← Джавами‘

Джавами‘ · id 37018

دروس الشيخ محمد إسماعيل المقدم

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (2 122 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

الدين كلٌ لا يتجزأ

стр. 1927

دلالات واضحة تبين أن الدين كلٌّ لا يتجزأ إن أول دليل نستدل به بصورة واضحة تامة، بحيث ينقشع غبار هذه الفرية أو هذه البدعة أو هذه الضلالة: هو قول الله في القرآن الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة:٢٠٨]. قال الإمام الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: يقول تعالى آمراً عباده المؤمنين به، المصدقين برسوله ﷺ ، أن يأخذوا بجميع عرى الإسلام وشرائعه، والعمل بجميع أوامره، وترك جميع زواجره، ما استطاعوا من ذلك. فاستدل على كلمة جميع بقوله: (كافة)، والمقصود بقوله: (السَّلْم): الإسلام. يقول ابن عباس ﵄: (ادخلوا في السلم) أي: الإسلام، (كافة) أي: جميعاً. وقال مجاهد: أي: اعملوا بجميع الأعمال، والزموا الذكر. وقال الألوسي رحمه الله تعالى: والمعنى: (ادخلوا في السلم كافة) أي: ادخلوا في الإسلام بكّل نيتكم، ولا تدعوا شيئاً من ظاهركم وباطنكم إلا والإسلام يستوعبه، بحيث لا يبقى مكاناً لهجره. وقال أيضاً: وقيل: الخطاب للمسلمين الخُلَّص، والمراد من (السلم) شُعَب الإسلام، و (كافة) حال منهم، والمعنى: ادخلوا أيها المسلمون المؤمنون بمحمد ﷺ في شعب الإيمان كلها، ولا تخلوا بشيء من أحكامه. وقد ظهر في هذا العصر أقوام تلقوا هدي الإسلام من واقع حياتهم، لا ينشئون نشأة طبيعية، وكان الأصل أن يتعلم الإنسان أولاً الإسلام، ثم يطبق هذا الإسلام ويحكم على الواقع من خلال الإسلام، لكن هؤلاء يقفزون فوق هذه الخطوات الأولى، ويتلقون هدي الإسلام من واقعهم، ويعتقدون أن ما هم عليه من الواقع هو الإسلام، ويتصورون مفاهيم الإسلام من الواقع المحيط بهم؛ لأنهم لم ينشئوا في جو علمي يتأثرون به في حكمهم على الأمة. وبالتالي نراهم كثيراً ما يتخبطون ويحتجون أحياناً ببعض النصوص لإثبات عكس ما وضعت له هذه النصوص، ويسمون الأشياء بغير اسمها، وهذا أوضح وأجلى ما يكون في هؤلاء الذين يقسمون الشريعة إلى شكليات أو قشور ولباب. وصارت هذه المقولة المغرضة شعاراً لهذا الشعار أنصار ودعاة وأقلام وصحف ومناهج وعقول.

стр. 1928

تعريف القشر واللُّبَاب بالرغم من الحشد الذي التف حول شعار القشر واللباب فحتى الآن لا نجد ترجمة واضحة، ما هو القشر بالضبط؟ وما هو اللب بالضبط؟ ولم نجد تحديداً واضحاً للقشر واللب أو معناه، ورغم كثرة من ينادون بقضية القشر واللب وإلحاحهم عليها، وتأكيدهم على هذه القسمة، وإكثارهم من الحديث عنها، لكنهم لم يضعوا تعريفاً أو حدّاً لما أسموه قشراً أو لُباباً، بحيث ينتهي إليه الحد ويفهمه من أراد أن يعمل باللب ويهجر القشر، فلو جاء أحد وسألهم: ما هو القشر حتى أهجره وأستفيد من كلامكم؟ وما هو اللب حتى أعلمه وأتمسك به؟ فلن يجد عندهم جواباً ولا تحديداً ولا تعريفاً؛ وما ذاك إلا لأنها بدعة محدثة لم يعرفها السلف الصالح رضي الله تعالى عنهم ولا من تبعهم بإحسان، وإنما هي نتاج أفكار المنهزمين المستعبدين للشرق أو للغرب، ونحن نحاول أن نضع حداً تقريبياً أو تعريفاً تقريبياً لهذين القسمين، فنقول: أولاً: تعريف القشر واللباب في جانب المأمورات الشرعية: فاللباب هو كل ما تحت حكم الواجب، والقشر هو ما خرج عن الحكم الواجب. ثانياً: تعريف اللباب والقشر في جانب المنهيات الشرعية، اللباب هو ما يدخل تحت الحرام، والقشر هو ما لم يتناوله الحرام الصريح في المعاصي. وعلى ذلك إذا قبلنا هذا التعريف التقريبي أو حاولنا أن نجتهد ونخترع له تعريفاً تقريبياً، فيكون اللب في الأوامر هو ما يدخل تحت الواجب، واللب في النواهي هو ما يدخل تحت الحرام، والقشر في الأوامر هو ما يدخل تحت المندوب والمباح، والقشر في النواهي هو ما يدخل تحت المكروه. وبناء عليه يجتمع لدينا من القشور ما يزيد على نصف الدين، فيصبح نصف ديننا قشوراً، وهو المكروه والمستحب والمباح، ويبقى من لبابه أقل من النصف، فهل يعقل أن ندع أكثر من نصف الدين بحجة أنه قشور ونأخذ أقل من نصفه بحجة أنه لباب؟! ثم هناك مسائل مختلف فيها، هل هي من الواجبات أو من المستحبات؟ فمثلاً: صلاة الوتر فيها خلاف بين العلماء، بغضّ النظر عن تحقيق الكلام في هذه القضية، لكن هناك مسائل كثيرة جداً مختلف فيها هل تدخل في اللب أم تدخل في القشر؟ وأيضاً ليس هناك شيء من اللباب أو من القشور إلا وهو داخل تحت حكم الله وتحت خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين، وهو الخطاب التكليفي، سواء على سبيل التخيير أو الطلب، والطلب إما طلب فعل أو طلب كف، وطلب الفعل إما طلب فعل لازم أو غير لازم، وطلب الكف إما طلب كف لازم وإما غير لازم. فهذا كله يدخل تحت الحكم التكليفي الذي هو خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين، وبالتالي لا يصح تسميته قشراً على سبيل الاصطلاح الذي افترضناه، لا على سبيل التهوين من شأنه، فلو قلبت الأمر من هذه الجهة أو تلك الجهة، وحتى لو أردت التهوين من أمره فإنه يبقى تحت حكم الله المتعلق بأفعال المكلفين. كذلك إذا أردت أن تقول: المقصود باللب هو الواجب والحرام، وما عدا ذلك فهو قشر، فهذا أيضاً لا يستقيم مع تعريفنا للأحكام الشرعية التكليفية التي هي خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين على سبيل الطلب أو التخيير تركاً أو فعلاً.

стр. 1929

تقسيم الدين إلى قشر ولباب بدعة هدفها هدم الدين إننا نعيش في وقت ارتفعت فيه مثل هذه النعرات، أعني نعرات القشر واللب، والظاهر والباطن، والحقيقة والشريعة، وغير ذلك من الشعارات التي سنبينها إن شاء الله ﵎. وهم يريدون بذلك تزهيد الناس في التمسك بهدي رسول الله ﷺ ، حتى وصل الأمر إلى أن صوّرت لهم شياطينهم وطوّعت لهم أنفسهم أن يسمّوا هدي رسول الله ﷺ تطرفاً، والله سبحانه يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:٢١]، ويقول ﵎: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف:١٥٨]، وقال : ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران:٣١]. وحينما نردد بين الحين والآخر بل في عامة مجالسنا ذلك الشعار المقدس: وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، ينبغي لكل مسلم حينما يسمع هذه الكلمة أو حينما يقولها أن يستحضر معناها؛ فهو ليس شعاراً يُرفع بدون تطبيق، بل كل موقف وكل محفل وكل أمر من الأمور لابد أن يوزن بهدي رسول الله ﷺ . فنحن نعلمها ونعتقدها حينما نقولها، وكلما رفعنا أصواتنا بهذا الشعار فإننا نستحضر أنها تعني الاعتزاز بهذا الهدي، والاستعلاء به على كل طريقة تخالفه أو تنحرف عنه، انظر إلى العسكريين حينما يقفون الوقفة المعروفة احتراماً للعَلَم، مع أنه قطعة قماش، فنحن أشدّ احتراماً لهذا الشعار الذي يرفع فوق رءوسنا في كل حين: وخير الهدي هدي محمد ﵌. فالتمسك بهدي رسول الله ﵌ ما هو إلا عبارة عن مرآة تعكس ما يغمر قلوب مُحبيه ﵌ من حُب وتعزير وتوقير؛ لأن المحبة تدفع إلى التشبه والاتباع. فالمحبة موافقة وتجانس ومشاكلة، وهذا نلمسه في كثير من الشباب الذين أولعوا حباً بالممثلين وبالرياضيين وغيرهم ممن يهوونهم ويعظمونهم، فتجدهم يقتدون بأحد هؤلاء في طريقة تسريح شعره أو في ملابسه، وربما قامت بعض الشركات بالترويج لبعض الملابس أو الموضات، فتظهرها مع صورة لبعض هؤلاء الممثلين أو الرياضيين أو غير ذلك ممن يسمونهم نجوم المجتمع، لتروج لها؛ لأن الناس سوف يقتدون بهم. فهل يستكثرون علينا أن نهتدي بهدي رسول الله ﷺ ؟! ولو كانت الموضة هي تقصير الثياب وتقصير السراويل لقالوا: سمعنا وأطعنا، وحباً وكرامة، وعلى العين والرأس، أما إذا فعلت هذا من منطلق الاتباع لرسول الله ﷺ ، فإنك تصير حسب زعمهم متطرفاً ورجعياً ومهووساً ومتخلفاً، فهل هذا من الإنصاف؟! إن ما يتمادى به هؤلاء من زعمهم أن الدين قشر ولب، وحقيقة وشريعة، ونحو ذلك، لا يعدو أن يكون جهلاً بالشرع، أو ضرباً من العبث صادراً من إنسان عابث سفيه لا يتمسك بدينه ولا يعظمه، أو أن يكون عن سوء نية وخبث طوية من أعداء الإسلام، فنحن نحاول الردّ إن شاء الله على الفريقين، ونبين أن مصطلح القشر واللب مصطلح ظاهره فيه الرحمة وباطنه من قبله العذاب، ولما كان ظاهره قد يكون فيه الرحمة عند بعض الناس وباطنه من قبله العذاب، انقاد له الطيبين السذّج الذين اتبعوا هذا الطُّعم فاستحسنوه، وصاروا يروجون له دون أن يدركوا أنه قناع نفاقي قبيح، وأنه من أقوال العلمانيين الذين يتخذون شعار القشر واللباب قنطرة يهربون عليها من الالتزام بشرائع الإسلام، دون أن يخدش في انتمائهم إلى الإسلام. صحيح أن هذه القضية تتوقف عند حسن النية من بعض المسلمين الطيبين المخلصين، ويقولون: دعونا من القشور لكي نهتم باللب، فهذا أقصى ما وصل إليه الطيبون المخلصون قليلو العلم من المسلمين، أو ممن ينتسبون إلى الدعوة أحياناً، فمقصودهم إهمال القشر لأجل الاهتمام بالقضية الكلّية للأمة، والتي تتعلق بمصيرها ونحو ذلك. لكن هذه القضية عند المنافقين الحريصين على اقتلاع شجرة الإسلام من جذورها لا تقف عند هذا الحد، بل هذا مجرد مدخل وسُلّم إلى نبذ القشر واللب معاً، وهدم الدين كلّه كما يفعلون حينما ينشرون شعار الاهتمام بروح النصوص، وعدم الجمود عند ظواهرها. لو أن قاعدة الاهتمام بروح الشريعة تقف عند هذا الحد فلا بأس؛ لأن ما يُستقى من القواعد الكلية للشرائع الإسلامية هو مراعاة المصالح الكلية لها، لكن إنما يستقيم هذا إذا تناوله وتعاطاه أناس أسوياء أو علماء مخلصون لهذا الدين، لكنه خطير جداً إذا رفعه أصحاب العاهات الفكرية والنفسية، والمشوهون عقدياً؛ لأن مقصودهم من التركيز على روح النصوص هو أن يذهبوا بروح النصوص، وليس ذلك حفاظاً أو حرصاً على الشريعة ولا تمسكاً بها، ولا أنهم يريدون التمسك بروح النص كي يظهروا روح هذا النص، بل لكي يرفضوا منطوقه ومفهومه، أو يوظفوا هذا النص بعد أن يحرفوه عن مواضعه لخدمة أهدافهم الخبيثة. فالقوم الذين يوافقونهم لا يفطنون إلى أنهم يقفون معهم في خندق واحد في دعوتهم إلى تقسيم الدين إلى قشر ولب، وغير ذلك من التقاسيم، وبالتالي يقفون دون أن يشعروا في خندق واحد مع أعداء الدين الذين يريدون لنا ديناً ممسوخاً، ويريدونه ديناً كدين الكنيسة المعزول عن الحياة، والذي يسمح لأتباعه بكل شيء، ويبيح لهم كل شيء بلا حدود، حتى وصل الأمر إلى إباحة الفواحش التي تتصادم مع الفطرة، كما هو معلوم من أحوالهم، فالكنيسة تنازلت عن كل شيء في دينها، حتى أباحت للقوم كل شيء مقابل أن يسمحوا لها بالبقاء حية، ولو على هامش الحياة! فكذلك هم يريدون من الإسلام نفس الشيء، وذلك بأن يصل الأمر بالمسلمين إلى أن يُعزل الدين عن الحياة، وأن يبيح كل شيء مقابل أن يسمحوا له أن يبقى حياً على هامش الحياة محبوساً في الأقفاص الشمعية، ولا يتركوا له أي بصمة على واقع الناس ولا على مجتمعاتهم، وحالهم كما بين الله : ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣٢ - ٣٣]، ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٢١]، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا * فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ [الطارق:١٥ - ١٧].

стр. 1930

كل أمور الدين لباب وليس فيها ما يسمى قشوراً إن الله حينما خلق هذا الإنسان، وأنزل هذا الدين كي يبنى به الإنسان بناء متكاملاً، ويسعد به في الدنيا وفي الآخرة، أي إنسان عرف أن كل أمر أو نهي من أوامر هذا الدين ونواهيه هو عبارة عن نوع من الإسهام لكي يزيد في بناء هذا الإنسان، سواء كان هذا من المندوبات أو المباحات أو الواجبات أو المكروهات أو المحرمات؛ لأن كل هذه الأفعال تدخل في شُعَبِ الإيمان التي قال فيها النبي ﷺ : (الإيمان بضع وسبعون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان). فنقص شيء من شعب الإيمان هو نقص في الإيمان، ولا أظن إلا أنهم يعتبرون إماطة الأذى عن الطريق ستكون قشراً على حدّ تعبيرهم، والرسول ﷺ قد ذكر أن إماطة الأذى عن الطريق شعبة من الإيمان، وكونها شعبة من شعب الإيمان فإنها إذا تخلفت سوف توجب نقصاً في الإيمان بحسب التفريط في هذه الشعبة، ولذلك فإن أي شعبة يجتنيها الإنسان في دينه ستكون بمثابة الزيادة في إيمانه؛ لأن من أصول أهل السنة قولهم: إن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي، وهذا هو مذهب السواد الأعظم من الأمة المحمدية. ويقول ﵊: (لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة، فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها، فأولهن نقضاً الحكم، وآخرهن الصلاة)، ويقول ﷺ : (إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فاجتنبوه). يعني: فأي أَمْر أَمَر به النبي ﵊ فالأصل التزامه واتباعه والانقياد له. قوله: (إذا أمرتكم بأمر) أي: لا تتفلسفوا وتقولوا: هذا قشر وهذا لب وهذا جوهر وهذا مظهر، إلى آخر هذه المتاريس التي توضع في طريق السنة حتى تعوقها عن السير. فهذا التقسيم كما بيّنا آنفاً هو تقسيم محدث لم يعرفه السلف الصالح، ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم:٢٣]، وهذه القسمة لا تقف عند حّد، وليس مقصودهم مجرد تقسيم الدين إلى قشر ولُبّ، لكن يتبع ذلك خطوة أخطر وهي المناداة بإهمال الظاهر بحجة الاهتمام بالباطن، ثم يتعدى الملاحدة والمنافقون والعالم اليوم ذلك إلى إهمال الباطن والظاهر. ولذلك نجد أن هذه الشعارات تلقى رواجاً عند المستهترين والمخدوعين؛ لأنهم يرون القوم يسمون لهم المعاصي بغير اسمها، فمثلاً: إعفاء اللحية باعتبار أنها من الأمور التي أوجبها النبي ﵌، فيقولون: هذه من سنن العادة ولا علاقة لها بالدين! بل يزعمون أن من قال: إنها من الدين، يكون قد ابتدع في هذا الدين ما ليس منه، وغير ذلك من الشعائر الإسلامية يكررون محاولة إبطالها بهذا المعنى. وعلى قولهم: إن هذه عادات لا علاقة لها بالدين، فنحتاج إلى أن نعرف ما هي العادة وما هي العبادة، وما هو الفرق المحدد بينهما. ونحن نقول: إن ما تجري به أعراف الناس وعاداتهم وتقاليدهم قسمان: القسم الأول: ما سكت عنه الشارع ولم يتعرض له بإيجاب ولا بتحريم، فهذا مباح لا لوم على فاعله أو تاركه وصاحبه مخير. القسم الثاني: ما كان في الأصل من العادات، لكن الشرع أوجبه أو أمر به أو حرمه أو نهى عنه. فبمجرد أن يتعرض الشارع لشيء من العادات بأمر أو بنهي أو بإيجاب أو بتحريم فإنه حينئذٍ يدخل في دائرة الدين، ولم يعد داخلاً في العادات بل صار من العبادات، سواء كان من المناهي أم من الأوامر. فما أكثر الأعمال التي كانت تجري مجرى العادات قبل بعثة النبي ﷺ ، ثم صارت من المناهي التي حرمها الشارع، فأصبح اجتنابها من الدين، مثل الوشم، لكن لما نهى عنه الشارع صار تحريمه عبادة، وكذلك وصل الشعر بالشعر، والنياحة على الميت، والميسر، وشرب الخمر وغيرها. كل هذه كانت عادات عند العرب، ولكن لما تعرض لها الشارع بالنهي صار من الدين اجتنابها. يقول الإمام الغزالي رحمه الله تعالى: اعلم أن مفتاح السعادة في اتباع السنة والاقتداء برسول الله ﷺ في جميع مصادره وموارده، وحركاته وسكناته، وحتى في هيئة أكله وقيامه ونومه وكلامه، لستُ أقول ذلك في آدابه فقط؛ لأنه لا وجه لإهمال السنن الواردة فيها، بل ذلك في جميع أمور العادات، فبه يحصل الاتباع المطلق كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١]. يعني: أفضل أنواع الاتباع هو الاتباع المطلق، وكل ما كان من شأن النبي ﷺ فعليك أن تتبعه فيه، قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧]. يقول: فلا ينبغي التساهل في امتثال ذلك، فتقول: هذا مما يتعلق بالعادات فلا معنى للاتباع فيه، فإن ذلك يغلق عنك باباً عظيماً من أبواب السعادات، بل حتى العادات إذا كانت من فعل النبي ﵊، إذا نويت بفعلها الاقتداء به، فإنك تثاب على ذلك وتصبح عبادة في حقك.

стр. 1931

الآثار السيئة المترتبة على تقسيم الدين إلى قشر ولب إن من الآثار السيئة لتقسيم أمور الدين إلى أمور شكلية ومظهرية وأمور جوهرية، وقشر ولب، وحقيقة وشريعة، أنها تؤثر في قلوب العوام أسوأ تأثير، وتورثهم الاستخفاف بالأحكام الظاهرة، وينتج عنها الإخلال بهذه الأمور التي أسموها كذباً وزوراً قشوراً، فلا تلتفت قلوبهم إليها، ولما لا تلتفت القلوب لهذه الأشياء فمن الطبيعي أن تخلو من إنكار المخالفة، وبالتالي تخلو من أضعف مراتب الإيمان تجاه هذا المنكر، وهو الإنكار القلبي، والرسول ﷺ قال: (وليس وراء ذلك من الإيمان مثقال حبة من خردل)، والإيمان يدخل في القلب، فإن لم يستطع الإنكار باليد واللسان فلا سلطان لأحد غير الله على القلب فإنه ينكر بقلبه، أما اليد أو اللسان فيمكن أن يكون له عذر في التخلف عن إنكار المنكر أحياناً بهما. فالتفريط في محقرات هذه الأعمال يؤدي إلى التفريط في عظامها، فإذا بدأ الإنسان في التردي في دينه بسبب التفريط في الصغير، فإن التفريط في الصغير يؤدي إلى التفريط في الكبير؛ لأن استمرار هذا التفريط يتحول مع الوقت إلى عادة تأسر الإنسان، وتنتهي بصاحبها إلى قلة الاكتراث بأمور دينه والتهاون بها. وكما أشرنا من قبل فإننا إذا تسامحنا معهم في تقسيم الدين إلى قشور وإلى لباب، فإننا نلفت أنظارهم إلى أن قياس أمور الدين على الثمار، من حيث كون كل منهما له قشر وله لب، وظاهر وباطن، وهذا لا يعني أن القشرة التي أوجدها الله للثمرة إنما خُلقت عبثاً، حاشا وكلا، وإنما خلقها الله لحكمة عظيمة، وهي المحافظة على اللب نفسه، فهذا يحملنا على ألا نستهين بالقشر إذا تسامحنا في هذا الاصطلاح؛ لأن القشر حارس أمين على الثمرة، إذ لا يمكن أن تتخيل ثمرة بدون قشر، وإلا فإنه يسرع إليها الفساد، وهذا شيء مجرّب ومعروف. وهكذا الشأن في أمور الدين الظاهرة، حيث تقوم بنفس الدور الذي تقوم به القشرة في حمايتها للب الثمرة. كذلك تقسيم العلماء للدين إلى أصول وإلى فروع، قد استغله بعض الخبثاء الذين يريدون بالدين سوءاً، وأخذوا يذهبون بهذا التقسيم بعيداً عما أراده به العلماء؛ لأن العلماء حينما قسموا الدين إلى أصول وإلى فروع لا يُظن بهم أنهم أرادوا بذلك إيجاب الاتفاق على الأصول مع التسامح مطلقاً في الفروع. فترى بعض الناس يسيئون فهم هذا التقسيم، فيميعون كل قضية شرعية بدعوى أن اختلاف الأمة في دينها رحمة، والاختلاف رحمة، فلذلك يقولون: من قلد عالماً لقي الله سالماً! حتى لو كان هذا الكلام فاسداً في غاية الفساد أو مصادماً للنصوص! فبالتالي يؤدي الأمر إلى الترخص واتباع الهوى، ونقص العبودية عند هؤلاء الناس، ويلزم من قولهم هذا أن الاتفاق يكون سخطاً، وهذا ما لا يقوله مسلم. أما إذا قالوا كما قال ابن مسعود رضي الله ﵎ عنه: الخلاف شر. إذاً: لو نظرنا إلى الخلاف على أنه شر، لسعينا إلى الاتفاق ورأيت ذلك في كثير من المسائل المتناقضة التي لا يمكن التوفيق بينها إلا بردّ بعضها المخالف للدليل وقبول البعض الآخر الموافق له، وإلا إذا صح نسبة قولين متضاربين تماماً إلى الشريعة فهذا من التناقض الذي نزهت عنه الشرعية؛ لأن الله يقول: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢]، فليس ممكناً أبداً في الشريعة أن يكون في المسألة الواحدة قولان: الأول واجب والآخر حرام، بل قد يكون هناك خلاف في مسألة، بحيث يقول فيها الأول: هذا واجب، ويقول الآخر: هذا مستحب. أو في مسألة أخرى يقول فيها الأول: هذا حرام، ويقول الآخر: هذا مكروه. أما أن يختلف اثنان، فيقول الأول: هذا واجب يأثم تاركه، والآخر يقول: بل حرام يأثم فاعله! فمثل هذا الخلاف تتنزّه عنه الشريعة الإسلامية، وهذا الخلاف ليس من عند الله، ولا يمكن أن يوجد في شرع الله، قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢]. فلما كان التشريع من عند الله فليس فيه مثل هذا الخلاف، فلا يصح إذاً جعل الخلاف شريعة مُتّبعة ورحمة منزلة، فالواجب التخلص من الخلاف ما أمكن ذلك، أو تضييق دائرته؛ عملاً بقول النبي ﷺ : (سدّدوا وقاربوا)، أما إذا تحرى الإنسان الدليل وعجز عن التخلص من الخلاف فحينئذٍ يعذر بعضهم بعضاً فيما قد يختلفون فيه.

стр. 1932

شبهات باطلة والردّ عليها

стр. 1933

التلازم بين صلاح الظاهر وصلاح الباطن إذا كانت النصوص السابقة قد أسست فكرة الربط بين الظاهر والباطن وردّ مسألة الاعتماد على الباطن وحده أو النية وحدها، فإن هناك جملة أخرى من النصوص قد فصلت العلاقة بين الظاهر والباطن، وأثبتت أن هناك تأثيراً متبادلاً بينهما، كحديث النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما قال: (كان رسول الله ﷺ يسوي صفوفنا حتى كأنما يسوي بنا القداح)، والقداح: هي خشب السهام حين تنحت وتُبرى، واحدها قِدح، فكان يبالغ في تسوية الصفوف حتى تصير كأنما تقوم بها السهام، لشدة استوائها واعتدالها، ونجد من الناس الآن في هذا الزمان من يسخر من حرص الإمام على تسوية الصفوف! ولعلكم سمعتم من أحد دعاة العقلانية الحديثة للأسف الشديد أنه سئل في إحدى المرات -وهو شيخ معمم-: ما هي آخر نكتة سمعتها؟ فقال: رأيت نكتة في إحدى المجلات: الناس يقفون صفوفاً للصلاة، والإمام يلبس القفازات التي يلبسها الملاكم، وسئل الإمام: ماذا تنوي أن تفعل؟ هل ستلعب الملاكمة؟! قال: لا، أنا سأسوي الصفوف!! يقصد بذلك السخرية من الأئمة الذين يهتمون بتسوية الصفوف، هل يوجد أحد يسوي الصفوف بقفاز الملاكمة ويضرب الناس؟! هذا من الكذب والافتراء على عباد الله. وهؤلاء الناس الذين يسخرون ممن يهتمون بتسوية الصفوف ويقولون: هذه قشور، هم الذين يفعلون معسكرات ترفيهية أو إنشادية، ويقولون: لابد أن يكون فيها نظام، حيث يكون القصير في الأمام والطويل في الخلف، وغير ذلك من قواعد النظام في دقائق الأمور، فإذا قيل لهم: هذه قشور، كيف تهتمون بالطوابير وتهتمون بالنظام وغير ذلك؟! عندها يقول: ديننا دين انضباط ونظام، فهل يكون مهماً في مثل هذه الأمور بينما في أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين يُعتبر الترتيب قشوراً! وهذا من أوضح التناقض. نرجع إلى الحديث: (كان رسول الله ﷺ يسوّي صفوفنا، حتى كأنما يسوي بنا القداح، حتى رأى أنّا قد عقلنا عنه -أي: تعودنا على تسوية الصفوف وحافظنا على ذلك- ثم خرج يوماً فقام حتى كاد يُكبّر، فرأى رجلاً بادياً صدره من الصف، -أي: صدره خارج عن الصف- فقال: عباد الله! لتسوّنّ صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم)، وفي رواية: (أو ليخالفن الله بين قلوبكم). وهذه إشارة منه ﵊ إلى أن الاختلاف في الظاهر سينعكس على الباطن. إذاً: فالظاهر يؤثر في الباطن كما أن الباطن يؤثر في الظاهر، فالاختلاف في الظاهر مثل تسوية الصف يوصل إلى اختلاف القلوب، فدلّ هذا على أن للظاهر تأثيراً في الباطن، ولذلك كان النبي ﷺ ينهى عن التفرق حتى في جلوس الجماعة، فيأمرهم أن ينضم بعضهم إلى بعض، كما جاء عن جابر بن سمرة ﵁ قال: (خرج علينا رسول الله ﷺ فرآنا حلقاً، فقال: ما لي أراكم عزين؟!) يعني: متفرقين، وعن أبي ثعلبة الخُشني ﵁ قال: (كان الناس إذا نزلوا منزلاً تفرقوا في الشعاب والأودية، فقال رسول الله ﷺ : إنّ تفرقكم في هذه الشعاب والأودية إنما ذلك من الشيطان. فلم ينزلوا بعد ذلك منزلاً إلا انضم بعضهم إلى بعض، حتى يقال: لو بسط عليهم ثوب لعمّهم). ومما يقوي اعتبار الظاهر أيضاً ما تقرر في الشريعة من لزوم مخالفة الكفار وتحريم التشبه بهم، والأدلة على ذلك كثيرة معروفة. وكذلك ما تقرر أيضاً من تحريم تشبه الرجال بالنساء، حيث جاء في الحديث: (لعن الله الرجل يلبس لبسة المرأة، والمرأة تلبس لبسة الرجل)، وهذا معناه أن هذا الفعل من الكبائر، وهذا ظاهر، فمثلاً: لو لبس أحدهم فستاناً وقال: أنا نيتي سليمة! وكذلك المرأة تلبس ملابس الرجال وتقول: المهم هو النية؟ فالشرع يهتم بالمظاهر حتى لو وافقنا على تسميتها بالقشور، والمخالفة في ذلك قد تُدخل صاحبها في الكبائر المتوعد عليها بالنار. والمقصود بالتشبه بالكفار هو التشبه بهم فيما هو من خصائصهم، لكن لو قال قائل: هم يأكلون ونحن نأكل، فهل هذا تشبه؟ نقول: ليس هذا تشبهاً، بل التشبه يكون فيما هو من خصائصهم، كالاحتفال بأعيادهم ومشاركتهم فيها، وكارتداء الملابس الخاصة بهم والتي يتميزون بها، وهذا مما حرص السلف الصالح على تجنبه، وهو واضح تماماً في سلوك الصحابة والفاتحين مع أهل البلاد التي فتحوها، حتى كانوا يشترطون في عقد الذمة أن لا يتزيّ المشركون بزي المسلمين. فطريق الهدى والصلاح أن نصلح الظاهر والباطن معاً، نصلح ظاهرنا باتباع السنة، وباطننا بدوام مراقبة الله ، ولا ندع العمل الصالح حذر الرياء ولا نفعله رئاء الناس. فقضية المظهر أو القشور كما يسميها بعضهم هذه قضية مبدأ وليست مجرد قشر أو ظاهر لا معنى وراءه، إذ إن هذه القشرة تحمي اللب وتحمي الهوية الإسلامية المتميزة، والعلماء لم يستعملوا لفظة القشر ولا المظهر، وإنما استعملوا لفظة الهدي النبوي الظاهر، وأفاض العلماء في بيان خطر ذوبان الشخصية المسلمة وتميعها، فما يشيع على ألسنة الناس من أن العبرة بالجوهر لا بالمظهر هذا فيه مغالطة جسيمة وخداع كاذب؛ لأن كلاً من المظهر والجوهر لا ينفكّ أحدهما عن الآخر. فالمظاهر أو الظواهر معبرة عن المضامين، ويمكننا أن نستدل هنا بقول القائل: كل إناء بما فيه ينضح، والإناء لو ملأته بالزيت فسوف ينضح زيتاً، ولو ملأته بالماء فسينضح ماءً، ولو ملأته بالعسل فسينضح عسلاً، فالعبرة بالجوهر لا بالمظهر، والقضية قضية مبدأ وليست مجرد شكل ومظهر، والأمثلة على ذلك كثيرة، وإن شاء الله نرجو أن نفصلها فيما بعد. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

стр. 1934

صلاح الأعمال الظاهرة هو الدليل على صلاح القلب يقول النبي ﷺ : (ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صَلُحَت -يصح بضم اللام وفتحه- صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب). نقول: الفهم الصحيح لهذا الحديث: أن فيه إشارة إلى أن صلاح جوارح العبد واجتنابه للمحرمات واتقاءه للشبهات يكون بحسب صلاح حركة القلب، فالقلب هو الموجّه للجوارح وهو القائد لها، فإن كان سليماً ليس فيه إلا محبة الله ومحبة ما يحبه الله، وخشية الله وخشية الوقوع فيما يكرهه الله، فهذا قلب تصلح معه حركات الجوارح كلها، وينشأ عن ذلك اجتناب المحرمات كلها، وتوقي الشبهات حذراً من الوقوع في المحرمات. وإن كان القلب فاسداً قد استولى عليه اتباع الهوى، فسدت حركات الجوارح كلها، واندفعت إلى المعاصي والشبهات بحسب اتباع هوى القلب، ولهذا يقال: القلب ملك الأعضاء، والأعضاء جنودٌ له طائعون منقادون لطاعته وتنفيذ أوامره، لا يخالفونه في شيء، كما هو مفهوم من الحديث: (ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب)، فالقلب هو الملك الذي يصدر الأوامر، والجوارح جنود منقادة له، هذا هو مفهوم الحديث والمقصود منه. فبالتالي يمكن أن يستدل الإنسان على صلاح القلب بصلاح الظاهر، حيث إنه إذا كانت الجنود في حالة سليمة صالحة فهذا يدل على أن القلب سليم، ولو رأينا مثلاً من يحلق لحيته ويقول: قلبي سليم! نقول له: لا، بل هناك فساد في قلبك يستوجب أن تعصي أمر رسول الله ﵊ بحلق لحيتك، ولو رأينا آخر يتشبه بالنساء ويقول: قلبي سليم. نقول: لا، بل هناك مرض في القلب، ويدل عليه تشبهك بالنساء، والنبي ﷺ يقول: (لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء) وكذلك الحال في المتشبهات بالرجال. فلو كان القلب سليماً يحب ما يحبه الله ويرضاه، ويكره ما يكرهه الله لظهر ذلك على الجوارح حتى تصلح صورتها وتتوافق مع سلامة القلب، لكن أي انحراف في الظاهر وفي أعمال الجوارح يعكس وجود الفساد في الملك الذي يأمر ويوجه ويقود هذه الجوارح. فيمكن الاستدلال على صلاح القلب أو فساده بقدر ما تظهره جنوده من الانقياد لشرائع الإسلام، فالظاهر عنوان الباطن ودليل صلاحه وفساده. لقد تقرر عندنا أنه لا يستدل مُبطل بآية أو حديث يؤيد الباطل الذي ذهب إليه إلا وكان فيه ما يدل على نقيض ما ذهب إليه، فنحن نهدم هذه البدعة بنفس الأدلة التي يستدلون بها، كما بيّناها من قبل في استدلالهم بحديث النيات، وكذلك الحال في هذا الحديث: (ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب) فهل اللحية من الجسد أم ليست من الجسد؟ الجواب هي من الجسد، فإذا حلق الإنسان لحيته بدون عذر معاندة للشرع، فإن هذا دليل على فساد في القلب؛ لأنه لو صلح قلبه لصلح جسده ووافق الشريعة، فمن استأصلها بغير عذر محتجاً بصلاح قلبه فهذه كذبة ظاهرة، ومن امتثل أوامر الشرع بإعفائها كانت هذه قرينة ظاهرة على امتثال هذا الرجل لشرع الله في الظاهر، أما الباطن والنية فحسابه على الله في الآخرة بحسب نيته، هل يقصد ترويج تجارته حتى يثق الناس به ويقولون: هذا الرجل طيب، فهذا في الحقيقة منافق كذاب مخادع، أم أنه يريد وجه الله فيثاب في الآخرة.

стр. 1935

العبرة في الشرع بصلاح القلوب والأعمال معاً يقول الرسول ﵊: (إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم) هذا الحديث مما يستدل به من لا يهتم بالأعمال الظاهرة، وهو في الحقيقة حجة على هؤلاء القوم؛ لأن الرسول ﵊ لم يقتصر على ذكر القلوب فقط، بل قال: (ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم)، فالقلوب لا سبيل لنا للاطلاع عليها، لكن الأعمال نستطيع أن نحكم عليها بالظاهر، فلذلك عطف الأعمال على القلوب. فالعمل شيء ظاهر، والله سبحانه ينظر إلى الباطن وهو القلوب، وإلى الظاهر وهو الأعمال. فالمقصود بقوله: (ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم) أي: وينظر إلى الأعمال التي تنبثق عن تلك القلوب، والتي لابد أن تكون صالحة موافقة لمرضاة الله، ويكون المراد بها وجه الله . فلماذا نحاول أن نضرب الأدلة بعضها ببعض؟! ولماذا لا نفهم النصوص في تناسق وتعاضد؟! فهذا الحديث يؤخذ منه أن المعتبر عند الله هو التقوى، كما يأتي في باقي الحديث: (التقوى هاهنا، التقوى هاهنا، التقوى هاهنا، وأشار إلى صدره ثلاث مرات)، ﵊. فمحل التقوى هو القلب، والمعتبر عند الله هو تقوى القلوب وليس الظاهر، كما قال : ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُم﴾ [الحج:٣٧]، أي: هذا لا يصل إلى الله، ((وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُم))، وقال : ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣]. ومن هذا نفهم أن الإسلام لا يضع اعتباراً على الإطلاق للمظاهر والأمور الشكلية الجوفاء، وهذه هي القشور في الحقيقة، والتي ينبغي أن نحاربها، قشور في المآتم وقشور في الأفراح وقشور في الحكم على الناس بالمظاهر وبالملابس وبالزينة التي يلبسونها، والإسلام يقضي على هذه القشور ويحاربها، وهذه هي القشور التي ينبغي أن نسميها قشوراً، وندعو إلى هجرها وإحلال القيم والأخلاق الإسلامية مكانها. فلا ينبغي أن تحكم على الناس بالمظهر أو بالزينة أو بالنعيم أو بالترف والجمال، أو غير ذلك من الأمور، كما هو لفظ الحديث: (إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم) فهذه ليس لها اعتبار عند الله، بل: ((إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)). فليس في الإسلام اعتبار للمظاهر الجوفاء والصور الجميلة، وليس لها ثقل عند الله ، فهذا يوسف ﵇ الذي أوتي شطر الحسن لما رشح نفسه لإنقاذ الناس من المجاعة قال: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٥٥]، ولم يقل: إني قد أوتيت شطر الحسن، بل اعتدّ بمدى علمه وأمانته وتقواه لله ﵎. في حين قال في المنافقين: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ﴾ [المنافقون:٤]، فقد يملكون القوة والعضلات والبهاء والمنظر، ولكنهم منافقون، ولذلك قال : ﴿كََأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ [المنافقون:٤]، وقد جاء تفسيرها في صحيح مسلم: كانوا رجالاً أجمل شيء. يعني: شبههم بخشب مسندة إلى الحائط لا يسمعون ولا يعقلون؛ لأنهم أشباح بلا أرواح، وأجسام بلا أحلام. وقد رسخ الشرع هذا المعنى في نصوص كثيرة كما سنبين إن شاء الله فيما بعد بالتفصيل، ولكن سنذكر الآن هذه القصة التي رواها أنس بن مالك ﵁: أن رجلاً من البادية كان اسمه زاهر بن حرام، وكان إذا أتى من البادية إلى الرسول ﷺ أتى بشيء من طعام أو غيره من الأشياء التي يهديها البدو حسب بيئتهم، كذلك إذا أراد أن ينتقل من الحضر إلى البادية كان يزوده النبي ﵊ بشيء من متاع الحضر، وكان يقول: (إن زاهراً باديتنا ونحن حاضروه)، وكان النبي ﷺ يحبه، وكان دميم الخلقة. وقد جاء الحديث: (أن النبي ﷺ آتاه يوماً وهو في السوق يبيع المتاع الذي يحضره من البادية، فاحتضنه الرسول ﵊ وضمه إلى صدره وهو لا يبصره، فقال: أرسِلْني من هذا؟ فالتفت فعرف النبي ﷺ ، فجعل لا يألو حتى ألصق ظهره بصدر النبي ﷺ حينما عرفه -أي: حرص على قرب النبي ﵊ منه ما استطاع- وجعل النبي ﷺ وهو يحتضنه من خلفه يقول: من يشتري العبد؟ -يعني: كأن هذا عبد والنبي ﷺ يريد أن يبيعه، يصنع ذلك معه مزاحاً- فقال: يا رسول الله إذاً والله تجدني كاسداً، يشير إلى دمامة خلقته، فقال النبي ﷺ : لكنك عند الله لست بكاسد، أو قال: لكنك عند الله أنت غالٍ)، أخرجه الترمذي في الشمائل، وصححه الحافظ ابن حجر في الإصابة. نفهم من الحديث عدم الالتفات إلى الصور والمظاهر والأشكال؛ فالعبرة بالقلوب والأعمال، فهذا هو المقصود من قوله: (إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم)؛ لأن الغنى والمظهر والبهاء كل هذا لا وزن له عند الله . يقول الله ﵎: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال:٢ - ٤]. لم يقل: ذوو الحسب، ولم يقل: ذوو الأموال والمظاهر والجمال! إنما الصفات التي تعتبر عند الله هي الإيمان والتقوى، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣]. هذا الأسلوب في فهم النصوص التي ذكرناها آنفاً هو الأسلوب الوحيد الكفيل بأن يسد الباب في وجه الزنادقة والملاحدة الذين يتحصنون وراء دعوى حسن النية، ويرتكبون المخالفات الشرعية، ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة:١١ - ١٢]. ويضربون بالأحكام الظاهرة التي هي شعار الإسلام وأعظم أركانه كالصلاة والصيام والزكاة والحج وغيرها عرض الحائط، ويريدون ألا ينكر عليهم مُنِكر، وألا يَخدش انتماءهم إلى الإسلام، حتى وإن هجروا هذه الشعائر! إن لم نفهم هذه النصوص بهذا الفهم الذي ذكرناه، فسوف يُنسب إلى الشريعة التناقض الذي تنزه عنه؛ لأن الشرع بنى أحكامه على ما يظهره الناس في دار الدنيا، فإذا أهدرنا كل هذه الشرائع الظاهرة بدعوى أنها من القشور، وزعمنا أن المهم هو النية وصلاح القلب، فهذا بلا شك سيقضي تماماً على أحكام الشريعة الإسلامية. ومثل هذا الخبث لم يفعله حتى المنافقون في عهد النبي صلى الله عليه وآله، فالمنافقون لم يصلوا إلى أن يبتكروا مثل هذه القسمة الخبيثة كما يفعل الملاحدة والعلمانيون اليوم في هذا الزمان؛ لأن المنافقين ما احتجوا لهدم الأصول بهذه الطريقة، وإنما كانوا يُصلّون مع النبي ﵊، وكانوا يحجون معه، وكانوا يجاهدون معه، وكانوا يتناكحون مع المسلمين، وكان المسلمون يصلون عليهم ويدفنونهم معهم أخذاً بما يظهرونه. ثم نقول: أليس الذي نطق بحديث: (إنما الأعمال بالنيات) وحديث: (ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم؟) هو الذي نطق بالنصوص التي تدل على اعتبار الظاهر، كقوله مثلاً: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردّ)، والله يقول: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤]، لم يقل: وما ينطق بالهوى، وإنما نزّه كل ما يصدر في الدين على لسان نبيه ﵊ ما ينطق عن الهوى، بل هو وحي يوحى، والله يقول: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢].

стр. 1936

النية الصالحة لا تصلح العمل الفاسد إن الذين قسموا الدين إلى قشر ولُبّ، ومظهر وجوهر، هؤلاء ركبوا مطايا الخير كي يصلوا بها إلى الشر، فاستدلوا على هذه البدعة ببعض النصوص الشرعية التي أوّلوها وحرفوا معانيها، منها: حديث أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)، وهذا مشهور عند عموم الناس، فكثير من الناس إذا خالفته في شيء قال لك: الإيمان في القلب، وأنا قلبي سليم وقلبي أبيض وما أريد شراً بأحد، فيرفعون هذا الحديث في وجه من يخالفهم. ومن النصوص التي استدل بها هؤلاء: ما رواه النعمان بن بشير ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الحلال بين وإن الحرام بيّن، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام). فالحديث الأول دليل على عظم شأن النية وخطرها، ولا يمكن الاستدلال به بحال من الأحوال على إسقاط شعائر الإسلام الظاهرة والاكتفاء بالنوايا الحسنة، بل هذا كلام الزنادقة والملاحدة كما سنبين إن شاء الله. فقول النبي ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات) تقديره: الأعمال الواقعة بالنيات، أو الأعمال حاصلة بالنيات، فمعناها: أن الأعمال الاختيارية لا تقع إلا عن قصد من العامل الذي هو سبب وجودها وعملها، وهذه إشارة إلى أنه من الصعب جداً أن يعمل الإنسان عملاً بدون نية، حتى إن من العلماء من قال: لو فُرض أن العبد كُلَّف بأن يعمل عملاً بدون نية لكان هذا من التكليف بما لا يستطاع؛ لأنه لا يوجد عمل إلا ويكون معه نية. وقوله: (وإنما لكل امرئ ما نوى) إخبار عن حكم الشرع، وهو أن حظ العامل من عمله يكون بقدر نيته، فإن كانت صالحة فله أجره، وإن كانت فاسدة فعمله فاسد وعليه وزره. وفي بعض الروايات: (إنما العمل بالنية) ف (ال) هنا للعهد، وإذا قلنا: إن (ال) للاستغراق، فسيكون معناه: إنما كل الأعمال بالنية، وسيكون المقصود إنما كل عمل بالنية، حتى لو كان العمل مخالفاً للشريعة، لكن المقصود هنا ب (ال) أنها للعهد الذهني، يعني إنما العمل الصالح بالنية. ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل:١٦]، (ال) هنا للعهد، والمقصود بالرسول هنا هو موسى ﵇، كذلك: (إنما العمل بالنية) الحديث يقتصر على الكلام على ما يتم به صحة العمل الصالح، يعني: إنما ينفع العمل الصالح صاحبه إذا انضم صلاح النية إلى صلاح العمل، وهذا هو الصواب؛ لأن العمل الذي تتوقف صحته على صلاح النية هو العمل الصالح. يقول الإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى: إنما الأعمال الصالحة بالنيات الخالصة، والنية الحسنة لا تجعل الباطل حسناً؛ لأن النية وحدها لا تكفي لتصحيح الفعل، فلابد أن ينضمّ إليها التقيد بالشرع. وقد روى البخاري في كتاب الشهادات عن عمر بن الخطاب -وهو الذي روى حديث: (إنما الأعمال بالنيات) - أنه قال: (إن ناساً كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله ﷺ أي: كما حصل مع المنافقين أو بعض المسلمين الذين أخطئوا- وإن الوحي قد انقطع، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم، فمن أظهر لنا خيراً صدّقناه وقربناه، وليس لنا من سريرته شيء، الله يحاسبه في سريرته، ومن أظهر لنا سوءاً لن نأمنه ولن نصدقه، وإن قال: إن سريرته حسنة). أيضاً في نفس الحديث ما يدل على خطورة النية، إذ يقول ﵊: (فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله رسوله ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه). إذاً: هذا مَثَل للأعمال التي تكون في الظاهر واحدة، فكل المسلمون هاجروا من مكة إلى المدينة، وهذا فعل اشترك فيه المؤمنون والمنافقون، وكذلك عند الخروج إلى الجهاد، فقد يخرج الإنسان يريد وجه الله وقد يريد شيئاً آخر، لكن العمل في الظاهر واحد، فيختلف صلاحه وفساده بحسب صلاح النية أو فسادها. فقول النبي ﵊: (فمن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه) فهل يمكن أن يأتي أحد ويستنبط من الحديث التنفير عن الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام، ويقول: أنا أترك الهجرة ونيتي طيبة، ونيتي حسنة؟! الجواب لا؛ لأن تخاذله في الظاهر عن الهجرة دليل على فساد قلبه وسوء نيته؛ مصداقاً لقول النبي ﷺ : (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله: ألا وهي القلب)؟ فالنية المزعومة لا تصلح العمل الفاسد، والنية إذا كانت صالحة ولم ينبثق عنها متابعة للشرع وامتثال للأوامر واجتناب للنواهي فلا قيمة لهذه النية. وهناك نصوص كثيرة جداً تعلق الانتفاع بالعمل على صلاح النية وصلاح العمل، يقول مطرف بن عبد الله رحمه الله تعالى: صلاح القلب بصلاح العمل، وصلاح العمل بصلاح النية. ونجد أيضاً قول النبي ﷺ : (أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله تعالى). فلماذا قال النبي ﵊: (وحسابهم على الله)؟! الجواب لأنه لا يملك إلا الظاهر، فالحكم يكون على الظاهر فقط، أما السرائر والبواطن والنيات فهذه علمها عند الله، فلذلك قَبِل النبي ﷺ منهم الظاهر، وقال: (عصموا مني دماءهم وأموالهم)، ثم قال: (وحسابهم على الله) فإن كانوا صادقين فسيثيبهم الله في الآخرة على قدر نياتهم، فالشهادتان وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة أعمال ظاهرة تعصم دم صاحبها وماله في الدنيا، إلا إذا أتى بما يبيح دمه، وهذا هو معنى قوله: (إلا بحق الإسلام) وأما في الآخرة فحسابه على الله ، إن كان صادقاً أدخله بذلك الجنة، وإن كان كاذباً فهو مع المنافقين في الدرك الأسفل من النار! وفي رواية لـ مسلم - بعدما قال ﵊: (وحسابهم على الله، ثم تلا: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ * إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ * فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الأَكْبَرَ * إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [الغاشية:٢١ - ٢٦])، يعني: كأن قوله: (فحسابهم على الله) منتزع من هذه الآيات التي في سورة الغاشية. ومن ذلك أيضاً ما رواه أبو سعيد الخدري ﵁: (أن خالد بن الوليد ﵁ استأذن النبي ﷺ في قتل رجل، فقال النبي ﵊: لا، لعله أن يكون يصلي، فقال خالد: وكم من مُصلًّ يقول بلسانه ما ليس في قلبه، فقال النبي ﷺ : إني لم أؤمر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم). فالله هو الذي ينظر إلى القلوب، كما يقولون: ربنا رب القلوب، نعم، الله هو رب القلوب، لكنه شرع لنا في الجملة ما يناسبها وما يقع في مكنتها، والذي نملكه هو أن نتعامل بالظاهر، حتى إنك تجد أن تعاملات الناس فيما بينهم تكون بما يظهرونه. ويقول النبي ﵊ في الحديث: (إنكم تختصمون إلي وإنما أنا بشر، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجّته من بعض، وإنما أقضي لكم على نحو مما أسمع منكم، فمن قضيتُ له من حق أخيه شيئاً فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار يأتي بها يوم القيامة)، فكم نرى من الناس من إذا حُكِم له بقضية فرح جداً؛ لأنه كسب القضية، وقد يكون هو في الحقيقة ظَلَم خصمه، وأخذ بحكم القاضي ما ليس من حقه، فالقاضي إنما يحكم بما يظهر له، وقد يكون هذا الرجل بليغاً فصيحاً يستطيع أن يُلبّس على سامعه، فيفرح جداً؛ لأنه كسب القضية حسب زعمه، وهو لم يكسب في الحقيقة بل هذا عين الخسران وعين الظلم. فحكم الحاكم لا يغير الحقيقة في نفس الشيء، فإذا كنت تعلم أن هذا ليس حقاً لك فلا يجوز لك أن تأخذه حتى ولو حكم لك القاضي؛ لأن القاضي يحكم بما ظهر له فقط. من ذلك أيضاً: قول النبي ﵌: (من غزا في سبيل الله ولم ينو إلا عقالاً فله ما نوى)، وقوله: ﵊: (من طلب علماً ليماري به السفهاء، أو يجاري به العلماء، أو يصرف به وجوه الناس إليه، أدخله الله النار). فهذه كلها نصوص تنبّه على خطورة الإخلاص وأهميته، وأنه شرط في الأعمال الصالحة. فلا يكون معنى الحديث: إذا كانت نيتك صالحة فافعل ما شئت؛ لأن ذلك سيؤدي إلى استباحة محرمات مقطوع بحرمتها، وترك ما فرض الله كالصلاة، ثم يقول لك أحدهم: هذه شكليات، وربما أسعفه الهوى بأن يستدل بقوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥]. كذلك يقول بعضهم: الالتزام بطلوع الفجر لبداية الصيام من الشكليات! كذلك مثلاً: انتظار مغيب الشمس للصائم هذه أيضاً من الأمور الشكلية التي يكون المهم فيها هو النية! كذلك أيضاً القول بأن شعائر الحج من إحرام، ولبس المخيط من الثياب، والطواف بالكعبة، والسعي بين الصفا والمروة، والوقوف بعرفات، ورمي الجمرات ونحو ذلك، كلها من الشكليات التي يسع الإنسان تركها!! فهل يمكن أن يقول بهذا مسلم؟! إذاً: فخطورة هذه البدعة تكمن في أنها ليس لها حد تقف عنده، إذ ليس هناك تعريف للقشر ولا تعريف للّبّ، وبالتالي فإن هذا يفتح باباً للشر لا يُدرك مداه ولا ينتهي، وسوف يقع الخلاف، وكلٌّ يحكم حسب هواه، فيرى البعض أن المسألة الفلانية من القشور، والبعض الآخر يعتبرها من اللب، أو العكس، وبالتالي ينهار الدين

стр. 1937

بدعة تقسيم الدين إلى قشر ولباب [٢] لقد ظهر من أعداء الله كثير من أنواع المحاربة، وإبعاد الناس عن الدين، وللأسف أنه قد تبعهم أناس من بني جلدتنا على ذلك، فصاروا يهرفون بما لا يعرفون، وقد ظهرت وسيلة جديدة من وسائل إخراج الناس عن الدين بالتدرج، ألا وهي: وسيلة القشور واللباب التي ليس لها حد ولا نهاية، فكل ما لا يعجبهم من السنن والواجبات جعلوها قشوراً لا قيمة لها، مع أنهم يهتمون بقشور الأعداء، وموضة المجرمين في الملبس والمأكل والهيئة.

стр. 1938

فضيلة التواضع في الكتاب والسنة وأقوال السلف إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عن عياض بن حمار المجاشعي رضي الله ﵎ عنه قال: (قام فينا رسول الله ﷺ ذات يوم خطيباً -فذكر الحديث إلى أن قال-: إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد) رواه مسلم في صحيحه. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ما نقصت صدقة من مال، ولا عفا رجل عن مظلمة إلا زاده الله بها عزاً، ولا تواضع عبد لله إلا رفعه الله)، فهذا أيضاً فيه فضيلة التواضع لله ، فإن التواضع يرفع صاحبه، ولا يظن الرجل أنه إذا تواضع فإن ذلك ينزل مكانته، ولكنه إذا تواضع لله رفعه الله. والله امتدح نبيه في أشرف المقامات بصفة العبودية والتذلل والخضوع والتواضع لله ، فقال في مقام الإسراء: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى﴾ [الإسراء:١]، وقال في مقام الدعوة: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن:١٩]، وقال في مقام التحدي: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة:٢٣] فامتدحه الله بوصف العبودية والتذلل والخضوع لله ، والتواضع له في أشرف المقامات، فدل على أن الشرف والعلو والرفعة والعزة إنما يكون في التواضع لله ﵎. وإن كان هذا الرجل يقول في محبوبته: فلا تدعني إلا بيا عبدها فإنه أشرف أسمائي فكيف لا يفخر المؤمن بأنه عبد ذليل متواضع لله ﵎؟! الشاهد قوله ﵊: (وما تواضع عبد لله إلا رفعه الله). وقد ذكر الإمام البيهقي رحمه الله تعالى في كتابه: (شعب الإيمان) جملة من النصوص عن السلف الصالح ﵃ في قصص التواضع، فقد روى بسنده عن عائشة ﵂ قالت: يغفلون عن أفضل العبادة وهي التواضع. أي: أن الناس في غفلة عن أعظم أنواع العبودية، ألا وهو التواضع لله ﵎. وعن عطاء بن السائب أن أبا البختري وأصحابه كانوا إذا أثني على أحد منهم ووجد عجباً في قلبه وتأثر بهذا الثناء حنا ظهره وقال: خشعت لله، خشعت لله. وعن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي الله تعالى عنهما قالا: قال رسول الله ﷺ : (قال الله : العز إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني منهما شيئاً عذبته) فالكبرياء والعزة لا ينبغي أن تكون إلا لله ﵎، وهذه هي الصفات التي لا يليق بالعبد أن يتصف بها؛ لأنها من صفات الله التي لا يجوز منازعته ﵎ فيها. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (بينا رجل يتبختر يمشي في بردة قد أعجبته نفسه إذ خسف الله به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة)، فعجل الله له العقوبة وخسف به الأرض، فهو منذ أن فعل الله به ذلك ما زال يتجلجل إلى هذه اللحظة التي نحن فيها الآن، وفي حديث آخر: (بينما رجل يمشي في حلة تعجبه نفسه مرجل شعره إذ خسف الله به فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة)، وعن حارثة بن وهب قال: قال رسول الله ﷺ : (ألا أخبركم بأهل الجنة؟ كل ضعيف متضعف لو أقسم على الله لأبره، ألا أخبركم بأهل النار؟ كل عتلّ جواظ مستكبر) فمدح أهل الجنة بالتواضع، وجعل من صفات أهل النار الاستكبار والفظاظة. كذلك عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ قال: (المتكبرون يحشرون يوم القيامة أشباه الذر في صور الناس يعلوهم كل صغار، ثم يؤمر بهم إلى قصر في جهنم يقال له: بولس فيسحبون فيه، ويسقون من طينة الخبال من عصارة أهل النار)، فكما أنه كان يتكبر في الدنيا يعاقب في الآخرة بنقيض قصده، هو تكبر ليظهر العزة والرفعة، فعاقبه الله ﵎ بأن يحشر حقيراً ذليلاً في صورة البشر أمثال الذر والهباء الذي يكون في الجو، كما جاء في رواية أخرى: (يأتي المتكبرون يوم القيامة مثل الذر في صور الرجال يغشاهم أو يأتيهم الذل من كل مكان، يسلكون في نار الأنيار، يسقون من طينة الخبال عصارة أهل النار).

стр. 1939

بعض الآثار الواردة في التواضع من علامات التواضع: ما ورد في بعض الآثار: (ما استكبر من أكل معه خادمه، وركب الحمار في الأسواق، واعتقل الشاة فاحتلبها) يعني: يلي شئون نفسه بنفسه فهذا لا يمقته. وكان عبد الله بن عمر ﵄ يخرج إلى السوق فيشتري، وكان سالم ﵀ دهره يشتري في الأسواق، وكان من أفضل أهل زمانه. وهذه المسألة أشار إليها بعض العلماء وهي أن العالم المقتدى به أو الذي له فضل ظاهر في الناس فلا يشتري حاجته بنفسه؛ لأنه إذا كان مشهوراً بين الناس بالفضل والعلم جاملوه في البيع والشراء لأجل دينه، فكان علماء السلف يحتمون أو يخافون أن يكون ذلك من الأكل بالدين، فكانوا يتحرجون من ذلك. وقد سئل الإمام مالك: أتكره الرجل الفاضل أن يخرج إلى السوق فيشتري حوائجه فيحابيه الناس بفضله؟ فقال: لا، ولا بأس بذلك؟ قد كان سالم يفعل ذلك، وقرأ مالك: ﴿يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان:٧] فلأي شيء يمشون في الأسواق؟ وذكر مالك أن رسول الله ﷺ كان يمشي في الأسواق. وقال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: وإنما كره ذلك للقاضي أن يتولى بنفسه خوف المحاباة، وربما أن يميل لأجلها عن الحق، إذا رفع إليه من حاباه مكرمة، يخشى أنه إذا جامله شخص ثم كان هذا الشخص في يوم من الأيام خصماً في قضية فتتأثر نفسه بتلك المجاملة فيحابيه في الحق، فلأجل ذلك كرهوا للقاضي أن يلي شراء حاجاته بنفسه. وعن ابن الزبير قال: في قوله ﵎: ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:٢١] قال: سبيل الغائط والبول، وترون ما أنتم حتى لا تتكبروا ولا تغتروا بصوركم. يعني: هذا من صور التدبر في هذه الآية العظيمة، وإلا فإن وجوه التدبر فيها عظيمة جداً، خاصة في هذا الزمان الذي كشف فيه العلم الحديث آيات الله وبراهين توحيده في خلق الإنسان. وقال ابن الزبير: ما ينبغي لمن خرج من مخرج البول مرتين أن يفخر. وعن محمد بن أبي الورد قال: دون الفهم أغطية على القلوب، قد حجبت الفهم الذنوب والتكبر عن المؤمنين. أي: أن الإنسان ليفتح عليه في فهم آيات الله وتدبر آيات الله ﵎، ومما يحول دون الفهم والبصيرة بآيات الله أغطية تحول دون القلب ودون هذا الفهم، وهي الذنوب والتكبر على المؤمنين. وتلا قوله ﵎: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعراف:١٤٦] فجعل عقوبة الكبر صرف قلوبهم عن تدبر آيات الله ﵎. وقال إبراهيم بن أدهم: لا ينبغي للرجل أن يضع نفسه دون قدره، ولا يرفع نفسه فوق قدره. وقال ابن المبارك رحمه الله تعالى: من التواضع أن تقنع نفسك عند من هو دونك في نعمة الدنيا حتى تعلمه أنه ليس لك فضل عليه لدنياك. يعني: تضع نفسك عند الشخص الذي هو أقل منك في الدنيا وتتواضع عنده؛ حتى لا يحسبك متفضلاً عليه، وتشعر في نفسك أنك أفضل منه بسبب ما أوتيت من الدنيا، فعند الفقير تواضع له، يقول: وأن ترفع نفسك عند من هو فوقك في دنياه حتى تعلمه أنه ليس لدنياه فضل عليك. وعن إبراهيم بن عبد الله بن مسعود قال: من خضع لغني ووضع له نفسه إعظاماً له وطمعاً فيما قبله ذهب ثلثا مروءته، وشطر دينه. أي: أن نصف دينك وثلثي مروءتك يذهبان؛ لأنك تعظم الغني لأجل غناه، حتى إن العلماء الذين أباحوا القيام للقادم قالوا: إذا كان كبير السن كالأبوين مثلاً، أو إذا كان عالماً تقوم له إعظاماً لدينه، وهذه وجهة نظر عند الذين يبيحون ذلك، بغض النظر عن التحقيق في المسألة، وقالوا: لكن لا تقم لغني لأجل غناه؛ لأن هذه دنيا لا ينبغي تعظيمها، وإنما تعظم الشخص لأجل الدين. بل سئل ابن المبارك عن التواضع فقال: التكبر على الأغنياء. وهذا ليس على ظاهره، لكن لا يحمله غنى غيره وفقر نفسه على أن يتذلل ويخضع له بمجرد ذلك. وسئل الفضيل بن عياض عن التواضع فقال: يخضع للحق وينقاد له، ويقبل الحق من كل من يسمعه منه. وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: إن من أكبر الذنب أن يقول الرجل لأخيه: اتق الله! فيقول: عليك نفسك أنت تأمرني. وما شابه ذلك من العبارات التي تقال في هذا الزمان، كقول الرجل: أنا أتقي الله أحسن منك! وغير ذلك من العبارات الفظة التي يتفوه بها بعض الناس، في حين ينبغي للمؤمن أن يتبرأ من حال من إِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ. وعن يونس بن عبيد قال: كنت أذاكر يوماً مع الحسن التواضع قال: فالتفت إلينا الشيخ فقال: أتدرون ما التواضع؟! أن تخرج من بيتك حين تخرج فلا تلقى مسلماً إلا رأيت أن له عليك الفضل. هذا هو التواضع ألا تنظر للمسلمين بعين الازدراء والاحتقار، لكن لا تقع عينك إذا خرجت من بيتك على مسلم إلا وتحسب في نفسك أنه أفضل منك وخير منك. وذكر عند الحسن الزهد فقال بعضهم: اللباس، يعني: الزهد يكون في الملابس، وقال بعضهم: المطعم، وقال بعضهم: كذا، فقال الحسن: لستم في شيء، الزاهد الذي إذا رأى أحداً من المسلمين قال: هذا أفضل مني، وهذا الكلام ليس متكلفاً في الحقيقة؛ لأنك قطعاً لا تعرف عن هذا الشخص من البلوغ مثل ما تعرفه من نفسك، أنت على يقين من حال نفسك، وتعرف ما اجتنيت من الذنوب والمعاصي والمآثم، ولا تعرف عن غيرك ما تعرفه من نفسك، فينبغي أن تنظر إلى كل مسلم أن هذا عند الله أفضل منك، فهذه هي حقيقة التواضع.

стр. 1940

نماذج من تواضع السلف وفضل التواضع لقد حفلت سيرة السلف بكثير من النماذج في التواضع فهذا أيوب السختياني رحمه الله تعالى يقول: إذا ذكر الصالحون كنت عنهم بمعزل. يعني: مالي ولهم. وهذا الإمام الشافعي يقول: أحب الصالحين ولست منهم لعلي أن أنال بهم شفاعة وأكره من تجارته المعاصي وإن كنا سواء في البضاعة وهذا مالك بن دينار رحمه الله تعالى يقول: إذا ذكر الصالحون فأف لي وتف، يعني: أف لي أنا لا أستحق أن أدرج فيهم. وقال بشر غير مرة: ما أعرف أحداً أقدر أن أقول: إني أحسن عاقبة منه. يعني: نضيف هذه إلى سابقتها، بحيث إنك لا تنظر إلى أحد من المسلمين إلا وحسبت أنه خير منك؛ لأن المعاصي التي ارتكبتها تعرفها أنت جيداً، فإذا نظرت لأحد من المسلمين لا تنظر له بعين الحقارة فربما يكون أفضل عند الله منك. أيضاً خواتيم الأعمال المغيبة لا تدري كيف تكون العاقبة، فيجب أن تخاف أيضاً على عاقبة نفسك، (فإنما الأعمال بالخواتيم)، وقول بشر: ما أعرف أحداً أقدر أن أقول: إني أحسن عاقبة منه. فحتى الكافر لا تستطيع أن تقطع وتقول: أنا أحسن عاقبة منه ما لم تقيدها فتقول: إذا أنا مت على الإسلام ومات هو على الكفر؛ لأنه ربما يقلب القلب ويصرف والعياذ بالله عن الإسلام بالردة، وربما يمتن الله ويتفضل على هذا الكافر فيسلم، فتحسن عاقبته. إذاً: الخواتيم لا يعلمها إلا الله ﵎. وعن مالك بن أنس قال: قال عمر بن عبد العزيز لرجل: من سيد قومك؟ قال: أنا، قال: لو كنت كذلك لم تكنه، فإن السيد لا ينظر إلى قوم على أنه سيدهم وكبيرهم وعظيمهم. على أي الأحوال هذه جملة من الفوائد من شعب الإيمان للإمام البيهقي رحمه الله تعالى في فضيلة التواضع.

стр. 1941

وقفات حول بدعة تقسيم الدين إلى قشور ولباب هذه القضية في الحقيقة لها نوع تعلق بالقضية التي نتناولها، كنا من قبل قد شرعنا في مناقشة قضية الهدي الظاهر وبدعة تقسيم الدين إلى قشر وإلى لب كما يفعل بعض المعاصرين، وقطعنا شوطاً في هذه القضية، لكن نلخص في مرور عابر ما تكلمنا عليه من قبل.

стр. 1942

الوسطية في السنن والمباحات فكما ذكرنا يتأنق في مظهره وملابسه ويغلو في ذلك إلى حد الرعونة، نعم، صح عن النبي ﵊ أنه قال: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، قال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً، ونعله حسناً؟ فقال ﵊: إن الله جميل يحب الجمال، الكبر: بطر الحق وغمط الناس) قوله: (وغمط الناس) يعني: عدم إنزالهم منازلهم بحيث يرى في نفسه أنه أعظم من هذا فيتكبر عليه، ويحاول أن يضع من قدره، ويعامله بأقل مما يستحق من المعاملة. فحد الكبر هو بطر الحق وغمط الناس، يقول الله : ﴿وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ [الأعراف:٨٥]. ونعم صح عنه ﷺ أنه قال: (من كان له شعر فليكرمه)، وصح عنه أنه قال: (من كان له مال فلير عليه أثره)، (ولما رأى رجلاً شعثاً قد تفرق شعره، قال: أما كان هذا يجد ما يسكن به شعره) (ورأى رجلاً عليه ثياب وسخة فقال: أما كان هذا يجد ماء يغسل به ثوبه)، لكن ليس الأمر بحيث يكون شغل الإنسان الشاغل هو دهن الشعر والرأس وتسريحه عاكفاً أمام المرآة، حتى يكون هذا المظهر شغله الشاغل؛ لأن النبي ﵊ كما صح عنه وما مضى صح عنه أيضاً: (أنه كان ينهى عن الإرفاه) والإرفاه: هو كثرة التدهن والتنعم. وجاء عنه ﵊ أيضاً في الحديث الآخر: (أنه نهى عن الترجل إلا غباً)، يعني: يوم ويوم لا، بحيث لا يواظب عليه كل فترة حتى يكون شغله الشاغل. وقال ﵊: (إياكم والتنعم فإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين). وقال ابن عباس ﵄: كل ما شئت، والبس ما شئت ما أخطأتك اثنتان: ترف ومخيلة. وبين ﵊ أن من علامات الحياء من الله والرغبة في الآخرة الإعراض عن زينة الدنيا، فعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (استحيوا من الله تعالى حق الحياء، من استحيا من الله حق الحياء فليحفظ الرأس وما وعى، وليحفظ البطن وما حوى، وليذكر الموتى والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الحياة الدنيا، فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء). وندبنا أيضاً إلى التواضع في المظهر، ووعدنا عليه الأجر والكرامة، فعن معاذ بن أنس ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: (من ترك اللباس تواضعاً لله وهو يقدر عليه دعاه الله يوم القيامة على رءوس الخلائق حتى يخيره من أي حلل الإيمان شاء يلبسها)، يعني: أن الإنسان لو كان عنده ملابس نفسية وجميلة جداً وغالية جداً وامتنع عن لبسها أحياناً أو دائماً بنية استحضار هذا الحديث وهذا الثواب تواضعاً لله ، فإن الله يكافئه بأن يدعوه يوم القيامة على رءوس الخلائق حتى يخيره من أي حلل الإيمان شاء يلبسها.

стр. 1943

أوجه التناقض عند أهل القشور واللباب نحن في الحقيقة نحتاج قبل الاستطراد أن نقلب القضية ونعكس القضية على هؤلاء المفترين الكذابين، الذين يدعون إلى تقسيم الدين إلى قشر ولباب، وبالذات الملاحدة الزنادقة، أما أهل الدين فالأمر معهم أسهل وأوضح، لكن هؤلاء الذين يقسمون هذا القسمة بهدف تحطيم الدين كله، بحيث يجعلون الصلاة قشوراً وصيام رمضان قشوراً، حتى إن بعض النساء المتحررات من عبودية الله قالت: إن موضوع العقد والشهود والزواج هذه سخافات؛ لأن هذه المظاهر الجوفاء هي التي تقتل الإنسانية وتهدر كرامة المرأة، إلى آخر ما لهجت به هذه الخبيثة. إذاً: فهذه القسمة الخبيثة كما ذكرنا ينبع خطرها من أنها لا يوجد لها حد محدود، ولا يوجد تعريف معين للقشور، الموضوع عائم، وكل واحد يمكن أن يعتبر أي شيء قشراً والآخر يعتبره لباً، فبالتالي يتحطم الدين كله وينهار. فنقول: إن الدين كله لب لا قشور فيه، كله معالي لا سفاسف فيه، صحيح فيه أصول وفروع، فيه أهم ومهم، لكن ما دامت داخلة في إطار الدين فلا يجوز أبداً أن تسمى سفاسف أو قشوراً أو سخافات إلى غير ذلك. فالقشور ليست سنة النبي ﵊ وهديه، إنما القشور ما أحدثه الناس من القيم والأعراف والموازين الشكلية الكاذبة التي صارت تتحكم فيهم وتستعبدهم، وصاروا ينقادون لها كأنها شرع منزل، وإن جهد الدعاة إلى الله ينبغي أن يوجه ليصطاد هذه القشور وهذه الشكليات وهذه العادات الجوفاء. ومظاهرها كثيرة في مجتمعنا، فهذه هي التي ينبغي أن نسميها قشوراً وأن نركلها. فمنها مثلاً: ظاهرة التطوس، الطاوس معروف بخيلائه وكبره الشديد، فهو مجبول على الكبر والخيلاء، دائماً الطاوس يحب أن ينتفش ويظهر بمظهره، وبعض الطيور الأخرى أظنه الديك الرومي دائماً يحب أن يكون على مكان عالٍ مرتفع؛ لما جعل عليه أيضاً من الكبر، فنسميها ظاهرة التطوس والتشبه بالطاوس في الكبر. فترى بعض الناس ومنهم هؤلاء الذين يقولون بالقشور واللباب وهم من داخل الصف الإسلامي تراه يتأنق ويتزين في مظهره، ويفعل في نفسه أكثر مما تفعله الماشطة بعروسها، (الاستشوار) والزيوت و (الشانبوه) والبلسم والمرآة، وكل هذه الأشياء يتأنق في مظهره، وينسى آلام وجراح ومذابح المسلمين. لماذا لا تتذكر مذابح المسلمين إلا عندما تذكر بسنة النبي ﵊؟ لماذا لا تتذكرها عندما تكون أمام المرآة وتكوي ملابسك وتشتري الفاكهة وتعمل الرحلات وتتنزه وتتنعم هذا النعيم؟! لماذا تسير حياتك كلها بطريقة رتيبة، بحيث يخرج في الصباح للعمل أو للدراسة ويقضي كل مآربه في الحياة، ولا يتذكر أن المسلمين في حالة نفير عام وأن النساء تذبح، لكن إذا عرض عليه بأن يحضر درس علم قال: المسلمون يقتلون ويذبحون وأنتم تتكلمون في الفقه، نقول لهذا: لماذا لا تتذكر مذابح المسلمين وآلام المسلمين إلا عند شرع الله وعند سنة رسول الله ﵌؟!

стр. 1944

التحذير من تهوين المعاصي والاستهزاء بالسنن والواجبات لقد حذر النبي ﵌ من تهوين المعاصي واحتقارها، فعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : (قد يئس الشيطان أن يعبد بأرضكم، ولكنه رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحقرون من أعمالكم، فاحذروا أيها الناس! إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبداً كتاب الله وسنة نبيه ﷺ رواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي. وقال أنس ﵁: (إنكم لتعملون أعمالاً هي أدق في أعينكم من الشعر، إن كنا لنعدها على عهد رسول الله ﷺ من الموبقات) رواه البخاري. وجاء تفسير الموبقات المهلكات في حديث سهل بن سعد مرفوعاً، يقول ﵊ فيه: (إياكم ومحقرات الذنوب! فإن مثل محقرات الذنوب كمثل قوم نزلوا بطن واد فجاء ذا بعود وجاء ذا بعود)، وجاء في بعض الروايات: (فحضر صنيع القوم) صنيع: فعيل بمعنى المفعول، يعني: كيف ينضجون الطعام، هذا يأتي بعود وهذا يأتي ببعرة وهذا يأتي بكذا، فيقول: (فجاء ذا بعود وجاء ذا بعود حتى جمعوا ما أنضجوا به خبزهم، وإن محقرات الذنوب متى يؤخذ بها صاحبها أهلكته). أخرجه الإمام أحمد بسند حسن كما قال الحافظ. وعن أم المؤمنين عائشة ﵂، أن النبي ﷺ قال لها: (يا عائشة إياك ومحقرات الذنوب فإن لها من الله طالباً) صححه ابن حبان. وعن عبادة بن قرط ﵁ قال: إنكم لتأتون أشياء هي أدق في أعينكم من الشعر، كنا نعدها على عهد رسول الله ﷺ من الموبقات، فذكروا قول عبادة بن قرط لـ محمد بن سيرين فصدقه، قال: صدق. وقال ابن سيرين: أرى جر الإزار منه، يعني: من الموبقات؛ لما جاء فيه من الوعيد الشديد، والناس يعدونه من الصغائر لفرط جهلهم وذنوبهم. فهذا أنموذج من نماذج القضايا التي دائماً يضرب بها المثل إذا أرادوا الاستهزاء بمن يستمسك بالهدي الظاهر، ليس عندهم شيء يتذكرونه غير السواك، والثوب القصير، واللحية، وحمل كتب العلم الشرعي، فأصبحت هذه طرفاً ونكتاً وشيئاً يضحكون بها الناس، حتى إن بعض المستهترين قاموا بتمثيل مسرحية يسمونها إسلامية في إحدى الكليات منذ سنوات، وأتوا بشخص يظهر بصورة تسيء للشخص الملتزم، ومع الأسف هم ممن ينتمون إلى العمل الإسلامي، فأتوا بواحد ولبسوه قميصاً قصيراً ومعه السواك والكتاب واللحية والعمامة إلى آخره، وأتوا به بصورة شبيهة تماماً بما يفعله الجماعة في الأفلام والمسرحيات في السخرية من المشايخ وأهل الدين، حضر هذا الملتزم بالسواك فأتى وقال: (عنتر شايل سيفه) يعني: يسخر من السواك. فهذا يحصل من الناس الذين ينتسبون إلى الدين وإلى الدعوة الإسلامية؛ لعدم تنبيههم إلى خطورة هذا الأمر، وهذا التنقص والاستهزاء من سنة النبي ﵊ يخشى على فاعله الكفر والردة والعياذ بالله؛ لأن الاستهزاء والسخرية لا عذر فيه بالجهل؛ لأنه لا يوجد مسلم يجهل تعظيم رسول الله ﵊ ولا تعظيم سنته، فمن فعل ذلك على سبيل الاستهزاء والسخرية يخشى عليه الردة والعياذ بالله! وقد جاء عن الشريد ﵁: (أن النبي ﷺ تبع رجلاً من ثقيف حتى هرول في أثره، حتى أخذ بثوبه فقال: ارفع إزارك قال: فكشف الرجل عن ركبتيه، فقال: يا رسول الله إني أحنف وتصطك ركبتاي) يعني: فيه نوع من الحنف أو الميل في ساقيه، كما يكون عند الأطفال المصابين بالكساح أو لين العظام، فهو يستحي أن يراه الناس على هذا المظهر. فقال رسول الله ﷺ : (كل خلق الله حسن، قال: ولم ير ذلك الرجل إلا وإزاره إلى أنصاف ساقيه حتى مات). وعن عمرو بن فلان الأنصاري ﵁ قال: (بينما هو يمشي قد أسبل إزاره إذ لحق به رسول الله ﷺ وقد أخذ بناصية نفسه وهو يقول: اللهم عبدك وابن عبدك وابن أمتك فقال: عمرو فقلت: يا رسول الله! إني رجل حمش الساقين -يعني: دقيق الساقين- فقال: يا عمرو! إن الله قد أحسن كل شيء خلقه، وضرب رسول الله ﷺ بأربع أصابع من كفه اليمنى تحت ركبة عمرو فقال: يا عمرو! هذا موضع الإزار، ثم رفعها، ثم وضعها تحت الثانية، فقال يا عمرو: هذا موضع الإزار) يعني: إما أربع أصابع أو ثمانية. كذلك من أعجب المواقف في ذلك: موقف أمير المؤمنين عمر رضي الله ﵎ عنه، وهذا الموقف حصل معه في سياق مصيبة هي من أعظم المصائب التي تمر على الجبلة: والموت أعظم حادث فيما يمر على الجبلة كان عمر في أحرج لحظات حياة أي إنسان، وهي لحظة فيضان الروح وخروجها والانتقال إلى الدار الآخرة، يقول ابن مسعود ﵁: دخل شاب على عمر بعدما طعن عمر ﵁ فجعل الشاب يثني عليه. لأن السنة أنك إذا حضرت من أيس من حياته وأشرف على الموت أن تثني عليه فتذكره بأعماله الصالحة؛ لأن التخويف والزجر للشخص المحتضر يؤدي به إلى القنوط من رحمة الله، وقد يموت وهو سيئ الظن بالله والعياذ بالله، والله تعالى يقول: (أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء). لكن الآن في هذا الوقت عليك أن تعظم رجاءه، وتذكره بنصوص الرجاء في الكتاب والسنة، وتذكره بأعماله الصالحة، كنت تفعل كذا وكنت تفعل كذا حتى يقبل على الله وهو حسن الظن به، فجعل الشاب يثني على أمير المؤمنين رضي الله ﵎ عنه، فلما أراد هذا الشاب الانطلاق رآه عمر يجر إزاره، فـ عمر وهو في سياق الموت قال له: يا ابن أخي! ارفع إزارك؛ فإنه أتقى لربك، وأنقى لثوبك، قال: فكان عبد الله يقول: يا عجباً لـ عمر! إن رأى حق الله عليه فلم يمنعه ما هو فيه أن يتكلم به، وفي رواية: فلما أدبر إذا إزاره يمس الأرض قال: ردوا علي الغلام. وفي الحديث الذي رواه ابن أبي شيبة: (أن رجلاً من المجوس جاء إلى النبي ﷺ وقد حلق لحيته وأطال شاربه، فقال له النبي ﷺ : ما هذا؟ قال: هذا ديننا، قال رسول الله ﷺ : لكن في ديننا أن نحفي الشوارب وأن نعفي اللحية). وعن يحيى بن أبي كثير قال: (أتى رجل من العجم المسجد وقد وفر شاربه وجز لحيته، فقال له رسول الله ﷺ : ما حملك على هذا؟ فقال: إن ربي أمرني بهذا -يعني: كسرى- فقال ﵊: إن الله أمرني أن أوفر لحيتي وأحفي شاربي). ولما كتب النبي ﷺ إلى كسرى يدعوه إلى الإسلام، وبعث بالكتاب عبد الله بن حذافة ﵁ فدفعه عبد الله إلى عظيم البحرين، ودفعه عظيم البحرين إلى كسرى، فلما قرأه كسرى مزقه، فدعا عليه رسول الله ﷺ أن يمزق كل ممزق، وبعد أن شق كتاب رسول الله ﵊ كتب إلى باذان واليه على اليمن أن ابعث إلى هذا الرجل الذي بالحجاز رجلين جلدين يأتيان به، فبعث باذان قهرمانه وهو بابويه وكان كاتباً حاسباً مع رجل من الفرس، أرسلهما حتى يقبضا على النبي ﵊ ويحضراه إلى هذا الخبيث كسرى لعنه الله، فجاءا حتى قدما المدينة على رسول الله ﷺ ، ولما دخلا عليه وقد حلقا لحاهما وأعفيا شواربهما فكره رسول الله ﷺ النظر إليهما، التفت وكره أن تقع عينه عليهما، وقال: (ويلكما! من أمركما بهذا؟ قالا: ربنا أمرنا بهذا -يعني: كسرى- فقال ﵊: ولكن ربي أمرني بإعفاء لحيتي وقص شاربي، وقال لهما رسول الله ﷺ : إن ربي قتل ربكما الليلة)، سلط عليه ابنه شيرويه فقتله، فرجعا حتى قدما على باذان. على كل حال فليستحضر هذا الذي يستهين بالهدي الظاهر أنه بحضرة رسول الله ﷺ ، وأنه أمره بشيء من هذه الأشياء التي يسميها القوم قشوراً، هل كان سيتجاسر أن يتقدم بين يديه أو يرفع صوته معترضاً عليه؟ لا شك أن أي مسلم أو مؤمن رضي بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد ﷺ رسولاً سيقول له: حباً وكرامة وسمعاً وطاعة يا من أفديه بأبي وأمي. فكذلك ينبغي أن يفعل المسلم مع سنته ﷺ بعد وفاته، فهذا واجبنا مع سنته إذا لم ندرك صحبته أن نعظم ما عظم، ونرفع ما رفع ﵌.

стр. 1945

الرد على من يصنعون الشبهات في احتقار الطاعات هناك أناس في هذا الزمان يتقنون صناعة الشبهات وضرب الأمثال، فيحلم الكثير من هؤلاء أن يتصدوا لكل من يدعو أو يشتغل بالقضايا العملية، أو الجانب الذي يسمونه جانب القشور والمظاهر، حتى بلغ الاستخفاف من بعضهم أنه استهزأ بأبواب فقهية، ألا تسمعون بين الحين والآخر بالذين يقلدون الخميني أشعل الله قبره عليه ناراً، الخميني الذي كان يسخر من علماء أهل السنة والجماعة ويقول: علماء الحيض والنفاس. كررها بعض الخطباء ممن ينتسبون زوراً لأهل السنة بنفس العبارة، يرددون كالببغاوات ما لا يعون ولا يفهمون، فيسخرون من إخوانهم طلبة العلم والمشايخ فيقولون: علماء الحيض والنفاس، حيث قال بعض هؤلاء المشايخ، وسمعته بنفسي في القاهرة منذ سنوات، قال: متى تخرجون من فقه دورة المياه وفقه المراحيض؟ سخرية واستهزاءً بفقه الطهارة. فموضوع القشر واللب لا يقف عند حد وليس له ضابط، فيؤدي إلى التحلل تماماً من الدين، وكما ترون الذي سماه أبوه أحمد بهاء الدين في يوم من الأيام قال: هؤلاء الأمريكان صعدوا على القمر ونحن ما زلنا نناقش: هل ربا البنوك حلال أم حرام؟ يعني: هؤلاء يهتمون بالقشور في حين صعد هؤلاء إلى القمر. فهذه عبارة خبيثة المقصود منها التهوين من شأن هذه القضايا، وهناك نماذج كثيرة جداً ولا نقصد حصرها، فهم ينكرون على من يتكلم في القضايا العملية أو التي يسمونها قضايا قشرية، سواء جاء كلام هذا الشخص ابتداء، أو جاء كلامه إجابة لسائل يسأل، فيثيرون الدنيا ويقيمونها: هؤلاء يتكلمون في قضايا والمسلمون يذبحون والمسلمون كذا وكذا وكذا، وسيأتي الجواب على هذا كله إن شاء الله تعالى. يقولون: ينبغي أن تتجه همة المسلمين الآن إلى الأمور الخطيرة والأمور الجليلة التي تهدد كيانهم، أما الاشتغال بالفقه وبالعلم وبالعقيدة وبتصحيح المفاهيم، كل هذا اشتغال بما لا يجدي، وهذا تضييع للوقت، هيا نقيم أولاً دولة الإسلام، ثم بعد ذلك ننشغل بالعلم وغيره. إن لم يكن معك علم فماذا تفعل لابد أن تتخذ موقفاً وإلا سترتكز على أساس من الجهل، كما يقول بعض الناس: أنت سلفي، سلفية علم أم سلفية جهل؟ ما الذي يقابل سلفية العلم؟ سلفية الجهل. فالشاهد أن العلم لا يضلك أبداً، بل يهديك ويبين لك الطريق. فهم يقولون شبهات فارغة ساقطة تلبس على الناس أمر دينها، وكما ذكرنا من قبل إن كان الكلام على قضايا يسيرة من أمور الهدي الظاهر وليس له خطام ولا زمام فسوف ينجر الكلام بعد ذلك إلى كل أحكام الشريعة التي لا توافق أهواء الناس، بحيث إذا تواضعنا على هذه المقولة وقبلناها لا يبقى بعد ذلك مجال للدعوة إلى اجتناب الحرام أو تعظيم شعائر الدين، وتصبح الشريعة ألعوبة في يد المنحرفين عن أحكامها. يعظم أحدهم ما يحتقره الآخر ويحتقر الآخر ما يعظمه الأول، فأخطار هذا المنهج وتداعياته قد يمتد زحفها في الطريق حتى يطال قضايا العقيدة والتوحيد، حتى تصبح هي أيضاً من القشور التي تفرق المسلمين، فماذا يبقى إذاً من الإسلام إذا تهاونا إلى هذا الحد؟!

стр. 1946

لكل قوم قشرتهم نحن بشر لنا أجساد، ومقتضى ذلك أن لنا مظهراً مادياً محسوساً، ولسنا أرواحاً لطيفة ولا أطيافاً عابرة، والمظهر شديد الارتباط بالجوهر، وقد جعلت الشريعة الإسلامية الحنيفية تميز الأمة الإسلامية في مظهرها عمن عداها من الأمم مقصداً أساسياً لها. بل إن كل أهل ملة ودين يحرصون على مظهرهم باعتباره معبراً عن خصائص هويتهم، وآية ذلك أنك ترى أتباع العقائد والديانات يجتهدون في التميز والاختصاص بهوية تميزهم عن غيرهم، وتترجم أفكارهم أو ترمز إلى عقيدتهم. فإن كنا نقول للكفار: لكم دينكم ولنا ديننا، فنقول في هذا الاصطلاح الحادث مع شيء من التنزل: لكم قشرتكم ولنا قشرتنا؛ لأن الإنسان لابد له من قشرة، فإن لم يحمل صبغة الله وقشرة المسلمين فلابد أن يتغطى بقشرة الكافرين، وهذا أوضح ما يكون، هذا الشعار: لكم قشرتكم ولنا قشرتنا أوضح ما يكون عند عامة اليهود الذين يتميزون بطاقيتهم ولحاهم وأزيائهم الدينية، وفي المتدينين من النصارى الذين يعلقون الصليب، وفي السيخ والبوذيين وغيرهم، أليس هذا كله تميزاً صادراً عن العقيدة ومعبراً عن الاعتزاز بها؟! ألا ترى التاجر النصراني -رغم أن الجهر بالصليب أو بالصور التي يعلقونها قد تدفع بعض الزبائن من المسلمين إلى عدم الشراء منهم- يتحدى ويظهر ما يعبر عن عقيدته سواء بالصليب أو الوشم الذي يفعلونه أو الصور التي يعلقونها، أليست هذه كلها تعبيراً عن اعتزازهم بهذه العقيدة وإصرارهم على التمسك بها؟! فإذا كانت هذه المظاهر كالصليب وطاقية اليهود وغير ذلك من شعائر الوثنيين هي صبغة الشيطان التي كسا بها أهل ولايته من أهل الضلال والكفران، فكيف لا نستمسك نحن بصبغة الرحمن التي حبانا بها وقال فيها : ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ [البقرة:١٣٨]؟! إن أهمية هذا الموضوع ليس بالحجم اليسير الذي يتخيله بعض الناس، وإلا فلماذا هم يقولون: لا تشتغلوا بالمظاهر واشتغلوا بالجوهر، ولا تهتموا بالشكليات والقشور واهتموا باللب والمضامين؟! نقول: إذاً لماذا أنتم تشغلون أنفسكم بمظهرنا؟ مع أننا لا ندعوهم ولا نقول لهم: التحوا ولا افعلوا، غاية ما في الأمر مجرد أن يراك بشكلك هذا يثور ويهيج ويقول: المهم الجوهر، وأنت لم تقل له شيئاً ولا دعوته، رغم أنه من حقك أن تدعوه بل ومن واجبك أحياناً، ومع ذلك فهو الذي يهتم بالمظهر في الحقيقة، وهو الذي يعطيه هذا الحجم الكبير، لماذا تشن الحروب الإستراتيجية على المظاهر الإسلامية كاللحية والحجاب وغير ذلك من المظاهر، لماذا تشن عليها هذه الحروب المنظمة؟ حتى إنه لتعقد من أجلها برلمانات وتصدر قرارات وتجيش الجيوش لهذا، ونحن أصحاب البيت كما يقول الشاعر: أحرام على بلابله الدوح حلال للطير من كل جنس كل دار أحق بالأهل إلا في خبيث من المذاهب رجس هذه ديارنا وهذا ديننا فمالكم تجزعون هذا الجزع؟ لماذا تهتمون بالمظاهر؟ افترضوا أننا لم ندعوكم إليها، لماذا تجزعون هكذا؟ فمن الذي يهتم بالمظهر؟! اتقوا الله يا غواة قليلاً واخلعوا العار عنكم والشنارا فهل كل هذا من أجل أنها قشور؟ كلا، بل لأنهم يدركون ما لهذه المظاهر من دلالة عميقة، ويدركون أنها تعبير عن الصمود والثبات على الدين، تصبغ المجتمع بصبغة غير التي ترضي أعداء الله ﵎. فمثل هذا التمسك بالشعائر الإسلامية، كالأذان وصلاة العيد وصلاة الجماعة والزي الإسلامي، كل هذه عبارة عن تعبيرات للتحدي لمحاولات التذويب والتمييع، فهذه هي عبارة عن صفعة توجه لمؤامرة استلاب هوية هذه الأمة كمقدمة لإذلالها ولاستعبادها. فمن يتخلى عن القشرة الإسلامية سيتغطى ولابد بقشرة دخيلة مغايرة لها؛ لأن كل لب لابد له من قشر يصونه ويحميه، فالسؤال الآن: إذا كان لابد لنا من قشر لماذا يرفضون قشرة الإسلام ويرحبون بقشرة غيره؟ لماذا يأكلون مثلاً بالشمال ويحلقون اللحى ويلبسون النساء أزياء من لا خلاق لهن، ويلبس بعضهم في بعض البلاد القبعة وغير ذلك من المظاهر التي يقتبسونها عن أعداء الله ﵎؟! لأنهم تخلوا عن قشرة الإسلام ولابد من قشرة للب، فاكتسوا بهذه القشرة التي هي صبغة الشيطان. يقول بعض السلف: دعوا السنة تمضي لا تعرضوا لها بالرأي. يعني: لا تعرضوا لها بالآراء والأهواء، اتركوا لها الطريق سهلاً ميسوراً كي تمر، لا تضعوا أمامها المتاريس والعقبات كي تعوقوها عن المضي.

стр. 1947

موضوع القشور ليس له حد في مفهوم من ابتدعه لقد لفتنا حال سلفنا الصالح رضي الله ﵎ عنهم إلى ضرورة التميز في الظاهر والباطن عمن خالفنا في الدين، بل تكلمنا من قبل على قضية القشر هذه، وبينا أن القشر كلام عام ما له حد محدود، واجتهدنا في أن نحاول أن نستخرج لهذا المصطلح الدخيل وهذه القسمة الباطلة حداً معيناً فما وجدنا لها حداً محدوداً. فالقشر مثلاً بعض الناس قد يرى أن العمامة أو القميص من القشور، والبعض الآخر يرى أن القشور هي مثلاً في اللحية والحجاب، والبعض الآخر سيرى الصلاة والصيام والحج قشوراً كما فعل مسيلمة الكذاب، لما وضع عنهم الصلاة وقال لهم: ليس هناك داع للسجود والركوع وهذه المظاهر، والله لا يصنع بتعفير وجوهكم شيئاً، اذكروا الله في أي حال. فإذاً: موضوع القشور لم يقف عند حد، ولم يقتصر على مجرد الهدي الظاهر، لكن الزنادقة والملاحدة يريدون أن يجعلوا كلمة القشور هذه قنطرة حتى يقضوا بها على كل أحكام الإسلام، بحيث لا يبقى منه غير الجانب الوجداني الذي يحبس في الصدور وفي حنايا القلوب. ذكرنا من قبل أننا حتى لو قبلنا تقسيم الدين إلى قشر ولب، هل القشرة خلقها الله عبثاً أم أن لها فائدة؟ لو تخيلت مثلاً البطيخ بدون القشرة الخارجية، والبرتقال بدون القشرة، وأي شيء من هذه الثمرات الذي جعل الله لها قشرة، هل القشرة خلقت بلا فائدة؟ حتى لو أعملنا القياس الذي ابتدعوه فلا شك أن الله خلق القشرة لحكمة، وهي المحافظة على المضمون، كذلك نفس الشيء إذا سمى الهدي الظاهر قشرة فليس بعبث، وإنما وراءه حكمة عظيمة، وهي المحافظة على ما بداخل هذا القشر وهو المضمون. ومن أجل ذلك نراهم تزين لهم شياطينهم وتسول لهم أنفسهم أن الحجاب هذا قشور، وأن العفة شيء في نفس المرأة ليس له علاقة بالملابس، فإذا خرجت المرأة متبرجة بالمناظر القبيحة المعروفة على الشواطئ وغيرها من الأماكن فلا بأس عندهم؛ لأنهم يقولون: المهم النية مادام أن قلبي طاهر فلا يضرني هذا في شيء، فالقضية أخطر من أن يقفز إلى أذهاننا أن موضوع القشر واللب يقف عند حد، هو يزحف حتى يشمل أمور الدين كلها وشعائر الإسلام والهدي الظاهر، فهذه القشرة التي تحمل وتعبر عن الهوية الإسلامية المتميزة هي ما أسماه علماؤنا رحمهم الله تعالى بالهدي الظاهر، وأفاضوا في بيان خطر ذوبان الشخصية المسلمة وتميعها. فما يشيع على ألسنة الناس من قولهم: إن العبرة بالجوهر لا بالمظهر، هذا فيه مغالطة جسيمة وخداع كاذب؛ لأن الجوهر لا ينفك عن المظهر، والظواهر هي المعبرة عن المضامين، وأولى بنا بدل أن نستدل بقولهم: العبرة بالجوهر لا بالمظهر، أن نستدل بقولهم: الإناء بما فيه ينضح. فالقضية قضية مبدأ، ليست قضية أمور شكلية أو مظهرية، وقد أكثر العلماء في مصنفاتهم من الكلام على قضية التشبه بالكفار وخطرها على الإيمان والعقيدة، وفي ذلك كتاب رائع نفيس لشيخ الإسلام ابن تيمية وهو: (اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم).

стр. 1948

أقسام من ينادي بتقسيم الدين إلى قشر ولب إن بدعة تقسيم الدين إلى قشر وإلى لب يتنادى بها فريقان من الناس، فريق من الطيبين المسلمين المخلصين الذين يريدون الخير، لكن يخطئون الطريق إليه ويضلون الطريق إليه، فهم يريدون تقسيم الدين إلى قشر وإلى لب، يعني: جوهر ومظهر، وهدفهم من ذلك أن يهتموا باللب وبالقضايا العظيمة والكبيرة مع إهمال هذا الذي أسموه قشراً، وهذا يقتضيه حسن الظن بهؤلاء. أما الآخرون من الملاحدة وأعداء الدين فهم الذين يقسمون الدين إلى قشر وإلى لب وإلى مظاهر وجواهر ونصوص وأرواح، هؤلاء هدفهم خبيث، هم لا يريدون كما يريد الفريق الأول الاهتمام باللب أو بالقضايا الكبيرة، لكنهم يريدون تحطيم كل شيء، لكنها عملية التدرج واستدراج المسلمين في الانحلال من دينهم رويداً رويداً. إن الهدف من هذه العبارات وأمثالها خاصة في هذا الزمان وفي ظل المحنة التي نعيشها هو كما ذكرنا تزهيد الناس في التمسك بهدي رسول الله ﷺ ؛ ذلك الهدي الذي سولت لهم شياطينهم وطوعت لهم أنفسهم أن يسموه تطرفاً وتزمتاً ورجعية وتعصباً وإرهاباً إلى آخره، مع أن الله يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:٢١] وقال : ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف:١٥٨]، وقال ﵎: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران:٣١]. حينما نردد بين الحين والآخر هذا الشعار المقدس في بداية كلامنا، ليس كلاماً نكرره دون أن نتمعن فيه ونتدبره، بل إننا نقصد المعنى العظيم الذي يرمي إليه هذا الشعار المقدس الذي هو: خير الهدي هدي محمد ﷺ . هذه ليست كلمة تحفظ بدون معنى، وتقال في بداية بجهل، وما صدرها رسول الله ﷺ في خطبة الحاجة إلا كي تكون ميزاناً بين يدي كل كلام نقوله، وبين كل حاجة نريد قضاءها، فنحن نستحضر كلما رفعنا عقيدتنا بهذا الشعار المقدس: خير الهدي هدي محمد ﷺ ، ونعتز بهذا الهدي ونستعلي به على كل طريقة تخالفه أو تنحرف عنه كائناً من كان ذلك الشخص الذي ينحرف ويحيد عنه. فالتمسك بهدي رسول الله ﷺ بدون تجزئة سواء كان ظاهراً أو باطناً، أصولاً أو فروعاً أو كما سموها قشراً ولباباً أو غير ذلك، فالتمسك بهذا كله ما هو إلا مرآة تعكس ما يعمر قلوب متبعيه ﵊ من حبه وتعزيره وتوقيره. فما يتنادى به بعض هؤلاء المرجفين لا يعدو أن يكون جهلاً بالشرع، أو ضرباً من العبث والتحلل من البعض الآخر، أو سوء نية وخبث طوية من هذا البعض الآخر.

стр. 1949

هدف أعداء الدين من تقسيم الدين إلى قشر ولباب إن موضوع القشر واللب والنص والروح، والجوهر والمظهر، هذه في الحقيقة تقاسيم مبتدعة محدثة لم يعرفها السلف الصالح رضي الله ﵎ عنهم، بل هو شعار ومبدأ باطنه فيه الرحمة لبعض الناس وظاهره من قبله العذاب، ومن أجل هذا التمويه وهذا التزييف انخدع به بعض الطيبين الذين ابتلعوا هذا الطعم واستحسنوه، بل صاروا يروجون له دون أن يدركوا أن هذا قناع نفاقي قبيح، وأنه من لحن قول العلمانيين من أعداء الدين الذين يتخذونه قنطرة يهربون عليها من الالتزام بشعائر وشرائع الإسلام، يريدون أن يتحللوا من الدين دون أن يخدش انتماؤهم إلى هذا الدين، فيأتون بمثل هذه الشعارات. تتوقف القضية بالفعل عند حسن النية من المسلمين المخلصين عند إهمال ما أسموه قشراً لأجل التركيز على ما ادعوه لباً، لكن حزب المنافقين الحريصين على اقتلاع شجرة الإسلام من جذورها هي عندهم مجرد مدخل لأجل نبذ اللب والقشر معاً تماماً، كما يرفعون شعار الاهتمام بروح النص وعدم الوقوف والجمود عند منطوقه، نقول: هذا كلام طيب وكلام لا بأس به إذا تعاطاه وطبقه الأسوياء، لكنه خطير غاية الخطورة إذا رفعه أصحاب العاهات الفكرية والنفسية والمشوهون عقدياً؛ لأن مقصودهم في الحقيقة ليس مسألة روح ونص، وإنما مسألة إزهاق روح النص واطراح منطوقه ومفهومه، أو توظيفه بتحريفه عن مواضعه لخدمة أهدافهم الخبيثة. هؤلاء يريدون ديناً ممسوخاً كدين الكنيسة العاجزة المعزولة عن الحياة، يسمح لأتباعه بكل شيء مقابل أن يسمحوا هم له بالبقاء حياً، حتى ولو على هامش الحياة، بحيث يكون محبوساً في الأقفاص الصدرية، لا يترك أي بصمة على واقع الناس ومجتمعاتهم، إنهم في الحقيقة يريدون هذا الشعار: ﴿أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣٢ - ٣٣]، ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٢١]. ذكرنا من قبل أن تفسير قوله تعالى في صدر الرد على هذه البدعة والضلالة وهو قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة:٢٠٨]، قلنا: إن السلم هنا معناه الإسلام، وليس المقصود السلام كما يذهب إليه بعض الناس. يعني: هذا أمر بالتزام جميع شرائع الإسلام بحيث لا يفرق بين شريعة وشريعة وبين حكم وحكم. والمراد هنا بالسلم شعب الإسلام. (وكافة) حال، يعني: ادخلوا أيها المسلمون المؤمنون بمحمد ﷺ في كل شعب الإيمان ولا تخلوا بشيء من أحكام الإسلام والإيمان.

стр. 1950

قيمة الرجال بجوهرهم لا بمظهرهم لقد علمنا النبي ﷺ أن قيمة الرجال بجوهرهم لا بمظهرهم، ونحن لا نقول هذا الكلام من أجل أن نقول للناس: انفشوا شعركم، والبسوا الثياب القذرة، أو تعمدوا لبس الثياب البالية، أو من كان عنده ثوب جديد فليمزقه وليصنع فيه الرقع، لا نقول هذا، لكن السياق الذي نتكلم فيه أن هؤلاء يشتغلون تماماً بمظاهر قشرية جوفاء ويغلون في ذلك، وينكرون على من يتمسك بسنة النبي ﷺ ، بل يزدرون إخوانهم إذا كانوا أولاً فقراء، أو يتزهدون في لباسهم، أو يلبسون ثياب المتواضعين المخبتين إلى ربهم ﵎. فقيم الإسلام وهدي النبي ﵊ ألا نعطي المظاهر هذا الحد من الاهتمام، وهذه القشور هي التي ينبغي التحذير منها لا الأمور التي يقصدون التنفير منها. ومما علمناه رسول الله ﷺ أن قيمة الرجال بجوهرهم لا بمظهرهم بأعمالهم لا بأجسامهم. فهذا أبو هريرة ﵁ يروي عن النبي ﷺ أنه قال: (رب أشعث أغبر مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره) رواه مسلم. يعني: ما أكثر ما تجد رجلاً أشعث أغبر لا يلبس الثياب النفيسة ولا هو كذا وكذا وكذا، بل شعره متفرق وعليه الغبرة من التراب، والناس يزهدون في لقائه وفي دعوته إلى بيوتهم، بل يدفع عن الأبواب، لكنه في ميزان الله وعند الله من أعظم أولياء الله، بحيث لو أقسم على الله لأبر الله قسمه؛ وذلك لعظم مكانه عند الله، ولأنه تزين بزينة الدين لا بزينة الدنيا، تزين بالخشوع والإخبات والتقوى والبر لا بالمظهرية الجوفاء. فهذه هي موازين الإسلام ومن حاد عنها فهو المنحرف والمتطرف، فعن سهل بن سعد الساعدي ﵁: (أن النبي ﷺ مر عليه رجل فقال: ما تقولون في هذا؟ -وكان رجلاً جلداً قوياً مفتول العضلات، حسن الثياب والمظهر- قالوا: حري -أي: جدير- إن خطب أن ينكح، وإن شفع أن يشفع، وإن قال أن يستمع، ثم سكت فمر رجل من فقراء المسلمين، فقال ﷺ ما تقولون في هذا؟ قالوا: حري إن خطب ألا ينكح، وإن شفع ألا يشفع، وإن قال ألا يستمع، فقال رسول الله ﷺ : هذا خير من ملء الأرض مثل هذا) رواه البخاري. يعني: هذا خير من ملء الأرض مثل هذا الغني الأول.

стр. 1951

حقيقة الرجال هذا الشاعر المخضرم: العباس بن مرداس أمه الخنساء الشاعرة المعروفة، وهذا أدرك الجاهلية والإسلام، وأسلم قبيل فتح مكة، وكان من المؤلفة قلوبهم يقول: ترى الرجل النحيف فتزدريه وفي أثوابه أسد هصور ويعجبك الطرير فتبتليه ويخلف ظنك الرجل الطرير فما عظم الرجال لهم بفخر ولكن فخرهم كرم وخير بغاث الطير أكثرها فراخاً وأم الصقر مقلاة نزور ضعاف الطير أطولها جسوماً ولم تطل البزاة ولا الصقور لقد عظم البعير بغير لب فلم يستغن بالعظم البعير يصرفه الصبي بكل وجه ويحبسه على الخسف الجرير وتضربه الوليدة بالهراوى فلا غير لديه ولا نكير فإن أك في شراركم قليلاً فإني في خياركم كثير يقول: ترى الرجل النحيف فتزدريه. أي: أن النحيف مظهره رث. قوله: وفي أثوابه أسد مزير. المزير: هو العاقل الحازم يقال: مزر الرجل مزاره إذا اشتد قلبه وقوي. قوله: ويعجبك الطرير فتبتليه. الطرير: هو الشخص ذو المنظر والرواء والهيئة الحسنة، وترى منظره يعجبك، فتبتليه وتحتاجه تفتش وراء هذه الثياب وهذا المظهر. ويخلف ظنك الرجل الطرير. أي: يكون إنسانا تافهاً. قوله: فما عظم الرجال لهم بفخر ولكن فخرهم كرم وخير يعني: هذا هو الذي يفتخر به الرجال الكرام ليس بالهيئة وبالعضلات وبالمظاهر، لكن بالكرم وبالخير والخصال الجميلة. قوله: بغاث الطير أكثرها فراخاً. البغاث: الضعاف من الطير الذي لا يستطيع أن يصطاد. قوله: وأم الصقر مقلاة نزور يعني: هي التي تضع واحداً فقط ثم لا تحمل بعد ذلك فهي نزور بمعنى قليل. قوله: ضعاف الطير أطولها جسوماً ولم تطل البزاة ولا الصقور البازي والصقر أقوى، قوله: لقد عظم البعير بغير لب. يعني: الجمل يكون حجمه ضخماً جداً وكذلك الفيل. قوله: فلم يستغن بالعظم البعير يعني: هل نفع البعير أن جسمه ضخم، وأن منظره ضخم؟ ماذا يحصل للبعير؟ قال: يصرفه الصبي بكل وجه يعني: الطفل الصغير يتحكم فيه؛ لأنه إنسان عنده عقل يتحكم بهذا الجسم الضخم ويسخره. قوله: ويحبسه على الخسف الجرير. يحبسه على الذل، والجرير: هو الحبل. قوله: وتضربه الوليدة بالهراوى. يعني: بالعصي. فلا غير لديه ولا نكير. فإن أك في شراركم قليلاً فإني في خياركم كثير وهذا الإمام النووي رحمه الله تعالى وهو شيخ الإسلام كان إذا رآه الرائي ظنه شيخاً من فقراء سكان القرى، فلا يأبه له، ولا يخيل إلى ذهنه أن الإمام النووي شيء يذكر، فإذا سمعه يدرس أو يقرر أو يحدث فغر فاه من التعجب، أهذا الرجل الذي رأيته من قبل واحتقرته بسبب رثاثة هيئته وتواضعه ومنظره البسيط يتكلم الآن بهذا الكلام؟! فهو عندما يحدث ويناظر ويقيم الحجج تنكشف شخصيته عن جوهر زكي وعبقرية نادرة في العلم والزهد والتقوى، ولا عجب فالتراب مكمن الذهب، ولكن الناس في كل زمان ومكان يغرهم حسن الهيئة وجمال الهندام، فإذا رأوا من هذا صفته وقروه وعظموه قبل أن يعرفوا ما وراء هذه البزة، وقد يكون فيها نخاع ضامر، وفكر بائر، وقلب حائر. ترون بلوغ المجد أن ثيابكم يلوح عليكم حسنها وبصيصها وليس العلى دراعة ورداؤها ولا جبة من شية وقميصها ويقول الآخر: ليس الجمال بمئزر فاعلم وإن رديت بردا إن الجمال معادن ومحاسن أورثن مجدا

стр. 1952

ترفع الشافعي عن القيم التافهة والشكليات الكاذبة هذا الإمام الشافعي رحمه الله تعالى يقول: مبيناً أنه يعرف قدر نفسه، ولا يهتز لهذه القيم التافهة والحقيرة والشكليات الكاذبة، فهذه هي القشور أن يحكم على الإنسان من ملابسه بهذه الشكليات. يقول الشافعي رحمه الله تعالى: علي ثياب لو يباع جميعها بفلس لكان الفلس منهن أكثرا وفيهن نفس لو تقاس بمثلها نفوس الورى كانت أعز وأكبرا وما ضر نصل السيف إخلاق غمده إذا كان عضباً حيث وجهته برى يعني: العبرة بالجوهر لا بالمظهر، هذه هي القشور التي ينبغي ألا نهتم بها، يقول: لو جمعتم ثيابي كلها ونظرتم كم تساوي فإنها لا تساوي فلساً، لكن داخل هذه الثياب نفس أبية عظيمة لو قيست بكل نفوس الخلق كانت أعز وأكبر، وهذا ليس كبراً، وإنما هذا من معرفة المرء نفسه، بل هذا قليل جداً في حق الشافعي ابن عم رسول الله ﷺ قوله: وما ضر نصل السيف إخلاق غمده. يعني: السيف لا يضره أن يكون الغلاف من الجلد خلقاً إذا كان السيف حاداً يقطع ويحصد الرءوس حصداً، فنفس الشيء العبرة بما في داخل هذه الثياب وليس في هذه المظاهر والقشور، هذه هي القشور التي ينبغي أن ننبري لمحاربتها وتصحيح مفاهيم الناس فيها. وما ضر نصل السيف إخلاق غمده إذا كان عضباً حيث وجهته برى

стр. 1953

نحن قوم أعزنا الله بالإسلام عن ابن شهاب قال: (خرج عمر بن الخطاب ﵁ إلى الشام ومعنا أبو عبيدة بن الجراح ﵁، فأتوا على مخاضة -أي: بركة ماء أو بحيرة ماء- وعمر على ناقته، فنزل عنها وخلع خفيه ووضعهما على عاتقه، وأخذ بزمام ناقته فخاض بها المخاضة، فقال أبو عبيدة: يا أمير المؤمنين! أأنت تفعل هذا، تخلع خفيك وتضعهما على عاتقك وتأخذ بزمام ناقتك وتخوض بها المخاضة، ما يسرني أن أهل البلد استشرفوك؟! حيث كان القساوسة واقفين على أسوار بيت المقدس يشاهدون هذا الموقف، فكيف يراه القساوسة والبطارقة وهؤلاء النصارى وهو على هذه الهيئة يفعل هذا؟! فـ عمر ثاني أفضل رجل طلعت عليه الشمس بعد الأنبياء، فإن أفضل مخلوق من البشر طلعت عليه الشمس بعد الأنبياء والمرسلين أبو بكر ﵁، يليه الفاروق عمر رضي الله ﵎ عنه. فهل هناك من هو أعظم من هؤلاء حتى نتخذ منه قدوة، ونتلقى منه المفاهيم والموازين للناس والأشخاص والقيم؟ ماذا قال عمر لما قال له أبو عبيدة: (يا أمير المؤمنين أنت أنت تفعل هذا! تخلع خفيك وتضعهما على عاتقك وتأخذ بزمام ناقتك وتخوض بها المخاضة، ما يسرني أن أهل البلد استشرفوك؟ قال عمر: أوه -هذا اسم فعل مضارع بمعنى أتوجع وأتضجر من هذه الكلمة- أوه لو يقل ذا غيرك أبا عبيدة جعلته نكالاً لأمة محمد ﷺ لكن أبو عبيدة هو من العشرة المبشرين بالجنة، وهو أمين هذه الأمة ﵁، فقال: لو كان غيرك قالها لجعلته نكالاً ولأدبته تأديباً شديداً، لأجل هذا الخلل في مقاييسه وموازينه وحكمه على الأمور. قال عمر: (أوه لو يقل ذا غيرك أبا عبيدة جعلته نكالاً لأمة محمد ﷺ ، إنا كنا أذل قوم فأعزنا الله بالإسلام، فمهما ابتغينا العزة بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله). فهذا قانون خاص للأمة المحمدية تعامل هذه المعاملة؛ فهذه سنة الله فيمن يكفر نعمة الله، الله الذي أنزل هذا القرآن قال: ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء:١٠] يعني: فيه رفعتكم ومجدكم. فبعدما كانت أمة العرب أذل الأمم وأحقرها فما رفعهم الله إلا بهذا الدين، فأي أمة أخرى إذا تمسكت بدينها تقهقرت! وإذا تخلفت عن دينها تقدمت إلا أمة الإسلام إذا تخلوا عن دينهم لابد أن يصيروا في ذيل الأمم؛ لأنهم كفروا نعمة الله؛ لأن الله شرفهم بما لم يشرف به أمة من العالمين بالقرآن وبالإسلام وبسنة سيد الأنام ﷺ . فمن يكفر بنعمة الله يهنه الله، قال عمر: إنا كنا أذل قوم فأعزنا الله بهذا الدين فمهما نبتغي العزة في غير ما أعزنا الله به أذلنا الله، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون:٨]، فمن ابتغى العزة في غير الإسلام وفي غير مفاهيم الإسلام يعاقب بالمذلة والصغار، هذه الأمة عندما تتمسك بالدين ترتقي، وعندما تتخلى عنه تعود إلى المؤخرة وإلى الذيل. بخلاف الأمم الأخرى كما رأينا مثلاً أمة اليابانيين لما تخلوا عن دينهم ترقوا وتقدموا، وعندما يدعون أن الحضارة الغربية حضارة نصرانية هذا كذب؛ لأنهم ما ترقوا إلا بعدما كفروا بالكنيسة وكفروا بالدين وعزلوها وحبسوها داخل جدران الكنائس كما هو معلوم، ورفعوا في الثورة الفرنسية شعاراً معروفاً: اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس. الشاهد أنه ما ترقى الغربيون إلا بعدما طلقوا الدين وكفروا بالدين تماماً، المسلمون اليوم على العكس تماماً، فمن الظلم أن يطبق هذا الوضع الموجود الآن في بلاد الكفار وفي الغرب على المسلمين؛ لأن المسلمين لن يرتقوا حتماً، ونقسم على هذا بالله أنه لا يمكن أبداً أن يصلح حالهم إلا بالقرآن والسنة وبالإسلام، بخلاف غيرهم من الأمم، فمن أراد العز في غير هذا الدين فلن يجني إلا المذلة، وفي رواية أن أبا عبيدة قال: يا أمير المؤمنين! تلقاك الجنود وبطارقة الشام وأنت على حالك هذه؟ فقال عمر: إنا قوم أعزنا الله بالإسلام فلن نبتغي العزة بغيره. فالعزة ليست بالمظهرية وبالشكليات وغير ذلك. دخل أعرابي رث الهيئة على أحد الخلفاء فاقتحمته عينه، يعني: كأن الخليفة لما رآه بثياب بالية فكأنه استنقصه وظهر عليه أمارات التأثر بهذا، فعرف الأعرابي ذلك في وجهه فقال: يا أمير المؤمنين! إن العباءة لا تكلمك ولكن يكلمك من فيها، فأدناه وقربه فإذا به يظهر من فصاحة في القول والبلاغة؛ فجعله من خاصته.

стр. 1954

إن زاهراً باديتنا ونحن حاضروه عن أنس بن مالك ﵁: (أن رجلاً من أهل البادية كان اسمه زاهر بن حرام وكان يهدي للنبي ﷺ الهدية من البادية، فيجهزه رسول الله ﷺ إذا أراد أن يخرج، فقال النبي ﷺ : إن زاهراً باديتنا ونحن حاضروه)، يعني: إننا نستفيد منه ما يستفيد الرجل من باديته من أنواع المتاع، ونحن حاضرو المدينة نعد له ما يحتاج إليه مما لا يجده هو في البادية. كان يقول ﵊ على هذا الرجل: (إن زاهراً باديتنا ونحن حاضروه، وكان النبي ﷺ يحبه وكان دميماً -يعني: قبيح الوجه رضي الله تعالى عنه- فأتاه النبي ﷺ يوماً وهو يبيع متاعه، فاحتضنه من خلفه وهو لا يبصره، فقال: أرسلني من هذا؟ فالتفت فعرف النبي ﷺ ، فجعل لا يألو -أي: لا يبالي- ما ألصق ظهره بصدر النبي ﷺ حين عرفه، وجعل النبي ﷺ وهو يحتضنه يقول: من يشتري العبد؟ من يشتري العبد؟ فقال: يا رسول الله! إذاً والله تجدني كاسداً -يعني: تجد سعري قليلاً؛ لأنني ذميم الخلقة- فقال النبي ﷺ : لكنك عند الله لست بكاسد، أو قال: لكن عند الله أنت غال) أخرجه الإمام أحمد والبغوي والترمذي في الشمائل وصححه الحافظ ابن حجر في الإصابة. ففي هذا الحديث كيف كان ﷺ يواسي الفقراء، وكيف أنه لم يلتفت إلى صور الناس؛ لأن العبرة بالقلوب والأعمال وليس بهذه المظاهر الكاذبة، هكذا تعلم منه الأصحاب الذين هم أولو الألباب رضي الله تعالى عنهم أجمعين.

стр. 1955

ذم الاهتمام الكبير بالمظهر عن عبد الله بن شقيق قال: (كان رجل من أصحاب النبي ﷺ عاملاً بمصر، فأتاه رجل من أصحابه وهو شعث الرأس مشعان، فقال: مالي أراك مشعاناً وأنت أمير؟! فقال: كان نبي الله ﷺ ينهانا عن الإرفاه)، فأصل الرفه أن الجمل يتعود أنه كل يوم يذهب به إلى البئر ويرد الماء ويشرب، فأخذ منه معنى الرفاهية والترفه، قوله: (فكان ينهانا عن الإرفاه) يعني: كثرة التجمل والاشتغال بهذه المظاهر. (قلنا ما الإرفاه؟ قال: الترجل كل يوم) رواه النسائي وصححه الألباني إننا نهتم بتخريج الأحاديث من وقت ما رأيت الإخوة البريطانيين يعتبون جداً على ألا يذكر الإنسان حديثاً ولا يذكر تخريجه ومن صححه، فاستفدنا منهم ذلك ألا نترخص بذلك. في طريق أخرى عن يزيد بن هارون عن الجريري عن عبد الله بن بريدة ﵀: (أن رجلاً من أصحاب النبي ﷺ رحل إلى فضالة بن عبيد وهو بمصر، فقدم عليه وهو يمد ناقة له، فقال: إني لم آتك زائراً وإنما أتيتك لحديث بلغني عن رسول الله ﷺ رجوت أن يكون عندك فيه علم، فرآه شعثاً فقال: مالي أراك شعثاً وأنت أمير البلد؟ قال: إن رسول الله ﷺ كان ينهانا عن كثير من الإرفاه، ورآه حافياً، فقال: مالي أراك حافياً؟ قال: إن رسول الله ﷺ أمرنا أن نحتفي أحياناً).

стр. 1956

ربعي بن عامر يعلم رستم أن مظاهر الدنيا ليس لها قيمة هذا ربعي بن عامر رضي الله ﵎ عنه، أرسله سعد قبل موقعة القادسية رسولاً إلى رستم قائد الجيوش الفارسية وأميرهم، فلما دخل عليه وأراد رستم أن يظهر له العظمة والأبهة كي يذل الصحابة ﵃ بهذا المظهر، فزين مجلسه بالنمارق والزرابي، وأظهر اليواقيت واللآلئ الثمينة العظيمة، ووضع على رأسه تاجه وغير ذلك من الأمتعة الثمينة، وجلس رستم على سرير من ذهب، ودخل ربعي بثياب غليظة وفرس قصيرة، فأراد رضي الله تعالى عنه أن يلقنه درساً لا ينساه، أراد أن يعلمه أن كل هذا لا يساوي عندنا شيئاً، فتعمد ﵁ أن يركب الفرس فلم يزل راكبها حتى داس بها على طرف البساط، حتى يبين أن هذه الأشياء ما لها قيمة عندنا ولا تهزنا هذه المظاهر، ثم نزل وربطها ببعض تلك الوسائد، وأقبل وعليه سلاحه ودرعه وبيضته على رأسه، فقالوا له: ضع سلاحك! فقال: إنما جئتكم حين دعوتموني فإن تركتموني هكذا وإلا رجعت، فقال رستم: ائذنوا له، فأقبل يتوكأ على رمحه فوق النمارق، فخرق عامتها، يعني: أنتم تريدون أن تذلوني بدنياكم فهذه دنياكم، فأخذ الرمح وظل يمزق هذه النمارق والزرابي فخرق عامتها وأفسدها عليهم، فقال له: ما جاء بكم؟ فقال: إن الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله. إذاً: فهذه الأمور التافهة والمظاهر الدنيوية ليس لها أي قيمة في نظر من يريد الدار الآخرة، فكان جندي من جنود المسلمين يعرف لماذا خلق، ومن الذي كلفه بهذه الرسالة. يقول: (إن الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام).

стр. 1957

مقاييس وموازين الإسلام للرجال المقاييس التي غرسها الإسلام في نفوس أتباعه والقيم والموازين هي أن شأن عباد الله الصالحين أنهم لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً، كما قال الله ﵎ في سورة القصص بعد ما حكى عاقبة قارون وما كان عليه من المظاهر والرياش والأموال: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾ [القصص:٧٦] يعني: كانت المفاتيح فقط تحملها عصبة من أولي القوة وتكون ثقيلة عليهم، هذه مفاتيح الخزائن فما بالك بما في الخزائن! لكن ماذا كانت عاقبة قارون؟ أهلكه الله ﵎: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ﴾ [القصص:٨١]. في نهاية القصة يقول ﵎ مبيناً العبرة والدرس من هذه القصة العظيمة: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص:٨٣]، كلمة (تلك) إشارة تعظيم وتفخيم، وفيها تنزيل الشيء الغيبي منزلة المشاهد والمحسوس. قوله: ((تلك الدار الآخرة)) يعني: تلك التي سمعت خبرها وبلغك وصفها هي الدارة الآخرة. قوله: (نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) قيل: نزلت هذه الآية في أهل العدل والتواضع من الولاة وأهل القدرة من سائر الناس. تأمل في الآية لم يقل ﵎: نجعلها للذين لا يعلون في الأرض ولا يفسدون، لكنه نفى عنهم مجرد الإرادة، يعني: أنهم أصلاً لا يريدون فضلاً عن أن يفسدوا أو يعلوا في الأرض، حتى مجرد الإرادة أو الميل بالقلب لا يخطر على قلوبهم، ففي تعليق الوعيد بترك إرادتهما لا بترك أنفسهما مزيد تحذير منهما، بمعنى أننا يجب ألا نريد العلو ولا الفساد في الأرض فضلاً عن أن نقع في العلو أو الفساد، كما قال : ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود:١١٣] فعلق الوعيد بالركون، والركون: هو مجرد الميل القلبي أو مساعدة الظالم، كما قال بعض السلف: لو أن ظالماً طلب منك أن تناوله قلماً لا تعطه أخذاً بهذه الآية؛ خشية أن يكتب به ظلماً فتعينه على ظلمه. قوله: (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً) العلو: هو الغلبة والتسلط بسوء وتكبر على المسلمين، ونتأمل هنا قوله ﵎: (لا يريدون علواًَ في الأرض ولا فساداً) فكرر (لا)، إشارة إلى أن كلاً من العلو والفساد مقصود بالنفي، ليس هما شيئاً واحداً معطوفاً على بعض، يعني: لا يريدون علواً ولا فساداً. قال عكرمة: العلو في الأرض: التكبر وطلب الشرف والمنزلة عند سلاطينها وملوكها، والفساد: العمل بالمعاصي وأخذ المال بغير حقه.

стр. 1958

اهتمام الناس بقشور المباهاة والمفاخرة ونقدهم لمسائل الدين إن التواضع في الحقيقة له صور كثيرة جداً في سيرة النبي ﷺ ، كان يأتي الصبي الصغير أو الجارية الصغيرة فيأخذ بيد النبي ﷺ فيمضي معه حيث أخذه، وقالت له عائشة ﵂ وهو يأكل يوماً: (هلا اتكأت -يعني: نأتي لك بمتكأ تجلس عليه- فحنا رأسه ﵊ وقال: بل آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد)، ﵌. فهذه هي قيم الإسلام، وهذه قشور القوم، وهذا هو اللب والجوهر والروح، فما بال القوم قد ابتغوا العزة في رباط العنق (الكرفتة)، ويكون لونها مناسباً مع لون القميص ومع الأزرار والبدلة، وكذلك مع السيارة أحياناً، فجعلوا العزة في مثل هذه المظاهر، لا، هذه مقاييس أهل الدنيا، هذه ليست لنا، هذه الزينة وهذه القيم للقوم الذين جنتهم عجلت لهم: (الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر). فمهما سابقناهم في هذا فلن ندركهم، فهم يسبقوننا في الرياضة، ويسبقوننا في الزينة وفي الرياش والفخفخة لن ندركهم ولن نلحقهم؛ لأن هذه ليست لنا، هذه لغيرنا، وزينتنا هي التواضع والبذاذة كما قال ﵊: (البذاذة من الإيمان). زينتنا قيام الليل، وذكر الله ، وصلاة الجماعة، هذه هي الزينة التي تليق بعباد الرحمن، قال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان:٦٣] فما بال القوم ابتغوا العزة في هذه المظاهر الكاذبة والقشور الفارغة، في ربطة العنق وكي الملابس، وأهدروا أموالهم في مظاهر قشرية جوفاء، وإذا ندبت أحدهم إلى الاعتدال وقلت له: ترفق بنفسك مهلاً، انطلق كالصاروخ يسرد لك ما أسعفه من الحجج والمعاذير، في حين أنه بمجرد رؤيته لمن يتمسك بالسنة وبهدي النبي ﷺ مثل: ارتداء القميص حيث كان أحب الثياب إلى الرسول ﵊؛ لأنه الأستر وفيه تواضع، والعمامة أو غير ذلك من هدي النبي ﷺ إذا به يشمئز ويقول: هذه شكليات وهذه قشور لا ينبغي الاشتغال بها، نقول: لماذا شغلت أنت نفسك بهذه القشور؟ أنا ما كلمتك وما دعوتك بأن تفعل مثلي، ومن حقي أصلاً أن أدعوك. فمن الذي استفزته هذه القشور؟ وهناك مفارقات عجيبة في الحقيقة نلمحها في مجتمعاتنا تعكس الخلل في هذه القيم وفي هذه الأمور، فمثلاً تلمح بعضهم إذا رأى إماماً للصلاة متمسكاً بالسنة يلاحظ اهتمامه الشديد بتسوية صفوف الصلاة وبرصها أسوة برسول الله ﷺ والسلف الصالح، يقول: هذه شكليات هذه قشور، بل إن منهم من سخر من هذه السنة لما سئل في بعض الأحاديث الصحافية ما هي آخر نكتة، أو (كاريكاتير) أعجبك؟ فقال: رأيت (كاريكاتير) جماعة أحدهم لابس قفاز الملاكمة، فقالوا له: ماذا تفعل؟ هل أنت تستعد للملاكمة؟ قال: لا أنا سأسوي الصف. من يفعل هذا؟ هل هناك من يضرب الناس حتى يسووا الصفوف؟ إن هذا تنفير من السنن واستهزاء بأشياء قد تضر إيمانهم وإسلامهم. فالشاهد قولهم: هذه شكليات وهذه قشور، بينما تراهم في أنشطتهم إذا عملوا معسكرات كشافة أو حتى معسكرات رياضية أو حفلات واستقبالات سواء كانوا من الكشافة أو من الصحفيين أو غيرهم، فانظر إلى اهتمامهم بتسوية الصفوف مثلاً في الاستعراضات العسكرية، أو استقبال حرس الشرف، أو في المدارس والمعسكرات وطابور الصباح، وكل هذا من أجل المحافظة على مظهر الاستعراض! أليست هذه شكليات أو قشور؟! فيقول لك: هذا من لوازم الانضباط والنظام وكذا وكذا إلى آخر هذه المعاذير، هذا من المفارقات العجيبة في الحقيقة، لماذا تقولون في الصلاة: شكليات وقشور؟ ولماذا في حفلاتكم ومراسيمكم تهتمون بهذه المظاهر؟ إذا جاء الفقير ذو الدين والخلق الحسن إلى أحدهم يخطب ابنته تمسك بالمظاهر وتشبث بالقشر، وأهمل الجوهر واعتبر المظهر، وعقد الأمور، وغالى في المهور، وإذا كان رجلاً طيباً وتورع عن المغالاة في المهر وقنع باليسير لابد أن يظهر أمام الناس أن المهر قدره كذا وكذا، لماذا؟ من أجل الاشتغال بهذه القشور. أما قشور المآتم فحدث ولا حرج عما يقع بسبب التباهي في المآتم، بل إنهم يتباهون بحسن أكفان الموتى، في أحد المساجد هنا قريباً في المنطقة تجد إذا دخلت الباب كفناً درجة أولى وكفناً عادياً وهكذا، وإلى عهد قريب إذا دخلت بعض المدافن تجد رخاماً مكتوباً عليه: مدفن درجة أولى ممتازة بكذا جنيه، ومدفن درجة ثانية بكذا جنيه، ومدفن عادي بكذا جنيه. هذا التباهي في الجنائز، وهذا غير التفاخر بالبنيان فوق القبور، مع ما في ذلك من المخالفة الصريحة لنهي النبي ﷺ عن البناء فوقها. ومن القشور المدمرة كما يقولون: موت وخراب بيوت، أو كما يقول الشاعر الفصيح: ثلاثة تشقى بهن الدار العرس والمأتم ثم الجار فتجد في الجنائز إذا كان الميت له أقارب في مدن أخرى تتحول دار أهل الموت إلى فندق ومطعم يستقبل أفواجاً من المعزين تقيم الأيام والليالي، ويستنفر أهل الميت لخدمتهم وتأمين حاجياتهم، وحدث ولا حرج عن تكاليف السرادقات والتباهي بالمشاهير من المقرئين، وربما استدانوا لأجل هذه المظهرية، وربما دفعوا تكاليف هذه المظاهر الكاذبة الخادعة والقشريات من أموال قد صارت ملكاً لليتامى؛ لأن الميت انفصل عن ماله، صار ملك اليتامى القاصرين المساكين، فإذا بهم يأخذون من أموال اليتامى ولا يتحرجون، رغم أن هذا من أكل أموال اليتامى ظلماً وسحتاً في هذه المظاهر الكاذبة، فمن الذي يهتم بالقشور؟ ومن الذي تستعبده المظاهر وتلك العادات الخبيثة؟ وهذا أيضاً مخالف للسنة؛ لأن جيران أهل الميت الأصل أنهم هم الذين يصنعون الطعام لأهل الميت؛ لأن الرسول ﵊ قال عندما استشهد جعفر بن أبي طالب ﵁: (اصنعوا لآل جعفر طعاماً، فإنه قد أتاهم ما يشغلهم). أيضاً في سبيل هذا التصور وفي سبيل المظهرية الفارغة يضحي بعضهم بالنفس والنفيس، وربما أشغل ذمته بالدين أركبه الهم والذلة في النهار وأرقه بالليل. إذا فرح في الأفراح بذَّر في نفقات الإضاءة وأسرف في الولائم، مجاراة للتقاليد ومجاراة للأغنياء والوجهاء، يقول ﵊: (المتباريان لا يجابان ولا يؤكل طعامهما) رواه البيهقي وصححه الألباني. قوله: (المتباريان) أي: لو أن شخصاً صنع وليمة وقام الثاني وصنع وليمة أفخم من وليمته، فتباريا كأنها مسابقة، فهذان يعاقبان شرعاً بأنهما لا يجابان ولا يؤكل من طعامهما، ويقول ﵊: (شر الطعام طعام الوليمة، يمنعها من يأتيها، ويدعى إليها من يأباها، ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله) ﷺ ، رواه مسلم. المقصود يمنعها المساكين من الدخول، فليس من الممكن أن تجد فقيراً في الأفراح، فلو ذهبت إلى (البوفيه) مثلاً فرأيت الفطائر والحلويات وهذه الأشياء فهل تجد رجلاً فقيراً مسكيناً رث الثياب يجلس مع هؤلاء الوجهاء الذين يتباهون بالملابس وبالثياب والمظاهر الفارغة؟ هل يمكن أن يتركوا واحداً فقيراً أو مسكيناً يأكل معهم؟ لا يمكن أن تجد هذا إلا أن يشاء الله، فهذه مظهرية فارغة. ولذلك قال ﵊: (شر الطعام طعام والوليمة). وعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الشيطان يحضر أحدكم وعند كل شيء من شأنه، حتى يحضره عند طعامه، فإذا سقطت من أحدكم اللقمة فليمط ما كان بها من أذى ثم ليأكلها، ولا يدعها للشيطان) رواه مسلم، فإذا كانت اللقمة لا تتركها حتى لا تدعها للشيطان، فكيف بمن يطعم الشيطان ما لذ وطاب من أصناف الطعام والشراب؟ كنت في إحدى البلاد العربية في شيء مثل المخيم، فأتوا بخروف كبير جداً مشوياً بطريقتهم، وأتوا به على صواني كبيرة جداً كما هي الطريقة المعروفة عند بعضهم، فالناس أكلوا أكلاً يسيراً جداً، فبقي هذا الشيء يكاد يكون كما هو، والأكل الموجود من الفواكه والأرز بما عليه من الزبيب وغيره من الأشياء هذه كلها، وإذا أنا بهم يدخلون بإناء كبير جداً، جفان كالجواب ربما يصعد إليها بالسلالم، فالمهم أتوا ببقية الطعام فجعلوا يضعون اللحم على الخبز على الفواكه، فاستغربت من المنظر فقلت: أين تذهبون بها؟ فكأن الأخ أحرج فقال لي: نتصدق بها على الطيور، فهنا نقول: كيف تهدر نعم الله بهذا الشكل؟ هناك من المسلمين من يموت بالتخمة ومن الشبع، ومن المسلمين من يموت بسبب الجوع، فهل هذا هو شكر النعم التي أنعم الله ﵎ بها علينا؟ كل هذه مظهرية كاذبة لا تليق بالمسلم، فإذا كان الشيطان لا تترك له لقمة، فكيف تترك له أصناف الطعام والفواكه والشراب وغير ذلك حتى يهنأ بها ويتقوى عليك ويهزمك؟! وكيف بمن يرمي في القمامة أكواماً من الطعام تفقدها أفواه محرومة، وبطون خاوية، ويلقي في المزبلة بقايا الولائم في حين يغلي قلبه حسرة على ما ركبه من ذل الدين وهمه في سبيل قشور فارغة وفي سبيل المظاهر الكاذبة؟! أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

стр. 1959

أقسام الناس في العلو والفساد في الأرض إن الناس على أقسام فيما يتعلق بالعلو والفساد في الأرض، فمن الناس من يريد علواً في الأرض وفساداً كالحكام الظلمة والفسقة والفجرة، فهو يجمع بين أمرين: حب الرياسة والزعامة، والتسلط والقهر والعلو، ويريد أيضاً في نفس الوقت أن ينشر الفساد في خلق الله وإباحة المعاصي، وتيسيرها على الناس، فهذا يريد العلو ويريد الفساد أيضاً. وهناك قسم آخر يريد علواً ولا يريد فساداً، وتجد هذا أحياناً في بعض أهل الصلاح، يريد العلو والرياسة، ولكنه ينهى عن المعاصي ولا يريد المعاصي، كما قال الشاعر: هلاك الناس مذ كانوا إلى أن تأتي الساعة بحب الأمر والنهي وحب السمع والطاعة وقسم ثالث: وهم الذين لا يريدون علواً ولكنهم يريدون أن يكون الفساد متوفراً لهم، فهذا الصنف يريد فساداً لا يريد علواً، لكن أهل الآخرة هم الذين قال الله فيهم: ﴿لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص:٨٣]. وروي عن علي ﵁ أنه قال: (إن الرجل لو أحب أن يكون شسع نعله أجود من شسع نعل صاحبه فيدخل في هذه الآية). يعني: أن يحب أن يتميز على أخيه حتى في شسع النعل، والشسع: هو القطعة من الجلد التي تدخل بين أصبع القدم الكبيرة والتي تليها، فإذا أحب الرجل أن يكون شسع نعله أفضل من غيره فهذه درجة من درجات حب العلو في الأرض، لكن لا بأس أن يحب أن يكون نعله حسناً كما جاء في الحديث الذي ذكرناه، لكن لا يتكبر على من دونه في الدنيا، ولا يكون ممن يريد العلو في الأرض. قول علي: (إن رجلاً يحب أن يكون شسع نعله أجود من شسع نعل صاحبه فيدخل في هذه الآية) قال العلماء: لعل هذا إذا أحب ذلك لافتخر على صاحبه ويستهين به، وإلا فقد جاء في الحديث: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، قال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً ونعله حسناً؟ فقال: إن الله تعالى جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق، وغمط الناس). فالكبر عمل قلبي أساساً لكن إذا كان الإنسان ركب سيارة أحسن من سيارة جاره، أو لبس ثياباً معينة حتى تكون ثيابه أفضل فهذا يريد العلو، لكن لا حرج أن تحب الجمال والنظافة والثياب الجديدة، لكن لا لتعلو بها على خلق الله، ولذلك كان ﵊ إذا لبس أو استجد ثوباً كان يدعو الله ﵎ يقول: (اللهم إني أسألك خيره وخير ما صنع لأجله، وأعوذ بك من شره وشر ما صنع من أجله)، فإنه يصنع ويلبس أحياناً لأجل التفاخر والتعالي على الناس وهذا منهي عنه، ويصنع ويلبس لأجل الستر والزينة وهذا لا بأس به، وكان علي ﵁ يمشي في الأسواق وحده وهو خليفة، يرشد الضال، ويعين الضعيف، ويأتي إلى البقال والبياع فيفتتح عليه القرآن، ويقرأ تلك الآية: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص:٨٣]. نحلم باليوم الذي ينزل فيه الرؤساء إلى الأسواق والشوارع ويتلون هذه الآية: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص:٨٣]. ولما قرئت هذه الآية عند بعضهم قال: ذهبت الأماني هاهنا، يعني: الآمال العظيمة التي يأملها الإنسان في الدنيا انقطعت الآن، عند هذه الآية يعرف الإنسان أنه ليس بحاجة إلى علو ولا إلى استكبار على خلق الله. وجاء عن عمر بن عبد العزيز أنه في لحظة وفاته ﵁ كان يرددها حتى قبض ﵀. وقال أبو معاية: الذي لا يريد علواً هو من لم يجزع من ظلمها، ولم ينافس في عزها، وأرفعهم عند الله أشدهم تواضعاً. ومر علي بن الحسين وهو راكب على مساكين يأكلون كسراً لهم من الخبز فسلم عليهم، فدعوه إلى طعامهم، فتلا هذه الآية: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص:٨٣] ثم نزل وأكل معهم، ثم قال: قد أجبتكم فأجيبوني كما أجبت دعوتكم، فحملهم إلى منزله فأطعمهم وكساهم وصرفهم. هذا علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم.

стр. 1960

معتقد أهل السنة والجماعة في الأسماء والصفات [١] لقد فرق الله بين علم الدنيا وعلم الآخرة، وفضل علم الإيمان والدين على سائر العلوم، وأعظم شيء في علم الإيمان والدين هو علم التوحيد والعقيدة الذي منه باب الأسماء والصفات؛ لأن له تعلقاً بمعرفة ذات الله. وقد ضل في باب الأسماء والصفات كثير من أهل الأهواء والبدع، فنسبوا إلى الله ما لا يليق بجلاله من النقص والعيب، وسموه بما لا يرضى من الأسماء، ووصفوه بصفات خلقه، فألحدوا في أسماء الله .

стр. 1961

شرف العلم وأهله إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد. أما بعد: إن الله جل ذكره شرف أهل العلم الشرعي على غيرهم، فقال : ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الزمر:٩]، وقال مبيناً أنه يرفعهم درجات: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:١١]، ولم يأمر الله نبيه ﷺ أن يسأله الزيادة في شيء إلا في العلم؛ لأن العلم فيه زيادة درجاته ﷺ ، ولذلك قال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه:١١٤]. وبين الله أن أشد الناس له خشية هم العلماء، فقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨] ولا ريب أن الله لا يعني في أمثال هذه الآيات علماء الدنيا، كعلماء الحساب، أو الهندسة، أو الطب، أو الصناعة، أو الزراعة، أو غير ذلك؛ لأن أكثر هؤلاء لا يؤمن بالله فضلاً عن أن يخافه أو يتقيه. وهؤلاء الذين فرحوا بما عندهم من العلم بظاهر الحياة الدنيا جعل الله علمهم كالجهل في قوله ﵎: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الروم:٦ - ٧]، فأبدل من قوله: (لا يعلمون) قوله: (يعلمون)، فدل على أن هذا العلم ما دام متوقفاً على ظاهر الحياة الدنيا دون أن ينفذ إلى باطن ذلك مما في هذا العلم من آيات ودلائل توحيد الله فهو جهل. والله ﵎ وصف أهل الكفر والشرك بالضلال والجهل، حتى ولو كانوا على علم بعلوم الدنيا، فقال ﵎: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾ [البقرة:١١٨]، وقال أيضاً: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ [البقرة:١١٣] بذلك إلى المشركين، وقال الله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:١٨٧]، فوصف أكثر أهل الأرض بالجهل على ما كانوا عليه من العلم، وعمارة الدنيا، ومهارة في الصناعة والزراعة، ونحو ذلك.

стр. 1962

من أشراط الساعة تناقص العلم الشرعي بين النبي ﷺ أن العلم يكون في تناقص، فبين في بعض الأحاديث أن من أشراط الساعة أن يظهر الجهل، ويرفع العلم، فإذا تأملنا واقع الناس اليوم وجدنا ظهور العلم الدنيوي، وانتشار الجهل بأمور الدين، حتى إنك تفاجأ أن من الناس من لا يعرف أصلاً أن الصلاة واجبة، يحكي لي قصة بدايته أن المواظبة على الصلاة كانت في سن الأربعين؛ لأنه وجد كتاباً عند أحد باعة الجرائد عنوانه: حكم تارك الصلاة، وكان وقتها لا يعلم حكم الصلاة، ففوجئ بأن الصلاة واجبة وفريضة، ولا ندري كيف نصدق أو نتخيل أن إنساناً يعيش في وسط المسلمين ثم يجهل أن الصلاة فريضة؟! بل هي عمود الدين الأعظم بعد التوحيد، فإنا لله وإنا إليه راجعون! وهذه فنانة تائبة تقول: إنها لم تكن تعرف أصلاً أن الحجاب واجب، وإنما كانت تعرف أن الحجاب شيء اختياري. ومظاهر الغربة في الدين في هذا الزمان كلها ناشئة عن أن الجهل بالعلم الديني هو الذي يشيع، ومع اجتهاد الناس في تحصيل علوم الدنيا، ولو على حساب الدين، يقول ﷺ : (إن الله يبغض كل جعظري جواظ، صخاب في الأسواق، جيفة بالليل، حمار بالنهار، عالم بأمر الدنيا، جاهل بأمر الآخرة)، فهو في غاية الاجتهاد في تعلم أمور الدنيا، فإن كان نجاراً فهو يعرف أنواع الخشب وكذا وكذا، وإن كان مهندساً في السيارات فهو يعرف جميع ماركات السيارات وخصائصها وكذا وكذا، بل من الناس من يحفظ أسماء لاعبي الفرق في كرة القدم، وتفاصيل حياتهم الشخصية في كل أقطار الأرض، وغير ذلك من هذه التفاهات، مع أن ذلك لا يغني عنه عند الله شيئاً.

стр. 1963

العلم بالله وبشرعه أشرف العلوم إن العلم الذي ينبغي أن ينصرف إليه الفهم -عندما تطلق كلمة العلم أو العلماء في القرآن أو السنة- هو العلم الذي هو أشرف علم في الوجود، وهو: العلم بالله، وبدين الله ﵎، وبأحكام هذا الدين. فهذا العلم هو الذي جاءت به الرسل لإخراج الناس من الظلمات إلى النور، وهو الذي حواه كتاب الله العزيز، وسنة رسوله الكريم ﵌. فعلم الدين هو أشرف العلوم على الإطلاق، فشرف العلم يكون بشرف المعلوم يعني: أن العلم يأخذ مرتبته في الشرف بحسب المعلوم الذي يتعلم عن طريق هذا العلم، ولا شك أن علم الطب مثلاً أشرف من علم الحشرات، مع أن هذا علم وهذا علم، لكن حتى علوم الدنيا تتفاضل؛ لأن هذا موضوع الحشرات، أما ذاك فموضوعه رأس مال الإنسان في هذه الحياة، وهو الصحة، وهكذا تتفاوت العلوم بحسب شرف موضوعها. فعلوم الدين بلا شك هي أشرف من علوم الدنيا، ثم إن علوم الدين نفسها تتفاوت في الشرف: فمنها علوم خادمة، ومنها علوم مخدومة، فالعلوم الخادمة التي هي علوم الوسائل: كعلم النحو، والصرف، واللغة، ونحو ذلك من العلوم التي هي آلات في فهم الكتاب والسنة، أما العلوم المخدومة فهي الأشرف: كعلم الفقه، وعلم الحديث، وعلم التفسير، ونحو ذلك من علوم الشرع الكريم، لكن أعظم علم فيه على الإطلاق هو علم التوحيد؛ لأنه إذا كان شرف العلم بشرف المعلوم فإن علم التوحيد موضوعه هو معرفة الله ؛ فبه نعرف الله ؛ ولأجل ذلك فإن العلم بالله وبأسمائه وصفاته وأفعاله وبتوحيده هو أشرف العلوم على الإطلاق في هذا الوجود، فأشرف العلوم الشرعية هو العلم بأسماء الله الحسنى، وصفاته العلى؛ لتعلقها بأشرف معلوم وهو الله . قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: والقرآن فيه من ذكر أسماء الله وصفاته وأفعاله أكثر مما فيه من ذكر الأكل والشرب والنكاح في الجنة. يعني: أن الآيات التي فيها صفات الله ، وأسماؤه الحسنى أكثر بكثير جداً من الآيات التي فيها نعيم الجنة من الأكل والشرب والنكاح وغير ذلك، والآيات المتضمنة لذكر أسماء الله وصفاته أعظم قدراً من آيات المعاد، فأعظم آية في القرآن الكريم هي آية الكرسي، كما قال النبي ﷺ لـ أبي بن كعب: (أتدري أي آية في كتاب الله أعظم؟ قال: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥]، إلى آخر آية الكرسي، فضرب بيده في صدره وقال: ليهنك العلم أبا المنذر!)، وهذا الحديث رواه مسلم، وهو دليل على أن أشرف آية في القرآن الكريم كله هي آية الكرسي، وإذا تأملنا آية الكرسي التي هي أعظم آية في القرآن الكريم نجد أنه ليس فيها أمر ولا نهي، ولا حلال ولا حرام، وليس فيها إلا الإخبار عن صفة الله، وما الذي يليق به فنثبته له، وما الذي لا يليق فننفيه عنه ، فقوله: (الله لا إله إلا هو) (لا إله) هذا هو الكفر بالطاغوت، (إلا هو) إثبات التوحيد لله ، وهكذا بقيتها في صفة الله ، قال تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة:٢٥٥]. وكذلك أفضل سورة في القرآن الكريم هي سورة الفاتحة، كما ثبت ذلك في حديث أبي سعيد بن المعلى في الصحيح حين قال له النبي ﵌: (إنه لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في القرآن مثلها -أي: مثل سورة الفاتحة-، وهي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته)، وفيها من ذكر أسماء الله وصفاته أعظم مما فيها من ذكر المعاد، كما هو معلوم. وقد ثبت في الصحيح أيضاً عن النبي ﷺ من غير وجه أن: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) تعدل ثلث القرآن، وليس في: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) التي لها هذه المنزلة العظيمة أو العظمى سوى الإخبار عن صفة الله ، وكيف نعرف الله. وكما نلاحظ أن المعرفة بالله منصبة على أسلوب التلقين؛ لأن الله لا نعرفه بالعقل، كما يشيع على ألسنة بعض عوام الناس؛ حيث تسمع منهم من يقول: ربنا عرفناه بالعقل، فنتدبر بالعقل في آيات الله وفي صفات الله، وصفات الله قد تعرف عن طريق التأمل في آياته التي تدل على توحيده، لكن معرفة الله أساساً إنما تكون عن طريق الوحي الذي أوحاه إلى أنبيائه، فبه يتعرف العباد على ربهم، فيتعرفون أن له تسعة وتسعين اسماً من الأسماء الحسنى، وأنه على العرش استوى، وأن له كذا، وأنه يحب كذا، وأنه يبغض كذا، وهكذا، فهذا يأتي عن طريق التلقين، وليس عن طريق الاجتهاد العقلي؛ لأن العقل لا يمكن أبداً أن يدرك صفات الله ، ولا ما هي أسماء الله، ولا غير ذلك، بدليل أن أسماء الله كثيرة لا تسعة وتسعين، لكن الذي أخبرنا به هو التسعة والتسعون، قال ﷺ : (إن لله تسعة وتسعين اسماً من حفظها دخل الجنة)، وقال عليه الصلاة السلام في الدعاء: (أسألك بكل اسم هو لك؛ سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك)، فهذا يدل على أن لله أسماء لم نطلع عليها، ولا سبيل إلى الاطلاع عليها؛ لأن السبيل الوحيد هو الوحي، وقد انقطع الوحي، وهي غير موجودة فيما أوحي إلى النبي ﵌. وثبت في الصحيح: (أن النبي ﷺ بشر الصحابي الذي كان يختم القراءة في الصلاة في كل ركعة بـ (قل هو الله أحد)، فسأله عن سبب ذلك؟ فقال: إني أحبها؛ لأنها صفة الرحمن، فأخبره ﵊: بأن الله يحبه) والحديث متفق عليه، فبين أن الله يحب من يحب الثناء عليه بذكر صفاته وأسمائه ، فالله يحب أن يذكر بهذه الصفات العظمى والأسماء الحسنى.

стр. 1964

فائدة العلم بالله وبأسمائه وصفاته العلم بأسماء الله جل ثناؤه وصفاته ومعرفة معانيها يحدث خشية ورهبة في قلب العبد، فمن عرف أن الله بكل شيء عليم، وأنه لا تخفى عليه خافية من أعمال العباد، ويؤمن بذلك فإنه يكون أشد خوفاً ممن لا يعلم ذلك، سبق أن تكلمنا في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ [النحل:١٠٥] وقلنا: إن (إنما) تفيد الحصر، فكأن صفة الكذب لا توجد إلا فيمن لا يؤمن بآيات الله، ولذلك المؤمن لا يكون كذاباً، كما جاء في الحديث؛ لذلك فإن من أخلاق من يؤمن بآيات الله أنه يتنزه عن الكذب، فهذه لفتة إلى أثر الإيمان بصفات الله سبحانه تعالى، وبآيات الله في سلوك الإنسان. ومن يعلم أن الله لا يعجزه شيء وهو على كل شيء قدير أتقى ممن لا يعلم، وهكذا في سائر الأسماء والصفات، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨]، قال الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري رحمه الله تعالى في الآية: إنما يخاف الله فيتقي عقابه بطاعته العلماء بقدرته على ما يشاء من شيء، وأنه يفعل ما يريد؛ لأن من علم ذلك وأيقن بعقابه على معصيته خافه ورهبه خشية منه أن يعاقبه. إذاً: العلم بالله يدعو إلى محبته وخشيته ورجائه، والتوكل عليه، والإنابة إليه، وفي هذا فوز العبد وسعادته في الدارين، ولا يمكن معرفة الله إلا بمعرفة أسمائه الحسنى وصفاته العلى، وفهم معانيها، والعلم بالله هو أحد أركان الإيمان، بل هو أصل الإيمان كله، وما بعده تبع له، وليس الإيمان مجرد أن تقول: آمنت بالله من غير علم ومعرفة بالله، بل إن حقيقة الإيمان أن يعرف العبد الرب الذي يؤمن به، ولذلك جاء في الحديث أنه لما أرسل ﵊ معاذاً إلى اليمن قال له: (إنك تأتي قوماً أهل كتاب، فإذا لقيتهم فليكن أول ما تدعوهم إليه أن يوحدوا الله، ثم قال: فإذا هم عرفوا الله فأخبرهم: أن الله قد افترض عليهم خمس صلوات)، فجعل أول واجب هو معرفة الله ، وفي بعض الروايات: (فإذا هم وحدوا الله).

стр. 1965

أهمية معرفة أسماء الله وصفاته يجب على الإنسان أن يبذل جهده في معرفة أسماء الله وصفاته حتى يبلغ درجة اليقين، وبحسب علم العبد بربه تكون درجة إيمانه، فكلما ازداد معرفة بربه ازداد إيمانه، والطريق الشرعي للعلم بالله وبأسمائه وصفاته هو تدبر القرآن والسنة وما جاء فيهما. ثم إن الله خلق الخلق ليعبدوه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] أي: ليعبدوني وحدي، ولا يمكن أن يعبدوه دون أن يعرفوه، فلابد من معرفتهم له سبحانه ليحققوا الغاية المطلوبة منهم، والحكمة من خلقهم، والعبادة لا تصح من الكافر؛ لأن الكافر لا تصح نيته، والمؤمن تصح منه العبادة؛ لأنه ينوي التقرب بها إلى الله، والكافر لا يعرف الله، فكيف تصح منه العبادة لو أتاها دون أن يدخل في الإسلام؟! فالنصراني -مثلاً- إذا صلى أو حج أو فعل أي شيء من أفعال القرب يتقرب به إلى المسيح فقد أخطأ وضل الطريق، كما وصفهم الله بالضالين، فلا يمكن أن تصح عبادته وهو لا يعرف الله، ولا يعرف ما الذي يليق به، وما الذي ينبغي أن ينزه الله عنه، فالاشتغال بمعرفة الله هو اشتغال بما خلق العبد من أجله، فالوظيفة التي خلقت من أجلها أيها الإنسان! أن تعرف الله؛ لأنه لا يمكن أن تعبده وأنت لا تعرفه، وترك هذا العلم وتضييعه إهمال لما خلقت له، وقبيح بعبد لم تزل نعم الله عليه متواترة، وفضله عليه عظيماً متوالياً من كل وجه أن يكون جاهلاً بربه معرضاً عن معرفته ومعرفة أسمائه وصفاته. والعالم بالله تعالى حقيقة يستدل بما علم من صفاته وأفعاله على ما يفعله وعلى ما يشرعه من الأحكام؛ لأن الله لا يفعل إلا ما هو من مقتضى أسمائه وصفاته، فأفعاله دائرة بين العدل والفضل، وكذلك لا يشرع ما يشرعه من الأحكام إلا على حسب ما اقتضاه حمده وحكمته وفضله وعدله، فأخباره كلها حق وصدق، وأوامره ونواهيه عدل وحكمة، وهذا العلم أعظم وأشهر من أن ينبه عليه، كما قال الشاعر: وكيف يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل قال أبو القاسم التيمي الأصبهاني في بيان أهمية معرفة الأسماء الحسنى: قال بعض العلماء: أول فرض فرض الله على خلقه معرفته؛ فإذا عرفه الناس عبدوه. يعني: أن معرفة الله هي أول فرض أوجبه الله على عباده، فإذا عرفه الناس عبدوه، قال الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد:١٩]، وبدأ القرآن بالبسملة: بسم الله الرحمن الرحيم، يعني: أن أول شيء في القرآن هو البسملة، وفيها البداءة بأسماء الله: الله، الرحمن، الرحيم، ونزل الوحي أول ما نزل آمراً النبي ﷺ بأن يتدبر آيات الله كلها من خلال النظر في أسمائه الحسنى، قال تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق:١]، فليس من علم ولا فهم إلا ويوصل إليه من خلال أسماء الله الحسنى، والعلم بالأسماء الحسنى هو أساس قبول الدعاء؛ فإنك إذا لم تعرف من تدعوه فكيف تتوجه إليه؟! وإذا لم تعرف صفاته فكيف تتوجه إليه بالدعاء؟! ولذلك مما يدل على توجه العبد بالدعاء إلى الله معرفته بأسماء الله وصفاته. والدعاء يرادف في القرآن العبادة ويعتوران، يعني: يتبادلان المواقع، فأحياناً تعبر العبادة عن الدعاء والعكس؛ لأن الدعاء من أظهر أنواع العبادة، كما قال النبي ﷺ : (الدعاء هو العبادة، وقرأ قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر:٦٠]) فمجرد توجهك في الدعاء إلى الله له معانٍ كثيرة جداً منها: إثبات وجود الله؛ لأن العدم لا يدعى، ومنها: إثبات رحمة الله؛ لأن القاسي لا يدعى، ومنها: إثبات كرم الله وجوده؛ لأن البخيل لا يدعى، وإثبات كذا وكذا وكذا من الصفات التي بها يدلل على إيمانك بها. كذلك العلم بأسماء الله الحسنى ينشئ حب الله ﵎، ويقويه في قلب المؤمن؛ لما فيها من كمال وجلال وجمال. قال بعض أهل العلم: لو أراد رجل أن يتزوج من رجل أو يزوجه أو يعامله طلب أن يعرف اسمه وكنيته واسم أبيه وجده، وسأل عن صغير أمره وكبيره، فالله الذي خلقنا ورزقنا ونحن نرجو رحمته ونخاف من سخطته أولى أن نعرف أسماءه وتفسيرها. والله تعالى أعلم.
следующие страницы →