Полный текст (2 122 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.
стр. 1821
من وسائل علاج الحاسد لنفسه أن يبرك إذا رأى في أخيه ما يعجبه
كذلك من أهم ما ينبغي أن يراعيه من يرى من أخيه شيئاً أو من نفسه، أو من ماله أو من ولده شيئاً فيعجبه: أن يبرك إذا رآه، فيقول مثلاً: (اللهم بارك فيه ولا تضره) كما ثبت ذلك عن النبي ﵌، فهذا الذكر ليس فقط خاصاً بالحاسد الذي يتيقن من نفسه أنه حاسد، بل من العائن الذي لا يقصد أن يحسد، وقد ذكرنا أن العائن قد يحسد من لا يتمنى له الضرر، فبمجرد إعجابه بشيء قد يصيبه بضرر، سواء في نفسه، أو ماله، أو ولده، أو إخوانه، أو أحبائه، فإذا رأى الإنسان ما يعجبه فعليه أن يقول: اللهم بارك فيه ولا تضره.
стр. 1822
وسائل علاج المحسود
أما علاج المحسود فهناك أسباب كثيرة يستعان بها على هذا العلاج.
стр. 1823
من وسائل علاج المحسود طلب الاستغسال من العائن والرقية على المصاب
مما يذكره العلماء في هذا الباب: مسألة الاستغسال، وقد ذكرنا فيما مضى قول النبي ﷺ : (لو أن شيئاً يسبق القدر، لسبقته العين)، وقوله ﷺ : (إن العين حق).
وبوب البخاري في صحيحه: باب رقية العين، وذكر حديث عائشة ﵂ قالت: (أمر النبي ﷺ أن يسترقى من العين).
وعقد الإمام مالك في الموطأ باباً بعنوان: الوضوء من العين، وباباً آخر بعده بعنوان: الرقية من العين، وساق حديث سهل بن حنيف بتمامه فقال: عن محمد بن أبي أمامة بن سهل بن حنيف أنه سمع أباه يقول: (اغتسل أبي سهل بن حنيف بالخرار فنزع جبة كانت عليه) يعني: أراد أن يغتسل في شعب من الشعاب، فنزع جبة كانت عليه (وعامر بن ربيعة ينظر، قال: وكان سهل رجلاً أبيض حسن الجلد؛ فقال له عامر بن ربيعة: ما رأيت كاليوم ولا جلد عذراء، وفي لفظ آخر: ما رأيت كاليوم ولا جلد مخبأة -يعني: التي تخبأ في الخدر- قال: فوعك سهل مكانه واشتد وعكه) وفي بعض الروايات: (فلبط) أي: صرع وزناً ومعنى، أي: لبط سهل مكانه في الحال، واشتد وعكه، (فأتي رسول الله ﷺ فأخبر أن سهلاً وعك، وأنه غير رائح معك يا رسول الله! فأتاه رسول الله ﷺ ، فأخبره سهل بالذي كان من أمر عامر بن ربيعة، فقال رسول الله ﷺ : علامَ يقتل أحدكم أخاه؟! ألا بركت؟! إن العين حق، توضأ له، فتوضأ له عامر فراح سهل مع رسول الله ﷺ ليس به بأس).
الحديث مرة ثانية: عن محمد بن أبي أمامة بن سهل بن حنيف أنه سمع أباه يقول: (اغتسل أبي سهل بن حنيف بالخرار فنزع جبة كانت عليه، وعامر بن ربيعة ينظر، قال: وكان سهل رجلاً أبيض حسن الجلد، قال: فقال له عامر بن ربيعة: ما رأيت كاليوم ولا جلد عذراء)، وفي بعض الروايات: (ولا جلدة مخبأة قال: فوعك)، وفي رواية: (فلبط سهل مكانه واشتد وعكه، فأتي رسول الله فأخبر أن سهلاً وعك وأنه غير رائح معك يا رسول الله! فأتاه رسول الله ﷺ ، فأخبره سهل بالذي كان من أمر عامر، فقال رسول الله ﷺ : علامَ يقتل أحدكم أخاه؟!)، وهذا فيه دليل على أن العين قد تقتل، فمصداقاً للحديث الآخر: (إن العين تدخل الرجل القبر، والجمل القدر).
قال: (علامَ يقتل أحدكم أخاه؟ ألا بركت؟!) أي: هلا قلت: بارك الله فيك، أو: اللهم بارك فيه ولا تضره، (إن العين حق، توضأ له، فتوضأ له عامر، فراح سهل مع رسول الله ﷺ ليس به بأس).
وفي رواية: لما بلغه أنه وعك سأل النبي ﷺ : (هل تتهمون له أحداً؟ قالوا: نتهم عامر بن ربيعة، قال: فدعا رسول الله ﷺ عامراً فتغيض عليه، وقال: علامَ يقتل أحدكم أخاه؟! هلا إذا رأيت ما يعجبك بركت؟!) وفي رواية: (علامَ يقتل أحدكم أخاه؟! ألا بركت؟! اغتسل له، فغسل عامر وجهه ويديه، ومرفقيه، وركبتيه، وأطراف رجليه، وداخلة إزاره في قدح، ثم صب عليه، فراح سهل مع الناس ليس به بأس)، وهذا هو ما يسمى بالاستغسال، وفي الحديث: (وإن استغسلتم فاغسلوا) فهذه توصية بهذا الاستغسال، فيطلب ممن عرف بأنه عائن، واشتهر عنه ذلك، وإذا اعتقد أنه تعين هذا علاجاً له فعليه أن يفعل ذلك، فيغسل الوجه والكفين، ثم يغسل المرفقين فقط، يعني: نفس المرفق، ولا يدخل فيه الساعد، ويغسل أطراف رجليه، وداخلة إزاره في قدح، ثم يصب على من أصابته العين، فيفرغ هذا الماء على المصاب من الخلف.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: فيه: أن العائن إذا عرف يقضى عليه بالاغتسال.
أي: إذا عرف الشخص الذي وقع منه هذا يقضى ويحكم عليه بالاغتسال، لكن ليس الأمر متروك لكل إنسان عقله فيه خفة أن يقابل الناس ويطلب منهم هذا، لكن إذا عرف العائن الذي صدر منه هذا الشر فهو الذي يُطلب منه الاستغسال.
وفيه أيضاً: أن الاستغسال من النشرة النافعة، وأن العين تكون مع الإعجاب ولو بغير حسد؛ لأن هذا لما مدح أخاه بهذا لم يتمن زوال النعمة عنه، ولكنه أعجب، ولم يبرك حين رآه.
يقول الحافظ: وأن العين تكون مع الإعجاب ولو بغير حسد، ولو من الرجل المحب ومن الرجل الصالح، وأن الذي يعجبه الشيء ينبغي أن يبادر إلى الدعاء للذي يعجبه بالبركة، ويكون ذلك رقية منه.
أيضاً قوله: (وإذا استغسلتم فاغسلوا) فيه إشارة إلى أن الاغتسال لهذا الأمر كان معلوماً وشائعاً بينهم، فأمرهم ألا يمتنعوا منه إذا أريد منهم، فمتى خشي الهلاك وكان اغتسال العائن مما جرت العادة بالشفاء به، فإنه يتعين، وقاسوه على أنه يجبر الإنسان على بذل الطعام للمضطر، قالوا: وهذا أولى من بذل الطعام للمضطر، يعني: إذا تعين هلاكه.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: هذه الكيفية لا ينتفع بها من أنكرها، ولا من سخر منها، ولا من شك فيها، ولا من فعلها مجرباً غير معتقد فيها.
وهذا كما يؤخذ ترياق سم الحية من لحمها، فهناك بعض الأدوية تؤخذ من الداء نفسه، وكأن هذا الاغتسال بهذا الماء فيه إطفاء لشعلة نار الحسد في نفس هذا الحاسد الخبيث.
قال المازري ﵀: هذا المعنى مما لا يمكن تعليله ومعرفة وجهه من جهة العقل، فلا يرد لكونه لا يعقل معناه، ربما لا يستطيع أن يدرك ما هو المعنى.
يعني: ما هو سر العلاج بمثل هذا الاستغسال، فهذا لا يستطيع العقل أن يدركه، ولا ينبغي أن يرد لمجرد أن العقل لا يدرك أو لا يعقل معناه.
قال الإمام ابن العربي رحمه الله تعالى: إن توقف فيه متسرع -إن توقف في هذا النوع من العلاج وهو الاستغسال- قلنا له: الله ورسوله أعلم، فقد عبرته التجربة، وصدقته المعاينة، وإن توقف فيه المتفلسف فالرد عليه أظهر؛ أن عنده أن الأدوية تفعل بقواها، وقد تفعل بمعنى لا يدرك، ويسمون هذا بخواص الأدوية.
فهذا أولى أن يثبت من علم الوحي الشريف.
стр. 1824
من وسائل علاج المحسود ذكر الله
كذلك من الأدوية التي يعالج بها المحسود: ذكر الله ، فعن الحارث بن الحارث الأشعري ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: (إن الله أمر يحيى بن زكريا أن يأمر بني إسرائيل بخمس كلمات، ومنها قال: وآمركم بذكر الله كثيراً، ومثل ذلك كمثل رجل طلبه العدو سراعاً في أثره، فأتى على حصن حصين فأحرز نفسه فيه، وإن العبد أحصن ما يكون من الشيطان إذا كان في ذكر الله تعالى)، فذكر الله هو الحصن الحصين، وهو من أعظم الأدعية.
وكذلك هناك بعض الأذكار التي إذا حافظ الإنسان عليها -خاصة أذكار الصباح والمساء- كان في حصن حصين من هذه الشرور، فمنها -مثلاً- الحديث الذي رواه أبي بن كعب ﵁ قال: (إنه كان معه جرين تمر فكان يجده ينقص، فحرسه ليلة، فإذا مثل الغلام المحتلم، فسلم فرد ﵇، فقال: أجني أم إنسي؟ قال: بل جني، فقال: أرني يدك، قال: فأراه فإذا يد كلب، وشعر كلب، فقال: هكذا خلق الجن؟ فقال: لقد علمت الجن أنه ليس فيهم رجل أشد مني، قال: ما جاء بك؟ قال أنبئنا أنك تحب الصدقة فجئنا نصيب من طعامك، قال: ما يجيرنا منكم؟ قال: تقرأ آية الكرسي من سورة البقرة: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥] إلى آخر الآية]).
وتقرأ هنا المقصود بها: تحفظ ثم قال: (هل أنت تحفظها؟ قال: نعم.
قال: إذا قرأتها غدوة أجرت منا حتى تمسي، وإذا قرأتها حين تمسي أجرت منا حتى تصبح، قال: أبي فغدوت إلى رسول الله ﷺ ، فأخبرته بذلك، فقال: صدق الخبيث) هذا الحديث أخرجه الحاكم في فضائل القرآن، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
ووافقه الذهبي، وقال الهيثمي: أخرجه الطبراني ورجاله ثقات.
وقال المنذري: رواه النسائي والطبراني بإسناد جيد، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، ويشهد له حديث أبي هريرة المعروف في قراءة آية الكرسي قبل النوم في قصة مماثلة لهذه القصة في زكاة الفطر.
والمقصود: أن آية الكرسي ينبغي أن تضاف إلى أذكار الصباح والمساء لهذا الحديث.
كذلك من هذه الأحاديث النافعة، والأحراز التي تنجع في دفع هذه الشرور: حديث أبي عياش الزرقي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (من قال إذا أصبح: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، كان له عدل عتق رقبة من ولد إسماعيل ﵇، وكتب له عشر حسنات، وحط عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات، وكان في حرز من الشيطان حتى يمسي، وإن قالها إذا أمسى كان له مثل ذلك حتى يصبح).
قال حماد: (فرأى رجل رسول الله ﷺ في النوم فقال: يا رسول الله! إن ابن عياش يحدثنا عنك بكذا وكذا، قال: صدق أبو عياش) رواه أبو داود، وصححه الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى.
وذكر موضوع الرؤيا هنا هذا نوع من الاستظهار، وليس استدلالاً بها، فإن الإجماع قائم على أن رؤيا المنام لا يعمل بها، لكن المقصود الاستظهار والاستئناس بها، وإلا فالحديث صحيح.
فعليك أن تقول في الصباح والمساء: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، زاد ابن السني: (يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير) فإن من قالها كان كمن أعتق رقبة من ولد إسماعيل ﵇، وكتب له بها عشر حسنات، وحط عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات، وكان في حرز من الشيطان حتى يمسي، فإن قالها إذا أمسى كان له مثل ذلك حتى يصبح.
كذلك من هذه الأذكار: حديث أبان بن عثمان قال: سمعت عثمان بن عفان ﵁ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما من عبد يقول في صباح كل يوم ومساء كل ليلة: باسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم، ثلاث مرات لا يضره شيء).
في لفظ في السنن: (من قال: حين يصبح هذا الدعاء لم تصبه في يومه فجاءة بلاء، ومن قالها حين يمسي لم تصبه فجاءة بلاء في ليلته، ثم ابتلي أبان بالفالج -الشلل النصفي- فرأى رجلاً حدثه بهذا الحديث ينظر إليه، فقال له: ما لك تنظر إلي؟ فوالله! ما كذبت على عثمان، ولا كذب عثمان على رسول الله ﷺ ، ولكن نسيت في اليوم الذي أصابني هذا، فلم أقله؛ ليمضي الله قدره) فهذا حديث عثمان في فضيلة قول: باسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم ثلاث مرات، فإنها تقال أيضاً في الصباح وفي المساء.
من هذه الأحاديث أيضاً: حديث عبد الله بن خبيب ﵁ قال (خرجنا في ليلة مطر وظلمة شديدة نطلب رسول الله ﷺ ليصلي لنا، فأدركناه، فقال: أصليتم؟ فلم أقل شيئاً، فقال: قل، فلم أقل شيئاً، ثم قال: قل، فلم أقل شيئاً، ثم قال: قل، فقلت: يا رسول الله ما أقول؟ قال: قل: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] والمعوذتين حين تمسي وحين تصبح ثلاث مرات تكفيك من كل شيء).
إذاً: هذا أيضاً من أذكار الصباح والمساء، وهذه كلها أحاديث صحيحة، فتقرأ المعوذات الثلاث، فكما روينا في فضيلة قراءة المعوذات ثلاث مرات حين تصبح وحين تمسي أنها تكفيك من كل شيء.
كذلك من هذه الأذكار: حديث أبي أيوب الأنصاري ﵁ أنه قال وهو في أرض الروم: إن رسول الله ﷺ قال: (من قال غدوة: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، عشر مرات؛ كتب الله له عشر حسنات، ومحا عنه عشر سيئات، وكن له قدر عشر رقاب، وأجاره الله من الشيطان، ومن قالها عشية فمثل ذلك) يعني: من الأجر.
إذاً: من أذكار الصباح والمساء قول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.
وعن خولة بنت حكيم ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: (لو أن أحدكم إذا نزل منزلاً فقال: أعوذ بكلمات الله التامة من شر ما خلق، لم يضره في ذلك المنزل شيء حتى يرتحل منه) رواه مسلم.
стр. 1825
من وسائل علاج المحسود الصبر على الحاسد
كذلك من الأدوية التي يعالج بها المحسود: الصبر على عدوه، فلا يقاتله، ولا يشكوه، ولا يحدث نفسه بأذاه أصلاً.
يقول الله : ﴿وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾ [الحج:٦٠] فإذا كان هذا في حق من انتصر، فكيف بحق من لم ينتصر؟! وأسرع الذنوب عقوبة البغي وقطيعة الرحم، وهذا الحسد من البغي ومن الظلم الذي يعجل الله عقوبة من خالفه.
стр. 1826
من وسائل علاج المحسود التوكل على الله
كذلك من هذه الأدوية: التوكل على الله ، فإن لكل عمل جزاءً من جنسه، وجزاء التوكل على الله أن يكون الله حسيب الإنسان وكافيه، قال : ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ [الطلاق:٣].
стр. 1827
من وسائل علاج المحسود فراغ القلب من الاشتغال بالحاسد
كذلك من الأدوية: فراغ القلب من الاشتغال بالحاسد وإعمال الفكر فيه، فلا يلتفت إليه، ولا يخافه، ولا يملأ قلبه بالفكر فيه.
стр. 1828
من وسائل علاج المحسود الإقبال على الله سبحانه
كذلك من العلاج أيضاً: الإقبال على الله ، والإخلاص له، ولزوم ذكره، قال تعالى حاكياً عن إبليس: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الحجر:٣٩ - ٤٠]، وقال : ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر:٤٢].
وقال في حق يوسف ﵇: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف:٢٤]، فصرف عنه السوء بإخلاصه لله .
стр. 1829
من وسائل علاج المحسود التوبة من الذنوب
كذلك من هذه الأسباب أيضاً: التوبة من الذنوب، فقد قال الله : ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى:٣٠]، وقال : ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران:١٦٥]، وفي الحديث: (وأستغفرك لما لا أعلم).
ولقي بعض السلف رجل فأغلظ له ونال منه، فقال له: قف حتى أدخل البيت ثم أخرج إليك، فدخل، فسجد لله وتضرع إليه وتاب، وأناب إلى ربه، ثم خرج إليه، فقال له: ما صنعت؟ قال: تبت إلى الله من الذنب الذي سلطك به علي!
стр. 1830
من وسائل علاج المحسود الصدقة والإحسان
كذلك من هذه الأسباب أيضاً: الصدقة والإحسان، فإن الشكر حارس للنعمة من كل ما فيه سبب لزوالها، سواءً كان سبب زوال النعمة كفرانها، أو الحسد والعين.
ومنها أيضاً: الإحسان إلى الحاكم والنصح له، والشفقة عليه، حكى النبي ﷺ نبياً من الأنبياء ضربه قومه حتى أدموه، فجعل يمسح الدم عن وجهه ويقول: (اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون)، وقال : ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون:٩٦]، وقال في مدح المؤمنين: ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ [الرعد:٢٢].
وقال : ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت:٣٤ - ٣٥] وحينما أتى رجل يشكو إلى النبي ﷺ قرابة له يصلهم ويقطعونه، ويحسن إليهم، ويسيئون إليه، فواساه ﷺ بقوله: (كأنما تسفهم المل، ولا يزال معك من الله ظهير ما دمت على ذلك)، فالله مع من يحسن إلى من أساء إليه.
стр. 1831
بعض الأذكار والأحراز الواردة في حفظ الإنسان
وأخيراً: فهذا قول جامع في بعض الأذكار والأحراز التي يقولها الإنسان إذا رأى من نفسه أو ولده، أو ماله، أو غير ذلك شيئاً فأعجبه، وخاف أن يصيبه بالعين، أو يتضرر بذلك، فعليه أن يقول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله.
وفي الحديث: (من رأى شيئاً فأعجبه، فقال: ما شاء الله لا قوة إلا بالله لم يضره)، وقال حاكياً عن العبد الصالح: ﴿وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تُرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا﴾ [الكهف:٣٩].
الذكر الثاني: أن يقول: الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، ففي الحديث: (وكان ﷺ إذا رأى شيئاً فأعجبه قال: الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وإذا رأى شيئاً يكرهه قال: الحمد لله على كل حال).
كذلك أن يقرأالمعوذتين: سورتي الفلق والناس.
كذلك أن يقول -وهو من أهم هذه الأدعية-: (اللهم بارك فيه ولا تضره).
ومنها أن يقول: (أعيذك بكلمات الله التامة، من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة).
وإذا رأى الإنسان من أخيه ما يعجبه قال: (اللهم بارك فيه).
وأخيراً: إذا رأى الشخص رجلاً آتاه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل وأطراف النهار، أو آتاه الله المال الذي ينفق منه في سبيل الله، ويسلطه على هلكته في الحق، فيجوز له حينئذٍ أن يحسده حسداً شرعياً، وهو حسد بمعنى المنافسة المحمودة التي تقدم بيانها، ويشرع له حينئذٍ أن يقول: ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان، فعملت مثل ما عمل.
стр. 1832
أقسام الحسد في الشرع
стр. 1833
بيان الحسد المذموم
والحسد نوعان: مذموم ومكروه.
أما الحسد المذموم فهو حرام بكل حال، فحرام أن يحسد الإنسان غيره بمعنى: أن يتمني زوال نعمة الله عن الغير، إلا إذا كانت هذه النعمة قد وقعت في يد فاجر أو فاسد يستعين بها على محرم، ويستعين بها على تهييج الفتن، أو الصد عن سبيل الله ، فلا يضر المؤمن محبته زوالها عنه؛ لأنه لا يبغضها من حيث هي نعمة الله ، ولكنه يبغضها من حيث هي آلة للفساد والشر لا غير، ولو أمن المؤمن فساد هذه العطية لم يتمن زوالها عنه، فهذه هي الحالة المستثناه من تمني زوال النعمة.
والحسد المذموم نوعان: النوع الأول: حسد على شيء محقق، أو نعمة موجودة، وذلك كما قال : ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة:١٠٩]، فحسدوا المسلمين على نعمة الإسلام كما قال : ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء:٥٤]، ولذلك حسد المشركون محمداً ﷺ على نعمة الوحي.
فالحسد المذموم: أن تتمنى زوال نعمة الله عن أخيك المسلم، وسواء تمنيت مع ذلك أن تزول عنه وتعود إليه أم تمنيت أن تزول عنه ولا تعود إليه.
وقد ذم الله هذا النوع في كتابه بقوله: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء:٥٤].
وإنما كان مذموماً لأن فيه ظن أن الله أنعم على من لا يستحق، وفيه اعتراض على فضل الله الذي قال: ((وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ﴾ [القصص:٦٨] وقال: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج:٧٥].
فقوله: (ما كان لهم الخيرة) أي: الاختيار والتقدير، والإنعام على هذا، حرمان هذا، بل هذا من فعل الله ، فهذا فيه اعتراض ونسبة العبث إلى الله ، وعدم الحكمة في أفعاله، وفيه ظن أن الله أنعم حيث لا يستحق صاحبها الخيرة، وكأنه أنعم على من لا يستحق، كما قال المشركون: ﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ * أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف:٣١ - ٣٢] وقال : ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء:٣٢].
فهذا بالنسبة للحسد على نعمة محققة بالفعل.
أما النوع الثاني من الحسد المذموم: فهو حسد على شيء مقدر، يعني: حسد على نعمة متوقعة، فيحسد الشخص من أن يلبسه الله نعمة، بل يحب أن يبقى على حاله من الجهد أو الفقر أو الضعف، أو فساد قلبه عن الله، أو قلة دينه.
فهو يتمنى عدم زوال ما هو فيه من نقص وعيب.
فهذا فيما يتعلق بالحسد على نعمة مقدرة، أو نعمة متوقعة، وكلا الأمرين -الحسد على نعمة محققة، أو على نعمة متوقعة- مذموم، والحاسد عدو نعمة الله، وعدو عباده، ممقوت عند الله وعند الناس، ولا يسود أبداً، ولذلك اشتهر بين الناس أن (الحقود لا يسود) فالناس لا يسودون عليهم إلا من يريد الإحسان إليهم، فأما عدو نعمة الله عليهم فلا يسودونه أبداً إلا قهراً، فلا يمكن أن يمكنوه من رقابهم، ولا أن يسودوه عليهم إلا قهراً، فإذا غلب عليهم قهراً وغصباً فإنهم يعدونه من البلايا والمصائب التي ابتلاهم الله بها، فهم يبغضونه وهو يبغضهم.
стр. 1834
بيان الحسد الممدوح
القسم الثاني من أنواع الحسد: الحسد الشرعي المحمود، وكما قلنا: إن الحسد مذموم ومحمود، فالمذموم: حسد على نعمة حاصلة، أو على نعمة متوقعة، والحسد الشرعي المحمود هو ما يسمى أحياناً بالمنافسة في الخيرات أو ما يسمى بالغبطة، وهي: أن تتمنى أن يكون لك مثل حال هذا الشخص الذي تحسده من غير أن تزول النعمة عنه.
فمن رأى الخير في أخيه، وتمنى التوفيق لمثله، أو الظفر بحاله، وهو غير مريد لزوال ما فيه أخوه من النعمة، فليس هذا بالحسد الذي ذُم ونهي عنه، وإنما هذا يسمى حسد الغبطة، وهذا قريب من المنافسة، وقد قال الله : ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٦].
وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (لا حسد إلا في اثنتين) يعني: لا حسد مشروع أو لا حسد مباح إلا في اثنتين (رجل أعطاه الله المال فسلطه على هلكته في الحق) أي: أنه ينفق ويتصدق بماله في أبواب الخير.
ثم قال: (ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها الناس).
وترجم عليه الإمام البخاري رحمه الله تعالى بقوله: باب الاغتباط في العلم والحكمة.
فهذا حسد غبطة، والحامل لصاحبه عليه أن له نفساً كبيرة، وهمة عالية، وعنده حب اكتساب الخير، وحرصاً على التشبه بأهلها، والدخول في جملتهم، وأن يكون من سباقهم وعليتهم، فتحدث له من هذه الهمة العالية المنافسة والمصادقة، والمسارعة، مع محبته لمن يغبطه، فيحب هذا الرجل الغني المتصدق، ويحب ذلك الرجل العالم الذي يعلِّم الخير، فيتمنى له أيضاً دوام نعمة الله عليه، فهذا لا يدخل بوجه من الوجوه في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق:٥] لأن فعله هذا لا تعلق له بالشر بوجه من الوجوه، فقد تسمى المنافسة حسداً، والحسد منافسة، فيدعى أحد اللفظين نيابة عن الآخر، ولا حجر في الأسامي بعد فهم المعاني.
عن أبي كبشة الأنماري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (مثل هذه الأمة مثل أربعة: رجل آتاه الله مالاً وعلماً، فهو يعمل بعلمه في ماله، ورجل آتاه الله علماً، ولم يؤته مالاً، فيقول: لو أن لي مالاً مثل مال فلان لكنت أعمل فيه بمثل عمله، فهما في الأجر سواء، ورجل آتاه الله مالاً، ولم يؤته علماً، فهو ينفقه في معاصي الله، ورجل لم يؤته علماً، ولم يؤته مالاً، فيقول: لو أن لي مثل مال فلان، لكنت أنفقه في مثل ما أنفقه فيه من المعاصي، فهما في الوزر سواء).
رواه ابن ماجة والترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
فهذه المنافسة التي هي الغبطة أو الحسد الممدوح أو المشروع هي كما ذكرنا: إرادة مساواة المنعم عليه، واللحوق به في هذه النعمة بدون تمني زوالها عنه، فهي على ثلاثة أنحاء: واجبة، ومستحبة، ومباحة، أما المنافسة الواجبة فهي فيما إذا كانت النعمة ذات نية واجبة، كالإيمان، والصلاة، والزكاة، أو كان هناك رجل فقير رأى رجلاً قد أنعم الله عليه وأعانه مثلاً على فريضة الحج، فهو يغبطه على هذه الفريضة، أو أن يحرص الشخص على أن يحصل مالاً يستطيع به أداء هذه الفريضة، فهذه غبطة ومنافسة في فعل واجب، فيزيد هذا الشعور محبة المؤمن أن يبلغ هذا العمل؛ وما أعان على واجب فهو واجب، فعلى كل مسلم أن ينوي بقلبه أنه إن توفرت له هذه الاستطاعة أن يعمل بها، فهذه النعمة إذا كانت دينية واجبة -كالإيمان والصلاة والزكاة وغير ذلك- فالمنافسة فيها واجبة.
وقد تكون الغبطة مستحبة إذا كانت النعمة من القربات، كإنفاق الأموال في المكارم والصدقات.
وقد تكون الغبطة مباحة إذا كانت النعمة يتنعم بها على وجه مباح، فأي نعمة من المباحات تتمنى مثلها بدون أن تتمنى زوالها هذه أيضاً منافسة مباحة.
وإذا أنعم الله على عبد بنعمة فإن تحت هذه النعمة أمران: الأمر الأول: راحة المنعم عليه، أي: أن المنعم عليه يستريح بهذه النعمة.
الأمر الثاني: ظهور نقصان غيره وتخلفه عنه، فالمنافس هنا في هذه الحالة يكره أحد هذين الوجهين، وهو تخلف نفسه، ويحب مساواته له، لكن إذا أيس من أن ينال مثل تلك النعمة، وهو يكره أن يتخلف عنها ويكره نقصانه فلا محالة أنه يحب زوال هذا النقصان.
فالنعمة إذا حضرت فإنه يستريح بها المنعم عليه، ويظهر نقصان أو حرمان الذي لم ينعم عليه، فالمنافس هنا يكره راحة أخيه المؤمن، لكن يكره أن يكون متخلفاً منافساً في هذه النعمة، لكن إذا أيس من حصول مثل تلك النعمة مادام يكره نقصانه وتخلفه فلا محالة أنه يحب زوال هذا النقصان، فإذا رأى هذا النقصان وتمنى زوال نعمة المحسود، حتى يحصل التساوي بينهما، وحتى ينزل أخوه إلى مساواته، إلى أن يقدر هو أن يرتقي إلى مساواته بإدراك النعمة فهذا الشعور أو هذا التصرف أو هذا التمني لا رخصة فيه أصلاً، فهذه هي المنافسة المحرمة، بل هذا حرام في مقاصد الدين، أو في مقاصد الدنيا.
لكن صاحبه إذا لم يعمل بذلك تكون كرامته كونه يكره حصول هذه الصفة منه، ومجاهدته نفسه في دفع ذلك الشعور يكون هذا كفارة له، وأفضل الجهاد مجاهدة العبد نفسه وهواه.
стр. 1835
أقسام الحاسدين
стр. 1836
حساد يحبون زوال النعم عن المحسود وتحولها إليهم
لا زلنا نتكلم في أنواع الحسد وأقسام الحاسدين، وأقسام الحاسدين ثلاثة أقسام: قسم من الحساد يحب زوال النعم عن المحسود وتحولها إليه، أي: يتمنى أن تتحول النعمة عن الشخص المحسود إليه هو، وهذا قبيح، وهو نوع من الأنانية في ظل الاعتراض على فعل الله ، قال الله : ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء:٣٢]، وقال : ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ﴾ [الزخرف:٣٢].
وقال: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الرعد:٢٦]، فهذا فعل الله ، وهذا تصرف فيه الإيثار لنفس الحاسد على أخيه، وفيه اعتراض على حكم الله .
стр. 1837
حساد يحبون زوال النعمة عن المحسود وتحولها إلى غيرهم
القسم الثاني: أن يطلب الحاسد زوال النعمة عن المحسود وأن تتحول إلى غيره، هذا أقبح من الأول، وأقبح من الاثنين أن يطلب زوال النعم عن المحسود مطلقاً، فيكره النعمة ذاتها، ليس لأنها في يد فلان، ولكن يكرهها ولا يريد أن تكون في يد فلان، ولا في يد نفسه، ولا في يد غيره، فهو يكره نعم الله مطلقاً، فهذا عدو نعم الله .
стр. 1838
أسباب الحسد المذموم
الحسد المذموم له مداخل كثيرة، وأسباب عديدة:
стр. 1839
من أسباب الحسد المذموم العداوة والبغضاء
أول هذه الأسباب وأخطرها: العداوة والبغضاء، فإن آذاه شخص بسبب من الأسباب أو خالفه بوجه من الوجوه أبغضه قلبه، وغضب عليه, ورسخ في نفسه الحسد، والحسد يقتضي التشفي والانتقام، فإن عجز المبغض عن أن يتشفى بنفسه أحب أن يتشفى منه الزمان، وذلك بأن تقع مصائب لأخيه، وذلك إذا اشتد الحقد، فإذا حصلت بأخيه مصيبة كأنه يموت له ولد أو قريب فإنه يستدل على أن ذلك لكرامته هو على الله، وأن الله أصاب عدوه ببلية، فيفرح بهذه البلية، ويظنها مكافأة له من جهة الله على أخيه، وأنها لأجله.
وإذا أصابت أخاه نعمة ساءه ذلك، وظن أن الله إذا أنعم على أخيه، أو إذا أنعم على عدوه بتعبير آخر، فهذا لأن ذلك الحاسد لا منزلة له عند الله، حيث لم ينتقم له من عدوه الذي آذاه، بل أنعم عليه.
فالحسد يلزم منه البغض والعداوة، وإنما غاية التقي ألا يبغي، وأن يكره ذلك من نفسه، فالصالح المؤمن التقي إذا بادره قلبه إلى ذلك فإنه يمسك بلجام نفسه ولا يتعدى إلى الأذى، قال : ﴿وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾ [آل عمران:١١٩ - ١٢٠] وقال : ﴿وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ [آل عمران:١١٨].
إذاً: الحسد يؤثر البغض، والبغض يسبب التنازع والتخاصم، والتنازع والتخاصم يؤدي إلى استغراق العمر في إزالة النعمة بالحيل والدعاية وهتك الستر.
стр. 1840
من أسباب الحسد المذموم التعزز
من أسباب الحسد أيضاً: التعزز، والتعزز: هو أن يثقل عليه أن يرتفع عليه غيره بنعمة تحدث له، وذلك بأن يكون الحاسد شخصاً متكبراً -مثلاً- فلا يضره غيره في شيء، لكن هذا الشخص يكون أقل منه، فيخشى أنه إذا حصلت له نعمة لا يستطيع أن يتكبرعليه كما كان من ذي قبل، فهذا أيضاً من أسباب الحسد التي ذكرها العلماء.
стр. 1841
من أسباب الحسد المذموم حب الرئاسة والجاه
كذلك من أسباب الحسد: حب الرئاسة والجاه، فيتمنى أن يكون منفرداً عديم النظير في هذا الشأن، غير مشارك في المنزلة، يضره وجود مضاه له في المنزلة، فهذا أيضاً من الأسباب.
стр. 1842
من أسباب الحسد المذموم خبث النفس
كذلك من أسباب الحسد: خبث النفس، فتكون نفس الحاسد خبيثة يشق عليها وجود الخير لعباد الله، فالحاسد يشق عليه ولا يتحمل قلبه أن يكون عنده حب حال عبد أنعم الله عليه، ويفرح بذكر فوات مقاصده، واضطراب وجوده، وتنغص عيشه، فهو أبداً يحب الكدر لغيره، ويبخل بنعمة الله على عباده، وكأنهم يأخذون ذلك من ملكه! وهذا ليس له سبب ظاهر إلا خبث في النفس، ورذالة في الطباع، وهذا معالجته شديدة وصعبة؛ لأنه خبث في الجبلة لا عن عارض حتى يتصور زواله، يعني: ليس حسده بسبب حصول النعمة لغيره، وإنما هو يكره وقوع النعمة بذاتها، ولا يريدها لنفسه، ولا لغيره، لكن يكرهها من حيث هي نعمة، فهذا معالجته شديدة؛ لأن هذا ليس رد فعل، لكنه أصل متأصل في نفسيته.
فهذه الأسباب قد يجتمع بعضها مع بعض، فيقوى الحسد إذا اجتمعت الأسباب وتكاثرت، ويضعف إذا تفرقت، وبالطبع تقوى قوة الحسد بحيث لا يقدر هذا الحاسد على المجاملة، بل ينتهك حجاب المجاملة، ويظهر المعاداة بالمكاشفة، أعاذنا الله من ذلك.
стр. 1843
بيان متى يكثر الحسد ومتى ينعدم
هنا تنبيه يتعلق بأسباب الحسد، وهو أن الحسد يكثر بين قوم تكثر بينهم هذه الأسباب من العداوة، أو التعزز أو خبث النفس، أو حب الرئاسة وطلب الجاه.
وإذا كان شخص واحد يحسد شخصاً واحداً أو أكثر فهذا قد يكون يسيراً، لكن قوم تكثر بينهم الروابط ويجتمعون في المجالس ويتواردون على أغراضهم فهذا أقوى ما يكون، ولابد من مهنة رابطة بين الناس الذين يحسد بعضهم بعضاً، فإذا تجاور الناس في مكتب، أو في سوق، أو في عمل، فإنهم تتناقض أغراضهم، ويحصل تعارض بين الأغراض، فيقع التنافر الذي يورث الحسد؛ لأن الغرض الواحد لا يجمع متباعدين، بل يجمع متناسبين، فلذلك يكثر الحسد بينهما.
كتب عمر ﵁ إلى أبي موسى الأشعري فقال: (مر ذوي القرابات أن يتزاوروا ولا يتجاوروا).
أي: لأنهم لو تجاوروا ربما وقع من ذوي القرابات حسد أشد من الشخص البعيد؛ لأنهم في الغالب يتواردون على غرض واحد فتقع المنافسة والمنازعة.
كما يقع أيضاً من أصحاب الحرفة الواحدة، فتجد صاحب حرفة معينة يكره الذي ينافسه على الزبائن -مثلاً- في نفس الحرفة، لكن لو كانت حرفة أخرى لا ينازعه فيها أحد ففي الغالب أنه لا يقع الحسد من هذا الجانب.
فالتاجر يحسد التاجر، والمرأة تحسد ضرتها أكثر مما تحسد أم الزوج وابنته؛ لأن الضرتين يتنازعان على غرض واحد وهو الزوج، فتحسد المرأة ضرتها أكثر مما تحسد ابنة زوجها، والشجاع يحسد الشجاع، لكن الشجاع لا يحسد العالم؛ لأنه ليس هناك تنافس بينهما في صفة واحدة؛ لأن هذا الشجاع مقصده أن يذكر بالشجاعة، ويمتلك هذه الصفة، ويشتهر بها، والعالم لا يزاحمه على هذا الغرض.
ومنشأ الحسد والسبب الحقيقي للحسد هو حب الدنيا؛ لأن الدنيا تضيق على المتزاحمين، أما الآخرة فلا ضيق فيها، إنما مثال الآخرة نعمة العلم ومعرفة الله ، فلا جرم أن من يحب معرفة الله ومعرفة صفاته وملائكته وأنبيائه وملكوت سماواته وأرضه لن يحسد غيره إذا عرف ذلك أيضاً؛ لأن هذا كله يتسع للجميع، فلو ذهب شخص إلى البحر أو أي مكان في الأرض ليتمتع بالنظر إلى السماء وما فيها من سحاب أو نجوم أو أي شيء من هذه المناظر، فهل يحسده الناس على ذلك؟ وهل سمعتم من يحسد آخر بأنه يتمتع بالنظر إلى النجوم في السماء؟ لكن يقع الحسد إذا كان الشخص له بستان جميل يتمتع وينتفع به، فيقع الحسد هنا؛ لأن الدنيا ضيقة، أما الآخرة فواسعة وفسيحة، فالمعرفة لا تضيق عن العارفين، لذلك المعلومة الواحدة يعلمها مليون شخص ويهتمون بها، ويفرحون بمشاركة غيرهم فيها، بل ربما يحصل بكثرة العارفين لهذه المعلومة زيادة الأنس وثمرة الاستفادة والإفادة، فالإنسان إذا كان يدعو إلى الله ويدعو العباد إلى التوبة، أليس يحب كثرة السائلين وكثرة المستغفرين؟! فمن أجل ذلك لا يتصور أن يقع بين علماء الدين محاسدة؛ لأنهم يعملون لوجه الله ، ومقصدهم معرفة الله، وهذا بحر واسع لا ضيق فيه، وغرضهم المنزلة عند الله ولا ضيق فيها أيضاً؛ لأن هذه المنزلة عند الله واسعة فسيحة جنة عرضها السماوات والأرض، لكن إذا قصد العالم بعلمه أو بدعوته الجاه أو المال أو أي شيء من أغراض الدنيا فقد خرج من كونه عالماً بالدين إلى صائد يصطاد الدنيا بالدين.
فمن أجل ذلك طهر الله قلوب أهل الجنة من المحاسدة فلا يقع بين أهل الجنة محاسدة، كما قال : ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر:٤٧] لأن نعمة الجنة نعمة واسعة لا زحمة فيها، ولذة لا كدر فيها، أما الحسد فهو من صفات المبعدين عن سعة عليين إلى ضيق سجين ولذلك وسم به الشيطان اللعين.
стр. 1844
الفرق بين الحاسد والعائن
في الحديث الذي ذكرناه من قبل (العين حق) فما هو الفرق بين الحاسد وبين العائن؟
الجواب
يشتركان في أن كل واحد منهما تتكيف نفسه وتتوجه نحو من يريد أذيته، لكن يوجد فرق في بعض الأمور، فالحاسد قد يحسد ما لم ير، فقد يحسد شيئاً يوصف له ولم يره، فيحسد الحاسد المحسود عند غيبته وعند حضوره أيضاً، ويحسد في الأمر المتوقع قبل وقوعه.
أما العائن فلا يعين إلا ما يراه، ولا يحسد إلا ما يراه بعينه؛ لذلك سمي العائن، إذ تتكيف نفسه عند مقابلة المعين ومعاينته، وإذا كان الحاسد يحسد في الأمر المتوقع قبل وقوعه فإن العائن يحسد في الأمر الموجود بالفعل، هذا أول فرق.
الحاسد مصدر حسده تحرك قلبه، واستكثار النعمة على المحسود، أما العائن فمصدر فعله انقداح نظرة العين، وقد يعين ما يكره أن يصاب بأذى منه، فالعائن قد يعين شخصاً لا يحب أذيته كابنه مثلاً أو ماله أو نفسه أحياناً، فالعائن يصيب بعينه نعمة موجودة، وقد يعين من يكره أن يصاب بأذى منه كولده وماله، وقد يصيب من لا يقصده من جماد أو حيوان أو زرع أو مال، وإن كان لا يكاد ينفك من حسد صاحبه، يعني: أنه يحسد صاحب المال، لكن أيضاً يمكن أن يحسد نفس هذا المال، وربما أصابت عينه نفسه، فإن رؤيته للشيء رؤية تعجب وتحديق مع تكيف نفسه بتلك الكيفية تؤثر في المعين، وسوف نأتي بالحديث الذي يدل على ذلك إن شاء الله تعالى.
وكما ذكرنا بالنسبة للحاسد مصدر حسده تحرك القلب واستكثار النعمة على المحسود، فهو يتمنى زوالها عنه، أو عدم حصولها له، وهذا غاية في حطة النفس.
والمقصود: أن العائن حاسد خاص، فالحاسد أعم من العائن، فكل عائن حاسد ولابد، وليس كل حاسد عائناً، فإذا استعاذ الإنسان من شر الحاسد دخل فيه العائن؛ لأن هذه الكلمة أعم؛ فهذا من شمول القرآن وإعجازه وبلاغته.
قال غير واحد من المفسرين في قول الله : ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ [القلم:٥١]: المقصود بهذه الآية الإصابة بالعين، فأرادوا أن يصيبوا بها رسول الله ﷺ ، فنظر إليه قوم من العائنين وقالوا: ما رأينا مثله ولا مثل حجته، وكان طائفة منهم تمر به الناقة والبكرة السمينة، فيعينها بمجرد أن ينظر إليها، يقول لخادمه: خذ المكتل والدرهم وائتنا بشيء من لحمها، فما تبرح حتى تقع فتنحر.
والدليل على ذلك من السنة حديث: (العين تدخل الرجل القبر، والجمل القدر).
قال الكلبي: كان رجل من العرب يمكث يومين أو ثلاثة لا يأكل، ثم يرفع جانب خبائه -أي: جانب الخيمة أو الخباء- فتمر به الإبل فيقول: لم أر كاليوم إبلاً ولا غنماً أحسن من هذه! فما تذهب إلا قليلاً حتى يسقط منها طائفة.
وحكى المفسرون: أنه طلب الكفار من هذا الرجل أن يصيب رسول الله ﷺ بالعين ويفعل به كفعله في غيره؛ فعصم الله رسوله وحفظه وأنزل عليه: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ﴾ [القلم:٥١] وفي الآية كلام آخر كثير.
стр. 1845
الأدلة الواردة في ذم الحسد والتحذير منه
стр. 1846
ذم الحسد في القرآن الكريم
ذكرنا أن الحسد ذكر في القرآن في قوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء:٥٤] وفي قوله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ﴾ [البقرة:١٠٩]، وقال حاكياً عن المنافقين: ﴿فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا﴾ [الفتح:١٥]، وقال : ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق:٥].
وورد ذكر الحسد بالمعنى وليس باللفظ، وذلك مثل قوله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء:٨٩]، وقال : ﴿وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ [الممتحنة:٢]، وقال : ﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ [يوسف:٨ - ٩]، وقال: ﴿وَقَالَ يَا بَنِيَ لا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ [يوسف:٦٧] ومما قيل في الآية: إنه خشي عليهم العين وقال : ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ [القلم:٥١]، وقال : ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾ [آل عمران:١٢٠]؛ وقال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [البقرة:٢١٣] قيل: حسداً بينهم.
﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعنَةُ اللَّهِ عَلَى الكَافِرينَ * بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [البقرة:٨٩ - ٩٠] (بغياً) يعني: حسداً.
وقال : ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الأَسْفَلِينَ﴾ [فصلت:٢٩] قيل في تفسير (اللذين أضلانا): يعني: إبليس من الجن وقابيل من الإنس، حيث هذا حسد آدم وذاك حسد أخاه هابيل.
وأثنى الله على المؤمنين بعدم الحسد في قوله تعالى: ﴿وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾ [الحشر:٩].
стр. 1847
ذم الحسد في السنة النبوية
وأما الأدلة من السنة فمنها قول النبي ﷺ : (سيصيب أمتي داء الأمم فقالوا: يا رسول الله! وما داء الأمم؟ قال: الأشر والبطر والتكاثر والتناجش في الدنيا، والتباغض والتحاسد حتى يكون البغي) وعن الزبير بن العوام ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (دب إليكم داء الأمم قبلكم: الحسد والبغضاء، وهي الحالقة، أما إني لا أقول: تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين، والذي نفسي بيده! لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أدلكم على ما تتحابون به أفشوا السلام بينكم).
وقال ﷺ : (العين حق) أي: الضرر الحاصل عنها لا ينكره إلا معاند مكابر.
وقال ﷺ : (العين حق تستنزل الحالق) والحالق هو: الجبل العالي.
وقال ﷺ : (العين حق، ولو كان شيء سابق القدر سبقته العين، وإذا استغسلتم فاغسلوا) وقال ﷺ : (العين تدخل الرجل القبر، والجمل القدر) (تدخل الرجل القبر) يعني: تقتله فيدفن في القبر.
(والجمل القدر) يعني: إذا أصابته مات أو أشرف على الموت؛ فيذبحه مالكه ويطبخه في القدر.
وقال ﷺ : (إن العين لتولع الرجل بإذن الله حتى يصعد حالقاً ثم يتردى منه).
وعن أسماء بنت عميس قالت: (يا رسول الله! إن ولد جعفر تسرع إليهم العين، أفأسترقي لهم؟ فقال ﷺ : نعم، فإنه لو كان شيء سابق القدر لسبقته العين).
وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (استعيذوا بالله من العين؛ فإن العين حق).
وعن أم سلمة ﵂: (أن النبي ﷺ رأى في بيتها جارية في وجهها سفعة -يعني: أثر سواد وتغير- فقال: استرقوا لها، فإن بها النظرة) أي: إصابة العين.
(ودخل النبي ﷺ -كما تحكي عائشة - فسمع صوت صبي يبكي فقال: ما لصبيكم هذا يبكي؟ فهلا استرقيتم له من العين؟).
وعن معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (استعينوا على إنجاح الحوائج بالكتمان؛ فإن كل ذي نعمة محسود).
والجمع بين هذا الحديث وبين قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى:١١]: أن النهي عن التحديث بالنعمة في الحديث قبل إتمام النعمة وقبل إنجازها، لكن إذا تمت يحدث إذا أمن العين، أو يكتم عند خوف الحسد، فإن أمن ذلك فلا يكتم.
فقوله: (استعينوا على إنجاح الحوائج بالكتمان) هذا قبل الحوائج وقبل قضائها، أما بعد قضائها فلا بأس بالإخبار.
وعن جابر ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (أكثر من يموت من أمتي بعد قضاء الله وقدره بالعين).
وعن عامر بن ربيعة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا رأى أحدكم من نفسه أو ماله أو من أخيه ما يعجبه فليدع له بالبركة، فإن العين حق) فهذا دليل على أن الإنسان العائن قد يعين الشيء بدون قصد سواء في نفسه أو ماله أو ولده أو غيره.
وقد بين النبي ﷺ دواء ذلك والاحتماء منه بأن تبرك وتقول: بارك الله فيك، كما أخبر بذلك رسول الله ﷺ : (إذا رأى أحدكم من نفسه أو ماله أو من أخيه ما يعجبه فليدع له بالبركة، فإن العين حق) (ورقى جبريل النبي ﷺ فقال: باسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفس أو عين حاسد الله يشفيك).
стр. 1848
ذم الحسد في كلام السلف
ثم إن الحسد من أخلاق اللئام، وتركه من أفعال الكرام، ولكل حريق مطفئ لكن نار الحسد لا تطفأ.
وآفات الحسد قذائف في القلب تأكل حسنات القلب كما تأكل النار الحطب.
والحسد أول معصية وقعت من الخلق، فقد حسد إبليس آدم، وحسد قابيل هابيل، ويكفي الحاسد أنه شارك إبليس في الحسد، وفارق الأنبياء في حبهم الخير لكل أحد.
والحاسد أيضاً قد سخط قضاء الله وقدره، فكره نعمته على عباده، لذلك الحسد سوء أدب مع الله ، وهذا قذى في بصر الإيمان، ولا يحصل صاحبه إلا الندم، وفوات الثواب، وغضب رب الأرباب.
والحاسد ساخط على قضاء الله في تفضيل بعض عباده على بعض، وذلك لا عذر فيه ولا رخصة، وأي معصية تزيد على كراهتك لراحة مسلم من غير أن يكون لك منه مضرة؟! فالحاسد يكره نعمة الله على أخيه، وهذه النعمة لا تؤذيه هو، فيقول بعض العلماء: أي معصية تزيد على كراهتك لراحة مسلم من غير أن يكون لك منه مضرة؟! ولذلك قال منصور الفقيه: ألا قل لمن ظل لي حاسداً أتدري على من أسأت الأدب أسأت على الله في حكمه لأنك أنت لم ترض لي ما وهب فجازاك ربي بأن زادني وسد عليك وجوه الطلب والحسد تنافس في الدنيا، وهي لا تعدل عند الله جناح بعوضة.
قال ﷺ : (لو أن الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء) لكن لأنها أحقر عند الله من جناح بعوضة لم يأخذوا فقط شربة الماء، وإنما أعطاهم من الدنيا ما تعلمون، كما قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [البقرة:٢١٢] فلا وجه فيها للمنافسة عند العقلاء، والحاسد إنما يحسد الناس على الدنيا وحطامها.
وأما قوَّام الليل وصوَّام النهار فلا يحسد، وهذه الدنيا ما هي إلا هموم وغموم متلاطمة، وحساب وعذاب، وهي ترة وتراب، وبوار وخراب.
قال ابن سيرين رحمه الله تعالى: ما حسدت أحداً على شيء من أمر الدنيا؛ لأنه إن كان من أهل الجنة فكيف أحسده على الدنيا وهي حقيرة في الجنة؟ وإن كان من أهل النار فكيف أحسده على أمر الدنيا وهو يصير إلى النار؟ يعني: أن الإنسان أحد رجلين: إما مؤمن صائر إلى الجنة، وإما كافر صائر إلى النار، فإن كانت النعمة مع مؤمن وهذا المؤمن صائر إلى الجنة فكيف أحسده؟! وكيف أتمنى زوال هذه النعمة عنه؟! وهو سوف يحصل أعظم نعمة، وهي الجنة ورضوان الله ، فكيف يحسده وهو صائر إلى الجنة أعظم نعيم ولا يقدر أن يزيله عنه؟! وإن كان كافراً أعطي هذه النعمة فكيف يحسده على نعمة وهو صائر في النهاية إلى النار؟! فلا يستحق أصلاً أن يحسد.
أيضاً: الحسد قد يحمل صاحبه على إطلاق لسانه في المحسود بالشتم والتحيل على أذاه.
قال الحسن ﵀: يا ابن آدم! لمَ تحسد أخاك؟! فإن كان الله أعطاه لكرامته عليه فلمَ تحسد من أكرمه الله؟! وإن كان غير ذلك فلمَ تحسد من مصيره النار؟! قال بعض العلماء: منافسة الفتى فيما يزول على نقصان همته دليل ومختار القليل أقل منه وكل فوائد الدنيا قليل أيضاً: الحاسد لا يزال في غم وألم ونكد؛ لأن الحسد داعية النكد.
قال بعض العلماء: الحسد جرح لا يبرأ، وحسب الحسود ما يلقى.
أي: حسبه من العذاب ما يعذب هو به نفسه.
قال بعض العلماء: دع الحسود وما يلقاه من كمده كفاك منه لهيب النار في جسده إن لمت ذا حسد نفست كربته وإن سكت فقد عذبته بيده وقال عمر بن الخطاب ﵁: (يكفيك من الحاسد أنه يغتم وقت سرورك).
وقال الأصمعي: سمعت أعرابياً يقول: ما رأيت ظالماً أشبه بمظلوم من الحاسد، حزن لازم، وتعس دائم، وعقل هائم، وحسرة لا تنقضي.
وقال بعضهم: ما رأيت ظالماً أشبه بمظلوم من حاسد؛ فإنه يرى النعمة عليك نقمة عليه.
قل للحسود إذا تنفّس طعنة يا ظالماً وكأنه مظلوم أيضاً: الحاسد يسميه العلماء عدو نعمة الله ، فهو جهول ظلوم، ليس يشفي غلة صدره ويزيل حرارة الحسد من قلبه إلا زوال النعمة، فحينئذٍ يتعذر الدواء أو يعز.
وكل أداويه على قدر دائه سوى حاسدي فهي التي لا أنالها وكيف يداوي المرء حاسد نعمة إذا كان لا يرضيه إلا زوالها وقال معاوية ﵁: (كل الناس أقدر على رضاهم إلا حاسد نعمة، فإنه لا يرضيه إلا زوالها).
كل العداوات قد ترجى إماتتها إلا عداوة من عاداك من حسد وروي عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: (لا تعادوا نعم الله.
قيل له: ومن يعادي نعم الله؟ قال: الذين يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله).
وفي بعض الكتب: الحقود عدو نعمتي، متسخط لقضائي، غير راضٍ بقسمتي.
كذلك يقولون: الحسد عدو عادل منصف، وهذا كما قال بعض الشعراء: لله در الحسد ما أعدله بدأ بصاحبه فقتله وهذا مثال يقول: (من حفر حفرة لأخيه وقع فيها).
قيل لبعضهم: ما بال الحسود أشد غماً؟ قال: لأنه أخذ بنصيبه من هموم الدنيا يضاف إلى ذلك غمه لسرور الناس.
وهنا قصة نشير إليها تجسد مبدأ من حفر حفرة لأخيه وقع فيها، وهي محكية في بعض الكتب: قال بكر بن عبد الله: كان رجل يغشى بعض الملوك فيقوم بحذاء الملك فيقول: أحسن إلى المحسن بإحسانه، فإن المسيء سيكفيكه إساءته، فحسده رجل على ذلك المقام والكلام، فسعى به إلى الملك، فقال: إن هذا الذي يقوم بحذائك ويقول ما يقول زعم أن الملك أبخر، يعني: أنه تصدر من فمه رائحة كريهة، فقال له الملك: وكيف يصح ذلك عندي؟ قال: تدعوه إليك فإن دنا منك وضع يده على أنفه لئلا يشم ريح البخر، فقال له: انصرف حتى أنظر، فخرج من عند الملك، فدعا الرجل إلى منزله فأطعمه طعاماً فيه ثوم، فقام الرجل من عنده، وقام بحذاء الملك على عادته، فقال: أحسن إلى المحسن بإحسانه، فإن المسيء سيكفيكه إساءته، فقال له الملك: ادن مني، فدنا منه، فوضع يده على فيه مخافة أن يشم الملك منه رائحة الثوم.
فقال الملك في نفسه: ما أرى فلاناً إلا قد صدق.
قال: وكان الملك لا يكتب بخطه إلا بجائزة أو صلة، فكتب له كتاباً إلى عامل من عماله: إذا أتاك حامل كتابي هذا فاذبحه واسلخه واحش جلده تبناً، وابعث به إلي، فأخذ الكتاب وخرج، فلقيه الرجل الذي سعى به فقال: ما هذا الكتاب؟ قال: خط الملك لي بصلة، فقال: هبه لي، فقال: هو لك، فأخذه ومضى به إلى العامل، فقال العامل: في كتابك أن أذبحك وأسلخك، فقال: إن الكتاب ليس هو لي فالله الله في أمري حتى تراجع الملك.
فقال: ليس لكتاب الملك مراجعة، فذبحه وسلخه، وحشا جلده تبناً وبعث به، ثم عاد الرجل إلى الملك كعادته، وقال مثل قوله، فعجب الملك وقال: ما فعل الكتاب؟ فقال: لقيني فلان فاستوهبه مني فوهبته له، فقال له الملك: إنه ذكر لي أنك تزعم أني أبخر، قال: ما قلت ذلك.
قال: فلمَ وضعت يدك على فيك؟ قال: لأنه أطعمني طعاماً فيه ثوم فكرهت أن تشمه، قال: صدقت ارجع إلى مكانك فقد كفى المسيء إساءته.
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1849
الحسد الوقاية والعلاج [٢]
وجود تأثير الحسد في بني آدم ثابت بالأدلة الواردة من القرآن والسنة والواقع، وقد أنكره أناس ممن لا يفقهون نصوص الكتاب والسنة، ولم ينظروا إلى وقوعه وتأثيره في المحسود عقلاً وشرعاً وتجربة، وقد أرشدنا النبي ﷺ إلى كيفية التحصن من شر الحسدة ومكرهم بالتعوذ بآيات الله منهم، وملازمة الذكر، والتوكل والاعتماد على الله .
стр. 1850
ذم الحسد والتحذير منه
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يجتمعان في النار: مسلم قتل كافراً ثم سدد وقارب، ولا يجتمعان في جوف مؤمن: غبار في سبيل الله وفيح جهنم، ولا يجتمعان في قلب عبد: الإيمان والحسد) رواه الإمام أحمد في مسنده والنسائي في سننه، والحاكم في المستدرك، وصححه الألباني.
قوله ﷺ : (لا يجتمعان في النار) هذا خبر لمحذوف، والمقصود: شيئان لا يجتمعان، أو يكون على لغة من يقول: أكلوني البراغيث، فتقدم الضمير أولاً، ولم يسبقه الاسم الظاهر، فتقول: أكلوني البراغيث، فتقدم الفعل متصلاً بالضمير وبعده الاسم الظاهر، وكذلك هنا: (لا يجتمعان) قدم ضمير المثنى قبل ذكر هذين الأمرين: (لا يجتمعان في النار: مسلم قتل كافراً ثم سدد وقارب) فهنا لم يذكر سوى شيء واحد، ولم يذكر شيئين.
فيكون المقصود: شيئان لا يجتمعان معاً في النار: مسلم قتل كافراً مع الكافر الذي قتله، فهذان لا يجتمعان في مكان واحد من العذاب وهو النار.
وقوله: (ثم سدد وقارب) يعني أن المسلم الذي قتل كافراً لا يجتمع مع الكافر الذي قتله في النار، لكن هذا بشرط أن يثبت المسلم إلى الممات على الإسلام والاستقامة.
وقوله: (ولا يجتمعان في جوف مؤمن: غبار في سبيل الله وفيح جهنم) أي: لا يجتمع غبار الخيل إذا خرج المجاهد في سبيل الله وفيح جهنم، في أنف المؤمن.
ومعنى: (فيح جهنم) انتشارها، فالمقصود هنا في الحديث: (غبار في سبيل الله وفيح جهنم) أي: الأثر الذي يحدثه فيح جهنم من الحرارة، فهذان لا يجتمعان في جوف مؤمن.
وقوله: (ولا يجتمعان في قلب عبد: الإيمان والحسد) والإيمان والحسد نقيضان لا يتواجدان معاً في مكان واحد، فإذا وجد الإيمان لا يقارنه الحسد، وإذا وجد الحسد لا يقارنه الإيمان.
وقد قرن النبي ﷺ الإيمان بالحسد، وبيَّن أنهما لا يجتمعان في قلب المؤمن، وهذا فيه تقبيح للحسد، وبيان أنه لا ينبغي للمؤمن أن يحسد، فإنه ليس من خلق المؤمن ولا من خصاله أن يحسد غيره، ويتمنى زوال نعمته، فالمقصود: أنه يحرم على المؤمن أن يحسد غيره.
ويحتمل أن يقصد بالإيمان هنا: الإيمان الكامل، فإن الحسد ينقص الإيمان.
стр. 1851
الحسد من أخلاق الكفار واليهود
وقد بين الله التناقض بين خلق الحسد وبين صفة الإيمان في كثير من آيات القرآن، وذكر أن الحسد من أخلاق الكفار، فقال في شأن المشركين من أهل الكتاب: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة:١٠٩]، إذاً: الحسد خلق من أخلاق الكفار من أهل الكتاب، حيث حسدوا المؤمنين على أعظم نعمة، وهي نعمة الإيمان.
أيضاً: الحسد من أخلاق المشركين، قال الله : ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء:٥٤] قال المفسرون: هذا عام أريد به خصوص النبي ﷺ ، وذلك كما في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران:١٧٣] فالمقصود بالناس في قوله: (الذين قال لهم الناس) نعيم بن مسعود فهنا كذلك قوله: ((أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ)) أي: بل أيحسدون محمداً ﷺ على ما آتاه الله من فضله؟ أي: من نعمة الوحي والرسالة، وفي الحديث: (ما حسدتكم اليهود على شيء ما حسدتكم على السلام والتأمين) رواه الإمام أحمد وابن ماجة عن عائشة ﵂.
إذاً: الحسد من أخلاق اليهود، والحسد كذلك من أخلاق المنافقين، فقد قال الله في شأنهم: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء:٨٩]، وقال : ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾ [التوبة:٥٠].
فهذا كله يؤيد هذا المعنى الذي ورد في آخر الحديث: (ولا يجتمعان في قلب عبد: الإيمان والحسد)، فيوجد الحسد لكن مع الكفر، سواء كفر المشركين أو كفر أهل الكتاب أو كفر المنافقين والعياذ بالله! أما المؤمن فليس من خلقه أن يحسد عباد الله ، وبتعبير آخر نستطيع أن نقول: إن المؤمن الكامل الإيمان لا يحسد، فمن وقع منه الحسد فقد وقع في محرم حرمه الله عليه.
قيل للحسن البصري: يا أبا سعيد! هل يحسد المؤمن؟ قال: ما أنساك بني يعقوب لا أبا لك! حيث حسدوا يوسف، ولكن غم الحسد في صدرك، فإنه لا يضرك ما لم يعدو لسانك، وتعمل به يدك.
يعني: إذا وجد الإنسان شيئاً من هذا فليجاهد نفسه، فإنه ليس محرماً عليه في هذه الحالة، وهذا من جهاد النفس، فإذا راودته نفسه على الحسد، وتمني زوال النعمة عن أخيه المؤمن، فعليه ألا يستسلم لذلك، ولا يسترسل معه، بل يجاهد نفسه، حتى يدخل في قول النبي ﷺ : (أفضل الجهاد أن يجاهد الرجل نفسه وهواه).
قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: وتأمل تقييده سبحانه شر الحاسد بقوله: ﴿إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق:٥].
قال : ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ * وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق:١ - ٥] هذا الأخير هو المستعاذ منه في هذه السورة.
فقيد الله شر الحاسد بقوله: ((إِذَا حَسَدَ))؛ لأن الحاسد قبل توجهه إلى المحسود بالحسد لا يتأتى منه شر، فلا محل للاستعاذة منه، لكن يستعاذ منه ((إِذَا حَسَدَ))؛ لأنه ربما يكون هناك إنسان متصفاً بهذه الصفة، لكنها كامنة فيه فلا تخرج، ولا يصدر منه هذا الحسد إلا إذا توجه نحو المحسود، فيقع حينئذٍ الحسد، ومن ثمَّ قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق:٥] يعني: حال حسده لغيره.
ولهذا أيضاً: نفس العقد لم يقل الله : (ومن شر ساحر إذا سحر)، لكن قال: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق:٤]؛ لأن النفث في العقد هو عين السحر، ونفس ممارسة السحر يكون بالنفث في العقد، فتكون الاستعاذة من الساحر واقعة موقعها عند سحره الواقع منه بنفثه في العقد.
فالرجل قد يكون عنده حسد، ولكنه يخفيه، ولا يرتب عليه أذى بوجه ما لا بقلبه ولا بلسانه ولا بيده، بل يجد في قلبه شيئاً من ذلك، فقد يجد في قلبه تمني زوال نعمة الغير، لكنه لا يسترسل مع هذا التمني، ولا يعامل أخاه المسلم بما لا يحبه الله، فهذا لا يكاد يخلو منه أحد إلا من عصمه الله ، فالقوة الكامنة في قلبه قد تنبعث إذا نشطها واسترسل معها.
لكن إذا وجدت هذه القوة بأي نوع من الشرور في قلب الإنسان فإنها تمنيه لأي شيء من الحرام، لكنه لا يسترسل معها، وإنما يجاهد نفسه ويحبسها، ولا يطيعها ولا يأتمر لها، بل يعصي هواه طاعة لله، وخوفاً وحياءً من الله، وإجلالاً له أن يكره نعمه على عباده، فيرى ذلك مخالفة لله، أي: يرى أنه إذا وقع في حسد أخيه فهذه معصية ومخالفة لله، وبغض لما يحبه الله، ومحبة لما يبغضه الله، فهو يجاهد نفسه على دفع ذلك، ويلزمها بالدعاء للمحسود، وتمني زيادة الخير له، بخلاف ما إذا حقق ذلك وحسد، فرتب على حسده مقتضاه من الأذى بالقلب واللسان والجوارح، فهذا هو الحسد المذموم، وهذا كله هو تمني زوال النعمة عن الغير.
قال الألوسي: الحسد الغريزي الجبلي إذا لم يعمل بمقتضاه من الأذى مطلقاً، بل عامل المتصف به أخاه بما يحب الله تعالى مجاهداً نفسه، لا إثم فيه، بل يثاب صاحبه على جهاد نفسه، وحب معاملته أخاه ثواباً عظيماً؛ لما في ذلك من مشقة مخالفة الطبع كما لا يخفى.
فإذا وجد الإنسان شيئاً من ذلك فلا يطيع هواه، ولكن يجاهد نفسه.
هذا هو الحد الذي يمكن أن يقع من المؤمن، لكن عليه أن يطرده من قلبه، ويحب لأخيه الخير، ولا يقع في تمني زوال نعمة الله عليه.
إذاً: الحسد حرام على المؤمن، وستأتي الأدلة أيضاً مفصلة في ذلك، بل من العلماء من عده من كبائر القلب، وكبائر القلب أشد وأخطر وأعظم من كبائر الجوارح، فيحرم الحسد على المؤمن، والنبي ﷺ نفى الإيمان الكامل عن الذي يحسد، فقال: (ولا يجتمعان في قلب عبد: الإيمان والحسد).
فهذا مما يدل على وجوب تنقية المؤمن قلبه من أن يجامع إيمانه الحسد.
стр. 1852
ذكر الأدلة الواردة في ذم الحسد
وعن أنس ﵁ قال: (كنا جلوساً عند رسول الله ﷺ فقال: يطلع عليكم الآن من هذا الفج رجل من أهل الجنة، قال: فطلع رجل من الأنصار ينفض لحيته من وضوئه، قد علق نعليه في يده الشمال فسلم، فلما كان الغد قال رسول الله ﷺ مثل ذلك، فطلع ذلك الرجل، وقاله في اليوم الثالث، فطلع ذلك الرجل، فلما قام النبي ﷺ تبعه عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ فقال له: إني لاحيت أبي فأقسمت ألا أدخل عليه ثلاثاً، فإن رأيت أن تؤويني إليك حتى تمضي الثلاث فعلت).
فأوهمه ربما بنوع من التعريض أنه وقع شيء بينه وبين أبيه عمرو بن العاص ﵁، وأنه لأجل ذلك لا يريد أن يبيت في البيت ثلاث ليالٍ، ويريد أن يستأذنه أن يبيت عند هذا الرجل الأنصاري الذي أخبر النبي ﵌ أنه من أهل الجنة، فقال: (إني لا حيت أبي فأقسمت ألا أدخل عليه ثلاثاً، فإن رأيت أن تؤويني إليك حتى تمضي الثلاث فعلت، فقال: نعم، فبات عنده ثلاث ليالٍ، فلم يره يقوم من الليل شيئاً).
انظر حرص الصحابة ﵃ على التأسي والتسابق في الخيرات، فأراد أن يعرف بما استحق هذا الرجل أن يكون من أهل الجنة، وأراد أن يراقبه ربما يجتهد في العبادة اجتهاداً منقطع النظير.
(فبات عنده ثلاث ليالٍ، فلم يره يقوم من الليل شيئاً، غير أنه كان إذا انقلب على فراشه ذكر الله تعالى، ولم يقم حتى يقوم لصلاة الفجر، قال: غير أني ما سمعته يقول إلا خيراً، فلما مضت الثلاث وكدت أن أحتقر عمله، قلت: يا عبد الله! لم يكن بيني وبين والدي غضب ولا هجرة، ولكني سمعت رسول الله ﷺ يقول كذا وكذا، فأردت أن أعرف عملك، فلم أرك تعمل عملاً كثيراً، فما الذي بلغ بك ذلك؟ فقال: ما هو إلا ما رأيت -يعني: ليس لي عمل إلا ما رأيت- فلما وليت دعاني، فقال: ما هو إلا ما رأيت، غير أني لا أجد على أحد من المسلمين في نفسي غشاً ولا حسداً على خير أعطاه الله إياه، قال عبد الله: فقلت له: هي التي بلغت بك، وهي التي لا نطيق).
إذاً: هنا لم يحتقر عمله في هذه اللحظة، لأنه طهر قلبه من الغل والغش والحسد لإخوانه المؤمنين، ولذا قال: (فقال: ما هو إلا ما رأيت، غير أني لا أجد على أحد من المسلمين في نفسي غشاً ولا حسداً على خير أعطاه الله إياه، فقال عبد الله: فقلت له: هي التي بلغت بك، وهي التي لا نطيق) رواه الإمام أحمد بسند صحيح على شرط الشيخين ورواه البزار.
стр. 1853
حديث: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)
كذلك من النصوص التي تبين تنافي خلق الإيمان مع خلق الحسد: قول النبي ﷺ : (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه).
فإذاً: نفى الإيمان عن الشخص الذي لا يحب لأخيه مثلما يحب لنفسه من الخير، فما بالك بمن يحب أن يزول الخير عن أخيه المؤمن؟ هل هذا يكون فيه إيمان؟ إذاً: هذا ينافي صفة الإيمان المذكور في هذه الحديث: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه).
وبعض الناس ربما يفهم أنه لا يحب لأخيه إلا ما يحب لنفسه، أي شيء يحبه، يعني: أنه يحب لنفسه أن يكون عنده مثلاً جهاز خبيث مثل الفيديو، فيحمل الحديث: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) على هذا، وهذا غير صحيح، ولذلك جاءت رواية أخرى تبين المقصود وهي: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه من الخير).
стр. 1854
حديث: (لا تباغضوا ولا تقاطعوا ولا تدابروا ولا تحاسدوا)
وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تباغضوا، ولا تقاطعوا، ولا تدابروا، ولا تحاسدوا) يعني: ولا تتحاسدوا، وهذا نهي عن التحاسد (وكونوا عباد الله إخواناً كما أمركم الله، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام).
رواه الإمام أحمد والشيخان وأبو داود.
стр. 1855
حديث: (أهل الجنة ثلاثة)
وعن عياض بن حمار المجاشعي ﵁ مرفوعاً: (وأهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط متصدق موفق، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم، وعفيف متعفف ذو عيال) رواه مسلم.
والشاهد منه: قوله ﷺ : (ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم)، فالحسد لا يمكن أن يجتمع مع الرحمة، ورقة القلب على ذوي القربى والمسلمين، وهذا أيضاً يؤكد أن الإيمان لا يجامع الحسد.
стр. 1856
حديث: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا)
وعن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً، وشبك بين أصابعه) متفق عليه.
стр. 1857
حديث: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم)
وعن النعمان بن بشير ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (مثل المؤمنين في توادهم، وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) متفق عليه.
فهل يمكن أن يتصور أن هؤلاء المؤمنين الذين هم مثلهم كمثل البنيان المرصوص الذي يشد بعضه بعضاً أن من أخلاقهم أن يتحاسدوا أو يتمنى أحدهم زوال نعمة الله عن أخيه؟ هذا لا يتصور أبداً بالمؤمن.
стр. 1858
حديث: (من مر في شيء من مساجدنا أو أسواقنا)
وعن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من مر في شيء من مساجدنا أو أسواقنا ومعه نبل) يعني: من مشى في داخل المساجد، أو في الأسواق التي فيها زحام المؤمنين، والنبل: هي السهام، والسهم يطلق على السهم كله، والنبل يطلق على الحديدة المدببة التي تكون في رأس السهم، قال: (من مر في شيء من مساجدنا، أو أسواقنا، ومعه نبل - أي: سهام - فليمسك أو يقبض على نصالها بكفه أن يصيب أحداً من المسلمين منها بشيء) متفق عليه.
فانظر إلى كلام الله العظيم حين قال في وصف النبي ﷺ : ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨].
فيأمرنا بالحرص على مصلحة المسلم، وحمايته من كل سوء، لا بتمني زوال النعمة عنه؛ لأن هذا ينافي الإيمان، وانظر إلى شدة احتياط النبي ﷺ في حماية المسلمين من الأذى، وقد جاء أيضاً في الحديث الآخر: (نح الأذى عن طريق المسلمين) فهذا النصح لمجرد السهم إذا مشى الإنسان به مكشوفاً، فربما أصاب أحداً من المسلمين في الزحام في المسجد أو في السوق، ولذلك أمره أن يضع يده على نصالها حتى لا يصيب أحداً من المسلمين، فمن أراد أذية المسلمين فليس من أخلاق الإسلام في شيء، ولا من الولاء للمؤمنين في شيء، وآية ذلك ما فعله هؤلاء الروافض عليهم من الله ما يستحقون من أذية المؤمنين والمسلمين في الحرم، وتحطيم وحدة المسلمين بدعوى مظاهرة من أجل الوحدة، وهم أبغض الناس لأهل السنة، يبغضون صحابة النبي ﷺ ، وطاماتهم وضلالاتهم معروفة.
وطالما حذرنا من خطر هؤلاء الذين يحملون أحقاداً متراكمة عبر قرون على أهل الإسلام، ولا يصبرون عن إظهار هذا الحقد بأي صورة من الصور.
والمقصود: أن النبي ﷺ احتاط لحرمة المسلمين احتياطات عظيمة منها هذا الأدب الذي علمنا إياه في هذا الحديث: (من مر في شيء من مساجدنا أو أسواقنا ومعه نبل فليمسك أو ليقبض على نصالها بكفه؛ أن يصيب أحداً من المسلمين منها بشيء).
стр. 1859
حديث: (من صلى صلاة الصبح فهو في ذمة الله)
عن جندب بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من صلى صلاة الصبح فهو في ذمة الله، فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء، فإنه من يطلبه من ذمته بشيء يدركه ثم يكبه على وجهه في نار جهنم) رواه مسلم.
فهو يبين حرمة المسلم، ووجوب حماية المسلم من أي أذى، خاصة المسلم الذي يستقيم، ويذكر الله غدواً وعشياً كما جاء في هذا الحديث: (من صلى صلاة الصبح فهو في ذمة الله) أي: في أمان الله وعهده، وصلاة الصبح تستلزم المحافظة على سائر الصلوات.
فالمقصود: أن الذي يحافظ على الصلوات الخمس يكون في حماية الله، وفي أمان الله، وفي عهد الله، فحذارِ من أذية من هو في جوار الله، واحذروا أن تؤذوا الشخص الذي يصلي صلاة الصبح وما عداها من الصلوات؛ فإنه في ضمان الله، وفي رعاية الله وحمايته.
وقوله: (فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء) يعني: لا يؤذي أحد منكم أحداً من هؤلاء الذين هم في جوار الله وحمايته.
وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه) إلى آخر الحديث المتفق عليه.
стр. 1860
سورة الفلق وما اشتملت عليه من الاستعاذة من كل شر موجود في العالم
وقول الله : ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق:٥] حاسد هنا يعم الجن والإنس، فإن الشيطان وحزبه يحسدون المؤمنين على ما آتاهم الله من فضله، كما حسد إبليس أبانا آدم ﵇، وهو عدو لذريته كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر:٦]، فكلمة (الحاسد) تعم الجن والإنس كما ذكرنا، يعني: الحاسد من الجن أو الحاسد من الإنس؛ لأن إبليس يحسد بني آدم أو المسلمين على نعمة الإيمان، ولذلك يحرص على أن يضلهم، وعندما يسجد المؤمن سجدة التلاوة يعتزل الشيطان يبكي، ويقول: أمر ابن آدم بالسجود فسجد، وأمرت بالسجود فلم أسجد، فيحقد الشيطان ويحسد ابن آدم، قال تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف:٢٧].
إذاً: الشيطان حقود على آدم وذريته، حسود لهم يتمنى زوال نعمة الإيمان عنهم، ليكونوا شركاءه في النار، لكن الحاسد يعم الجن والإنس، فالحاسد قد يكون من الجن أو من الإنس كما بينا، أما الوسواس فهو أخص بالجن، فالذي يقدر على الوسوسة هم شياطين الجن، والحسد أخص بشياطين الإنس، أما الوسواس فيعمهما، كما قال الله في آخر السورة: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾ [الناس:٤] إلى ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [الناس:٦].
يعني: أن الوسواس يكون من الجن ومن الناس، لكن الجن أخص بصفة الوسوسة، وكذلك الحسد يكون من الجن والإنس، لكن الإنس أخص بالحسد، فكلا الشيطانين حاسد موسوس، والاستعاذة من شر الحاسد تتناولهما جميعاً، وهذه السورة اشتملت على الاستعاذة من كل شر موجود في العالم، فتضمنت شروراً أربعة يستعاذ منها: شراً عاماً، وهو قوله تعالى: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق:٢]، أي: من شر خلق الله .
ثم شراً خاصاً، وهو قوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ [الفلق:٣] فهذان نوعان.
следующие страницы →