Полный текст (2 122 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.
стр. 1856
حديث: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا)
وعن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً، وشبك بين أصابعه) متفق عليه.
стр. 1857
حديث: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم)
وعن النعمان بن بشير ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (مثل المؤمنين في توادهم، وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) متفق عليه.
فهل يمكن أن يتصور أن هؤلاء المؤمنين الذين هم مثلهم كمثل البنيان المرصوص الذي يشد بعضه بعضاً أن من أخلاقهم أن يتحاسدوا أو يتمنى أحدهم زوال نعمة الله عن أخيه؟ هذا لا يتصور أبداً بالمؤمن.
стр. 1858
حديث: (من مر في شيء من مساجدنا أو أسواقنا)
وعن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من مر في شيء من مساجدنا أو أسواقنا ومعه نبل) يعني: من مشى في داخل المساجد، أو في الأسواق التي فيها زحام المؤمنين، والنبل: هي السهام، والسهم يطلق على السهم كله، والنبل يطلق على الحديدة المدببة التي تكون في رأس السهم، قال: (من مر في شيء من مساجدنا، أو أسواقنا، ومعه نبل - أي: سهام - فليمسك أو يقبض على نصالها بكفه أن يصيب أحداً من المسلمين منها بشيء) متفق عليه.
فانظر إلى كلام الله العظيم حين قال في وصف النبي ﷺ : ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨].
فيأمرنا بالحرص على مصلحة المسلم، وحمايته من كل سوء، لا بتمني زوال النعمة عنه؛ لأن هذا ينافي الإيمان، وانظر إلى شدة احتياط النبي ﷺ في حماية المسلمين من الأذى، وقد جاء أيضاً في الحديث الآخر: (نح الأذى عن طريق المسلمين) فهذا النصح لمجرد السهم إذا مشى الإنسان به مكشوفاً، فربما أصاب أحداً من المسلمين في الزحام في المسجد أو في السوق، ولذلك أمره أن يضع يده على نصالها حتى لا يصيب أحداً من المسلمين، فمن أراد أذية المسلمين فليس من أخلاق الإسلام في شيء، ولا من الولاء للمؤمنين في شيء، وآية ذلك ما فعله هؤلاء الروافض عليهم من الله ما يستحقون من أذية المؤمنين والمسلمين في الحرم، وتحطيم وحدة المسلمين بدعوى مظاهرة من أجل الوحدة، وهم أبغض الناس لأهل السنة، يبغضون صحابة النبي ﷺ ، وطاماتهم وضلالاتهم معروفة.
وطالما حذرنا من خطر هؤلاء الذين يحملون أحقاداً متراكمة عبر قرون على أهل الإسلام، ولا يصبرون عن إظهار هذا الحقد بأي صورة من الصور.
والمقصود: أن النبي ﷺ احتاط لحرمة المسلمين احتياطات عظيمة منها هذا الأدب الذي علمنا إياه في هذا الحديث: (من مر في شيء من مساجدنا أو أسواقنا ومعه نبل فليمسك أو ليقبض على نصالها بكفه؛ أن يصيب أحداً من المسلمين منها بشيء).
стр. 1859
حديث: (من صلى صلاة الصبح فهو في ذمة الله)
عن جندب بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من صلى صلاة الصبح فهو في ذمة الله، فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء، فإنه من يطلبه من ذمته بشيء يدركه ثم يكبه على وجهه في نار جهنم) رواه مسلم.
فهو يبين حرمة المسلم، ووجوب حماية المسلم من أي أذى، خاصة المسلم الذي يستقيم، ويذكر الله غدواً وعشياً كما جاء في هذا الحديث: (من صلى صلاة الصبح فهو في ذمة الله) أي: في أمان الله وعهده، وصلاة الصبح تستلزم المحافظة على سائر الصلوات.
فالمقصود: أن الذي يحافظ على الصلوات الخمس يكون في حماية الله، وفي أمان الله، وفي عهد الله، فحذارِ من أذية من هو في جوار الله، واحذروا أن تؤذوا الشخص الذي يصلي صلاة الصبح وما عداها من الصلوات؛ فإنه في ضمان الله، وفي رعاية الله وحمايته.
وقوله: (فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء) يعني: لا يؤذي أحد منكم أحداً من هؤلاء الذين هم في جوار الله وحمايته.
وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه) إلى آخر الحديث المتفق عليه.
стр. 1860
سورة الفلق وما اشتملت عليه من الاستعاذة من كل شر موجود في العالم
وقول الله : ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق:٥] حاسد هنا يعم الجن والإنس، فإن الشيطان وحزبه يحسدون المؤمنين على ما آتاهم الله من فضله، كما حسد إبليس أبانا آدم ﵇، وهو عدو لذريته كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر:٦]، فكلمة (الحاسد) تعم الجن والإنس كما ذكرنا، يعني: الحاسد من الجن أو الحاسد من الإنس؛ لأن إبليس يحسد بني آدم أو المسلمين على نعمة الإيمان، ولذلك يحرص على أن يضلهم، وعندما يسجد المؤمن سجدة التلاوة يعتزل الشيطان يبكي، ويقول: أمر ابن آدم بالسجود فسجد، وأمرت بالسجود فلم أسجد، فيحقد الشيطان ويحسد ابن آدم، قال تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف:٢٧].
إذاً: الشيطان حقود على آدم وذريته، حسود لهم يتمنى زوال نعمة الإيمان عنهم، ليكونوا شركاءه في النار، لكن الحاسد يعم الجن والإنس، فالحاسد قد يكون من الجن أو من الإنس كما بينا، أما الوسواس فهو أخص بالجن، فالذي يقدر على الوسوسة هم شياطين الجن، والحسد أخص بشياطين الإنس، أما الوسواس فيعمهما، كما قال الله في آخر السورة: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾ [الناس:٤] إلى ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [الناس:٦].
يعني: أن الوسواس يكون من الجن ومن الناس، لكن الجن أخص بصفة الوسوسة، وكذلك الحسد يكون من الجن والإنس، لكن الإنس أخص بالحسد، فكلا الشيطانين حاسد موسوس، والاستعاذة من شر الحاسد تتناولهما جميعاً، وهذه السورة اشتملت على الاستعاذة من كل شر موجود في العالم، فتضمنت شروراً أربعة يستعاذ منها: شراً عاماً، وهو قوله تعالى: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق:٢]، أي: من شر خلق الله .
ثم شراً خاصاً، وهو قوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ [الفلق:٣] فهذان نوعان.
стр. 1861
أنواع الحاسد في سورة الفلق
ثم ذكر شر الساحر والحاسد، وهما نوعان؛ لأنهما يصدران من النفس الشريرة: النوع الأول: الساحر، وهو يستعين بالشيطان ويعبده، وقلما يتأتى السحر بدون نوع عبادة للشيطان، وتقرب إليه، فالساحر لابد أن يقع في شرك يتقرب به إلى الشيطان، إما بأن يذبح للشيطان أو يذبح ويذكر اسم الشيطان فيكون ذبحه لغير الله، وغير ذلك من أنواع الشرك والفسوق، والساحر لا يسمي هذا الفعل عبادة للشيطان، لكنه في الحقيقة عبادة للشيطان، وإن سماه بما سماه به، فإن الشرك والكفر هو شرك وكفر لحقيقته ومعناه، لا لاسمه ولفظه.
فلو أن هناك شخصاً سجد لمخلوق، وقال: هذا ليس بسجود للمخلوق، ولكنه خضوع وتقبيل للأرض بالجبهة، فنقول: سمه ما شئت، سمه إكراماً، سمه محبة للصالحين، فهو عبادة لغير الله ، فمهما سمى واستعمل من الألفاظ، فإنه لم يخرج بهذه الألفاظ عن كونه عابداً لغير الله ، فمن سجد لغير الله، فليسم سجوده هذا ما شاء، فهو عبادة لغير الله ، وكذلك من ذبح للشيطان أو دعا الشيطان، أو استعاذ به، أو تقرب إليه بما يحب فقد عبد الشيطان مع الله ، حتى ولو لم يسم ذلك عبادة.
وقد يسميه استخداماً للجن أو غيره، لكن الشيطان في الحقيقة هو الذي يستخدمه ويوقعه في الكفر المبين.
وكما بينا أن هذا الشيطان في الحقيقة هو الذي يستخدمه، وليس هو الذي يستخدم الشيطان؛ لأن الشيطان لا يفعل به كما يفعل هو بالشيطان، فالشيطان لا يسجد له، ولا يعبده كما يفعل الساحر للشيطان، فالمقصود أن هذا الفعل عبادة للشيطان، وإن سماه استخداماً، قال الله : ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [يس:٦٠].
وقال : ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ:٤٠ - ٤١]، فهؤلاء وأشباههم عباد الجن والشياطين، وهم أولياؤهم في الدنيا والآخرة، ولبئس المولى ولبئس العشير.
النوع الثاني: من يعينه الشيطان، وإن لم يستعن به، وهو الحاسد؛ لأنه نائبه وخليفته، فالحاسد نائب وخليفة الشيطان، والمتخلق بخلق الشيطان؛ وكل منهما عدو نعم الله، ومنغصها على عباده.
وقد اقترن السحر بالحسد، كما في هذه السورة: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ * وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق:٤ - ٥].
فهذا يشير إلى وجود علاقة بين كل من السحر والحسد، وأقل ما يكون من هذه العلاقة هو أن لكليهما تأثيراً خفياً، فتأثير الساحر بالسحر يكون تأثيراً خفياً، وكذلك الحسد، مع الاشتراك في عموم الضرر، فهذا ضار، وهذا ضار، وهذا خفي، وهذا خفي، فكلاهما إيقاع ضرر في خفاء، وكلاهما منهي عنه.
стр. 1862
حكمة اقتران السحر بالحسد
قال الإمام ابن قيم الجوزية ﵀ في معرض بيان حكمة اقتران السحر بالحسد: الوسواس أخص بشياطين الجن، والحسد أخص بشياطين الإنس، والوسواس يعمهما كما يأتي في سورة الناس، والحسد يعمهما أيضاً، فكلا الشيطانين من الجن والإنس حاسد موسوس، فالاستعاذة من شر الحاسد تتناولهما جميعاً.
ويقول: أصل الحسد هو بغض نعمة الله على المحسود، وتمني زوالها، فالحاسد عدو نعم الله، هذا الشر هو من نفسه وطبعها، ليس شيئاً اكتسبه من غيرها، يعني: أن الحاسد لا يزاول أعمالاً معينة خارجة كالساحر مثلاً، وإنما يكون خبيث النفس، ولو نلاحظ عنوان الكلام الآن لرأينا بعض الفروق بين الحسد وبين السحر، وبعض أوجه الاتفاق أيضاً بينهما.
يقول: شر الحاسد يكون أصلاً خلقاً راسخاً في نفسه، ومن طبعه، لم يكتسبه من غيره، بل هو من خبثها وشرها، بخلاف السحر فإنه يكون باصطفاء أمور أخرى، واستعانة بالأرواح الشيطانية، فلهذا -والله أعلم- قرنت السورة بين شر الحاسد وشر الساحر، فالحسد والسحر يأتيان من شياطين الإنس والجن، وبقي قسم ينفرد به شياطين الجن، وهو الوسوسة في القلب، ولذلك ذكرها في السورة الأخيرة وهي سورة: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ).
فالحاسد والساحر يؤذيان المسحور والمحسود بلا عمل منه، بل هو أذى من أمر خارج عنه، بخلاف الوسوسة، فالإنسان مكلف بمجاهدة الوسوسة، ولذلك أفردها بصورة مستقلة، لكن السحر والحسد يكون الإنسان فيهما مظلوماً.
يقول: والوسواس إنما يؤذي العبد من داخل، بواسطة مساكنته له، وقبوله منه؛ لهذا يعاقب العبد على الشر الذي يؤذيه به الشيطان من الوساوس التي تقترن بها الأفعال والعزم الجازم؛ لأن ذلك بسعيه، وإرادته، بخلاف شر الحاسد والساحر فإنه لا يعاقب عليه.
يقول: كثيراً ما يجتمع في القرآن السحر والحسد -هو يريد المناسبة بين الأمرين- فاليهود أسحر الناس وأحسدهم، فإنهم لشدة خبثهم فيهم من السحر والحسد ما ليس في غيرهم، قال الله في وصف اليهود: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٠٢]، وهذه كلها من الشرور التي خلقها الله.
ولابد -ونحن نتكلم على هذه الشرور- أن نستصحب هذا المعنى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٠٢] بل نستصحب أيضاً وصية الرسول ﷺ ل ابن عباس ﵄، وإلا وقعنا في الشرك، فإذا ظننا أن الإنسان يقدر على الضرر الحقيقي بنفسه، فهذا شرك، فإن الضرر لا يكون إلا بإذن الله مثل ضرر المرض، وهكذا أي نوع من الشرور التي تؤذي الإنسان، فهذا من البلاء الذي يبتلى العبد به ما لم يكن تفريطاً منه، قال ﵊: (احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعت على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف).
إذاً: لابد أن نكون على حذر -حتى لا نقع في شرك- أن نظن أن الغير أو العباد يملكون ضراً أو نفعاً بأنفسهم، وإنما يكون بإذن الله الكوني القدري، فالله لا يحب هذه الشرور، لكنها تكون بمشيئته، كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان:٣٠].
فهذا وصف اليهود بأنهم كانوا سحرة، أما وصفهم بالحسد فمثل قوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء:٥٤] وقوله : ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة:١٠٩].
لهذا كلما كان الساحر أكثر وأخبث وأشد معاداة لله ولرسوله ﷺ كان سحره أقوى وأنفذ؛ ومن ذلك سحر عباد الأصنام، وطبعاً أول ما نتذكر عباد الأصنام نتذكر خيلاء المصريين، فمعروف أنهم كانوا بارعين في هذا النوع من الكفر؛ لأنهم كانوا مغرقين في عبادة الأصنام، والشرك بالله ، ومعاداة رسله، فلهذا كان لهم من السحر ما ليس لغيرهم أيضاً.
فكلما قويت عبادة الشيطان والوثنية في قوم قوي فيهم تأثير سحرهم.
فالمقصود: أن الساحر والحاسد كل منهما قصده الشر، لكن الحاسد بطبعه ونفسه، وبغضه للمحسود، والشيطان يقترن به ويعينه ويزين له حسده، ويأمره بموجبه، أما الساحر فبعلمه وكسبه، وشركه واستعانته بالشيطان.
стр. 1863
الفروق بين الحسد والسحر
نستطيع أن نجمل خلاصة الفروق بين الحسد والسحر في الآتي: الفرق الأول: الحسد شر كامن في نفس الحاسد وطبعه، فهو ليس شيئاً اتخذه من غيره، بل هو من خبث نفسه وشرها.
أما السحر فيكون باكتساب أمور أخرى، كالنفث في العقد وهذه الأشياء، والاستعانة بأرواح الشياطين.
الفرق الثاني: الحاسد تعينه الشياطين بلا استدعاء منه لهم؛ لأن الحاسد شبيه بإبليس، فهو حسد آدم ﵇ لشرفه وفضله، والحاسد في الحقيقة من أتباع الشيطان؛ لأنه يخدم ما يحبه الشيطان، والشيطان يحب فساد الناس، ويحب زوال النعم عنهم، والحاسد نائب الشيطان وخليفته.
الفرق الثالث: الساحر يطلب من الشيطان أن يعينه، والحاسد يعينه الشيطان بدون طلب واستدعاء، أما الساحر فيطلب من الشيطان أن يعينه، فيستعين به وربما يعبده من دون الله وربما يسجد له! ليقضي له حاجته.
стр. 1864
تعريف الحسد وبيان حقيقته
ما هو تعريف الحسد؟ الحسد كالسحر يتعذر تعريفه منطقياً لخفائه؛ لأنه شيء خفي، بل الحسد أشد خفاءً من السحر؛ لأن الحسد عمل نفسي، وأثر قلبي، وقد قيل في محاولة تعريف حقيقته: إنه إشعاع غير مرئي، ينتقل من قلب الحاسد إلى المحسود عند تحركه بقلبه على المحسود، وقد شبه حسد الحاسد بالنار.
ومعروف أن الحسد هو: تمني زوال نعمة الغير، هذا تعريفه من ناحية الواقع.
أما من حيث حقيقة تأثير الحسد كيف تتم؟ فيقول بعض العلماء: إنه إشعاع كأي نوع من الإشعاعات التي لا تراها، لكن في الحقيقة هي موجودة لا ينكر وجودها، فمثلاً: أشعة إكس -التي تفعل للعظام- تنفذ من الأجسام، فيستعينون بها في تشخيص بعض الأمراض، فهذه الأشعة نحن لا نراها، لكن نؤمن بوجودها، والذي ينكر الحسد لأنه لا يرى بالحواس الخمس، نقول له: لماذا يؤمن بأمور الغيب كأمور الآخرة وهذه الأشياء؟ فأين الإيمان بالغيب في هذه أيضاً؟ لكن من حيث الحقيقة نحن ندرك شيئاً اسمه حسد واقع في الحقيقة، ويثبته الشرع، وهو موجود واقعاً وتجربة، وهذا أمر مستفيض في الناس، أعني وقوع أثر هذه النفوس الخبيثة كما سيأتي إن شاء الله.
فقالوا: إنه إشعاع غير مرئي، لكن لا نجزم ما هي كيفيته بالضبط، وقد حاول بعض العلماء تعريف الحسد فقالوا: إنه إشعاع غير مرئي ينتقل من عين الحاسد، أو يأتي من روح الحاسد، ونفسه الخبيثة التي تحسد إلى المحسود، وننسب الحسد إلى العين لأن العين هي الوسيلة التي يرى بها نعم الله على العباد، فينتقل هذا الشعور من قلب الحاسد إلى المحسود في حالة معينة عند تحرق قلبه على المحسود، وعند اشتعال نار الحقد والغضب على نعمة الله على هذا المحسود، فيؤثر بإذن الله في هذا المحسود، ولذلك شبهوه بالنار، كما قال بعضهم: اصبر على كيد الحسود فإن صبرك قاتله كالنار تأكل بعضها إن لم تجد ما تأكله وقال بعض الحاسدين بعدما تاب من الحسد: كنت إذا حسدت رجلاً أجد حرارة في عيني.
يعني: كأن عينه تشتعل فيها حرارة من شدة تغيظه على نعمة الله على خلقه.
وقالوا: الحسد هو: اسم يقع على إرادة زوال النعم عن الغير، وحلولها فيه، أو إرادة عدم حصول النعمة للغير شحاً عليه بها.
стр. 1865
أنواع الحسد
والحسد نوعان: إما حسد على نعمة موجودة، أو على نعمة مفقودة، فيحسد الحاسد على نعمة موجودة، وذلك بأنه إذا رأى نعمة الله على بعض عباده يتمنى أن تزول، ثم يشترط الحاسد: إما أن يتمنى أن تزول عنه لتتحول إليه هو، أو يتمنى أن تزول عنه وتتحول إلى غيره، أو يتمنى زوالها فقط غير أن يتمناها لنفسه ولا لغيره، فهذه بعض أقسام الحسد.
كذلك الحسد يطلق على إرادة عدم حصول النعمة، كاستصحاب البلاء، والمرض، والفقر لغيره، فيشفق أن تصيبه نعمة، وكأنه يملك خزائن الله ! كما قال : ﴿قُلْ لَوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإِنفَاقِ وَكَانَ الإِنْسَانُ قَتُورًا﴾ [الإسراء:١٠٠].
لهذا يقولون: البخيل هو: الذي يبخل بمال نفسه، والشحيح هو: الذي يبخل بمال غيره، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ [النساء:٣٧].
فيشفق على خزائن الناس، وكأنه تؤخذ هذه النعم من خزائنه هو، فيشح بها على الناس، وهذه النفس من أخبث النفوس، كما سنبين إن شاء الله تعالى.
فالغضب يثمر الحقد، والحقد يثمر الحسد، والحسد يثمر غضب الله على الحاسد.
يقول بعض العلماء: الغضب شعلة نار مستكنة في طي الفؤاد، استكانت استكانة الجمر تحت الرماد، فالنار عندما تكون ساكنه تحت الرماد يكون الظاهر رماداً لكن في داخله نار، فكذلك الغضب هو شعلة نار لديها استعداد أن تتوهج إذا زاد الغضب عند الإنسان، وهذه الشعلة يستخرجها الكبر الدفين في قلب كل جبار عنيد، كاستخراج الحجر النار من الحديد.
فمن استفزته نار الغضب فقد قويت فيه قرابة الشيطان، أي: من اشتعلت فيه نار الغضب، وخرجت من تحت الرماد أصبح عنده نسق قوي بينه وبين الشيطان، وصلة قرابة؛ لأنه خلق من نار، كما قال حاكياً عن الشيطان: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف:١٢].
ومن نتائج الغضب: الحقد والحسد، وبهما هلك من هلك، وفسد من فسد، والذي يعلن فيضان الغضب أو الحقد أو الحسد هو القلب، فالقلب مضغة إذا صلحت صلح معها سائر الجسد.
إذاً: ينبع الحقد والحسد من القلب، قال تعالى: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [الفتح:٢٦] وحمية الجاهلية تصدر عن الغضب للباطل، وقال ﷺ لمن استنصحه وكرر عليه النصيحة، قال له كل مرة: (لا تغضب! لا تغضب! لا تغضب!) رواه البخاري.
وقال ﷺ : (ليس الشديد بالصرعة -أي: الذي يصرع الناس ويغلبهم- ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب) رواه مسلم.
فالغضب يثمر الحقد، والحقد يثمر الحسد؛ لأن الإنسان إذا امتلأ قلبه حقداً على غيره، فهذا الامتلاء يدعو إلى التشفي والانتقام، والتشفي والانتقام يكون عن طريق الحسد، وبعض الناس لا يكفيه الحسد، فإذا عجز عن أن يتشفى بنفسه ولم يؤثر حسده في المحسود أحب أن يتشفى منه الزمان، وأن تأتيه المصائب، وهذه هي عين الشماتة.
فالغضب يلزمه عادة قصد من الإنسان، فإن عجز فإنه يرجع إلى نفسه ويشتد في الاحتقان، فيصير حقداً، والحقد فيه أن يستلزم قلبه استثقاله، والبغض له، والنفار منه، وأن يدوم ذلك، ومن ثمرات الحقد أنه يحمل صاحبه على تمني زوال النعمة عن الشخص، فيغتم بنعمة إن أصابها، ويسر بمصيبة إن نزلت به، فهذا هو الحسد.
стр. 1866
الحسد كالروح لا تعرف ماهيته
وأما بالنسبة لحقيقة الحسد فهو كالروح نفسها لا تعرف ماهيتها، وكذلك الحسد لا تعرف ماهيته.
يعني: أن الإنسان الذي ينكر الغيبيات التي لا يراها بحواسه نقول له: ما سر حياته؟ وما الفرق بين جثة الإنسان وهو حي، وبين نفس الجثة فيها نفس الحواس وصاحبها ميت بعد لحظات؟ ليس إلا الروح.
وهناك فرق بين الإنسان العاقل وبين الحيوان غير العاقل، فأين العقل؟ وهل نرى العقل؟ ونحن نؤمن بوجوده، فهناك فرق بين الإنسان والحيوان، وهو العقل، وفرق بين الميت والحي وهو الروح، فهذه لا ننكر وجودها، لكن ما هي؟ لا ندري، قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٨٥]، وقد ذكرنا الأمثلة بهذه الأشعة، فهي غير مرئية، لكن نؤمن بها لأننا نرى آثارها، فلا معنى لإنكار شيء بحجة عدم رؤيته.
стр. 1867
كيفية انتقال الضرر من الحاسد إلى المحسود
من أقوى الأدلة على أن نفس حسد الحاسد يؤذي المحسود قوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق:٥] كلمة: ((إِذَا حَسَدَ)) إثبات أن هناك حقيقة لهذا الشر.
فبعض الكتاب يذهب إلى أن الحسد: أن تتمنى زوال النعمة، ويجب أن يترتب عليها أذية باليد، وباللسان، وبالجوارح، لكن مذهب أهل السنة في هذه المسألة: أن يؤمن الإنسان بوجود الحسد حتى ولو لم يتعد إلى الأذية باليد أو البدن أو الجوارح، وإنما يؤمن بوجوده في القلب وفي النفس الخبيثة، كما بين ذلك الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى عند كلامه على قوله تعالى: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق:٤ - ٥] وذكر أن تحقق الشر منه يكون عند صدور الحسد، والقرآن ليس فيه لفظة مهملة، واللفظة المهملة هي: التي لا معنى وراءها، ومعلوم أن الحاسد لا يسمى حاسداً إلا إذا قام به الحسد، كما تقول: هذا رجل ضارب، لمن قام به الضرب، وشاتم، لمن قام به الشتم، وكذلك حاسد تقال لمن قام به فعل الحسد، ولكن قد يكون الرجل في طبعه الحسد، وهو غافل عن المحسود لاهٍ عنه، فإذا خطر على ذكره وقلبه انبعثت نار الحسد من قلبه إليه، فوجهت إليه سهام الحسد من قلبه، فتأذى المحسود بمجرد ذلك، وهذا شيء لا يقع تحت الحواس، لكن الواقع يشهد له.
فإن لم يستعذ الإنسان بالله ويتحصن به، وتكون له أوراد من الأذكار والدعوات، والتوجه إلى الله، والإقبال عليه بحيث يدفع عنه من شره بمقدار توجهه وإقباله على الله وإلا ناله شر الحاسد ولابد.
إذاً: الحسد سبب في وقوع الشر، وربما لا يقع تأثيره إذا وجدت موانع في الشخص، والمناعة تكون بالذكر بالتحصن بالأدعية والأذكار، وقوة الإيمان، فمن فعل ذلك فلا يناله هذا الشر، وإلا وقع فريسة له ولابد.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق:٥]، هذا بيان لمعنى شر الحاسد؛ لأن شره إنما يتحقق إذا حصل منه الحسد بالفعل.
وفي حديث أبي سعيد ﵁: (أن جبريل كان يرقي النبي ﷺ بقوله: باسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفس أو عين حاسد الله يشفيك، باسم الله أرقيك)، فهذه استعاذة من شر عين الحاسد، ومعلوم أن عينه لا تؤثر بمجردها، يعني: عينه كجارحة لا تؤثر، بل الذي يؤثر هو نفسه وروحه الخبيثة، إذ لو نظر الحاسد إلى المحسود نظر لاهٍ ساهٍ غافل عنه، ولم يقصده، ولم يوجه نفسه الخبيثة إليه كما ينظر إلى الأرض أو إلى الجبل وغيره، فإنه لن يؤثر فيه شيئاً.
وإنما إذا نظر إليه نظر من قد تكيفت نفسه الخبيثة، كأن يحصل نوع من التفاعل في نفسه الخبيثة، واتسمت واحتدت واشتعلت فيها نار الحسد، فصارت نفساً غضبية خبيثة حاسدة أثرت بها تلك النظرة، فأثرت في المحسود تأثيراً بحسب صفة ضعفه، وقوة نفس الحاسد، والغلبة تكون حسب قوة هذا وضعف ذاك، فربما أعطبه وأهلكه كما سنرى في الأحاديث، وهذا بمنزلة من صوب سهماً -يعني: وجه سهماً- نحو رجل عريان فأصاب منه مقتلاً، لكن لو أن هذا الرجل كان قد ارتدى درعاً سابغاً فلن يخترقه السهم، فهذا الدرع يحميه من هذا السهم، وهذا الدرع في قضيتنا هو الذكر والقرب من الله .
وربما صرعه وأمرضه، والتجارب عند الخاصة والعامة بهذا أكثر من أن تذكر، فهذه العين إنما يكون تأثيرها بواسطة النفس والروح الخبيثة، وليس العين نفسها، وهي في ذلك بمنزلة الحية التي إنما يؤثر سمها إذا عضت واحتدت، فإنها تتكيف بكيفية الغضب والخبث، فتحدث فيها تلك الكيفية من السم، فتؤثر في الملسوع إلى آخره.
وقد ذكر النبي ﷺ نوعين من الحيات فقال: (اقتلوهما، فإنهما يطمسان البصر، ويسقطان الحبل).
يعني: تأثير هاتين الحيتين بمجرد رؤية الإنسان إليهما فقط، فقد يطمسان بصره، ويسقطان الحبل، فالحمل يسقط بالرؤية فقط، وليس بممارسة مادية.
إذاً: هذا تأثير النفس الخبيثة لهذه الحية، فإذا كان هذا في الحيات، فما الظن في النفوس الشريرة الغضبية الحاسدة إذا تكيفت بكيفيتها الغضبية، واتسمت وتوجهت إلى المحسود بكيفيتها؟! يقول ابن القيم: فلله كم من قتيل! وكم من سليب! وكم من معافى عاد مضنىً على فراشه يقول طبيبه: لا أعلم داءه ما هو! فصدق.
يعني: أن هذا الطبيب صادق؛ لأن هذا داء ليس من علم الطبائع، ولا يدخل في يد الطب هنا؛ لأنه شيء حسي واضح، وهذا من علم الأرواح وصفاتها وكيفياتها، ومعرفة تأثيراتها في الأجسام والطبائع، وانفعال الأجسام عنها، وهذا علم لا يعرفه إلا الخواص من الناس، والمحجوبون ينكرونه.
يقول: وهل الأجسام إلا كالخشب الملقى.
يعني: أن الجسد نفسه عبارة عن إنسان بروح وجسد، في قوانين تحكم الجسد، وهذه متروكة للأطباء، وأهل العلوم المادية، وهناك أشياء تحكمها المعرفة بالأرواح وبهذه الأمور الغيبية.
يقول: هل الانفعال والتأثير -حدوث ما يحدث عنها -من الأفعال العجيبة والآثار الغريبة إلا من الأرواح؟ يعني: هل الجسد نفسه يؤثر بشيء؟ فتخيل نفس الجسد وهو ميت ماذا يكون تأثيره؟ والأجسام عبارة عن آلة بمنزلة آلة الصانع، لكن المؤثر يكون الروح.
فالصنعة في الحقيقة له، والآلات وسائط لوصول أثره إلى الصنع.
يقول: ومن له أدنى فطنة وتأمل أحوال العالم، ولطفت روحه، وشاهد أحوال الأرواح وتأثيرها، وتحريكها الأجسام، وانفعالها عنها يرى من ذلك آيات عظيمة على ربوبية الله، ووحدانيته ، ويوقن أن ثمَّ عالماً آخر تجري عليه أحكام أخر، تشهد آثارها وأسبابها غيب عن الأبصار، فتبارك الله رب العالمين، وأحسن الخالقين الذي أتقن ما صنع، وأحسن كل شيء خلقه.
ولا نسبة لعالم الأجسام إلى عالم الأرواح، بل هو أعظم وأوسع، وعجائبه أبهر، وآياته أعجب.
يقول الإمام ابن القيم ﵀: تأمل هذا الهيكل الإنساني إذا فارقته الروح، كيف يصير بمنزلة الخشبة، أو القطعة من اللحم، فأين ذهبت تلك العلوم والمعارف والعقل، وتلك الصنائع الغريبة، وتلك الأفعال العجيبة، وتلك الأفكار والتدبيرات؟ ذهبت كلها مع الروح، وبقي الهيكل سواء هو والتراب، هذه حقيقة ندركها جميعاً.
فهل يخاطبك الإنسان أو يراك، أو يحبك أو يواليك، أو يعاديك، ويخف عليك ويثقل إلا بالروح؟ فإنك تجد بعض الناس فتشعر أنه خفيف، وتجد بعض الناس كأنه جبل فوق رأسك وهذا بتأثير الروح، فهذا شيء لا يخضع للقوانين المادية الحسية، لكن هذا عالم آخر له قوانين أخر، فالإنسان يؤنسك ويوحشك، وذلك بالأمر الذي وراء الهيكل المشاهد بالبصر، فرب رجل عظيم الهيولى، كبير الجثة، خفيف على قلبك، حلو عندك، وآخر لطيف الخلقة، صغير الجثة أثقل على قلبك من جبل؛ وما ذاك إلا للطافة روح ذاك وخفتها وحلاوتها، وكثافة هذا وغلظ روحه، ومرارتها.
وبالجملة فالعلق -العلائق- والوصل التي بين الأشخاص والمنافرات والبعد إنما هي للأرواح أصلاً، وللأشباح -للأجسام- تبعاً.
هذا كلام ابن القيم في إثبات تأثير الأرواح الخبيثة بالخير أو بالشر.
وقال أيضاً في موضع آخر: لا يمكن لعاقل أن ينكر تأثير الأرواح في الأجسام فإنه أمر مشاهد محسوس، لو تثائب رجل بحضرتك ربما تثاءبت أنت، وربما تثاءب جميع الجالسين.
يعني: هل هناك وصلة مادية معينة بين هذه الأجسام جعلتها تنقل إليها التثاؤب بهذه الطريقة؟ ليس إلا من تأثير نفس الكسلان، فحين تجالس الكسول ينتقل إليك هذا الكسل، فإذا تثاءب تجد نفسك ترغب أيضاً في أن تتثاءب، فهل هناك سلك نراه يوصل، أو أي وصلة مادية حسية أثرت هذا التأثير؟ هذا هو تأثير الأرواح على بعضها البعض.
ويقول أيضاً: أنت ترى الوجه كيف يحمر حمرة شديدة إذا نظر إليه من يحتشمه ويستحي منه، ويصفر صفرة شديدة عند نظر من يخافه إليه.
يعني: فهل توجد وصلات مادية هي التي أثرت ذلك، أم أنه تأثير الروح؟ والتأثير غير موقوف على الاتصالات الجسمية، بل التأثير قد يكون بالاتصال بفعل مباشر، فمثلاً: شخص خنق شخصاً هذا يؤثر باتصال مباشر بمباشرة الأذية، وتارة بالمقابلة، فيتأثر بمجرد أن يقابله وجهاً لوجه، وتارة بالرؤية، وتارة بتوجه الروح بنحو تؤثر فيه، وتارة يأتي التأثير بالرقى، والتعويذ، والأدعية.
فالعائن الحاسد لا يتوقف تأثير عينه على أن يرى الشيء الذي يحسده، فرب أعمى يوصف له الشيء فيحسده ويؤثر فيه، وإن لم يره، وكثير من العائنين يؤثر في المعين بالوصف من غير رؤيا.
انتهى كلام الإمام ابن القيم في إثبات حقيقة الحسد بمعناه.
يقول القرطبي: لا شبهة في تأثيره -أي: الحسد- في النفوس والأموال، وهذا قول عامة الأمة، ومذهب أهل السنة، وأنكره قوم مبتدعة، وهم محجوجون بما يشاهد منه في الوجود.
فكم من رجل أدخلته العين القبر، وكم من جمل أدخلته القدر، لكن ذلك بمشيئة الله .
стр. 1868
الآيات التي ورد فيها ذكر الحسد لفظاً أو معنى
والحسد ورد في القرآن وفي السنة، أما القرآن فوردت مادة حسد خمس مرات، فالموضع الأول: قوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء:٥٤]، والمقصود من قوله: ((أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ)) يعني: بل أيحسدون رسول الله ﷺ على ما آتاه الله من فضله، أي: من نعمة الوحي، كما ذكرنا أن قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ [آل عمران:١٧٣] عام أريد به خاص، وهو نعيم بن مسعود الأشجعي.
الموضع الثاني: قوله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ﴾ [البقرة:١٠٩].
الموضع الثالث: قوله تعالى حاكياً عن المنافقين: ﴿فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا﴾ [الفتح:١٥].
الموضع الرابع: قوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ﴾ [الفلق:٥].
الموضوع الخامس: قوله تعالى: ﴿إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق:٥].
فهذا من حيث اللفظ، أما من حيث المعنى فورد في آيات اختلف في تفسيرها، لكنها على بعض الأوجه تفيد إثبات الحسد، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء:٨٩]، فهذا حسد أيضاً على نعمة الإسلام.
وقوله تعالى: ((وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ))، هذا أيضاً تمني زوال النعمة عن المؤمنين.
وفي قصة يوسف قال : ﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾ [يوسف:٨ - ٩] إلى آخر الآية.
ومنها قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ﴾ [القلم:٥١]، أي: يحسدونك، ويعينوك بأبصارهم ﴿لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ [القلم:٥١].
ومن ذلك أيضاً قوله تعالى: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾ [آل عمران:١٢٠]، فهذه شماتة، والحسد والشماتة يتلازمان.
وكذلك من الآيات التي لها تعلق بالحسد: الآيات التي تنهى عن الحسد، مثل قوله تعالى: ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء:٣٢].
وقال : ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [البقرة:٢١٣]، قالوا في تفسير قوله: ((بَغْيًا بَيْنَهُمْ)) يعني: حسداً.
وقال : ((وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ)) إلى قوله تعالى: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ بَغْيًا﴾ [البقرة:٩٠] أي: حسداً ﴿أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة:٩٠] ومن ذلك أيضاً قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ * أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف:٣١ - ٣٢].
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الأَسْفَلِينَ﴾ [فصلت:٢٩] قال بعض أهل التفسير: أراد من الجن إبليس، والإنس قابيل؛ لأن إبليس هو أول من سن الكفر، وقابيل أول من سن القتل، وإنما كان أصل ذلك كله الحسد، فإبليس حسد آدم، وقابيل حسد أخاه هابيل، ولهذا يقال: الحسد أول ذنب عصي الله به في السماء، يعني: معصية إبليس، وأول ذنب عصي الله به في الأرض، وهو حسد قابيل لـ هابيل.
وأثنى الله على المؤمنين بترك الحسد فقال : ﴿وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾ [الحشر:٩] أي: لا تغيض صدورهم من نعمة الله على إخوانهم، ولا يغتمون، فأثنى عليهم لعدم اتصافهم بالحسد.
стр. 1869
الأحاديث الواردة في إثبات الحسد
ونختم بالأحاديث التي تثبت الحسد وكلها أحاديث صحيحة، ومنها: قول النبي ﷺ : (سيصيب أمتي داء الأمم، فقالوا: يا رسول الله! وما داء الأمم؟ قال: الأشر والبطر، والتكاثر والتناجش في الدنيا، والتباغض والتحاسد؛ حتى يكون البغي).
وعن الزبير بن العوام ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (دب إليكم داء الأمم قبلكم: الحسد والبغضاء، وهي الحالقة، أما إني لا أقول: تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين، والذي نفسي بيده! لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم).
وقال ﷺ : (العين حق) رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم وغيرهم، يعني: أن الضرر الحاصل عن العين وجودي أكثري لا ينكره إلا معاند، فأمر العين مجرب محسوس، وهذا هو المقصود بقوله: (العين حق).
وقال ﷺ : (العين حق تستنزل الحالق) حديث حسن.
والمقصود: أن الإصابة بالعين من جملة ما تحقق كونه ووجوده، وقوله: (تستنزل الحالق) أي: الجبل العالي.
وقال ﷺ : (العين حق، ولو كان شيء سابق القدر سبقته العين، وإذا استغسلتم فاغسلوا) فهذا ضرب المثل بما لا يقع؛ لأنه لا يسبق القدر شيء، فقوله: (ولو كان شيء سابق القدر) هذا مبالغة في التمثيل في تحقيق إصابة العين، يعني: كان شيء سابق القدر في إفناء شيء وزواله قبل أجله وأوانه المقدر، لسبقته العين، لكن العين لا تسبق القدر، وهذا مجرد مثل؛ حتى يبين حقيقة هذه الإصابة، وهذا الشر.
وقوله ﷺ : (العين حق، ولو كان شيء سابق القدر سبقته العين، وإذا استغسلتم فاغسلوا) هذا الخطاب لمن يتهم بالعين، وسيأتي ذلك -إن شاء الله- في علاج الحسد والكلام فيه.
وقال ﷺ في الحديث الصحيح: (العين تدخل الرجل القبر، والجمل القدر).
أي: يبلغ من تأثيرها أحياناً أنها قد تقتل الرجل فيدفن في القبر، بسبب هذا الحسد، يعني: إذا أصابت العين الجمل مات، أو أشرف على الموت فيذبحه مالكه، ليدركه قبل أن يموت، فيطبخ في القدر، فالمقصود: أنه يكون مصيره القدر في الحالة التي يطبخ فيها بسبب العين.
وقال ﷺ : (إن العين لتولع الرجل بإذن الله)، وكما قلنا: هذا شر كسائر الشرور في الدنيا، مثل المرض، والسحر، ومثل أي نوع من أنواع الشرور التي تقع بإذن الله بأسباب تؤدي إليها وموانع تمنعها.
يقول ﷺ : (إن العين لتولع الرجل بإذن الله حتى يصعد حالقاً ثم يتردى منه) والحالق هو: الجبل العالي، ويتردى منه بفعل العين.
وعن أسماء بنت عميس ﵂ قالت: (يا رسول الله! إن ولد جعفر تسرع إليهم العين، أفأسترقي لهم؟ -يعني: أرقيهم؟ - فقال: نعم، فإنه لو كان شيء سابق القدر لسبقته العين).
وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (استعيذوا بالله من العين، فإن العين حق).
وعن أم سلمة ﵂: (أن النبي ﷺ رأى في بيتها جارية في وجهها سفعة-يعني: تغير وسواد- فقال: استرقوا لها فإن بها النظرة) يعني: أصابتها عين.
وعن عائشة ﵂ قالت: (دخل النبي ﷺ فسمع صوت صبي يبكي فقال: ما لصبيكم هذا يبكي؟! فهلا استرقيتم له من العين؟).
وعن معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (استعينوا على إنجاح الحوائج -يعني: الفوائد من جلب نفع أو دفع ضرر- بالكتمان، فإن كل ذي نعمة محسود).
فإن قيل: ما هي العلاقة بين هذا وبين قول الله : ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى:١١]؟ ف
الجواب
العلاقة أن الأمر بالكتمان هذا قبل حدوث النعمة، أو يتحدث بها إذا أمن الحسد.
وعن جابر ﵁ قال: قال ﷺ : (أكثر من يموت من أمتي بعد قضاء الله وقدره بالعين) حسنه الحافظ.
وعن عامر بن ربيعة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا رأى أحدكم من نفسه أو ماله أو من أخيه ما يعجبه فليدع له بالبركة، فإن العين حق).
وهذا الحديث فيه فائدة وهي: أن الإنسان ربما يحسد نفسه، وربما يحسد من لا يقصد أذيته من ماله أو ولده أو أخيه، فإذا رأى الإنسان ما يعجبه من نفسه أو ماله أو ولده أو إخوانه فليدع بالبركة (فإن العين حق) كما قال ﷺ ، فتقول إذا أعجبك شيء سواءً النفس أو المال أو الأولاد أو الإخوان: اللهم بارك فيه ولا تضره، فهذه رقية تمنع تأثير هذه العين، وكان في رقية جبريل للنبي ﷺ : (باسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفس أو عين حاسد الله يشفيك).
فهذه بعض الأحاديث التي وردت في إثبات الحسد من القرآن والسنة، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1870
أمتي لا تنحرف [١]
جاء الشرع الحنيف بالحث على الاستكثار من الذرية، والحث على تربيتها التربية الصالحة، فرغب في الزواج بالودود الولود؛ لما في ذلك من تحقيق هذا المطلب العظيم، وقد أدرك أعداء الإسلام أن كثرة المسلمين فيها عز للإسلام وأهله، فسعوا بكل الوسائل إلى تقليل نسل المسلمين؛ لإضعافهم والسيطرة عليهم بسهولة، في الوقت الذي يدعون فيه أبناء جنسهم إلى الإكثار من الإنجاب.
ومن المؤسف اغترار كثير من المسلمين بهذه الدعاوى المضللة، فيجب الحذر من هذه الدعاوى والتحذير منها.
стр. 1871
دعوى تحديد النسل والترويج لها في بلاد المسلمين
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم! صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم! بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
عند افتتاح الكلام -كما علّمنا رسول الله ﵌ بعبارة: إن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﵌، فهذه الكلمة نقولها أحياناً ونحن نفقد معناها! فينبغي عند دراسة أي قضية أو أي موضوع أن نستحضر هذه العبارة العظيمة: (خير الهُدى) أو (خير الهَدي) هدي محمد ﵌، حتى نحسن الرجوع إلى حكم الله وحكم رسوله ﵌، وينبغي أن نتخلص ابتداءً من كل ما وصل إلى قلوبنا وأسماعنا وأبصارنا من آثار دعاية الذين لا يبالون بحكم الشرع، ولا يرفعون به رأساً، اللهم إلا إذا وافق أهوائهم! وكذلك -حتى يكون البحث منصفاً وعلمياً- يجب أن نتحرر من الضغوط الواقعة التي نعيشها، والتي تلحّ على عقولنا كي تنحصر في مجرىً معين أُريدَ لها أن تنحصر فيه، فينبغي أن نفكر بحرية مطلقة عن قيود هذه الأزمات الطاحنة التي نعيشها جميعاً، ونبحث أولاً عن حكم الشرع، ثم ننظر بعد ذلك في الاستثناءات، أو ما يتغير حسب الأحوال، مثل: تنظيم الأسرة، أو تنظيم النسل، أو ضبط النسل، أو تحديد النسل، وكلها ألفاظ شبه مترادفة، ومؤداها كلها: (تقليل النسل) كما يقصد الذين يكتبون فيها، والذين يقومون بالعمل في تنفيذها والدعاية لها وترويجها؛ حيث يرددون أن النسل يتزايد ويتكاثر، وقد ضاقت الموارد الطبيعية، وأصبح ما تنتجه تلك الموارد لا يتكافأ مع الزيادة المستمرة في السكان بنسبة عالية! فالحل هو وقف ذلك النمو المتزايد في نظر القوم، وذلك بجعل النسل على قدر ما يجيء من الموارد الطبيعية، ذلك قولهم بأفواههم، وتلك مقالاتهم بأقلامهم، وتشارك في هذه الحملة للترويج لهذه الدعوى الكنسية جمعيات أُنشئت أصلاً لأغراض خيرية وبعض الرعايات الاجتماعية، وأصبحت توزع حبوب منع الحمل.
ووسائل تقليل النسل تلاقي اهتماماً ودعاية صحفية على كل الأصعدة، سواء على منبر الإذاعة، أو التلفاز، أو الصحف؛ بدعوى قلة الموارد وتزايد السكان، وباسم جواز ذلك شرعاً، ولو أنهم تكلموا في هذه القضية بغير اسم الشرع لكان الأمر أهون، أما أن يتحكموا في الشرع بدل أن يتحاكموا إليه فهذا ما لا ينبغي.
ففي إطار الكتاب والسنة نبحث هذه القضية، ونبحث عن حكم الشرع فيها، ونتأمل سوياً هذه الحقيقة وهذا المعنى القرآني الذي جعله الله أحد مقاصد البعثة المحمدية بقوله ﵎: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام:٥٥].
فهذه هي سبيل المجرمين الذين يريدون بنا الشرّ، ويريدون أن يحطموا مقومات القوة في الأمة الإسلامية، فهل لهذا الموضوع صلة بقضية كشف سبيل المجرمين؟ نحن لا نستطيع أن ننكر أن هذا العصر هو عصر الدعاية وعصر الإعلام، حيث إن حفنة قليلة من الإعلاميين تتلون عقائدهم وأفكارهم بألوان شتى، لكنهم من خلال هذه المواقع الحساسة يستطيعون أن يصبغوا الأمور بالصبغة التي يريدون، وأن يلبسوا الحق بالباطل، ولهم في ذلك أساليب كثيرة لا نستطيع أن نتوسع الآن في ذكرها، لكن نشير إشارة عابرة إلى أنهم يدندنون دائماً حول أن الحل الوحيد لقلة الموارد هو (تحديد النسل).
وهذا ليس هو الحل الوحيد، بل هناك حلول كثيرة واقعية، وهناك ثروات كامنة وعظيمة جداً سواء في بلادنا أو غيرها من بلاد المسلمين، ثم هم يتحكمون بطريقة التأثير على الناس عن طريق الأفلام أو التمثيليات أو القصص، وهذا يرجع إلى الخلفية الفكرية للشخص الذي يكتب هذه القصة، ويقوم على أمرها؛ لأنه يريد أن يخدم هدفاً معيناً، فهو يؤلف ويخترع، ويكذب ويختلق قصة معينة، مؤداها أن يصل إلى نتيجة معينة، وهي أن يبغّض الناس في الأولاد، وأن يفسد فيهم هذه الفطرة التي فطرهم الله عليها من حب الذرية، وحب الأبناء، وحب الكثرة العددية للذرية.
وسنفصل في كثير من القضايا، سواء قضية تعدد الزوجات، أو قضية تحديد النسل، أو التشنيع على أحكام الإسلام في الطلاق، فهو يؤلف قصة معينة، ويستطيع أن يكذب كيفما يشاء؛ لأنه ليس عنده خوف من الله، فمثلاً: يؤلف قصة رجل كأنه صاحب لحية، ويصلي في المساجد -بحيث يربطه بالدين بصورة أو بأخرى- ثم يبين أن هذا الرجل فظ غليظ، وربما يظهر أن هذا الرجل في الحقيقة رجل فاجر! ليس كما يظهر، وهو يعامل نساءه وبناته بغلظة، وجفاء وجهل، إلى آخر هذه الأشياء المكذوبة! فهو الذي يرسم هذه الصورة من مخيلته، لكن المشاهد أو المستمع أو القارئ يكون -غالباً- مستسلماً للجهاز أو لهذه المشاهد فلا يفكر في المقاومة، ويأخذ الأمر بدون مبالاة، وكأنه نوع من التسلية، وما أُخذ بدون مبالاة يكون تأثيره أشد مما يؤخذ بمبالاة! ومع التراكم تستقر العقيدة الجديدة في قلوب الناس.
وفي بعض الحالات تجد امرأة -مثلاً- تسأل عن نتيجة التحليل الذي قامت بإجرائه من أجل أن تعرف هل هي حامل أم لا؟ فتجد أن هذه المرأة إذا علمت أنها حملت فكأن مصيبة كبرى وقعت بها؛ نتيجة لما حصل من الفساد في الفطرة والانحراف فيها تجاه هذه المسلَّمة الفطرية.
ومما يعتمدون عليه أيضاً: التهويل، فيذكرون أن سنة كذا سيحصل كذا، وبعد ثلاثين سنة لن يبقى كذا، وهذا كله تهويل.
وجاءتهم هذه الساعة التي أهدتها إليهم الجهات الاستعمارية حتى ترن فوق رءوسهم، وتنبههم أن كل دقيقة أو كل ساعة ولد كذا مولود في مصر! حتى تخفف هذه الرهبة من قوة المسلمين العددية؛ لذا جاءوا بمسألة التهويل بالإحصائيات والتوقعات الكاذبة، وماذا يقوله الباحثون المغرضون منهم، كل هذه من الأساليب الخبيثة التي كثيراً ما خيبتها وقائع التاريخ في أمثلة كثيرة.
стр. 1872
المنظم الحقيقي للنسل البشري
وقبل أن نستمر في الموضوع نسأل: من هو المنظم الحقيقي للنسل البشري؟!
الجواب
أمر النسل البشري متعلق بفعل من أفعال الربوبية، فالله ﵎ هو المنظم الحقيقي لأمور هذا الكون، وهو المدبر ولا مدبر غيره ﵎، فكما أنه هو الذي خلق فهو الذي يرزق، سواء الأكل والطعام والشراب، أو رزق الذرية وما إلى ذلك.
والله أوحى إلى عبده ورسوله ﵌ قوله: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩]، وأوحى إلى نبيه ﵌ قوله: ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ [الحجر:١٩] وقوله ﵎ في سورة الشورى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ [الشورى:٥٠٤٩ - ].
ولو فرضنا أن هذا الأمر وُكِل إلى الناس لصار الفساد العريض في هذه الأرض.
إذاً: فالأمر لا يأتي بطريقة عشوائية، بل وراءه إرادة مدبرة، وقوة قاهرة، هي قوة الله ﵎، فمن ذا الذي يستطيع أن ينظم هذا النسل في كل بقاع الأرض بتلك الطريقة المحكمة التي يقضي بها الله ﵎؟! وقد زين لبعض الناس سوء عمله، فاقترح في يوم من الأيام أنه يجب معاقبة من يزيد على ثلاثة أولاد بحرمان الرابع ومن بعده من الرعاية الصحية والاجتماعية! وحرمانه من التعليم! إلى غير ذلك من هذا التهويل.
فنقول لهم: هوّنوا على أنفسكم، فلستم أنتم الذين تقومون بأمر هذا العالم، فإن الذي خلق هو الذي رزق، وكما نؤمن أنه لا خالق إلا الله، فنؤمن أيضاً أنه لا رازق إلا الله ﵎.
стр. 1873
حقائق يغفلها من يدعو إلى تحديد النسل
وهؤلاء الذين يتحمسون لقضية تحديد النسل يغفلون أو يخبئون على الناس حقائق كثيرة، مثل: أنه بجانب معدل المواليد هناك معدل وفيات، فالناس لا يؤبدون على هذه الأرض، وإنما هناك في المقابل نقص من الجهة الأخرى يتم بطريقة لا ينظمها إلا الله ﵎، وهي وجود معدل وفيات مقابل معدل المواليد، فالأرحام تدفع من جهة، والأرض تبلع من جهة أخرى، ففي الأمر صادر ووارد، وليس كما يصورون للناس.
أيضاً من الحقائق العلمية: أن أمر النسل والإنجاب مهما ترك طليقاً على وجه الأرض، ومهما تهيأت له الحوافز والمرغبات في تكثيره، فإنه يظل واقفاً دون مرحلة الخطر الذي يهولون به، فالذين ينجبون من مجموع أي جيل، وتنمو ذريتهم، لا يزيدون في أحسن الأحوال الطبيعية على نصف هذا الجيل، فلو اعتبرنا الجيل خمسة وعشرين سنة، فلو افترضنا أن في خلال خمسة وعشرين سنة تكون جيل من الأجيال، فسنجد أن هذا الجيل ليس كله يتناسل أو يتوالد؛ لأن هناك عوامل مختلفة ترجع في جملتها إلى تقدير العزيز الحكيم الذي ينسق أمر هذه الخليقة، ويخضع لسننه دفعات الواصلين والواردين فوق هذا الكوكب الأرضي، لحساب متناسق دقيق لا يعلم سره العظيم إلا هو.
ولو أن الإنسان أمعن النظر في سير الأجيال المتعاقبة، فسيجد أن كل جيل إنما يتكون من ذرية جزء ضئيل من الجيل الذي قبله؛ لأن جزءاً من الجيل الحالي يقدر -حسب ما قاله العلماء- بين الُخمسين والثلثين يهلك قبل الزواج، والباقون -وهم الذين قدّر لهم البقاء- ومقدارهم بين ثلاثة أخماس وثُلث يتزوجون، ثم من هؤلاء الذين يتزوجون سُبع أو ثُلث يهلك دون أن ينجب أولاداً، فالذين ينجبون لا يزيد مقدارهم في أحسن الأحوال على النصف من هذا الجيل، ثم هذه الذرية تخرج إلى الدنيا بقدرات متفاوتة، وملكات مختلفة، وأعمار محجوبة في علم الله .
وإذا نظرنا إلى هذا الأمر نظرة سطحية فسنجد أنه ربما يخضع لعوامل عشوائية لا تستهدف غاية، ولا تستند إلى حساب، لكن الأمر في حقيقته يدل على أن هذا مظهر دقيق من مظاهر التنسيق الظلي الذي أقامه الله ﵎ بين دفعات الوافدين والراحلين عن هذه الأرض، بل ومظهر دقيق لتوزيع الخبرات والملكات في المجتمعات الإنسانية.
ووقائع التاريخ والأمم تبين أن هناك نتيجة معاكسة لما يهول به دائماً دعاة تحريف النهج.
فمن ذلك مثلاً: اليابان التي لا تصل مساحتها ربع مساحة باكستان، ومع ذلك فإن ٨٣% من مجموع مساحة اليابان لا يمكن استغلالها؛ لأن فيها سلاسل جبال النار، والمساحة الصالحة للاستغلال ٨% فقط من مجموع مساحة اليابان!! ومع ذلك فقد حافظت اليابان على عدد سكانها الذين يزيدون على عدد سكان باكستان زيادة كبيرة! وارتفعت بنهضتها الاقتصادية إلى حيث تمكنت من منافسة الأسواق الأمريكية والأوروبية حتى في عقر دارها! ولم يعقها عن ذلك تكاثف سكانها، وضيق رقعتها، بل عكس ذلك هو الصحيح، فمن المعلوم أن طوكيو من أشد مدن العالم ازدحاماً.
ونفس الشيء حصل بالنسبة لألمانيا وإنجلترا أيضاً، حتى إنه في يوم من الأيام لما ازداد عدد سكان إنجلترا في أواخر القرن الثامن عشر إلى أواخر القرن التاسع عشر انشغل المفكرون، وخافوا خوفاً شديداً، فقالوا: أيّ أرض يمكن أن تتسع لهذا العدد الضخم من السكان؟! فلم تلبث الدنيا إلا يسيراً حتى رأت بأم عينها أن السرعة التي ازدادت بها وسائل إنجلترا للرزق والعيش والإزدهار أكبر بعدّة أمثال من السرعة التي زاد بها عدد السكان! وتفسحت سبل العيش بصورة كبيرة جداً أمام الشعب البريطاني.
وهذا رجل يدعى: (استير وليم كركس) رئيس الجمعية البريطانية، أنذر الناس بالويل والثبور سنة (١٨٩٨م) حيث قال متحدياً: إن إنجلترا وسائر البلاد المتحضرة في الدنيا تواجه خطر الجدب وقلة القمح، وإن وسائل البقاء لن تسير مع حاجاتها أكثر من ثلاثين سنة! غير أن الذين رزقوا البقاء إلى مدة ثلاثين سنة بعد ذلك رأوا أن الدنيا ما نزلت بها نازلة كالتي كان قد أنذر بها رئيس الجمعية البريطانية، رغم التزايد الشديد للسكان، بل زادت محاصيل القمح خلال هذه السنين زيادة هددت السوق بالكساد حتى إن الأرجنتين وأمريكا أحرقتا لأجل ذلك كميات وافرة من قمحهما.
وتعتبر سويسرا بلدة فقيرة من حيث الموارد الطبيعية، فالمفروض أنها بمقاييس هؤلاء لا تستوعب عدداً كبيراً من السكان، فليس فيها فحم ولا مناجم حديد، ولا أي معادن، وليست على البحر، وقسم كبير جداً من أراضيها جبلي، ولا جدوى منه في الإنتاج، ومع ذلك بلغت كثافة سكانها (١٣٦) نسمة في الكيلو المتر المربع.
وبالنسبة لمصر، فإن معدل التوزيع السكاني على مساحة مصر: لكل كيلو متر مربع شخص واحد من الشعب المصري، أي: كل فرد له كيلو متر مربع!! ولو أجرينا هذا التوزيع السكاني على جميع أنحاء البلاد الإسلامية، فستتغير المقاييس بصورة أقوى؛ بسبب وجود المصادر الوفيرة لهذا الرزق.
стр. 1874
تحديد النسل بين مقاصد الشريعة وآراء العقلانيين
هناك أمر مهم جداً نحتاج إليه ونحن ندرس هذه المسألة، وهو أننا كثيراً ما نردد عبارة: المقاصد العليا للشريعة الإسلامية، فإذا تأملنا جميع ما احتوته الشريعة الإسلامية من أحكام، وافترضنا أن هذه الشريعة عبارة عن نهر عظيم، يصب في هذا النهر عدة ينابيع، وهذه الينابيع تتصرف إلى ستة ينابيع، وهذه الينابيع الستة بعد ذلك تتفرع فروعاً أصغر كما يحصل بالنسبة لشجرة الجزر، فهذه هي الفروع أو المصالح الخمسة الضرورية لبقاء أي أمة، والأمة الإسلامية مأمورة بحفظ ستة أشياء أساسية ضرورية: حفظ الدين، والنسل، والنفس، والعرض، والمال، والعقل.
فإذا تأملت أي حكم من أحكام الشريعة الإسلامية فستجد أنه لن يخرج عن حفظ أحد هذه المقاصد الستة، ولو تأملنا كل أحكام الشريعة لوجدنا أنها تصب في حفظ الدين، فمثلاً: قتل المرتد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله، والتحريض على الدعوة إلى الله ، كل هذه الأحكام تصب في المحافظة على دين المسلمين، وكذلك النسل، فإن كثيراً من الأحكام إنما شرعت لأجل حفظ النسل والعرض.
وأحياناً نجد بعض الأحكام قد تبدو لأول وهلة في نظر الناس أنها أشياء يسيرة، لكنا نجدها باجتماعها إلى أسباب أخرى تؤدي في النهاية إلى حفظ عرض المسلمين، فمثلاً: مسألة تحريم كل ما يؤدي إلى الفاحشة، كتحريم الخلوة، وتحريم الاختلاط، وتحريم سفر المرأة بدون محرم، وغير ذلك تجد أن هذه الأحكام كلها تصب في قضية مهمة، وهي المحافظة على العرض.
وكذلك المحافظة على العقل، فتحريم المسكرات، وتحريم كل ما يذهب عقل الإنسان، هذه كلها تصب في هذا الجانب.
وكذلك الحفاظ على المال.
ومما يلحق بذلك ما نحن بصدده الآن من هذه المقاصد الستة: المحافظة على النسل، فإنه من المقاصد الأساسية للشريعة الإسلامية.
وفي بعض الدول إذا حاولت بعض الحركات أو الأحزاب عمل انقلابات على الحكومة، أو الطعن في نظمها، فإن فاعل ذلك يحاكم؛ لأنه يتآمر من أجل تغيير النواة الأساسية للمجتمع، أو الأهداف الأساسية للأمة، وهي عندهم جريمة كبرى، وهذا كذلك بالنسبة للمسلمين الذين دينهم هو جنسيتهم وعقيدتهم ووطنيتهم، فإن الحفاظ على هذه الأشياء الستة عندهم أمر مقدس، ولا يسمح أبداً أن تسير أي دعوة في اتجاه مضاد لها؛ لضرورة المحافظة على هذه الأصول أو هذه المصالح الست، فلا يمكن أن يسمح أبداً بأي دعوة أو نظام داخل الدولة الإسلامية من شأنه أن يزين ما قبحه الشرع، أو يقبح وينفر مما حرض عليه الشرع، ففي قضية الحفاظ على النسل نجد أن كل أحكام الشريعة الإسلامية وكل نصوص الشرع تحرض على زيادة النسل، وترغب فيه بشتى الوسائل، وتتنوع أساليبها في ذلك تنوعاً كبيراً.
وحينما نتكلم عن النسل فلن نقتصر فقط على الكثرة العددية والتوالد، لكن كلمة (النسل) أو (المحافظة على النسل) في الإسلام لها معان أبعد من ذلك، فإنها لا تقتصر فقط على الزيادة العددية، وإنما تشمل أيضاً الحفاظ على علاقات الترابط، وصلات القربى والأرحام، كالأبوّة، والبنوّة، والأخوّة، والأمومة، والخئولة، والعمومة، فهذه الروابط توجد نوعاً من المصالح والتعاطف والتراحم بين هذه المجموعات التي تنتهي بعائلة صغيرة، ثم العائلة الكبيرة، ثم القبيلة، ثم الشعب، ثم الأمة.
أيضاً: مما شرع من أجل خدمة هذه الأهداف: الترغيب في الزواج، والترغيب في الإكثار من النسل، وقد شرع الله عقوبة الزاني وعقوبة القاذف أيضاً من أجل المحافظة على النسل، وتنوعت أساليب القرآن الكريم من أجل الترغيب في زيادة النسل، وكما ذكرنا أن (المحافظة على النسل) أحد المقاصد الأساسية للشريعة الإسلامية، والتي لا تقبل بأي حال من الأحوال أن يقدح فيها أحد، أو يعارضها، أو ينفر منها، أو يسير في اتجاه يضادها، فإذا أردنا أن نحتكم مع المخالفين فسنقول: تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول ﵌؛ لأن هذه مسألة يختلف فيها كثير من الناس، والله يقول: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [النساء:٥٩].
стр. 1875
أساليب القرآن في الترغيب في كثرة النسل
نقول لكل مسلم: تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول، ونحن نعلم بأن المنافقين سوف يصدون عن هذه الدعوة صدوداً، فمن أساليب القرآن الذي أنزله الله في الترغيب في كثرة النسل:
стр. 1876
بيان القرآن أن الأولاد نعمة من الله على عباده
من أساليب القرآن في ذلك أيضاً: بيان أن الأولاد هم هبة الله وإحسانه إلى عباده، وهبة الله لاشك أنها تكون خيراً ونعمة، يقول ﵎: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا﴾ [الأنعام:٨٤]، ويقول حاكياً عن إبراهيم ﵇: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم:٣٩]؛ لأنه كان يدعو من قبل: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات:١٠٠]، وقال الله : ﴿قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾ [مريم:١٩].
وقال : ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى﴾ [الأنبياء:٩٠]، أي: لزكريا، وقال في صفة عباد الرحمن: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان:٧٤]، وقال ﵎: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ﴾ [ص:٣٠]، وقال : ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾ [الشورى:٤٩] فالذرية هبة وإحسان، وليست نقمة، كما أشيع الآن عند كثير من الناس، ﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ﴾، أي: ينوّعهم ﴿ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا﴾ [الشورى:٥٠].
قال البيضاوي في علّة تقديم النساء هنا: لعل تقديم الإناث لأنها أكثر لتكثير الناس.
أي: من الممكن أن يتزوج الرجل أكثر من امرأة، وليس العكس، وبالتالي يكثر النسل.
стр. 1877
بيان القرآن أن كثرة النسل سبب البقاء وقلة النسل سبب الفناء
بيّن الله في القرآن أن كثرة النسل سبيل للبقاء، وأن تقليل النسل سبب للفناء، وأن الأول نعمة، والثاني نقمة ومحنة، يقول ﵎ في سياق الامتنان على بني إسرائيل: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ [البقرة:٤٩].
ثم فصّل وبيّن ما هو سوء العذاب: ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ [البقرة:٤٩].
يقول رشيد رضا ﵀: اصطف المصريون -يعني: الفراعنة- على استغلال الإسرائيليين، فعملوا على انقراضهم بقتل ذكرانهم واستحياء نسائهم، فأمر فرعون القوابل بأن يقتلن كل ذكر لبني إسرائيل عند ولادته؛ لأن من سنة الله في الخلق أن قوام الشعوب والقبائل وحفظ الأجناس إنما يكون بالذكور، فلم تأت هذه بنتيجة، فحينئذٍ أمر بأن يذبح الأبناء الذكور؛ حتى ينقرضوا ويفنوا، ويستحيا النساء؛ حتى يتخذ منهن إماءً يذلهن بالاسترقاق، ويتخذ منهن خادمات.
ثم قال ﵎: ((وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ)).
وهذه الآية لها تفسيران: التفسير الأول: قد تكون الإشارة إلى (البلاء) بمعنى: الإنجاء، أي: من البلاء الحسن الذي أعطاه الله إياك، فأبلى الله لكم هذا البلاء الحسن، ونجاكم من آل فرعون ومن هذا العذاب، فالمقصود بكلمة: (بلاء) على هذا التفسير: أي: أنه اختبار بالنعمة التي تستوجب الشكر.
التفسير الثاني: أي: في ذلكم التذبيح للذكور والإبقاء على النساء بلاء، أي: محنة واختبار لكم من ربكم عظيم.
ويقول ﵎: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾ [الأعراف:١٢٧].
هذا كلام قاله فرعون لأنه يعتقد أن موسى إنما يمكنه من الإفساد هم الرهط والشيعة وتكاثر بني إسرائيل، فنحن نسعى في تقليل رهطه وشيعته، وذلك بأن نقتل أبناء بني إسرائيل، ونستحيي نسائهم، قال: (سنقّتل أبنائهم)، و (نقّتل) بصيغة التشديد فيها مبالغة؛ حيث تشير إلى الاستمرار، فكلما تناسلوا كلّما سارع بقتلهم؛ حتى يؤدي ذلك إلى نقصهم وضعفهم وهلاكهم وفنائهم.
وقوله: (ونستحيي نسائهم) أي: لخدمتنا، ونذلهن بالاسترقاق، وقال : ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾ [القصص:٤].
أي: علا في مصر، (وجعل أهلها شيعاً) حيث قسم أهل مصر إلى طبقتين: سادة، وعبيد، فكان الأقباط هم السادة، وبنو إسرائيل كانوا هم العبيد، ﴿يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ﴾ [القصص:٤] وهم بني إسرائيل، ﴿يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص:٤]، هذا هو الأسلوب الأول الذي سلكه القرآن في بيان نعمة النسل، ونقمة تقليل النسل.
стр. 1878
بيان القرآن أن الإنجاب أعظم مقصد من مقاصد النكاح
من الأساليب التي ذكرها القرآن: بيان أن الإنجاب وحفظ النوع هو مقصد أعظم من مقاصد النكاح، كما قال ﵎: ((فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ))، أي: بعدما منع الرجال أن يقربوا نسائهم في الصيام، ثم نسخ ذلك بالليل فقال ﵎: ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [البقرة:١٨٧]، وهذه كناية عن الوقت، واقصدوا مع ذلك تحصيل الذرية لا محض الشهوة التي تشارككم فيها البهائم، فلا بد أن يستحضر الرجل نية أن يحصل بالنكاح ذرية طيبة وصالحة، فهذا هو المقصود بقوله: (وابتغوا ما كتب الله لكم) أي: من الذرية، فاسلكوا الأسباب حتى تحصلوا بها الذرية.
ويقول ﵎ في شأن النساء: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ * نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُمْ﴾ [البقرة:٢٢٢ - ٢٢٣].
فقوله تعالى: (فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله)، في الآية دلالة على اجتناب النساء في المحيض؛ لأن هذا ليس وقت الحرث والحمل، إضافة إلى ما يكون في ذلك من الأذى، فهذه الآية تتضمن إشارة إلى أن المحيض لا يكون وقتاً لطلب الولد وطلب الحرث، ولا يتأتى الحمل في أثنائه، وهناك مَثَل في الطب يقول: إن دم الحيض هو الدموع التي يبكيها الرحم بسبب عدم الحمل! وهذا التعبير قريب جداً إلى الفطرة، فهو تشبيه للحيض بأنه دموع الرحم وهو يبكي؛ لعدم حصول الحمل، فكأن هذه هي الفطرة.
يقول الله ﵎: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة:٢٢٢]، ثم قال : ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:٢٢٣] إرشاد إلى ازدراع الذرية فيهن.
والحقيقة أن هذا تعبير دقيق جداً؛ لأن الذي يحصل في نمو الجنين داخل الرحم هو بالضبط مثل الذي يحصل من الزرع في الأرض، فكما أن البذرة تتجه بجذورها إلى داخل التربة، وتتشعب فيها، وتضرب أعماقها! كذلك يحصل لهذا الزرع في جدار الرحم، فهو حرث وزرع كما وصفه الله بمنتهى الدقة بقوله: (نساؤكم حرث لكم) فشبه النطف بالبذور، وشبه الأرحام بالأرض، والثمرة في هذه الحالة تكون هي الولد.
وقوله: (فأتوا حرثكم أنى شئتم وقدموا لأنفسكم)، يقول مفتي مصر الدكتور سيّد طنطاوي في التفسير الوسيط: وفي هذه الجملة الكريمة إشعار بأن المقصد الأول من الزواج إنما هو النسل، ويشير إلى ذلك قوله: (نساؤكم حرث لكم) إذ من شأن الحرث الصلاح للإنتاج، وقوله تعالى: (وقدموا لأنفسكم) أي: أقصدوا بالزواج ما تقدمونه لمستقبلكم مما ينفعكم في الدنيا والآخرة، وأنفع شيء هو الولد الصالح.
стр. 1879
أساليب السنة النبوية في الترغيب في كثرة النسل
كذلك سلكت السنة المطهرة نفس المسلك القرآني في الترغيب في زيادة النسل والمحافظة عليه، والتنفير عما يضاده.
стр. 1880
التنبيه إلى أن طلب الولد من أعظم مقاصد النكاح
ذكرنا آنفاً في القضاء والقدر أن الله يعلم كل شيء، فهو يعلم ما كان وما هو كائن وما سيكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، كما قال ﵇: (والذي نفس محمد بيده! لو قال: إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرساناً أجمعون) وقال ﵌ لـ جابر بن عبد الله ﵄ لمّا تزوج: (إذا قدمت فالكيس الكيس) أي: يرشده إلى طلب الولد، وقد حثّ النبي ﵌ على تزوج الولود، كما جاء عن أنس ﵁ قال: (كان النبي ﵌ يأمر بالباءة، وينهى عن التبتل نهياً شديداً ويقول: تزوجوا الودود الولود؛ فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة).
فيا ليت أصحاب مكاتب أسرة المستقبل المظلم إذا استمروا على هذا الحال يعلقون هذا الحديث بدل أن يكذبوا على رسول الله ﵌، كما يقولون: قال رسول الله ﵌: (جاهدوا البلاء)، فكيف تعتبرون مثل هذه الأحاديث المكذوبة التي لا أصل لها وتخفون مثل هذه النصوص المشرقة التي تنطق بكذبكم في دعواكم؟! يقول ﵊: (تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة) فهذا الحديث لا يحتمل التأويل، ويُعرف متى تكون المرأة ولوداً إذا كانت بكراً بالنظر في أقاربها، مثل أمها وقرابتها، وإذا كانت ثيباً فتعرف إذا كانت أنجبت من قبل أم لا.
أيضاً: بيّن ﵌ أن الولد قرة عين والديه، وأنه نعمة كبرى يجب شكرها، فقد قال ﵌ للنساء: (إياكن وكفران المنعمين! قالت إحداهن: أعوذ بالله يا نبي الله من كفران الله.
قال: بلى، إن إحداكن تطول أيمتها).
أي: تطول فترة مكثها عند أبيها؛ لتأخرها في الزواج، قال: (إن إحداكن تطول أيمتها، ويطول تعنيسها، ثم يزوجها الله البعل ويفيدها الولد وقرة العين، ثم تغضب الغضبة -أي: من زوجها- فتقسم بالله ما رأت منه ساعة خير قط! فذلك كفران نعم الله ، وذلك من كفران المنعمين).
الشاهد هنا قوله: (ويفيدها الولد وقرة العين) في سياق الامتنان عليها بهذه النعمة.
وقد رغّب السلف في كثرة الولد والإنجاب بنيّة أخرى قد يعجب لها الذين لا يفقهون التجارة مع الله والعمل الصالح، قال ﵊: (صغارهم دعاميص الجنة، يتلقى أحدهم أباه على باب الجنة، فيأخذ بصنفة إزاره كما آخذُ بصنفة إزارك هذا فلا ينتهي حتى يدخل الجنة).
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور:٢١]، فصغار المسلمين دعاميص الجنة، والدعموص: الحيوان الصغير أبو ذنيبة يكون في الماء، وهي الزوارب الصغيرة التي تتحرك كثيراً في الماء، وتملأ أحواض الماء أحياناً.
فيأتي أحدهم يوم القيامة، ويقف على باب الجنة، حتى إذا جاء أبوه يأخذ بصنفة إزاره، أي: طرف ثوبه، ويمسك به فيجرّه، فلا ينتهي حتى يدخله الجنة، فكان بعض السلف يستدلون بهذا على استحباب الزواج لتحصيل الأولاد عسى أن ينال أحدهم هذا الثواب؛ ففي ذلك خير عظيم.
والنبي ﵊ كان يعلّم النساء، فقال: (ما من امرأة قدمت من ولدها ثلاثة إلا كانوا لها حجاباً من النار) أو كما قال ﵊، فقالت امرأة: (واثنين؟ قال: واثنين).
فالشاهد: أن المرأة إذا مات في حياتها ثلاثة من ولدها وصبرت على ذلك فهؤلاء الثلاثة يكونون حجاباً لها من النار، ويكونون حجاباً للوالد أيضاً، فهذا كله مما يتفطن إليه الذين يفقهون كيف يتاجرون مع الله بالعمل الصالح، ومن ينوي أن يأتي بأولاد لعل بعضهم يموت في حياته، فإنه سينال هذا الأجر العظيم في الآخرة إن شاء الله.
стр. 1881
الحث على التزوج والإنجاب
قال ﵌: (وأهل النار خمسة)، فذكر منهم: (الضعيف الذي لا زبر له -أي: لا عقل له- الذين هم فيكم تبع لا يبغون أهلاً ولا مالاً) فهو ضعيف ليس له همة، ولا يريد أن يتحمل المسئولية، فكونهم لا يبغون أهلاً ولا مالا هذا ضعف منهم، كما جاء عن بعض السلف -ولعلّه عمر ﵁ أنه قال لبعض من لم يتزوج: (ما يمنعك من الزواج إلا عجز أو فجور).
فهو من أجل أن يحض الرجل على التزوج خاطبه بهذا الكلام.
وقال ابن مسعود ﵁: (لو لم يبق للأجل إلا عشرة أيام أعلم أني أموت بعدها ولي طَول النكاح فيهن لتزوجت مخافة الفتنة).
وجاء عن أنس ﵁ في حديث الرهط الثلاثة الذين أتوا بيوت النبي ﵌ يسألون عن عبادته، فلما أُخبروا بها كأنهم تقالّوها، وقالوا: (وأينّا مثل رسول الله ﵊؛ فإنه قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فقال أحدهم: أما أنا فأقوم ولا أنام، وقال الآخر: وأما أنا فأصوم ولا أفطر، وقال الثالث: وأما أنا فلا أتزوج النساء، فبلغ ذلك النبي ﵌، فغضب لهذه المقالات، وقال كلمته المشهورة: (إني أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني).
فانظر إلى الشدة مع غير أهل المعاصي، فإنه كان يعامل أهل المعاصي بلطف ورحمة وترفق، أما أهل البدع الذين يسنون طرقاً محدثة فكان ينكر عليهم ﵊ أشد الإنكار.
وقال ﵌: (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء).
وعن سعيد بن جبير ﵀ قال: قالي لي ابن عباس ﵄ قبل أن يخرج وجهي -أي: قبل أن تنبت لحيته-: (هل تزوجت؟ فقلت: لا.
قال: تزوج؛ فإن خير هذه الأمة أكثرها نساء).
رواه البخاري.
فهذه المحاورة كانت في مقتبل عمره، وفي قول ابن عباس: (خير هذه الأمة) يحتمل أمرين: الأول: أنه يقصد خير إنسان في هذه الأمة، وهو رسول الله ﵌، فإن النبي ﵊ تزوج وأكثر من النساء، وكأنما قيّد بكلمة: (هذه الأمة) إشارة إلى أن هذا الظل يشمل سائر الأمة، حيث أبيح له ﵊ أن يزيد على أربع، وقيد بهذا القيد: (خير هذه الأمة) لأن من الأمم السابقة من الأنبياء من تزوج أكثر من ذلك، كداود وسليمان عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام، كما جاء عن سليمان ﵇ أنه قال: (لأطوفن الليلة على مائة امرأة أو تسع وتسعين، كل واحدة تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله) فانظر إلى النية؛ وهذه الأمة أمة مجاهدة، خلقت لتطلب الموت كما يطلب أعداؤها الحياة، فهي أمة ينبغي أن تكون دائماً في حالة استنفار وفي حالة خروج إلى الجهاد في سبيل الله ﵎، فقال: (لأطوفن الليلة على مائة امرأة أو على تسع وتسعين امرأة كل واحدة تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله.
فقال له صاحبه: قل إن شاء الله.
فلم يقل: إن شاء الله، فلم تحمل منهن إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل، والذي نفس محمد بيده! لو قال: إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرساناً أجمعون) رواه البخاري.
стр. 1882
نهي النبي ﷺ عن التبتل والاختصاء
نهى النبي ﵌ عن التبتل والاختصاء، فعن سعد ﵁ قال: (أراد عثمان بن مظعون ﵁ أن يتبتّل -أي: يمتنع من الزواج ويتفرغ للعبادة- فنهاه النبي ﷺ ، ولو أجاز له ذلك لاختصينا).
رواه مسلم.
قال ابن مظعون أيضاً في رواية أخرى: (يا رسول الله! ائذن لي في الاختصاء.
فقال: إن الله قد أبدلنا بالرهبانية الحنيفية السمحاء).
وعن عبد الله ﵁ قال: (كنا نغزو مع رسول الله ﷺ ، وليس لنا شيء) أي: ليس لنا ما نتزوج به (فقلنا: ألا نختصي؟ فنهانا عن ذلك) رواه البخاري.
فبين الرسول ﵌ أن العلاج بأن يبادر كل إنسان إلى النكاح، فإن عجز عن الباءة فليبادر إلى الصيام والأخذ بأسباب تقليل الشهوة، أما الجنوح في مثل هذا العناء الذي نلقاه إلى الاختصاء وتغيير خلق الله، فهذا مجرد انفعال بظروف مؤقتة سرعان ما تزول، فلنلتزم بقول الله : ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور:٣٣].
والاختصاء فيه تعذيب للنفس، وفيه إبطال لمعنى الرجولية، وفيه تغيير لخلق الله، وفيه الكفر بنعمة الرجولة، وفيه اختيار النقص على الكمال، وفيه أيضاً قطع النسل، ولهذا نهى عنه النبي ﵌.
ودخل سعد بن هشام على أم المؤمنين عائشة ﵂، فقال: إني أريد أن أسألك عن التبتل، فما ترين فيه؟ قالت: فلا تفعل، أما سمعت الله يقول: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد:٣٨]؟ وفي رواية أنها قالت له: لا تفعل، أما تقرأ ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١]؟ فقد تزوج رسول الله ﷺ وقد ولد له.
وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﵌: (لا صرورة في الإسلام).
قيل: الصرورة: هو الشخص الذي وجد سعة وقدرة على الحج ولم يحج.
فلا يحتمل أن يكون في المسلمين رجل يقدر على الحج ثم يقصّر في ذلك، فهذا الفعل لا ينبغي أن يكون من المسلمين.
الاحتمال الثاني: أن المقصود بالصرورة: الرجل القادر على مؤن النكاح ولم يتزوج، لا لعذر ولكن كرهبانية النصارى، فيكون معناه: لا تبتّل في الإسلام.
стр. 1883
حال الصحابة في الاستكثار من الأولاد
الدعوة الصريحة إلى كثرة النسل معروفة في السنة المطهرة، وكذلك في سير الصحابة ﵃، فعن أنس ﵁ قال: (قالت أمي: يا رسول الله! خادمك أنس، ادع الله له؟ فقال: اللهم أكثر ماله وولده، وبارك له فيما أعطيته)، رواه البخاري.
فبورك لـ أنس ﵁ في ولده حتى رأى مائة ولد من صلبه قبل أن يموت.
وأبو بكر رضي الله تعالى عنه أيضاً رأى مائة من صلبه قبل أن يموت، وكما دعا النبي ﵌ لـ أبي طلحة لما مات ابنه، فقال له: (لعل الله يبارك لكما في ليلتكما، فقال رجل من الأنصار: فرأيت لهما تسعة أولاد كلهم قد قرأ القرآن)، رواه البخاري ومسلم.
وعن أسماء ﵂: (أنها حملت بـ عبد الله بن الزبير بمكة، قالت: فخرجت وأنا متمّ -أي: على وشك الولادة- فأتيت المدينة، فنزلت قباء، فولدت بقباء، ثم أتيت به رسول الله ﷺ ، فوضعته، ثم دعا بتمرة، فمضغها، ثم تفل في فيه، فكان أول شيء دخل جوفه ريق رسول الله ﷺ ، ثم حنكه بالتمرة، ثم دعا له فبرّك عليه، وكان أول مولود ولد في الإسلام -أي: بعد الهجرة- ففرحوا به فرحاً شديداً) أي: فرح جميع المسلمين في المدينة به فرحاً شديداً؛ لأن عدد الموحدين زاد واحداً، وعدد جنود الله زاد جندياً، ولو أن أسماء بنت أبي بكر ﵄ أرادت التحديد في النسل، ولم تنجب عبد الله بن الزبير، فكم كان سيفقد التاريخ الإسلامي تلك الأمجاد التي أسسها عبد الله بن الزبير؟ وكم كنا سنحرم معشر المسلمين من هذه البركات التي قدّمها ابن الزبير؟ وانظر إلى صلاح الدين الأيوبي أو ابن سامية أو محمد بن عبد الوهاب أو الأئمة الأربعة أو غيرهم من هؤلاء الأعلام والعباقرة الذين تصدروا مجالات الجهاد والعلم والعمل والعبادة وغير ذلك، ولو اتخذت أمهاتهم هذه السبيل الشيطانية الكنسية فكم كانت ستحرم الأمة؟! ونحن نحرم الآن -بسبب هذه السياسة الشيطانية الكنسية- من كثير من العباقرة، لعله يكون في أحدهم مخرج للأمة مما هي فيه من الضياع.
فانظر كيف فرح المسلمون بمولد ابن الزبير وهم لا يعلمون الغيب؟ وإنما كان فرحهم لمولد مسلم موحد، وهو أول مولود ولد بعد الهجرة، فلماذا فرحوا به فرحاً شديداً؟ وما سرّ هذا الفرح؟ لأنه قيل لهم: إن اليهود قد سحرتكم، فلا يولد لكم! رواه البخاري ولأنهم كانوا يعلمون حرص اليهود على تقليل نسل المسلمين، كما يحصل الآن، فالدول الأوروبية والغربية -وبالذات الشيطان أمريكا- تضغط بكل ثقلها حتى تضعف وتنقص عدد المسلمين، وتقلل عدد الموحدين، في نفس الوقت تجد التكثير الهائل لعدد اليهود لعنهم الله، ففي فلسطين المسروقة تجد أنهم يجتمعون من كل أنحاء الأرض: من روسيا من الهند من شتى بقاع الأرض، يجتمعون إلى ما يسمونه (أرض الميعاد) ويسلكون كل وسيلة من أجل تكثير نسلهم، أما عند المسلمين فيكون الأمر بالعكس، كما ترون.
وفي رواية ابن سعد قال: (فلما ولد عبد الله بن الزبير كبر المسلمون تكبيرة واحدة حتى ارتجت المدينة تكبيراً) يعني: لميلاد ابن الزبير ﵄.
وكان ﵌ يقول في دعائه: (اللهم زدنا ولا تنقصنا).
وطلب الزيادة يشمل أي زيادة عددية أو نوعية؛ لأن الكثرة التي هي كغثاء السيل لا شأن لها، ولا قيمة لها، وإنما المقصود: أن يكثر النسل ويحصل اهتمام بتربيته وتوعيته وإعداده ليكون جندياً في سبيل الله ﵎، فقوله: (اللهم زدنا) أي: زدنا من كل خير، ومن أعظم الخير: الذرية.
وقد بين القرآن أن نقصان الأنفس مصيبة وبلاء، يقول ﵎: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:١٥٥].
وفسّر بعض العلماء الأنفس: بأنها هي أنفس المقاتلين والمجاهدين، والثمرات فسّروها بأنها: الذرية والأولاد.
والصحابة رضي الله ﵎ عنهم تفاعلوا مع هذه التوجيهات الإلهية والنبوية أعظم التفاعل، وعملوا بها، فكان منهم أولاد كثيرون ﵃، فمثلاً: خالد بن الوليد ﵁ كان له عدة زوجات، وأنجب أكثر من أربعين ولداً، منهم: سليمان، وعبد الرحمن، والمهاجر، وهؤلاء هم الذين بقوا من أولاده بعد أن مات من أولاده نحو أربعين في سنة الطاعون بمدينة حمص بالشام.
وكان للأقرع بن حابس عشرة من الولد، بلغوا مبلغ الرجال في حياته، واشتركوا معه في جهاد الروم تحت راية خالد بن الوليد، واستشهدوا جميعاً معه في موقعة اليرموك.
وكان للعباس بن عبد المطلب ﵁ عشرة من الولد أيضاً، أصغرهم: تمام، وكان العباس ﵁ يقول: تموا بـ تمام فصاروا عشرة وكان لـ عمر بن الخطاب ﵁ عدة أولاد، منهم: عبد الله، وعبيد الله، وعبد الرحمن، وحفصة أم المؤمنين ﵂، وعاصم، وزيد، ورقية من أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب، فإن علياً ﵁ زوّج ابنته أم كلثوم من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵃، فتباً للشيعة الذين يُكفّرون أمير المؤمنين عمر، ويزعمون أن العداوة قائمة بين هؤلاء الأصحاب! وكذلك عبد الله بن عمر كان له عدة أولاد بلغوا مبلغ العلم والرواية، منهم: عبد الله، وعبيد الله، وسالم، وبلال، وزيد، وحمزة سوى ما له من الإناث.
стр. 1884
العزل وحكمه في الشريعة الإسلامية
ونقترب أكثر من الموضوع، ونناقش حكم وسيلة من وسائل منع الحمل كانت معروفة عند الرعيل الأول، والأدلة التي وردت في هذه الوسيلة، ومن المعروف أن الجاهليين في الأصل كانوا يسلكون هذا المسلك في التخلص من الأولاد خوف الفقر بعدّة أساليب، منها: قتل الأولاد بوأدهم، سواء الذكور أو الإناث، فكانوا أحياناً يقتلون الذكور والإناث خوف الفقر.
وأيضاً من الوسائل الأولى التي كانت عندهم ما وصل إليه العصر الحديث من أساليب تحديد النسل، وأغلب من يتكلم في قضية حكم تحديد النسل يتكلم في حكم العزل، على اعتبار أنه كان الوسيلة المتاحة في عهد النبي ﵌ لمنع الحمل.
وعند الكلام عن حكم العزل لا بد أن ننتبه إلى أننا نناقش حكمه بالنسبة للأفراد، ولا نناقش حكمه بالنسبة للأمة في مجموعها، وإلا فالأمة في مجموعها لا يجوز لها الترغيب في تقليل النسل بصورة كلّية، كما تبث لها الأجهزة الإعلامية الآن، حتى تضاد المقاصد العليا للشريعة الإسلامية، والتي منها: تكثير النسل.
إذاً: فكلامنا عن حكم العزل بالنسبة لآحاد الناس عند حصول ظروف خاصة، فنبين حكم هذه الرخصة على التفصيل الذي نذكره إن شاء الله تعالى، وما عدا ذلك من الوسائل فيقاس على وسيلة العزل، وإن كان العزل في الحقيقة فيه كثير من الأضرار، فإذا وجدت وسيلة ليست فيها هذه الأضرار فتكون أفضل من العزل من باب أولى، ولكن في الواقع أن كل الوسائل تقريباً لها أضرارها ومخاطرها، ولا توجد -بإقرار الأطباء- وسيلة مثالية لتحديد أو منع الحمل مطلقاً؛ لأنه ضد الفطرة.
أما أهم الأحاديث التي وردت في العزل فحديث جابر ﵁ قال: (كنا نعزل على عهد رسول الله ﷺ والقرآن ينزل).
متفق عليه.
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (أصبنا سبياً فكنا نعزل، فسألنا رسول الله ﷺ ، فقال: أوَإنكم لتفعلون؟ قالها ثلاثاً، ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلا هي كائنة).
رواه البخاري ومسلم.
وروى مسلم عن أبي سعيد أيضاً قال: (غزونا مع رسول الله ﷺ غزوة بني المصطلق، فسبينا كرائم العرب، فأطالت علينا العزبة، ورغبنا في الفداء فأردنا أن نستمتع ونعزل، وقلنا: نفعل ورسول الله ﵌ بين أظهرنا لا نسأله؟! فسألنا رسول الله ﷺ ، فقال: لا عليكم ألا تفعلوا، ما كتب الله خلق نَسمة هي كائنة إلى يوم القيامة إلا ستكون).
وروى الشيخان عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ سئل عن العزل، فقال: (لا عليكم ألا تفعلوا ذاكم، فإنما هو القدر).
وفي الحديث أيضاً: (لو أن الماء الذي يكون منه الولد أهرقته على صخرة لكان منه الولد، وليخلقن الله نفساً هو خالقها).
وروى مسلم أيضاً عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (ذكر العزل عند رسول الله ﷺ ، فقال: ولِمَ يفعل ذلك أحدكم؟! -ولم يقل: فلا يفعل ذلك أحدكم- فإنه ليست نفس مخلوقة إلا الله خالقها).
وروى مسلم أيضاً عن جابر بن عبد الله ﵄ أن رجلاً أتى رسول الله ﷺ ، فقال: (إن لي جارية هي خادمنا وسانيتنا -أي: التي تسقي لنا- وأنا أطوف عليها، وأنا أكره أن تحمل)، لأنهم كانوا يكرهون حمل الإماء؛ لأنها إذا صارت أم ولد فلا بد أن تبقى معه بقاءً دائماً، وأحياناً ربما فعل الصحابة ذلك خشية أن يقع ضرر بالرضيع إذا حدث الحمل أثناء الرضاعة.
يقول هذا الرجل: (إن لي جارية هي خادمنا وسانيتنا، وأنا أطوف عليها، وأنا أكره أن تحمل، فقال: أعزل عنها إن شئت، فإنه سيأتيها ما قدر لها، فلبث الرجل، ثم أتاه، فقال: إن الجارية قد حملت، فقال: قد أخبرتك أنه سيأتيها ما قدر لها).
وروى مسلم وغيره عن جذامة بنت وهب -أخت عكاشة - حديثاً طويلاً، جاء فيه: أنهم سألوه ﵌ عن العزل، فقال رسول الله ﵌: (ذلك الوأد الخفي، ذلك الوأد الخفي).
وعن جابر ﵁ قال: كانت لنا جوارٍ وكنا نعزل، فقالت اليهود: إن تلك الموءودة الصغرى، فسئل رسول الله ﵌ عن ذلك فقال: (كذبت اليهود، لو أراد الله خلقه لم تستطع رده).
فعموم هذه الأحاديث ما عدا حديث جذامة بنت وهب يفيد جواز العزل عن المرأة؛ اتقاء الحمل، وإن كانت لا تخلو من الدلالة على كراهة هذا الفعل، فقول جابر في الحديث الأول: (كنا نعزل على عهد رسول الله ﷺ يدل على أن النبي ﷺ كان يعلم أنهم يعزلون، وأنه كان يقرهم على ذلك، وإلا فما معنى قوله: (ونحن على عهد رسول الله ﷺ ؟ فلو كان حراماً لم يسكت عنه النبي ﷺ ، ومثل هذا التعبير يعتبره العلماء في حكم الحديث المرفوع حتى ولو لم يضف إلى النبي ﵌، مع أنه هنا قد أضيف.
وأما الحديث الثاني الذي فيه قوله ﵌: (أو إنكم لتفعلون؟)، فهذا يحتمل أنه استنكار على وجه كراهة العزل، ويحتمل أن الاستنكار على وجه التحريم.
كذلك قوله في الحديث الثالث والرابع: (لا عليكم ألا تفعلوا) يحتمل أنه إذن، ويحتمل أنه نهي، فيحتمل أن يكون معنى الجملة: ليس عليكم أن تتركوا ذلك، ويحتمل أن يكون: لا تعزلوا، وعليكم ألا تفعلوا ذلك، إلا أن الحديث الثالث وهو قوله ﵊: (اعزل عنها إن شئت) قد رفع أحد الاحتمالات، فبقيت الجملة الأولى دالة على الكراهة، وأما الجملة الثانية فدلت على الإذن وعدم الحرج.
فهذه سبعة أحاديث من المجموع الذي سردناه تدل على جواز العزل من حيث المبدأ، بقطع النظر عن الإباحة أو الكراهة، والحديث الذي يدل بظاهره على المنع هو حديث جذامة بنت وهب فقط، وهو الذي قال فيه النبي ﵌ لما سألوه عن العزل: (ذلك الوأد الخفي)، فكيف نوفق بين حديث جذامة هذا وبين الأحاديث الأخرى؟ لقد سلك العلماء في ذلك عدة مسالك، أرجحها ما ذكره الإمام النووي في شرح مسلم حيث قال: ويفهم من كلام الطحاوي في شرح معاني الآثار أن حديث جذامة هذا يحمل النهي فيه على كراهة التنزيه، ويحمل الإذن الوارد في الأحاديث الأخرى على عدم الحرمة، فيكون القدر المشترك في دلالة الأحاديث المختلفة كلها هو كراهة التنزيه.
فهذا هو الترجيح الذي اعتمده النووي والطحاوي كما حكى ذلك عنه وابن حجر، وجماهير الفقهاء والمحدثين.
وقد ضعف بعض العلماء حديث جذامة؛ بسبب كثرة الأحاديث الصحيحة المعارضة له، وبعض العلماء قالوا: إن حديث جذامة مضمونه المنع، وهذا المنع كان معمولاً به، ثم نسخ فيما بعد بالأحاديث الدالة على الجواز.
وقال الإمام ابن حزم ﵀: إن حديث جذامة هو الذي يجب العمل به؛ لثبوته في الصحيح، ولاضطراب طرق الأحاديث الواردة في مقابلته، ولأن حديث جذامة دال على المنع، والأحاديث الأخرى دالة على الإباحة، وعند التعارض يقدم الحاظر على المبيح، وسواء جاء كلام الإمام ابن حزم أو من قبله بدعوى النسخ أولم يجئ؛ فإن ادعاء حصول النسخ بدون توفر شروط النسخ غير مقبول، والله أعلم.
فخلاصة الكلام: أن في هذا الأمر كراهة تنزيه، وأن الأولى عدم فعل العزل، وقد ذهب الأئمة الأربعة بناءً على هذه الأحاديث إلى جواز عزل الرجل ماءه عن زوجته، مع الكراهة التنزيهية، واتفق الإمام مالك وأحمد وأبو حنيفة على أن ذلك مشروط برضا الزوجة، واختلف أصحاب الشافعي: فمنهم من وافق الجمهور في هذا الشرط، ومنهم من خالفه فأجازه بدون ذلك.
وخلاصة الكلام في هذا: أن الأئمة الأربعة متفقون على جواز العزل مع الكراهة التنزيهية عن الزوجة إذا كان ذلك برضاها، فإن لم يكن برضا منها فالأئمة الثلاثة متفقون على التحريم، وللشافعية في ذلك وجهان، رجح الإمام النووي منهما عدم التحريم، وفي الحديث: (نهى أن يعزل عن الحرة إلا بإذنها) وهذا يقوّي ما ذهب إليه الجمهور من اشتراط رضا الزوجة، ولقوله ﵌: (لا ضرر ولا ضرار) فللزوجة حق في الولد كما للزوج حق في ذلك، فلا ينبغي له تفويت حقها بدون إذنها، بجانب أن العزل إذا لم يكن بإذنها فإن فيه مضار طبية وصحية، فلا ينبغي أن يكرهها على ذلك.
وأيضاً حتى يباح العزل يشترط ألا يكون فيه ضرر للزوج أو الزوجة، فإذا نشأ عن العزل ضرر بهما أو بأحدهما وعلم ذلك بشهادة طبيب موثوق حرم العزل، سواء توفر رضا الزوجة أم لا؛ إذ الشرع لا يملّك الإنسان اختياراً بصدد الإقدام على ما قد يضره.
أيضاً يدخل في حكم العزل هذا ويقاس عليه كل ما قد يشبهه من الوسائل التي يتخذها الزوجان أو أحدهما لمنع الحمل، كالحبوب التي تستعملها النساء -وغير ذلك مما سنذكره- فإذا اتفق الزوجان على شيء من ذلك ولم يسبب ضرراً بالجسم والنفس بناءً على مشورة طبيب موثوق جاز استعماله مع كراهة التنزيه.
стр. 1885
الأضرار المترتبة على تناول حبوب منع الحمل
اتضح طبياً أن أضرار حبوب منع الحمل على مختلف أجهزة الجسم كبيرة، ولذلك فهي ليست كالعزل في حصول الضرر، ويمكن التأكد من ذلك بالرجوع لأي مرجع في علم الصيدلة؛ فهناك مراجع حافلة في هذا المجال بكل لغات العالم، وفيها بيان أضرار هذه الوسيلة الخطيرة من وسائل منع الحمل، وأكثر أصابع الاتهام في حالات السرطان عند النساء تشير إلى أن سببها استعمال هذه الأقراص، ومن أراد أن يتاكد فليسأل أي متخصص في أمراض النساء أو الأدوية عن الخطر الكامن وراء هذه الحبوب.
فأول هذه الأشياء: وجود سرطان للمرأة، أو حدوث التهابات أو أمراض الكبد، أو أمراض القلب والكلى والسكر، وأمراض تصلب الشرايين، وحدوث حالات الغثيان والصداع وزيادة الوزن، وذلك بسبب احتجاز نسبة كبيرة من الماء داخل الجسم، حيث تحبس في الجسم نسبة كبيرة من الماء، ولأجل هذا فإن بعض الناس ممن لا يوجد عندهم إيمان ولا خوف من الله ممن يتاجرون بالدواجن يضعون حبوب منع الحمل في طعام وعلف الدواجن؛ لأنها تسبب زيادة الوزن نتيجة انحباس الماء فيها في الخلايا، يفعلون ذلك حتى يزداد وزنها فترد عليهم دريهمات قليلة وهم قد آذوا المسلمين وخانوهم بهذه الخيانة العظمى، فبالتالي هذه الفراخ أو الدواجن يأكلها الرجال، وهذا فيه خطر شديد جداً بالنسبة للرجال، حيث إن أحد الأستاذة المتخصصين في الأمراض التناسلية أعد بحثاً، فقد كانت عنده مزرعة، فلاحظ أن العلف يضيفون إليه حبوب منع الحمل لهذا الغرض المادي، وقد اقترن في بداية انتشار هذه الظاهرة ونزول هذه الفراخ التي تعلف بهذا العلف أنه بدأ يستقبل الحالات كثيرة من الرجال الذين آذتهم أذىً شديداً، فعمل إحصائيات وبحثاً وقدمه إلى منظمة الصحة العالمية، وبين أن هذا شيء خطر على الناس، فرد عليه الموظف بقوله: إنها سياسة دولتكم ولا شأن لنا بها!! الشاهد: أن من أخطار هذه الحبوب أن الرجال أيضاً يتعاطونها، فينبغي أن يتنبه المسلمون من خطر وضع هذه الحبوب في علف الدواجن.
ومن أخطار ومضاعفات هذه الحبوب: تزايد نسبة تجلط الدم في المخ أو في القلب، كما أنها تؤثر أيضاً على وظائف الكبد، وتزيد احتمال حدوث سرطان الرحم، وتؤدي إلى ارتفاع ضغط الدم، وظهور مرض السكر في الحالات التي عندها استعداد لهذا المرض، وتؤثر على الرضاعة بتقليل كمية اللبن، ويمكن أن تحدث تساقطاً في الشعر وتغييراً في لون الجلد عند بعض النساء، أو حساسية أيضاً عند بعضهن.
ونحتاج أيضاً أن نذكر نصوصاً لبعض أهل الاختصاص في هذه الحبوب، فإننا نلاحظ أنهم يُجمعون على أن لهذه الحبوب آثاراً ضارة مع تفاوت بين بعضها البعض، لكن أخطرها بصفة خاصة: الهرمونات؛ لأن لها أكبر الأثر على صحة المرأة؛ فهي تؤدي إلى اضطراب عام في صحة الجسم، بل تؤثر على نفسية المرأة، حيث تصبح عصبية أو تصيبها بعض الأعراض النفسية.
فهذا الدكتور محمد المنية الأستاذ المساعد بجامعة القاهرة تحدث عن أقراص منع الحمل بين المنفعة والضرر، ثم نصح المريضة التي تتعاطى تلك الأقراص لمدة أكثر من ثلاثة أشهر، وقد حذر من استعمالها كمانع للحمل؛ لما لها من مضاعفات وأضرار على صحة المرأة، وقد أورد بعض الحالات المرضية المعقدة لبعض النساء التي أشرف على علاجهن؛ نتيجة تعاطيهن أقراص منع الحمل.
يقول: وبالرغم من الفوائد الاستثنائية لأقراص منع الحمل، فإنني لا أسمح لواحدة من أسرتي باستعمال هذه الأقراص.
ومن التغرير ما يكتب على الورقة التي تصاحب أقراص منع الحمل، فإنها تكتب بخط صغير جداً؛ حتى لا ينتبه أكثر الناس إلى الأضرار المترتبة على تناول أقراص منع الحمل.
يقول ميك كارمك: رغم الجهود التي تبذل للإشادة بذكر هذه الحبوب والدفاع عن سمعتها فلا يخفى على أهل البصيرة ما فيها من عوامل مضرة بصحة المرأة، وتعطيل الكثير من قواها العقلية والتناسلية، فمن الخيانة الشنيعة القول بأنها غير ضارة بصحة المرأة.
وأثبتت البحوث والدراسات التي أجريت: أن أمراض سرطان الرحم، وتسممات الحمل ونحوها تنتشر بصورة أكبر وأسرع في البيئات التي تأخذ بتنظيم الأسرة، أما البيئات التي لا تأخذ بتنظيم الأسرة، ولا تستعمل الوسائل الصناعية لمنع الحمل، فإن نسبة هذه الأمراض تقلّ فيها، وهذه الحقيقة تعكسها المؤتمرات الطبية لتسممات الحمل وسرطان الرحم والثدي التي عُقدت وما زالت، وقد أثبتت الدراسة والبحث أن تلك الحبوب تزيد من تسممات الحمل، وتؤثر على المرأة، وتعرضها لاضطرابات عصبية ونفسية.
стр. 1886
اختلاف الحكم الشرعي على تحديد النسل في الحالات الفردية عنه في الحالات العامة
كل الكلام الذي مضى فيما يتعلق بتحديد النسل أو العزل أو غيره من الوسائل، إذا قلنا بجوازه مع الكراهة، وبشرط عدم وجود الضرر، كل ذلك إنما هو رخصة يتمتع بها آحاد الناس، أما تحديد النسل بمعنى تبني نظام عام، يلزم الأمة كلها أن تقف بالنسل عند حد معين، بلا فرق بين من تحتاج إلى ذلك بسبب مرض أو رضاعة، ولا بين ضعيف ولا قوي، بل حتى ولا بين غني وفقير! فلا؛ فهم يشوشون على الناس ويقولون: الفقير لا بد له من تحديد النسل، فنقول: فما بالكم بدعوتكم أيضاً الموجهة إلى الأغنياء والقادرين على النفقة! فكون الأمة كلها برمتها تتجه إلى هذا الاتجاه، فإن هذا سيكون له شأن آخر.
فكل ما سبق ليس له علاقة بالمجتمع كله، من حيث هو هيئة تركيبية يمثلها الحاكم، أو الدولة، فالدولة لا تستطيع أن تفيد شيئاً من أحكام الجواز في هذه المسألة، ولا يحق لها أن تعتمد على هذه الأحكام في أي إجراء تتخذه؛ فإن هذه أحكام خاصة بآحاد الناس، فالدولة ليست هي صاحب العلاقة المباشرة في الموضوع، وليست لها أي سلطة أو ولاية على شيء من أركانه؛ لأن هذه العلاقة خاصة.
فمثلاً: موضوع العزل أو تحديد النسل، هذا شيء خاص بالزوج والزوجة فقط، بالشروط التي أشرنا إليها، لكن الدولة ليس لها أن تتدخل في هذه العلاقة الخاصة، بحيث تحمل أحداً على شيء معين.
ومثال ذلك: الطلاق، فإنه حق أعطاه الشارع للرجل أو لصاحب العلاقة الذي يملك عقد الزواج بشروط وقيود معروفة، وليس للدولة أن تفرض لنفسها صلاحية -مثل حق تطليق المرأة من زوجها- على من تشاء من الناس، أو تجبر أحداً على الطلاق، أو توقع هي الطلاق عندما تجد مصلحة تقتضي ذلك، وحال هذه القضية كقضية تحديد النسل، فهي تعود إلى الشخصين اللذين يمثلان أركان القضية، فليس للحاكم أن يحتج بحالة يريد الشارع فيها للزوجين العمل على تحديد النسل، فيبني عليها دعوة عامة إلى ذلك، ويثير الدوافع والمرغبات، بل يشرع الالزامات الأدبية بالوسائل المختلفة.
ونحتاج إلى تمهيد يسير قبل أن نتم هذه النقطة، وهو: أن المباح في الشريعة نوعان: نوع يتفق مع حكم الأصل، مما ينطوي على فائدة ومصلحة عامة.
مثل: التمتع بالطيبات وتناول المباحات التي لا ضرر فيها، فالإباحة هنا ليست خاصة، وليس خاصاً بالفرد أن يقضي شيء بنفسه، بل يقضي به الحاكم لمجتمعه إذا شاء دون إلزام، إلا في حدود المصلحة العامة.
ونوع آخر من المباحات لا يتفق مع حكم الأصل، بل يشذ عن حكم الأصل والقاعدة والإباحة الأصلية العامة، لكن يدخله حكم الأصل أو الترخيص أو الإباحة، من أجل عارض يتعلق بأشخاص بأعيانهم، فالعزل والإباحة يبقى خطاً في نطاق هؤلاء الأشخاص الذين تعلقت بهم أحوال اقتضت التخفيف في أمر كان في أصله غير مباح، دون أن يتجاوز إلى غيرهم.
فالنكاح -كما سبق- شُرع أصلاً من أجل النسل، فالحكمة: بقاء النوع الإنساني، قال ﵊: (تناكحوا، تناسلوا، تكاثروا؛ فإني مباهٍ بكم الأمم يوم القيامة).
فالسعي إلى إيقاف النسل أو تقليصه مُنافٍ لأصل ما شرع النكاح من أجله، ولكن الشارع الحكيم رخص للزوجين في محاولة جزئية وفردية الحد من النسل؛ نظراً لظهور المصالح الشخصية التي قد تكتنفهما أو تكتنف أحدهما.
أما الحكم العام فقد بقي على أصله، وهو المنع، والحاكم العام هو الأمين على ذلك.
يقول الإمام الشاطبي ﵀: اعلم أن المباح ضربان: أحدهما: أن يكون خادماً لأصل ضروري أحادي أو تكميلي.
والثاني: ألا يكون كذلك.
فالأول: قد يراعى من جهة ما هو قابل له، فيكون مطلوباً ومحبوباً فعله، وذلك أن التمتع بما أحل الله من المأكل والمشرب ونحوها مباح في نفسه، وإباحته بالجزء، وهو خادم لأصل ضروري، وهو إقامة الحياة، فهو مأمور به من هذه الجهة، ومعتبر ومحبوب من حيث هذا الكلي المطلوب، فالأمر به راجع إلى حلقات الكلية، لا إلى اعتبار جزئي.
والثاني: إما أن يكون خادماً لما ينقض أصلاً من الأصول الثلاثة المعتبرة، أو لا يكون خادماً لشيء كالطلاق، فإنه ترك للحلال الذي هو خادم لكل إقامة النسل في الوجود.
يعني: أن الطلاق ترك للزواج، والزواج هو وسيلة من أجل تكثير النسل، فالطلاق في حد ذاته بالنسبة للمجموع هو مضاف في مصلحة المجموع، لكن هو بالنسبة للشخص الذي أبيح له الطلاق قد يكون ضرورياً؛ فقد لا يستطيع الإنسان أن يعيش مع زوجته، فلمصلحة فردية يباح له الطلاق، لكن لا يباح للمجتمع كله، فلا يصح أن نعمل دعوة قومية إلى الطلاق، ونعمل إعلانات ودعايات في كل مكان، وأن نبشر الناس بهذا وندعوهم ونحرضهم عليه.
وقد يعبر عن هذا المعنى الذي ذكرناه بقول العلماء في بعض القواعد الفقهية: (ليس كل ما هو مشروع للفرد مشروع للجماعة) وهذه القاعدة تتفرع عن قاعدة أهم، وهي: (تصرف الحاكم منوط بالمصلحة) أي: أن الحاكم وكيل عن الأمة في رعاية مصالحها، فعليه ألا يغامر بمصالحها، بل يحتاط في الأمر بالنسبة لها، فالناس كآحاد ممكن أن يغامر الواحد منهم لمصلحته، لكن الحاكم من حيث هو حاكم لابد أن يراعي مصلحة المجموع؛ فما يشرع للفرد قد لا يشرع للجماعة.
مثال ذلك: أن لأي فردٍ من الناس أن يقتدي في صلاته بفاسق إذا شاء ذلك، غير أن الحاكم لا يجوز له أن يعتمد على هذا الحكم بحجة أن الفقهاء قالوا بأنه يجوز أن يُصلى خلف الفاسق.
فيقوم الحاكم بتعيين إمام فاسق للناس، ليس له ذلك لأن الحاكم يقدر على أن يغير، فهو لا يباح له ما يباح لآحاد الناس.
أيضاً: ولي المقتول يملك أن يعدل عن القصاص إلى الدية، لكن الحاكم لا يملك مثل هذا الحق، ولا يستطيع أن يلزم ولي المقتول بمثل هذا.
وحينما يعطي الشرع الزوجين الحق بإيقاف النسل أو يمنعهما منه فإنما ذلك لمصلحة تتعلق بهما، ولأمر عائد إليهما، وقد يكون المجتمع شريكاً لهما في المصلحة بعض الأحيان، فتعميم الدولة حكم الإباحة أو الحظر هجر لمصلحة الأفراد، وتجاوز لواجب الحيطة في رعاية أمر العامة، ولو أن هؤلاء الذين يفتون الحكام بالدعوة إلى تحديد النسل تنبهوا إلى هذه القاعدة لعلموا أنهم مبطلون فيما يفعلون، وأنهم أخذوا حقاً أعطاه الله للأفراد أصحاب العلاقة فملكوه من لا حق له في امتلاكه أو التصرف به.
стр. 1887
الأسئلة
стр. 1888
إدراك الركوع إدراك للركعة
السؤال
إذا أدرك المأموم الركوع فهل تحسب له ركعة؟
الجواب
نعم، إذا أدرك المأموم الركوع تحسب له ركعة، فقد صحّ الحديث بذلك في سنن أبي داود من فعل بعض الصحابة ﵃ حينما دخل مسبوقاً مع آخر فأدركا الناس ركوعاً، فلما سلم الإمام قام الذي مع الصحابي ليتم، فأجلسه وقال: (اجلس فإنك قد أدركت).
وهذا مذهب جمهور العلماء، خلافاً لبعض أهل الحديث الذين تمسكوا بعموم الأحاديث التي فيها اشتراط قراءة فاتحة الكتاب وإيجاب ذلك، ولا تعارض؛ فهذه حالة خاصة فيها نص خاص من النبي ﷺ ، ومن هذه الأحاديث حديث أبي بكرة ﵁ حينما دخل المسجد، وركع دون الصف، ودب مسرعاً حتى دخل في الصف، فالتفت النبي ﷺ بعد الصلاة، وسأل: (من الذي فعل هذا آنفاً؟) فقال أبو بكرة: أنا.
فقال: (زادك الله حرصاً ولا تعد)، (لا تعد) قيل في معناها: لا تعد إلى العدو؛ لأنه كان يجري وهو يدب إلى الصف، وهذا أقرب التفسيرات، والشاهد: أنه لم يأمره بإعادة هذه الركعة وقد أدرك الناس الركوع، فدل ذلك على احتسابها والله تعالى أعلم.
стр. 1889
منهج أهل السنة في الأحاديث التي تخبر عن أحداث آخر الزمان
السؤال
هناك بعض الأحاديث التي فيها خروج المهدي وفتح المسلمين للقسطنطينية ورومية، وهكذا بعض أحاديث فيها أنه يكون في آخر الزمان استعمال السيوف والخيل ونحو هذه الأشياء، فهل يعني ذلك أن هناك مصيراً آخر للحضارة المادية الموجودة الآن؟
الجواب
على أي الأحوال منهج أهل السنة والجماعة في التعامل مع الأحاديث التي تخبر عن أحداث سوف تقع في آخر الزمان هو التصديق بها، والإمساك عن تأويلها وتفسيرها، ولنترك الواقع نفسه هو الذي يفسرها، فنحن لن نسأل عن مثل هذا، والخوض فيه خوض فيما لا يعني؛ لأن هذا غيب، والمطلوب منا أن نصدق به فقط، وأما كيف يقع؟ فنحن غير مسئولين عن تكلف إيجاده وإيقاعه، ولن نسأل عن أكثر من التصديق به، والتسليم له، ثم العمل بما أمرنا به النبي ﷺ إذا وقع شيء من هذه الأحاديث، فإذا كان هناك نص على أن هناك سلوكاً معيناً نلتزمه في هذه الأحداث فلنلتزم، كما أمرنا، مثل: أن نعتصم بالعشر الآيات الأول من سورة الكهف إذا أدركنا الدجال.
كذلك المهدي إذا توفرت الشروط أو العلامات التي تنبأ بها النبي ﷺ في حق المهدي، ووقعت هذه الأحداث التي تنبأ بها، حينئذٍ نقطع أنه هو المهدي ﵇، ثم إن من المناسب في هذا المقام التحذير من مفهوم نلاحظه أحياناً عند كثير من الناس، وهو أنهم حينما يدهشون بمستوى القوة المادية التي بلغها الكفار في هذا الزمان، يصل بهم الأمر إلى حالة من اليأس، فيترجم هذا اليأس مثل هذا التفكير الذي نسمعه، فحينما تتلى على الناس آيات التبشير بالنصر والإعزاز للإسلام فأمام هذا الانهزام أمام هذه الحضارة المادية فإنهم ييأسون ويعبرون عن هذه الأشياء بطريقة غير مباشرة، فيذهبون إلى أن انتصار الإسلام لن يكون إلا بطريق معين، وهو إمّا نزول خوارق من السماء تخرق السنن، وتؤيد المؤمنين بمجرد أنهم مؤمنون، أو أنه لا بد أن تحصل حرب عالمية تدمر كل هذه القوى الموجودة على الأرض، ليسلم من ذلك فقط المسلمون، وتعود البشرية سيرتها الأولى بالأخشاب والسيوف، والحجارة والخيول، والوسائل القديمة، فهذا في الحقيقة هروب من مواجهة الواقع، فينبغي أن نفكر في الواقع الذي نعيشه، وهؤلاء الكفار ليسوا معجزين في الأرض، فإنهم لم يسلكوا مسلك الخوارق، بل سخروا السنن التي خلقها الله ، واحترموا السنن الكونية، فالأرض إذا زرعها وحرثها ورعاها الكافر -يهودي أو نصراني أو حتى ملحد- لا تقول له الأرض: أنت كافر ولن أزرع لك.
وإذا كان صاحبها مسلماً فلن تزرع بدون تنقيتها من الحشائش وتغذيتها وري الزرع وتعاهده، فلن تميل إلى المسلم لأنه مسلم فتجامله، أو تقول للكافر: أنت كافر، لن أخرج لك ما فيّ من خيرات، كلا! فسنة الله أن من احترم السنن طاوعته هذه السنن، وهذه السنن الكونية لابد من احترامها، وأيضاً هناك سنن شرعية لابد من احترامها، فليس من احترام هذه السنن التعلق بأن تنزل معجزات تخرق العالم، فسنة الله جاءت في نصرة هذا الدين بالأسباب، مع أن الله قادر على أن يكون هو الذي يقول للشيء: كن فيكون، لكن لم يحصل هذا حتى مع الأنبياء، فالأنبياء ﵈ شُرّدوا طردوا أخرجوا عذبوا منهم من قتل جاهدوا في سبيل الله بذلوا هم وأتباعهم النفس والنفيس، وأخذوا بكل أسباب القوة، ولم يعوّلوا فقط على نزول الملائكة من السماء كمدد، ولم يعولوا على أن تنزل صاعقة على جيوش الروم والفرس فينتصر المسلمون!! فهذا التفكير ينبغي أن نزيله من عقولنا، وأن نواجه الحقيقة والواقع، ونحترم هذه السنن.
هذا خباب بن الأرت ﵁ يقول: (أتينا رسول الله ﷺ وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، وقد لقينا من المشركين شدة، فقلنا: يا رسول الله! ألا تدع لنا؟! ألا تستنصر لنا؟! فقال ﵊: لقد كان من قبلكم يؤتى بالرجل) الحديث.
إذاً: هذه سنة ماضية، ولابد من البلاء، كما قال الإمام الشافعي لما سُئل: يا أبا عبد الله أيهما أفضل للرجل أن يُمكّن أو يُبتلى؟ قال: لا تمكن حتى تبتلى.
فهذه سنة وقانون من قوانين الدعوة: أنه لابد من البلاء.
هذا أمر.
الأمر الثاني: لما سألوا النبي ﷺ أن يدعو لهم ويستنصر لهم عدل عن الدعاء لهم بتسليتهم بسنة الله في الذين خلو من قبل، فقال: (لقد كان من قبلكم يؤتى بالرجل فيحفر له حفرة في الأرض، ثم يوضع فيها، ثم يوضع المنشار على رأسه، ثم يشق نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، ما يرده ذلك عن دينه، والذي نفسي بيده! ليتمَّنَّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون) أي: تستعجلون السنن الكونية التي لابد من احترامها.
فحرص النية وحده لا يكفي، مثلاً: أن يختم الإنسان القرآن كله هذا من أعظم الأعمال الصالحة، لكن جرت السنة أن الإنسان لا يستطيع أن يختم القرآن إلا في عدد معين من الساعات، فإذا أردت أن تختم القرآن كله فلا يمكن أن تختمه في ساعة واحدة -ستين دقيقة- مهما أسرعت في القراءة؛ فقد جرت السنة أنه بمعدل وقت معين من الساعات يختم فيه القرآن الكريم.
ومثلاً: جرت سنة الله أن الجنين لا يصلح لأن يواجه الحياة إذا لم يمكث -على الأقل- سبعة أشهر أو تسعة أشهر في بطن أمه؛ فالأصل أنه إذا خرج مبكراً إلى الحياة فإنه لا يصمد أمام الحياة الخارجية؛ لأنه لم يكن قد تم اكتماله بعد، فبالتالي لا يعيش ولا يبقى.
فهذه سنن الله ، ولابد للإنسان أن يحترم هذه السنن.
стр. 1890
استخدام الشعر في خدمة الإسلام
السؤال
هل ثبت حديث فيه أن النبي ﵌ كان يحرض حسان بن ثابت ﵁ أن يقول الشعر في هجاء المشركين.
الجواب
نعم، هذا الحديث صحيح، وقد كان حسان ﵁ يسخّر هذه الموهبة التي وهبه الله إياها للانتصار للإسلام والذب والدفاع عن رسول الله ﵌، ففي مرة من هذه المرات، وفي محفل من هذه المحافل، قال ﷺ له: (أهجهم وروح القدس معك)، أو كما قال ﷺ .
وروح القدس هو جبريل، يعني: أن جبريل ﵇ يؤيدك الله ﵎ به، ويفتح عليك فيما تقوله انتصاراً لله ورسوله ﷺ ، وقال ﵊ في الحديث الآخر: (اهجهم بالشعر، فو الذي نفسي بيده! لهو أشد عليهم من وقع النبال أو السهام).
فينبغي للإنسان ألا يترك أي فرصة أو قدرة من قدراته أو موهبة من مواهبه إلا ويسخرها لخدمة الإسلام والدفاع عنه وعن حرماته.
والله أعلم.
стр. 1891
أمتي لا تنحرف [٢]
إن من أصول عقيدة الإسلام: الإيمان بأن الله الذي خلق الخلق هو الذي تكفل بالأرزاق، وأن الأرزاق مقدرة كما أن الآجال مقدرة، فلا خوف من الفقر بعد هذا؛ لأن الله جل وعلا لن يترك خلقه هملاً.
أما يدعو إليه الغرب وأذياله من دعوى تحديد النسل فما هي إلا حيلة لتقليل عدد المسلمين، فيزخرفون القول، ويزينون الباطل بحجة ضيق الأرزاق، فلا صحة لما يدّعونه، ولا قبول لما يقولونه، فالله هو الرزاق ذو القوة المتين.
стр. 1892
استمراء كثير من المسلمين لدعوى تحديد النسل ورضاهم بها بعد إنكارهم لها
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: يقول النبي ﷺ : (تناكحوا تناسلوا، فإني مباهٍ بكم الأمم يوم القيامة)، فمن أعظم مقاصد النكاح تكثير النسل المسلم، وعن معقل بن يسار ﵁ قال: (جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني أصبت امرأة ذات حسن وجمال، وإنها لا تلد أفأتزوجها؟ فقال: لا، ثم أتاه الثانية، فنهاه، ثم أتاه الثالثة، فقال: تزوجوا الودود الولود؛ فإني مكاثر بكم الأمم)، رواه أبو داود والنسائي وغيرهما.
وفي لفظ: (فإني مكاثر بكم الأنبياء).
وعن أنس بن مالك ﵁ أن عمر بن الخطاب ﵁ بعث رجلاً على بعض السعاية، فتزوج امرأة وكان عقيماً -أي: كان الرجل عقيماً- فقال له عمر: أعلمتها أنك عقيم؟ قال: لا، قال: فانطلق فأعلِمْها، ثم خيِّرها.
يقول الدكتور محمد الصباغ حفظه الله: إن غريزة الامتداد في الذرية والأحفاد لا يستطيع المرء السوي أن ينعم بها إلا عن طريق الزواج، فكما أحسن إليك والدك فكان سبب وجودك في هذه الدنيا، فكذلك ينبغي لك أن تقابل هذا الإحسان بالبر إليه، والوفاء له، فتنجب للدنيا نبتةًَ كريمة تتعاهدها بالتربية والتهذيب، فتحيي اسم والدك، ويكون عملها الطيب في سجلِّك.
يقول الدكتور الصباغ حفظة الله: ويكفي للممتنع عن الإنجاب عقوقاً أن يكون هو الشخص الأول الذي يقطع هذه السلسلة التي تبدأ بآدم وتنتهي به! قال الرسول ﵊ في الحديث الصحيح: (إن من البيان لسحراً)، وبعض العلماء يجعل هذا الحديث في سياق المدح، لكن على القول بأن المقصود بالسحر هنا الذم فهو مأخوذ من البيان والبلاغة في تزيين الباطل، وتضييع الحق، فلا شك أن هذا من أخطر أنواع السحر، وقد يسلط في هذا الزمان على المسلمين، وبعض الناس إذا حاورته في هذا الموضوع فأول ما يتبادر إلى ذهنه أنك إنسان مخبول؛ إذ كيف تتكلم في قضية مقررة ومسلمة، فكل الناس ينادون بتحديد النسل، وكل الناس يعانون من الفقر والضيق و، ويوجد بيننا الآن من يقول بخلاف ما عليه الناس!! وهذا كله من تأثير هذا السحر المحرم الذي هو: تزييف الحق وإظهاره في صورة الباطل، فسحر البيان هو الذي تسلطه أجهزة الإعلام على عقولنا وقلوبنا؛ لتصوغ منه مفاهيم جديدة، وأموراً تتضاد مع ديننا وشريعتنا وعقولنا، بل ومع فطرتنا، ومما يدل على ذلك أن تأثير هذه الدعاية بلغ إلى حدٍّ جعل الناس يظنون أن من يتكلم في مثل هذه الأمور مخبول أو جاهل! ولو رجعنا إلى المجلات الإسلامية التي كانت تصدر في بدايات ظهور هذه الدعوة، حيث كان في الأمة بقية من الوعي وعدم التخدير بالإعلام، تجد هجوماً عنيفاً جداً بمنتهى القوة والصراحة من كافة علماء المسلمين، ابتداءً من شيخ الأزهر إلى الدعاة والعلماء والباحثين، فلو رجعنا إلى أعداد قديمة من مجلة الإسلام سوف نجد مثل هذه المقالات، حيث كان العلماء يواجهون هذه الدعوة بمنتهى العنف، ويكشفون أنها دعوة خبيثة يرعاها أعداء الإسلام لأمر يريدونه بهذه الأمة، ثم مر الوقت رويداً رويداً حتى استقرت في الأمة هذه السموم، وهضمتها وامتصّتها، وصارت تجري في جسدها مجرى الدم في العروق.
وصار كثير من المسلمين ينظرون إلى الأمور بمنظار الغرب، وبمنظار الكفار الخبيثين، ولم نكتفِ في (عقدة الأجنبي) بأن استوردنا إنتاج الزراعة والصناعة منهم، وإنما أخذنا أيضاً نتاج أفكارهم ومقاصدهم الخبيثة بنا، وكثير من الناس مولعون بتقديس كل ما يأتي من جهة الغرب، فصاروا يحبون الغرب وكل ما يأتي به الغرب، كما قيل في الخمر: مضى بها ما مضى من عَقْل شاربها وفي الزجاجة باقٍ يطلب الباقي فإرضاء الغرب لم يقف عند حد، لكنه يضل خطوة وراء خطوة، ويستدرج الناس شيئاً فشيئاً، حتى ينخلعوا عن دينهم مصداق قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠]، فقوله : ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة:٢١٧].
وقد بلغ تأثير الإعلام في نفوس الناس وفي فطرتهم إلى حد تنكس المشاعر الفطرية لدى الآباء والأمهات -كما أشرنا من قبل- حتى إن الأم إذا بان حملها جزعت جزعاً قد يوازي جزع الأم الحنونة التي ثكلت ولدها ليس لها ولد غيره، وربما سعت للتخلص من هذا القادم الجديد الذي يريد أن يحتل له مقعداً على مائدة الحياة.
لقد تمكن الإعلام الذي يسمونه: الموجه -وهو موجه في الحقيقة- من تأصيل الشعور بالرعب والهلع ومن تأصيل الخوف من الانفجار السكاني وأنه شبح مخيف يهدد الحياة على وجه الأرض، ويوشك أن يقوض الأمة ويبقيها خراباً يباباً، سخرت كل أجهزة الإعلام المسموعة والمرئية والمقروءة لاستنفار الناس كافة إلى الاقتناع والتسليم بحسمية تحديد النسل على أعلى المستويات، حتى أن كثيراً من الناس لا يكادون يتكلمون في موضوع ما إلا وقفزوا منه إلى الحديث عن موضوع تحديد النسل وأنه الوحش والغول الذي يهدد الأمة، وكأن هذه القضية درس لا بد أن يلقن للأمة، ولا بد لها أن تنفذ هذه التوجيهات.
لقد سخرت جميع الجمعيات والهيئات الخيرية والمراقص من أجل خدمة هذا المبدأ! فلا يستغرب هذا المسلك العلماني من إعلام لا دين له، لكن الغريب أن يحاول توظيف الدين وتسخير علمائه من أجل أداء هذه المهمة، والأغرب أنه نجح في توظيف كثير من هؤلاء في خدمة هذه السياسات التي تنافي سياسات الإسلام والمقاصد العليا للشريعة الإسلامية، بينما فشل فشلاً ذريعاً في ذات الوقت في أن يستدرج واحداً من عُبّاد الصليب كي يؤلف مقالة أو يكتب كتاباً، أو يقوم بأي نوع من الدعاية لهذا المبدأ الكنسي الخطير، بل على العكس نجد الأنشطة في داخل الكنائس تحظر وتحرم وتجرم وتهدد من يقوم بتحديد النسل من هؤلاء النصارى، وتعليمات الأطباء النصارى ألا يشرعوا في تعقيم أي امرأة نصرانية.
فهو نجح في استدراج بعض هؤلاء الشيوخ الذين ساروا في ركابه، وصاروا يباركون جهوده باسم الشريعة الإسلامية، ومكمن الخطر أن كل هذا يتم باسم الإسلام! فلو تكلموا بغير اسم الشريعة لكان الخطب أهون، ولو أنهم سكتوا وما نطقوا لكان أسهل وأحسن، بل لو أنهم سطعوا بالحق إيماناً واحتساباً لكان خيراً لهم وأشد تثبيتاً!
стр. 1893
المنظم الحقيقي للنسل البشري
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: يقول النبي ﷺ : (تناكحوا تناسلوا، فإني مباهٍ بكم الأمم يوم القيامة)، فمن أعظم مقاصد النكاح تكثير النسل المسلم، وعن معقل بن يسار ﵁ قال: (جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني أصبت امرأة ذات حسن وجمال، وإنها لا تلد أفأتزوجها؟ فقال: لا، ثم أتاه الثانية، فنهاه، ثم أتاه الثالثة، فقال: تزوجوا الودود الولود؛ فإني مكاثر بكم الأمم)، رواه أبو داود والنسائي وغيرهما.
وفي لفظ: (فإني مكاثر بكم الأنبياء).
وعن أنس بن مالك ﵁ أن عمر بن الخطاب ﵁ بعث رجلاً على بعض السعاية، فتزوج امرأة وكان عقيماً -أي: كان الرجل عقيماً- فقال له عمر: أعلمتها أنك عقيم؟ قال: لا، قال: فانطلق فأعلِمْها، ثم خيِّرها.
يقول الدكتور محمد الصباغ حفظه الله: إن غريزة الامتداد في الذرية والأحفاد لا يستطيع المرء السوي أن ينعم بها إلا عن طريق الزواج، فكما أحسن إليك والدك فكان سبب وجودك في هذه الدنيا، فكذلك ينبغي لك أن تقابل هذا الإحسان بالبر إليه، والوفاء له، فتنجب للدنيا نبتةًَ كريمة تتعاهدها بالتربية والتهذيب، فتحيي اسم والدك، ويكون عملها الطيب في سجلِّك.
يقول الدكتور الصباغ حفظة الله: ويكفي للممتنع عن الإنجاب عقوقاً أن يكون هو الشخص الأول الذي يقطع هذه السلسلة التي تبدأ بآدم وتنتهي به! قال الرسول ﵊ في الحديث الصحيح: (إن من البيان لسحراً)، وبعض العلماء يجعل هذا الحديث في سياق المدح، لكن على القول بأن المقصود بالسحر هنا الذم فهو مأخوذ من البيان والبلاغة في تزيين الباطل، وتضييع الحق، فلا شك أن هذا من أخطر أنواع السحر، وقد يسلط في هذا الزمان على المسلمين، وبعض الناس إذا حاورته في هذا الموضوع فأول ما يتبادر إلى ذهنه أنك إنسان مخبول؛ إذ كيف تتكلم في قضية مقررة ومسلمة، فكل الناس ينادون بتحديد النسل، وكل الناس يعانون من الفقر والضيق و، ويوجد بيننا الآن من يقول بخلاف ما عليه الناس!! وهذا كله من تأثير هذا السحر المحرم الذي هو: تزييف الحق وإظهاره في صورة الباطل، فسحر البيان هو الذي تسلطه أجهزة الإعلام على عقولنا وقلوبنا؛ لتصوغ منه مفاهيم جديدة، وأموراً تتضاد مع ديننا وشريعتنا وعقولنا، بل ومع فطرتنا، ومما يدل على ذلك أن تأثير هذه الدعاية بلغ إلى حدٍّ جعل الناس يظنون أن من يتكلم في مثل هذه الأمور مخبول أو جاهل! ولو رجعنا إلى المجلات الإسلامية التي كانت تصدر في بدايات ظهور هذه الدعوة، حيث كان في الأمة بقية من الوعي وعدم التخدير بالإعلام، تجد هجوماً عنيفاً جداً بمنتهى القوة والصراحة من كافة علماء المسلمين، ابتداءً من شيخ الأزهر إلى الدعاة والعلماء والباحثين، فلو رجعنا إلى أعداد قديمة من مجلة الإسلام سوف نجد مثل هذه المقالات، حيث كان العلماء يواجهون هذه الدعوة بمنتهى العنف، ويكشفون أنها دعوة خبيثة يرعاها أعداء الإسلام لأمر يريدونه بهذه الأمة، ثم مر الوقت رويداً رويداً حتى استقرت في الأمة هذه السموم، وهضمتها وامتصّتها، وصارت تجري في جسدها مجرى الدم في العروق.
وصار كثير من المسلمين ينظرون إلى الأمور بمنظار الغرب، وبمنظار الكفار الخبيثين، ولم نكتفِ في (عقدة الأجنبي) بأن استوردنا إنتاج الزراعة والصناعة منهم، وإنما أخذنا أيضاً نتاج أفكارهم ومقاصدهم الخبيثة بنا، وكثير من الناس مولعون بتقديس كل ما يأتي من جهة الغرب، فصاروا يحبون الغرب وكل ما يأتي به الغرب، كما قيل في الخمر: مضى بها ما مضى من عَقْل شاربها وفي الزجاجة باقٍ يطلب الباقي فإرضاء الغرب لم يقف عند حد، لكنه يضل خطوة وراء خطوة، ويستدرج الناس شيئاً فشيئاً، حتى ينخلعوا عن دينهم مصداق قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠]، فقوله : ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة:٢١٧].
وقد بلغ تأثير الإعلام في نفوس الناس وفي فطرتهم إلى حد تنكس المشاعر الفطرية لدى الآباء والأمهات -كما أشرنا من قبل- حتى إن الأم إذا بان حملها جزعت جزعاً قد يوازي جزع الأم الحنونة التي ثكلت ولدها ليس لها ولد غيره، وربما سعت للتخلص من هذا القادم الجديد الذي يريد أن يحتل له مقعداً على مائدة الحياة.
لقد تمكن الإعلام الذي يسمونه: الموجه -وهو موجه في الحقيقة- من تأصيل الشعور بالرعب والهلع ومن تأصيل الخوف من الانفجار السكاني وأنه شبح مخيف يهدد الحياة على وجه الأرض، ويوشك أن يقوض الأمة ويبقيها خراباً يباباً، سخرت كل أجهزة الإعلام المسموعة والمرئية والمقروءة لاستنفار الناس كافة إلى الاقتناع والتسليم بحسمية تحديد النسل على أعلى المستويات، حتى أن كثيراً من الناس لا يكادون يتكلمون في موضوع ما إلا وقفزوا منه إلى الحديث عن موضوع تحديد النسل وأنه الوحش والغول الذي يهدد الأمة، وكأن هذه القضية درس لا بد أن يلقن للأمة، ولا بد لها أن تنفذ هذه التوجيهات.
لقد سخرت جميع الجمعيات والهيئات الخيرية والمراقص من أجل خدمة هذا المبدأ! فلا يستغرب هذا المسلك العلماني من إعلام لا دين له، لكن الغريب أن يحاول توظيف الدين وتسخير علمائه من أجل أداء هذه المهمة، والأغرب أنه نجح في توظيف كثير من هؤلاء في خدمة هذه السياسات التي تنافي سياسات الإسلام والمقاصد العليا للشريعة الإسلامية، بينما فشل فشلاً ذريعاً في ذات الوقت في أن يستدرج واحداً من عُبّاد الصليب كي يؤلف مقالة أو يكتب كتاباً، أو يقوم بأي نوع من الدعاية لهذا المبدأ الكنسي الخطير، بل على العكس نجد الأنشطة في داخل الكنائس تحظر وتحرم وتجرم وتهدد من يقوم بتحديد النسل من هؤلاء النصارى، وتعليمات الأطباء النصارى ألا يشرعوا في تعقيم أي امرأة نصرانية.
فهو نجح في استدراج بعض هؤلاء الشيوخ الذين ساروا في ركابه، وصاروا يباركون جهوده باسم الشريعة الإسلامية، ومكمن الخطر أن كل هذا يتم باسم الإسلام! فلو تكلموا بغير اسم الشريعة لكان الخطب أهون، ولو أنهم سكتوا وما نطقوا لكان أسهل وأحسن، بل لو أنهم سطعوا بالحق إيماناً واحتساباً لكان خيراً لهم وأشد تثبيتاً!
стр. 1894
الاحتجاج بالخوف من قلة الأرزاق لتسويغ الدعوة إلى تحديد النسل
إن أول ما يتبادر إلى أذهان الناس إذا أثيرت قضية تحديد النسل هو موضوع الواقع الذي نعيشه الآن، وكيفية توفير الغذاء للناس مع ضيق الموارد وكثرة الزحام، والعجز عن الزواج، ومشكلات المواصلات، وقلة المال، إلى آخر هذه الأشياء التي يخوّف الناس بها، ومن ثم نقول: إن هذه القضية لها ارتباط وثيق بالعقيدة، سواء في الألوهية أو في الربوبية على حدٍ سواء.
وهم يحاولون أن يبرزوا الناس الذين يفتون لهم بما يريدون، والحق أن هؤلاء أناس سفهاء، ليس عندهم عقل، ولا يحسنون الأمور، وهذا نوع من الهوس حيث ينتقدون كلام من يعارضهم، ويأتون به في صور مضحكة تثير سخرية الناس، بحيث لا يبالون بمثل هذا الكلام، لكن ينبغي ألا نتأثر أبداً بمثل هذه الأساليب التي يصدّ بها الجهال عن دين الله .
إذا تدبرنا القرآن الكريم نجد أن كثيراً من السور تهتم بقضية الرزق، وتربط بينه وبين السلوك البشري، حيث يزيد عدد الآيات التي تتناول قضية الرزق في القرآن المجيد على مائتي آية، وكلّها تؤكد حقائق ثابتة مؤدّاها: أن الرزق من عند الله تعالى وحده، وهو مالك أسبابه لا شريك له في ذلك، وأن هذا الرزق مضمون عند الله ، لا يحتاج إلى شركات تأمين كاذبة مرابية ظالمة! ولا يحتاج لأي شيءٍ سوى أن يستجلب هذا الرزق من عند الله بطاعة الله ﵎، والإنسان عليه فقط أن يكتسب، أما الرزق فأمره إلى الله ﵎؛ لأن الله هو الذي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر.
وقضية الرزق هي قضية الصراع الطويل بين الأحياء، غير أن الله لم يترك الإنسان ليهلك في هذا الصراع المرير، بل أنزل ﵎ تعاليم تقوّم سلوك الإنسان في مسألة الرزق، فمن مظاهر ذلك أن الله أوجب على المسلمين الإنفاق، وفرض عليهم الزكاة، وأمرهم بالتعاون والتراحم والتكافل، مبيناً لهم أن المال مال الله، وأنهم مستخلفون فيه، وكذلك حرم الله ﵎ على الناس السلوك المالي المنحرف، كالربا، والكسب الحرام، والغّش، والاستغلال إلخ.
وبين الله -مع هذا- أن الأولاد مصدر إضافي منفصل للرزق، فيجب على الإنسان أن يكون عنده يقين، فربما أن الرزق الذي يأتيك لا يأتيك لأجلك أنت؛ لأن ذنوبك ربما تحول دون وصول الرزق إليك، لكن الرزق يأتي لأولادك الضعفاء كما قال ﵊: (أبغوني الضعفاء؛ فإنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم)، فالرزق يأتي لهؤلاء، وربما تكون ذنوبك قد حالت دون إتيان رزقك إليك، كما جاء في الأثر: (إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه).
يقول الله ﵎: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ [الإسراء:٣١]، ((خَشْيَةَ إِمْلاقٍ)) هذا في الفقر المتوقع، ((وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ)) وهذا ما كان يفعله أهل الجاهلية، حيث كانوا يقتلون الأولاد خوف الفقر في المستقبل، ولما كان الفقر متوقعاً في المستقبل قال تعالى: ((نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ)) فبدء برزق الغائبين قبل رزق الحاضرين؛ لأن رزقهم مضمون، وأما في الفقر الحاضر فقال ﵎: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ﴾ [الأنعام:١٥١] فهذا الفقر واقع وليس متوقعاً، ((نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ)) فالسياق واضح تماماً في أن الإنسان لا يقتل ولده أبداً خشية أن ينفق ما معه، وإن من كبائر الذنوب: منع الحمل أو تقليل النسل بسبب الخوف من الفقر، أو الخوف من نقصان الرزق، فقد بطلت هذه المزاعم بهذه الآية: ((نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ)) وبطلت دعوى أصحاب فكرة تقليل النسل الذين يزعمون أنّ إنجاب الأولاد يضيف عبئاً اقتصادياً على العائلة، وقد تصح دعواهم إذا كان الأبوان هما اللذان يخلقان الرزق! أو كان الأب هو الذي يخلق الرزق بحكم أنه هو عائل الأسرة! فإنه إذا كثر عليه الأولاد الذين يخلق لهم الرزق سوف يكون ذلك عبئاً شديداً عليه؛ لأنه بشر وطاقته محدودة!! لكن إذا كان الأب والأم والأولاد وكل من في الأرض فقراء إلى الله ، والله هو الذي يرزقهم، وهو الذي يضمن لهم ذلك بقوله: ((نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ)) فكما انفرد بالخلق انفرد بالرزق، وكما أنه لا يخلق إلا الله فإنه لا يرزق إلا الله ﵎، قال : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [فاطر:٣] فهذا وجه ارتباط قضية الرزق بالعقيدة، أي: كما تعتقد أنه لا يخلق إلا الله فتعتقد أن الرزق بيد الله وحده لا شريك له في ذلك أبداً.
وضمن الله ﵎ الرزق لكل المخلوقات، يقول ﵎: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود:٦] من الذي يعطينا المطر؟ من الذي ينبت لنا من الأرض؟ من الذي يرزقنا الماء؟ يقولون: مصر هبة النيل! هذا شرك، وهل النيل يهب؟ بل النيل نفسه هبة من الله ﵎، وهو في نفسه نعمة، فكيف نعبد النعمة ونترك وهّابها وهو الله ؟! فأمر الرزق مضمون بلا ريب، وأي شك في هذا فهو خلل في العقيدة، يقول : ﴿وَكَأَيِّن مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ [العنكبوت:٦٠] ولو ذهبنا نستقصي ما استطعنا عليه من أنواع الأحياء وتفاصيل ضمان الرزق لها فسوف نعجب عجباً شديداً جداً، أنت نفسك أيها الإنسان! من ضمن لك رزقك وأنت في بطن أمك؟! وكذلك من الذي يرزق النملة في جحرها؟! ومن الذي جعل طريقة التعايش أو التطفل أو التكافل بين الحيوانات والكائنات الحية؟! هناك قصص كثيرة جداً إذا أردنا أن نذكرها بالتفصيل فإننا سنخرج عن الموضوع، لكن نكتفي بقول الله ﵎: ﴿وَكَأَيِّن مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ [العنكبوت:٦٠] فإذا كان يرزق الدابة فكيف بمن كرّمه؟! ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء:٧٠]، ويقول ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٥٢] أي: أنت غير مسئول عن رزقهم ولا عن عملهم، ﴿وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام:٥٢].
ويقول : ﴿وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران:٢٧]، ويقول ﵎: ﴿إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ [مريم:٨٤]، فكل إنسان له رزق ونصيب مقدر من الله ﵎، لكن الغربيين ونظراءهم من الكفار لا يوقنون بهذه المعاني ولن يستمعوا لها، ولن يحسّوا بمعناها، فلذلك تنحصر أفكارهم في الجوانب المادية المحسوسة، ومثل هذه العقائد لا ينعم بها إلا من نوّر الله قلبه بنور الوحي والتوكل عليه ، فحتى الأنفاس التي تتنفسها قد كتب الله لك عددها، فلا تنزل إلى الدنيا إلا ولك عدد محدد من الأنفاس سواء كان شهيقاً أم زفيراً، وسواء كان جزءاً أو جزيئاً من الأوكسجين أو الذرات التي سوف تدخل جسمك وتخرج منه: ﴿إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ [مريم:٨٤]، فالحقيقة أن الإنسان أول ما ينزل الأرض يبدأ العد التنازلي في هذا العدد الذي سطّره القلم منذ الأزل.
وفي الحديث: (ثم يأتيه الملك، ويؤمر بكتب أربع كلمات)، ومن هذه الكلمات التي تُكتب قبل أن تُخلق أنت: الرزق.
وقال ﵊: (اتقوا الله وأجملوا في الطلب، فإن روح القُدُس نفث في رَوْعي: أنه لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها) يعني: هونوا على أنفسكم، ولا تشتطوا في طلب الرزق، وقوله: (فإن روح القدس نفث في روعي): وهذه طريقة من طُرق الوحي، (أنه لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها) أي: لا يمكن أن يموت الإنسان قبل أن يأخذ رزقه الذي كتب الله له ﵎، بل يقول النبي ﵌: (لو أن ابن آدم يهرب من رزقه كما يهرب من الموت لأدركه رزقه كما يدركه أجله) فتخيل هذين الأمرين: كما أن عندك يقين أن ملك الموت إذا جاء لا يؤخر ولا يُطرد ولا يؤجل، فكذلك إذا حضر رزقك فلا يمكن أبداً أن يحول أحد بينك وبين هذا الرزق، وفي الحديث: (المعونة تأتي على قدر المئونة)، ويقول النبي ﵌: (لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً وتروح بطاناً)، ألا هلك المرتابون الذين يُشكّكون في رزق الله ﵎، (لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً) أي: تخرج في الصباح فارغة المعدة، (وتروح بطاناً) أي: حينما تعود قد امتلأت بالطعام والرزق، فمن الذي رزق هذه الطيور الضعيفة الهزيلة التي ليس لها عقل ولا إمكانية؟! من ذا الذي يرزقها إلا الله ﵎.
стр. 1895
تحديد النسل وقتل الأولاد في الجاهلية يشتركان في الباعث عليهما
نعى الله وشدد النكير على من يقتلون أولادهم خشية الإملاق، يقول : ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ﴾ [الأنعام:١٣٧] أي: من التردّي والهلاك، ﴿وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام:١٣٧] وقال ﵎: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام:١٤٠]، قال بعض العلماء في تفسير قوله : ﴿وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ [الأنعام:١٤٠]: إن الرزق يشمل الطعام والشراب، كما يشمل الذرية، فيقول في هذه الآية: الذين حرّموا على أنفسهم نعمة التناسل وإنجاب الذرية، ويقول : ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير:٨ - ٩]، وقال : ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ [الإسراء:٣١] وقال أيضاً: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ [الأنعام:١٥١].
قد يقول بعض الناس: إن تحديد النسل ليس قتلاً للنسل.
فنقول: لكنه يتفق مع القتل في الباعث عليه، والذي أنكره الله على هؤلاء المشركين في الجاهلية هو أنهم كانوا يقتلون أولادهم خشية الإملاق، وهذا واضح، فاتّحد الباعث عند هؤلاء وعند أولئك، قال ﵊ حينما ذكر بعض الكبائر: (وأن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك) فالعلة هنا: خشية أن يجلس معه ابنه على المائدة ويشاركه في الطعام!
следующие страницы →