← Джавами‘

Джавами‘ · id 37018

دروس الشيخ محمد إسماعيل المقدم

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (2 122 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

إهمال الاضطرابات النفسية للطفل الوقاية من الاضطرابات النفسية أفضل من العلاج؛ لأن العلاج إما ميئوس منه، وإما نسبة النجاح فيه قليلة، وبالتالي فالوقاية تكون بأن ينشأ الطفل سوياً نفسياً من الصغر، وهذا أعظم أسلوب للتعامل مع الاضطرابات النفسية التي قد تحصل إذا حصل خلل في هذا الأمر. فنحن بدلاً من البحث عن حل للمشاكل عند الأطفال نفر من مواجهة ذلك، فمرة نقول: محسود، ومرة: مصروع عليه جن، أو مسحور؛ وهذا كله هروب. فنحن بجانب الأذكار الشرعية والرقية، نراجع أنفسنا ونقتدي بالنبي ﷺ في تربيته ومعاملته للأطفال؛ فإن خير الهدي هدي محمد ﷺ ، والذي أشار إليه الله في قوله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١]، أي في كل مجال من مجالات الحياة فهو أب وابن وقائد وزعيم. وفي قصة الصحابي الذي أدبه النبي ﵊ في أحد المواقف، فقال: (فوالله ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه ﵌، فهو المعلم الأول، والنموذج الأكمل لكل البشرية. أكرر: أخطر مراحل التربية هي التي تحظى عندنا بأكبر قدر من اللامبالاة التربوية، وأكرر أيضاً: إن اللامبالاة لا تعني عدم التربية، لأنه لا يمكن أن تتوقف التربية، وسلبيتك في حد ذاتها أو هروبك هو نوع من التربية التي سوف تنعكس على هذا الطفل.

стр. 352

إخراج العلاج النفسي كعامل في العلاج التربوي إذاً: اللامبالاة لا تعني عدم تربية، أو توقفاً عن التربية، وإنما تساوي تربية سيئة مدمرة لهذا الطفل. تألمت جداً حينما كنت أقرأ بعض الأوراق في مقالة بالإنجليزية، وكان يتكلم هذا الرجل التربوي الأمريكي عن معالجة موقف معين من المواقف، فيقول: في هذه الحالة لا يوجد لهذا حل، فقد عملت خطأ جسيماً لا يكفي لحله أن نكتب كلمتين في ورقة، فإما أن تذهب إلى الأخصائي الاجتماعي في المدرسة، وإما إلى رجل من رجال الكنيسة. انظر كيف ساوى رجل الكنيسة بالأخصائي النفسي؛ لأن هؤلاء يهتمون جداً بدراسة النواحي النفسية، والثقافة التربوية، ولذلك ساوى بين رجل الدين وبين الأخصائي النفسي؛ لأنه يدرس هذه الأشياء. ولذلك أقول: إن كل من ينتمي إلى الدعوة بل كل أب، يحتاج إلى أن يفقه في الجانب النفسي في التربية أعظم الفقه، ونحن أولى من الكفار بأن نهتم بهذه الأشياء، بل أحياناً تحدث بعض التصرفات التي تلفت النظر في الأطفال، وكلما انتبهنا إليها مبكراً سهل علاجها. نحن ننكر الحقيقة كي لا نواجهها، كشخص عنده أعراض مرض السكر، والدكتور يقول له: أنا أشعر أن عندك سكراً، فعليك بإجراء تحليل للدم، فلم يجر التحليل، ويقول: أنا خائف أن يكون عندي سكر، وهل هذا سيقطع عنك البلاء؟ لماذا لا تأخذ بالأسباب، وتحرص على ما ينفعك؟ ومفهومه: اجتنب ما يضرك. فالشاهد أنا عندنا مفهوماً في غاية الخطورة، وهو النظر إلى الطب النفسي على أنه وصمة عار، فمن ذهب للأخصائي النفسي لابد أن يختفي عن الأنظار، ويظن من يراه هناك بأنه مجنون. ومن علامات تخلف المجتمعات في هذا العصر، ينظر أن الإنسان هذه النظرة لأناس أفنوا أعمارهم في دراسة هذه الأشياء، والتعامل معها بأساليب علمية لا تتصادم مع ديننا على الإطلاق. لكن ينبغي أن يذهب الإنسان إلى من هو متدين من هؤلاء الأخصائيين لأننا نظل نتهرب ونتهرب، ونضطر بعد ذلك مرغمين إلى اللجوء للطبيب النفسي بعد استفحال الاضطراب في الأطفال، فأي شيء يلفت النظر، ونحن لسنا بغنى عن الاسترشاد بكلام الأخصائيين في هذه الأبواب. في الحقيقة إذا كان هذا الكلام يعم جميع الناس، فإن المسئولية على الملتزمين مضاعفة، فموضوع التكيف مع الواقع أو مع البيئة من حولنا مهم جداً، والناس الذين لا تهمهم معاناة أبنائهم لا يعانون كثيراً، ولكن الإخوة الذين يريدون أن يحافظوا على دينهم وعلى ذريتهم في عصر الغربة الثانية تتضاعف عليهم المسئولية؛ لأنك ستحارب بمجرد خروجك من البيت إلى الشارع، وفي كل مكان تذهب إليه، فما بالك بالطفل أو الصبي أو الشاب الغض الطري الذي يواجه المتناقضات حيثما حل، ويواجه الغربة، فأنت مع الوقت أصبح عندك مناعة من التأثر بالنقد والألفاظ المؤثرة كالمتطرفين والإرهابيين وكذا وكذا، أما هذا الطفل فيحتاج بلا شك إلى عناية خاصة كي يمر بسلام إلى شاطئ الالتزام الحقيقي بالدين، فنحن نواجه كما قلت: صعوبات كثيرة في الواقع، أما الدارسات التربوية والمنهج التربوي فإن الكلام كله أكاديمي لأناس متخصصين، فلا نستطيع أن نتعامل معه.

стр. 353

انشغال الآباء بالكسب عن التربية هذه مشكلة أخرى، وهي أن الآباء يشتغلون بالكسب الحلال للقمة العيش، وبالتالي لا يؤدون أي واجب تربوي، والأم قد تعمل وتهمل أولادها، وكلا الأبوين أو أحدهما جاهل تماماً بأصول التربية، وفاقد الشيء لا يعطيه. وأخطر هذه العقبات وجود اتجاهات شتى تتنازع تربية الطفل وتربيه تربية مباينة، وكل ما تبنيه أنت يهدمه الآلاف، ثم نعاتب أنفسنا حينما يشب الأولاد غير ملتزمين، ونريد أن نقهرهم قهراً على الالتزام، ونحن لم نلتفت للخطورة من البداية. ولو أنك بدأت بداية صحيحة، وكنت يقظاً وراعياً، فإن هذا إن شاء الله تعالى يكون سبباً لسلامة ابنك من الافتتان بهذه الفتن من حوله، لكن أنت لا تؤدي أي دور، بل ربما تحطم هذا الولد بمسالك خاطئة، ثم بعد ذلك تريد منه أن يصمد! كيف يصمد وأنت لم تبذل له ما يقيه ويحميه من هذه التربية الموازية التي هي أشد تأثيراً فيه من تأثيرك أنت؟ سواء الإعلام الفاسد، أو الأقارب وغير ذلك مما يوجد تعارضاً بين تربية الأبوين وتربية الإعلام مثلاً.

стр. 354

الرسائل المتضادة من البيئة المحيطة الصراع الذي يحس به هذا الإنسان؛ صراع في البيت، مع أن المفروض أن جميع المؤسسات التربوية في الدول المحترمة تكون وحدة متكاملة، كالمدرسة مع البيت، وفي البيت نفسه لابد من سياسة تربوية موحدة بين الأبوين، فلا يظهران الخلاف أمام الأولاد، ولا التناقض في التربية. فالواقع أننا نرى كل محضن يسير في طريق معاكس للآخر؛ فالمدرسة بمناهجها الفاسدة المدمرة في طريق، والعلوم الإسلامية في طريق، والإعلام في طريق الشهوات، والتعليم في طريق الشبهات، والأبوان لا توجد عندهما سياسة تربوية متفق عليها، بل قد نجد أن الأب يتعارض مع الأم، الأم تقول: افعل، والأب يقول: لا تفعل، ويتشاجران أمام الولد، ويصير محتاراً في هذه الرسائل المزدوجة، ثم إن الأم نفسها قد تقول له عن شيء: هذا غلط، ثم في وقت آخر تمارسه هي، فأصبح نفس المربي يعطي رسائل متضادة وقدوة متناقضة تحير هذا الابن. في المدرسة أيضاً ما بين المناهج المدمرة والفاسدة، وما بين هيئة التدريس؛ فيوجد تقصير شديد عند كثير من المدرسين من ناحية الاهتمام بالنواحي التربوية، ويكفي أن أذكر مثلاً عابراً لذلك: مراقب في لجنة امتحان الثانوية العامة يغشش الأولاد ويقول لهم: أنا سأقفل لكم الباب، لتتعاونوا مع بعض، وسوف أنبهكم عند حضور أحد، فهذا في حد ذاته نموذج مدمر للسلوك. ثم أيضاً التناقض بين ما توجهه أنت إن كنت توجهه وبين الأصدقاء في الشارع أو النادي أو المدرسة، وهؤلاء يكونون أشد تأثيراً عليه منك، ويتلقن منهم أكثر مما يتلقن منك أنت والمجتمع ككل، فلا شك أن الصراع الذي نعيش فيه يولد كثيراً من الإحباط إذا لم نتخذ معه نوعاً من التوعية والفهم، وكيف نتكيف تكيفاً صحيحاً يحفظ لنا ديننا، ويجعل الأولاد يقتنعون بالرسالة التي نحملها كي يحملوها هم من بعدنا؟ إن لم ندرس هذا الأمر ونتعامل معه بطريقة علمية، فبلا شك أن هذا الصبي أو هذا الشاب يكون أضعف بكثير من أن يصمد أمام هذه التيارات كلها.

стр. 355

أمثلة تطبيقية لسوء معاملة الطفل تربوياً البيت هو أخطر مؤسسة تربوية على الإطلاق، صحيح أن الكل يدمر، لكن تربية البيت هي أخطر ما تكون؛ للأسباب التي أشرنا إليها من قبل. أكبر الأخطاء التي نرتكبها مع أولادنا وأطفالنا تنشأ عن شيء مهم جداً، وهو أننا ننظر إلى الأولاد ونعاملهم ونحاكمهم بعقليتنا نحن. وهذا التصور ينتج عنه كثير من الأخطار، منها أننا نكلفه بشيء فوق طاقته، والصواب أن نعامل ونحاسب هذا الطفل على تصرفاته بعقليته هو، ونراعي أنه ينمو كما كنت أنت تماماً في سنه. مثلاً: الولد في سن معينة يكون له خيال واسع جداً، فيقول لك: أخي رقبته طارت، وطلعت الرأس ونزلت، والتحمت ثانية في الجسم. هذه عبارة عن خيال واسع وليست كذباً، فلا تقل: إنه يكذب، وهو لا يتعمد هذا؛ بل هو نوع من الخيال الواسع، كما سنفصل إن شاء الله تعالى فيما بعد. مثلاً: طفل نشاطه زائد عن المعتاد بصورة ملفتة للنظر، لا تقل: هذا الطفل قليل الأدب، أو أهله لم يربوه، بل عليك أن تعلم أن هذا يلفت النظر إلى أنه يحتاج إلى إرشاد وتوجيه للأبوين للبحث وراء أسباب هذه الظاهرة، أما الولد فليس له ذنب، وإنما هو ضحية لمسالك غير صحيحة من الأبوين، فلا تعاتب الأبوين ولا تعاتب الطفل، واحمد الله على أن عافاك، لأن هذا البلاء قد يأتيك أنت، ففي هذه الحالة لا تقل: هذا قليل أدب بل هو يتفاعل مع ظروف معينة تواجد فيها بهذه الطريقة وبهذا الأسلوب. من هذه الأشياء: كل كلمة تتكلم بها مع الطفل، فأنت تطبع فيه انطباعاً معيناً، سواء شعرت أم لم تشعر، فأحياناً نكون نحن من نمسك الفئوس ونحطم بها أولادنا، وكما قلت: السنوات الأولى بالذات يكتسب فيها الانطباع الذي يبقى معه -والله تعالى أعلم- إلى ما شاء الله، وإلى أن يكبر ويصير رجلاً.

стр. 356

أمثلة على غرس العجز والخذلان والسلبية في نفس الطفل ذكر بعض الباحثين في هذا المجال مثالاً فقال: ولد تصطحبه أمه في سوبر ماركت أو محل البقالة، ويسلك سلوكاً غير صحيح بطريقة معينة، أو يصرخ أو يعمل أي نوع من السلوك الغير مرضي، فتقول له أمه: إذا لم تتوقف عن ذلك سوف أتركك. وفي موقف آخر: ولد أمه عملت له شيئاً أعجبه (كيكة)، ثم أكلها كلها، فتقول له: من المفروض أن تخجل من نفسك لهذه الفعلة! في الحالة الأولى أو الثانية كلاهما تريد السيطرة على سلوك الولد وتقويمه وتهذيبه، وهي تظن أنها تؤدي رسالة التوجيه والتربية، لكنهما قد أحدثا جرحاً نفسياً لم تكن آلته السكين ولا الموس، وإنما كانت الكلمات. الكلمات التي نتواصل ونتعامل بها مع الأولاد حرجة إلى أقصى حد، وذات تأثير بالغ على نظرته إلى نفسه وثقته بها، وعلى صحته العاطفية، وقوته الشخصية، فهناك رابطة لا يمكن أن ننكرها بين الكلمات التي نستعملها مع الأولاد وبين المواقف والنواتج التي تحدثها تلك الكلمات في حياتهم، فالكلمة قد تدعمه وتقويه، وقد تحطمه وتجرحه قد تربيه، وقد تشعره بالعار قد تشجعه، وقد تثبطه قد ترفعه، وقد تضعه فلا يوجد أب على الإطلاق يستيقظ الصباح، ثم يفكر كيف يتآمر على أولاده: كيف أستطيع أن أحطم نفسية ابني، وأطيح بثقته أرضاً، وأجعله يشعر بالتبعية لي والاعتماد علي، وأفقده القدرة على ضبط نفسه. لا يمكن أن يقصد ذلك أب أو يسعى له مسبقاً، وإنما يفعله بعض الآباء غالباً وبدون قصد؛ لأنهم لا يفهمون الانطباع الكلي الذي تطبعه كلماتهم في أبنائهم.

стр. 357

المثال الأول على معاملة الطفل بما يؤثر على سلوكه سلبياً المثال الأول: إذا لم تتوقف عن هذا الضجيج سوف أمضي وأتركك هنا. هذه كلمة عابرة جداً. أما التخويف بالغيلان والجن فهذا كلام الآباء الإرهابيين. والطفل الصغير أخوف ما يخافه، وأسوأ شيء يؤثر على نفسيته: أن يترك وحيداً غير آمن، وإحساس الطفل بالأمان ليس محل نقاش، فالمصيبة التي يفعلها بعض الآباء الجهلة: أنه يطرد الولد من البيت، وهذا شيء عجيب جداً، والمصيبة الأكبر: أنه لم يطرده بسبب سرقة أو كذا أو كذا، وإنما يهدد ابنه بالطرد من البيت، أو بأنه سوف يطلق أمه أو غير هذه المسالك المدمرة؛ من أجل أن يفرض رأيه عليه، ولما كان فاسداً وغير ملتزم ما كان يبالي بما يفعل من صلاح أو فساد، لكن لما التزم بدين الله إذا به تأتيه هذه الأشياء. الشاهد: أن تهديد الطفل بالعزف على وتر: سوف أتركك وأذهب، يعتبر وسيلة للتلاعب بهذا الطفل، ودفعه إلى السلوك الذي نحن نريده بهذه الطريقة نية حسنة، لكن الوسيلة التي وصلنا إليها تدل على أن هذا الأب في غاية الجهل والأذية لابنه. ما البديل؟ نحن نريد أن يقوم سلوكه، لا تقل له: يا فلان إذا أصررت على هذا السلوك فسأتركك، ولكن قل له: إذا أصررت فسوف نعود إلى البيت، لكن إذا اخترت أنك تتكلم بصورة سليمة وطبيعية سنبقى هنا، ونكمل الشراء، وأنت الذي تقرر! هذا هو المسلك الصحيح. والفرق بينهما: أن الطريقة الأولى تدمره؛ لأنها تشعره بعدم الأمان، لكن السلوك الصحيح هو أن تناديه باسمه: يا فلان! إذا أصررت على هذا التصرف سنرجع إلى البيت كلنا، ولكن إن تراجعت عن هذا فلن نرجع، وسنكمل شراء الحاجيات. فبهذه الطريقة أنت تقوده إلى الاختيار، ولأنه يريد الشوكلاته واللعبة سوف ينصاع لكلامك. بديل آخر: أن تتوقف وتستريح؛ لأن ربما كل واحد منكم يحتاج إلى هذه الراحة.

стр. 358

المثال الثاني على معاملة الطفل بما يؤثر على سلوكه سلبياً المثال الثاني: الولد أخطأ وأتى ليعترف، فتقول له: أنت المفروض تخجل من نفسك، وأيضاً أتيت لتخبرني. فهذه النوعية من الكلام تخلق فيه الشعور بالذنب؛ لأنك تظن أنه لم يشعر بالذنب وسيخجل ويتوقف عن هذا السلوك. صحيح هذا المسلك قد ينفذ لنا الغاية التي نريدها، وهي إشعاره بالذنب حتى لا يكرر هذا السلوك، ولكن الذي يدفع الثمن هو أنه تترسخ فيه اعتقادات جوهرية تزرع في نفسه عن طريق هذه الكلمة: (المفروض تخجل من نفسك!) فأنت تزرع فيه أن يقول: أنا مخطئ، وغير كفؤ، وعاجز، ولا أقدر أن أقوم بأي شيء بنجاح، وكل من تربى بهذه الطريقة يقول لك: لا أقدر أن أعمل، ودائماً يهرب من أن يتحمل المسئولية، ويحكم على نفسه مسبقاً بالفشل؛ لأنه تعود على أن يعامل بأنه غير كفؤ، وأنه لا يستطيع أن يفعل شيئاً؛ لأننا عاملناه بالسلوك الذي يشعره بالذنب؛ فإذا شعر بالخجل فسوف يجلب له ذلك مزيداً من الخجل، فإذا حصل له مزيد من الخجل فمعناه أنه فاشل أكثر، ويعجز عن أداء المهام، فيظل في دائرة مضطربة لا تتوقف.

стр. 359

المثال الثالث على معاملة الطفل بما يؤثر على سلوكه سلبياً المثال الثالث: كلمة عادية جداً ممكن أن تقولها الأم الجاهلة أمام الصديقات أو القريبات في المجالس النسائية المعروفة: هذا الولد حاولت جهدي أن لا يأتي ولكن قدر الله له أن يولد! هي تتلكم بهذا في مجلس دردشة، ولا تدري مدى خطر هذه الكلمة على نفسية طفلها؛ فهو يظن أنه زيادة غير مرغوبة، وأن أمه حاولت بكل وسيلة أن تتخلص من إنجابه، ولكن فشلت كل المحاولات في التخلص منه. الأم لا تعلم أنها تزرع فيه مفاهيم خطيرة، مثلاً: أنت بالذات كنا غير راغبين فيك على الإطلاق، ما كنا نريدك بصورة أو بأخرى، وكأنها تقول لهذا الولد: لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما أنجبتك! هذه الجمل لا يمكن أن تغتفر في العملية التربوية، حتى لو كان الطفل ما عمل أي شيء، أو رفع صوته، أو تكلم بطريقة غير صحيحة؛ فإن هذه ردود الأفعال الأبوية غير مناسبة بالكلية؛ لأن من المهم جداً بالنسبة للطفل أن نتقبله كما هو، لا تقل له: كنا نريد بنتاً بدلاً عنك، معنى هذا: أن مجيئه كان ضد رغبتكم، وأنكم كارهون لوجوده. وهذا التصرف في غاية الخطورة على نفسية الطفل، ولابد من الرضا بقضاء الله، والرضا باختيار الله ، ولا يخفى ما بين الاثنين من البعد. عبارة أخرى من ضمن هذه العبارات: أن تخاطب الأم الولد: إننا سوف ننفصل وأنت السبب في ذلك! أي: إن أباه سوف يطلق أمه بسببه، وفي الواقع أن الطفل لن يكون هو السبب، ولا يمكن أن نتوقع أن الطفل يتحمل مثل هذه الكلمة، وحتى لو نفينا عنه تماماً أنه السبب فإنه قد يشك في ذلك!

стр. 360

المثال الرابع على معاملة الطفل بما يؤثر على سلوكه سلبياً المثال الرابع: المقارنة بين الأطفال: يا ابني أخوك جيد، وأنت لا تريد أن تكون مثله، لم لا تعمل مثل أخوك، أو مثل أختك؟ فعملية: (لماذا لا تكون مثل أخيك؟ لماذا لا تكوني مثل أختك؟) هذه المقارنة خطيرة جداً، فحينما يعقد الوالدان مقارنة لفظية بين الأشقاء معنى ذلك أن هناك أفعال تفضيل، وأنه يوجد مفضل ومفضل عليه، فالمفضل عليه لا شك أنه سيبدو أنه ناقص، وأنه دون أخيه! فهذه كلمات نقولها لكنها رسالة تترسخ في أعماقه، رسالة ترسلها إليه مضمونها: أنت مهمل. وذلك إن كنت تمدح الثاني بأنه منظم. أخوك ذكي وأنت غبي. أخوك أدق منك أو غير ذلك من الصفات، فهذه الرسائل تستقر داخل نفسه كعقيدة أساسية، وتساهم في إنشاء سلوك غير مرغوب به في المستقبل. وبعض الناس الجهلة يعقدون مقارنة بين الأخوة مواجهة: أنت ما لك شكلك هكذا وأختك هكذا، أوليست أمكم واحدة؟ وأنا أعتذر من النساء الجاهلات؛ لأن هذه الكلمة ستسمعها الطفلة أو سيسمعها الولد عشرات المرات ما دام الجاهلات كثيرات، والأطفال سوف يشعرون بعدها بالضعف والنقص. فإذاً: ينبغي أن يكون عندنا وعي، وألا نقع في هذه المقارنات، خاصة وأن الأطفال يكون بينهم تنافس، فلا شك أن هذا الكلام سوف يزيد روح التنافس والخصام بين الأشقاء، وسيزيد نسبة التشاحن بالنسبة للوالدين، فالمقارنة تدمر العلاقة بين الأشقاء عن طريق تغذية مشاعر الانتقام بين هؤلاء الأولاد، وهذه فيما بعد قد تولد قطيعة الرحم وغير ذلك من هذه الأشياء. إذاً: ما البديل؟ البديل أن تقبل كل واحد بشخصيته، والله يميزه بميزة غير موجودة في الثاني، فأنت تسلط الضوء على الميزة التي أعطاه الله إياها: فلان صوته جميل في القرآن، فلان خطه حسن، فلان شكله كذا. وهكذا، فتركز على الصفة الإيجابية في هذا الابن وتقبل شخصيته كما هي، فإن كل شخص له مواضع قوة خاصة به، وله إمكانات واحتياجات، فلابد أن نساعد الأبناء على أن يشاهدوا جمال تلك الصفات التي ميزهم الله بها، عن طريق التركيز على كل واحدة على حدة بدون عقد مقارنات بينهم.

стр. 361

المثال الخامس على معاملة الطفل بما يؤثر على سلوكه سلبياً المثال الخامس: الأهل سيذهبون في نزهة، والولد يلبس حذاءه ويتعارك هو والرباط، ويقعد في الأرض، ويأخذ وقتاً كبيراً وهم مستعجلون، فيقول له أحد الأبوين: تعال أنا سأربطها لك هذه المرة. هذه عبارات نقولها دون أن نشعر بأنها تزرع العجز في نفسية الأولاد، فلا تحاول ذلك في شيء يستطيع الطفل فعله، ستأتي فترة من الفترات يزرع الله فيها في هذا الطفل محاولة أن يستقل بعمله، وذلك يبدأ في أواخر السنة الثانية، فهو يحاول أن ينمو، ولابد أن يتمرن ويخطئ، فمثلاً يريد أن يأكل بالملعقة بنفسه، أو يشرب من الكوب بنفسه، وأنت تقول له: ستتسخ ثيابك، أو سيقع الكوب على الأرض. وهذا إحباط له؛ لأن الفطرة تكلفه أن يتمرن على الاعتماد على نفسه في أداء بعض الوظائف، فيتحمل الخسارة بأن تتقذر ثيابه، أو يقع على الأرض بعض الرز أو العصير؛ لأن هذا له فائدة كبيرة ستحصل بأن ينمو، ولابد له لكي ينجز هذه المهام أن يتمرن عليها بنفسه في الأول بالمساعدة، ثم بعد ذلك يستقل بها، فتنمي فيه هذه النزعة الاستقلالية ولا تشعره بالعجز، واتركه ما دام يحرص على هذه الاستقلالية، ولا تعطه ما يكون سبباً في تخاذله، وفي أن ينظر إلى نفسه دائماً على أنه عاجز وغير قادر وضعيف. فإذا قلت: بأنك سوف تعمل له الوظيفة التي من المفروض أن يعملها هو مثل لبس الحذاء مرة أو مرتين، فقد اتبعت نموذج التعجيز، ولو ساعدته مرة ثالثة فقد أوجبت هذه الكوابيس الجديدة؛ لأنه سيتعود الاعتماد عليك في هذا الموضوع إلى ما شاء الله . من هذه العبارات الخطيرة: أنه عندما يتناقش مع أمه أو أبيه، قد يسأل عن السبب فيكون الرد: لأن هذا ما قلته لك! فهذه ألفاظ تقال ببساطة لكنها رسالة للطفل، مضمونها: أنا كبير وأنت صغير، أنا ذكي وأنت بليد، أنا قوي وأنت عاجز، وظيفتي أن آمرك ووظيفتك أن تطيع وتنفذ، وهذا ينشئ عند الطفل استياء وصراعاً داخلياً. وبدلاً عن هذا عامله بطريقة فيها نوع احترام لشخصيته؛ فإن الرسول ﵊ لما كان جالساً وبجواره طفل صغير، فشرب وكان الطفل على يمينه، وكان في المجلس أشياخ كبار من أصحابه، فاحترم الرسول ﷺ حق هذا الطفل وعامله باحترام، وقال: (لو تأذن لي أن أعطي الكبار؟ فقال له: لا أوثر بحظي منك أحداً)؛ لأن الصحابة كانوا يتبركون بشرب سؤر النبي ﵊. وكذلك كانت معاملته بالاحترام عندما كان يقابل الأطفال ويسلم عليهم، وكان الطفل يأخذه ويمشي به حتى يقضي حاجته. فالشاهد: عامل طفلك باحترام، ولا تعوده على أن يهان، وأن تهدر كرامته. خلاصة الكلام: أن اللغة لها تأثير كبير جداً، والكلمات التي ننتقيها في التعامل مع الابن لابد أن تكون بناءة لا هدامة، مثلاً: موضوع ثقته بنفسه لا تقل له: طول عمرك خائف. أنت لا فائدة منك. ولن تتغير. لأن هذا كله تحطيم، وليست هذه وظيفة الأب؛ لأن هذا يدمر ابنه ويفقده ثقته بنفسه، ويزرع فيه الفشل والعجز والهوان.

стр. 362

بعض الأخطاء الشائعة في التعامل مع الأطفال نمر مروراً سريعاً على بعض الأخطاء التي تشيع لنختم بها الكلام. الإرضاع: الأم التي تتعامل بآلية وميكانيكية مع عملية الإرضاع، فلا تضم الطفل إليها ولا تربت عليه ولا كذا وكذا، والله قد فطر الأم على أن تعطي وجبة الحب والحنان مع وجبة الطعام للطفل.

стр. 363

الكذب على الطفل من هذه الأخطاء: الكذب على الطفل: الطفل لا ينساها، ولذلك الرسول ﵊ ما فاته هذا التنبيه، لما كانت المرأة تقول للطفل: (تعال أعطيك فاكهة، فقال: ماذا ستعطيه؟ قالت: أعطيه تمراً، قال: أما إنك لو لم تعطه لكتبت عليك كذبة)، فهي كذبة حتى مع الطفل الصغير، فينبغي الاحتراز من الكذب؛ لأن هذا له تأثير في فقد الثقة، كما أنك تعطيه نموذجاً يقتدي به في سلوكياته. لما يطرق الباب طارق فيقول له الأب: قل له: أبي غير موجود، فالولد يقول له: أبي يقول لك: هو غير موجود! فهذا أنموذج للتحطيم، حتى حال استعمال التعريض قد يدمر الولد؛ لأنه لن ينتبه أن هذا تعريض، فلا تدفع الثمن بأن يتعلم ابنك الكذب؛ لأن أهم صفة على الإطلاق، لو أردنا اختصار كل هذه المحاضرة في كلمة واحدة هي: علمه الصدق، والدليل قول النبي ﵊: (عليكم بالصدق؛ فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً، وإياكم والكذب؛ فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، ولا يزال الرجل يكذب، ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً). فهذه عملية تدريب، أنت تقدم له النموذج وسوف يحتذي بك، وأنت أول واحد سيكذب عليه إذا أنت علمته هذا الكذب. مثلاً: الأم تقول له: اشرب الدواء، وتصفه بأنه حلو، فيجده مراً! فمن ثم سيفقد الثقة في أمه، ولن يصدقها بعد ذلك. مُدرِّسة تقول للأولاد: ذاكروا، عندكم امتحان في يوم كذا، ثم يأتي هذا اليوم، فتقول: أنا كنت أضحك عليكم، وكنت أريد أن تذاكروا فقط. وهي لا تدرك أن هذا أنموذج مدمر لسلوكهم، والكذب شيء ينبغي أن يكون أمامه حاجز قوي جداً. أيضاً أخصائي اجتماعي يدخل إلى الصف فيقول: من آخر واحد على الفصل؟ من آخر واحد في الترتيب؟ وهذه المسالك كثيرة أيضاً.

стр. 364

التهديد بالطرد أو البغض له أمر مهم جداً ينبغي الحذر منه في التعامل مع الأطفال، يقول: لو عملت كذا لن أحبك. وهذا أخطر ما يكون، لأن موضوع الحب مما ينبغي أن يكون فيه تأمين؛ لأن الطفل يصبح عنده شعور بالأمان عندما يشعر أن أباه وأمه يحبانه لا لشيء إلا لأنه ابنهما، فلابد من تأمين الشعور بالحب، ولا تستعمل الحب أبداً للتهديد. لذلك نجد أن الطفل يخاف جداً على موضوع الحب، فإذا وجدك غضبان -حتى ولو من أمر آخر- يقول لك: هل تحبني؟ لأنه ينزعج عندما يرى غضبك ويخاف ويشفق أن يؤثر ذلك على حبك له؛ لأن الحب كالأمان بالضبط، والإحساس بالأمان شيء أساسي في الأسرة. ومن ذلك طرد الولد من البيت، أو تهديده بالطرد من البيت، طفل صغير يبلغ من العمر سنوات معدودات يطرد من البيت، فيلتقطه في الشارع أصحاب المخدرات، أو يتعرض لحادثة مثلاً. فهذا أمر في غاية الخطورة، والطرد غير وارد على الإطلاق، ولا ينبغي أن يذكر أبداً. كذلك موضوع الحب يقول عنه الدكتور محمد كمال الشريف: لاحظ العلماء أن بعض الأطفال يعيشون في قلق دائم، نتيجة إحساسهم أن والديهم لا يحبونهم إلا إذا كانوا متفوقين في دراستهم ومطيعين ومهذبين، فصار الطفل يحرص على المثابرة في المدرسة، وعلى تنفيذ أوامر والديه، خشية أن يفقد حبهما، وهما بالنسبة له كل شيء، وكيف له أن يعيش دون حبهما؟ الوضع الصحيح المتوازن هو: أن نفصل بين الحب وبين التأديب للأطفال، فلا نعاقبهم إن أخطئوا بتهديدهم بأننا لن نحبهم بعد الآن، أو بسحب حبنا لهم فعلاً، بل نعاقبهم إن هم أخطئوا، ونطمئنهم في الوقت نفسه إلى أننا ما زلنا نحبهم، وإن كنا سنحبهم أكثر لو كانوا مستقيمين مهذبين، وأننا لا نكرههم الآن إنما نحن غير راضين عما فعلوا. فلابد أن نشعر الأطفال أن التأديب هو مظهر من مظاهر الاهتمام بهم، وليس مظهراً للكراهية، أو لأنهم خيبوا آمالنا، وتسببوا لنا في الإحباط. فهذا أيضاً أمر مهم جداً، وهو عدم استعمال سلاح الحب لتهديد الأطفال، يعني: لا تقل له: أنا لن أحبك إذا عملت كذا، لكن قل: أنا أحبك لكن لا أحب هذا التصرف.

стр. 365

التخويف بالغيلان والوحوش من هذه المظاهر والسلوكيات التي نعملها ولا نلتفت إلى أنها تصنع المشاكل: موضوع الخوف أو الرعب: فالأم مثلاً رأت صرصوراً فقامت تصرخ وتصعد فوق السرير أو فوق الكراسي وتجمع الناس؛ لأنها رأته! هذا نموذج عملي، والطفل إنما يتعلم منها الخوف مما تخاف هي منه. مثلاً أول ما يقترب من النار ننادي عليه بسرعة: انتبه سوف تحرقك، فإذاً: يتعلم أن يخاف من النار، لكن أن يرى الحشرة ويرى أمه تفزع منها هذا الفزع، فهذه حالة غير مرضية -والله المستعان- فموضوع الخوف من الحشرات بهذه الطريقة الفظيعة ستنتقل تلقائياً إلى الطفل، ويقلد نفس هذا المسلك، فالمفروض أن هذه الأم تحتاج إلى علاج. ومن الخوف المبالغ فيه: الظلام، أو التخويف من الظلمة، سوف أتركك في الغرفة، سأحبسك في الغرفة المظلمة التي فيها الفئران، والتي فيها كذا، كما يصنع في بعض المدارس أحياناً للأسف، أو الغول، أو أن الأم تحكي للطفل قبل النوم قصة مرعبة لكي تخوفه وينام، أو تهدده بالوحوش أو الغول، فهذا أمر مهم جداً، موضوع الخوف يجب أن تعالج الأم منه لكي لا ينعكس على الأطفال.

стр. 366

الفطام الرضاعي والفطام النفسي أيضاً هذه مشكلة شائعة، وعندما تبدأ تدرس حالة نفسية لرجل كبير تقول له: كيف تم الفطام؟ لأن موضوع الفطام الشائع الآن في مجتمعنا للأسف الشديد يجري بطريقة مؤلمة. الفطام باختصار شديد لا يبدأ بعد سنة أو سنتين، لكن يبدأ منذ الشهور الأولى من الإرضاع، بمعنى أنه لابد أن يكون بطريقة متدرجة، فتبدأ الأم تعطيه بجانب الرضاع الطبيعي وجبات معينة معروفة بطريقة معينة تدريجية، بحيث إنه وقت الفطام يكون قد قل عدد مرات الرضاع، وفي نفس الوقت يستغني عن الرضاع الطبيعي، ولا تشكل له مشكلة حياته، لكن المصيبة كلها في الفطام المفاجئ، وهذه تسبب أزمة نفسية حادة بالنسبة للطفل، وتعتبر إساءة بالغة للطفل، والأشد إساءة من ذلك: الطريقة الوحشية التي يستعملها البعض حينما يضعون نبات الصبار البالغ المرارة في الموضع الذي يرضع منه، لكي يصطدم الصبي صدمة نفسية قاسية تمنعه من أن يرضع لأنه سيكره هذا الفعل، وهذا تصرف بدائي ومتخلف وفي غاية الأذية للطفل، يسبب له صدمة شديدة، والطفل ينفعل بهذه الأشياء، ولا أريد أن أطيل في هذه القضية حتى لا نخرج عن الموضوع. الفطام النفسي من المفروض أن يحصل للكبار؛ وهذه أيضاً من المشاكل، فالأب والأم لابد أن يحذرا من النظرة الدائمة إلى الطفل على أنه صغير، وهذه نظرة خطيرة كنا نستخدمها في المجتمع من غير أن نلتفت إلى ضررها؛ فمن رأى طفلاً في الابتدائي أو قبل الابتدائي تظل تلك الصورة مرتسمة في ذهنه فلا يريد أن يعترف بأنه الآن قد صار رجلاً، ودائماً يصطحب هذه الصورة ولا يريد أن يلغيها من مخيلته، فلابد من الحذر من هذا الطفل، كان رضيعاً ثم ها هو شاب قوي يافع، فلا ينبغي أن تعامله على أنه طفل، وهذه مشكلة توجد في كثير من التعاملات الخاصة بين الوالدين، وبالتالي هذه أذية له؛ لأنهم لا يساعدونه على النمو الطبيعي حيث الشعور بالمسئولية والاستقلال. فالفطام النفسي بمعنى: أنه لا يحصل له الاستقلال الوجداني عن الآخرين، ويشعر أنه أسير لإرادة الأبوين، فلا يستطيع أن يوجه عواطفه، أو يأخذ قراراته، أو يستقل عن الآخرين، وهذه قد تكون أكثر ظهوراً مع الأم، حيث تحدث عملية اندماج وجداني وعاطفي يؤثر على الأولاد. فعملية التعلق الشديد بالأولاد خاصة من جهة الأمهات، وكأنهم في سنة أولى في المدرسة، فتذهب معهم إلى لجنة الثانوية العامة، وتتابع الخطوات معهم، وتصحبهم من البيت إلى باب المدرسة، وتقف أمام باب المدرسة تبكي وكأن ابنها مازال طفلاً لا يمكنه أن يذهب بنفسه إلى الامتحان ويصمد في اللجنة. ما هذه الطفولة؟ ما هذه الحماية الزائدة؟ أصبح رجلاً ويدرس في الجامعة ولا زالت تمشي معه لكي توصله إلى اللجنة، ثم تقف حتى ينتهي. هذا سيؤثر على نفسية الشاب الذي دخل الامتحان. أو مثلاً يريد أن يعبر الشارع فيأخذ بيده لكي يعبره، ويكون ابنه قد بلغ عشرين سنة أو أكثر. هذه حماية زائدة، وهذا خطأ في التربية، وهذا مما يعكس عدم الثقة به، ويمدد فترة الطفولة بالنسبة لهذا الشاب. فالأم تظل علاقتها بالابن أو البنت وكأنه يرضع، هذا معنى الفطام النفسي، لا تريد أن تنفطم عنه وتعترف بأنه قد أصبح له كيان مستقل، وهذه تأخذ تفاصيل كثيرة، بالذات بعد ما يتزوج الابن وتحصل بعدها عملية الفطام النفسي، وتسبب له مشاكل كثيرة، مثلاً: التدخل في تفاصيل الحياة، وطلب تقرير مفصل عن كل تصرفات هذا الرضيع الذي لم يفطم حتى الآن فطاماً نفسياً، فالتدخل في أخص الخصوصيات، والتقارير مستمرة عن كل تصرفاته، ولا يزال التصرف هو نفسه جارياً وحتى الآن منذ كان طفلاً رضيعاً. صورة أخرى من مظاهر انعدام الفطام النفسي: الإغداق على الابن بالأموال الطائلة في سبيل أن يرضيه، فهذا أيضاً من مظاهر التعلق المرضي. ومن مظاهر عدم التمتع بالفطام النفسي عند الوالدين: أن هذا الحب الشديد لو انقلب لكراهية يأتي بأمور لا تحمد عقباها. عدم الفطام النفسي بالنسبة للوالدين أو بالنسبة للولد نفسه يجعله يمشي بشخصية اعتمادية على الآخرين، ودائماً لا يقدر أن يتحمل مسئولية نفسه، وهذا غالباً ينتج عنه الفشل في الزواج؛ لأنه لم يصعد إلى مستوى الفطام النفسي، فهو لا يشعر أنه انفصل عن البيت الذي خرج منه، ويولد أيضاً مشاكل أخرى في العلاقة الزوجية تحصل نتيجة عدم الفطام النفسي. ومن المظاهر: التوقف عن اتخاذ أي قرار لانعدامية الاستقلال الذهني أو الوجداني، لابد أن تكون نتيجة هذه التربية الخاطئة هكذا. أيضاً: سهل جداً عليه أن ينخدع بالكبار؛ لأنه دائماً تعود الاعتماد عليهم، وألا يأخذ القرارات بدونهم؛ فالبتالي ممكن أن يسرق بسهولة من قبل النصابين والمحتالين وغيرهم. خلاصة الكلام: أنه حتى يحرز الوالدان الفطام النفسي لابد أن يقفا على الفروق لمراحل العمر المختلفة، وكل مرحلة لها خصائصها، فينبغي أن يخف هذا التعلق كلما تقدم الابن في النمو، ويبدأ الأب والأم بنفسيهما فإذا انفطموا هم عن هذا الولد، فلابد أن يفهم هو أيضاً أن الحب الحقيقي للولد هو أن يصنع منه رجلاً يستطيع أن يأخذ قراراته ويتمتع بحرية الاختيار.

стр. 367

بعض مظاهر الخلل في التربية العملية هناك العديد من مظاهر الخلل في التربية لذا سنذكر بعضها فيما يتعلق بمعاملة الآباء للأبناء.

стр. 368

التفرقة بين الأولاد خاصة بين البنات والذكور، وهذا موجود للأسف الشديد، قال الرسول ﵊ قال: (اعدلوا بين أولادكم، فلو كنت مفضلاً أحداً لفضلت النساء).

стр. 369

حرمان الطفل من الترفيه واللعب اللعب بالنسبة لك أنت لعب، لكنه بالنسبة للطفل عمل، وهو أمر مهم جداً، وقد أصبح الآن علماً وفناً ووسيلة علاجية وتشخيصية. فاللعب بالنسبة للطفل أمر مهم جداً، ويجب أن يتم بطريقة علمية مدروسة، إذ كل سن له أشياء تعلمه خبرات في الحياة والفكر والتفكير، وكان الرسول ﵊ يأتي إلى عائشة وهي تلعب بالعرائس فيتركها تلعب بها؛ لأن هذه تربية مبكرة على فطرة الأمومة، ومن أجل ذلك رخص لهن في لعب البنات، وهذا موضوع سنفصله إن شاء الله فيما بعد.

стр. 370

الإلحاح على الترهيب من الخلل أن تكلم الطفل الصغير، ويدور كل الكلام على أن الله إن عصيته سينتقم منك، ويقطع يديك، ويدخلك النار، والنار فيها ملائكة تعذب بكذا، وفيها كذا إلخ. فهذا هو الإلحاح على الترهيب: أنت إذا كذبت ستدخل النار. وهذا غير صحيح؛ لأنه غير مكلف أصلاً: (رفع القلم عن ثلاثة -وذكر منهم-: وعن الصبي حتى يحتلم). إذاً: أنت تكذب عليه؛ فلا داعي للإلحاح على موضوع الترهيب بهذه الطريقة، وهو سيستوعبها بطرق أخرى، فإذا حضر معك في مجلس العلم أو الدرس أو قراءة كتاب، فسيعرف أن الذي يكذب عاقبته كذا وكذا، فلا تقل له: أنت ستدخل النار أو ربنا سيعذبك، بل اجعل التركيز على حب الله ، وأن الله جدير بأن يحب لاتصافه بصفات الكمال والجلال والجمال ولما يغدقه علينا من النعم، وهكذا؛ لأن الطفل لو عمل عملاً صالحاً بنية فإنه يثاب عليه، لكن إذا عمل المخالفات لا يعاقب عليها.

стр. 371

القسوة الصارمة يقسو بعض الآباء قسوة صارمة وشديدة، ومن الأمهات من تسخن ملعقة وتعاقب الطفل بالإحراق، ولا حول ولا قوة إلا بالله، أو يضرب الأب مثلاً ابنه حتى يصيبه العمى، فيكون هذا الطفل حاقداً عنيداً طول عمره، لأنه تسبب في عماه، أو يضرب ابنه حتى يبتر يديه بعد أن يربطهما بحبل شديد. كل مشاكلنا تبدأ حينما نجعل عقولنا مثل عقول الأطفال. عليك أن تعلم أنه طفل وأنت رجل عاقل، وما أحسن العبارة التي عنون بها أحد الأخصائيين الصينيين في كتاب اسمه: (طفلك ليس أنت)، فلابد أن تراعي التفاوت في العقل بينك وبين هذا الطفل. والراجح أن الضرب عقوبة للتأديب؛ فهو دواء، ولهذا الدواء شروط؛ إذ معنى الدواء: ما كان سيأتي بالنتيجة المطلوبة. وأكثر الآباء ينظر للضرب على أنه وسيلة لتفريغ شحنة الغضب المتراكمة في قلبه، فيستمر في الضرب حتى يخرج كل ما بداخله من شحنة الغضب، وهذا عدوان صارخ على حرمة الطفل. إن قيام الأب القوي المتين بأن يضرب طفلاً غضاً طرياً حتى يكسر عظمه، ثم يذهب به إلى المستشفى للعلاج، يعد من الوحشية؟ ثم يقول: إن النبي ﷺ قال: اضربوهم لكذا وكذا. والضرب حتى وإن كان مشروعاً؛ لكن لابد أن نفهم أن الضرب ليس مقصوداً به الانتقام من الطفل، بل تأديبه والإحسان إليه، وليس المقصود منه تفريغ شحنة الغضب حتى لا يتوقف الضرب إلا بعد فراغها، فالأب الذي يفعل هذا ظالم معتدٍ، مخالف للشرع الشريف. فالضرب وسيلة تأديبية بشروطها.

стр. 372

الدعاء على الأولاد فالأم تدعو: الله يبتليك بسيارة تصدمك ونحوها من هذه الدعوات التي تدعو بها بعض النساء على الأولاد! وهذا فيه مخالفة صريحة لنهي النبي ﵊: (لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، لعلها أن تصيب ساعة إجابة فيستجاب لكم) أي: فيندم الإنسان بعد ذلك: ﴿وَيَدْعُ الإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولًا﴾ [الإسراء:١١] وبعض الآباء عندما يختلف مع طفله يتمنى أنه يموت، وكأنه ليس له حق في الحياة، أليست هذه روحاً محترمة لها حرمة ولها حق في الحياة؟ هل ترضى أنت لنفسك أن يدعو عليك أحد بحرمان هذا الحق، أو يقتلك كي يحرمك منه؟ فهذا الطفل له حق في الحياة مثلك تماماً، بل هو أحوج إلى الحياة منك؛ لأنك أخذت فرصة، أما هو فمقبل على الحياة، فكيف تدعو عليه بالموت؟ جاء رجل إلى ابن المبارك يشكو إليه عقوق ولده، فقال له: هل دعوت عليه أم لا؟ فأجاب بأنه قد دعا عليه، فقال: أنت أفسدته بالدعاء عليه.

стр. 373

التربية بالثواب والعقاب هناك التربية بالثواب والتربية بالعقاب، أو التأديب بالعقاب، ولكي نختصر ذلك نقول: إن الإنسان عندما يكافئ الولد على شيء حسن لابد أن تكون المكافأة في الحال وليست مؤجلة. كذلك العقوبة: إذا أخطأ فلابد أن تكون هناك عقوبة فورية ولا تكون مؤجلة.

стр. 374

ضرورة توحيد السياسة التربوية أمر آخر من الأمور التي نريد أن نلفت النظر إليها: تشاجر الوالدين أمام الأطفال، لا يجوز أبداً ولا ينبغي أن يختصم الأب والأم أمام الأولاد مهما كان الداعي، فلا من التوفيق وتوحيد السياسة التربوية بين الأب والأم، لأن الأطفال قد يفسدون بسبب التصادم التربوي. بعض الآباء يحزبون الأولاد في البيت، فهذا تبع الأم وهذا تبع الأب، والولد يلعب على الحبلين. هذا تدمير للأولاد، ولو أن هذين الأبوين عاقلان لما أظهرا أي اختلاف أمام الأبناء، فعلى الأم أن تعطي الأب مكانة لها احترام، وتحافظ على هيبة الأب، ولا تعمل أي تصرف فيه خدش لهذه الهيبة، وتخوفهم بأبيهم: إذا فعلت كذا سأخبر أباك بما صنعت. والكثير من المشكلات والأمراض النفسية تنشأ بسبب الأم المسترجلة التي تريد أن تفرض كلمتها، ولا تريد أن تخضع لزوجها أبداً، فهذه الأم المسترجلة تشقى ويشقى أولادها. ويعتبر الغرب تشاجر الأبوين أمام الطفل نوعاً من الإساءة تستدعي القبض عليهما، وإيداعهما في المصحة النفسية للتأديب والتهذيب والإصلاح الحقيقي، وإذا تكرر هذا السلوك أخذ منهما الطفل ليربى في مؤسسة تابعة للدولة ليصبح ابن الدولة. انظر كيف انتبهوا إلى هذا الموضوع، حتى وصل بهم الأمر إلى اعتبار أن رفع صوت الأبوين أمام الطفل يعتبر انتهاكاً لحق الطفل في الاستقرار النفسي. الصراع بين الأبوين في غاية الخطورة على الطفل، وإياكم أن تظنوا أن الطفل لا يدرك، بل هو يدرك جيداً كل ما يحصل ويترجمه ويختزنه، ويهدد شعوره بالاستقرار، ولذلك يقول علماء النفس: إن الطفل الذي تطلق أمه وتنفصل عن أبيه حالته أقل تعرضاً للخطر من الطفل الذي يعيش مع الأبوين وهما في حالة شجار دائم؛ لأنه في حالة الطلاق سيصطدم مرة واحدة، ويتكيف بعد ذلك مع الحياة الجديدة، لكنه في الحالة الأخرى لن يشعر بوجود الاستقرار ولا بسلام نفسي. يقول الدكتور محمد خليل موضحاً لهذه الجزئية: والطفل يترجم ما يدور حوله ترجمة صادقة دون تحريف أو تزييف، وقد يخطئ الآباء والأمهات في تقدير سلوكيات الطفل لصغر سنه، فلا يتورعون عن النقاش الحاد والجدل ورفع الصوت أثناء مناقشة مشاكلهم، وغاب عنهم أن هذا كله يصل إلى الطفل بمفهوم عاطفي، ويترجم النقاش والجدل والحدة عندما تصل إلى سمعه على أنها رياح قطيعة أو بذور خلاف، ويتأكد ذلك لو أحس ببرود العلاقة بين أبيه وأمه. أي أن هذه المشاعر تصل إلى الطفل بشفرتها العاطفية النفسية، خصوصاً إذا صاحب ذلك اختلاف واضح في معاملة الأم، أو قلة اهتمامها بالأب، أو انصرافها عنه، حتى لو كان ذلك بتغير في نبرات صوتها أو في حرارة حديثها، فهذه التغيرات قد لا تشعر بها الأم، ولكن الطفل يقيسها بترمومتر عاطفي حساس لا يخطئ، فيطوي نفسه على الألم والحسرة، وتقل اهتماماته، ويفقد شهيته، وقد يلفظ ما في جوفه تعبيراً عن رفضه لما حدث. فإذا تكررت المواقف فإن الأعراض تنتهي إلى الأسوأ، فربما تصل إلى الانطواء والخجل والتردد والتلعثم أو التبول اللاإداري؛ إنها رموز مرضية توضح تأثر الطفل بالخلافات لو استمرت بين الأزواج، وكأن الطفل بما يحدث له من أعراض يقول بمفهومه العاطفي النفسي: لا للخصام بين الأزواج لا للقطيعة بينهم. فإذاً لابد أن يكون هناك اتفاق على سياسية تربوية بين الأبوين، فإن كانوا سيختلفون فبصوت منخفض لا يسمعه الأطفال، أو في مكان منعزل، ولا يوجد تعارض في الأوامر بين الأب والأم. وكما أشرت إلى موضوع تحزيب الأولاد إذا كبروا قليلاً، حيث تبدأ الأم بذلك، فهذا لا ينبغي حتى لو انفصل الأبوان، لأن من المفروض ألا تحدث إثارة حقد في نفس الطفل على أبيه، ولا ينبغي إدخال الطفل في صراعات بين الأبوين، ولا أن تتعمد الأم هدم احترام الأب أمام الأولاد، ففي غيابه مثلاً تسخر منه، أو تجرئهم عليه. هذا كله تحطيم للأولاد أنفسهم قبل أن يكون تحطيماً لغيرهم.

стр. 375

موضوع الجهل بصحة الطفل الجهل بصحة الطفل، والمحافظة عليه من الأخطار التي تنشأ نتيجة الجهل، وقد تمس العقيدة أحياناً. أعني أن الطفل عندما يصاب بالتهاب الغدد يأتون بصليب، ويضعون عليه الرماد الأسود حتى يشفى والعياذ بالله. وهذا التصرف في غاية الخطورة، وهي مسألة تمس العقيدة، فهم يظنون أن الكفر يكون شفاء، وليس مناسباً نحن نخوض في مثل هذا. كما أن الأم بعدما تلد تفرز من صدرها شيئاً يسمى في العربية: اللبأ، وهو سائل شفاف، وهو هدية من الله إلى هذا الطفل يحتوي على كمية من المضادات الحيوية وأجسام المناعة وفيتمينات وبروتينات عالية جداً لحماية الطفل، فالأم الجاهلة تهدره أو ترميه، وهذا حرمان للطفل من سلاح طبيعي يعطيه الله إياه وقد منَّ الله علينا الآن بالعلوم الحديثة والتطعيمات واللقاح لحماية الطفل، والأم الجاهلة تغير تاريخ الميلاد أسبوعين أو ثلاثة خوفاً من أن يشرحوا جلده بالحقن أو نحو هذا، فشفقة عليه تمنع التطعيم، والتطعيم من مصلحته، وممكن أن يحصل له مرض شديد في هذه الفترة نتيجة عدم المناعة، أي: نتيجة الجهل. فهو الوالد يفهم أحسن من الأطباء، وسيمنعه من الأطباء الوحوش حتى لا يوخز من قبلهم بالمشرط والإبرة. ومن ذلك: إذا أصيب الطفل بالتهاب في اللوز، يقال له: ابلع بيضة مسلوقة! وكأنه ثعبان سيبلع بيضة! ومنذ مدة قريبة وجد شاب صغير كان عنده التهاب في اللوز، فقال له جاهل من أمثال هؤلاء الأمهات الجاهلات: ابلع بيضة مسلوقة فبلعها، فوقفت في صدره حتى اختنق ومات! وهذه جريمة قتل بسبب الجهل. هذه الأشياء ليس هذا وقت الكلام عنها، لكن الموضوع صعب، ونحن نتناوله بصورة شاملة، وحتى لم ندخل بصورة منهجية في قضية واحدة، فكل قضية مما ذكرنا تحتاج لتأصيل علمي في ضوء علوم الشرع الشريف، وسنة النبي ﵊ الذي هو خير معلم وخير مرب على الإطلاق، وفي ضوء العلوم الحديثة التي هي مبنية على ملاحظات حسية ودراسات علمية، لا شك أنها في كثير من الأحيان تكون مصيبة. أرجو أن أكون قد أفلحت في إيصال رسالتي إليكم، وهي: أن نلتفت إلى أهمية محو الأمية التربوية، هذا هو كل ما أريد أن أوصله بهذا الحديث الطويل، فهناك تربية، وهناك منهجية في التربية، وهناك أمية نعاني منها كلنا، وندفع ثمنها باهظاً.

стр. 376

الأسئلة

стр. 377

علاج تدهور العلاقات بين الزوجين السؤال لي زوج يضايقني ويعتدي على حقوقي إلخ، فأرجو أن تجد لي حلاً لذلك؟ الجواب يبدو أنها صرخة استغاثة من إحدى الأخوات، خلاصتها: يظهر أنها في مشكلة مع زوجها الذي يضايقها، ويجازي الحسنة بالقهر والإذلال وبالقوة والإجبار. وهذه من المشاكل الاجتماعية؛ لأنها أمور واقعية كلها، وتحتاج إلى توجيه، وأنا لا أحب أن أتناول هذه المشاكل بصورة جزئية؛ لأنها تحتاج إلى شيء من التفصيل، لكن عليها بدعاء الله أن يصلح حاله. وأيضاً: هذه الشكوى من هذه الزوجة التي تعاني من زوجها، لابد أن يعترف الزوج رغماً عنه بها؛ لأنها ليست أمة عنده، بل هي آدمي له حقوقه وله حرمته، فإذا كان الزوج يقوم بحق الزوجة، صائناً لها، مراعياً لواجباته نحوها، فليس للأب أو للولي أن يتدخل، لكن إذا حصل خلل ولم يفلح الزوج في حل مشاكله، فمن حقها أن تشتكي إلى ولي أمرها ليتدخل في رفع عنها الظلم. وبعض الناس يتعامل مع الزوجة على أنها أمة، وبعض الناس يتصور أنه بالزواج أصبحت المرأة شجرة يقتلعها من جذرها من بيت أهلها، ولابد أن تقطع الصلة تماماً بأهلها. بعض الإخوة عندهم قابلية للتطرف، ولديهم غلو شديد في التعامل، وأنا تكلمت مراراً وتكراراً أن العلاقة بين الزوجين لا تحكمها المعادلات الرياضية؛ إذ ليس الموضوع أن هذه حقوقي وواجباتي وتلك حقوقك وواجباتك، بل التعامل أساساً يبنى على التراحم: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء:١٩]، فمن المعروف الإحسان، ومن أفضل نساء العالمين فاطمة ﵍، فلما تزوجت قسمت الأعمال بينها وبين أم علي رضي الله تعالى عنه، فكان عليها وظائف البيت، وأمه لها وظائف خارج البيت، وهي بنت أشرف خلق الله ﵊، ومع ذلك هل قالت: أنا بنت الرسول ﵊، ولا يليق بي هذا؟ فالمفروض أن الأساس في التعامل بين الزوجين هو التسامح والتراحم والتغافر والإحسان. والرسول الذي هو أشرف خلق الله كان في خدمة أهله، وكان يخيط ثوبه، ويخصف نعله، ويرقع ثوبه، ويخدمهم في البيت، فإذا جاءت الصلاة كأنه لا يعرفهم ولا يعرفونه، تعظيماً لأمر الله! البيت ليس محكمة، ولا قسم شرطة، ولا ثكنة عسكرية يجتمع فيها جندي وضابط وعسكري، بل التراحم والتسامح والتساهل في التعامل، هو الأصل عند التنازع في الحقوق والواجبات. فنوصي الإخوة بأن يرحموا الأخوات، ويتقوا الله فيهن، ويراعوا أن المرأة لها تركيباتها العاطفية والنفسية والعقلية المخالفة للرجل، ولها خصائص ينبغي أن تراعى، وأن يرحمها حتى تكون العاقبة إن شاء الله أن يرى ذلك في أولاده فيما بعد.

стр. 378

طبيعة الطفل ومراحل نموه السؤال كيف يمكن معاملة الأطفال وهم صغار، وفي المراحل المختلفة من أعمارهم، ونأمرهم بالصلاة؟ الجواب إذا فهمنا طبيعة كل مرحلة من مراحل نمو الطفل نستطيع أن نفهم كيف نوصل له الرسالة التي نريد أن نوصلها إليه بما يطيقه، فالطفل في السنوات الأولى يكون تفكيره متحجراً، فهو تفكير مادي حسي لا يدرك إلا الأمور المحسوسة، وإذا نظرنا إلى الدراسات التربوية الحديثة ونتائجها التي يفرح بها الغرب جداً، ثم تأملنا في هدي النبي عليه الصلاة السلام، فإننا سنجد مظهراً جديداً من مظاهر الإعجاز وصدق النبوة. فالطفل في المراحل الأولى إلى سن سبع سنين أو قبل ذلك يدرك الأمور بالطريقة الحسية، ولو حدثته عن الجمال والعدل والنزاهة وغيرها من المعاني المجردة التي لم يدركها، لكن يدرك الأمور التي يراها بعينه، يراك تصلي فتجده راكعاً أو ساجداً على الأرض يعمل مثلك من غير أن تكلمه، فهو يتقمص شخصية الأب ويقلده؛ لأنه يتأثر بالأمور الحسية، البنت ترى أمها تستتر من الرجال فتعمل مثلها تماماً، ثم حينما تصلي تضع الحجاب وهكذا. فالأمور الحسية التي يراها أو يسمعها يدركها، لكن أمور المعاني لا يدركها، فلذلك الصلاة في المراحل الأولى ستلاحظ الطفل إذا كنت تحافظ على الصلاة أمامه سيحاول يقلدك، وبعد سبع سنين يبدأ الإنسان في أمره بالصلاة، حتى يتعود عليها، وبعد ذلك تتابع عليه الأوامر، لكن يربطه بالمسجد من غير قهر أو عقاب، بل نجعل له الصلاة مكافأة، فنقول له: إذا عملت الشيء الفلاني فسوف آخذك معي إلى المسجد، أعني: أن تحببه إلى المسجد. موضوع الضرب أيضاً يفهمه الناس خطأ: (واضربوهم عليها لعشر) فلنفرض أنه أمره إلى العاشرة، فهل يبدأ بالضرب؟ لا يبدأ بالضرب، وكما قلت: الضرب له شروط سنناقشها بالتفصيل إن شاء الله.

стр. 379

كيفية التعامل مع أب يطرد أبناءه السؤال أب غير ملتزم يصل به العنف إلى حد الطرد من المنزل بالأسابيع، وعدم قبوله في المنزل مع عدم الكلام، ولا يأكل معه، ويصرح له دائماً بأنه يكرهه، والابن أحياناً يحاول التقرب إلى أبيه فيزيد ذلك من حدة المعاملة، ولسوء معاملته فالابن يفر دائماً من الالتزام؟ الجواب المفروض أن يذهب هذا الأب لأخصائي نفسي ويأخذ استشارة منه، ولا أريد أن أقول: علاجاً؛ لأن ليس معنى الذهاب والتعامل مع أخصائي نفسي أنه سيعمل لك العلاج مباشرة، وليس معناه أنك مجنون، فهذا من الفهم المتخلف لموضوع الخبرة النفسية. والمفروض أن أولى من يمارس العلاج النفسي هم الدعاة إلى الله ؛ لأنهم أكفأ الناس وأقدرهم عليه، خاصة أنهم يعملون في ضوء الوحي الإلهي بجانب هذه العلوم المرتبة والمنسقة، لكن الواقع أن معظمنا عنده تقصير في هذا الجانب. أو يذهب إلى طبيب نفسي ملتزم ومتدين، وأضع عشرة خطوط تحت متدين أو ملتزم؛ لأنه يكون ذا خبرة حقيقية في هذه المجالات. المشكلة في هذا الأب وليس أولاده، فهو محتاج إلى استشارة نفسية، وإلى أن يعترف بأخطائه؛ لأن أول علاج أن نعترف بالخطأ، ومشكلتنا أننا ننكر ذلك دائماً، يظل الأب يضرب ويطرد ثم يتصور أن هذه هي التربية، وأن التربية أن يضرب وتهدر كرامته، وتحطم نفسيته حتى يكون رجلاً. وهذا تفكير عجيب جداً، فمثل هذه المشاكل الأب محتاج فيها إلى العلاج، ويحتاج إلى أن يذهب إلى أخصائي نفسي للاستشارة النفسية، ويعترف بكل سلوكياته مع أولاده. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 380

منثورات من أطايب الكلام يمر المرء أثناء قراءته في كتب أهل العلم بحكَم ومواعظ، وحكايات وأشعار ممتلئة بالفوائد، والعجائب، والمواقف النادرة، والعبر الباهرة، وهذا الدرس فيه منثورات من ذلك، وهذه المنثورات تختلف موضوعاتها، وتتفق في أنها من الحكمة والأدب.

стр. 381

فضل انتقاء أطايب الكلام الحمد لله، والصلاة ولاسلام على رسول الله، وبعد: هذا الدرس ليس هو كتاباً نشرحه أو نلخصه، وليس موضوعاً بعينه، ولا تصنيفاً لمؤلف باسمه، وليس مرتباً في أفكاره، وإنما هو بدعة تكون حسنة إن شاء الله، وليست بدعة شرعية مذمومة، وهو في الحقيقة تكرار لما سنه بعض الأئمة مما ينبغي أن نقتدي بهم فيه، وهو أن يتشبه الإنسان بمن يغوص في أعماق البحار ويستخرج اللآلئ والأشياء الثمينة، أو من يطوف في بستان ويقتطف من الثمار أفضلها وأنضجها وأنفعها، فيجمعها ويقدمها لإخوانه وأحبائه. وهذا المعنى عبر عنه بعض السلف بقوله: لولا ثلاث ما أحببت البقاء في الدنيا يوماً واحداً: ظمأ الهواجر -الصيام في الأيام الحارة-، وقيام الليالي الباردة، ومجالسة أقوام ينتقون أطايب الكلام كما ينتقى أطايب التمر. فكان من سنة السلف أنهم ينتقون النصائح التي تؤثر في القلوب أكثر من غيرها، وقد تعودت منذ سنوات طويلة أني متى وقفت على فائدة في أي موضوع من الموضوعات، فإني أدونها في قصاصة وأجعلها في صندوق خاص بالفوائد. نحن معشر البشر نشترك في الإحساس بالمعاني، ولكن قد لا نوفق جميعاً إلى المستوى الأدبي الراقي أو البديع الذي يعبر عن هذه المعاني ويصوغها في هذه العبارات كسمط اللآلئ المنظومة. وأنا أنصح جميع الإخوة أن يكون لهم مثل هذا الصندوق يضعون فيه قصاصات، فأي فائدة من حديث عبرة كلمة طيبة تحب أن تحفظها كي تتمثلها وتنتفع بها تلقيها فيه، ثم تدونها بعد ذلك في كراسة إن تيسر لك ذلك. فهي أفكار غير مرتبة كما ذكرنا لكن إن شاء الله يكون فيها نفع.

стр. 382

القصص عبرة هذه قصاصة فيها قول بعض العلماء: الحكايات جند من جنود الله تعالى يثبت الله بها قلوب أوليائه، قال: وشاهده قوله تعالى: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [هود:١٢٠]. هذه إشارة إلى فائدة الحكايات والقصص الحق الذي ليس بكذب، مثل قصص القرآن الكريم والقصص الذي جاء في السيرة النبوية، فهذه الحكايات هي جنود من جنود الله يثبت الله بها قلوب أوليائه. ويقول الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى: الحكايات عن العلماء ومحاسنهم أحب إلي من كثير من الفقه؛ لأنها آداب القوم. أي: فمن خلالها نعرف نطالع آداب السلف الصالح رحمهم الله تعالى، وشاهد هذا قوله ﵎: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام:٩٠]، كيف نقتدي بهم إن لم نطلع على آدابهم؟ وقوله : ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [يوسف:١١١]. وقال سفيان بن عيينة: عند ذكر الصالحين تنزل الرحمة. وقال أبو محمد التيمي كأنه يشير إلى أدب يناسب ذكر الصالحين، وهذا الأدب ينبغي أن يحفظه كل طالب علم مع شيخه ومؤدبه ومن يستفيد منه حتى من اللاحقين، يقول: يقبح بكم أن تستفيدوا منا ثم تذكرونا ولا تترحموا علينا. أي: يقبح أن تستفيدوا من دروس العلماء ونصائحهم أو من كتبهم التي صنفوها، ثم تقولوا: قال الإمام فلان؛ دون أن تقولوا: ﵀، ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ﴾ [الرحمن:٦٠] فقابل ذلك بالدعاء له برحمة الله ﵎.

стр. 383

مقياس المحبة للنبي ﷺ هنا فتوى فيها إشارة إلى معنى عظيم جداً، وأنا لما قرأت هذه الكلمة دعوت لهذا الإمام الذي أفتى بهذه الفتوى، وقلت: فرج الله عنك؛ كما دعا له من أجاب هو سؤالهم، وأرجو أن من ينتفع منكم يدعو لي بنفس هذه الدعوة، فقد سأل رجل الإمام أسد بن الفرات عن حديث النبي ﷺ : (لا يكون الرجل مؤمناً حتى أكون أحب إليه من نفسه وولده وأهله وماله والناس أجمعين)، فقال ذلك الرجل للإمام أسد بن الفرات: أخاف ألا أكون كذلك؟ فقال له الإمام أسد بن الفرات: أرأيت لو كان النبي ﷺ بين أظهرنا فقرب ليقتل، أكنت تفديه بنفسك؟ قال: نعم، قال: وبأهلك وولدك؟ قال: نعم، قال: فلا بأس، فقال الرجل: فرجتها عني فرج الله عنك! فأعطاه هذا المقياس؛ لأن قلب المؤمن الذي يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، لا يمكن أبداً أن يخلو من أصل محبة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فالعلامة الحية والبارزة على هذا هو ما ذكرناه هنا، وهي مشار إليها في القرآن في قوله ﵎: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب:٦]، أي أن الرسول ﵊ أولى بك من روحك ونفسك التي بين جنبيك، وهذا هو المعنى الذي عبر عنه هذا الرجل في جوابه، وقال ﵎: ﴿وَلا يَرْغَبُوا بِأَنفُسِهِمْ عَن نَفسِهِ﴾ [التوبة:١٢٠] لذلك قال له الرجل: فرجتها عني فرج الله عنك، فقد أتاه بالميزان الذي يثبت له فعلاً وجود هذه المحبة للنبي ﵌. فائدة أخرى: يقول بعض العلماء في تعليل تمتعه وتلذذه بذكر حديث رسول الله ﷺ وسنته: لم أسم في طلب الحديث لسمعة أو لاجتماع قديمه وحديثه لكن إذا فات المحب لقاء من يهوى تعلل باستماع حديثه يعني: إذا كانت مقابلة رسول الله ﵊ قد فاتتني فأنا أتمتع بسماع حديثه كأني قابلته. أهل الحديث هم أهل الرسول وإن لم يصحبوا نفسه أنفاسه صحبوا يعني: صحبوا أحاديثه وأقواله ﷺ .

стр. 384

القبول للمتقين هذه نصيحة من ضيغم العابد يقول: إن لم تأت الآخرة للمؤمن بالسرور، لقد اجتمع عليه الأمران هم الدنيا وشقاء الآخرة، فقيل له: كيف لا تأتيه الآخرة بالسرور وهو يتعب في دار الدنيا ويدأب؟ فقال: وكيف بالقبول وكيف بالسلامة؟ ثم قال: كم من رجل يرى أنه قد أصلح عمله يجمع ذلك كله يوم القيامة ثم يضرب به وجهه، ومن هنا كان عامر بن عبد قيس وغيره يقلقون من هذه الآية: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة:٢٧].

стр. 385

عظم نعم الله وجاء رجل إلى يونس بن عبيد فشكا إليه ضيقاً من حاله ومعاشه واغتماماً بذلك، فقال: أيسرك ببصرك مائة ألف؟ فالرجل جاء يشكو أنه لا يجد القوت ولا الطعام وكثرة العيال وهم الدنيا والفقر، فشكا إليه ولم يذكر نعم الله عليه ولم يحمد الله ، ولم يعدل في القضية؛ لأنه إذا سلب منه شيء أو ضيق عليه في باب فقد وسع عليه في أبواب كثيرة من النعم التي لا تحصى، فجاء هذا الرجل إلى يونس بن عبيد فشكا إليه ضيقاً من حاله ومعاشه فقال: أيسرك ببصرك مائة ألف؟ يعني: أيسرك بدل بصرك مائة ألف دينار؟ قال: لا. قال: فبسمعك؟ قال: لا، قال: فبلسانك؟ قال: لا، قال: فبعقلك؟ قال: لا، ثم قال يونس: ألا أرى لك مئين ألوفاً وأنت تشكو الحاجة! أي: عندك مئات الآلاف وأنت تشكو الفقر. كثير من النعم لا نحس بها؛ لأننا مغمورون فيها ولم نبتل بفقدها، فلنذكر نعمة قد لا يستحضر أحد أنها نعمة، وهي خروج البول والغائط من الإنسان، كما جاء أحدهم لأحد الملوك وقد أصيب باحتباس البول فقال له: كم تدفع في سبيل أن أعالجك حتى تخرج هذه البولة؟ فذكر له الأرقام الفلكية التي تليق بالملوك والرؤساء. هو يقول: أنا مستعد أن أتنازل عن جميع ملكي في سبيل أن أعالج من هذه الحالة، فقال: اتق الله في ملك لا يساوي مثل هذا الشيء الذي يخرج من بدنك، فهذه نعمة، لكن قل من يستحضرها إلا إذا ابتلاه الله .

стр. 386

إخلاص العمل واتباع الأمر يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: إذا لم تجد للعمل حلاوة في قلبك وانشراحاً فاتهمه، فإن الرب تعالى شكور. إذا تقربت إلى الله بعمل صالح، وبالتالي لم تجد في قلبك حلاوة وفي صدرك انشراحاً، فعملك هذا فيه آفة؛ لأن عملك إذا سلم من الآفات فإن الله شكور، يشكر لمن يتقرب إليه بهذه الطاعات، فإذا كان عملك بلا آفة وتقبله الله منك فلابد أن يعقبك حلاوة في قلبك بسبب هذه الطاعة وانشراحاً في صدرك، فبما أن الله لم يوجد في قلبك ذلك فهو لم يقبل منك هذا العمل، أو هناك آفة في عملك، فراجع نفسك. وعن شمر عن رجل قال: كنت عريفاً في زمن علي فأمرنا بأمر فقال: أفعلتم ما أمرتم؟ قلنا: لا، قال: والله لتفعلن ما تؤمرون به أو لتركبن أعناقكم اليهود والنصارى. وقال ابن طاهر المقدسي الحافظ: سمعت الإمام أبا إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري بهراة يقول: عرضت على السيف خمس مرات، لا يقال لي ارجع عن مذهبك، لكن يقال لي: اسكت عمن خالفك، فأقول: لا أسكت. فانظر إلى هذه الشجاعة الأدبية لأئمة المسلمين.

стр. 387

أشعار فيها مناجاة هذه بعض الأشعار فيها مناجاة لله ، وبعض المعاني الطيبة، فهذا أحد العلماء الأفاضل يتكلم على وجوب الإخلاص في العمل لله وإلا فإن العمل يذهب هباء منثوراً، يقول: سهر العيون لغير وجهك ضائع وبكاؤهن لغير فقدك باطل ويقول آخر: إليك وإلا لا تشد الركائب ومنك وإلا فالمؤمل خائب وفيك وإلا فالغرام مضيع وعنك وإلا فالمحدث كاذب ويقول آخر: إلهي يا كثير العفو عفواً لما أسلفت في زمن الشباب فقد سودت بالآثام وجهاً ذليلاً خاضعاً لك في التراب فبيضه بحسن العفو وجهي وسامحني وخفف من عذابي ويقول آخر: لبست ثوب الرجا والناس قد رقدوا وقمت أشكو إلى مولاي ما أجد وقلت يا عدتي في كل نائبة ومن عليه لكشف الضر أعتمد وقد مددت يدي والضر مشتمل إليك يا خير من مدت إليه يد فلا تردنها يا رب خائبة فبحر جودك يروي كل من يرد وآخر يقول في مناجاة جميلة هي من أروع ما تكون المناجاة: يا من يرى ما في الضمير ويسمع أنت المعد لكل ما يتوقع يا من يرجى في الشدائد كلها يا من إليه المشتكى والمفزع يا من خزائن رزقه في قول كن امنن فإن الخير عندك أجمع ما لي سوى فقري إليك وسيلة فبالافتقار إليك فقري أدفع ما لي سوى قرعي لبابك حيلة فلئن رددت فأي باب أقرع ومن الذي أدعو وأهتف باسمه إن كان فضلك عن فقيرك يمنع حاشا لجودك أن تقنط عاصياً فالفضل أجزل والمواهب أوسع ويقول آخر: يا رب إن عظمت ذنوبي كثرة فلقد علمت بأن عفوك أعظم إن كان لا يرجوك إلا محسن فمن الذي يدعو ويرجو المجرم أدعوك رب كما أمرت تضرعاً فإذا رددت يدي فمن ذا يرحم ما لي إليك وسيلة إلا الرجا وجميل عفوك ثم إني مسلم ويقول آخر: قدمت بين يدي نفساً أذنبت وأتيت بين الخوف والإقرار وجعلت أستر عن سواك ذنوبها حتى عييت فَمُنَّ لي بستار

стр. 388

أشعار في الاتعاظ بالموت هذه أيضاً جملة من الأشعار في الاتعاظ بالموت وبالقبور يقول: قدم لنفسك ما استطعت من التقى إن المنية نازلة بك يا فتى أصبحت ذا فرح كأنك لا ترى أحباب قلبك في المقابر والبلى ويقول آخر: عجبت لمن يبكي على موت غيره دموعاً ولا يبكي على موته دماً وأعجب من ذا أن يرى عيب غيره عظيماً وفي عينيه عن عيبه عمى ووجد مكتوباً عن على قبر سيبويه أستاذ النحاة: ذهب الأحبة بعد طول تزاور ونأى المزار فأسلموك وأقشعوا تركوك أوحش ما تكون بقفرة لم يؤنسوك وكربة لم يدفعوا قضي القضاء وصرت صاحب حفرة عنك الأحبة أعرضوا وتصدعوا ويقول آخر: وقفت على الأحبة حين صدفة قبورهم كأفراط الرهان فلما أن بكيت وفاض دمعي رأت عيناي بينهم مكاني ويقول آخر: ستنقلك المنايا عن ديارك ويبدلك الردى داراً بدارك وتترك ما عنيت به زماناً وتنقل من غناك إلى افتقارك فدود القبر في عينيك يرعى وترعى عين غيرك في ديارك ويقول آخر: يا من سينأى عن بنيه كما نأى عنه أبوه مثل لنفسك قولهم جاء اليقين فوجهوه وتحللوا من ظلمه قبل الممات وحللوه ويقول آخر: لكل اجتماع من خليلين فرقة وكل الذي دون الفراق قليل وإن افتقادي واحداً بعد واحد دليل على ألا يدوم خليل ويقول آخر: إن كنت أعلم علماً يقيناً بأن جميع حياتي كساعه فلم لا أكون ضنيناً بها وأجعلها في صلاح وطاعه ويقول آخر: نموت وننسى غير أن ذنوبنا وإن نحن متنا لا تموت ولا تنسى ألا رب ذي عينين لا تنفعانه وهل تنفع العينان من قلبه أعمى ويقول آخر: نراع إذا الجنائز قابلتنا ويحزننا بكاء الباكيات كروعة ثلة لمغار سبع فلما غاب عادت راتعات أي: مثل ثلة من الناس أغار عليهم سبع فارتاعوا لذلك، فلما غاب عنها السبع عادت ترتع من جديد وتعبث وتلهو وكأن السبع لم يهددها. ويقول آخر: أذان المرء حين الطفل يأتي وتأجيل الصلاة إلى الممات بيان أن محياه يسير كما بين الأذان إلى الصلاة يقول: إن الوقت بين ميلاده وموته وقت سريع وخاطف كالوقت بين الأذان والإقامة، وبيان ذلك أن الأذان يؤذن في أذنه حين يولد، أما صلاة الجنازة فتكون بعد خروج روحه، فحياة الإنسان شبيهة بالوقت الذي بين الأذان والصلاة.

стр. 389

من مواقف الأئمة

стр. 390

مالك والملبسون عن سعيد بن بشير قال: كان مالك إذا سئل عن مسألة يظن أن صاحبها غير متعلم وأنه يريد المغالطة -أي يظن أنه يريد المغالطة والتشكيك والجدل والتعنت، ولا يقصد الاستفهام ولا الرغبة في العلم- فكان الإمام مالك يزجره بهذه الآية: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام:٩]. وقال قتادة: لما احتضر عامر بكى فقيل: ما يبكيك؟ قال: ما أبكي جزعاً من الموت ولا حرصاً على الدنيا، ولكن أبكي على ظمأ الهواجر وقيام الليل.
следующие страницы →