Полный текст (2 122 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.
стр. 1891
أمتي لا تنحرف [٢]
إن من أصول عقيدة الإسلام: الإيمان بأن الله الذي خلق الخلق هو الذي تكفل بالأرزاق، وأن الأرزاق مقدرة كما أن الآجال مقدرة، فلا خوف من الفقر بعد هذا؛ لأن الله جل وعلا لن يترك خلقه هملاً.
أما يدعو إليه الغرب وأذياله من دعوى تحديد النسل فما هي إلا حيلة لتقليل عدد المسلمين، فيزخرفون القول، ويزينون الباطل بحجة ضيق الأرزاق، فلا صحة لما يدّعونه، ولا قبول لما يقولونه، فالله هو الرزاق ذو القوة المتين.
стр. 1892
استمراء كثير من المسلمين لدعوى تحديد النسل ورضاهم بها بعد إنكارهم لها
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: يقول النبي ﷺ : (تناكحوا تناسلوا، فإني مباهٍ بكم الأمم يوم القيامة)، فمن أعظم مقاصد النكاح تكثير النسل المسلم، وعن معقل بن يسار ﵁ قال: (جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني أصبت امرأة ذات حسن وجمال، وإنها لا تلد أفأتزوجها؟ فقال: لا، ثم أتاه الثانية، فنهاه، ثم أتاه الثالثة، فقال: تزوجوا الودود الولود؛ فإني مكاثر بكم الأمم)، رواه أبو داود والنسائي وغيرهما.
وفي لفظ: (فإني مكاثر بكم الأنبياء).
وعن أنس بن مالك ﵁ أن عمر بن الخطاب ﵁ بعث رجلاً على بعض السعاية، فتزوج امرأة وكان عقيماً -أي: كان الرجل عقيماً- فقال له عمر: أعلمتها أنك عقيم؟ قال: لا، قال: فانطلق فأعلِمْها، ثم خيِّرها.
يقول الدكتور محمد الصباغ حفظه الله: إن غريزة الامتداد في الذرية والأحفاد لا يستطيع المرء السوي أن ينعم بها إلا عن طريق الزواج، فكما أحسن إليك والدك فكان سبب وجودك في هذه الدنيا، فكذلك ينبغي لك أن تقابل هذا الإحسان بالبر إليه، والوفاء له، فتنجب للدنيا نبتةًَ كريمة تتعاهدها بالتربية والتهذيب، فتحيي اسم والدك، ويكون عملها الطيب في سجلِّك.
يقول الدكتور الصباغ حفظة الله: ويكفي للممتنع عن الإنجاب عقوقاً أن يكون هو الشخص الأول الذي يقطع هذه السلسلة التي تبدأ بآدم وتنتهي به! قال الرسول ﵊ في الحديث الصحيح: (إن من البيان لسحراً)، وبعض العلماء يجعل هذا الحديث في سياق المدح، لكن على القول بأن المقصود بالسحر هنا الذم فهو مأخوذ من البيان والبلاغة في تزيين الباطل، وتضييع الحق، فلا شك أن هذا من أخطر أنواع السحر، وقد يسلط في هذا الزمان على المسلمين، وبعض الناس إذا حاورته في هذا الموضوع فأول ما يتبادر إلى ذهنه أنك إنسان مخبول؛ إذ كيف تتكلم في قضية مقررة ومسلمة، فكل الناس ينادون بتحديد النسل، وكل الناس يعانون من الفقر والضيق و، ويوجد بيننا الآن من يقول بخلاف ما عليه الناس!! وهذا كله من تأثير هذا السحر المحرم الذي هو: تزييف الحق وإظهاره في صورة الباطل، فسحر البيان هو الذي تسلطه أجهزة الإعلام على عقولنا وقلوبنا؛ لتصوغ منه مفاهيم جديدة، وأموراً تتضاد مع ديننا وشريعتنا وعقولنا، بل ومع فطرتنا، ومما يدل على ذلك أن تأثير هذه الدعاية بلغ إلى حدٍّ جعل الناس يظنون أن من يتكلم في مثل هذه الأمور مخبول أو جاهل! ولو رجعنا إلى المجلات الإسلامية التي كانت تصدر في بدايات ظهور هذه الدعوة، حيث كان في الأمة بقية من الوعي وعدم التخدير بالإعلام، تجد هجوماً عنيفاً جداً بمنتهى القوة والصراحة من كافة علماء المسلمين، ابتداءً من شيخ الأزهر إلى الدعاة والعلماء والباحثين، فلو رجعنا إلى أعداد قديمة من مجلة الإسلام سوف نجد مثل هذه المقالات، حيث كان العلماء يواجهون هذه الدعوة بمنتهى العنف، ويكشفون أنها دعوة خبيثة يرعاها أعداء الإسلام لأمر يريدونه بهذه الأمة، ثم مر الوقت رويداً رويداً حتى استقرت في الأمة هذه السموم، وهضمتها وامتصّتها، وصارت تجري في جسدها مجرى الدم في العروق.
وصار كثير من المسلمين ينظرون إلى الأمور بمنظار الغرب، وبمنظار الكفار الخبيثين، ولم نكتفِ في (عقدة الأجنبي) بأن استوردنا إنتاج الزراعة والصناعة منهم، وإنما أخذنا أيضاً نتاج أفكارهم ومقاصدهم الخبيثة بنا، وكثير من الناس مولعون بتقديس كل ما يأتي من جهة الغرب، فصاروا يحبون الغرب وكل ما يأتي به الغرب، كما قيل في الخمر: مضى بها ما مضى من عَقْل شاربها وفي الزجاجة باقٍ يطلب الباقي فإرضاء الغرب لم يقف عند حد، لكنه يضل خطوة وراء خطوة، ويستدرج الناس شيئاً فشيئاً، حتى ينخلعوا عن دينهم مصداق قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠]، فقوله : ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة:٢١٧].
وقد بلغ تأثير الإعلام في نفوس الناس وفي فطرتهم إلى حد تنكس المشاعر الفطرية لدى الآباء والأمهات -كما أشرنا من قبل- حتى إن الأم إذا بان حملها جزعت جزعاً قد يوازي جزع الأم الحنونة التي ثكلت ولدها ليس لها ولد غيره، وربما سعت للتخلص من هذا القادم الجديد الذي يريد أن يحتل له مقعداً على مائدة الحياة.
لقد تمكن الإعلام الذي يسمونه: الموجه -وهو موجه في الحقيقة- من تأصيل الشعور بالرعب والهلع ومن تأصيل الخوف من الانفجار السكاني وأنه شبح مخيف يهدد الحياة على وجه الأرض، ويوشك أن يقوض الأمة ويبقيها خراباً يباباً، سخرت كل أجهزة الإعلام المسموعة والمرئية والمقروءة لاستنفار الناس كافة إلى الاقتناع والتسليم بحسمية تحديد النسل على أعلى المستويات، حتى أن كثيراً من الناس لا يكادون يتكلمون في موضوع ما إلا وقفزوا منه إلى الحديث عن موضوع تحديد النسل وأنه الوحش والغول الذي يهدد الأمة، وكأن هذه القضية درس لا بد أن يلقن للأمة، ولا بد لها أن تنفذ هذه التوجيهات.
لقد سخرت جميع الجمعيات والهيئات الخيرية والمراقص من أجل خدمة هذا المبدأ! فلا يستغرب هذا المسلك العلماني من إعلام لا دين له، لكن الغريب أن يحاول توظيف الدين وتسخير علمائه من أجل أداء هذه المهمة، والأغرب أنه نجح في توظيف كثير من هؤلاء في خدمة هذه السياسات التي تنافي سياسات الإسلام والمقاصد العليا للشريعة الإسلامية، بينما فشل فشلاً ذريعاً في ذات الوقت في أن يستدرج واحداً من عُبّاد الصليب كي يؤلف مقالة أو يكتب كتاباً، أو يقوم بأي نوع من الدعاية لهذا المبدأ الكنسي الخطير، بل على العكس نجد الأنشطة في داخل الكنائس تحظر وتحرم وتجرم وتهدد من يقوم بتحديد النسل من هؤلاء النصارى، وتعليمات الأطباء النصارى ألا يشرعوا في تعقيم أي امرأة نصرانية.
فهو نجح في استدراج بعض هؤلاء الشيوخ الذين ساروا في ركابه، وصاروا يباركون جهوده باسم الشريعة الإسلامية، ومكمن الخطر أن كل هذا يتم باسم الإسلام! فلو تكلموا بغير اسم الشريعة لكان الخطب أهون، ولو أنهم سكتوا وما نطقوا لكان أسهل وأحسن، بل لو أنهم سطعوا بالحق إيماناً واحتساباً لكان خيراً لهم وأشد تثبيتاً!
стр. 1893
المنظم الحقيقي للنسل البشري
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: يقول النبي ﷺ : (تناكحوا تناسلوا، فإني مباهٍ بكم الأمم يوم القيامة)، فمن أعظم مقاصد النكاح تكثير النسل المسلم، وعن معقل بن يسار ﵁ قال: (جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني أصبت امرأة ذات حسن وجمال، وإنها لا تلد أفأتزوجها؟ فقال: لا، ثم أتاه الثانية، فنهاه، ثم أتاه الثالثة، فقال: تزوجوا الودود الولود؛ فإني مكاثر بكم الأمم)، رواه أبو داود والنسائي وغيرهما.
وفي لفظ: (فإني مكاثر بكم الأنبياء).
وعن أنس بن مالك ﵁ أن عمر بن الخطاب ﵁ بعث رجلاً على بعض السعاية، فتزوج امرأة وكان عقيماً -أي: كان الرجل عقيماً- فقال له عمر: أعلمتها أنك عقيم؟ قال: لا، قال: فانطلق فأعلِمْها، ثم خيِّرها.
يقول الدكتور محمد الصباغ حفظه الله: إن غريزة الامتداد في الذرية والأحفاد لا يستطيع المرء السوي أن ينعم بها إلا عن طريق الزواج، فكما أحسن إليك والدك فكان سبب وجودك في هذه الدنيا، فكذلك ينبغي لك أن تقابل هذا الإحسان بالبر إليه، والوفاء له، فتنجب للدنيا نبتةًَ كريمة تتعاهدها بالتربية والتهذيب، فتحيي اسم والدك، ويكون عملها الطيب في سجلِّك.
يقول الدكتور الصباغ حفظة الله: ويكفي للممتنع عن الإنجاب عقوقاً أن يكون هو الشخص الأول الذي يقطع هذه السلسلة التي تبدأ بآدم وتنتهي به! قال الرسول ﵊ في الحديث الصحيح: (إن من البيان لسحراً)، وبعض العلماء يجعل هذا الحديث في سياق المدح، لكن على القول بأن المقصود بالسحر هنا الذم فهو مأخوذ من البيان والبلاغة في تزيين الباطل، وتضييع الحق، فلا شك أن هذا من أخطر أنواع السحر، وقد يسلط في هذا الزمان على المسلمين، وبعض الناس إذا حاورته في هذا الموضوع فأول ما يتبادر إلى ذهنه أنك إنسان مخبول؛ إذ كيف تتكلم في قضية مقررة ومسلمة، فكل الناس ينادون بتحديد النسل، وكل الناس يعانون من الفقر والضيق و، ويوجد بيننا الآن من يقول بخلاف ما عليه الناس!! وهذا كله من تأثير هذا السحر المحرم الذي هو: تزييف الحق وإظهاره في صورة الباطل، فسحر البيان هو الذي تسلطه أجهزة الإعلام على عقولنا وقلوبنا؛ لتصوغ منه مفاهيم جديدة، وأموراً تتضاد مع ديننا وشريعتنا وعقولنا، بل ومع فطرتنا، ومما يدل على ذلك أن تأثير هذه الدعاية بلغ إلى حدٍّ جعل الناس يظنون أن من يتكلم في مثل هذه الأمور مخبول أو جاهل! ولو رجعنا إلى المجلات الإسلامية التي كانت تصدر في بدايات ظهور هذه الدعوة، حيث كان في الأمة بقية من الوعي وعدم التخدير بالإعلام، تجد هجوماً عنيفاً جداً بمنتهى القوة والصراحة من كافة علماء المسلمين، ابتداءً من شيخ الأزهر إلى الدعاة والعلماء والباحثين، فلو رجعنا إلى أعداد قديمة من مجلة الإسلام سوف نجد مثل هذه المقالات، حيث كان العلماء يواجهون هذه الدعوة بمنتهى العنف، ويكشفون أنها دعوة خبيثة يرعاها أعداء الإسلام لأمر يريدونه بهذه الأمة، ثم مر الوقت رويداً رويداً حتى استقرت في الأمة هذه السموم، وهضمتها وامتصّتها، وصارت تجري في جسدها مجرى الدم في العروق.
وصار كثير من المسلمين ينظرون إلى الأمور بمنظار الغرب، وبمنظار الكفار الخبيثين، ولم نكتفِ في (عقدة الأجنبي) بأن استوردنا إنتاج الزراعة والصناعة منهم، وإنما أخذنا أيضاً نتاج أفكارهم ومقاصدهم الخبيثة بنا، وكثير من الناس مولعون بتقديس كل ما يأتي من جهة الغرب، فصاروا يحبون الغرب وكل ما يأتي به الغرب، كما قيل في الخمر: مضى بها ما مضى من عَقْل شاربها وفي الزجاجة باقٍ يطلب الباقي فإرضاء الغرب لم يقف عند حد، لكنه يضل خطوة وراء خطوة، ويستدرج الناس شيئاً فشيئاً، حتى ينخلعوا عن دينهم مصداق قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠]، فقوله : ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة:٢١٧].
وقد بلغ تأثير الإعلام في نفوس الناس وفي فطرتهم إلى حد تنكس المشاعر الفطرية لدى الآباء والأمهات -كما أشرنا من قبل- حتى إن الأم إذا بان حملها جزعت جزعاً قد يوازي جزع الأم الحنونة التي ثكلت ولدها ليس لها ولد غيره، وربما سعت للتخلص من هذا القادم الجديد الذي يريد أن يحتل له مقعداً على مائدة الحياة.
لقد تمكن الإعلام الذي يسمونه: الموجه -وهو موجه في الحقيقة- من تأصيل الشعور بالرعب والهلع ومن تأصيل الخوف من الانفجار السكاني وأنه شبح مخيف يهدد الحياة على وجه الأرض، ويوشك أن يقوض الأمة ويبقيها خراباً يباباً، سخرت كل أجهزة الإعلام المسموعة والمرئية والمقروءة لاستنفار الناس كافة إلى الاقتناع والتسليم بحسمية تحديد النسل على أعلى المستويات، حتى أن كثيراً من الناس لا يكادون يتكلمون في موضوع ما إلا وقفزوا منه إلى الحديث عن موضوع تحديد النسل وأنه الوحش والغول الذي يهدد الأمة، وكأن هذه القضية درس لا بد أن يلقن للأمة، ولا بد لها أن تنفذ هذه التوجيهات.
لقد سخرت جميع الجمعيات والهيئات الخيرية والمراقص من أجل خدمة هذا المبدأ! فلا يستغرب هذا المسلك العلماني من إعلام لا دين له، لكن الغريب أن يحاول توظيف الدين وتسخير علمائه من أجل أداء هذه المهمة، والأغرب أنه نجح في توظيف كثير من هؤلاء في خدمة هذه السياسات التي تنافي سياسات الإسلام والمقاصد العليا للشريعة الإسلامية، بينما فشل فشلاً ذريعاً في ذات الوقت في أن يستدرج واحداً من عُبّاد الصليب كي يؤلف مقالة أو يكتب كتاباً، أو يقوم بأي نوع من الدعاية لهذا المبدأ الكنسي الخطير، بل على العكس نجد الأنشطة في داخل الكنائس تحظر وتحرم وتجرم وتهدد من يقوم بتحديد النسل من هؤلاء النصارى، وتعليمات الأطباء النصارى ألا يشرعوا في تعقيم أي امرأة نصرانية.
فهو نجح في استدراج بعض هؤلاء الشيوخ الذين ساروا في ركابه، وصاروا يباركون جهوده باسم الشريعة الإسلامية، ومكمن الخطر أن كل هذا يتم باسم الإسلام! فلو تكلموا بغير اسم الشريعة لكان الخطب أهون، ولو أنهم سكتوا وما نطقوا لكان أسهل وأحسن، بل لو أنهم سطعوا بالحق إيماناً واحتساباً لكان خيراً لهم وأشد تثبيتاً!
стр. 1894
الاحتجاج بالخوف من قلة الأرزاق لتسويغ الدعوة إلى تحديد النسل
إن أول ما يتبادر إلى أذهان الناس إذا أثيرت قضية تحديد النسل هو موضوع الواقع الذي نعيشه الآن، وكيفية توفير الغذاء للناس مع ضيق الموارد وكثرة الزحام، والعجز عن الزواج، ومشكلات المواصلات، وقلة المال، إلى آخر هذه الأشياء التي يخوّف الناس بها، ومن ثم نقول: إن هذه القضية لها ارتباط وثيق بالعقيدة، سواء في الألوهية أو في الربوبية على حدٍ سواء.
وهم يحاولون أن يبرزوا الناس الذين يفتون لهم بما يريدون، والحق أن هؤلاء أناس سفهاء، ليس عندهم عقل، ولا يحسنون الأمور، وهذا نوع من الهوس حيث ينتقدون كلام من يعارضهم، ويأتون به في صور مضحكة تثير سخرية الناس، بحيث لا يبالون بمثل هذا الكلام، لكن ينبغي ألا نتأثر أبداً بمثل هذه الأساليب التي يصدّ بها الجهال عن دين الله .
إذا تدبرنا القرآن الكريم نجد أن كثيراً من السور تهتم بقضية الرزق، وتربط بينه وبين السلوك البشري، حيث يزيد عدد الآيات التي تتناول قضية الرزق في القرآن المجيد على مائتي آية، وكلّها تؤكد حقائق ثابتة مؤدّاها: أن الرزق من عند الله تعالى وحده، وهو مالك أسبابه لا شريك له في ذلك، وأن هذا الرزق مضمون عند الله ، لا يحتاج إلى شركات تأمين كاذبة مرابية ظالمة! ولا يحتاج لأي شيءٍ سوى أن يستجلب هذا الرزق من عند الله بطاعة الله ﵎، والإنسان عليه فقط أن يكتسب، أما الرزق فأمره إلى الله ﵎؛ لأن الله هو الذي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر.
وقضية الرزق هي قضية الصراع الطويل بين الأحياء، غير أن الله لم يترك الإنسان ليهلك في هذا الصراع المرير، بل أنزل ﵎ تعاليم تقوّم سلوك الإنسان في مسألة الرزق، فمن مظاهر ذلك أن الله أوجب على المسلمين الإنفاق، وفرض عليهم الزكاة، وأمرهم بالتعاون والتراحم والتكافل، مبيناً لهم أن المال مال الله، وأنهم مستخلفون فيه، وكذلك حرم الله ﵎ على الناس السلوك المالي المنحرف، كالربا، والكسب الحرام، والغّش، والاستغلال إلخ.
وبين الله -مع هذا- أن الأولاد مصدر إضافي منفصل للرزق، فيجب على الإنسان أن يكون عنده يقين، فربما أن الرزق الذي يأتيك لا يأتيك لأجلك أنت؛ لأن ذنوبك ربما تحول دون وصول الرزق إليك، لكن الرزق يأتي لأولادك الضعفاء كما قال ﵊: (أبغوني الضعفاء؛ فإنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم)، فالرزق يأتي لهؤلاء، وربما تكون ذنوبك قد حالت دون إتيان رزقك إليك، كما جاء في الأثر: (إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه).
يقول الله ﵎: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ [الإسراء:٣١]، ((خَشْيَةَ إِمْلاقٍ)) هذا في الفقر المتوقع، ((وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ)) وهذا ما كان يفعله أهل الجاهلية، حيث كانوا يقتلون الأولاد خوف الفقر في المستقبل، ولما كان الفقر متوقعاً في المستقبل قال تعالى: ((نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ)) فبدء برزق الغائبين قبل رزق الحاضرين؛ لأن رزقهم مضمون، وأما في الفقر الحاضر فقال ﵎: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ﴾ [الأنعام:١٥١] فهذا الفقر واقع وليس متوقعاً، ((نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ)) فالسياق واضح تماماً في أن الإنسان لا يقتل ولده أبداً خشية أن ينفق ما معه، وإن من كبائر الذنوب: منع الحمل أو تقليل النسل بسبب الخوف من الفقر، أو الخوف من نقصان الرزق، فقد بطلت هذه المزاعم بهذه الآية: ((نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ)) وبطلت دعوى أصحاب فكرة تقليل النسل الذين يزعمون أنّ إنجاب الأولاد يضيف عبئاً اقتصادياً على العائلة، وقد تصح دعواهم إذا كان الأبوان هما اللذان يخلقان الرزق! أو كان الأب هو الذي يخلق الرزق بحكم أنه هو عائل الأسرة! فإنه إذا كثر عليه الأولاد الذين يخلق لهم الرزق سوف يكون ذلك عبئاً شديداً عليه؛ لأنه بشر وطاقته محدودة!! لكن إذا كان الأب والأم والأولاد وكل من في الأرض فقراء إلى الله ، والله هو الذي يرزقهم، وهو الذي يضمن لهم ذلك بقوله: ((نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ)) فكما انفرد بالخلق انفرد بالرزق، وكما أنه لا يخلق إلا الله فإنه لا يرزق إلا الله ﵎، قال : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [فاطر:٣] فهذا وجه ارتباط قضية الرزق بالعقيدة، أي: كما تعتقد أنه لا يخلق إلا الله فتعتقد أن الرزق بيد الله وحده لا شريك له في ذلك أبداً.
وضمن الله ﵎ الرزق لكل المخلوقات، يقول ﵎: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود:٦] من الذي يعطينا المطر؟ من الذي ينبت لنا من الأرض؟ من الذي يرزقنا الماء؟ يقولون: مصر هبة النيل! هذا شرك، وهل النيل يهب؟ بل النيل نفسه هبة من الله ﵎، وهو في نفسه نعمة، فكيف نعبد النعمة ونترك وهّابها وهو الله ؟! فأمر الرزق مضمون بلا ريب، وأي شك في هذا فهو خلل في العقيدة، يقول : ﴿وَكَأَيِّن مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ [العنكبوت:٦٠] ولو ذهبنا نستقصي ما استطعنا عليه من أنواع الأحياء وتفاصيل ضمان الرزق لها فسوف نعجب عجباً شديداً جداً، أنت نفسك أيها الإنسان! من ضمن لك رزقك وأنت في بطن أمك؟! وكذلك من الذي يرزق النملة في جحرها؟! ومن الذي جعل طريقة التعايش أو التطفل أو التكافل بين الحيوانات والكائنات الحية؟! هناك قصص كثيرة جداً إذا أردنا أن نذكرها بالتفصيل فإننا سنخرج عن الموضوع، لكن نكتفي بقول الله ﵎: ﴿وَكَأَيِّن مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ [العنكبوت:٦٠] فإذا كان يرزق الدابة فكيف بمن كرّمه؟! ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء:٧٠]، ويقول ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٥٢] أي: أنت غير مسئول عن رزقهم ولا عن عملهم، ﴿وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام:٥٢].
ويقول : ﴿وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران:٢٧]، ويقول ﵎: ﴿إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ [مريم:٨٤]، فكل إنسان له رزق ونصيب مقدر من الله ﵎، لكن الغربيين ونظراءهم من الكفار لا يوقنون بهذه المعاني ولن يستمعوا لها، ولن يحسّوا بمعناها، فلذلك تنحصر أفكارهم في الجوانب المادية المحسوسة، ومثل هذه العقائد لا ينعم بها إلا من نوّر الله قلبه بنور الوحي والتوكل عليه ، فحتى الأنفاس التي تتنفسها قد كتب الله لك عددها، فلا تنزل إلى الدنيا إلا ولك عدد محدد من الأنفاس سواء كان شهيقاً أم زفيراً، وسواء كان جزءاً أو جزيئاً من الأوكسجين أو الذرات التي سوف تدخل جسمك وتخرج منه: ﴿إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ [مريم:٨٤]، فالحقيقة أن الإنسان أول ما ينزل الأرض يبدأ العد التنازلي في هذا العدد الذي سطّره القلم منذ الأزل.
وفي الحديث: (ثم يأتيه الملك، ويؤمر بكتب أربع كلمات)، ومن هذه الكلمات التي تُكتب قبل أن تُخلق أنت: الرزق.
وقال ﵊: (اتقوا الله وأجملوا في الطلب، فإن روح القُدُس نفث في رَوْعي: أنه لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها) يعني: هونوا على أنفسكم، ولا تشتطوا في طلب الرزق، وقوله: (فإن روح القدس نفث في روعي): وهذه طريقة من طُرق الوحي، (أنه لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها) أي: لا يمكن أن يموت الإنسان قبل أن يأخذ رزقه الذي كتب الله له ﵎، بل يقول النبي ﵌: (لو أن ابن آدم يهرب من رزقه كما يهرب من الموت لأدركه رزقه كما يدركه أجله) فتخيل هذين الأمرين: كما أن عندك يقين أن ملك الموت إذا جاء لا يؤخر ولا يُطرد ولا يؤجل، فكذلك إذا حضر رزقك فلا يمكن أبداً أن يحول أحد بينك وبين هذا الرزق، وفي الحديث: (المعونة تأتي على قدر المئونة)، ويقول النبي ﵌: (لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً وتروح بطاناً)، ألا هلك المرتابون الذين يُشكّكون في رزق الله ﵎، (لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً) أي: تخرج في الصباح فارغة المعدة، (وتروح بطاناً) أي: حينما تعود قد امتلأت بالطعام والرزق، فمن الذي رزق هذه الطيور الضعيفة الهزيلة التي ليس لها عقل ولا إمكانية؟! من ذا الذي يرزقها إلا الله ﵎.
стр. 1895
تحديد النسل وقتل الأولاد في الجاهلية يشتركان في الباعث عليهما
نعى الله وشدد النكير على من يقتلون أولادهم خشية الإملاق، يقول : ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ﴾ [الأنعام:١٣٧] أي: من التردّي والهلاك، ﴿وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام:١٣٧] وقال ﵎: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام:١٤٠]، قال بعض العلماء في تفسير قوله : ﴿وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ [الأنعام:١٤٠]: إن الرزق يشمل الطعام والشراب، كما يشمل الذرية، فيقول في هذه الآية: الذين حرّموا على أنفسهم نعمة التناسل وإنجاب الذرية، ويقول : ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير:٨ - ٩]، وقال : ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ [الإسراء:٣١] وقال أيضاً: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ [الأنعام:١٥١].
قد يقول بعض الناس: إن تحديد النسل ليس قتلاً للنسل.
فنقول: لكنه يتفق مع القتل في الباعث عليه، والذي أنكره الله على هؤلاء المشركين في الجاهلية هو أنهم كانوا يقتلون أولادهم خشية الإملاق، وهذا واضح، فاتّحد الباعث عند هؤلاء وعند أولئك، قال ﵊ حينما ذكر بعض الكبائر: (وأن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك) فالعلة هنا: خشية أن يجلس معه ابنه على المائدة ويشاركه في الطعام!
стр. 1896
تحديد النسل لا يعتبر هو الحل لمشكلة الفقر بل يزيدها تفاقماً
إننا إذا رجعنا إلى أولي العلم وأولي الخبرة في المجالات الدنيوية أو الاقتصادية أو الشرعية في هذا الأمر فسوف ندرك أننا في الحقيقة كنا ضحية لكثير من التضليل السحري الذي تأثرنا به، وهو السحر الإعلامي، والمشكلة هي عدم التوازن بين الموارد والطاقات، وبين عدد السكان والاحتياجات، نعم هي مشكلة، لكنهم أفهمونا وأوقعوا في شعورنا أنه لا حل إلا هذا الحل، في حين أن الحلول كثيرة جداً، سواء على مستوى الأفراد أو الجماعات، كما سنبين إن شاء الله تعالى.
بل إن المعروف في علم الاقتصاد أن عوامل الإنتاج ثلاثة: الأرض، والإنسان، ورأس المال.
وأعظم هذه العوامل هو الإنسان، فالنسل هو في حد ذاته ثروة من أعظم الثروات، ويكفي أن كثرة النسل هو أحد العوامل التي تحسب بها الأمة في عداد الأمم الكبرى أو القوى الكبرى.
فيصبح حالنا ونحن نهرب من مواجهة هذه المشاكل كمثل من بيده كنز من ذهب، وهو لا يستطيع أن يصنع من هذا الكنز نقداً ولا حُلياً ولا شيئاً مما ينفع الناس فيلقي هذا الكنز في البحر ليتخلص من أعباء تصنيعه أو الانتفاع به! إن المقدار المستغل من الأراضي في مصر يبلغ ٧%، مع أن مصر عبارة عن واحة في وسط صحراء كبرى، ولو تم توزيع أرض مصر على سكانها لبلغ نصيب كل فرد كيلو متراً مربعاً، وهذا معدل غير موجود في أغلب بلاد العالم.
ونحن الآن نتكلم عن النسل، في حين أنك تجد التصريحات الرسمية تعلن عن اهتزاز اقتصاد البلد عند حصول خلل في تحويلات المصريين العاملين في الخارج، أليس هذا نسلاً؟! أم أن هؤلاء خشب وجمادات؟! فهؤلاء هم بشر، وهذه ثروة من أعظم الثروات التي تخدم الاقتصاد، وهي تحويلات المصريين الذين هاجروا وعملوا في الخارج، فلو تأملنا الحقيقة فإننا سنجد أن أرض الله ليست ضيقة، بل ما زالت واسعة كما قال الله: ﴿أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً﴾ [النساء:٩٧]، ولكن العقول هي الضيقة، كما قال الشاعر: لعمرك ما ضاقت بلادٌ بأهلها ولكن أخلاق الرجال تضيقُ فلو أن إنساناً عنده ثوب قصير لا يستر كل أعضاء بدنه، فهل من العقل أن يهذب هذا الجسد ويقطعه كما تُقطَّع أغصان الشجر؟! أم أن من العقل أن يفكر في زيادة حجم الثوب إلى أن يتناسب مع هذا البدن؟! هذا هو الحل المنطقي.
فدعاة تحديد النسل لم يدفعهم إلى ذلك الخوف على الأمهات، ولا فعلوا ذلك من أجل الحرص على سلامة الأم، بل هم يحاولون أن يأتوا إلى الناس من الباب الذي يقنعهم، فيقولون: صحتك وسلامتك وكذا وكذا، ويبالغون في وصف هذه الأشياء، فهم لا يريدون الحفاظ على حياة الأم أو صحتها، ولا دفع الضرر عنها، بل كل الجهود والأموال مبذولة من أجل الناحية الاقتصادية، زاعمين أن كثرة الإنجاب تورثهم الفقر، وجعلوا من أنفسهم قوامين على الفقر والغنى والكسب والارتزاق، ولا هَمّ لهم إلا عمل الإحصاءات وتقسيم الأرزاق، وليس هذا في الحاضر فقط، بل على مدى المستقبل البعيد، فيحسبون بطريقة تلك الساعة التي أهدتها لهم أمريكا: كم يكون عدد سكان مصر في عام (٢٠٠٠م) مثلاً؟ ثم يقسمون ما يكون من الرزق على كل فرد فيكون نصيب الفرد كذا وكذا!! أفلا يتذكرون قوله : ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الزخرف:٣٢] فهذا فعل من أفعال الربوبية، ويقول الله : ﴿قُلْ لَوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإِنفَاقِ وَكَانَ الإِنْسَانُ قَتُورًا﴾ [الإسراء:١٠٠]، فخزائن الله ليست بأيدينا ولا بيد أحد من البشر، إنما هي بيد العزيز الوهاب ذي الطَّول والإنعام، فجهدهم هذا جهد موزور لا أجر فيه؛ لأنه جهد ينافي مقاصد الشريعة، ويزيّن للناس ما منعه الشرع، وهذا من الإثم ومن الوزر.
стр. 1897
آثار من الكتاب والسنة وسير الصالحين في الإيمان بالرزق
يقول ﵎: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ [هود:٦]، فقوله: ((إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا)) يعني: رزقها قد تكفل الله به وضمنه لها.
يقول الرازي في تفسير هذه الآية: ولا شك أن أقسام الحيوانات وأنواعها كثيرة، وهي الأجناس التي تكون في البر والبحر والجبال، والله يحصيها دون غيره، وهو تعالى عالم بكيفية طبائعها وأعضائها وأحوالها وأغذيتها وسمومها ومساكنها، وما يوافقها وما يخالفها، فالإله المدبر لأطباق السماوات والأرضين، وطبائع الحيوان والنبات، كيف لا يكون عالماً بأحوالها؟! روي أن موسى ﵇ -عند نزول الوحي عليه- تعلّق قلبه بأحوال أهله، فأمره الله تعالى أن يضرب بعصاه على صخرة، فانشقت وخرجت صخرة ثانية، ثم ضرب بعصاه عليها فانشقت وخرجت صخرة ثالثة، ثم ضربها بعصاه فانشقت، فخرجت منها دودة كالذرة، وفي فمها شيء يجري مجرى الغذاء لها! فهذه القصة من الإسرائيليات التي قد تصح أو لا تصح، لكن ما كان منها لا يصادم شريعتنا فلا بأس من حكايته، فتأمل كيف وجد هذه الدودة التي هي كالذرة وفي فمها شيء يجري مجرى الغذاء لها، فسمع الدودة تقول: سبحان من يراني ويسمع كلامي ويعرف مكاني، ويذكرني ولا ينساني.
وقد يكون هذا من كلام القصاصين وهو مذكور في التفسير الكبير للرازي، لكن معناه طيب وجميل، حتى لو لم يحصل، فإن الله يرى النملة السوداء في الليلة الظلماء على الصخرة الصماء ويسمع كلامها ويرزقها ﵎، وهي تقول: سبحان من يراني، ويسمع كلامي، ويعرف مكاني، ويذكرني ولا ينساني، .
وقال القرطبي ﵀: قيل لبعضهم: من أين تأكل؟ فقال: الذي خلق الرحى يأتي بالطحين، والذي شدق الأشداق -يعني جوانب الفم- هو خالق الأرزاق.
وقيل لـ أبي أسيد: من أين تأكل؟ فقال: سبحان الله والله أكبر، إن الله يرزق الكلب، أفلا يرزق أبا أسيد؟ وقيل لـ حاتم الأصم: من أين تأكل؟ فقال: من عند الله، فقيل له: الله ينزل لك دنانير ودراهم من السماء؟ فقال: كأنما له إلا السماء؟ يا هذا الأرض له، والسماء له، فإن لم يؤتني رزقي من السماء ساقه لي من الأرض، وأنشد: وكيف أخاف الفقر والله رازقي ورازق هذا الخلق في العسر واليسرِ تكفّلَ بالأرزاق للخلق كلهمْ وللضّبّ في البيداء والحوت في البحرِ يقول: ولا يمنع من التوكل مباشرة الأسباب، مع العلم أنه سبحانه المسبب لها، ففي الخبر: (أعقلها وتوكل)، ولا ينبغي أن يعتقد أنه لا يحصل الرزق بدون مباشرة السبب، فإنه سبحانه يرزق الكثير من دون مباشرة لسبب أصلاً، يقول ابن أذينة: لقد علمت وما الإسراف من خُلُقي أن الذي هو رزقي سوف يأتيني أسعى إليه فيعييني تطّلبه ولو أقمت أتاني لا يعنّيني وأنشد أيضاً: مَثَل الرزق الذي تطلبه مَثَل الظلّ الذي يمشي معكْ أنت لا تدركه متّبعاً وإذا ولّيتَ عنه تبعكْ مثل الظل أي: خيال الإنسان على الأرض.
يقول الله ﵎: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه:١٣٢] يخاطب الله النبي ﵌، وأهله هم أهل بيته، ولذلك كان ﵊ بعد نزول هذه الآية يذهب عند الفجر إلى علي وفاطمة ﵄ وينادي: (الصلاة).
فهنا يأمره تعالى وأمته أن يوجهوا هممهم إلى خدمة آخرتهم بالالتزام بطاعة الله تعالى، فلا تشغلهم دنياهم عن آخرتهم، فإذا شُغلوا بطاعة الله أتتهم الدنيا راغمة: ﴿لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا﴾ [طه:١٣٢] يعني: لنفسك ولمن تلزمك نفقتهم، فالكل قد تكفل الله برزقه، فلا تشغل نفسك لأمر الرزق، وأقبل على طاعة الله تعالى.
وقال أبو السعود: أُمر ﷺ أن يأمر أهل بيته أو التابعين له من أُمّته بالصلاة بعد ما أُمر هو به، ليتعاونوا على الاستعانة على خصاصتهم، ولا يهتموا بأمر المعيشة ولا يلتفتوا لفت أرباب الثروة.
((وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا)) يعني: وثابر عليها غير مشتغل بأمر المعاش، ((لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا)) يعني: لا نكلفك أن ترزق نفسك ولا أن ترزق أهلك ((نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى)).
وقال ابن كثير: ((لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا)) يعني: إذا أقمت الصلاة أتاك الرزق من حيث لا تحتسب كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٢ - ٣]، وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٦ - ٥٨]، وعن أبي هريرة ﵁ كما في الحديث الذي رواه الترمذي وابن ماجة عن النبي ﵊ أنه قال: (يقول الله تعالى: يا ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنىً وأسدّ فقرك، وإن لم تفعل ملأتُ صدرك شغلاً ولم أسدّ فقرك)، وفي الحديث الآخر: (من أصبح والآخرة همّه جمع الله له شمله، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن أصبح والدنيا همه فرّق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كُتب له) ويقول : ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف:٩٦] ويقول : ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ العَزِيزُ﴾ [الشورى:١٩] فقوله: ((لَطِيفٌ)) أي: حفيّ بهم، أو بارّ بهم، أو لطيف بالبر والفاجر، حيث لم يقتلهم جوعاً بمعاصيهم، ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [هود:٦] وقال : ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ﴾ [الذاريات:٢٢ - ٢٣].
قوله: ((وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ)): قد يقصد بالسماء هنا: المطر؛ لأنه ينزل من جهة العلو، ويكون المعنى: وفي المطر رزقكم؛ لأنه سبب للإنبات في الأرض، يرتزق منه الإنسان والحيوان في الغالب، أو يكون المقصود بالسماء: حقيقة السماء، ويكون المعنى عند ذلك: وعند الله تعالى في السماء تقدير أرزاقكم حسب ما كتبه الله في اللوح المحفوظ.
قوله: ((وَمَا تُوعَدُونَ)) معطوف على: رزقكم، فيكون المعنى: في اللوح المحفوظ -الذي هو في السماء- تقدير أرزاقكم وكل ما توعدون به من خير أو شر في دنياكم وأخراكم.
وقوله تعالى: ((فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ)): هذا قَسَم يؤكد أن الرزق وما وعد الله به عباده مضمون عند الله في كتاب، وهو في أم الكتاب لا يتغير ولا يتبدل، ولا يزيد ولا ينقص، بل لا بد أن يصيب كل مخلوق ما كتب له من الرزق.
وإذا تأملت التوكيد في هذه الآية: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ﴾ [الذاريات:٢٢ - ٢٣] فالقَسَم في حد ذاته توكيد، ((فَوَرَبِّ السَّمَاءِ)) حلف وقسم، ثم أتى بالمقسم عليه، وهو جملة أسمية مُصدّره بحرف التوكيد: ((إِنَّهُ لَحَقٌّ)) يعني: هو حق، واللام أيضاً هنا للتوكيد.
وقوله: ((مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ))، واختار النطق على توكيد الرزق وضمانه لدى الخالق جل وعلا لأنه سالم مما يشبهه، يقول بعض الحكماء: كما أن كل إنسان ينطق بنفسه ولا يمكنه أن ينطق بلسان غيره، فكذلك كل إنسان يأكل رزقه ولا يمكنه أن يأكل رزق غيره.
يقول بعض العلماء: إن وجود هذه التوكيدات الكثيرة في موضوعٍ تكفّل الله تعالى به لا بد وأن يكون لسرٍّ من الأسرار، وذلك السر هو ما في النفس البشرية من جحود ونكران وتخوف وتشكك في هذه المسألة بالذات، والله تعالى عليم بخبايا النفوس، فلما علم ما في نفوس البشر من التخوف والتشكك أكد لهم ذلك بكل هذه التأكيدات ليذهب من نفوسهم ذلك الخوف والشك، فسبحان الذي يعلم مَن خَلَق وهو اللطيف الخبير.
يقول الإمام القرطبي ﵀: قال الحسن: بلغني أن نبي الله ﷺ قال: (قاتل الله أقواماً أقسم لهم ربهم بنفسه ثم لم يصدقوه، قال الله تعالى: ((فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ)) [الذاريات:٢٣]).
وقال الأصمعي: أقبلت ذات مرة من مسجد البصرة، إذ طلع أعرابي جلف جافٍ على قعود له، متقلداً سيفه وبيده قوسه، فدنا وسلّم، وقال: ممن الرجل؟ قلت: من بني أصمع، قال: أنت الأصمعي؟ قلت: نعم، قال: ومن أين أقبلت؟ قلت: من موضع يتلى فيه كلام الرحمن -فانظر ذكاء الأصمعي كيف فتح له باب العلم حتى يستوضح ويستزيد ويستفيض- فقال الأعرابي: وللرحمن كلام يتلوه الآدميون؟ قلت: نعم، قال: فاتلُ علي منه شيئاً، فقرأت: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا * فَالْحَامِلاتِ وِقْرًا * فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا * فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾ [الذاريات:١ - ٤] إلى قوله ﵎: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ﴾ [الذاريات:٢٢] فقال: يا أصمعي
стр. 1898
المنظم الحقيقي للنسل البشري هو الذي خلقه
نعود فنسأل أنفسنا سؤالاً آخر يحسم هذه القضية: من هو المنظم الحقيقي للنسل البشري؟ ومن هو المنظم الحقيقي لهذه الكُتَل الهائلة من البشر؟
الجواب
ابتداءً نقول: لا أحد يأتي أبداً إلى هذه الدنيا باختياره وإرادته، بل ولا حتى باختيار أبيه وأمه، فمن الذي ينظم كل هذا؟ بل وأضعاف أضعافه؟! إنه الله الواحد الأحد، ليس الأب، ولا الأم، ولا الطبيب ولا الحكومة، وليس لأحد أبداً أن يتدخل في هذا النظام الذي لا يدبره إلا الله : ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ [فاطر:١]، فالقدرة الإلهية وحدها هي التي تقوم بالتنظيم الحقيقي للنسل الإنساني.
وأما الدلائل والبراهين التي يقدمها أنصار دعوة تحديد النسل على أساس علم الاقتصاد، فهي في الحقيقة لا تتطلب تنظيم أفراد الأسرة، بل تتطلب تنظيم سكان الدولة، بمعنى: أن هذه البراهين قد تقتضي أن تقدر بكل دقة ما في الدولة من وسائل المعيشة ومن موارد الرزق، ومن جانب آخر: أن نرى ماذا يمكن أن يبلغه عدد السكان ونسبته بالنسبة للوفاة؟ فهذا التوازن لا يمكن أن يتم إلا بأحد طريقين: الأول القضاء على دائرة الزوج والأسرة، وتحويل الرجال والنساء رسميين للدولة، ينتجون وفق تخطيط مرسوم لهذا الغرض، ثم يفصل بينهما إذا تحقق هذا الهدف المنشود.
الثاني: أن يتم التناسل كما يتم في تربية الجواميس والبقر، بوجود مصارف معينه مثل مصارف الدم التي يتم فيها هذا التعاون مع بني البشر.
وكلا الطريقتين مرفوضة عند ذوي الفطرة السليمة، ولذلك فهم مضطرون في الحقيقة إلى أن يلوّنوا الكلام وينوعوا الأساليب التي يسلكونها، فيظهرون الفرار من خطة تنظيم سكان الدولة إلى خطة مقنعة هي: تنظيم أفراد الأسرة.
فبدل أن ينشئوا هذه المعامل التي يريدون جعل الناس فيها كالجواميس والأبقار لتحديد العدد الذي يريدونه، يأتون فيقنعون الناس أن يحولوا كل بيت إلى معمل لتحديد النسل، وتبقى البيوت هي المعامل التي يولّد فيها الأطفال، لكنهم يبذلون كل الجهد من أجل استرضاء هذه المعامل الصغيرة؛ كي تحد من إنتاجها من تلقاء نفسها، وهذا الاسترضاء يتم بإحدى وسيلتين: الوسيلة الأولى: مناشدة الأفراد باسم مصلحتهم الشخصية، بأن يحافظوا على مستوى معيشتهم بخفض عدد الأطفال لكي يتحسن مستقبلهم، ويوهمون الناس أن شبح الفقر سوف ينتشر لكثرة إنجاب الأطفال.
نقول لهم: إن الله خلق الأولاد بأفواه ليأكلوا بها، ولكنه خلقهم أيضاً بأيدٍ وعقول وإمكانات يمكن أن تكون طاقات عظيمة في هذا الوجود، لكن التركيز عندهم يكون على الاستهلاك في فترة الحضانة بالنسبة للصغار، ولكن هذه حضانة اقتصادية، ولا ننسى أبداً أن العامل الأساسي في عوامل الإنتاج هو الإنسان، وهو ثروة عظيمة جداً كما يقول العقلاء من كل الأمم، حتى أن أيزنهاور وقد كان رئيساً لأمريكا سنة (٥٩) تقريباً، كان يقول: لن أسمح بدخول خطة تحديد النسل ما دمت على قيد الحياة، أو ما دمت في البيت الأبيض!! لماذا يقول هذا الكلام؟! لأنهم يعرفون أن كثرة النسل من أسباب القوة بالنسبة لأي أمة تنظر للمستقبل، فهم يدخلون للناس من مدخل المصلحة الشخصية؛ لأنهم لو خاطبوا الناس بالقومية والوطنية والدعاوى العامة فلن يستجيب الناس لها، فأغلب الناس قلّما يفرضون الحظر على أنفسهم بأنفسهم باسم المصلحة الاجتماعية، لكنهم يناشدونهم باسم مصلحتهم الشخصية كي يحافظوا على مستوى المعيشة بخفض عدد الأطفال حتى يتحسن مستقبلهم، ويحافظوا على الرفاهية الذاتية، وتكون النتيجة: أن الناس يستجيبون لهذا، ويسترسلون في الحد من الإنجاب لهذا الغرض الشخصي، دون اعتبار المعدل المطلوب للإنجاب.
стр. 1899
التناسب الطردي بين زيادة السكان وزيادة مصادر الرزق
إن رواد دعوة تحديد النسل يزعمون أن سياستهم هذه تهدف إلى إيجاد التوازن بين الموارد وبين عدد السكان، فهم يحاولون إقناع الناس عن طريق المصلحة الشخصية، مع أن المصلحة الشخصية قد تستمر ثم يحصل التصادم مع المصلحة الكلية، وتظهر مع الوقت مشكلة عكسية، وهي قلّة النسل، فيختل التوازن بصورة عكسية، وهذا بالضبط ما حصل في فرنسا، وهي أول دولة شجعت وتبنّت حركة تحديد النسل، فهبط عدد المواليد بالنسبة للوفيات، فذاقت وبال هذه الخطة الخرقاء في الحربين العالميتين الأولى والثانية في صورة هزائم متوالية ومنكرة قصمت ظهرها، وقضت على عظمتها السياسية قضاء ملموساً، فصارت فرنسا عبرة لمن أعتبر.
والآن في الغرب يحرضون الشعوب بكل الوسائل على أن ينجبوا أولاداً، حتى في ألمانيا يعطون مكافآت وإغراءات بالمال تفوق الوصف للمواطنين لكي ينجبوا، فيقول الشعب الألماني: الحكومة تغرينا حتى ننجب! فيعاندون الحكومة، ويكرهون أن ينجبوا أطفالاً.
أما فيما يتعلق بالمسلمين فعلى خلاف ذلك، فتأمل! الوسيلة الأخرى التي يتم بها استرضاء الناس هي: نشر المعلومات عن وسائل منع الحمل على أوسع نطاق، بحيث تكون في متناول الجمهور رجالاً ونساء.
الأهداف التي على أساسها انتشرت دعوة تحديد النسل في أوربا هي المشاكل الاجتماعية والمدنية؛ لأن الحضارة الغربية قامت على أساس المساواة الكاملة بين الرجل والمرأة، وعلى أساس الاختلاط المطلق بينهما، والرغبة في التخلص والتملص من تبعية هذه الإباحية التي يعيشونه، فهذا من مقتضيات نظامهم! أنهم يريدون التمتع بالدنيا والراحة وعدم تحمل تبعة الزواج من الأولاد وغير ذلك.
أما في بلاد المسلمين فالأهداف التي يرمي إليها الغرب من وراء نشر هذه الحركة هي أهداف سياسية بحتة، لا علاقة لها بالاقتصاد، وإن كانت مستترة تحت هذا الثوب، فقد كان الناس في القديم حينما يساورهم القلق من مشكلة زيادة الأولاد يعالجون هذه الأمر بطريقة الوأد كما كان يحدث في الجاهلية، أو بقتل الأولاد أو الإجهاض ونحو ذلك، لكن الإنسان في هذا الزمان فلسف الأمر، واستطاع أن يعبر عنه تعبيراً يتواءم مع القواعد الحسابية والهندسية.
فزعم الإنسان المعاصر وهو مالتوس صاحب النظرية التي على أساسها قامت الدعوة إلى تحديد النسل، قال: إن زيادة السكان تتم على صورة متوالية هندسية، يعني: ٢، ٤، ٨، ١٦، ٣٢، ٦٤، ١٢٨، ٢٥٦، إلخ.
هذا بالنسبة لزيادة عدد السكان، لكن لا تزيد وسائل الرزق مهما اخترعوا لزيادة هذه الوسائل إلا على صورة متوالية حسابية، يعني: ١، ٢، ٣، ٤، ٥، ٦، ٧، ٨، ٩.
فإذا ظل عدد السكان يتضاعف دونما حاجز، فسيصل إلى ضعفيه بعد كل خمسة وعشرين سنة، أو يصل من واحد إلى مائتين وستة وخمسين بعد قرنين، بينما لا تزيد وسائل الرزق خلال هذه المدة إلا إلى تسعة، وخلال ثلاثة قرون يكون عدد السكان بالنسبة لموارد الرزق (٤٠٩٦: ١٣)، وكأن الله وكّل إليهم رزق من في السماوات ومن في الأرض! سبحان الله عمّا يصفون.
فيحاول الإنسان في هذا العصر قتل الأولاد أحياناً والإجهاض أحياناً، لكن الوسيلة المتوفرة في ظل التقدم العلمي هي: منع الحمل، وأحياناً: التعقيم الدائم! تحت مُسمّيات: التحديد، أو التنظيم، أو غير ذلك، فهل هذا الخوف في محله؟! وهل زيادة السكان تقتصر على عدد موارد الرزق؟! في الحقيقة والواقع أنه لم يحصل زيادة في النسل السكاني في أي مرحلة من مراحل التاريخ بتلك النسبة التي هي متوالية هندسية، ولا أتى على الإنسانية حين من الدهر كانت النسبة فيه بين عدد السكان وموارد الرزق كما يدّعون، ولو حصل ذلك لكان النسل الإنساني قد انقرض والله أعلم، ولَما كنا وجدنا أنفسنا اليوم على وجه الأرض.
стр. 1900
زيادة مصادر الرزق بتقدم الإنسان وتطوره
كانت الكرة الأرضية موجودة قبل هذا الإنسان، وكان عليها كل الأسباب التي تحفظ حياته، والإنسان ما خلق فيها شيئاً بنفسه، بل كل ما فعل أنه اكتشف ما كان مخبوءاً في بطنها، أو مبثوثاً على وجهها بجهده وذكائه بعد هداية الله وتوفيقه، يقول الله : ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ [فصلت:٩ - ١٠] فالله قد قدّر فيها أقواتها، وهيأها الله لنا قبل أن نخلق، فالرزق مخبوء في الأرض، وما هذه القفرة التي قَفَزتها دول الخليج البترولية عنا ببعيد.
فالأرض ما زالت ثرواتها كامنة، فيها من الطاقات والأرزاق ما لا يعلمه إلا الله ﵎، وكل من يطالع تاريخ الخليج قبل اكتشاف البترول يعلم أنهم كانوا على حالة من الضنك والفقر الشديد جداً، فهذا الرزق المخبوء الذي خبأه الله لهم في الأرض، ثم أخرجه لهم هو نعمة من فضله ﵎، وهذا الرزق ما كان يخطر ببال مالتوس ولا غيره عندما أخبر عن المتوالية الهندسية! والمتوالية الحسابية! لكن الله يعلمه، فهو الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض .
فالإنسان ليس له أي دور في خلق هذه الأسباب، ولا تعيين مواضعها، ومعرفة مقدارها، وساعات ظهورها، كما يقول : ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى:٢٧] ينزل الله الرزق بحكمة، وكل ما يصلح الناس ينزله الله ، فالذي خلق الإنسان وأخرجه من العدم إلى عالم الوجود هو الذي قدر تقديراً محكماً ما سيحتاج إليه لحفظ حياته فوق هذه الأرض، وأودعها وسائل الرزق قبل أن يدب عليها الإنسان نفسه، يعني: الكون خُلق قبل أن نأتي نحن، وعلى قدر ما زاد من أفراد النسل البشري وما زاد من جهوده لحفظ حياته كانت تتكشف له خزائن لا تعد ولا تحصى من موارد الرزق، فالحقيقة على عكس كلام مالتوس وغيره، حيث كان التناسب بين عدد السكان ومصادر الرزق تناسباً طردياً، يعني: كلما زاد عدد السكان كلما زادت مصادر الرزق، وهذه هي الحقيقة، حتى أننا نلاحظها على نطاق بعض الأفراد، حيث تجد بعض الناس عنده من الأولاد عدد كبير، فتجد رزقه -سبحان الله! - يأتيه على قدر هذا العدد، فالبركة تكفي هذا العدد، فإذا تزوج أولاده أو سافر بعضهم أو نقص العدد بصورة أو بأخرى أو ماتوا مثلاً فربما تلاحظ أن الرزق يمكن أن يقل على قدر العدد الموجود، فهذا يحسه الإنسان ويراه، فكلما توهم الإنسان أنه وضع يده على كل أسباب الرزق إذا بالله يكشف له من الأسباب ما لم يخطر له على بال.
فالإنسان منذ آلاف السنين كان يرى البخار يرتفع من القدر التي تغلي، لكنه لم يخطر بباله أن هذا البخار سيفتح أمامه في النصف الأخير من القرن الثامن عشر ميداناً واسعاً جداً للرزق في الطاقة البخارية، وكان يرى النفط ويرى فيه خاصية الاحتراق لكنه لم يتوقع يوماً أن عيوناً لا حصر لها من آبار البترول يوشك أن تتفجر على هذه الأرض وتبرز إلى الوجود، حتى خرجت بعد ذلك صناعة السيارات والطائرات، وحصل الانقلاب الهائل في عالم الاقتصاد وموارد الرزق، وكذلك الطاقة الكهربائية قلبت الموازين وزادت في مصادر الرزق، والذرّة التي كانوا منذ قرون يناقشون إمكانية تفتتها من عدمه، وإذا بنا في هذا القرن نجد الذرة تتفتت لتخرج من خزانتها طاقة هائلة جداً لم يكن يتخيلها الإنسان.
أيضاً مما ينبغي أن نتذكره دائماً: أن زيادة عدد السكان لا يعني فقط -كما يشوّش هؤلاء المرجفون- زيادة الأفواه الآكلة، بل هو في نفس الوقت يعني زيادة عدد الأيدي العاملة والمنتجة، وكما أشرنا بموجب علم الاقتصاد فإن عوامل الإنتاج ثلاثة: الأرض، ورأس المال، والإنسان، والإنسان أهم وأكبر هذه العوامل، لكن المتعصبين لدعوة تحديد النسل والمتطرفين يصرّون على أنهم لا يرون في الإنسان إلا عاملاً استهلاكياً فقط!! نقول لهم: حتى الإنسان الضعيف الذي يكون عنده أولاد كُثُر فإنه بمرور فترة الحضانة الاقتصادية هذه سوف يصبح هؤلاء الأولاد منتجين، وهم الذين يرعون آباءهم في الكبر، وينفقون عليهم، ويرعون أشقاءهم الصغار.
فهي في الحقيقة ليست أنفساً استهلاكية فقط كما يصور القوم، لكن الواقع يشهد بخلاف ذلك، وكما يقولون: الحاجة أم الاختراع، فإذا زاد السكان حصل البحث والسعي وراء مصادر الرزق، فيحصل تعمير أكثر لهذه الأرض، وسوف يبحث الإنسان عن رزق في الأراضي البكر، ويستصلح الأراضي البور، ويبحث عنه في أعماق البحار وفي المناجم، وإلا لو قنع الإنسان بالموجود لتبلد وكسل.
يقول الله ﵎: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك:١٥] فلا بد أن نكون على يقين من هذه الحقائق، فالارتباط بين النسل والرزق هي قضية عقائدية أولاً قبل أن تكون مخططاً لإبادة المسلمين، وذلك لتعلقه بالربوبية والألوهية.
فالله يضمن لعباده -برهم وفاجرهم، مؤمنهم وكافرهم- مقومات الحياة دون تفريق، وأما أنت فلست تعرف روحك الذي في بدنك، ولا تفهم سرها، وكذلك قلبك الذي يدق وينبض بطريقة لا إرادية وأنت مستيقظ أو نائم، أين المولد الذي يولّد فيه الحركة؟! من الذي يحفظ لك هذا القلب وكل وظائف الجسم التي تعمل فتبقى مقومات الحياة إلى أجل يعلم الله مداه؟! أما من ناحية أعمال الربوبية: فمعنى الربوبية التربية وتوفير مقومات الحياة، فمن الذي يؤمن لنا الهواء الذي نتنفسه، والماء الذي نشربه، والشمس التي هي عامل مهم جداً في استقامة حياتنا؟! ومن الذي يحفظ استقرار الأرض التي إذا خرج منها الإنسان إلى الفضاء فإنه يراها معلّقة مثل الكرة في الفضاء؟! من الذي يمسك السماوات والأرض أن تزولا؟! ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا﴾ [فاطر:٤١]، ليس إلا الله ، فلا تقلقوا على أرزاق الناس، وليس بأيديكم مفاتيح الرزق، بل هي بيد الله ﵎، يقول الله ﵎: ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ [الحجر:١٩] فظاهرة التوازن -كما سنبين إن شاء الله- من الضوابط التي ضبط الله بها هذا الخلق، فهناك توازن بين المخلوقات به تستقيم الأمور، تأمل مثلاً: ظاهرة العلامة بين الأنهار والبحار، فمنذ أن خلق الله الأنهار ووصلها بالبحار والظاهرة مستمرة، وهي: أن الأنهار تصب في البحار، لا الأنهار جفّت ولا البحار امتلأت!! من الذي يزن ذلك؟! هو الله ﵎.
من الذي ينظم نسل الأسماك في الماء، والطيور في الهواء، والحيوانات على الأرض؟! لو أن الوحوش تكاثرت بحيث صارت أضعافاً مضاعفة أكثر من بني الآدميين لأهلكتهم، فمن نظم نسلها؟! هل هناك هيئة تنظيم أسرة المستقبل عند الأسود والوحوش والنمور؟! لا، إنما يدبّرها الله، هذا ليس إلينا نحن، ولا إلى أسرة المستقبل المظلم، والله أعلم.
فالذي يحتاج إليه الإنسان هو الخبز وليس أقراص منع الحمل، هذا تصرف سلبي في مواجهة المشاكل، والمفروض أن الإنسان يخرج ما عنده من الطاقة، ويستفرغ وسعه في البحث عن مصادر الرزق، لكنهم يقلقون أنفسهم، ويفكرون فيما سيحدث بعد خمسين سنة بعد ألف سنة كيف سيكون شكل مصر ومستقبلها ومستواها!! لكن الذي نعلمه جيداً أننا بعد مائة سنة سنموت جميعاً، وأما قضية الأرزاق هذه فليست إلينا.
стр. 1901
أوجه الخلاف بين الاقتصاد الإسلامي والاقتصاد المادي
يذكر علماء الاقتصاد الإسلاميون أن هناك خلافاً جوهرياً بين الاقتصاد الإسلامي وطريقة التعامل مع هذا الوجود، باعتبار أنه ينبثق وينطلق من منطلق إيماني بالغيب والرزق، وبين الاقتصاد المادي أو الاقتصاد السياسي، فعلماء الاقتصاد الغربي يقررون أن الندرة أصل من أصول الخلق، أما الإسلاميون فيقولون: الندرة ليست أصلاً من أصول الخلق، لكن الندرة -وهي قلة موارد الرزق- مجرد ظاهرة يكون لها أسباب وعوامل، كأن يعزف الإنسان عن أن يستفيد مما في الأرض من خير، أو أنه قاصر عن الإحاطة والتنظيم إلى مستويات كافية بحيث لا يستطيع أن يستوعب ما خلقه الله للجنس البشري من رزق، فالأشجار كثيرة في الأرض، لكن الإنسان عاجز عن أن يقطع هذه الأشجار ويهذبها كي يستفيد منها، كذلك عند الإنسان ميل إلى التقليل من التضحية والشقاء في سبيل كسب العيش، فإذا استطاع الإنسان أن يقعد عن طلب الرزق نهائياً، وفي نفس الوقت يتنعم بكل ما يرى، فهو لا يتردد في ذلك، فهذا أيضاً من عوامل الندرة.
يتلف الناس أيضاً كثيراً مما ينتجونه بأسلحة الدمار، وأدوات التخريب المعروفة، والحروب الباغية الظالمة، هذه كلها من أسباب وعوامل حصول هذه الندرة، فهي تتلف جانباً كبيراً من المنتج، ويأتي إلى جانب ذلك التظالم الذي يكون بين الناس في قسمة الأرزاق وعدم العدل في ذلك، حتى يصل الأمر إلى حد الإتلاف.
وبعض عوامل الندرة تحصل مثلاً في بلاد متقدمة مثل أمريكا، فعندما يزيد محصول القمح ويكون الناتج والمحصول كبيراً جداً، يعمد الرأسماليون إلى أخذ الكمية الزائدة ويلقونها في البحر ليقل المعروض فيزداد الطلب عليه ولا يحصل كساد في السوق، يلقونه في المحيط لأجل هذا!!.
فالاقتصاد الإسلامي يقرر أن الأصل في الخلق هو الوفرة وليس الندرة؛ إيماناً ويقيناً بأن تقدير العزيز الحكيم القاهر فوق عباده يقتضي ذلك، فتقدير الله لما يحتاج إليه الناس لا يمكن أن يجيء مقصراً عما يلزم، بل هو كافٍ ويزيد.
يقول : ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ [فصلت:٩ - ١٠]، هناك في هذا الخلق ضوابط ومقاييس دقيقة، والموضوع لا يمشي سبهللاً، بل هناك ضوابط وقوانين وسنن تحكم هذا الوجود، ونحن نعرف تصور الغربيين لقضية الألوهية، فإنهم إذا تكرموا وأقرّوا أن هناك إلهاً، فهم يزعمون أن هذا الإله خلق العالم فحركه ثم تركه وانتهى كل شيء!! أما نحن فإيماننا بالله ومعرفتنا بصفات الله هي على النقيض تماماً من كلامهم، فالله لا يترك خلقه هملاً: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون:١١٥]، فكل شيء في هذه الدنيا وفي هذا الوجود يجري ويسري حسب قوانين تحكم كل شيء فيه، فالكوكب الذي نعيش فيه لم يخلق دون هذه القوانين المحكمة، وقد ثبت بالمشاهدة وبالبحوث العلمية جيلاً بعد جيل أن هذه الضوابط شاملة وثابتة، ومن أهم هذه الضوابط: التوازن، والوفرة، وغير ذلك.
стр. 1902
مبدأ التوازن والوفرة
التوازن: هو حالة من النسبية يتحقق به الوضع الأمثل.
وقد يكون في التوازن تكافؤ تام مثل كّفتي الميزان، والتوازن في كفتي الميزان يعني: أن ما في هذه الكفة يساوي ما في الكفة الأخرى، فهذا تكافؤ تام، وفي غير التكافؤ التام يكون هناك تناسب، وبوجود هذه النسب والمحافظة عليها يصلح شأن الخلق.
فمثلاً: عدد الرجال والنساء ينشأ بينهما نسبة فيها نوع من التوازن، بحيث يكاد يكون عدد الرجال موازياً ومساوياً لعدد النساء، وقد تُكسر هذه القاعدة نادراً.
وأيضاً: نسبة السكر في الدم، مثلاً: النسبة بين كريات الدم البيضاء والحمراء، فقد تكون البيضاء مثلاً: ٦٠٠٠ في المللي جرام، والحمراء مثلاً تكون ٨٠٠٠٠٠٠، فهذه النسبة بينهما ليس فيها تكافؤ تام، وبمثل هذا التوازن يكون السائل الحيوي في حالته المثلى، فكل شيء في العالم مقدّر بقدر وبميزان مضبوط ومحكم بما في ذلك النسل، سواء الذكور أو الإناث.
أيضاً في حالة الاقتصاد هناك توازن بين الموارد والطاقات، وهناك توازن بين المواد الغذائية وكمية الماء وبين البشر، أما مصدر هذا التوازن فهو أن الله لا يغفل -تعالى الله عن ذلك- عن تدبير أمر عباده وضمان الرزق لهم، وفي القرآن الكريم آية صريحة وواضحة في سورة الحجر، قال تعالى: ﴿وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ [الحجر:١٩] فهذا هو معنى التوازن الموجود، ثم إن المشاهدة العلمية المستمرة أيضاً تؤكد ذلك.
ومن ضوابط هذا الخلق: الوفرة، ومعناها: أن ما في الأرض من الأمور الطيبة والموارد الجافة أو السائلة أو الطاقات يتواجد بكثرة تزيد على حاجة الإنسان.
فقانون الوفرة عندنا يعارض قانون الندرة عند الغربيين، فيجب التفريق بين الاتجاهين، فالندرة قد تقع، لكن يكون لها أسباب وتكون عبارة عن ظاهرة طارئة وليست هي الأصل، فمثلاً: الأحياء المائية في البحار والمحيطات هل يشك أحد أنها تفوق حاجة الإنسان في أي وقت؟! لا، فهي تفوق حاجة الإنسان في أي وقت، ومع ذلك تقل الأسماك في بعض الأوقات وتختفي، فتتذبذب الأسعار وترتفع حتى ترهق الناس، فالندرة تقع، لكن بأسباب، وإلا فالأصل أن الأرزاق موجودة بحيث تكفي احتياجات الخلق.
هذا ما تيسر من تناول بعض ما يتعلق بالرزق، وارتباط موضوع تحديد النسل بقضية الرزق، والإنسان لا بد أن يكون عنده يقين أن الذي خلق هو الذي يرزق، وأنه لا أحد يرزق سوى الله ﵎، وأن الله كما يخلق فلا يمكن أبداً أن يترك خلقه هملاً، إذ إن الذي خلق الأفواه هو الذي يخلق لها الطعام، وليس على الإنسان إلا أن يسعى ويأخذ بالأسباب، فييسر الله له الرزق، ومع ذلك نؤمن إيماناً جازماً أن رزق الله لا يجلبه حرص حريص ولا يردّه كراهية كاره، فكل ما كُتب للإنسان فإنه سوف يناله، وإنما التوكل يكون مع الأخذ بالأسباب، لكن الرازق الحقيقي هو الله كما قال ﵊: (لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله، لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً وتروح بطاناً).
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 1903
الأسئلة
стр. 1904
مفهوم الفرقة الناجية
السؤال
هل أنت من الفرقة الناجية؟
الجواب
بالنسبة لكلام الإنسان عن نفسه، فالأعمال بالخواتيم، ولا يستطيع أحد أن يضمن لنفسه النجاة، والفرقة الناجية لا يقتصر مفهومها فقط على الجانب العلمي أو الاعتقادي، وإنما يدخل فيه أيضاً الجانب العملي والسلوكي، فمن ناحية العمل والسلوك أخشى ألّا أكون منها، وأسأل الله أن يتوب علي، وأجتهد في السير في أهل الفرقة الناجية.
أما من جهة العقيدة والعلم: فنحن نتطفل على علم السلف المشهود لهم بالخيرية، والذين اجتمعوا على هذه العقيدة السلفية، وهي عقيدة الفرقة الناجية التي تبرأ من أهل البدع بكافة أصنافهم، كالخوارج والشيعة والقدرية وغير هؤلاء، فالحمد لله أن عافنا من هذه البدع، ونسأله أن يتم علينا العافية، ويحسن خواتيمنا أجمعين.
стр. 1905
الموقف الحق مما حدث في الجزائر
السؤال
ما هو موقفنا مما يحدث الآن في الجزائر، وجزاكم الله خيراً؟
الجواب
أما ما يحدث في الجزائر فهو في الحقيقة ليس جديداً، بل هو شيء متوقع، ولعل هذا من الخطأ الذي يكون قد وقع فيه إخواننا والله أعلم، فإن الشاهد يرى ما لا يرى الغائب، والله أعلم بأعذارهم، لكن الظاهر عموماً يُفهم منه أن إخواننا كانوا يحتاجون إلى الإلمام أكثر بتأريخ الدعوات الإسلامية، وأسلوب الحكام الطغاة في التعامل مع الدعوة الإسلامية، وأيضاً مدارسة التاريخ، وبالذات التاريخ المعاصر، والذي سبقت فيه كثير من التجارب التي تحاول الإصلاح والتغيير عن طريق ما يسمى بالحل البرلماني، عن طريق القنوات الشرعية! فهذه القنوات الشرعية لا يسمح للمسلمين الشرب منها، ولا العبور فيها ولا الاستحمام فيها! فالمسلمون يُمنعون من أي شيء، ودائماً هم يُستثنون من هذه القنوات، مع أنها مسماة باسم الشرعية، وهذه طبيعة الكفر وأتباعه، والشاذلي بن جديد -الله أعلم- سواء فعل ذلك آجلاً أم عاجلاً أو لم يفعل، فالمتوقع أن يستغيث حتى تتدخل هذه الدول الكافرة لمواجهة الإسلاميين، وبالذات فرنسا، وقد وقع بالفعل أنهم أمدّوا هذا الطاغية بكل المدد المادي والمعنوي في الفترة الأخيرة من أجل مساندته؛ حتى لا تنجح الدعوة الإسلامية في الجزائر وتحقق مأربها.
والذي نستطيع أن نعمله هو أن نكون معهم بقلوبنا، وأن ندعو الله لهم أن يمكّن لهم، وينجيهم من هذا الظالم الطاغية، وأن يأخذه وإخوانه من الظالمين أخذ عزيز مقتدر، فهذا أقل ما ينبغي فعله، وهو أن نجتهد في الدعاء لإخواننا.
стр. 1906
حكم اقتناء أو مشاهدة التلفاز بحجة الاقتصار على ما فيه خير ومنفعة
السؤال
ما حكم سماع برنامج ثقافي أو ديني في التلفزيون إن تحكمت في تشغيله؟
الجواب
بعض الناس يتخذون هذا ذريعة لإحضار هذا الجهاز واستعماله، ويظنون أنه يمكن أن يهذبوا هذا الذئب، ومن قبل قلنا: من التعذيب تهذيب الذيب، وحسن الظن بمثل هذا الجهاز هو نوع من الوهم، والواضح والمقطوع به في مثل ظروفنا هذه أنه جهاز حافل بالمفاسد بكل أنواعها، وأنه لا مسوغ على الإطلاق أن يجلس إليه من يخاف الله ﵎ والدار الآخرة، لغلبة الفساد جداً على أنشطته وبرامجه، والله تعالى أعلم.
стр. 1907
حكم تشغيل التلفاز بحجة طاعة للوالدين
السؤال
هل يجوز أن أشغل التلفزيون لوالدي أو لوالدتي إن أمرني بهذا؟
الجواب
إن كان أمرك بأن تشغله من أجل سماع القرآن الكريم أو ما ليس فيه شيء من المحرمات -وهذا نادر جداً- فلا بأس في ذلك، أما الغالب فهو أنه لا يخلو من معاص أقلّها رؤية الفاسقات المتبرجات، وسماع الموسيقى، وربما رؤية مشاهد سيئة أو خليعة أو غير ذلك، فإن كان هذا الأمر يؤدي إلى محرم فلا ينبغي أن تتسبب في ذلك، وينبغي عليك أن تبين لوالديك أنك مستعد لطاعتهما والامتثال لأمرهما في كل ما يرضي الله ، فإن كان في ذلك معصية فقد قال ﵊: (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق)، فلا تطعهما فيما فيه معصية لله ورسوله ﵌.
стр. 1908
حكم افتتاح المحافل والمناسبات بقراءة القرآن
السؤال
ما حكم بدء المحافل والمناسبات بقراءة القرآن؟
الجواب
أما قراءة القرآن بحدّ ذاته فلا شك أنه أفضل الذكر على الإطلاق، فإننا لن نتقرب إلى الله بشيء أفضل مما جاء من عنده ﵎ وهو الكلام المجيد، وكان الصحابة ربما اجتمعوا فأمر النبي ﷺ واحداً منهم أن يقرأ، والباقون يستمعون، فلا بأس في قراءة القرآن في المحافل بل هذا مستحب، لكن لا يتخذ عادة ثابتة وسنة راتبة حتى يتوهم الناس أن ذلك من الدين، فتقطع بعض الوقت ولا يداوم عليها، والله تعالى أعلم.
стр. 1909
عدم صحة حديث: (من صلى علي مائة مرة في ليلة الجمعة)
السؤال
يقول النبي ﷺ : (من صلى علي مائة مرة في ليلة الجمعة -أو يوم الجمعة- غُفر له ذنوب ثلاث وثمانين سنة)، فهل هذا الحديث صحيح أم لا؟
الجواب
لا أعتقد أنه صحيح، والله أعلم.
стр. 1910
حكم من سب النبي ﷺ
السؤال
ما حكم من سب الرسول ﷺ .
الجواب
من سبّ الرسول ﵌ فإنه يقتل وإن تاب؛ لأنه إن تاب فإنه تنفعه التوبة في الآخرة، ولا تنفعه في رفع العقوبة عنه في الدنيا؛ لأن الأمة نائبة عن الرسول ﵌ في الانتصار لعرضه ﵊، وفي حياة النبي ﷺ ربما وقع السبّ له فعفا هو؛ لأنه صاحب الحق، أما الأمة فلا تملك أن تتنازل عن هذا الحق؛ لأنها نائبة عن الرسول ﷺ .
فإن لم يتب الذي سبه فسحقاً سحقاً، وإن تاب فهي قد تنفعه في الآخرة، والله أعلم.
стр. 1911
حكم من سبّ الإسلام
السؤال
السابّ لدين الله ماذا عليه إذا أراد التوبة إلى الله ؟
الجواب
إذا سب دين الإسلام فإنه يصبح مرتداً عن دين الله ، ولا يُعذر بالجهل، فإنه لا يجهل أحد وجوب تعظيم الله ، حتى اليهودي والنصراني! فلا أحد يجهل أن الله يجب أن يُعظّم، فالسب والاستهزاء -والعياذ بالله- ردّة وخروج عن دين الإسلام، ويترتب على ذلك مباشرة أن ينفسخ عقد النكاح، ويجب التفريق بينه وبين زوجته، ثم يطبق عليه كثير من الأحكام مثل قوله ﷺ : (من بدل دينه فاقتلوه) يعني: أنه يستتاب، فإن تاب وإلا قُتل رِدّةً.
وكما أنه ينفسخ عقد نكاحه ويجب مفارقة زوجته له، فإنه أيضاً يفقد ولايته على أولاده، فلا يصلح أن يكون ولياً لابنته مثلاً في الزواج، ولا يرث أقاربه المسلمين، ولا يرثه أقاربه المسلمون، ولا يغسل ولا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين، وتحبط أعماله في الدنيا والآخرة، ويكون من أهل جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً، والعياذ بالله.
فإذا استتيب قبل موته وتاب توبة نصوحاً فإن الله يتوب عليه، وإلا فيُقتل؛ لقوله ﵌: (من بدّل دينه فاقتلوه)، وهذا الكلام على وجه العموم.
أما في الحالة الخاصة فينبغي التثبت؛ لأن بعض الناس قد يسبّ الدين لبذاءة عنده في اللسان، ولا يقصد به سب دين الإسلام، بل حسب الصياغة وحسب استعمال الكلمة في العرف، فإن الدين أحياناً يطلق على الطريقة أو المنهج أو الأسلوب لدى الإنسان، لكن ينبغي حينما يحذر الناس من هذا الأمر أن يكون الكلام عاماً؛ لترهيبهم من هذه المعصية الخطيرة، فعلى الأقل حتى لو كان الإنسان لا يقصد دين الإسلام، أو هو بذيء اللسان أو لم يقصد ذلك فيجب أن يعزره الإمام إذا لم يحكم بردته، وأمر هذا التمييز يكون إلى القاضي الشرعي، والله تعالى أعلم.
وحد الجلد لا يقيمه إلا الخليفة أو الحاكم المسلم، أو القاضي الشرعي، وليس لأحد من الرعية أن يقيم الحد؛ لأنه لو نُقلت إقامة الحدود إلى آحاد الرعية فسيحصل كثير من الهرج والفتن، وكل إنسان سينصّب من نفسه حاكماً، لكن إن وقع أن أحداً أقام حداً من الحدود في الدولة الإسلامية بدون إذن من الخليفة، فإنه إذا أصاب الحد موقعه ومن يستحقه بالفعل، وتم استيفاء الشروط فإنه يعزر لأنه افتأت على الإمام، يعني: لتجاوزه حده، وقيامه بسلطة غيره بدون إذنه، أما في حال غياب الدولة الإسلامية فإنه لا يوجد إمام حتى يفتئت عليه، كما يقوله بعض العلماء المعاصرين.
وعموماً فهذه أمور تخضع لقاعدة المصالح والمفاسد، فينبغي أن يرجع فيها إلى أهل الحل والعقد، أو أهل العلم والدعوة ووجهاء الناس ممن عندهم فقه وبصيرة بالأمور؛ لأن هذه الأشياء إذا حصل التهاون فيها فقد تحصل كثير من العواقب غير الحميدة، والله تعالى أعلم.
стр. 1912
أمتي لا تنحرف [٣]
إن الدعوة التي تزعّمها الكفار، وتبعهم عليها أذنابهم من أبناء المسلمين، فأخذوا يؤيدون ويؤكدون عليها من أهمية تنظيم وتحديد النسل، دعوة سخيفة، وما دفع الكفار إلى ذلك إلا خشيتهم من زيادة عدد المسلمين وتكاثرهم، فهم يحاولون إقناعهم بهذه الفكرة بينما يشجعون كثرة النسل في بلادهم، ويكافئون من ينجب الأولاد، ثم يزعمون أنهم يخافون على المسلمين من المجاعة الناتجة عن كثرة السكان!
стр. 1913
العلاقة بين تقليص الجهاد والدعوة إلى تحديد النسل
стр. 1914
خوف الكفار من عقيدة الجهاد عند المسلمين وتنفيرهم عنها
فانظر كيف صنع الشاذلي بن جديد كما يصنع الفأر الذي احتار كيف يخرج من المصيدة، فقام يستعمل قوانين الطوارئ، ثم يخرج الجيوش، ويطلق النيران، ويلجأ للبطش والتعسف مع بني جلدته، ثم تسارع الدول الغربية كإيطاليا بإعانة الجزائر، وتعطي الحكومة الجزائرية وتفيض عليها بالأموال، وتزعم أن نظام الحكومة الجزائرية هو أصلح نظام يمكن أن يتعامل مع هؤلاء الذين يسمونهم: بالإسلاميين، أو الأصوليين.
وقامت فرنسا بالضغط من جانبها، وتقول أمريكا: لا يمكن أن نسمح بقيام حكومة إسلامية في الجزائر! فأين الديمقراطية؟! وأين الحرية؟! وأين هذه المبادئ الكاذبة؟! وهم من الممكن أن يتسامحوا مع أي نظام في العالم إلا النظام الإسلامي والدولة الإسلامية، فإذا أقيمت نواة دولة إسلامية في أي بقعة من بقاع الأرض فهم يعرفون جيداً ما يعنيه ذلك من تهديد لمصالحهم، وتهديد لوجودهم.
ولا شك أنهم قد تلقوا درساً لن ينسوه في أفغانستان، وما زالوا يتلقون شيئاً منه أيضاً في فلسطين، وهم يعرفون طبيعة هذه الأمة، وطبيعة هذه العقيدة، ومن أجل أنهم يعرفون ذلك، فهم يخافون من الإسلام ويحاربونه بكل هذه الوسائل، ويخافون من عقيدة الجهاد في هذا الدين.
أثناء الاحتلال الفرنسي -وبالذات في الجزائر حسب ما قرأنا- كان الفقهاء يُمنعون من تدريس كتاب الجهاد في دروس أئمة المساجد، فحينما تقرأ في صحيح البخاري أو غيره وتصل إلى كتاب الجهاد يمنعك الحكام الفرنسيين أن تقرأ أحاديث الجهاد أو نصوص الجهاد؛ لأنهم يعرفون أن من اعتقد هذه العقيدة وآمن بهذا القرآن، فسوف يكون أعظم أمل له في الحياة أن يعقد صفقة بينه وبين الله ﵎ مؤداها: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة:١١١].
شيء طبعي أن يخاف اليهود والنصارى من دين أنزل الله ﵎ في كتابه: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة:٢٩].
وقد كانوا ولا يزالون أعظم حرصاً على الدنيا، ويحبون البقاء في الدنيا، ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ [البقرة:٩٦]، إن كانوا هم كذلك، فأين هم من المسلمين الذين يقول الله ﵎ لهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [التوبة:٣٨].
فالخوف من الموت والخوف من قلة الزرق -كل هذا- لا مكان له في هذه الأمة، إذا رُبّيت على عقيدة الإسلام فلن تخاف الموت؛ لأنها تعلم أن: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ [الرعد:٣٨]، ولن تخاف على الرزق؛ لأنها تعلم أن الله هو الذي يبسط الرزق، وأن الرزق في السماء: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات:٢٢].
أيضاً: كيف لا يخافون ديناً يعلم أتباعه أن التولي يوم الزحف من أكبر الكبائر ومن الموبقات؟! قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ * وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال:١٥ - ١٦].
كيف لا يخافون هذا الدين الذي ينفخ في أتباعه روح الاعتزاز والانتصار بالله ؟! قال تعالى: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٩]، ويقول ﵎: ﴿وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ﴾ [النساء:١٠٤].
أيضاً: كيف لا يخافون من دين يقول فيه النبي ﷺ : (من مات ولم يغز ولم يحدث به نفسه؛ مات على شعبة من النفاق)؟! إذاً: روح الجهاد تسري في دم هذه الأمة إذا عادت إلى دينها، وإذا فهمت دينها، فلذلك تجد الغزو يعمل بكل الأساليب لكي تموت هذه الروح في الناس، إما بتثبيط الشهوات، أو بتثبيط الشبهات، وإما بتثبيط أجهزة الإعلام، وإما بالبطش، وهكذا تتلون الأساليب، وكلها تهدف إلى هذا الهدف وهو عزل الولاء لهذا الدين، وعزل هذه الأمة عن التربية الإسلامية الحقيقية.
إذا تأملت طريقة تدريس التاريخ في المدارس، وتصفحت كل مراحل التاريخ الإسلامي التي درسناها في المدارس في الإعدادية والثانوية -مثلاً- تجد أن التاريخ الإسلامي يوضع بطريقة أن هذه أمة منهزمة! من خلال التركيز على مراحل وفصول انهيار أمة؛ لغرس مفهوم أن الأمة الإسلامية تنهار، ثم في تدريس تاريخ أوروبا والغرب يأتيك بانطباع أمة تبنى وتنمو وتقوى حتى تصير مثل العملاق العظيم! فهذه الروح الإنهزامية الخبيثة مبثوثة في التاريخ، فلا يذكرون سوءات الحضارة الأوروبية، ويزعمون -بل يفترون الكذب- على الحضارة الإسلامية وعلى التاريخ الإسلامي.
مثلاً: قصة سليمان الحلبي لا تجد أبداً أي كتاب من كتب التاريخ ذكر كيفية قتل الفرنسيين سليمان الحلبي؛ عندما قتل كليبر، وليس من الممكن أن تجدها في كتاب تاريخ، حتى يدفنوا سوءات السادة الفرنسيين الذين يزعمون حرية الإنسان، واحترام حقوق الإنسان، فإنهم عذبوا سليمان الحلبي حتى أقر، ثم إنهم قطعوا يده أمامه وشووها، وفعلوا به الأفاعيل من التعذيب الوحشي قبل أن يقتلوه ويريقوا دمه، فهذه سوءة تستر مع أنه كناحية وطنية وقومية المفروض أن يقولوا: هذا بطل، لكنهم يفرضون التاريخ في المدارس بدون ما يشرب الجيل كراهية هؤلاء الكفار، ووصفهم بالوصف الذي يستحقونه بصفتهم أعداء لله، وأعداء لهذا الدين.
ولو أردنا استقصاء النماذج على ذلك لطال الوقت بنا جداً، ولخرجنا عن الموضوع الذي لم ندخل فيه حتى الآن، لكن نذكر الأسباب التي من أجلها يخافون من هذا الدين.
стр. 1915
نموذج للتربية الإسلامية على حب الجهاد
روى البخاري والترمذي عن أنس بن مالك ﵁: أن أم الربيع بنت البراء -وهي أم حارثة بن سراقة - أتت النبي ﷺ فقالت: (يا نبي الله! ألا تحدثني عن حارثة؟ -وكان قتل يوم بدر، أصابه سهم غرب- فإن كان في الجنة صبرت، وإن كان غير ذلك اجتهدت عليه في البكاء، قال: يا أم حارثة! إنها جنان في الجنة، وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى).
قوله: سهم غرب، يمكن أن تقول: سهمُ غربٍ، أو سهمٌ غربٌ، وقد تحرك الراء، وهذا إذا لم يدر من أين أتاه هذا السهم، ومن الذي ضربه به، فيطلق عليه هذا الوصف.
وفي رواية: قال أنس: (أصيب حارثة يوم بدر وهو غلام، فجاءت أمه إلى النبي ﷺ ، فقالت: يا رسول! لقد عرفت منزلة حارثة مني، فإن يكن في الجنة أصبر وأحتسب، وإن تكن الأخرى ترى ما أصنع)، وفي بعض الروايات: (وإن تكن الأخرى اجتهدت عليه في البكاء، فقال: ويحك أوَهَبِلْتِ؟! أجنة واحدة هي؟! إنها جنان كثيرة، وإنه في جنة الفردوس الأعلى)، وزاد رزين: (إنه في الفردوس الأعلى، وسقفه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة، وإن غدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها، لَقَاب قوس أحدكم أو موضع قدّه -القاب: هو القَدْر، والقدّ: هو السوط- من الجنة خير من الدنيا وما فيها)، فمجرد الموضع الذي يوضع فيه السوط أو القوس خير من الدنيا وما فيها.
ويقول ﵊ في آخر الحديث: (ولو أن امرأة من نساء أهل الجنة اطلعت إلى الأرض لأضاءت الدنيا وما فيها، ولنصيفها -يعني: خمارها- خير من الدنيا وما فيها).
فالشاهد من هذا الحديث السابق: قولها ﵂: (ألا تحدثني عن حارثة، فإن كان في الجنة صبرت)، وفي رواية: (فإن يكن في الجنة أصبر وأحتسب)، فهذه الأم مع تعلقها الشديد بابنها فإنها تصبر وتحتسب وترجو الأجر من الله ﵎.
تقول: (وإن كان غير ذلك اجتهدت عليه في البكاء) وفي الروايات الأخرى: (وإن تكن الأخرى ترى ما أصنع) أي: من البكاء والحزن الشديد عليه وذلك إذا علمت أن ابنها لم يفز بالجنة، فإن كان قد فاز بالشهادة وانتقل إلى ما هو خير من الدنيا فإنها تصبر وتحتسب، ولا تجزع ولا تحزن.
فهذه هي التربية النبوية، وهذه هي تربية الإسلام للنساء فضلاً عن الرجال، فإن هذه الأمة -كما ذكرنا- أمة ولود، تلد لأن لها رسالة في الحياة لا تنفك عنها أبداً، ألا وهي ذروة سنام هذا الدين، وهو الجهاد في سبيل الله ﵎.
فهذا الفعل من هذه الأم -ونظائرها كثيرات جداً في التاريخ الإسلامي- لعله هو السبب الذي جعل أعداء الإسلام يخافون من هذا الدين، وهم يفقهون جيداً طبيعة هذه الرسالة وطبيعة هذا الدين، وأنه إذا عادت روح الإسلام من جديد في هؤلاء المسلمين فلن تقف أمامهم قوة في الأرض، فهم يعلمون جيداً ما الذي يمكن أن تثمره التربية الإسلامية، والفهم الإسلامي الصحيح لرسالة هذه الأمة في الوجود من مصاعب تزلزل وتهدد كيانهم.
وإذا قلبنا صفحات التاريخ الإسلامي فإنا نجد نماذج كثيرة جداً، سواء من النساء أو حتى من أطفال المسلمين، فهناك علاقة وثيقة بين ما شرعنا في دراسته من قضية تحديد النسل، والترغيب في أن تكون الأمة كلها ولوداً لا امرأة واحدة، وبين رسالة هذه الأمة وهي الجهاد والبذل في سبيل الله ﵎، وما صوّر لنا من الترغيب فيما يضاد المقاصد العليا للشريعة الإسلامية إنما هو مظهر من مظاهر المؤامرة المحكمة على عقائدنا، وعلى ديننا، وعلى أمتنا.
стр. 1916
نموذج عصري للطفل المسلم المجاهد
نذكر أنموذجاً يحضرنا من العصر الحديث، وقد حدث حينما جاءت الحملة الفرنسية إلى مصر، وتصدى لها المسلمون من منطلق الجهاد في سبيل الله ﵎، فقد قام فتىً صغير من الصعيد بالتسلل والرحيل إلى الشمال؛ للجهاد في القاهرة، ثم كان هذا الفتى يتسلّل بمفرده كل ليلة إلى معسكر الفرنسيين، فيدخل مخزن الأسلحة ويستولي على بنادق الفرنسيين، ثم يعود سابحاً في الترعة إلى أهله، فيتسلح بهذه الأسلحة في مقاومة الفرنسيين، وعندما اكتشف الفرنسيون النقص في الأسلحة صدرت الأوامر من القادة الفرنسيين إلى الحراس بالترصّد للمتسللين، فلقد ظن الفرنسيون أن الذي يقوم بعملية السطو على الأسلحة من مخازنهم عصابة هائلة، فإذا بهم يفاجئون بهذا الصبي وحده يصنع هذه العملية، فانقضّوا يحاولون القبض عليه، فما كان من هذا البطل الصغير إلا أنه ظل يقاومهم حتى انكسرت ذراعه ولم يستطع الحركة، فقبضوا عليه وحملوه إلى قائد الحملة وكان يُدعى: ديزي، فلما رآه القائد دُهش بشجاعته وبطولته، فعرض عليه أن يتبنّاه -أي: يتخذه ابناً له- فرفض وقال له: إنك كافر! فانظر إلى وضوح القضية في حس هذا الصبي الصغير! فمع أنه فتىً صغير لكنه يعرف طبيعة العلاقة بيننا وبين هؤلاء الكفار، فرفض التبني؛ لأن ذلك القائد كافر، وقد أُدهش وأُذهل القائد الفرنسي بشجاعته وبسالته، فعرض عليه أن يطلقه على أن يعده بألا يعود إلى سرقة السلاح، فرفض أن يعده بذلك ما دام الكفار باقين في بلاد المسلمين، وكان يمكن أن يكذب عليه ويعده، ثم يعاود أخذ الأسلحة، لكن مبدأ الصدق قد ترسّخ في نفسه منذ الصغر، وترسخت فيه الشجاعة في مواجهة الباطل، فما كان من القائد الفرنسي إلا أن أطلق سراحه، وأمر بتشديد الحراسة على السلاح!!
стр. 1917
خوف الكفار من انتشار الإسلام جعلهم يدعون المسلمين إلى تحديد النسل
إنّ أعداء الإسلام لا زالوا يخططون، ومن مخططاتهم الترويج لهذه الفكرة الخبيثة وهي: فكرة تقليل النسل المسلم، فهذا مظهر من مظاهر هذه المؤامرة؛ لأنهم يدركون كثيراً من الحقائق، لكن -وللأسف- أن كثيراً من المسلمين لا يعونها ولا يعرفونها، فهم يعرفون جيداً أن الإسلام هو الجدار الوحيد في وجه الاستعمار الأوروبي مهما ظهر الأمر بخلاف ذلك، فهذه حقيقة العلاقة بيننا وبين الغرب، وهذه الحقيقة لا يتفطن لها كثير من المغفلين والسُذّج والبسطاء، لكن هي الحقيقة شاءوا أم أبوا.
وفي أثناء الحرب الأخيرة التي حصلت في الخليج كانت تصدر بعض التصريحات أحياناً، وربما كانوا يمارسون هذه الأمور بحرية في الخارج أكثر من هنا، وقامت بعض أجهزة الإعلام الغربية في بريطانيا مثلاً بتصوير أجزاء من الصواريخ التي كانت تقع على العراق، وبعض هذه الصواريخ كان الجنود النصارى الذين أتوا لينقذوا المسلمين من أيدي المسلمين في الظاهر! قد كتبوا عليها بعض العبارات، مثل: إلى صدام: ادع الله، فإن لم يستجب لك الله فالجأ إلى يسوع!! وكتبوا على صاروخ آخر: من أبناء موسى، وإلى أبناء محمد! فهذه الروح الصليبية الحاقدة لا زالت، ولا ننسى قول بابا روما -بابا الكاثوليك- حينما خرج عن وداعته التي يتكلفها، ولم يستطع أن يكتم هذه العبارة فقال: هذه حرب مقدسة، وهذه حرب عادلة، فانحاز إلى هذا الأمر، وتبشبش لما حصل في هذه المحنة.
فالشاهد: أن هذه حقيقة نواياهم، فمثلاً هذا: نورنت برون المعروف بنشاطه الجاسوسي لبريطانيا في وسط العرب هنا يقول: إن الإسلام هو الجدار الوحيد في وجه الاستعمار الأوروبي.
والحاكم الفرنسي في الجزائر يقول في ذكرى مرور مائة سنة على استعمار الجزائر: إننا لن ننتصر على الجزائريين ما داموا يقرءون القرآن، ويتكلمون العربية، فيجب أن نزيل القرآن من وجودهم، ونقتلع اللغة العربية من ألسنتهم.
وهذا جلادستون -رئيس وزراء بريطانيا الأسبق- كان يقول بصراحة شديدة: ما دام هذا القرآن موجوداً في أيدي المسلمين فلن تستطيع أوروبا السيطرة على الشرق، أو أن تكون هي في أمان!! وحتى قوى الشرق العالمية كالدول الشيوعية فإنها تصرح بذلك، ففي أوزباكستان يقول بعضهم بالحرف الواحد: من المستحيل تثبيت الشيوعية قبل سحق الإسلام نهائياً.
والحمد لله، فقد سحقهم الله، وأذاق بعضهم بأس بعض.
ويقول أحد المنصرين أيضاً: إن القوة الكامنة في الإسلام هي التي وقفت سدّاً منيعاً في وجه انتشار المسيحية، وهي التي أخضعت البلاد التي كانت خاضعة للنصرانية.
وقال آخر من هؤلاء المبشرين بالنار: لم يتفق قط أن شعباً مسيحياً دخل في الإسلام ثم عاد نصرانياً! وهذا مصداق لما قاله هرقل حين كان يستعلم عن صفات النبي ﷺ ، فسأل عن أتباعه: هل يزيدون أم ينقصون؟ فقال أبو سفيان: بل يزيدون، قال: وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب.
فهذا اعتراف من هرقل بالإسلام.
وهذا: بن جوريون -رئيس وزراء إسرائيل السابق- يقول: إن أخشى ما نخشاه أن يظهر في العالم الإسلامي محمد جديد! فالقوم في حالة رعب وفزع شديد من الإسلام، حتى الأمهات إلى اليوم في أوروبا -وبالذات في إيطاليا- حين تريد الأم أن تخيف ابنها فإنها لا تقول: الغول! ولا تقول ما يقوله الناس، بل تقول: سآتيك بـ صلاح الدين، وهذا من شدة الرعب والفزع من صلاح الدين ﵀.
وهم أيضاً -كما ذكرنا- يعلمون أن مصدر الخطر الحقيقي عليهم هو الإسلام، فتؤخذ كل الوسائل، فصحيح أن الاستعمار قد تلوّن، لكنه لم يظهر في الحقيقة، بل ما زال بنفس العقلية ونفس الموقف الخبيث نحو المسلمين، كما قال : ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة:٢١٧]، فلا زال هذا الموقف هو الحقيقة الكامنة في قلوبهم رغم أنهم يزعمون ويظهرون خلاف ذلك.
يقول رائد الجاسوسة نورنت برون أيضاً: كان قادتنا يخوفوننا بشعوب مختلفة، ولكننا بعد الاختبار لم نجد مبرِّراً لمثل تلك المخاوف، فكانوا يخوفوننا بالخطر اليهودي، والخطر الياباني، والخطر البلشفي، لكنه تبين لنا أن اليهود هم أصدقاؤنا، والبلاشفة الشيوعيين حلفاؤنا، وأما اليابانيون فإن هناك دولاً ديمقراطية كبيرة ستتكفل بمقاومتهم، لكننا وجدنا الخطر الحقيقي علينا موجود في الإسلام، وفي قدرته على التوسع والإخضاع، وفي حيويته المدهشة! ويقول دازنوت -وهو أيضاً مستشرق من المستشرقين-: إن القوة التي تكمن في الإسلام هي التي تخيف أوروبا! ويقول هاموتوا -وزير خارجية فرنسا سابقاً-: لا يوجد مكان على سطح الأرض إلا واجتاز الإسلام سوره، وانتشر فيه، فهو الدين الوحيد الذي يميل الناس إلى اعتناقه بشدة تفوق كل دين آخر.
والعجيب أن هذه التصريحات تأتي على ألسنة أعداء الإسلام أنفسهم، مع أنهم حريصون على كتمان هذه الحقائق، لكنهم لم يستطيعوا كتمانها، ويعرفون أنهم لو كتموها فسيكونون كمنكري الشمس في رابعة النهار.
ذكرت الإحصائيات الرسمية أنه في أقل من ثلاثين سنة سيزداد عدد المسلمين في أمريكا زيادة كبيرة، بحيث سيشكلون الدين الثاني فيها مع أديان الكاثوليك، وإن شئتَ قلت: الدين الأول؛ لأن الكاثوليك في الحقيقة ليس لديهم دين على الإطلاق! ولذلك بعد ثلاثين سنة -كما يقدرون- فإن الدين الإسلامي هناك سيكون أمراً ملفتاً للنظر؛ بسبب زيادة معدل التناسل للمسلمين، فيكونون هم الفئة الثانية في أمريكا، والله أعلم.
وكذلك ينتشر الإسلام في فرنسا بصورة كبيرة، حتى أن زعماءهم في الانتخابات يحاولون مداعبة عواطف الفرنسيين عن طريق التلميح إلى فكرة طرد أو تقليل وجود المسلمين غير الفرنسيين في داخل فرنسا، وبعض الناس يذكرون من مناقب ديغول رئيس فرنسا: أنه حرر الجزائر وأعطاها استقلالها، وكثير من الناس لا يفطنون إلى أسباب هذا التصرف من ديغول، فقد قال لهم في الجمعية الوطنية الفرنسية حين كان هناك أناس يعارضون فكرة استقلال الجزائر؛ لأن فرنسا كانت تنادي بأن لها حقاً تاريخياً في الجزائر، وأنها جزء لا يتجزأ من فرنسا، فشجع ديغول استقلال الجزائر، واضطر إلى أن يصارح أعضاء الجمعية الوطنية بالسبب في ذلك، فقال: تعرفون أن الجزائر فيها كذا مليون مسلم، وإبقاء هؤلاء كمواطنين فرنسيين فيه خطر على فرنسا، أتقبلون في يوم من الأيام أن يصبح مثلاً ثلث هذا الجمعية الوطنية من المسلمين؟! فاجتمعت كلمتهم على الموافقة على استقلال الجزائر.
إن من آيات الله، ومن علامات أن هذا دين الله الحق: أنه لا توجد دولة واحدة على وجه الأرض تتبنى قضية الإسلام، ولا توجد دولة واحدة على وجه الأرض تطبق الإسلام كما أنزله الله، أو تتحمس له، أو تقيم نشاطاً جدياً لنشر هذه الدعوة، والدفاع عنها، وبثها في الآفاق، بل كله نشاط رمزي خاضع لفئات قليلة، فالأصل أن كل هذه الأنشطة هي أنشطة آحاد من الدعاة المسلمين، أو الشباب الإسلامي في شتى بقاع الأرض؛ في داخل بلاد المسلمين وخارجها، ثم إن أصحاب هذا الدين يجاربون في بلادهم، ويُنكَّل بهم أشد التنكيل، حتى جاء اليوم الذي يقسَّم الناس فيه إلى إسلاميين وغير إسلاميين، وهذا اصطلاح غريب جداً نسمعه من كثير من الناس، فيقولون: فعل الإسلاميون في الجزائر كذا، وهم ينادون بكذا، فلماذا لا تقولون: فعل مسلم من المسلمين؟! ولماذا تقولون: إسلاميون؟! فمعنى هذا أن المسلمين ينقسمون إلى فئتين: فئة لا تريد إعزاز الدين، ولا شأن لها بالدين، وهؤلاء هم عموم المسلمين، وفئة أخرى اسمهم: الإسلاميون، وهم الذين اتجهوا إلى نصرة الدين، والجهاد في سبيله، والدعوة إليه، والبذل في سبيله، وهكذا.
فهذه فكرة خبيثة، فقُل: مسلمون، وقُل: كفار، ولا تقل: إسلاميون وغير إسلاميين، ثم يقرن بهم التشدد والتطرف، ويحصل الطعن الصريح في دين الله ﵎ ليل نهار، وصباح ومساء، في وسائل الإعلام وغيرها.
الحقيقة أننا الآن أصبحنا غرقى في بحر من المؤامرات على هذا الدين من داخل بلاد المسلمين قبل أن يكون من خارجها، وهذا مصداق لقول بعض الناس: خرج الإنجليز الحمر، وبقي الإنجليز السمر! فهي في الحقيقة لغات الاستعمار بين العساكر والحضارة، فهم الذين يحكمون ويقهرون بلاد المسلمين اليوم؛ ليكونوا خدّاماً ومخلصين لأغراض هذا العدو الكافر.
يقول البنشاذور وهو يتكلم بموقف خاص عن الإسلام: من يدري! ربما يعود اليوم الذي تصبح فيه بلاد الغرب مهددة بالمسلمين، يهبطون إلينا من السماء مرة أخرى، وفي الوقت المناسب! ويقول أيضاً: لست متنبئاً، لكن الأمارات الدالة على هذه الاحتمالات كثيرة، ولن تقوى الذرة والصواريخ على وقف تيارهم، إن المسلم قد استيقظ، وأخذ يصرخ: هأنذا، إنني لم أمت، ولن أقبل بعد اليوم أن أكون أداة تسيرها العواصم الكبرى ومخابراتها.
وهناك تصريح على لسان أحد قوى الشر، حيث يقول: إن الخطر الحقيقي على حضارتنا هو الذي يمكن أن يحدثه المسلمون حين يغيّرون نظام العالم، فلما سأل أحد الصحفيين هذا الرجل: لكن المسلمين مشغولون بخلافهم ونزاعاتهم؟! فأجابه: أخشى أن يخرج منهم من يوجّه خلافاتهم إلينا.
ويقول مسئول في وزارة الخارجية الفرنسية سنة (١٩٥٢م): ليست الشيوعية خطراً على أوربا فيما يبدو لي، إن الخطر الحقيقي الذي يهددنا تهديداً مباشراً وعنيفاً هو الخطر الإسلامي؛ فالمسلمون عالم مستقل كل الاستقلال عن عالمنا الغربي، فهم يملكون تراثهم الروحي الخاص بهم، ويتمتعون بحضارة تاريخية ذات أصالة، فهم جديرون أن يقيموا قواعد عالم من جديد دون حاجة إلى إذابة شخصياتهم الحضارية والروحية في الحضارة الغربية، فإذا تهيأت لهم أسباب الإنتاج الصناعي في نطاقه الواسع انطلقوا في العالم يحملون تراثهم الحضاري الثمين، وانتشروا في الأرض يزيلون منها قواعد الحضارة الغربية، ويقذفون برسالتها إلى مزابل التاريخ، وقد حاولن
стр. 1918
نماذج من أبطال المسلمين
ما هي النوعيات التي يربيها هذا الدين إذا أعيد من جديد لتوجيه هذه الأمة؟ كان عبد الله بن جحش ﵁ يقسم على ربه ويقول: اللهم إني أقسم عليك أن ألقى العدو غداً فيقتلوني، ثم يبقروا بطني ويجدعوا أنفي وأذني، ثم تسألني: لم ذاك؟ فأقول: فيك يا رب.
فبر الله قسمه، وشوهد في آخر المعركة وأنفه وأذنه معلقتان في خيط رضي الله ﵎ عنه.
كيف لا يخافون من هذا الدين إذا عاد لتربية الأمة من جديد وهو الذي أخرج سعد بن خيثمة وأبوه خيثمة؟! فقد تنازعا على الخروج للقتال في سبيل الله، وكان لا بد أن يقيم أحدهما ليرعى النساء والأولاد، والآخر يخرج للجهاد، فيقول الابن لأبيه: والله لو كان غير الجنة لآثرتك به، فيقترعان وتخرج القرعة للابن، فيذهب إلى المعركة ويُقتل شهيداً في سبيل الله.
كيف لا يخافون من دين يصنع رجالاً لا يعرفون البكاء إلا من خشية الله، أو البكاء أسفاً على فوات فرصة الجهاد في سبيل الله ﵎؟! يقول عبد الله بن عمر ﵄: عُرضتُ على رسول الله ﷺ يوم بدر فاستصغرني ولم يقبلني، فما أتت علي ليلة قطّ مثلها من السهر والحزن والبكاء، إذ لم يقبلني رسول الله ﷺ ، فلما كان العام المقبل عُرضت عليه فقبِلني، فحمدتُ الله على ذلك.
وكيف لا يخافون من دين يربي نساءه على أنهن لا يرين غايةً للحمل والولادة والتربية أقرب من تقديم فلذات الأكباد إلى ساحات الجهاد؟! هذه هي تربية الإسلام، وليست تربية الذي قال: أسرة المستقبل المظلم! هذه تربية الإسلام للنساء المسلمات: أن المرأة لها رسالة خالدة، وهي أن تخرج رجالاً يجاهدون في سبيل الله، وتخرج رجلاً لخدمة هذا الدين، والجهاد في سبيله، كـ أم حارثة التي ذكرنا قصتها آنفاً.
وكيف لا يخافون من دين يصنع الفداء والفدائيين الذين لم يعرف لهم التاريخ نظيراً؟! مثل البراء بن مالك الذي كان يقود مجموعة من الجند في إحدى المعارك، فاستعصت عليه قلعة من قلاع العدو، فقال لجنده: ضعوا أتراسكم بعضها إلى جانب بعض، واجعلوني فوقها، وادفعوا بي دفعة رجل واحد، أفتح لكم الحصن بعون الله تعالى، فيفعلون ما أمرهم، ويحملونه على الترس ويدفعون به إلى داخل سور القلعة، فيقفز وحده في الداخل على رءوس الأعداء كالصاعقة، ويقتل منهم أكثر من عشرين رجلاً، ويفر الباقون فزعاً مما رأوا، ويفتح البراء القلعة، وينتصر المؤمنون! وهذا معاذ بن عمرو بن الجموح في معركة بدر، يقول: سمعت القوم يقولون: أبو الحكم لا يُخلَص إليه.
أي: أن هناك قائداً من قيادات المشركين وهو أبو جهل شديد البأس لا يستطيع أحد أن يصل إليه، يقول: فلما سمعته جعلته من شأني -يعني: كأنه قال: أنا له- فصمدت نحوه، فلما أمكنني حملت عليه فضربته ضربة أطنت قدمه بنصف ساقه، فضربني ابنه عكرمة على عاتقي، فطرح يدي -أي: قطع يده- فتعلقت بجلدة من جنبي، وأجهدت، ولقد قاتلت عامة يومي، وإني لأسحبها خلفي، فلما آذتني وضعت عليها قدمي، ثم تمطيت عليها حتى طرحتها! ظلت يده معلقة وهو يجرّها وراءه، حتى آذته، وما استطاع أن يتحرك، فداس عليها وقطعها! كيف لا يخاف الكفار من دين يصنع رجالاً مسلّطين على الكفار، هوايتهم ملاحقة الظالمين، ونزال الطغاة المستكبرين؟! مثل خالد بن الوليد ﵁، سيف الله المسلول، فالكفار يخافون من مثل هذا، وهناك الكثير مما لا يتسع المقام لبسطه.
стр. 1919
الإسلام يهدد جميع كفار الأرض
الحقيقة التي تخفى علينا، وتعمى عنها أعيننا حتى لا ندركها واضحة ناصعة، أن الكفار يخافون من الإسلام؛ لأنه يهدد ما هم عليه.
وقف رئيس وزراء بريطانيا في أواخر القرن الماضي في مجلس العموم البريطاني، وأمسك بيمينه القرآن المجيد، وصاح في أعضاء البرلمان قائلاً: إن العقبة الكئود أمام استقرارنا بمستعمراتنا في بلاد المسلمين هي شيئان، ولا بد من القضاء عليهما مهما كلّفنا الأمر، أولهما: هذا الكتاب.
وسكت قليلاً، ثم أشار بيده اليسرى نحو الشرق وقال: وهذه الكعبة.
ثم قال: ما دام هذا القرآن موجوداً في أيدي المسلمين فلن تستطيع أوروبا السيطرة على الشرق، أو تكون هي نفسها في أمان!! أيضاً هناك مستشرق فرنسي يدعى كيمون مصنف كتاب (بثالوجيا الإسلام) يعني: علم الأمراض، فهو يتكلم عن أمراض الإسلام، وخطر الإسلام على الكفار، يقول: أعتقد أن من الواجب إبادة خُمس المسلمين! والآن البديل للإبادة: أنهم يبيدون أنفسهم بأنفسهم، وينتحرون انتحاراً جماعياً عن طريق تحديد النسل، يقول: أعتقد أن من الواجب إبادة خمس المسلمين، والحكم على الباقين بالأشغال الشاقة، وهدم الكعبة، ووضع جثة محمد ﷺ في متحف اللوفر الفرنسي!! والإبادة موجودة ومعروفة، فالشيوعيون مثلاً أبادوا خلال ربع قرن من الزمان ستة وعشرين مليون مسلم في الصين، أي: بمعدل مليون كل سنة! وكذلك حصل مثل هذا في روسيا، حينما أبادت الثورة الشيوعية أيضاً ملايين المسلمين تحت جنازير الدبابات.
وحتى العالم الغربي لا يستحي من هذا المنطق الذي تكلم به هذا الرجل، ففي حادثة سلمان رشدي لما ألف كتابه (آيات شيطانية) حصلت مظاهرات في داخل بريطانيا، فصاح بعض البريطانيين وقالوا: الذي لا يعجبه نظام هذه البلد فليغادرها، ولا يمكث فيها.
وقالوا: في بعض الجرائد: يبدو أن الجهة الوحيدة التي استطاعت أن تفهم اللغة التي يفهمها المسلمون، هي الاتحاد السوفيتي حينما سحقت الملايين منهم بعد الثورة الشيوعية، فهؤلاء هم الذين عرفوا اللغة التي يفهمها المسلمون!! وحينما اجتمع عدد كبير من المسلمين البريطانيين، ورفعوا قضية سلمان، وطلبوا مصادرة الكتاب، حكم القاضي البريطاني في نهاية القضية وقال: إن المادة التي سيطالب هؤلاء المسلمون البريطانيون بتطبيقها على كتاب (آيات شيطانية)، هي بشأن حماية الأديان، وهي: إنما تعني حماية الديانة الكاثوليكية واليهودية، والإسلام لا يدخل في هذه المادة!! هذه ملامح من هذه المؤامرة ومن الموقف الحقيقي الذي يتخذونه من الإسلام، يقول إسحاق رابين -وهو من المسئولين اليهود-: إننا نجحنا بجهودنا وجهود أصدقائنا في إبعاد الإسلام عن معركتنا مع العرب، ويجب أن يبقى الإسلام بعيداً عن المعركة، ويجب ألا نغفل لحظة واحدة عن تنفيذ خططنا في منع يقظة الروح الإسلامية بأي شكل، وبأي أسلوب، ولو اقتضى الأمر الاستعانة بأصدقائنا في استعمال العنف في إخماد أي ظاهرة ليقظة الروح الإسلامية، وإذا فشلنا في إقناع أصدقائنا في توجيه ضربة قاضية في الوقت المناسب، فعلى إسرائيل أن تواجه الإسلام حينذاك وهو عدو حرصنا أن يبقى بعيداً عن المعركة، وستجد إسرائيل نفسها في وضع حرج إذا نجح المتعصبون المسلمون في تحويل معركتنا ضد البلدان العربية إلى معركة المجاهدين المتعصبين، وهم الذين يعتقدون أن أحدهم يدخل الجنة إذا قتل يهودياً أو قتله يهودي، وستقوم إسرائيل بالدور الذي قام به المشرفون من عملائهم، فيقومون بدورهم في تغيير عقلية المسلمين وتفكيرهم، فينشئون حركة تجديد الدين تحت اسم العلمانية إلى آخره.
إذاً: نستطيع أن نقول: إن إسرائيل دولة تشجع العلمانية في بلاد المسلمين، وهي دولة دينية، فإن دستورها هو التوراة، واسمها: إسرائيل، ويقصدون بهذا الاسم: نبي الله يعقوب ﵇، وهو بريء منهم بدون شك.
стр. 1920
خطورة الدعوة إلى تحديد النسل
لماذا نقبل الدعوة إلى تحديد النسل في بلاد المسلمين، وفي نفس الوقت تتجه الهجرات اليهودية من كل مكان صوب أرض الميعاد كما يزعمون بكل وسيلة وبكل طريقة، حتى يكثر عدد اليهود، حتى يستطيعوا أن يواجهوا ويحققوا أطماعهم في بلاد وديار المسلمين؟! هذه بعض فصول المعركة أو موقف هؤلاء الكفار من المسلمين، فمن خلال هذه النفسية تتخذ خطواتهم ومواقفهم من المسلمين، فالهدف من بدعة الترويج لتحديد النسل بهذه الطريقة التي ذكرنا أنها تنافي مقاصد الشريعة الإسلامية العليا، وهذه المقاصد العليا للشريعة الإسلامية مقدسة، ولا يصح أبداً أن تُمسّ من قريب أو بعيد، فالمحافظة على الدين والعقل والعرض والنفس والمال والنسل، هذه هي مقاصد الشريعة الإسلامية، وكل مفرداتها جاءت لتحافظ على هذه الضروريات الست، فالهدف من بدعة وضلالة تحديد النسل هو تقليل أمة المسلمين، والحد من تناسلها وتوالدها قدر ما يمكن، أو إيقاف ذلك بالكلية لو كانوا يستطيعون.
على ضوء الكلام الذي ذكرناه ليس الذي يخاف من كثرة النسل هم المؤمنون، وليسوا حتى الاقتصاديين، لكن الذي يخاف منه في الدرجة الأولى هم أعداء الإسلام الذين يتمنون أن يغمضوا أعينهم ثم يفتحوها فلا يجدوا على الأرض من المسلمين دَيّاراً، فهم لا يخافون الأفواه التي سوف تأكل وتلتهم الطعام، ولكنهم يخافون الأيدي التي يمكن أن تحمل السلاح، وتجاهد في سبيل الله ﵎.
وهنا نستشهد بكلمة قالها الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى -وهو من علماء منتصف القرن التاسع الهجري- في شرحه لحديث سعد بن أبي وقاص ﵁: (ردّ رسول الله ﷺ على عثمان بن مظعون التبتل، ولو أذن له لاختصينا) يقول الحافظ: والحكمة في منعهم من الاختصاء إرادة تكثير النسل؛ ليستمر جهاد الكفار، وإلا لو أذن في ذلك لأوشك تواردهم عليه فينقطع النسل، فيقل المسلمون بانقطاعه، ويكثر الكفار، فهو خلاف المقصود من البعثة المحمدية، وهي تكثير هذه الأمة.
فهم يهدون إلينا الألبان والجبن بكل أنواعه، ويهدون إلى إسرائيل الطائرات والمدافع والقنابل لحصد أُمّتنا، يهدون إلينا ساعة تدق فوق رءوسنا منذرة بأن هناك مولوداً موحداً ولد في مصر مع كل لحطة؛ حتى نأخذ حذرنا ونوقف هذا الخطر فنحد من الإنجاب، أو نقطعه نهائياً!! في مقابل ذلك تهدى إلى إسرائيل أجهزة الإنذار المبكر لربط حركتنا في حالة الحرب؛ حتى تضرب إسرائيل رجالنا قبل أن يتحركوا ويعدوا أنفسهم، ومن البدهيات التي يقر بها كثير من الخبراء في مصر، أن إسرائيل من الآن تعد لحرب شاملة مع جميع البلاد العربية وفي أولها مصر، وهذا ليس سراً، بل هذا شيء معروف ومشهور جداً!! فهذه الدعوة ما هي إلا تدبير مخطط يقصد منه المحافظة على الوضع الدولي الراهن، بحيث تظل الدول الاستعمارية صاحبة السيادة في كل شيء، وتظل الدول المسماة بـ: الدول النامية فقيره ومتخلفة، ويشتد قلق أمريكا بالذات من تزايد سكان هذه الدول؛ لأن هذا يهدد استغلالها لهذه الشعوب الفقيرة، وينذر بتخفيض النسبة العالية التي تحصل عليها أمريكا من الدخل، أو تحصل عليها هذه الدول من الدخل العالمي.
وبسبب تحكم الدول الكبرى في أسعار المنتجات الزراعية في هذه الدول، تخسر الدول النامية في التجارة الدولية ما يقارب من ثلاثة آلاف مليون جنيه سنوياً، وأيضاً ترتفع أسعار المصنوعات المستوردة من هذه الدول، فأمريكا لا تفعل شيئاً بدافع الإنسانية، ولا تقدم مساعدة بدون ثمن وبدون مقابل، بل تأخذ العوض أضعافاً مضاعفة، فأمريكا تحصل على جنيه ونصف جنيه استرلينياً مقابل كل دولار من المعونة التي تقدمها للدول النامية، حيث تشترط على هذه الدول شراء المنتجات الأمريكية بأسعار مرتفعة، وتجبرها على أن تصدر لها منتجاتها بأسعار منخفضة، فهي لعبة من اللعب الاستعمارية في لون جديد! إذا أردنا أن ندرك حقيقة هذه الجريمة التي ترتكب في حق الأمة بالترويج لهذه الضلالة وهذه البدعة، فلننظر كيف أن كُتّاب الغرب يفندون نظرية مالتوس التي كان من جرائها التحذير من المتوالية الحسابية والهندسية، والتي مفادها أن التزايد السكاني سيسبب انفجاراً سكانياً، فهم يلحّون في الغرب على الدعوة إلى الاستكثار من النسل، ورفع نسبة الكثافة السكانية عندهم، لكن إذا نصبوا منابرهم في اتجاه بلاد المسلمين، ونظروا إلى العالم الإسلامي الفسيح؛ تغيرت آراؤهم فجأة، وانعكس حديثهم عن هذه الدعوة، وأخذوا يحذرون العرب والمسلمين من استفحال تكاثر النسل، وما يسمونه بخطر الانفجار السكاني! يقول محمد إقبال -الشاعر الباكستاني المعروف-: وكل ما هو واقع اليوم أو هو على وشك الوقوع في الغد القريب في بلادنا؛ إن هو إلا من آثار دعاية أوروبا، هناك سيل عرم من الكتب والوسائل الأخرى قد انجرف إلى بلادنا لدعوة الناس إلى اتباع خطة منع الحمل، وتشوقيهم إلى قبول حركتها، على حين أن أهل الغرب في بلادهم أنفسهم يتابعون الجهود الفنية لرفع المواليد وزيادة عدد السكان، ومن أهم أسباب هذه الحركة عندي: أن عدد السكان في أوروبا في تدهور شديد، وتناقص مطّرد بناءً على الظروف التي ما خلقتها أوروبا إلا بنفسها، وقد استعصى عليها اليوم أن توجد لها حلاً مرضياً، وأن عدد السكان في بلاد الشرق على العكس من هذا، فهو في زيادة مطردة، فهذا ما ترى فيه أوروبا خطراً مخيفاً على كيانها السياسي.
وأيضاً: فالغربيون يبثون هذه الدعوة فيما بيننا حذراً من أن يقود التفوق السكاني في هذه المنطقة إلى تفوق في استخدام التكنولوجيا، والاضطلاع في العلوم، فإذا حصل هذا فسوف يتحررون من سلطان الغرب، ويمتلكون زمام القيادة في إدارة بلاد الاقتصاد والسياسة.
فالغربيون يخشون هذا، ويتصورونه ماثلاً أمامهم، وإن كانت أكثرية هذه الأمة ذاتها لا تتمتع من الطموح والآمال بما يضعونه من هذا التصور وإمكان حصوله.
تقول جريدة التايمز الأمريكية في عددها الصادر في ١١/ ١/١٩٦١م: إن هذيان أمريكا وكل ما تبذل من المقترحات والمواعظ عن مشكلة السكان، إنما هو نتيجة إلى حدٍ كبير لشعورها بتلك النتائج والمؤثرات السياسية المتوقعة على أساس تغير الأحوال في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، وخاصة على أساس زيادة السكان في هذه المناطق بحيث يصبحون أغلبية في العالم.
ويفضح أركر كرنك مقاصد الأوربيين في إلحاحهم على المسلمين بضرورة تحديد النسل، وهذا من باب: وشهد شاهد من أهلها، فتأمل ما يقوله هذا الشاهد، يقول: إن أهل الشرق سوف لا يلبثون إلا قليلاً حتى يطلعوا على حقيقة هذا الدجل، ثم لا يغتفرونه لأهل الغرب؛ لأنه استعمار من نوع جديد يهدف إلى دفع الأمم غير المتقدمة، ولاسيما الأمم السوداء إلى مزيد من الذل والانحطاط؛ حتى تتمكن الأمم البيضاء من الاحتفاظ بسيادتها!! فهم في الغرب لم يضعوا إلى الآن لشعوبهم مثل هذه الخطط الموضوعة لنا للحد من التزايد السكاني، بل على العكس، فهم يشجعون الإكثار من النسل، ومن أجل ذلك لا ينكرون العلاقات غير الشرعية التي تثمر الألوف من أبناء الحرام!! في الوقت الذي تعلن فيه السلطات الرسمية في أمريكا أن الأسرة الأمريكية تواجه أزمة من أشد الأزمات، وهي ارتفاع نسبة المواليد بشكل يهدد الحالة الاقتصادية في البلاد، ومع هذا أعلن الرئيس الأمريكي الأسبق إيزنهاور في مؤتمره السنوي المنعقد في ديسمبر سنة ٥٩م قائلاً: إن حكومته لن تفكر في تحديد النسل في أمريكا ما دام هو في البيت الأبيض!! ثم جاء نكسون في سنة ٧٢ فأكد موقف إيزنهاور وأعلن أن الإجهاض لا يتفق مع الدين، ولا مع تقاليد الحضارة الغربية، فطالب بإعادة النظر في قانون إباحة الإجهاض التي أخذت بها بعض الولايات.
أما روسيا السوفيتية التي وصل تعدادها حالياً إلى ٢٥٠ مليون فهي ترى أنها في حاجة ماسة إلى مزيد من النسل؛ لأنها في حاجة إلى مزيد من القوى البشرية والأيدي العاملة والمنتجة؛ حتى تستطيع أن تحتفظ بالتوازن بينها وبين الدول المجاورة لها، ومن أجل ذلك أصدر مجلس السوفيت الأعلى في موسكو قراراً بإهداء ميدالية فخر الأمومة إلى الأمهات المنجبات لكثير من الأطفال! أما في أسبانيا فإن الجنرال فرنكو كان أشد ما يكون حرصاً على زيادة تعداد الشعب الأسباني، وقد أهدى جائزة الأب المثالي لفلاح أسباني يبلغ من العمر مائة وسبع سنوات؛ وذلك لأنه أنجب واحداً وعشرين طفلاً وطفلة.
أما في إيطاليا -التي تعتبر مركز الكاثوليك- فإن المسمى البابا بولس السادس - وهو الزعيم الديني لأكثر من ٥٠٠ مليون كاثوليكي- قرن اسمه بالحملة المضادة لتحديد النسل، حيث أعلن أن استخدام وسائل تحديد النسل إثم، وأن مستخدميها آثمون، ومن يدري لو كان يتمتع بالسلطة القديمة التي كانت في القرون الوسطى، لأصدر قرارات حرمان.
وذكر كبير النصارى في مصر نفس هذه العبارة، وزاد: أن هؤلاء الذين يحددون النسل خارجون عن شعب الكنيسة.
وأيضاً اليونان مع أنها محدودة المساحة والموارد، فإن الحكومة اليونانية حريصة أشد الحرص على تحقيق زيادة السكان؛ لتعويض النقص الحاصل في السكان بسبب الهجرة المستمرة، ولذلك قررت الحكومة اليونانية فرض مكافأة شهرية ثابتة لكل أبوين على إنجاب الطفل الثالث أو أي طفل يلدانه بعد الثالث تبلغ عشرة جنيهات.
ومنذ زمن ليس بالبعيد ناشد الرئيس الفرنسي دستانس الشعب الفرنسي العمل على زيادة النسل، وأكد أن عدد سكان فرنسا الذين يزيد عددهم على خمسين مليون غير كافٍ! ويتعين زيادة معدلات السكان؛ لكي تستعيد فرنسا مكانتها على الصعيدين السياسي والاقتصادي، ووعد بعلاوات مالية مجزية للأسر التي لديها ثلاثة أطفال أو أكثر!! وأما في الصين فمن المعروف أنها مزدحمة بالسكان، ولكن الغريب أن حكومة الصين حتى الآن تستثني المناطق الإسلامية من قوانين الإجبار على تحديد الحمل والنسل؛ لأنهم يخافون من ثورة المسلمين؛ لهذا يعتبرون من صميم سياستهم عدم التدخل في نسل المسلمين في الصين، وتستثنى المناطق الإسلامية م
стр. 1921
حرمة تحديد النسل
هناك فتوى لفضيلة الشيخ حسنين محمد مخلوف ﵀ المفتي السابق لمصر وعضو مجمع البحوث يقول فيها: لقد أصدرت فتوى بهذا الموضوع بالذات مطبوعة في الفتاوى، خلاصتها: أنه لا يجوز تحديد النسل لغير ضرورة شرعية يقدرها الأطباء المسلمون المختصون، أخذاً من قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ [الأنعام:١٥١]، وكانوا في الجاهلية يقتلون الأولاد خشية الفقر وعدم القدرة على القيام بتربيتهم.
ولقد تناولت الفتوى أن الإجهاض وأخذ الأدوية لمنع الحمل غير جائز شرعاً إلا للضرورة الصحية التي يقررها الأطباء المسلمون الصادقون، وعلى ذلك فلا يجوز أخذ الحبوب التي تمنع الحمل، مع العلم أنه لا يجوز إسقاط الحمل الذي نفخت فيه الروح؛ لأنه قتل لذي روح فهو لا يجوز، والفتوى بهذا منشورة منذ أكثر من عشرين عاماً في الصحف، والله المستعان.
يقول الشيخ مخلوف: وقد سمت الصحف تحديد النسل باسم: تنظيم النسل، والمعنى واحد، والمقصود واحد، وكله اتباع لآراء غير المسلمين الذين يرون في كثرة عدد المسلمين خطراً عليهم وعلى مدى دينهم، فيحاولون بجميع الوسائل تنقيص عدد المسلمين؛ سعياً وراء إضعافهم في بلادهم، وفي الدفاع عن دينهم.
يقول الشيخ مخلوف ﵀: وقد عثرت على رسالة وجهها أحد الرؤساء المسيحيين إلى الأطباء منهم، يحذرهم من منع الحمل بين طائفتهم، ويدعوهم إلى منع ذلك بينهم منعاً باتاً، بينما يدعوهم إلى مساعدة من يريد التحديد أو يريد التنظيم إذا كان من المسلمين، أملاً في أن يقلّ عدد المسلمين، ويكثر عدد غيرهم من غير المسلمين، وهذا المنشور قرأته بنفسي منذ بضع سنين، وهو منشور سرّي كتبه هذا الزعيم المسيحي، ونشره بين أبناء ملّته سراً؛ ليعمل به أطباؤهم، وينفذه حين يعرض عليهم الأمر، وخلاصته: تقليل عدد المسلمين، وتكثير عدد غير المسلمين، وبعبارة أخرى: إضعاف المسلمين وتقوية غير المسلمين في مجال الحياة، والله لا يهدي كيد الخائنين.
وهذا معروف من نشاطهم وخيانتهم، حتى في العمليات الجراحية، فقد ضبط كثير من الأطباء أنهم في أثناء العملية يستأصل بعض الأجزاء من المرأة بحيث لا تستطيع الحمل، ولا تدري بذلك، وتوجد قصص كثيرة في ذلك، قال بعض السلف: الخيانة عشرة أجزاء، تسعة منها في الكافرين.
وأحد هؤلاء المجرمين الأطباء النصارى الجزارين كان مشهوراً جداً بنشاطه الخطير في عملية الإجهاض وتقليل النسل والتعقيم وغيرها، وكانت عيادته في شارع محرم قريباً من مسجد أولاد الشيخ، وقد أهلكه الله -ولله الحمد- منذ سنوات، وكان هذا الرجل في عيادته، وفي إحدى المرات ذهبت إليه امرأة، وكان اسمها من الأسماء المائعة التي لا يتميز فيها المسلم عن غير المسلم، فظن أنها كافرة على ملّته، وعرف أنها تريد الإجهاض، فسألها عن اسمها، فظن بغبائه أنها نصرانية مثله، فانقلب تجاه وجهها، وأخذ يقذفها بوابل من الشدة والغلظة والمعاتبة والتقريع والتوبيخ ويقول: كيف تفعلين هذا؟! نحن لا نعمل هذا لأبناء ملّتنا، هذا ليس لنا نحن، فخرجت المرأة المسلمة من عنده وهي تنوي ألا تحدد نسلها أبداً بعدما سمعت هذا الرجل يقول: إنما نفعل هذا لغيرنا، ونحن لا شأن لنا بمثل هذه الأمور!! والدكتور عبد العزيز الدردير حفظه الله له كتاب يسمى: (لمصلحة مَنْ تحديد النسل أو تنظيمه؟!) يقول فيه: وإنني شخصياً لا يعجبني موقف رجال الكنيسة، فلم أر منهم من تكلم في موضوع تحديد النسل، فلم يكتب واحد منهم في هذا الموضوع كتاباً، ولم يلق أحد منهم فيه خطبة، ولم يصدر واحد منهم فيه فتوى، لا بحل ولا بحرمة، ولم يتكلم واحد منهم في هذا الموضوع بخير ولا شر، وقد يكون لهم في ذلك عذر، حيث إن الكلام في هذا الموضوع قد لا يعجب بعض المسئولين، وقد يتهم المتحدث فيه بمخالفة سياسة الدولة، فهم قد وفروا على أنفسهم ذلك كله، وأخذوا في داخل كنائسهم يعملون بكل قوة ونشاط على تكثير عددهم، وذلك عن طريق وصية القسس لرواد الكنائس بالعمل على كثرة التناسل، وإلقاء التعليمات إلى الأطباء المسيحيين بألا يوافقوا أي امرأة مسيحية على إيقاف نسلها، ولقد تكاثرت أعدادهم في الآونة الأخيرة بشكل ملحوظ، وإذا كنت في شك مما أقول فاذهب إلى أي تجمع يشترك فيه المسلمون والمسيحيون كالمدارس العامة الأميرية، أو كتائب الجيش، أو غير ذلك؛ فسوف تجد أن نسبة المسيحيين إلى المسلمين قد زادت كثيراً في الآونة الأخيرة عن ذي قبل، وكنت أتمنى من علمائنا إذا لم يستطيعوا أن يقولوا كلمة الحق فلا أقل من الصمت، أسوة بزملائهم من رجال الكنيسة!
стр. 1922
سبب حرص الكفار على تقليل نسل المسلمين في مصر خاصة
آخر ما أشير إليه هو سؤال مهم جداً، ويُلحّ علينا دائماً: ما هو السرّ في تفوق خط مصر من هذه الدعوة إلى تقليل النسل الإسلامي؟! هل هو فقط العامل الاقتصادي كما يظهرون؟! لا؛ لأن مصر في الحقيقة تملك كمّاً هائلاً من الثروات، وهذا الكلام لا أقوله بصفة متطفل على رجال الاقتصاد والخبرة، بل هذا كلام يقوله أهل الخبرة حتى في مجالات الاقتصاد، فقد وهب الله ﵎ مصر نهراً مبارك الغدوات والروحات، حتى قال المؤرخ اليوناني القديم هريدوس: مصر هبة النيل، ونحن نصحح هذه العبارة ونقول: النيل هبة الله، فنحن نعبد الواهب، ولا نعبد الموهوب، وهناك إشارة في القرآن إلى هذه النعمة العظيمة على أهل مصر بهذا النهر العظيم الذي هو من الجنة، كما جاء في الحديث الصحيح في البخاري، يقول الله ﵎: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ﴾ [السجدة:٢٧]، قال كثير من المفسرين: المقصود بهذا الماء النيل، والمفسرون الذين قالوا: ليس مقصود به خصوص النيل، قالوا: إن أعظم مثال تتجلى فيه هذه النعمة هو النيل في مصر.
لو أنك أخذت صورة لمصر مأخوذة من القمر الصناعي، فستجد أن مصر صحراء، وتجد شريطاً أخضر رفيعاً جداً في وسطها، باستثناء منطقة الدلتا، فهذه هي مصر كلها، أما ما عدا ذلك فهي صحراء واسعة، وقد كانت هذه الصحراء منذ أكثر من ألفي سنة كلها مخزاناً للحبوب بما يكفي الأمبراطورية الرومانية.
قال علي بن أبي طالب لـ محمد بن أبي بكر حينما وجهه إلى مصر: إني وجهتك إلى فردوس الدنيا! وقال عمرو بن العاص لـ عمر بن الخطاب ﵄: يا أمير المؤمنين! ائذن لي أن أسير إلى مصر.
وقال: إنك إن ضممتها إليك كانت كوة للمسلمين، وعوناً لهم، وهي أكثر الأرض أموالاً.
ولعل العيش في ذكريات الماضي يخفف علينا وطأة الحاضر، فما سجله التاريخ: أن مصر كانت على جانبي النيل مُدُناً متقاربة كأنها مدينة واحدة، والبساتين خلف المدن المتصلة كأنها بستان واحد، والمزارع من خلف البساتين متصلة، حتى قيل: إن الكتاب كان يصل من الإسكندرية إلى أسوان في يوم واحد، يتناوله عمال البساتين من واحد إلى واحد! ويحدثنا التاريخ أيضاً: أن المرأة على جانبي النيل كانت تخرج حاسرة لا تحتاج إلى خمار لكثرة الأشجار! وأنها كانت تضع على رأسها المكتل فيمتلئ بالثمر من كثرة ما يتساقط من الشجر! والقرآن الكريم قد سمّى مصر مصراً ومدينة كما قال : ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾ [البقرة:٦١]، قال ابن جرير: المقصود بها مصر فرعون.
وهي التي يسمونها: (إيجبت)، وإيجبت مأخوذة من القبط، فإيجبت تعني: القبط، وهذه تسمية غير صحيحة؛ لأن المقصود بها: الدولة القبطية، وحتى الآن تسمى مصر في القواميس الغربية بـ: بلاد الأقباط، أو إيجبت، والأصل تسميتها باسمها: مصر.
قال تعالى: ﴿وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [يوسف:٩٩]، وقال : ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا﴾ [القصص:١٥]، والمقصود بالمدينة: مصر، وقال أيضاً: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى﴾ [القصص:٢٠]، وحين ذكر الشام قال: ﴿وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾ [يوسف:١٠٠]، فكانت مصر هي مصدر الميرة، وملجأ الجائعين عند القحط، لا لأهلها فقط، بل لأهلها ولمن جاورها كالشام وغيرها، والرجوع إلى قصة يوسف ﵇ يوضح لنا هذا تماماً، يقول تعالى: ﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ﴾ [يوسف:٥٩]، وقال: ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ﴾ [يوسف:٦٣] يعني: إلى مصر.
ومصر حتى عهد قريب كانت في وضع اقتصادي مزدهر جداً، إلى أن أتى الزعيم الأوحد المهزوم دائماً عبد الناصر وبدد ثروة البلاد، مصر تسلمتها الثورة وهي مدينة لبريطانيا بما يعادل ميزانية بريطانيا لمدة سنتين! فالذي حصل أن عبد الناصر بدد ثروة مصر، وبدد رصيدها من الذهب في صندوق النقد الدولي، وبدأ في عهد الديون واستجداء المعونات، وضحّت مصر بصفوة شبابها وثروتها في حروب خاسرة في الكونغو، وفي حرب المسلمين فيما بينهم في اليمن، وفي سيناء في الحروب مع اليهود، وحصل تعطيل قناة السويس، واستيلاء اليهود على سيناء، وغير ذلك.
الشاهد من هذه الأحوال أنه بسبب هؤلاء الظالمين وصلنا إلى ما وصلنا إليه، حيث أتقن الإنجليز السُّمر أداء الدور الذي اجتهد فيه الإنجليز الحمر، ولكن الله لهم جميعاً بالمرصاد.
فالإنسان هو أهم عوامل الإنتاج في الأرض، فهم يحاولون دوماً أن يظهروا لنا أن الإنسان مجرد عنصر استهلاكي ولا يعتبر إنتاجياً، فكل إنسان يولد على الأرض لن يكون بطناً أو فماً فقط! ولكنه سيكون مزوداً بيدين ورجلين وعقل، فإذا كان هناك تخطيط وإخلاص فلن توجد مشكلة، وفي الحقيقة أن مشكلتنا في مصر بمنتهى الصراحة هي أننا لسنا حتى وطنيين، ولن نقول: إسلاميين مخلصين لدينهم ولإمة المسلمين، إننا لا نكاد نقف على شخص فقط يكون صادقاً فيما يدعيه من الوطنية، وإلا لأخلصوا لهذا البلد، ولما كان حالها كهذا الحال.
فمن الأفكار المشوشة أن نُبرز الجيل الجديد أو النسل على أنه استهلاك فقط يأكل ويلتهم، ولا ينتج على الإطلاق، وهذا خلاف الواقع، وبالذات إذا تخيلنا فترة الحضانة الاقتصادية مثلاً في الأرياف، فالطفل يعتبر ثروة مهمة جداً لأبيه في الريف، حتى بعد انتشار التعليم، وما زالت فترة الحضانة الاقتصادية لا تتجاوز عشر سنوات، ثم ينتج ويعاون أباه، ويكون العمود الأساس في حماية الزراعة ورعايتها، ومن الذي يقوم بمحاربة دودة القز ونحو هذه الأشياء سوى هؤلاء الأبناء الصغار.
نريد أن نبحث عن جواب سؤال مهم جداً: في حرب ١٩٦٧م -حرب النكسة الشهيرة- حينما هزمت إسرائيلُ الجيشَ المصري تلك الهزيمة المنكرة بفضل الخيانات، وكادت أن تقضي عليه نهائياً، واحتلت أرض سيناء كلها، ووقف جنود إسرائيل على الشط الشرقي للقناة، بينما كان الطريق إلى القاهرة مفتوحاً براً وجواً وبحراً، وصرّح بذلك جمال عبد الناصر حيث قال: لم يكن بين السويس والقاهرة عسكري واحد، هذا باعتراف رئيس الجمهورية بطل الهزائم! فهو باعترافه يقول: لم يكن هناك أي عائق أمام إسرائيل في أنها تعبر القناة وتتجه إلى القاهرة وتحتل العاصمة!! والقاهرة هي أكبر عاصمة في المنطقة، فما هو السبب الذي منع إسرائيل من الوصول إليها؟! هل إسرائيل عندها ورع وخوف من الله وشفقة على الشعب المصري؟!! أليس من أهدافهم غزو مصر وبسط دولتهم من النيل إلى الفرات؟! فلماذا لم تفكر إسرائيل بأن تقفز إلى الشط الغربي للقناة وتتجه إلى مصر حيث لم يوجد عسكري واحد يعيقهم باعتراف عبد الناصر نفسه؟!
الجواب
بسبب ما تتمتع به مصر من الكثافة السكانية، بالرغم أن الشعب غير مسلح، ومع كل هذا فقد وقفت إسرائيل عند القناة ولم تتخطَّها! هل كان قادة إسرائيل لا يعرفون الوضع العسكري السيئ في مصر؟! كانوا يعلمون به تماماً، لكن الذي منعهم من دخول القاهرة وأرض الدلتا هي القوة البشرية في هذا الشعب المسلم، الذي لو دخل اليهود في وسط أرضه المعمورة والمأهولة بالسكان؛ لذابوا في وسط هذه الكثافة السكانية الهائلة.
أيضاً بين وقت وآخر نسمع من كثير من المسئولين الكلام على تحولات المصريين العاملين في الخارج، والاهتمام الشديد بهم، أليست هذه الأيدي العاملة في الخارج هي من النسل؟! أليست مصدراً من أهم مصادر جلب العملة الصعبة التي تحتاج إليها الأمة؟! فلو تقلصت هذه القوة العددية فلا شك أنه سوف يتقلص أيضاً مصدر عظيم جداً من الرزق والدخل.
فما يتشدق به البعض من وجود أزمات اقتصادية في مصر -كما يقول كثير من الخبراء- هو كلام في الحقيقة مختلق وغير صحيح، ونحن نضطر إلى أن نستشهد برجل من رجال الاقتصاد تربع على عرش رئاسة الوزراء في مصر، وهو الدكتور علي لطفي، وقد كان رئيس مجلس الشورى، وأيضاً كان قبل رئاسته لمجلس الشورى رئيس مجلس الوزراء.
ففي جريدة أخبار اليوم في القاهرة بتاريخ ١٤/ ٤/١٩٨٩م في الصفحة السادسة يقول الدكتور علي لطفي في ندوة الشباب: لا أزمة اقتصادية في مصر.
وأكّد أن مصر لا تواجه أزمة اقتصادية، بل تواجه بعض المشاكل التي سببتها الحروب العديدة التي خاضتها.
وحتى لو فرضنا وجود أزمة، فإن النزول إلى تحقيق أهداف أعداء الإسلام وأعداء الأمة هو نوع من العجز عن مواجهة المشاكل، والمشكلة في الحقيقة هي مسألة سوء توزيع للسكان، والسلوك الغير مستقيم لكثير من أصحاب المناصب، من الخيانات والاختلاسات، وإغفال وإهمال كثير من مصادر الخير الموجودة في مصر، ونحو هذه الأسباب التي تنتج عنها الأزمة.
وفي جريدة الأخبار أيضاً صفحة ٣ بتاريخ ٢٥/ ٤/١٩٨٩م كتب مقال بعنوان: (البحر الفارغ سلة الغذاء المنفية)، وهذا العنوان يُكّني به صاحبه عن اكتشاف فرع قديم للنيل يمتد من الجيزة إلى الإسكندرية، وهذا أحدث اكتشاف زراعي، حيث يضم (٢) مليون فدّان صالح لزراعة القمح والذرة والبرسيم، والتربة من الطين المختلط بالرمال، من خلال عوامل التعرية التي تمت لآلاف السنين.
فالمهم أنهم اكتشفوا هذا الفرع من النيل بين الجيزة والإسكندرية، وتوجد بقايا الحيوانات والأسماك وبعض الحفريات التي تثبت أن ذلك المكان كان جنة خضراء.
وهناك مقال طويل يقول: إن هذه المساحة إذا زرعت بالإضافة إلى المساحات المزروعة الآن قمحاً لغطّت جميع استهلاكنا.
وأيضاً: لعلكم سمعتم عن مشروع (رابح)، فقد جاء في جريدة الأخبار بتاريخ ٣١/ ٤/١٩٨٩م تحت عنوان: (رجل من مصر يقضي على الجوع في العالم)، الدكتور رضا عزام عالم مصري، وأستاذ الكيمياء الإشع
стр. 1923
بدعة تقسيم الدين إلى قشر ولباب [١]
لقد أمر الله المؤمنين بالدخول في السلم كافة؛ لأن الدين كلٌ لا يتجزأ، وليس في الدين ما يسمى قشوراً، بل الدين كلّه لُبّ؛ إذ لا يمكن أن يأمر الشارع بشيء من سفاسف الأمور، وتفاهات الأعمال التي ليس من ورائها نفع للإنسان.
ومن هنا يتضح لنا أن ما ينادي به بعض ضعاف العقول من تقسيم الدين إلى قشر ولباب إنما هو ضرب من مكائدهم الهزيلة التي يحاولون بها هدم الدين.
стр. 1924
بدعة تقسيم الدين إلى قشور ولباب
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
لقد ثبت عن الحسين بن علي ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (إن الله يحب معالي الأمور وأشرافها، ويكره سفسافها)، رواه الطبراني في المعجم الكبير وابن عدي وغيرهما، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة.
وقد ذكر العلماء أن معالي الأمور هي الأخلاق الشرعية والخصال الدينية، لا الأمور الدنيوية؛ فإن العلو فيها مذموم في شرع الله .
فكل ما له علاقة بالدين فهو من معالي الأمور، أما أمور الدنيا فهي سفسافها ودناياها.
قوله: (ويكره سفسافها): السفاسف واحدها السفساف، والسفساف هو الأمر الحقير والرديء من كل شيء، وهو ضد المعالي والمكارم، وأصل السفساف ما يطير من غبار الدقيق إذا نُخل، والتراب إذا أُثير، فهذا هو السفساف.
كذلك السفساف من الشعر رديئه.
ويقال: أَسفّ إذا تتبع مداقّ الأمور، فهو يتتبع الأمور الدقيقة التافهة وطلب الأمور الدنيئة.
فإذا عرفنا معنى السفساف في اللغة، فيجب أن نعلم أن كل ما نطق به رسول الله ﷺ في الدين ليس من السفاسف مطلقاً، ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٤]، وأن كل ما فَعَله النبي ﵌ أو أمر به أمر إيجاب أو استحباب فهو من معالي الأمور، وكل ما نهى عنه النبي ﵊ نهي تحريم أو كراهة فهو من السفاسف، وتركه يعتبر من أمور الدين ومن معالي الأمور، وكل ما تكلم فيه النبي ﷺ بحيث صار من الدين فلا يجوز أن يوصف بأي وصف يوهم بالإغراء أو التنقّص، وإلا فقد أعظم على الله الفرية، وعرّض نفسه لغضب الله وعقوبته وانتقامه! نعم هناك في قضايا الدين أصول وفروع، وكلّيات وجزئيات، وهناك أهم ومهم، لكن ليس موضوع حديثنا هو مناقشة أولويات الأمور وأهميتها، بل نريد أن نتكلم عموماً عن كل أمور الدين، حيث أن كل ما كان من أمور الدين وإن دقّ فهو من المعالي، ولا يمكن أن يُحتقر أو يوصف بالسفاسف أو بغير ذلك من الأوصاف الرديئة.
ولذلك اشتد نكير العلماء على من أطلق مثل هذه العبارات الفجّة في حق مسائل الدين وأمور الشريعة، بل إن منهم من أفتى بزجره وتأديبه، ولاسيما هذا التعبير المحدث، والمصطلح الدخيل، وهو تقسيم أمور الدين إلى قشور ولباب، أو إلى قضايا مهمّة وقضايا حقيرة ودنيئة، إلى غير ذلك من هذه العبارات الدخيلة!! ومن المعروف أن هذا من مصطلحات الصوفية، حيث إنهم يقسّمون الدين إلى شريعة وإلى حقيقة! وقد سُئل سلطان العلماء الإمام عز الدين بن عبد السلام رحمه الله تعالى: هل يجوز أن يقول المكلف: إن الشرع قشر وإن الحقيقة لُبّه، أم لا يجوز؟ فأجاب رحمه الله تعالى: لا يجوز التعبير عن الشريعة بأنها قشر؛ من كثرة ما فيها من المنافع والخير، ولا يكون الأمر بالطاعة والإيمان قشراً؛ لأن العلم الملقب بعلم الحقيقة جزء من أجزاء علم الشريعة، ولا يُطلقِ مثل هذه الألقاب إلا غبي شقي قليل الأدب، ولو قيل لأحدهم: إن كلام شيخك قشور، لأنكر ذلك غاية الإنكار، ويطلق لفظ القشور على الشريعة، وليست الشريعة إلا كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فيُعزَّر هذا الجاهل تعزيراً يليق بمثل هذا الذنب.
وقال الإمام العلامة تقي الدين السبكي في مقام ردّه على من أباح السماع والغناء: وقولهم: "من أهل القشور".
إن أرادوا به ما الفقهاء عليه من العلم ومعرفة الأحكام، فليس من القشور، بل من اللبّ، ومن قال عليه إنه من القشور، استحق الأدب، والشريعة كلها لُباب.
стр. 1925
دور العلماء في الرد على من يتهاون بالهدي الشرعي الظاهر بدعوى أنه قشور
لقد كان للعلماء صولات كثيرة في كل عصر من العصور في التصدي لظاهرة التهاون بالهدي الظاهر والسمت النبوي المحمدي وادعاء أن هذا من القشور.
من ذلك أن التهاون بالهدي الظاهر لابد أن يقترن به التشبه بالمشركين، فإن جاز التسامح في تقسيم الدين إلى قشر ولبّ، فالقشر لم يخلق عبثاً، وإنما هو الحارس الأمين لما بداخله من اللب؛ لأنه لابد لكل ثمرة من قشرة، وكل إنسان إن لم يتمسك بقشرة المسلمين فإنه سيتمسك بقشرة الكفار؛ لأننا لسنا أرواحاً ولا أفئدة فقط، ولكن لنا أجساداً فلابد لنا من مظهر.
إذاً: فكل من تخلى عن المظهر الإسلامي والقشرة الإسلامية على حد تعبيرهم، فإنه لابد أن يتمسك بقشرة غير دين المسلمين من الكافرين؛ ولذلك كثر كلام العلماء واستفاضت مؤلفاتهم في تأصيل هذا الأصل الخطير، وهو الردّ على من يتهاون بالهدي الظاهر بدعوى أنه قشور، وبيان أنه يقترن غالباً بالتمسك بهدي الكفار وسمتهم.
ولعل من أعظم وأكبر ما أُلّف في ذلك، ذلك السَّفْر النفيس الذي ألّفه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم)، ومنها أيضاً رسالة لطيفة تسمى: (تشبه الخسيس بأهل الخميس) للحافظ الذهبي ومنها كتاب: (الاستنكار لهدي التشبه بالكفار) للشيخ أحمد بن الصديق، ومنها كتاب آخر باللغة التركية، وهو يتناول مسألة تحريم تقليد الكفار والتشبه بهم، وقد ألّفه الشيخ عاطف وفي هذا الكتاب أفتى الشيخ عاطف بتحريم ارتداء القُبَّعة؛ لأن أتاتورك -لعنه الله- كان قد أجبر جميع مسلمي تركيا على ارتداء القبعة، وكانت الشرطة في الشوارع تقوم بحملات على الناس كي تقبض على كل من لم يخلع الزي الإسلامي ويلبس القبعة، حتى إنه في إحدى هذه الحملات هجمت الشرطة هجمة واحدة، فرجع الناس إلى المحلات، وأخذوا يختطفون القبعات ويضعونها على رءوسهم كي ينجوا من العقوبة! ودائماً ما يرتبط انحراف المجتمع عن الهدي الإسلامي بتمسك القائمين عليه بهدي الكفار؛ ليسلخونا من هذا الذي أسموه قشراً.
ولما قام أتاتورك بانقلابه الآثم في تركيا، وبعد الانقلاب بسنتين تقريباً حوكم الشيخ عاطف، وكانت جريمته الوحيدة هي تأليف هذا الكتاب الذي فيه تحريم التشبه بالكفار.
وكان من أبرز ما تعرض له هذا الشيخ في هذا الكتاب قضية ارتداء القبعة، وأنه لا يجوز للمسلم أن يرتدي القبعة؛ باعتبار أن هذه القبعة رمز من رموز الكفار وشعار من شعاراتهم كالصليب أو غيره، والمسلم ينبغي ألا يلبسها خاصة إذا استحسنها وقدمها على شعار المسلمين، ومن المعروف أن هذا من شعار الكفار باعتبار أن الكافر لا يسجد ولا يركع، فهم لا يريدون مجرد ارتداء القبعة، بل يريدون رأساً لا يعرف السجود ولا الركوع؛ لأن الذي يلبس القبعة لا يركع ولا يؤمن بالله ﵎! فلما مَثُل الشيخ عاطف أمام رئيس محكمة الاستقلال، خاطبه القاضي قائلاً: إنكم أيها الشيوخ مغرقون في السفسطة؛ حيث تزعمون أن الرجل حين يلبس العمامة على زعمكم يكون بذلك مسلماً، فإذا ما خلعها واستحسن القبعة صار فاسقاً أو كافراً؟! فأجاب هذا الشيخ قائلاً: أيها القاضي! انظر إلى هذا العَلَم المرفوع خلفك -وكان في العادة أن يكون خلفه علم تركياً مرفوعاً- استبدل هذا العَلَم بعلم انجلترا مثلاً أو أي دولة من هذه الدول، فإن قبلت وإلا فهذه سفسطة منك، إذ إن هذا قماش وهذا قماش.
لكن ما من شك أن هذا شعار وله دلالة خاصة، فهل يمكن أن يقبل القاضي أو يتنازل ويستبدل علم تركيا المرفوع خلفه بعلم بريطانيا أو فرنسا؟! كلا، لا يمكن، مع أن هذا قماش وهذا قماش! فبُهت القاضي، ولكنه مع ذلك حكم على الشيخ عاطف ﵀ بالإعدام ظلماً وعدواناً، وأعدم الشيخ بالفعل.
حدثني شاب تركي لقيته منذ حوالى خمس عشرة سنة، وكان على علم ودراية، وهو الذي أخبرني بهذه القصة، قال: إن هذا القاضي مرض مرضاً شديداً كان يصيح منه كالكلاب على حدّ قوله، والعهدة عليه.
أيضاً من المواقف التي تتناول هذا الموضوع: ما قام به أحد الطلاب في إحدى الجامعات في البلاد الإسلامية، حيث قام بارتداء القبعة، فشذ بذلك عن كل المسلمين، فطلب منه المدرس أن يخلع هذه (البرنيطة) ولكن هذا الشاب أبى أن يخلعها، وقال: لا أخلعها إلا بحجة مقنعة تقنعني.
وجاءت الحجة حين قال له أستاذه: يا بني! ليست (البرنيطة) بنفسها شيئاً مذكوراً، ولكنها شعار القوم الذين أذلّوا أمتك وسلبوك حريتك.
ومثل هذا الشعور يظهر حينما نرى بعض الناس يضعون على السيارات أعلام أمريكا أو أعلام بريطانيا، أو يضعون في بعض وسائل الإعلام بكل اعتزاز وفخر شيئاً من هذا، وهؤلاء هم أعداء الإسلام الذين يحاربون ديننا وينكّلون بنا في كل مكان، ومع ذلك نجد الغفلة عن هذا الأصل واحتقار مثل هذه الأمور، وهي عظيمة في الحقيقة وليست هينة.
ويقول الشيخ عبد الله بن الصديق في نفس هذا الموضوع: و (البرنيطة) شعار خاص بغير المسلمين، حتى إن أتاتورك -لعنه الله- حين انسلخ من الإسلام، وأعلن أن تركيا دولة لا دينية، اتخذ (البرنيطة) شعاراً يعرفون به أنهم غير مسلمين؛ حتى يُسلخ المسلمون من وصف الإسلام.
ويقول: وصرّح المالكية بأن اللبس المختص بالكفار كالزنار، وهو حبل يضعه الكافر أو الراهب في وسطه، وهو موجود إلى الآن، و (البرنيطة) يكون لبسه رِدّةً إن فُعِل محبةً أو رغبة فيه.
ولما كان الشيخ محمد الخضر حسين ﵀ شيخاً للأزهر في عهد حكومة الانقلاب الذي قام به جمال -خيّبه الله- ترك (الطربوش) الذي كان غطاء للرأس عند جمهور المصريين، وأراد أن يتخذ (البرنيطة) بدلاً عنه، واستفتى شيخ الأزهر الشيخ: محمد الخضر حسين - في ذلك فلم يوافقه، لكن الشيخ محمد الخضر حسين رأى في مجلة الشئون الاجتماعية فتوى منشورة مزوّرة عليه أنه وافق على لبس (البرنيطة)، فاحتج على رئيس تحرير المجلة قائلاً: كيف تنسب إلي فتوى لم أقلها؟! فقال له: إنه أَمْرٌ بنشر هذا الخبر! فاستقال الشيخ من منصبه، وكانت الحكومة عازمة على تنفيذ المشروع، لكن أعاقتهم عنه عوامل، ومن أهمها استقالة شيخ الأزهر فجأة، وبقي الشعب المصري منذ ذلك الوقت عاري الرأس، حيث طرح الطربوش فلم يرجع إليه، ووقاه الله لبس (البرنيطة) والحمد لله.
ونحن نرى مثل هذه العبارات لبعض العلماء؛ لأن هذه الأمور لا ينبغي أن يُنظر إليها هذه النظرة الساذجة على أنها قشور، أو أنها أمور مظهرية أو شكلية، وأن الإسلام لا يهتم بهذه الأمور.
стр. 1926
الدين كلٌ لا يتجزأ
стр. 1927
دلالات واضحة تبين أن الدين كلٌّ لا يتجزأ
إن أول دليل نستدل به بصورة واضحة تامة، بحيث ينقشع غبار هذه الفرية أو هذه البدعة أو هذه الضلالة: هو قول الله في القرآن الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة:٢٠٨].
قال الإمام الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: يقول تعالى آمراً عباده المؤمنين به، المصدقين برسوله ﷺ ، أن يأخذوا بجميع عرى الإسلام وشرائعه، والعمل بجميع أوامره، وترك جميع زواجره، ما استطاعوا من ذلك.
فاستدل على كلمة جميع بقوله: (كافة)، والمقصود بقوله: (السَّلْم): الإسلام.
يقول ابن عباس ﵄: (ادخلوا في السلم) أي: الإسلام، (كافة) أي: جميعاً.
وقال مجاهد: أي: اعملوا بجميع الأعمال، والزموا الذكر.
وقال الألوسي رحمه الله تعالى: والمعنى: (ادخلوا في السلم كافة) أي: ادخلوا في الإسلام بكّل نيتكم، ولا تدعوا شيئاً من ظاهركم وباطنكم إلا والإسلام يستوعبه، بحيث لا يبقى مكاناً لهجره.
وقال أيضاً: وقيل: الخطاب للمسلمين الخُلَّص، والمراد من (السلم) شُعَب الإسلام، و (كافة) حال منهم، والمعنى: ادخلوا أيها المسلمون المؤمنون بمحمد ﷺ في شعب الإيمان كلها، ولا تخلوا بشيء من أحكامه.
وقد ظهر في هذا العصر أقوام تلقوا هدي الإسلام من واقع حياتهم، لا ينشئون نشأة طبيعية، وكان الأصل أن يتعلم الإنسان أولاً الإسلام، ثم يطبق هذا الإسلام ويحكم على الواقع من خلال الإسلام، لكن هؤلاء يقفزون فوق هذه الخطوات الأولى، ويتلقون هدي الإسلام من واقعهم، ويعتقدون أن ما هم عليه من الواقع هو الإسلام، ويتصورون مفاهيم الإسلام من الواقع المحيط بهم؛ لأنهم لم ينشئوا في جو علمي يتأثرون به في حكمهم على الأمة.
وبالتالي نراهم كثيراً ما يتخبطون ويحتجون أحياناً ببعض النصوص لإثبات عكس ما وضعت له هذه النصوص، ويسمون الأشياء بغير اسمها، وهذا أوضح وأجلى ما يكون في هؤلاء الذين يقسمون الشريعة إلى شكليات أو قشور ولباب.
وصارت هذه المقولة المغرضة شعاراً لهذا الشعار أنصار ودعاة وأقلام وصحف ومناهج وعقول.
стр. 1928
تعريف القشر واللُّبَاب
بالرغم من الحشد الذي التف حول شعار القشر واللباب فحتى الآن لا نجد ترجمة واضحة، ما هو القشر بالضبط؟ وما هو اللب بالضبط؟ ولم نجد تحديداً واضحاً للقشر واللب أو معناه، ورغم كثرة من ينادون بقضية القشر واللب وإلحاحهم عليها، وتأكيدهم على هذه القسمة، وإكثارهم من الحديث عنها، لكنهم لم يضعوا تعريفاً أو حدّاً لما أسموه قشراً أو لُباباً، بحيث ينتهي إليه الحد ويفهمه من أراد أن يعمل باللب ويهجر القشر، فلو جاء أحد وسألهم: ما هو القشر حتى أهجره وأستفيد من كلامكم؟ وما هو اللب حتى أعلمه وأتمسك به؟ فلن يجد عندهم جواباً ولا تحديداً ولا تعريفاً؛ وما ذاك إلا لأنها بدعة محدثة لم يعرفها السلف الصالح رضي الله تعالى عنهم ولا من تبعهم بإحسان، وإنما هي نتاج أفكار المنهزمين المستعبدين للشرق أو للغرب، ونحن نحاول أن نضع حداً تقريبياً أو تعريفاً تقريبياً لهذين القسمين، فنقول: أولاً: تعريف القشر واللباب في جانب المأمورات الشرعية: فاللباب هو كل ما تحت حكم الواجب، والقشر هو ما خرج عن الحكم الواجب.
ثانياً: تعريف اللباب والقشر في جانب المنهيات الشرعية، اللباب هو ما يدخل تحت الحرام، والقشر هو ما لم يتناوله الحرام الصريح في المعاصي.
وعلى ذلك إذا قبلنا هذا التعريف التقريبي أو حاولنا أن نجتهد ونخترع له تعريفاً تقريبياً، فيكون اللب في الأوامر هو ما يدخل تحت الواجب، واللب في النواهي هو ما يدخل تحت الحرام، والقشر في الأوامر هو ما يدخل تحت المندوب والمباح، والقشر في النواهي هو ما يدخل تحت المكروه.
وبناء عليه يجتمع لدينا من القشور ما يزيد على نصف الدين، فيصبح نصف ديننا قشوراً، وهو المكروه والمستحب والمباح، ويبقى من لبابه أقل من النصف، فهل يعقل أن ندع أكثر من نصف الدين بحجة أنه قشور ونأخذ أقل من نصفه بحجة أنه لباب؟! ثم هناك مسائل مختلف فيها، هل هي من الواجبات أو من المستحبات؟ فمثلاً: صلاة الوتر فيها خلاف بين العلماء، بغضّ النظر عن تحقيق الكلام في هذه القضية، لكن هناك مسائل كثيرة جداً مختلف فيها هل تدخل في اللب أم تدخل في القشر؟ وأيضاً ليس هناك شيء من اللباب أو من القشور إلا وهو داخل تحت حكم الله وتحت خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين، وهو الخطاب التكليفي، سواء على سبيل التخيير أو الطلب، والطلب إما طلب فعل أو طلب كف، وطلب الفعل إما طلب فعل لازم أو غير لازم، وطلب الكف إما طلب كف لازم وإما غير لازم.
فهذا كله يدخل تحت الحكم التكليفي الذي هو خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين، وبالتالي لا يصح تسميته قشراً على سبيل الاصطلاح الذي افترضناه، لا على سبيل التهوين من شأنه، فلو قلبت الأمر من هذه الجهة أو تلك الجهة، وحتى لو أردت التهوين من أمره فإنه يبقى تحت حكم الله المتعلق بأفعال المكلفين.
كذلك إذا أردت أن تقول: المقصود باللب هو الواجب والحرام، وما عدا ذلك فهو قشر، فهذا أيضاً لا يستقيم مع تعريفنا للأحكام الشرعية التكليفية التي هي خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين على سبيل الطلب أو التخيير تركاً أو فعلاً.
стр. 1929
تقسيم الدين إلى قشر ولباب بدعة هدفها هدم الدين
إننا نعيش في وقت ارتفعت فيه مثل هذه النعرات، أعني نعرات القشر واللب، والظاهر والباطن، والحقيقة والشريعة، وغير ذلك من الشعارات التي سنبينها إن شاء الله ﵎.
وهم يريدون بذلك تزهيد الناس في التمسك بهدي رسول الله ﷺ ، حتى وصل الأمر إلى أن صوّرت لهم شياطينهم وطوّعت لهم أنفسهم أن يسمّوا هدي رسول الله ﷺ تطرفاً، والله سبحانه يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:٢١]، ويقول ﵎: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف:١٥٨]، وقال : ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران:٣١].
وحينما نردد بين الحين والآخر بل في عامة مجالسنا ذلك الشعار المقدس: وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، ينبغي لكل مسلم حينما يسمع هذه الكلمة أو حينما يقولها أن يستحضر معناها؛ فهو ليس شعاراً يُرفع بدون تطبيق، بل كل موقف وكل محفل وكل أمر من الأمور لابد أن يوزن بهدي رسول الله ﷺ .
فنحن نعلمها ونعتقدها حينما نقولها، وكلما رفعنا أصواتنا بهذا الشعار فإننا نستحضر أنها تعني الاعتزاز بهذا الهدي، والاستعلاء به على كل طريقة تخالفه أو تنحرف عنه، انظر إلى العسكريين حينما يقفون الوقفة المعروفة احتراماً للعَلَم، مع أنه قطعة قماش، فنحن أشدّ احتراماً لهذا الشعار الذي يرفع فوق رءوسنا في كل حين: وخير الهدي هدي محمد ﵌.
فالتمسك بهدي رسول الله ﵌ ما هو إلا عبارة عن مرآة تعكس ما يغمر قلوب مُحبيه ﵌ من حُب وتعزير وتوقير؛ لأن المحبة تدفع إلى التشبه والاتباع.
فالمحبة موافقة وتجانس ومشاكلة، وهذا نلمسه في كثير من الشباب الذين أولعوا حباً بالممثلين وبالرياضيين وغيرهم ممن يهوونهم ويعظمونهم، فتجدهم يقتدون بأحد هؤلاء في طريقة تسريح شعره أو في ملابسه، وربما قامت بعض الشركات بالترويج لبعض الملابس أو الموضات، فتظهرها مع صورة لبعض هؤلاء الممثلين أو الرياضيين أو غير ذلك ممن يسمونهم نجوم المجتمع، لتروج لها؛ لأن الناس سوف يقتدون بهم.
فهل يستكثرون علينا أن نهتدي بهدي رسول الله ﷺ ؟! ولو كانت الموضة هي تقصير الثياب وتقصير السراويل لقالوا: سمعنا وأطعنا، وحباً وكرامة، وعلى العين والرأس، أما إذا فعلت هذا من منطلق الاتباع لرسول الله ﷺ ، فإنك تصير حسب زعمهم متطرفاً ورجعياً ومهووساً ومتخلفاً، فهل هذا من الإنصاف؟! إن ما يتمادى به هؤلاء من زعمهم أن الدين قشر ولب، وحقيقة وشريعة، ونحو ذلك، لا يعدو أن يكون جهلاً بالشرع، أو ضرباً من العبث صادراً من إنسان عابث سفيه لا يتمسك بدينه ولا يعظمه، أو أن يكون عن سوء نية وخبث طوية من أعداء الإسلام، فنحن نحاول الردّ إن شاء الله على الفريقين، ونبين أن مصطلح القشر واللب مصطلح ظاهره فيه الرحمة وباطنه من قبله العذاب، ولما كان ظاهره قد يكون فيه الرحمة عند بعض الناس وباطنه من قبله العذاب، انقاد له الطيبين السذّج الذين اتبعوا هذا الطُّعم فاستحسنوه، وصاروا يروجون له دون أن يدركوا أنه قناع نفاقي قبيح، وأنه من أقوال العلمانيين الذين يتخذون شعار القشر واللباب قنطرة يهربون عليها من الالتزام بشرائع الإسلام، دون أن يخدش في انتمائهم إلى الإسلام.
صحيح أن هذه القضية تتوقف عند حسن النية من بعض المسلمين الطيبين المخلصين، ويقولون: دعونا من القشور لكي نهتم باللب، فهذا أقصى ما وصل إليه الطيبون المخلصون قليلو العلم من المسلمين، أو ممن ينتسبون إلى الدعوة أحياناً، فمقصودهم إهمال القشر لأجل الاهتمام بالقضية الكلّية للأمة، والتي تتعلق بمصيرها ونحو ذلك.
لكن هذه القضية عند المنافقين الحريصين على اقتلاع شجرة الإسلام من جذورها لا تقف عند هذا الحد، بل هذا مجرد مدخل وسُلّم إلى نبذ القشر واللب معاً، وهدم الدين كلّه كما يفعلون حينما ينشرون شعار الاهتمام بروح النصوص، وعدم الجمود عند ظواهرها.
لو أن قاعدة الاهتمام بروح الشريعة تقف عند هذا الحد فلا بأس؛ لأن ما يُستقى من القواعد الكلية للشرائع الإسلامية هو مراعاة المصالح الكلية لها، لكن إنما يستقيم هذا إذا تناوله وتعاطاه أناس أسوياء أو علماء مخلصون لهذا الدين، لكنه خطير جداً إذا رفعه أصحاب العاهات الفكرية والنفسية، والمشوهون عقدياً؛ لأن مقصودهم من التركيز على روح النصوص هو أن يذهبوا بروح النصوص، وليس ذلك حفاظاً أو حرصاً على الشريعة ولا تمسكاً بها، ولا أنهم يريدون التمسك بروح النص كي يظهروا روح هذا النص، بل لكي يرفضوا منطوقه ومفهومه، أو يوظفوا هذا النص بعد أن يحرفوه عن مواضعه لخدمة أهدافهم الخبيثة.
فالقوم الذين يوافقونهم لا يفطنون إلى أنهم يقفون معهم في خندق واحد في دعوتهم إلى تقسيم الدين إلى قشر ولب، وغير ذلك من التقاسيم، وبالتالي يقفون دون أن يشعروا في خندق واحد مع أعداء الدين الذين يريدون لنا ديناً ممسوخاً، ويريدونه ديناً كدين الكنيسة المعزول عن الحياة، والذي يسمح لأتباعه بكل شيء، ويبيح لهم كل شيء بلا حدود، حتى وصل الأمر إلى إباحة الفواحش التي تتصادم مع الفطرة، كما هو معلوم من أحوالهم، فالكنيسة تنازلت عن كل شيء في دينها، حتى أباحت للقوم كل شيء مقابل أن يسمحوا لها بالبقاء حية، ولو على هامش الحياة! فكذلك هم يريدون من الإسلام نفس الشيء، وذلك بأن يصل الأمر بالمسلمين إلى أن يُعزل الدين عن الحياة، وأن يبيح كل شيء مقابل أن يسمحوا له أن يبقى حياً على هامش الحياة محبوساً في الأقفاص الشمعية، ولا يتركوا له أي بصمة على واقع الناس ولا على مجتمعاتهم، وحالهم كما بين الله : ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣٢ - ٣٣]، ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٢١]، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا * فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ [الطارق:١٥ - ١٧].
стр. 1930
كل أمور الدين لباب وليس فيها ما يسمى قشوراً
إن الله حينما خلق هذا الإنسان، وأنزل هذا الدين كي يبنى به الإنسان بناء متكاملاً، ويسعد به في الدنيا وفي الآخرة، أي إنسان عرف أن كل أمر أو نهي من أوامر هذا الدين ونواهيه هو عبارة عن نوع من الإسهام لكي يزيد في بناء هذا الإنسان، سواء كان هذا من المندوبات أو المباحات أو الواجبات أو المكروهات أو المحرمات؛ لأن كل هذه الأفعال تدخل في شُعَبِ الإيمان التي قال فيها النبي ﷺ : (الإيمان بضع وسبعون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان).
فنقص شيء من شعب الإيمان هو نقص في الإيمان، ولا أظن إلا أنهم يعتبرون إماطة الأذى عن الطريق ستكون قشراً على حدّ تعبيرهم، والرسول ﷺ قد ذكر أن إماطة الأذى عن الطريق شعبة من الإيمان، وكونها شعبة من شعب الإيمان فإنها إذا تخلفت سوف توجب نقصاً في الإيمان بحسب التفريط في هذه الشعبة، ولذلك فإن أي شعبة يجتنيها الإنسان في دينه ستكون بمثابة الزيادة في إيمانه؛ لأن من أصول أهل السنة قولهم: إن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي، وهذا هو مذهب السواد الأعظم من الأمة المحمدية.
ويقول ﵊: (لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة، فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها، فأولهن نقضاً الحكم، وآخرهن الصلاة)، ويقول ﷺ : (إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فاجتنبوه).
يعني: فأي أَمْر أَمَر به النبي ﵊ فالأصل التزامه واتباعه والانقياد له.
قوله: (إذا أمرتكم بأمر) أي: لا تتفلسفوا وتقولوا: هذا قشر وهذا لب وهذا جوهر وهذا مظهر، إلى آخر هذه المتاريس التي توضع في طريق السنة حتى تعوقها عن السير.
فهذا التقسيم كما بيّنا آنفاً هو تقسيم محدث لم يعرفه السلف الصالح، ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم:٢٣]، وهذه القسمة لا تقف عند حّد، وليس مقصودهم مجرد تقسيم الدين إلى قشر ولُبّ، لكن يتبع ذلك خطوة أخطر وهي المناداة بإهمال الظاهر بحجة الاهتمام بالباطن، ثم يتعدى الملاحدة والمنافقون والعالم اليوم ذلك إلى إهمال الباطن والظاهر.
ولذلك نجد أن هذه الشعارات تلقى رواجاً عند المستهترين والمخدوعين؛ لأنهم يرون القوم يسمون لهم المعاصي بغير اسمها، فمثلاً: إعفاء اللحية باعتبار أنها من الأمور التي أوجبها النبي ﵌، فيقولون: هذه من سنن العادة ولا علاقة لها بالدين! بل يزعمون أن من قال: إنها من الدين، يكون قد ابتدع في هذا الدين ما ليس منه، وغير ذلك من الشعائر الإسلامية يكررون محاولة إبطالها بهذا المعنى.
وعلى قولهم: إن هذه عادات لا علاقة لها بالدين، فنحتاج إلى أن نعرف ما هي العادة وما هي العبادة، وما هو الفرق المحدد بينهما.
ونحن نقول: إن ما تجري به أعراف الناس وعاداتهم وتقاليدهم قسمان: القسم الأول: ما سكت عنه الشارع ولم يتعرض له بإيجاب ولا بتحريم، فهذا مباح لا لوم على فاعله أو تاركه وصاحبه مخير.
القسم الثاني: ما كان في الأصل من العادات، لكن الشرع أوجبه أو أمر به أو حرمه أو نهى عنه.
فبمجرد أن يتعرض الشارع لشيء من العادات بأمر أو بنهي أو بإيجاب أو بتحريم فإنه حينئذٍ يدخل في دائرة الدين، ولم يعد داخلاً في العادات بل صار من العبادات، سواء كان من المناهي أم من الأوامر.
فما أكثر الأعمال التي كانت تجري مجرى العادات قبل بعثة النبي ﷺ ، ثم صارت من المناهي التي حرمها الشارع، فأصبح اجتنابها من الدين، مثل الوشم، لكن لما نهى عنه الشارع صار تحريمه عبادة، وكذلك وصل الشعر بالشعر، والنياحة على الميت، والميسر، وشرب الخمر وغيرها.
كل هذه كانت عادات عند العرب، ولكن لما تعرض لها الشارع بالنهي صار من الدين اجتنابها.
يقول الإمام الغزالي رحمه الله تعالى: اعلم أن مفتاح السعادة في اتباع السنة والاقتداء برسول الله ﷺ في جميع مصادره وموارده، وحركاته وسكناته، وحتى في هيئة أكله وقيامه ونومه وكلامه، لستُ أقول ذلك في آدابه فقط؛ لأنه لا وجه لإهمال السنن الواردة فيها، بل ذلك في جميع أمور العادات، فبه يحصل الاتباع المطلق كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١].
يعني: أفضل أنواع الاتباع هو الاتباع المطلق، وكل ما كان من شأن النبي ﷺ فعليك أن تتبعه فيه، قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧].
يقول: فلا ينبغي التساهل في امتثال ذلك، فتقول: هذا مما يتعلق بالعادات فلا معنى للاتباع فيه، فإن ذلك يغلق عنك باباً عظيماً من أبواب السعادات، بل حتى العادات إذا كانت من فعل النبي ﵊، إذا نويت بفعلها الاقتداء به، فإنك تثاب على ذلك وتصبح عبادة في حقك.
следующие страницы →