ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه. أقول: فهل نعذرهم في سب الصحابة وفي تكفير الصحابة؟! وقوله: ويؤمنون بإمامة الإمام علي أقول: نحن أيضاً نؤمن، لكننا أيضاً لا نعبد علياً رضي الله تعالى عنه، ولا نغالي في حبه، ونؤمن بخلافة أبي بكر وعمر وعثمان، فلماذا سكت الأخ هنا؟ ولماذا أتى بالقاسم المشترك في إمامة علي؟ وأين إمامة أبي بكر وعمر وعثمان التي أجمع عليها المسلمون والصحابة؟! هل هذا شيء هين؟ وهم يقولون بالمسح على الأرجل في الوضوء، وليس الغسل إلى آخره.

стр. 1790

حقيقة دعوة التقريب بين السنة والشيعة يقول الكاتب: وفي نهاية الرحلة قررتُ أن أقرأ أكثر في مذهب الشيعة، وجعلتها تقرأ في فقه السنة هي أيضاً، فهذه قراءات تمهد لمحو الفوارق الطفيفة، وتؤدي إلى توحيد الكلمة والصف. أقول: كلمة التوحيد قبل توحيد الكلمة، فلابد أولاً من الدخول في الدين الصحيح الذي أنزله الله، وتحقيق كلمة التوحيد، وبعد ذلك نسعى لتوحيد الكلمة، أما توحيد الكلمة على أساس عاطفي، وعلى كلام لا يسمن ولا يغني من جوع، فهذا لا ينفع، ودائماً التقريب عند الشيعة له معنى واحد فقط هو أن يقترب أهل السنة من الشيعة، لكنهم لا يقتربون منا، ولا يمكن أن يتنازلوا على الإطلاق عن أي شيء من عقيدتهم. والأخ جزاه الله خيراً على أنه سلط الضوء على هذه القصاصة، وأرجو أن تأتي فرصة فيما بعد لنتكلم في الموضوع بالتفصيل. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، سبحانك الله ربنا وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك، والحمد لله رب العالمين.

стр. 1791

فضل الذكر ذكر الله تعالى هو زاد الروح وغذاؤها، وهو سلوة النفس وجلاؤها، به تسمو الروح إلى العلياء، وبه تتصل برب الأرض والسماء، وهو لذة لها لا تعادلها لذة، وسلوة لها لا تعادلها سلوة، وأنيس لها في السر والخلوة، يفيض على النفس من الروحانية ما لا تدركه إشارة، ولا تحيط به عبارة.

стр. 1792

النهي عن الدعاء بالبلاء واستجلابه الحمد لله الذي جعل ذكره لذة للمتقين، يتوصلون به إلى خيرَي الدنيا والدين، وجُنة واقية للمؤمنين من سهام الشياطين، وشر إخوانهم المتمردين، من طوائف الخلق أجمعين. وصلى الله على خير البشر الذي أُنزل عليه: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت:٤٥]، فبيّن للعباد من فضائل الأذكار، وما فيها من المنافع الكبار، والفوائد ذوات الأخطار، ما ملأ الأسفار، وتناقلته ألسن الرواة في جميع الأعصار، وعلى من صاحبه ووالاه، وسلّم تسليماً كثيراً لا يدرك منتهاه. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. عن أنس ﵁ (أن رسول الله ﷺ عاد رجلاً من المسلمين قد خَفَت فصار مثل الفرخ، فقال له رسول الله ﷺ : هل كنت تدعو بشيء أو تسأله إياه؟ قال: نعم، كنت أقول: اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا، فقال رسول الله ﷺ : سبحان الله! لا تطيقه أو لا تستطيعه، أفلا قلت: اللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، قال: فدعا الله له، فشفاه) رواه الإمام مسلم في صحيحه. قوله: (أن رسول الله ﷺ عاد رجلاً من المسلمين) هذا فيه استحباب عيادة المريض. (قد خفت) أي: سكن وسكت، والمقصود أنه ضَعُف وسكن وسكت فصار مثل الفرخ، فقال له رسول الله ﷺ : (هل كنت تدعو بشيء) أي: هل كنت تدعو الله بشيء (أو تسأله إياه؟ قال: نعم، كنت أقول: اللهم! ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا) أي: أنه تمنى أن تعجل له العقوبة، فنفس هذا اللسان ونفس هذا الفم الذي خرجت منه هذه الدعوة فاستجيبت كان يمكن أن يخرج منه سؤال الله العافية فتستجاب أيضاً؛ لأنا نهينا عن تمني البلاء، كما قال ﵌: (لا تتمنوا لقاء العدو، فإذا لقيتموهم فاثبتوا)، لكن ليس للإنسان أن يسعى إلى استجلاب البلاء، ولا أن يتمناه، فربما صدر منه الضجر أو الشكوى أو التسخط على قدر الله ، فإن للبلاء أهلاً في الحديث الذي رواه أبو سعيد الخدري ﵁ قال: (دخلت على رسول الله ﷺ وهو موعوك -أي: مريض-، وعليه قطيفة، يقول: فوضعت يدي على جبهته فقلت: ما أشد حماك يا رسول الله! قال: نعم، إنا معشر الأنبياء يضاعف لنا البلاء كما يضاعف لنا الأجر)، أو كما قال ﵌. فللبلاء أهل ذكروا في هذا الحديث وفي غيره من الأحاديث كقوله ﷺ : (أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل)، فمن لم يكن من أهل البلاء لم يطقه فربما صدر منه السخط، لكن إذا ازداد يقين العبد وابتلي فإن الله يعينه على الصبر على ذلك. لذلك كان السلف والصالحون -كما جاء في الحديث- يفرحون بالبلاء أشد من فرح أحدكم بالعطاء؛ لقوة يقينهم فيما عند الله من الثواب، أو لأنهم أمثل الناس وأشدهم تمسكاً بطريق الأنبياء عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام، فأشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل. (يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه، وإن كان في دينه رقة ابتلاه الله على حسب دينه)، أو كما قال ﵌، فالعبد إذا ابتلي رغماً عنه بعد أخذه بالأسباب وسعيه حسب الإمكان، فإن الله تعالى يعينه حينئذ، وأما إذا استجلب لنفسه البلاء بتقصير أو تراخ في الأخذ بالأسباب فإنه يوكل إلى نفسه ولا يعان إلا أن يشاء الله . ففي هذا الحديث كان هذا الصحابي يدعو الله يقول: (اللهم! ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا) أي: حتى يأتي يوم القيامة وليس عليه شيء يستحق العقوبة من أجله، ويصفو له الثواب بدون كدر، فنفس هذا اللسان الذي دعا هذه الدعوة في وقت الإجابة فاستجيبت له كان بإمكانه أن يدعو بالعافية كما جاء في الحديث الضعيف: (إن لم يكن بك عليّ غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك أوسع لي) فهذا حديث ضعيف معروف، لكن المقصود أن العافية أوسع، والذي يستجيب لك في الدعاء بالبلاء يستجيب في الدعاء بالعفو والعافية في الدنيا والآخرة.

стр. 1793

أهمية فقه الدعاء وأحكامه وهذا الحديث من الأحاديث التي تبين خطورة عدم فقه الدعاء، فلابد أن يكون الإنسان محيطاً ومتعلماً فقه الدعاء وغيره من العبادات، فهناك بعض الأمور التي تعين الإنسان على اغتنام أوقات الإجابة، وتحري الأمور التي تجعله مجاب الدعوة، وهناك بعض الأمور التي لابد أن يزيلها قبل أن يدعو، وهناك شروط في نفس الدعاء حتى يستجاب، فهذا الرجل لما لم يكن عنده فقه دقيق بآداب الدعاء وأحكامه وقع في هذا الخطأ، فدعا الله وتمنى البلاء، فاستجاب الله له وآتاه هذا البلاء، وهذا كما قال : ﴿وَيَدْعُ الإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولًا﴾ [الإسراء:١١]. (فقال: نعم، كنت أقول: اللهم! ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا، فقال رسول الله ﷺ : سبحان الله!) أي: أنه تعجب، وهذا دليل على جواز أن يقول الإنسان إذا تعجب من شيء: سبحان الله. (سبحان الله! لا تطيقه، أو لا تستطيعه، أفلا قلت: اللهم! آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار)، وأشهر الأقوال في تفسير حسنة الدنيا أنها العبادة والعافية، وحسنة الآخرة هي الجنة والمغفرة، (قال: فدعا له ﷺ فشفاه الله .

стр. 1794

النهي عن تمني تعجيل العقوبة والبلاء، واستحباب زيارة المريض وفي هذا الحديث النهي عن تمني تعجيل العقوبة، ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال:٣٢]، فكان المفروض أن يقولوا: اللهم! إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا إليه، أو فارزقنا اتباعه، أما أن يتمنى الإنسان البلاء، ويطلب العقوبة فهذا من عدم الفقه في عبادة الدعاء. وهذا الحديث فيه فضل هذا الدعاء: (اللهم! آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار) وهذا الدعاء يقال أيضاً عند الكرب. وفيه استحباب عيادة المريض والدعاء له. وفيه كراهية تمني البلاء؛ لئلا يتضجر منه ويسخطه وربما شكى. وعدم الاهتمام بفقه الدعاء قد يحول دون استجابة هذا الدعاء، وإذا استجيب له فقد يقع الإنسان في بلاء وكرب، فقد ثبت أن النبي ﷺ قال في آخر بعض أدعيته الطويلة: (وأعوذ بك من دعوة لا يستجاب لها)، فالدعوة التي لا يستجاب لها دعوة شريرة، وقد بلغ شرها وشؤمها أن النبي ﷺ يتعوذ منها. وقال في حديث آخر: (وأعوذ بك من دعاء لا يسمع) أي: لا يستجاب، فقول المصلي: سمع الله لمن حمده، أي: أجاب الله من حمده.

стр. 1795

الحث على الذكر ثبت في كثير من الآيات والأحاديث فضل الذكر ودعاء الله ، فمن هذه الآيات قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كثيراً * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب:٤١ - ٤٢]. ومنها أيضاً: قوله : ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة:١٥٢]، فالشكر يتعدى باللام تقول: قد شكر الله لك، أو شكرت له، وهذا أبلغ من أن تقول: شكرته ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان:١٤]. وقال : ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [الأعراف:٢٠٥]. وقال جل ذكره: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت:٤٥]. وقال مخاطباً نبيه زكريا عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام لما سأل الله أن يجعل له آية قال: ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كثيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ﴾ [آل عمران:٤١]، فقد عطل لسانه ﵇ عن كل كلام إلا ما كان فيه ذكر، ((آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ))، فكان إذا أراد أن يتكلم عطل لسانه، وامتنع عن النطق إلا إذا كان هذا الكلام بذكر الله . وسأل موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ربه أن يجعل له وزيراً: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ [طه:٢٩ - ٣٢] لماذا كل هذا؟ ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كثيراً * وَنَذْكُرَكَ كثيراً * إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا﴾ [طه:٣٣ - ٣٥]. وقال أوصى النبي ﷺ معاذاً بعد ما أخبره أنه يحبه، فقال له: (لا تدع في دبر كل صلاة أن تقول: اللهم! أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك)، فدل هذا على أن الذكر ليس بالسهل، بل يحتاج إلى معونة من الله ؛ حتى يصرف عن الإنسان الصوارف الشاغلة التي تحوَّل همته من هذه الكنوز العظيمة التي يفوز بها إذا اشتغل بذكر الله . وقال : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كثيراً﴾ [الأحزاب:٢١]، وقال : ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كثيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٣٥]، وقال : ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ * الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ [الرعد:٢٨ - ٢٩].

стр. 1796

الإكثار من ذكر الله الآن نقف عند إحدى هذه الآيات، وهي آية سورة الأحزاب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كثيراً * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب:٤١ - ٤٢]. إذا تأملنا القرآن الكريم والسنة الشريفة فإنا نجد أن كل عبادة من العبادات لها وصف محدد أو عدد محدد لا يجوز عنه، فالحج مثلاً يكون مرة واحدة في السنة، والصيام الواجب هو صيام شهر رمضان، والزكاة يشترط فيها مثلاً حولان الحول، وهناك شروط أخرى، فكل عبادة لها وقت، ولها عدد، ولها هيئة مخصوصة وأوقات مخصوصة، فهناك أوقات ينهى عن الصلاة فيها، والعبادة الوحيدة التي أمرنا بالإكثار منها بلا حدود هي ذكر الله ، فكل أمر أتى فيه الترغيب في الذكر فغالباً ما يقترن بالإكثار والاجتهاد في مضاعفة هذا الذكر كما في هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كثيراً﴾ [الأحزاب:٤١]، وقوله: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كثيراً وَالذَّاكِرَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥]. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كثيراً﴾ [الأحزاب:٤١]: إن الله لم يفرض على عباده فريضة إلا جعل لها حداً معلوماً، ثم عذر أهلها في حال عذر غير الذكر، فإن الله لم يجعل له حداً ينتهي إليه، ولم يعذر أحداً في تركه إلا مغلوباً على عقله، فقال: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ [النساء:١٠٣]، بالليل والنهار، في البر والبحر، في السفر والحضر، والغنى والفقر، والصحة والسقم، والسر والعلانية، وعلى كل حال، وقال: ((وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا)) فإذا فعلتم ذلك صلى عليكم هو وملائكته. وقال : ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كثيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال:٤٥]، وقال : ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥] إلى قوله تعالى: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كثيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٣٥]. وعن أبي هريرة ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ قال: (سبق المفردون. قالوا: وما المفردون يا رسول الله؟! قال: الذاكرون الله كثيراً والذاكرات)، فالمفردون: هم الذين عاشوا في قرن معين من الزمان، ثم ذهب هذا الزمان وبقوا وحدهم متفردين يذكرون الله . قال ابن الأعرابي: فَرُد الرجل إذا تفقه، واعتزل الناس، وخلا بمراعاة الأمر والنهي. وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا أيقظ الرجل أهله من الليل فصليا ركعتين جميعاً كتبا في الذاكرين الله كثيراً والذاكرت)، فهذه أيضاً من الأعمال التي يستحق صاحبها أن يوصف بأنه من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات. وهناك رواية أخرى لهذا الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (من استيقظ من الليل وأيقظ امرأته فصليا ركعتين جميعاً كتبا ليلتئذ من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات).

стр. 1797

من يوصف بأنه من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات واختلف العلماء فيمن يستحق وصف الذاكرين الله كثيراً والذاكرات، فقال الإمام أبو الحسن الواحدي: قال ابن عباس ﵄: المراد بالذاكرين الله كثيراً والذاكرات: أنهم يذكرون الله في أدبار الصلوات، وغدواً وعشياً -وهي أذكار الصباح والمساء-، وفي المضاجع إذا أرادوا النوم، وكلما استيقظ من نومه، وكلما غدا أو راح من منزله ذكر الله تعالى. وقال مجاهد: لا يكون من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات حتى يذكر الله قائماً وقاعداً ومضطجعاً. وقال عطاء: من صلى الصلوات الخمس بحقوقها فهو داخل في قوله تعالى: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كثيراً وَالذَّاكِرَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥]. وسئل الإمام أبو عمرو بن الصلاح ﵀ عن القدر الذي يصير به العبد من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات، فقال -وهو من أجمع الأجوبة في هذا الباب-: إذا واظب على الأذكار المأثورة المثبتة صباحاً ومساء، في الأوقات والأحوال المختلفة، ليلاً ونهاراً، وهي مبينة في عمل اليوم والليلة؛ كان من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات، والله أعلم. وبنحوه قال الإمام محمد الجزري رحمه الله تعالى في العدة، وقال شارح (العدة): لا شك أن صدق هذا الوصف أعني كونه من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات -على من واظب على ذكر الله تعالى وإن كان قليلاً أكمل من صدقه على من ذكر الله كثيراً من غير مواظبة. وقد ثبت في الصحيح من حديث عائشة ﵂: (أن النبي ﷺ كان يذكر الله على كل أحيانه). وورد عنه ﷺ قوله: (إن أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل). وقال الشيخ صديق حسن خان رحمه الله تعالى: وقد ورد عنه ﷺ أذكار وأدعية عند الأحوال المختلفة، وفي الأوقات المتنوعة كالنوم واليقظة، والأكل والشرب واللباس ونحوها، ووردت بكل حال من هذه الأحوال، وفي كل وقت من هذه الأوقات أذكار متعددة، وكذلك أدعية فوق الواحد والاثنين، فمن أخذ بذكر أو دعاء من الأذكار والأدعية المذكورة وأتى به في ذلك الحال والوقت فقد صدق عليه وصف الإكثار من ذكر الله إذا داوم عليه في اليوم والليلة، ولم يُخلّ به في ساعاته من النوم واليقظة. وأما من واظب على جميعها، وأتى بها ليلاً ونهاراً، وجعلها وظيفة دائمة فلا تسأل عنه؛ فإنه قد فاز بالقدح المعلى، وسلك الطريقة المثلى، ولم يأت أحد بأفضل مما أتى هو به إلا من صنع مثل صنيعه زاد عليه، فعليك أن تكون من أحد هذه الأصناف؛ لتصدق عليك هذه الأوصاف، وإلّا فلا تكن يعني: إما أن تكون مقلاً وإما مكثراً ومداوماً، وإلا فلا تكن، أي: لا تعيش أصلاً، فالإنسان بدون ذكر هو في الحقيقة من الأموات. وعن عطاء بن يسار قال: سمعت أبا هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (ثلاثة لا يرد دعاؤهم: الذاكر الله كثيراً، ودعوة المظلوم، والإمام المقسط -أي: العادل-)، فجعل أولهم الذاكر الله كثيراً، فمن أكثر من ذكر الله فلا يرد الله دعاءه؛ بل يستجيب له. وعن أبي الدرداء ﵁ مرفوعاً: (ألا أخبركم بخير أعمالكم، وأرفعها في درجاتكم، وأزكاها عند مليككم، وخير لكم من إعطاء الورق والذهب، وخير لكم من أن تلقوا أعداءكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى، قال: ذكر الله). وصح عنه أيضاً ﷺ أنه قال: (الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالماً ومتعلماً). وعن أبي موسى الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال: (مثَل البيت الذي يُذكر الله فيه والبيت الذي لا يذكر الله فيه مثَل الحي والميت)، وفي رواية: (مَثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مَثل الحي والميت) أي: أن الفرق بينهما كالفرق بين الحي والميت. وعن الحارث بن الحارث الأشعري ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: (إن الله أمر يحيى بن زكريا أن يأمر بني إسرائيل بخمس كلمات، ومنها: ذكر الله . وقد جاء في هذا الحديث أن يحيى ﵇ قام خطيباً في بني إسرائيل ممتثلاً ما أمره الله به فقال: (وآمركم بذكر الله كثيراً، ومثل ذلك كمثل رجل طلبه العدو سراعاً في أثره، فأتى على حصن حصين فأحرز نفسه فيه، وإن العبد أحصن ما يكون من الشيطان إذا كان في ذكر الله تعالى). وصح عنه ﷺ أيضاً أنه أمر بعض الصحابة ﵁ فقال له: (اعبد الله ولا تشرك به شيئاً، واعمل لله كأنك تراه، واعدد نفسك في الموتى، واذكر الله تعالى عند كل حجر وكل شجر، وإذا عملت سيئة فاعمل بجنبها حسنة، السر بالسر، والعلانية بالعلانية). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يقول الله : أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه)، وهذه هي المعية الخاصة، وهي غير معية الله العامة لكل الخلق بالسمع والبصر والاطلاع على كل أحوالهم، فالمعية الخاصة هي التي جاءت في مثل قوله : ﴿قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦] وقوله: ﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠]، وقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:١٩]، فهذه المعية الخاصة تكون بالنصرة والتأييد والحفظ والكلاءة. يقول الإمام ابن بطّال: معنى الحديث: أنا مع عبدي زمان ذكره لي، أي: أنا معه بالحفظ والكلاءة، لا أنه سبحانه معه بذاته حيث حل العبد. وعن عبد الله بن بسر المازني ﵁ قال: (جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ فقال: أي الناس خير؟ فقال: طوبى لمن طال عمره وحسن عمله، -وطوبى شجرة في الجنة-، قال: يا رسول الله! أي الأعمال أفضل؟ قال: أن تفارق الدنيا ولسانك رطب من ذكر الله)، فذكر الله تعالى أفضل الأعمال.

стр. 1798

خطأ الاشتغال بالمفضول وترك الفاضل عن عبد الله بن بسر ﵁ (أن رجلاً قال: يا رسول الله! إن أبواب الخير كثيرة ولا أستطيع القيام بكلها، فأخبرني بشيء أتشبث به، ولا تكثر علي فأنسى)، وفي رواية: (إن شرائع الإسلام قد كثرت وأنا قد كبرت فأخبرني بشيء أتشبث به، ولا تكثر علي فأنسى، قال: لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله)، فهذا من فقه التجارة مع الله ، فالإنسان قد يشتغل بالعمل المفضول ويترك الفاضل، مع أن المفضول قد يكون أيسر وأسهل، ويعود عليه بربح كثير، وقد يشتغل بهذا الموجود فيضيع فيه عمره، وهذا من مكائد الشيطان أن يشغل الإنسان عن التجارة التي تعطي ربحاً أكثر بما يحصل ثواباً أقل، فينبغي أن يتفطن الإنسان لهذه المسائل الدقيقة، ولا يشتغل بالمفضول عن الفاضل، فضلاً عن ألّا يشتغل بهذا ولا ذاك، فهذا حظ الشيطان وسلطانه عليه أقوى وأكثر، فكثير من الناس وخصوصاً من ينتسبون إلى السنة نجدهم يكثرون الذم والتنفير عن أحوال الصوفية وبدعهم التي يبتدعون في أمور الذكر والدعاء وغيرها حتى ينطبع في نفس بعض الناس -بدون قصد- بغض الذكر، وبعض الناس يفتنون بمظاهر الدنيا وزخرفها، فيصل بهم الأمر إلى أن يقولوا: العمل عبادة، والفعل هذا أفضل من الصلاة، وأفضل من التسبيح، حتى ينشأ في قلوب الناس احتقار الذكر، حتى أن بعض الناس يقول: أنا لا أعترف بشيء اسمه تسبيح أو تهليل، فهذه الأشياء من كلام الصوفية، فينسد هذا الباب العظيم من أبواب الخير، وقد عدّه النبي ﷺ أفضل الأعمال؛ بسبب عدم الفقه في هذا الأمر.

стр. 1799

معرفة ثواب الذكر من جهة الشرع نحن لا نملك الميزان الذي نوزن به الأعمال، بل يخبرنا به الوحي على لسان الرسول ﷺ ، كما في حديث البطاقة الذي رواه ابن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله سيخلص رجلاً من أمتي على رءوس الخلائق يوم القيامة فينشر عليه تسعة وتسعين سجلاً كل سجل مثل مد البصر، ثم يقول: أتنكر من هذا شيئاً؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا يا رب! فيقول: أفلك عذر؟ فيقول: لا يا رب! فيقول: بلى، إن لك عندنا حسنة، وإنه لا ظلم عليك اليوم، فتخرج بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، فيقول: احضر وزنك، فيقول: يا رب! ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟! فيقال: فإنك لا تظلم، فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات وثقلت البطاقة، ولا يثقل مع اسم الله تعالى شيء). فمعرفة مقادير هذه الأعمال العظيمة ليس إلينا، وإنما نعرفه عن طريق الوحي، فالوحي يخبر أن هذه الأذكار ثوابها عظيم جداً، والناس في غفلة عن هذا، فهذه تجارة رابحة، فمن استطاع أن يستثمر أرباحه فيها فليستثمر، فهذا إبراهيم ﵇ لما قابل الرسول ﷺ في ليلة المعراج قال له: (يا محمد! أقرأ أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة، عذبة الماء، وأخبرهم أن غراسها: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر) فهذه نصيحة من أبينا إبراهيم ﵇ ينصحنا نحن المسلمين بها، ويخبرنا بها نبي سبق المؤمنين إلى الجنة، ويخبرنا عن شيء يقع في الجنة، فلا يحتقر هذا الأمر العظيم أو يزدريه أو يزهد فيه إلا أحمق ناقص العقل. وجاء في الحديث الصحيح: (كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن) فهي لا تكلفك شيئاً، ويخبرنا الوحي أنها ثقيلة جداً في الميزان، (ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم). وجاء في الحديث الآخر: (من قرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] عشر مرات بنى الله له بها قصراً في الجنة)، فهذا شيء يسير على ألسنتنا لكنه عند الله عظيم، فالذكر من أشرف العبادات، وإذا تأملنا في المعاني التي تندرج تحت هذه التسبيحات والأذكار لوجدنا معاني عظيمة جداً من تنزيه الله عن النقائص، وإثبات الكمالات له ، واعتراف العبد بالنقص والخطأ والزلل، وهذه المعاني العظيمة الجليلة تستوجب هذا الأجر العظيم وإن رغمت أنوف الذين تقصر عقولهم وهممهم عن فهم هذه الأشياء.

стр. 1800

الترهيب من الغفلة عن ذكر الله وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (من قعد مقعداً لم يذكر الله فيه كانت عليه من الله ترة) والترة هي النقص، قال الله في القرآن: ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٥] أي: لن ينقصكم، ومعنى التره في هذا الحديث: التبعة، وترت الرجل ترة أي: أنقصته نقصاً، ففي هذا الحديث يقول النبي ﷺ : (من قعد مقعداً لم يذكر الله فيه كانت عليه من الله ترة، ومن اضطجع مضجعاً لا يذكر الله فيه كانت عليه من الله ترة، وما مشى أحد ممشى لا يذكر الله فيه إلا كانت عليه من الله ترة) أي: تَبِعة ونقص وحسرة يوم القيامة. وقد أوجب بعض العلماء على الإنسان ألّا يجلس مجلساً إلا ويذكر الله تعالى، ويصلي على النبي ﵌. وبعض الذين غرتهم الحياة الدنيا من الذين يقومون بالتدريس أو يجلسون في بعض المجالس التي يعقدونها في الجامعات، أو المحاضرات، أو غيرها يستكبرون عن هذا، أو يزدرون مثل هذه الأعمال العظيمة، فهذا عميد أدب الغرب دخل مرة من المرات محاضرته وهو يريد أن يستهزئ بهذه السنة الشريفة فقال لطلابه: أكثركم قد يضحك مني إذا بدأت محاضرتي كما يبدأ الشيوخ: بالحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ، ويقول: أنا لا أفعل هذا، وما ذلك إلّا لأنه متمجن ومتحجر، وهو أيضاً محروم من هذا الأجر العظيم، ومستحق لهذه الحسرة التي توعده بها رسول ﷺ يوم القيامة. فمن السنة أن الإنسان إذا كان في مجلس ضيافة، أو يوجد ضيوف عنده في البيت، أو كان في مجلس مذاكرة، أو في محاضرة، أو في أي مجلس يجلسه؛ ألّا يخلو هذا المجلس من ذكر الله ، والصلاة والسلام على رسول الله ﵌، فقد جاء في بعض الأحاديث الوعيد على ترك ذلك منها قوله ﷺ : (من قعد مقعداً لم يذكر الله فيه كانت عليه من الله ترة، ومن اضطجع مضجعاً لا يذكر الله فيه كانت عليه من الله ترة، وما مشى أحد ممشى لا يذكر الله فيه إلا كانت عليه من الله ترة) ومعنى ذلك أنه يستحب أن تذكر الله في الطريق وأنت تمشي. وفي رواية: (ما جلس قوم مجلساً لم يذكروا الله فيه، ولم يصلوا على نبيهم ﷺ إلا كان عليهم ترة -أي: تبعة-، إن شاء عذبهم، وإن شاء غفر لهم)، وخاتمة هذا الحديث تدل على وجوب ذلك؛ لأن الوعيد لا يقع إلا على ترك الواجب أو ارتكاب المحرم، فهنا ينذر النبي ﷺ من جلس مجلساً ولم يذكر الله فيه، ولم يصل على النبي ﷺ ، بأنه يكون يوم القيامة تحت المشيئة: إن شاء الله أن يعذبه عذبه، وإن شاء أن يغفر له غفر له، فهذا يدل على وجوب تعطير المجلس بذكر الله، والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ . وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ما من قوم يقومون من مجلس لا يذكرون الله فيه إلا قاموا عن مثل جيفة حمار، وكان عليهم حسرة)، أي: كأنهم كانوا مجتمعين على جيفة حمار منتنة، ويكون عليهم ذلك المجلس حسرة يوم القيامة. وصح عنه أيضاً ﷺ أنه قال: (ليس يتحسر أهل الجنة على شيء إلا على ساعة مرت بهم لم يذكروا الله فيها)، فهذا هو الشيء الوحيد الذي يَتحسر عليه أهل الجنة؛ أنهم بعد أن يدخلوا الجنة يتحسرون على أي ساعة أو لحظة مرت بهم في الدنيا ولم يعمروها بذكر الله . وقال ﷺ : (ما من ساعة تمر بابن آدم لم يذكر الله فيها إلا حسر عليها يوم القيامة).

стр. 1801

من فضائل الذاكرين الله كثيراً عن عبد الله بن شداد ﵁ أن نفراً من بني عذرة ثلاثة أتوا النبي ﷺ فأسلموا، فقال النبي ﷺ : (من يكفنيهم؟ -أي: من يقوم بضيافتهم؟ - فقال طلحة: أنا، فكانوا عند طلحة -أي: باتوا عند طلحة واستضافهم في بيته ﵁، فبعث النبي ﷺ بعثاً فخرج فيه أحدهم فاستشهد، ثم بعث بعثاً فخرج فيه آخر فاستشهد، قال: ثم مات الثالث على فراشه، قال طلحة: فرأيت هؤلاء الثلاثة الذين كانوا عندي في الجنة -أي: رآهم في منامه في الجنة-، فرأيت الميت على فراشه أمامهم، -أي: أنه تقدمهم في المنزلة في الجنة مع أنه لم يستشهد، وإنما مات على فراشه- ورأيت الذي استشهد أخيراً يليه -أي: أن الثاني كان يلي ذلك الذي مات على فراشه في المنزلة- ورأيت الذي استشهد أولهم آخرهم -أي: في المرتبة- قال: فدخلني من ذلك! فأتيت النبي ﷺ فذكرت ذلك له، فقال رسول الله ﷺ : وما أنكرت من ذلك؟! ليس أحد أفضل عند الله من مؤمن يعمر في الإسلام لتسبيحه وتكبيره وتهليله). فتعجب النبي ﷺ من فعل طلحة كيف يتعجب لهذا مع أنه أمر طبيعي، فالمؤمن إذا مد له في أجله بعد أخيه فعمر أوقاته بالتسبيح والذكر والتكبير والتهليل، فهذه ترفع درجاته حتى ربما ارتفع فوق مقام من سبقه بالشهادة. ومما ثبت أيضاً عن النبي ﷺ في فضل ذكر الله في الخلوة ما جاء في (صحيح مسلم) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه)، فهذا يدل على فضل ذكر الله في الخلوة حيث لا يراه الناس، فإذا اجتمع له ذكر الله في الخلوة مع البكاء من خشية الله حتى تفيض عيناه فإنه يكون يوم القيامة في ظل الله يوم لا ظل إلا ظله.

стр. 1802

فضائل مجالس الذكر جاءت أحاديث كثيرة في فضيلة مجالس الذكر، فعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (خرج معاوية على حلقة في المسجد فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله، قال: آلله ما أجلسكم إلا ذلك؟ قالوا: آلله ما أجلسنا غيره، قال: أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم، وما كان أحد بمنزلتي من رسول الله ﷺ أقل عنه حديثاً مني، وإن رسول الله ﷺ خرج على حلقة من أصحابه فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام ومن به علينا، قال: آلله ما أجلسكم إلا ذلك؟ قالوا: آلله ما أجلسنا إلا ذلك، قال: أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم، ولكنه أتاني جبريل فأخبرني أن الله يباهي بكم الملائكة) أي: لأنهم جلسوا يذكرون الله . وعن سهل بن الحنظلية ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (ما اجتمع قوم على ذكر فتفرقوا عنه إلا قيل لهم: قوموا مغفوراً لكم). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده). وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً، وإن تقرب إلي ذراعاً تقربت إليه باعاً، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة). وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لأن أقعد مع قوم يذكرون الله تعالى من صلاة الغداة حتى تطلع الشمس أحب إلي من أن أعتق أربعة من ولد إسماعيل). وصح عنه ﷺ أيضاً أنه قال: (ما توطن رجل مسلم المساجد للصلاة والذكر إلا تبشبش الله له من حين يخرج من بيته كما يتبشبش أهل الغائب بغائبهم إذا قدم عليهم) يعني: أن الله يفرح به، يتبشبش له.

стр. 1803

الحث على حضور مجالس الذكر لقد حث الشارع على حضور مجالس الذكر، وحينما نذكر كلمة الذكر فلا يتبادر إلى الذهن التسبيح والتكبير والتهليل فقط، بل إن كل عامل لله بطاعة فهو ذاكر له، وأشرف مجالس الذكر هي مجالس العلم، وقد كان بعض أئمة السلف في مجلس علم يعلم الحلال والحرام، فلما أطالوا المجلس قال أحد الطلاب: نجلس الآن نذكر الله تعالى، فغضب هذا العالم وقال: فيم كنا إذاً؟! يعني: أن مجالس الحلال والحرام هي من أعظم مجالس الذكر، وهي أغيظ للشيطان من غيرها؛ لأنها تبصر الناس بمعالم دينهم وطاعة ربهم ، فمجالس الذكر أعم من أن تكون مجالس التسبيح والتهليل والتكبير، بل إن أشرف مجالس الذكر هي مجالس العلم كما ذكرنا، بل إن مجلس العلم أفضل من صلاة النافلة، فالإنسان الذي يترك مجلس العلم ويشتغل بالنافلة قليل الفقه، ولو علم لما أعرض عن مجلس العلم؛ لأن مجلس العلم أفضل عند الله من الاشتغال بصلاة النافلة. عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن لله ﵎ ملائكة سيارة يتبعون مجالس الذكر)، ونحن نعلم أن الملائكة لهم وظائف شتى، فهناك ملائكة للريح، وملائكة لكذا، ملائكة لكذا، فهذه الملائكة ليست لها وظيفة سوى أنهم يدورون في الأرض يبحثون عن مجالس الذكر، يقول النبي ﵊: (إن لله ﵎ ملائكة سيارة يتبعون مجالس الذكر، فإذا وجدوا مجلساً فيه ذكر قعدوا معهم، وحف بعضهم بعضاً بأجنحتهم حتى يملئوا ما بينهم وبين السماء الدنيا، فإذا تفرقوا عرجت هذه الملائكة إلى الله وصعدوا إلى السماء، فيسألهم الله -وهو أعلم بهم- من أين جئتم؟ فيقولون: جئنا من عند عباد لك في الأرض يسبحونك ويكبرونك ويهللونك ويحمدونك ويسألونك، قال: وماذا يسألونني؟ قالوا: يسألونك الجنة، قال: وهل رأوا جنتي؟ قالوا: لا أي رب! قال: فكيف لو رأوا جنتي؟! قالوا: ويستجيرونك، قال: ومم يستجيرونني؟ قالوا: من نارك يارب! قال: وهل رأوا ناري؟ قالوا: لا، قال: فكيف لو رأوا ناري؟! قالوا: ويستغفرونك، فيقول: قد غفرت لهم، أعطيتهم ما سألوا، وأجرتهم مما استجاروا، فيقولون: رب! فيهم فلان عبد خطاء -أي: كثير الخطايا والذنوب- إنما مر فجلس معهم -أي: كأن له حاجة عند أحدهم، أو هو عابر سبيل، ولم يقصد التواجد في مجلس الذكر لأجل الذكر- فيقول: وله غفرت، هم القوم لا يشقى بهم جليسهم). وهذا الحديث دليل قوي على أن بركة الصالحين تعم من يجلس في مجالسهم حتى ولو لم يكن منهم، ومن كثّر سواد قوم حشر معهم.

стр. 1804

التحذير من حضور مجالس الشر كما حث الشارع على حضور مجالس الذكر فقد نفّر عن مجالسة الكذابين، وحذر من مجالسة الخطائين، قال الله : ﴿وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان:٧٢] أي: كأن الإنسان إذا جلس في مجالس اللغو فإن هذه إهانة له تنافي الكرامة التي كرمه الله بها، سواء كانت تلك مجالس اللعب واللهو، أو مجالس للأغاني، أو مجالس للأفلام، فكل هذا اللهو الفارغ ملعون كما قال النبي ﷺ : (الدنيا ملعونة ملعون ما فيها)، فكل هذه الأشياء ملعونة ومطرودة ومبعدة من رحمة الله ، ومبعدة لمن اشتغل بها عن ذكر الله ﵎، فلا ينبغي حضور مجالس الزور كما قال تعالى: ((وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ))، وسواء كان الزور أعياد المشركين، أو كان مجالس اللهو والكذب والمسرحيات والأفلام والفيديو وغير ذلك من مجالس الشياطين. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون:٣]، والإعراض: هو تجافي القلب وكراهيته لهذه المجالس، ومجانبته لأهلها، فلا ينبغي حضور هذه المجالس ولا قربها؛ تنزهاً عن مخالطة الشر وأهله، ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود:١١٣]، وصيانة لدينه عما يشينه؛ لأن مشاهدة الباطل فيه شركة، ولهذا قال : ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف:٢٨]، وقال : ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الحشر:١٩]، وقال : ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ [طه:١٢٤ - ١٢٦]، وقال : ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى * فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى﴾ [طه:١٥ - ١٦]، وقال في المنافقين: ﴿وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قليلا﴾ [النساء:١٤٢]، وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المنافقون:٩]. فينبغي الاشتغال بمجالس الذكر، ومن لازم ذلك الإعراض عن مجالس اللهو، وهذا على نقيض ما يذهب إليه أتباع الشياطين ممن يقولون: ساعة لقلبك وساعة لربك، وفي الحقيقة هي ساعة لربك، ولا تكون خالصة لله، وساعة لشيطانك، وهذه شركة في تقسيم الوقت، بل إنّ المسلم يمتثل ما قاله النبي عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢]، وهذه التقسيمات ما أنزل الله بها من سلطان، وبعض الناس يأتون بأشياء تخالف ما قد أحكمه الله ، فبدلاً من أن يتحاكموا إلى شرع الله فإنهم يقسمون أعمارهم إلى قسمين: حظ للشيطان، ويزعمون أن الحظ الآخر لله ، وما أمرهم إلا كما قال الله : ﴿فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الأنعام:١٣٦]. فتقسيم مُلك السموات والأرض إنما هو لله تعالى، وليس كما يقول الملاحدة الكفار: الدين لله والوطن للجميع، فيقسمون وكأنهم يملكون هذا الكون، وتلك القسمة تنافي قول الله : ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [آل عمران:١٨٩]، وهؤلاء عباد الله يملكهم ويملك نواصيهم. فالمقصود أن هذا التقسيم: ساعة لربك، وساعة لقلبك، مما ينافي مقاصد الشريعة، ويمكن أن يضاف إليها: لقلبك المريض، فلا يقول مثل هذا الكلام إلّا مريض القلب، وأما المسلم فإنه يطيع الله في كل أحواله، ﴿إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣]. فهذه المجالس نحن مأمورون بالإعراض عنها كما قال : ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون:٣]، وهذه صفة: ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون:١١] أي: أنهم إذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه، وقال : ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [يونس:٤١]. وقد عدد العلماء أسماء مجالس اللهو والفساد؛ ليدلونا على كثرة مفاسدها، فمن ذلك أنهم سموا مجالس المسرحيات والغناء والأفلام ومجالس الفجور المعروفة باسم اللهو، والغناء والموسيقى سموها أحياناً لهو الحديث، وسموها بالزور، واللغو، والباطل، والمكاء، والتصدية، ورقية الزنا، ومنبت النفاق، وقرآن الشيطان، والصوت الأحمق، والصوت الفاجر، وصوت الشيطان، ومزمور الشيطان، والسمود كما جاء في بعض الآيات.

стр. 1805

من فوائد الذكر أنه يكسب الأعضاء قوة نذكر بعض الفوائد المهمة التي تنشط القلب على المواظبة على الذكر، يقول العلماء: إن العبادة -وخصوصاً ذكر الله تنشط البدن وتقويه، وتذهب النوم والفتور اللذين يكسلان البدن، ويقسيان القلب، فيقول هود عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام فيما أخبر الله عنه: ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ [هود:٥٢] فثمرة الاستغفار والتوبة أن يرسل الله الرزق الوفير، والمطر الكثير، ((وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ))، وهذه القوة -كما يقول المفسرون- تشمل جميع القوى، فيزيد الله عابديه قوة في إيمانهم ويقينهم ودينهم وتوكلهم وغير ذلك مما هو من جنس ذلك، ويزيدهم قوة في أسماعهم وأبصارهم وأجسادهم وأموالهم وأولادهم وغير ذلك، ولقد (علّم النبي ﷺ ابنته فاطمة وعلياً ﵄ أن يسبحا كل ليلة إذا أخذا مضاجعهما ثلاثاً وثلاثين، ويحمدا ثلاثاً وثلاثين، ويكبرا أربعاً وثلاثين، وذلك لما سألته الخادم، وشكت إليه ما تقاسيه من العمل والسعي والخدمة، فعلمهما ذلك وقال: إنه خير لكما من خادم)، فدل هذا على أن الذكر يعطي العبد قوة تعينه على أداء هذه الوظائف، ويكون ذلك أفضل للعبد من الخادم الذي يتحمل عنه أداء هذه الوظائف. وهذا الذكر بالذات وهو: التكبير أربعاً وثلاثين، ثم التسبيح ثلاثاً وثلاثين، ثم الحمد ثلاثاً مما يكيد الشيطان فيه للإنسان، فإذا أراد الإنسان النوم صرفه الشيطان عن هذا الربح الوفير، وقد نبّه على هذا النبي ﷺ ، فالشيطان يأتي إلى العبد إذا أراد النوم فيكسله، ويذهب بهمته، في أن يصبر عليه ويأتي به؛ فانتبهوا لذلك. وقد ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال لأصحابه ﵃: (أسمعتم بمدينة جانب منها في البر وجانب في البحر؟)، يقصد مدينة القسطنطينية التي تسمى اليوم استانبول، (لا تقوم الساعة حتى يغزوها سبعون ألفاً من بني إسحاق، فإذا جاءوها نزلوا فلم يقاتلوا بسلاح، ولم يرموا بسهم، وقالوا: لا إله إلا الله والله أكبر)، وكما هو معلوم أن النبي ﷺ تنبأ أن مدينة القسطنطينية ستفتح مرتين، وقد حصل الفتح الأول على يد السلطان محمد الفاتح العثماني، وسيكون الفتح الثاني قبيل خروج الدجال، فهي الآن لم تعد دار إسلام، فقد ارتدت على يدي أتاتورك، فيخبر النبي ﵊ أنه في آخر الزمان إذا أتاها المسلمون المؤمنون ليفتحوها فإنهم لا يفتحونها بسلاح ولا بسهام ولا بقتال، وإنما يكون ذلك بالتسبيح وبالذكر، فالذكر أحياناً قد يبلغ من القوة بحيث إنه يأتي بهذه الأشياء، (فإذا أتوا هذه المدينة قالوا: لا إله إلا الله، والله أكبر، فيسقط أحد جانبيها الذي في البحر، ثم يقولون الثانية: لا إله إلا الله، والله أكبر، فيسقط جانبها الآخر، ثم يقولون الثالثة: لا إله إلا الله، والله أكبر فيفتح لهم، فيدخلونها فيغنمون، فبينما هم يقتسمون المغانم إذ جاءهم صريخ فقال: إن الدجال قد خرج، فيتركون كل شيء ويرجعو)، فالقسطنطينية في المرة الثانية ستفتح بالتهليل والتكبير، فهذا من الأدلة على أن الذكر يجعل قوة في الذاكر حسب إيمانه ويقينه. وقد كان حبيب بن سلمة يستحب إذا لقي عدواً، أو ناهض حصناً أن يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، وإنه ناهض يوماً حصناً للروم فانهزم، فقالها المسلمون وكبروا فانهدم الحصن. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: إن الذكر يعطي للذاكر قوة، حتى إنه ليفعل مع الذكر ما لم يظن فعله بدونه، وقد شاهدت من قوة شيخ الإسلام ابن تيمية في سننه وكلامه وإقدامه وكتابته أمراً عجيباً، فكان يكتب في اليوم من التصنيف ما يكتبه الناسخ في جمعة وأكثر! وقد شاهد العسكر من قوته في الحرب أمراً عظيماً. وقد اقتدى الإمام ابن القيم نفسه رحمه الله تعالى بشيخه، فكان إذا صلى الصبح جلس مكانه يذكر الله تعالى حتى يتعالى النهار، ويقول: هذه غدوتي، لو لم أفعلها سقطت قواي. وقال وهب بن منبه: من يتعبد يزدد قوة، ومن يتكسل يزدد فترة. كان مع صلة بن أشيم رجل، فنام هذا الرجل تلك الليلة، وأما صلة فبقي كل الليل قائماً يصلي، يقول الرجل: فأصبح كأنه بات على الحشايا -أي: أصبح صلة وفيه من القوة والنشاط مع أنه كان ساهراً في قيام الليل- وأصبحت ولي من الكسل والفتور ما لا يعلمه إلا الله ! وقال عطاء الخراساني: قيام الليل حياة للبدن، ونور في القلب، وضياء في الوجه، وقوة في البصر والأعضاء كلها، إن الرجل إذا قام بالليل أصبح فرحاً مسروراً، وإذا نام عن حزبه أصبح حزيناً مكسور القلب كأنه فقد شيئاً، وقد فقد أعظم الأمور له نفعاً. وقال ابن عباس ﵄: إن للحسنة ضياء في الوجه، ونوراً في القلب، وسعة في الرزق، وقوة في البدن، ومحبة في قلوب الخلق، وإن للسيئة سواداً في الوجه، وظلمة في القبر والقلب، ووهناً في البدن، ونقصاً في الرزق، وبغضة في قلوب الخلق. ويكفي في هذا الباب كله ما رواه أصحاب المسانيد والصحاح عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (يعقد الشيطان على قافية أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد) فكل إنسان إذا أراد أن ينام فإن الشيطان يأتيه ويعقد على قافيته ثلاث عقد- (ويضرب مكان كل عقدة: عليك ليل طويل فارقد، فإذا استيقظ وذكر الله انحلت عقدة، وإذا توضأ انحلت عقدة، فإن صلى انحلت عقدة، فأصبح نشيطاً طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان). أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 1806

الذكر من أعظم التجارات مع الله تعالى إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً. ثم أما بعد: عباد الله! دنا رحيلكم، وقد بان سبيلكم، وقد نصحكم دليلكم، ودلكم على تجارة هي من أعظم التجارات مع الله ، فإن الله قد أخبر بتجارة فقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الصف:١٠ - ١١]، وقال النبي ﷺ : (كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها). ويقول القائل: أخي! إنما الدنيا كسوق تزينت وكل امرئ لابد يدخل سوقها سواء بهذا كارهاً أم راضيا ولابد من بيع ولابد من شرا ولابد يمشي رائحاً أو غاديا وسلعته الكبرى التي سيبيعها هي النفس لكن من يكون الشاريا فإن باعها لله أعتقها إذاً وكان له من جمرة النار واقيا وجنة ربي كانت الثمن الذي سيقبضه الإنسان فرحان راضيا وقد ربح البيع الذي تم عقده وجل الإله المشتري جل ربيا فنحن في هذه الدنيا في تجارة، وهذه التجارة إما أن تكون مع الله وإما أن تكون مع الشيطان، والتاجر الناصح هو الذي ينظر في السلع، فيأخذ أخف هذه السلع مئونة وأعظمها ربحاً، ولاشك أن ذكر الله من أعظم التجارات، وهو الباب المفتوح بين العبد وبين ربه، إلا أن يغلقه العبد بغفلته. قال الحسن البصري: التمس الحلاوة في ثلاثة أشياء: في الصلاة، وفي الذكر، وفي تلاوة القرآن، فإن وجدتم وإلا فاعلموا أن الباب مغلق، فخبروني بالله عليكم: أي عمل أيسر من ذكر الله يترتب عليه من الأجر ما يترتب على ذكر الله ؟!

стр. 1807

ذكر الله تعالى من أعظم نعيم أهل الجنة ذكر الله من نعيم الدنيا لو يعلم الناس، وهو أيضاً من نعيم أهل الجنة، فقد ورد في (صحيح مسلم) (أن أهل الجنة يأكلون، ويشربون، ولا يتغوطون، ولا يمتخطون، طعامهم ذلك جشاء يخرج على جلودهم أطيب من ريح المسك، يلهمون التسبيح والتحميد كما تلهمون النفس). وقال مالك بن دينار: ما تلذذ المتلذذون بمثل ذكر الله ، فالعبد لو جلس مثلاً نصف ساعة أو ساعة يذكر الله فلاشك أنه يجد حلاوة في قلبه، ويجد أن قلبه يتمتع بذكر الله ، فهو من أعظم نعيم الدنيا، والجنة ليست دار تكليف ولكنها دار نعيم، ومع ذلك فقد جعل الله من نعيم الجنة ذكره . وقد جاء في بعض الآثار: (أنّ لا إله إلا الله لأهل الجنة كالماء البارد لأهل الدنيا)، فأهل الجنة يلهمون التسبيح والتحميد كما تُلهم النفس، فنحن لا نبذل جهداً في النفس، بل حتى إنك تجد المغمى عليه يتنفس فلا يبذل جهداً في أخذ النفس، فأهل الجنة كذلك يسبحون، ويحمدون الله على هذا النعيم، والجنة دار النعيم. وهذه المجالس -كما جاء في بعض الآثار- هي رياض الجنة، ولاشك أن العبد المؤمن يجد فيها متعته، وهي نزهة لقلوب المؤمنين، فتتمتع فيها القلوب بسماع الحكمة وذكر الله ، فالعبد العاقل هو الذي يريد أن يربح أعظم الأرباح مع الله ، فنحن مثلاً لو جمعنا أوقات الصلوات سنجدها مثلاً ساعة في اليوم، وإذا كان أحد يقوم الليل فتصير ساعتين مثلاً، فتستطيع أن تضم إلى هذه الساعات القليلة ساعات كثيرة من العبادة وتكون مع الله ، وإذا كنت مع الله كان الله معك بالتأييد والنصرة، وتستطيع وأنت واقف تنتظر السيارة مثلاً أن تحرك لسانك بذكر الله ، وتستطيع وأنت راكب السيارة أن تحرك لسانك بذكر الله ، ولاشك أن العبد يجد فرصاً كثيرة جداً لكثرة الذكر، بحيث إنه يكثر ساعات عبادته، فبدلاً من أن تكون ساعتين يجعلها أربع أو خمس أو ست ساعات، والله هو المعين على ذلك، ونسأل الله الإعانة على الذكر كما في الحديث المسلسل بقول كل شيخ لتلميذه: (والله إني لأحبك، فلا تنس أن تقول في دبر كل صلاة: اللهم! أعني على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك) فهذه علامة على المحبة، وهي وصية غالية من حبيب لحبيبه، وصى بها النبي ﷺ معاذاً، ووصى بها معاذ من خلفه؛ حتى دوَّن الحديثَ أئمةُ السنة في كتبهم، فهذه الوصية وصية غالية، ونسأل الله أن يعيننا عليها، وأن تكون ألسنتنا رطبة بذكر الله . وكذلك وصى الله هارون وموسى لما أرسلهما إلى فرعون فقال: ﴿وَلا تَنِيَا فِي ذِكْرِي﴾ [طه:٤٢]، فيستعان بالذكر على الشدائد، وكثرة الذكر في الشدة علامة على المحبة كما في قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كثيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال:٤٥]، فأمر الله بكثرة الذكر عند لقاء العدو، فهو قوة للقلب، وقوة للبدن، والذكر في الشدة علامة على المحبة كما قال عنترة: ولقد ذكرتك والرماح كأنها أشطان بئر في لبان الأدهم فذكر العبد ربّه عند الشدة علامة على محبته لله ، وهو من أعظم الأسباب الموصلة إلى محبة الله ، فنسأل الله أن يعيننا وإياكم على العمل بهذه الوصية الغالية، وأن يدرب ألسنتنا على ذلك، فإذا تدّرب اللسان على ذلك تحرك بذكر الله دون مشقة أو تكلف من العبد. اللهم! اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، ومتعنا بأبصارنا، وأسماعنا، وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا. سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

стр. 1808

الحسد الوقاية والعلاج [١] الحسد هو أول معصية وقعت في الأرض، وهو مرض خطير، وشر مستطير، فكم من نعم أودى بها! وكم من نقم أبداها، ولكن المعتصم بالله المتوكل عليه يجد علاج ذلك في القرآن الكريم والسنة النبوية، وقد استنبط العلماء من الكتاب والسنة علاج الحسد قبل وقوعه وبعد وقوعه، مما يدل على أن الله قد جعل علاج هذه الأمراض في الالتزام بشرعه، والاستهداء بهداه، وطلب الشفاء منه .

стр. 1809

وسائل الوقاية من الحسد قبل وقوعه إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد، وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد. يقول الله تعالى سورة الفلق: ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق:٥]. وتكلمنا على تفاصيل ما يتعلق بأمر الحسد، وذمه وأنواعه، وبقي ما يحترز به من الحسد، وهذا يكون قبل وقوعه، أو بعد وقوعه، فقبل وقوعه يحترز عنه بما يمكن أن نسميه الوقاية أو الحرز أما ما بعد ذلك فيكون العلاج، فالعلاج يتعلق بالحاسد نفسه، أي: كيف يعالج نفسه من هذا الداء الخبيث؟ ثم بالمحسود الذي وقع به هذا الشر، أي: كيف يعالج من هذا الشر؟!

стр. 1810

من وسائل الوقاية من الحسد قبل وقوعه كتمان الأمور عن الحاسد مما يتوقى به شر الحاسد: كتمان الأمور عنه قبل إنجازها، وذلك لقول رسول الله ﷺ في الحديث الذي رواه عنه معاذ بن جبل ﵁: (استعينوا على إنجاح الحوائج بالكتمان، فإن كل ذي نعمة محسود). وفي لفظ الطبراني: (استعينوا على قضاء الحوائج بالكتمان إلخ). وهذه الفاء هي السببية وفاء العلة، والمقصود بإنجاح الحوائج: جلب نفع، أو دفع ضرر. وقد سبق الكلام في معنى هذا الحديث، والجمع بينه وبين ما ثبت في القرآن من قوله : ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى:١١]. وقد ذكرنا أن التحدث بالنعمة واجب على النبي ﷺ ، ومستحب في حق من خشي على نفسه العزة والتكبر على عباد الله، فمن أمن من ذلك جاز له هذا الأمر. والتحدث بنعمة الله لا يتعارض مع هذا الحديث؛ لأن هذا فيه إرشاد إلى إنجاح الحوائج والكتمان قبل إتمامها، فأي مجموعة من الناس أو فئة من الناس تتعاون على مصلحة من المصالح ينبغي أن تتكتم في أمرها حتى يتم لها أمرها، وبعد ذلك يتحدث الإنسان بهذه النعمة. أو يكون المقصود الكتمان إذا خشي الحسد، فإذا أمن فلا بأس بإظهار نعمة الله عليه، وأما إذا خشيه أو خافه فليكتم؛ أخذاً بهذا الحديث. فموضع القدر الوارد في التحدث بالنعمة ما بعد وقوعها، أو إذا أمن الحسد. وقيل: (إذا سرك أن تسلم من الحاسد فغم عليه أمرك) أي: إذا عرفت أن هذا الإنسان متصف بهذا الشر الخبيث فغم عليه أمرك واكتمه عنه اتقاء شره.

стр. 1811

من وسائل الوقاية من الحسد قبل وقوعه اجتناب الحاسد والبعد عنه كذلك من وسائل الوقاية من هذا الشر والاحتراز منه: اجتناب الحاسد، والبعد عنه؛ لأنه لا يوجد أمان من الحسود أحرز من البعد عنه؛ لأنه مادام مشرفاً على ما خصصت به دونه لم يزده ذلك إلا وحشة، وسوء ظن بالله، ونماءً للحسد فيه. فالعاقل يقوم على إماتة الحسد بما قدر عليه، فإماتته تكون باجتناب الحسود، والبعد عنه، أما ملازمته فإن فيها تربية لحسده ونماء لسوء ظنه بالله، واعتراضه على قضائه، ولا يوجد لإماتة الحسد دواء أحسن من البعاد، فإن الحاسد ليس يحسدك على عيب فيك، ولا على خيانة ظهرت منك، ولكن يحسدك بما رزقت من نعمة، وبما ركب فيه هو من رد الرضا بالقضاء، كما قال العتبي: أفكر ما ذنبي إليك فلا أرى لنفسي جرماً غير أنك حاسد أي: أنه لم يرتكب جرماً في حقه سوى أنه خبيث الطبع. وقال غيره: ليس للحاسد إلا ما حسد وله البغضاء من كل أحد وأرى الوحدة خيراً للفتى من جليس السوء فانهض إن قعد

стр. 1812

من وسائل الوقاية من الحسد قبل وقوعه حبس العائن ومنعه من مخالطة الناس ومن وسائل الوقاية والاحتراز من شر الحاسد الخبيث: أن على الإمام المسلم أن يمنع العائن من مخالطة الناس، فإذا عرف الإنسان بتمكن هذه الخاصية القبيحة فيه، وهذه الصفة الرديئة، فللإمام أن يمنعه من مخالطة الناس، فقد نقل الإمام ابن بطال عن بعضهم أنه أفتى بمنع العائن من مداخلة الناس، وأمره بلزوم بيته؛ لأنه كالمجذوم، بل هو أولى، فإذا كان للحاكم أن يمنع الشخص الذي يصاب بداء الجذام من الاختلاط بالناس، فالحاسد أولى أن يمنعه الإمام من مخالطة الناس. فإن كان هذا الحاسد أو المجذوم فقيراً فإن الإمام يجري عليه النفقة من بيت المال مقابل حبسه في بيته. قال الإمام النووي معلقاً على هذا: وهو صحيح متعين لا يعرف عن غيره التصريح بخلافه. وقال الحافظ ابن حجر معلقاً أيضاً: فإن ضرره أشد من ضرر المجذوم الذي أمر عمر بمنعه من مخالطة الناس، وأشد من ضرر الثوم الذي منع الشارع آكله من حضور صلاة الجماعة. فإذا كان يمنع الشخص الذي يتعاطى الثوم -وربما يدخل في هذا الزمان ذلك الدخان الخبيث، كالسجائر التي يتعاطاها بعض الناس، ويأتون المساجد فيؤذون المصلين ويؤذون الملائكة بتلك الريح المنتنة- فالحاسد منعه أولى وأولى.

стр. 1813

وسائل علاج الحاسد لنفسه

стр. 1814

من وسائل علاج الحاسد لنفسه قمع الحاسد أسباب الحسد من داخله وعلاج الحسد كما ذكرنا ينقسم إلى قسمين: علاج الحاسد نفسه، وعلاج المحسود، أما علاج الحاسد فقل أن ينفع الحاسد دواء، ولا نقول: إنه ميئوس من شفائه؛ لأنه لا يأس من رحمة الله، ولكن من الصعب جداً أن هذا الشخص الذي يدمن على هذه الخاصية الخبيثة أن يوجد له دواء؛ لأنه مترسخ فيه داء الجهل والظلم، وليس يشكو علة سوى زوال النعمة من العباد، إلا أن يشاء الله ، فإن كان الحاسد ذا فهم وذا عقل فدواؤه أن يقمع أسباب الحسد من داخله، سواء الكبر، أو عزة النفس، أو غيرها من الأسباب التي ذكرناها. يقول الإمام ابن المبارك رحمه الله تعالى: كل العداوة قد ترجى إماتتها إلا عداوة من عاداك من حسدِ فإن في القلب منها عقدة عقدت وليس يفتحها راقٍ إلى الأبدِ إلا الإله فإن يرحم فحل به وإن أباه فلا ترجوه من أحد فلا يرفع هذا الداء إلا برحمة الله . سئل بعضهم: أي أعدائك لا تحب أن يعود إليك صديقاً؟ أي: أن يتحول بعد ذلك صديقاً؟ فقال: الحاسد الذي لا يرده إلى مودتي إلا زوال نعمتي.

стр. 1815

من وسائل علاج الحاسد لنفسه المداواة لنفسه بأدوية نافعة كذلك الحاسد يداوي نفسه بأدوية نافعة، وإن كانت مرة، يقول أبو هريرة ﵁: قال رسول الله ﷺ : (انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم؛ فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم) رواه الإمام أحمد ومسلم والترمذي وابن ماجة. وقول النبي ﷺ : (انظروا) المقصود هنا: أمور الدنيا، في الأرزاق والحظوظ وهذه الأشياء، ولذا قال: (انظروا إلى من هو أسفل منكم) لكن في الدين تنظر إلى من هو أعلى منك، كما قال تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٦]. فأما في الدنيا فقال: (فانظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم؛ فهو أجدر ألا تزدروا -أي: ألا تحتقروا- نعمة الله عليكم).

стр. 1816

من وسائل علاج الحاسد لنفسه أن يعلم أن الإمساك عن الشر صدقة كذلك على الحاسد أن يعلم أن الإمساك عن الشر صدقة، فمجرد أن يكف شره عن أخيه المسلم هذا في حد ذاته صدقة وفعل حسن، فعن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (على كل مسلم صدقة، قيل: أرأيت إن لم يجد؟ قال: يعمل بيديه فينفع نفسه ويتصدق. قيل: أرأيت إن لم يستطع؟ قال: يعين ذا الحاجة الملهوف، قيل: أرأيت إن لم يستطع؟ قال: يأمر بالمعروف أو الخير، قال: أرأيت إن لم يفعل؟ قال: يمسك عن الشر فإنها صدقة) متفق عليه. فمجرد إمساكه عن الشر ومنعه الحسد يكون صدقة على نفسه. وفي حديث آخر: (قال: فإن لم أفعل؟ قال: فدع الناس من الشر، فإنها صدقة تصدق بها على نفسك)، وفي رواية: (تتصدق بها عن نفسك)، وهذا أيضاً متفق عليه.

стр. 1817

من وسائل علاج الحاسد لنفسه أن يعلم أن الحسد يضره في الدين والدنيا كذلك من علاج الحاسد لنفسه: أن يعلم أن الحاسد الحسد يضره في الدين والدنيا، فيعلم أنه يضر نفسه هو في الدين، وفي الدنيا، ولا يتضرر بذلك المحسود؛ لأن هذه المعصية القبيحة -كما ذكرنا- من أقبح المعاصي، كما قال بعض العلماء: أي معصية تزيد على كراهتك لراحة مسلم من غير أن يكون لك منه مضرة؟! أي: أن الإنسان يكره راحة أخيه المؤمن، دون أن يعود عليه هذا الأمر بمضره. كذلك المحسود ينتفع في الدين ولا ينضر؛ لأنه مظلوم من جهة هذا الحاسد، لاسيما إذا انضاف إلى حسده الغيبة، وهتك الستر، فهذه كلها تكون هدايا يهديها الحاسد إلى المحسود؛ حيث يأتي يوم القيامة مفلساً محروماً، فيؤخذ من حسناته، وتعطى لهذا المظلوم، فإن فنيت حسناته ولم يبق منها شيء أخذت من سيئات المظلوم، وطرحت عليه، ثم طرح في النار. أيضاً المحسود نفسه لا ينضر؛ فإن النبي ﷺ يقول لـ ابن عباس ﵄: (احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعت على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف)، وقال : ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد:٢٢]. وقال : ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة:٥١]، فالحاسد لا يغير من قضاء الله شيئاً، ولا ينفع، ولا يضر. أما ضرر الحسد على الحاسد نفسه فإنه سخط قضاء الله وقدره، فكره نعمته على عباده، وهذا عمى في بصر الإيمان، ويكفيه أنه شارك إبليس في الحسد، فالحاسد عدو نفسه، وصديق عدوه؛ لأن إبليس يحب زوال النعم عن العباد، ويحب وقوع البلايا فيهم، يقول بعض العلماء: دع الحسود وما يلقاه من كمدٍ يكفيك منه لهيب النار في جسده إن لمت ذا حسد نفست كربته وإن سكت فقد عذبته بيده

стр. 1818

من وسائل علاج الحاسد لنفسه الزهد في الدنيا كذلك مما يعالج به الحاسد نفسه: الزهد في الدنيا، قال ﷺ : (لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء). فالدنيا هموم متراكمة، وغموم متلاطمة، حلالها حساب، وحرامها عذاب، وهي خرق وتراب، وصور وخراب، فلا وجه للمنافسة فيها عند العقلاء، بل الذي ينافس ينافس في المقاصد العلية، فإن الله يحب معالي الأمور، ويكره سفسافها، فهذا الشخص يحسد على حطام الدنيا وزينتها، أما قوام الليل وصوام النهار فلا يلتفت إليه، ولا يعيره انتباهاً، ولا يحسده على هذه النعمة، لكن يحسد على ما يزول ويفنى.

стр. 1819

من وسائل علاج الحاسد لنفسه الرضا بالقضاء كذلك مما يداوي به الحاسد نفسه: الرضا بالقضاء، فمن لم يرض بقضاء الله لم يحصل إلا على الندم؛ وسواء رضي أم لم يرض فإن قضاء الله نافذ، فإذا لم يرض لم يحصل إلا على الندم، وفوات الثواب، وغضب رب الأرباب، فهي مصيبتان أو أكثر، وليس للعبد حيلة على دفع القضاء، فعليه بالرضا، قال : ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الزخرف:٣٢]. وقال : ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء:٣٢]. أيضاً: عليه أن يعلم أن الحسد قدح في التوحيد؛ لأن الحسد والإيمان كما ذكرنا لا يجتمعان، يقول بعض العلماء: ما لي على مر القضا من حيلة غير الرضا أنا في الهوى عبد وما للعبد أن يعترضا

стр. 1820

من وسائل علاج الحاسد لنفسه أن يصنف نفسه نقيض ما يقتضيه الحسد كذلك من أشق الأدوية التي يعالج بها الحاسد نفسه: أن يصنف نفسه نقيض ما يقتضيه الحسد، فإن كان الحسد يقتضي تمنيه زوال النعمة، وسعيه في ذلك لهتك الأستار، والغيبة والاحتيال بشتى الحيل حتى يزيل النعمة عن عباد الله، فأنفع الأدوية في ذلك أن يتطلب أو أن يكلف نفسه نقيض ما يقتضيه الحسد، وذلك بأن يتكلف مدح المحسود، ويتكلف أن يتواضع له، وأيضاً يحاول بأن يهدي إليه هدية، ويظهر السرور ما استطاع بنعمة الله على هذا العبد؛ وذلك لقوله : ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت:٣٤ - ٣٥] وحكى الله عن بلقيس أنها قالت: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ﴾ [النمل:٣٥]. وليس المقصود أن هذا هو علاج المحسود لنفسه، وإنما المقصود الإشارة إلى أن الهدية مما يظهر التواءم؛ لذلك قال ﷺ في الحديث الصحيح: (تهادوا تحابوا) فالهدية من الأساليب التي تذهب عنه هذا الداء.

стр. 1821

من وسائل علاج الحاسد لنفسه أن يبرك إذا رأى في أخيه ما يعجبه كذلك من أهم ما ينبغي أن يراعيه من يرى من أخيه شيئاً أو من نفسه، أو من ماله أو من ولده شيئاً فيعجبه: أن يبرك إذا رآه، فيقول مثلاً: (اللهم بارك فيه ولا تضره) كما ثبت ذلك عن النبي ﵌، فهذا الذكر ليس فقط خاصاً بالحاسد الذي يتيقن من نفسه أنه حاسد، بل من العائن الذي لا يقصد أن يحسد، وقد ذكرنا أن العائن قد يحسد من لا يتمنى له الضرر، فبمجرد إعجابه بشيء قد يصيبه بضرر، سواء في نفسه، أو ماله، أو ولده، أو إخوانه، أو أحبائه، فإذا رأى الإنسان ما يعجبه فعليه أن يقول: اللهم بارك فيه ولا تضره.

стр. 1822

وسائل علاج المحسود أما علاج المحسود فهناك أسباب كثيرة يستعان بها على هذا العلاج.

стр. 1823

من وسائل علاج المحسود طلب الاستغسال من العائن والرقية على المصاب مما يذكره العلماء في هذا الباب: مسألة الاستغسال، وقد ذكرنا فيما مضى قول النبي ﷺ : (لو أن شيئاً يسبق القدر، لسبقته العين)، وقوله ﷺ : (إن العين حق). وبوب البخاري في صحيحه: باب رقية العين، وذكر حديث عائشة ﵂ قالت: (أمر النبي ﷺ أن يسترقى من العين). وعقد الإمام مالك في الموطأ باباً بعنوان: الوضوء من العين، وباباً آخر بعده بعنوان: الرقية من العين، وساق حديث سهل بن حنيف بتمامه فقال: عن محمد بن أبي أمامة بن سهل بن حنيف أنه سمع أباه يقول: (اغتسل أبي سهل بن حنيف بالخرار فنزع جبة كانت عليه) يعني: أراد أن يغتسل في شعب من الشعاب، فنزع جبة كانت عليه (وعامر بن ربيعة ينظر، قال: وكان سهل رجلاً أبيض حسن الجلد؛ فقال له عامر بن ربيعة: ما رأيت كاليوم ولا جلد عذراء، وفي لفظ آخر: ما رأيت كاليوم ولا جلد مخبأة -يعني: التي تخبأ في الخدر- قال: فوعك سهل مكانه واشتد وعكه) وفي بعض الروايات: (فلبط) أي: صرع وزناً ومعنى، أي: لبط سهل مكانه في الحال، واشتد وعكه، (فأتي رسول الله ﷺ فأخبر أن سهلاً وعك، وأنه غير رائح معك يا رسول الله! فأتاه رسول الله ﷺ ، فأخبره سهل بالذي كان من أمر عامر بن ربيعة، فقال رسول الله ﷺ : علامَ يقتل أحدكم أخاه؟! ألا بركت؟! إن العين حق، توضأ له، فتوضأ له عامر فراح سهل مع رسول الله ﷺ ليس به بأس). الحديث مرة ثانية: عن محمد بن أبي أمامة بن سهل بن حنيف أنه سمع أباه يقول: (اغتسل أبي سهل بن حنيف بالخرار فنزع جبة كانت عليه، وعامر بن ربيعة ينظر، قال: وكان سهل رجلاً أبيض حسن الجلد، قال: فقال له عامر بن ربيعة: ما رأيت كاليوم ولا جلد عذراء)، وفي بعض الروايات: (ولا جلدة مخبأة قال: فوعك)، وفي رواية: (فلبط سهل مكانه واشتد وعكه، فأتي رسول الله فأخبر أن سهلاً وعك وأنه غير رائح معك يا رسول الله! فأتاه رسول الله ﷺ ، فأخبره سهل بالذي كان من أمر عامر، فقال رسول الله ﷺ : علامَ يقتل أحدكم أخاه؟!)، وهذا فيه دليل على أن العين قد تقتل، فمصداقاً للحديث الآخر: (إن العين تدخل الرجل القبر، والجمل القدر). قال: (علامَ يقتل أحدكم أخاه؟ ألا بركت؟!) أي: هلا قلت: بارك الله فيك، أو: اللهم بارك فيه ولا تضره، (إن العين حق، توضأ له، فتوضأ له عامر، فراح سهل مع رسول الله ﷺ ليس به بأس). وفي رواية: لما بلغه أنه وعك سأل النبي ﷺ : (هل تتهمون له أحداً؟ قالوا: نتهم عامر بن ربيعة، قال: فدعا رسول الله ﷺ عامراً فتغيض عليه، وقال: علامَ يقتل أحدكم أخاه؟! هلا إذا رأيت ما يعجبك بركت؟!) وفي رواية: (علامَ يقتل أحدكم أخاه؟! ألا بركت؟! اغتسل له، فغسل عامر وجهه ويديه، ومرفقيه، وركبتيه، وأطراف رجليه، وداخلة إزاره في قدح، ثم صب عليه، فراح سهل مع الناس ليس به بأس)، وهذا هو ما يسمى بالاستغسال، وفي الحديث: (وإن استغسلتم فاغسلوا) فهذه توصية بهذا الاستغسال، فيطلب ممن عرف بأنه عائن، واشتهر عنه ذلك، وإذا اعتقد أنه تعين هذا علاجاً له فعليه أن يفعل ذلك، فيغسل الوجه والكفين، ثم يغسل المرفقين فقط، يعني: نفس المرفق، ولا يدخل فيه الساعد، ويغسل أطراف رجليه، وداخلة إزاره في قدح، ثم يصب على من أصابته العين، فيفرغ هذا الماء على المصاب من الخلف. قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: فيه: أن العائن إذا عرف يقضى عليه بالاغتسال. أي: إذا عرف الشخص الذي وقع منه هذا يقضى ويحكم عليه بالاغتسال، لكن ليس الأمر متروك لكل إنسان عقله فيه خفة أن يقابل الناس ويطلب منهم هذا، لكن إذا عرف العائن الذي صدر منه هذا الشر فهو الذي يُطلب منه الاستغسال. وفيه أيضاً: أن الاستغسال من النشرة النافعة، وأن العين تكون مع الإعجاب ولو بغير حسد؛ لأن هذا لما مدح أخاه بهذا لم يتمن زوال النعمة عنه، ولكنه أعجب، ولم يبرك حين رآه. يقول الحافظ: وأن العين تكون مع الإعجاب ولو بغير حسد، ولو من الرجل المحب ومن الرجل الصالح، وأن الذي يعجبه الشيء ينبغي أن يبادر إلى الدعاء للذي يعجبه بالبركة، ويكون ذلك رقية منه. أيضاً قوله: (وإذا استغسلتم فاغسلوا) فيه إشارة إلى أن الاغتسال لهذا الأمر كان معلوماً وشائعاً بينهم، فأمرهم ألا يمتنعوا منه إذا أريد منهم، فمتى خشي الهلاك وكان اغتسال العائن مما جرت العادة بالشفاء به، فإنه يتعين، وقاسوه على أنه يجبر الإنسان على بذل الطعام للمضطر، قالوا: وهذا أولى من بذل الطعام للمضطر، يعني: إذا تعين هلاكه. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: هذه الكيفية لا ينتفع بها من أنكرها، ولا من سخر منها، ولا من شك فيها، ولا من فعلها مجرباً غير معتقد فيها. وهذا كما يؤخذ ترياق سم الحية من لحمها، فهناك بعض الأدوية تؤخذ من الداء نفسه، وكأن هذا الاغتسال بهذا الماء فيه إطفاء لشعلة نار الحسد في نفس هذا الحاسد الخبيث. قال المازري ﵀: هذا المعنى مما لا يمكن تعليله ومعرفة وجهه من جهة العقل، فلا يرد لكونه لا يعقل معناه، ربما لا يستطيع أن يدرك ما هو المعنى. يعني: ما هو سر العلاج بمثل هذا الاستغسال، فهذا لا يستطيع العقل أن يدركه، ولا ينبغي أن يرد لمجرد أن العقل لا يدرك أو لا يعقل معناه. قال الإمام ابن العربي رحمه الله تعالى: إن توقف فيه متسرع -إن توقف في هذا النوع من العلاج وهو الاستغسال- قلنا له: الله ورسوله أعلم، فقد عبرته التجربة، وصدقته المعاينة، وإن توقف فيه المتفلسف فالرد عليه أظهر؛ أن عنده أن الأدوية تفعل بقواها، وقد تفعل بمعنى لا يدرك، ويسمون هذا بخواص الأدوية. فهذا أولى أن يثبت من علم الوحي الشريف.

стр. 1824

من وسائل علاج المحسود ذكر الله كذلك من الأدوية التي يعالج بها المحسود: ذكر الله ، فعن الحارث بن الحارث الأشعري ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: (إن الله أمر يحيى بن زكريا أن يأمر بني إسرائيل بخمس كلمات، ومنها قال: وآمركم بذكر الله كثيراً، ومثل ذلك كمثل رجل طلبه العدو سراعاً في أثره، فأتى على حصن حصين فأحرز نفسه فيه، وإن العبد أحصن ما يكون من الشيطان إذا كان في ذكر الله تعالى)، فذكر الله هو الحصن الحصين، وهو من أعظم الأدعية. وكذلك هناك بعض الأذكار التي إذا حافظ الإنسان عليها -خاصة أذكار الصباح والمساء- كان في حصن حصين من هذه الشرور، فمنها -مثلاً- الحديث الذي رواه أبي بن كعب ﵁ قال: (إنه كان معه جرين تمر فكان يجده ينقص، فحرسه ليلة، فإذا مثل الغلام المحتلم، فسلم فرد ﵇، فقال: أجني أم إنسي؟ قال: بل جني، فقال: أرني يدك، قال: فأراه فإذا يد كلب، وشعر كلب، فقال: هكذا خلق الجن؟ فقال: لقد علمت الجن أنه ليس فيهم رجل أشد مني، قال: ما جاء بك؟ قال أنبئنا أنك تحب الصدقة فجئنا نصيب من طعامك، قال: ما يجيرنا منكم؟ قال: تقرأ آية الكرسي من سورة البقرة: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥] إلى آخر الآية]). وتقرأ هنا المقصود بها: تحفظ ثم قال: (هل أنت تحفظها؟ قال: نعم. قال: إذا قرأتها غدوة أجرت منا حتى تمسي، وإذا قرأتها حين تمسي أجرت منا حتى تصبح، قال: أبي فغدوت إلى رسول الله ﷺ ، فأخبرته بذلك، فقال: صدق الخبيث) هذا الحديث أخرجه الحاكم في فضائل القرآن، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي، وقال الهيثمي: أخرجه الطبراني ورجاله ثقات. وقال المنذري: رواه النسائي والطبراني بإسناد جيد، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، ويشهد له حديث أبي هريرة المعروف في قراءة آية الكرسي قبل النوم في قصة مماثلة لهذه القصة في زكاة الفطر. والمقصود: أن آية الكرسي ينبغي أن تضاف إلى أذكار الصباح والمساء لهذا الحديث. كذلك من هذه الأحاديث النافعة، والأحراز التي تنجع في دفع هذه الشرور: حديث أبي عياش الزرقي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (من قال إذا أصبح: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، كان له عدل عتق رقبة من ولد إسماعيل ﵇، وكتب له عشر حسنات، وحط عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات، وكان في حرز من الشيطان حتى يمسي، وإن قالها إذا أمسى كان له مثل ذلك حتى يصبح). قال حماد: (فرأى رجل رسول الله ﷺ في النوم فقال: يا رسول الله! إن ابن عياش يحدثنا عنك بكذا وكذا، قال: صدق أبو عياش) رواه أبو داود، وصححه الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى. وذكر موضوع الرؤيا هنا هذا نوع من الاستظهار، وليس استدلالاً بها، فإن الإجماع قائم على أن رؤيا المنام لا يعمل بها، لكن المقصود الاستظهار والاستئناس بها، وإلا فالحديث صحيح. فعليك أن تقول في الصباح والمساء: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، زاد ابن السني: (يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير) فإن من قالها كان كمن أعتق رقبة من ولد إسماعيل ﵇، وكتب له بها عشر حسنات، وحط عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات، وكان في حرز من الشيطان حتى يمسي، فإن قالها إذا أمسى كان له مثل ذلك حتى يصبح. كذلك من هذه الأذكار: حديث أبان بن عثمان قال: سمعت عثمان بن عفان ﵁ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما من عبد يقول في صباح كل يوم ومساء كل ليلة: باسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم، ثلاث مرات لا يضره شيء). في لفظ في السنن: (من قال: حين يصبح هذا الدعاء لم تصبه في يومه فجاءة بلاء، ومن قالها حين يمسي لم تصبه فجاءة بلاء في ليلته، ثم ابتلي أبان بالفالج -الشلل النصفي- فرأى رجلاً حدثه بهذا الحديث ينظر إليه، فقال له: ما لك تنظر إلي؟ فوالله! ما كذبت على عثمان، ولا كذب عثمان على رسول الله ﷺ ، ولكن نسيت في اليوم الذي أصابني هذا، فلم أقله؛ ليمضي الله قدره) فهذا حديث عثمان في فضيلة قول: باسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم ثلاث مرات، فإنها تقال أيضاً في الصباح وفي المساء. من هذه الأحاديث أيضاً: حديث عبد الله بن خبيب ﵁ قال (خرجنا في ليلة مطر وظلمة شديدة نطلب رسول الله ﷺ ليصلي لنا، فأدركناه، فقال: أصليتم؟ فلم أقل شيئاً، فقال: قل، فلم أقل شيئاً، ثم قال: قل، فلم أقل شيئاً، ثم قال: قل، فقلت: يا رسول الله ما أقول؟ قال: قل: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] والمعوذتين حين تمسي وحين تصبح ثلاث مرات تكفيك من كل شيء). إذاً: هذا أيضاً من أذكار الصباح والمساء، وهذه كلها أحاديث صحيحة، فتقرأ المعوذات الثلاث، فكما روينا في فضيلة قراءة المعوذات ثلاث مرات حين تصبح وحين تمسي أنها تكفيك من كل شيء. كذلك من هذه الأذكار: حديث أبي أيوب الأنصاري ﵁ أنه قال وهو في أرض الروم: إن رسول الله ﷺ قال: (من قال غدوة: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، عشر مرات؛ كتب الله له عشر حسنات، ومحا عنه عشر سيئات، وكن له قدر عشر رقاب، وأجاره الله من الشيطان، ومن قالها عشية فمثل ذلك) يعني: من الأجر. إذاً: من أذكار الصباح والمساء قول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. وعن خولة بنت حكيم ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: (لو أن أحدكم إذا نزل منزلاً فقال: أعوذ بكلمات الله التامة من شر ما خلق، لم يضره في ذلك المنزل شيء حتى يرتحل منه) رواه مسلم.

стр. 1825

من وسائل علاج المحسود الصبر على الحاسد كذلك من الأدوية التي يعالج بها المحسود: الصبر على عدوه، فلا يقاتله، ولا يشكوه، ولا يحدث نفسه بأذاه أصلاً. يقول الله : ﴿وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾ [الحج:٦٠] فإذا كان هذا في حق من انتصر، فكيف بحق من لم ينتصر؟! وأسرع الذنوب عقوبة البغي وقطيعة الرحم، وهذا الحسد من البغي ومن الظلم الذي يعجل الله عقوبة من خالفه.
следующие страницы →