Полный текст (2 122 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
إخلاص العمل واتباع الأمر
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: إذا لم تجد للعمل حلاوة في قلبك وانشراحاً فاتهمه، فإن الرب تعالى شكور.
إذا تقربت إلى الله بعمل صالح، وبالتالي لم تجد في قلبك حلاوة وفي صدرك انشراحاً، فعملك هذا فيه آفة؛ لأن عملك إذا سلم من الآفات فإن الله شكور، يشكر لمن يتقرب إليه بهذه الطاعات، فإذا كان عملك بلا آفة وتقبله الله منك فلابد أن يعقبك حلاوة في قلبك بسبب هذه الطاعة وانشراحاً في صدرك، فبما أن الله لم يوجد في قلبك ذلك فهو لم يقبل منك هذا العمل، أو هناك آفة في عملك، فراجع نفسك.
وعن شمر عن رجل قال: كنت عريفاً في زمن علي فأمرنا بأمر فقال: أفعلتم ما أمرتم؟ قلنا: لا، قال: والله لتفعلن ما تؤمرون به أو لتركبن أعناقكم اليهود والنصارى.
وقال ابن طاهر المقدسي الحافظ: سمعت الإمام أبا إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري بهراة يقول: عرضت على السيف خمس مرات، لا يقال لي ارجع عن مذهبك، لكن يقال لي: اسكت عمن خالفك، فأقول: لا أسكت.
فانظر إلى هذه الشجاعة الأدبية لأئمة المسلمين.
стр. 387
أشعار فيها مناجاة
هذه بعض الأشعار فيها مناجاة لله ، وبعض المعاني الطيبة، فهذا أحد العلماء الأفاضل يتكلم على وجوب الإخلاص في العمل لله وإلا فإن العمل يذهب هباء منثوراً، يقول: سهر العيون لغير وجهك ضائع وبكاؤهن لغير فقدك باطل ويقول آخر: إليك وإلا لا تشد الركائب ومنك وإلا فالمؤمل خائب وفيك وإلا فالغرام مضيع وعنك وإلا فالمحدث كاذب ويقول آخر: إلهي يا كثير العفو عفواً لما أسلفت في زمن الشباب فقد سودت بالآثام وجهاً ذليلاً خاضعاً لك في التراب فبيضه بحسن العفو وجهي وسامحني وخفف من عذابي ويقول آخر: لبست ثوب الرجا والناس قد رقدوا وقمت أشكو إلى مولاي ما أجد وقلت يا عدتي في كل نائبة ومن عليه لكشف الضر أعتمد وقد مددت يدي والضر مشتمل إليك يا خير من مدت إليه يد فلا تردنها يا رب خائبة فبحر جودك يروي كل من يرد وآخر يقول في مناجاة جميلة هي من أروع ما تكون المناجاة: يا من يرى ما في الضمير ويسمع أنت المعد لكل ما يتوقع يا من يرجى في الشدائد كلها يا من إليه المشتكى والمفزع يا من خزائن رزقه في قول كن امنن فإن الخير عندك أجمع ما لي سوى فقري إليك وسيلة فبالافتقار إليك فقري أدفع ما لي سوى قرعي لبابك حيلة فلئن رددت فأي باب أقرع ومن الذي أدعو وأهتف باسمه إن كان فضلك عن فقيرك يمنع حاشا لجودك أن تقنط عاصياً فالفضل أجزل والمواهب أوسع ويقول آخر: يا رب إن عظمت ذنوبي كثرة فلقد علمت بأن عفوك أعظم إن كان لا يرجوك إلا محسن فمن الذي يدعو ويرجو المجرم أدعوك رب كما أمرت تضرعاً فإذا رددت يدي فمن ذا يرحم ما لي إليك وسيلة إلا الرجا وجميل عفوك ثم إني مسلم ويقول آخر: قدمت بين يدي نفساً أذنبت وأتيت بين الخوف والإقرار وجعلت أستر عن سواك ذنوبها حتى عييت فَمُنَّ لي بستار
стр. 388
أشعار في الاتعاظ بالموت
هذه أيضاً جملة من الأشعار في الاتعاظ بالموت وبالقبور يقول: قدم لنفسك ما استطعت من التقى إن المنية نازلة بك يا فتى أصبحت ذا فرح كأنك لا ترى أحباب قلبك في المقابر والبلى ويقول آخر: عجبت لمن يبكي على موت غيره دموعاً ولا يبكي على موته دماً وأعجب من ذا أن يرى عيب غيره عظيماً وفي عينيه عن عيبه عمى ووجد مكتوباً عن على قبر سيبويه أستاذ النحاة: ذهب الأحبة بعد طول تزاور ونأى المزار فأسلموك وأقشعوا تركوك أوحش ما تكون بقفرة لم يؤنسوك وكربة لم يدفعوا قضي القضاء وصرت صاحب حفرة عنك الأحبة أعرضوا وتصدعوا ويقول آخر: وقفت على الأحبة حين صدفة قبورهم كأفراط الرهان فلما أن بكيت وفاض دمعي رأت عيناي بينهم مكاني ويقول آخر: ستنقلك المنايا عن ديارك ويبدلك الردى داراً بدارك وتترك ما عنيت به زماناً وتنقل من غناك إلى افتقارك فدود القبر في عينيك يرعى وترعى عين غيرك في ديارك ويقول آخر: يا من سينأى عن بنيه كما نأى عنه أبوه مثل لنفسك قولهم جاء اليقين فوجهوه وتحللوا من ظلمه قبل الممات وحللوه ويقول آخر: لكل اجتماع من خليلين فرقة وكل الذي دون الفراق قليل وإن افتقادي واحداً بعد واحد دليل على ألا يدوم خليل ويقول آخر: إن كنت أعلم علماً يقيناً بأن جميع حياتي كساعه فلم لا أكون ضنيناً بها وأجعلها في صلاح وطاعه ويقول آخر: نموت وننسى غير أن ذنوبنا وإن نحن متنا لا تموت ولا تنسى ألا رب ذي عينين لا تنفعانه وهل تنفع العينان من قلبه أعمى ويقول آخر: نراع إذا الجنائز قابلتنا ويحزننا بكاء الباكيات كروعة ثلة لمغار سبع فلما غاب عادت راتعات أي: مثل ثلة من الناس أغار عليهم سبع فارتاعوا لذلك، فلما غاب عنها السبع عادت ترتع من جديد وتعبث وتلهو وكأن السبع لم يهددها.
ويقول آخر: أذان المرء حين الطفل يأتي وتأجيل الصلاة إلى الممات بيان أن محياه يسير كما بين الأذان إلى الصلاة يقول: إن الوقت بين ميلاده وموته وقت سريع وخاطف كالوقت بين الأذان والإقامة، وبيان ذلك أن الأذان يؤذن في أذنه حين يولد، أما صلاة الجنازة فتكون بعد خروج روحه، فحياة الإنسان شبيهة بالوقت الذي بين الأذان والصلاة.
стр. 389
من مواقف الأئمة
стр. 390
مالك والملبسون
عن سعيد بن بشير قال: كان مالك إذا سئل عن مسألة يظن أن صاحبها غير متعلم وأنه يريد المغالطة -أي يظن أنه يريد المغالطة والتشكيك والجدل والتعنت، ولا يقصد الاستفهام ولا الرغبة في العلم- فكان الإمام مالك يزجره بهذه الآية: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام:٩].
وقال قتادة: لما احتضر عامر بكى فقيل: ما يبكيك؟ قال: ما أبكي جزعاً من الموت ولا حرصاً على الدنيا، ولكن أبكي على ظمأ الهواجر وقيام الليل.
стр. 391
عبد الرحمن بن أبان يجمع بين الدين والملك والشرف
وقال موسى التيمي وهو يصف عبد الرحمن بن أبان بن عثمان بن عفان: ما رأيت أحداً أجمع للدين والمملكة والشرف منه.
وقيل: كان يشتري أهل البيت من الرقيق، فيكسوهم ويعتقهم، ويقول: أستعين بهم على غمرات الموت، فمات وهو نائم في مسجده.
وقيل: كان كثير العبادة والتأله، رآه علي بن عبد الله بن عباس فأعجبه نسكه وهديه، فاقتدى به في الخير.
стр. 392
الشافعي يرشد تلاميذه
وقال الربيع: سمعت الشافعي يقول: المراء في الدين يقسي القلب ويورث الضغائن.
والمراء هو: الجدل في الدين.
وعن المزني: إن كان أحد يخرج ما في ضميري وما تعلق به خاطري من أمر التوحيد فـ الشافعي.
يشير المزني إلى أن هناك بعض الوساوس في التوحيد كان ترد عليه أحياناً من الشيطان، فما استطاع أحد أن يعالجه من هذا الأمر إلا الشافعي، فحكى القصة قال: صرت إليه وهو في مسجد مصر، فلما جثوت بين يديه قلت: هجس في ضميري مسألة في التوحيد فعلمت أن أحداً لا يعلم علمك، فما الذي عندك؟ فغضب الشافعي وقال: أتدري أين أنت؟ يشير إليه أنت الآن في بلدة مصر.
قلت: نعم، فقال له الشافعي: هذا الموضع الذي أغرق الله فيه فرعون، أبلغك أن رسول الله ﷺ أمر بالسؤال عن ذلك؟ قلت: لا، قال: هل تكلم فيه الصحابة؟ قلت: لا، قال: تدري كم نجماً في السماء؟ قلت: لا، فكوكب منها تعرف جنسه وطلوعه وطوله ومم خلق؟ قلت: لا، قال: فشيء تراه بعينك من الخلق لست تعرفه تتكلم في علم خالقه.
ثم سألني عن مسألة في الوضوء فأخطأت فيها، ففرعها على أربعة أوجه فلم أصب في شيء منها، فقال: شيء تحتاج إليه في اليوم خمس مرات، تدع علمه وتتكلف علم الخالق، إذا هجس في ضميرك ذلك فارجع إلى الله وإلى قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [البقرة:١٦٣ - ١٦٤] إلى آخر الآيات -يرشده إلى التفكر في مخلوقات الله- فاستدل بالمخلوق على الخالق ولا تتكلف علم ما لم يبلغه عقلك، قال: فتبت.
стр. 393
إمام سني يدمغ شبهة المعتزلة
وعن المرتجي بالله محمد بن الواثق العباسي قال: كان أبي إذا أراد أن يقتل أحداً أحضرنا، فأتي بشيخ مقيد، فقال: ائذنوا لـ أبي عبد الله وأصحابه، يقصد بذلك أحمد بن أبي دؤاد شيخ المعتزلة الضال.
قال: فأدخل الشيخ الذي سيقتل فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين! فقال: لا سلم الله عليك فقال: يا أمير المؤمنين، بئسما أدبك مؤدبك! قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء:٨٦].
فقال ابن أبي دؤاد: الرجل متكلم! أي: يبدو أن عنده قدرة على الجدل والمناظرة.
فقال له: كلمه، فقال أحمد بن أبي دؤاد للشيخ: ما تقول في القرآن؟ قال: لم ينصفني ولي السؤال، قال: سل، قال: ما تقول في القرآن؟ قال: مخلوق! قال الشيخ: هذا شيء علمه النبي ﷺ وأبو بكر وعمر والخلفاء الراشدون أم شيء لم يعلموه؟ قال: شيء لم يعلموه، فقال: سبحان الله! شيء لم يعلمه النبي ﷺ علمته أنت؟! فخجل، فقال: أقلني.
قال: المسألة بحالها، قال: نعم علموه، قال: علموه ولم يدعوا الناس إليه؟ قال: نعم، قال: أفلا وسعك ما وسعهم؟ قال: فقام أبي فدخل مجلساً واستلقى وهو يقول: شيء لم يعلمه النبي ﷺ ولا أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ولا الخلفاء الراشدون علمته أنت، سبحان الله! شيء علموه ولم يدعوا الناس إليه أفلا وسعك ما وسعهم؟ ثم أمر برفع قيوده وأن يعطى أربعمائة دينار ويؤذن له في الرجوع، وسقط من عينه ابن أبي دؤاد ولم يمتحن أحداً بعدها.
стр. 394
الروافض شر من الخوارج
حكى الذهبي أن بعض علماء السنة اتفقوا مع الخوارج على مواجهة الدولة العبيدية الفاطمية الملحدة هنا في مصر، فقال: وعوتب بعض العلماء في الخروج مع أبي يزيد الخارجي فقال: وكيف لا أخرج وقد سمعت الكفر بأذني؛ حضرت عقداً فيه جمع من أهل السنة والمشارقة، وفيهم أبو قضاعة الداعي، فجاء رئيس فقال كبير منهم: إلى هنا يا سيدي ارتفع إلى جانب رسول الله -يعني بذلك أبا قضاعة - فما نطق أحد.
وخرج أبو إسحاق الفقيه مع أبي يزيد وقال: هم من أهل القبلة وأولئك ليسوا أهل قبلة، وهم بنو عدو الله، فإن ظفرنا بهم لم ندخل تحت طاعة أبي يزيد؛ لأنه خارجي.
стр. 395
لا تكن إمعة
وعن أبي الأحوص عن عبد الله يعني ابن مسعود قال: لا يقلدن أحدكم دينه رجلاً فإن آمن آمن وإن كفر كفر، وإن كنتم مقتدين فاقتدوا بالميت، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة.
وقال عبد الله: لا تكونن إمعة قيل: وما الإمعة؟ قال: يقول: أنا مع الناس إن اهتدوا اهتديت، وإن ضلوا ضللت، ألا ليوطنن أحدكم نفسه على أنه إن كفر الناس ألا يكفر.
وعن مطرف قال: كنا نأتي زيد بن صوحان فكان يقول: يا عباد الله أكرموا وأجملوا، فإنما وسيلة العبادة إلى الله بخصلتين الخوف والطمع، فأتيته ذات يوم وقد كتبوا كتاباً فنسقوا كلاماً من هذا النحو: إن الله ربنا، ومحمداً نبينا، والقرآن إمامنا، ومن كان معنا كنا وكنا، ومن خالفنا كانت يدنا عليه وكنا وكنا، قال: فجعل يعرض الكتاب عليهم رجلاً رجلاً فيقولون: أقررت يا فلان؟ حتى انتهوا إلي فقالوا: أأقررت يا غلام؟ قلت: لا، قال: -يعني: زيداً -: لا تعجلوا على الغلام، ما تقول يا غلام؟ قلت: إن الله قد أخذ علي عهداً في كتابه، فلن أحدث عهداً سوى العهد الذي أخذه علي، فرجع القوم من عند آخرهم ما أقر منهم أحد، وكانوا زهاء ثلاثين نفساً.
стр. 396
مواقف من التقوى
وعن الشافعي قال: ما كابرني أحد على الحق ودافع إلا سقط من عيني، ولا قبله إلا هبته واعتقدت مودته.
وعن سحنون قال: كان بعض من مضى يريد أن يتكلم الكلمة ولو تكلم بها لانتفع بها خلق كثير، فيحبسها ولا يتكلم بها مخافة المباهاة، وكان إذا أعجبه الصمت تكلم، ويقول: أجرأ الناس على الفتيا أقلهم علماً.
وعن أبي الأحوص قال: قالت بنت لجار منصور بن المعتمر: يا أبه! أين الخشبة التي كانت في سطح بيت منصور قائمة؟ قال: يا بنيه! ذاك منصور كان يقوم الليل، فكانت البنت ترى منصوراً من كثرة قيامه الليل كأنه خشبة قائمة على السطح؛ ولكن لأن البيت بعيد فما كانت تتحقق في ملامحه، فهذا يعني أن السلف ما كان يتدخل أحد فيما لا يعنيه، فسألت لما فقدت الخشبة، كما يقول بعض الشعراء في هؤلاء الفضوليين: ما يريد الناس منا ما ينام الناس عنا لو سكنا باطن الأر ض لكانوا حيث كنا إنما همهم أن ينشروا ما قد دفنا وعن عاصم بن عصام البيهقي قال: بت ليلة عند أحمد بن حنبل فجاء بماء فوضعه، فلما أصبح نظر إلى الماء لم ينقص فقال: سبحان الله! رجل يطلب العلم لا يكون له ورد بالليل! وقال إسحاق بن إبراهيم: سمعت الفضيل يقول: إذا لم تقدر على قيام الليل وصيام النهار، فاعلم أنك محروم مكبل، كبلتك خطيئتك.
стр. 397
الشجاعة في الحق والتضحية في سبيله
стр. 398
قاض يصلب لإصراره على الحق
وقال الذهبي في ترجمة قاضي مدينة برقة محمد بن الحبري: أتاه الأمير فقال: غداً العيد، قال: حتى نرى الهلال ولا أفطر الناس وأتقلد إثمهم، فقال: بهذا جاء كتاب المنصور.
يقول الذهبي: وكان هذا من رأي العبيدية يفطرون بالحساب ولا يعتبرون رؤية، فلم ير الهلال، فأصبح الأمير بالطبول وأهبة العيد، فقال القاضي: لا أخرج ولا أصلي، فأمر الأمير رجلاً خطب وكتب بما جرى إلى المنصور، فطلب القاضي إليه فأحضر، فقال له: تنصل وأعفو عنك، فامتنع، فأمر به فعلق في الشمس إلى أن مات، وكان يستغيث من العطش فلم يسق، ثم صلبوه على خشبة؛ فلعنة الله على الظالمين.
وعن أبي عبد الرحمن العمري قال: إن من غفلتك إعراضك عن الله بأن ترى ما يسخطه فتتجاوزه، ولا تأمر ولا تنهى خوفاً ممن لا يملك ضراً ولا نفعاً.
стр. 399
علي بن أبي الطيب وابن سبكتكين
وقال الذهبي في ترجمته للإمام علي بن أبي الطيب: إنه حمل إلى السلطان محمود بن سبكتكين ليسمع وعظه، فلما دخل جلس بلا إذن، وأخذ في رواية الحديث بلا أمر، فتنمر له السلطان، فأمر غلاماً فلكمه لكمة أطرشته، فعرفه بعض الحاضرين منزلته في الدين والعلم، فاعتذر إليه وأمر له بمال فامتنع، فقال يا شيخ: إن للملك صولة وهو محتاج إلى السياسة، ورأيت أنك تعديت الواجب، فاجعلني في حل، فقال: الله بيننا بالمرصاد، وإنما أحضرتني للوعظ وسماع أحاديث رسول الله ﷺ ، وللخشوع، لا لإقامة قوانين الرياسة، فخجل الملك واعتنقه.
стр. 400
عبد الله بن حذافة وملك الروم
وعن أبي رافع قال: وجه عمر جيشاً إلى الروم، فأسروا عبد الله بن حذافة، فذهبوا به إلى ملكهم، فقالوا له: إن هذا من أصحاب محمد ﵊، فقال: هل لك أن تتنصر وأعطيك نصف ملكي، قال: لو أعطيتني جميع ما تملك وجميع ما تملك العرب ما رجعت عن دين محمد طرفة عين، قال: إذاً أقتلك، قال: أنت وذاك! فأمر به فصلب، وقال للرماة: ارموه قريباً من بدنه، وهو يعرض عليه التنصر وهو يأبى، فأنزله، ودعا بقدر فصب فيها ماء وأوقدت تحتها نار حتى احترقت ودعا بأسيرين من المسلمين، فأمر بأحدهما فألقي فيها وهو يعرض عليه النصرانية وهو يأبى، ثم بكى عبد الله بن حذافة، فقيل للملك: إنه بكى، فظن أنه قد جزع، فقال: ردوه! ما أبكاك؟ قال: قلت: هي نفس واحدة تلقى الساعة فتذهب، فكنت أشتهي أن يكون بعدد شعري أنفس تلقى في النار في الله.
فقال له الطاغية: هل لك أن تقبل رأسي وأخلي عنك، فقال له عبد الله: وعن جميع الأسارى؟ قال: نعم، فقبل رأسه وقدم بالأسارى على عمر قال عمر: حق على كل مسلم أن يقبل رأس ابن حذافة، وأنا أبدأ، فقبل رأسه؛ ﵃ أجمعين!
стр. 401
من أخبار الجهاد
стр. 402
موقف أبي عقيل الأنصاري يوم اليمامة
وعن جعفر بن عبد الله بن أسلم قال: لما كان يوم اليمامة واصطف الناس كان أول من جرح أبو عقيل، رمي بسهم فوقع بين منكبه وفؤاده في غير مقتل، فأخرج السهم، ووهن له شقه الأيسر في أول النهار، وجر إلى الرحل، فلما حمي القتال وانهزم المسلمون وجاوزوا رحالهم وأبو عقيل واهن من جرحه، سمع معن بن عدي يصيح: يا للأنصار! الله الله والكرة على عدوكم! قال عبد الله بن عمر: فنهض أبو عقيل يريد قَوْمَةً، فقلت: ما تريد؟ ما فيك قتال أنت مجروح! قال: قد نوه المنادي باسمي.
قال ابن عمر: فقلت له: إنما يقول: يا للأنصار! ولا يعني الجرحى؟ فقال أبو عقيل: أنا من الأنصار، وأنا أجيبه ولو حبواً، قال ابن عمر: فتحزم أبو عقيل وأخذ السيف بيده اليمنى، ثم جعل ينادي يا للأنصار! كرة كيوم حنين! فاجتمعوا رحمكم الله جميعاً فالمسلمون دريئة دون عدوهم.
فاجتمعوا حتى أقحموا عدوهم الحديقة، فاختلطوا واختلفت السيوف بيننا وبينهم، قال ابن عمر: فنظرت إلى أبي عقيل وقد قطعت يده المجروحة من المنكب، فوقعت إلى الأرض، وبه من الجراح أربعة عشر جرحاً كلها قد خلصت إلى مقتل، وقتل عدو الله مسيلمة.
قال ابن عمر: فوقفت على أبي عقيل وهو صريع في آخر رمق، فقلت: يا أبا عقيل! فقال بلسان ملتاث: لبيك لمن الدبرة؟ يريد أن يطمئن قبل أن يغادر الدنيا من الذي انتصر؟ قلت: أبشر! قد قتل عدو الله، فرفع أصبعه إلى السماء يحمد الله، ومات ﵀.
стр. 403
رجل يدفع نفسه للجهاد دفعاً
وعن عبد الله بن قيس أبي أمية الغفاري قال: كنا في غزاة لنا فحضر العدو، فصيح في الناس فهم يثوبون إلى مصافهم، إذا رجل أمامي رأس فرسي عند عجز فرسه، وهو يخاطب نفسه ويقول: أي نفس! ألم أشهد مشهد كذا وكذا فقلت لي: أهلك وعيالك! فأطعتك ورجعت، ألم أشهد مشهد كذا وكذا فقلت لي: أهلك وعيالك! فأطعتك ورجعت، والله لأعرضنك اليوم على الله أخذك أو تركك، فقلت: لأرمقن هذا الرجل أنظر كيف يفعل.
فرمقته، فحمل الناس على عدوهم فكان في أوائلهم، ثم إن العدو حمل على الناس فانكشفوا، فكان في حماتهم، ثم إن الناس حملوا فكان في أوائلهم، ثم حمل العدو وانكشف الناس فكان في حماتهم، قال: فوالله ما زال ذلك دأبه حتى رأيته صريعاً، فعددت به وبدابته أكثر من ستين طعنة.
стр. 404
المجاهد بالدعاء
وقال الأصمعي: لما صاف قتيبة بن مسلم بالترك وهاله أمرهم؛ لأن الجيش قوي جداً بالنسبة لجيش المسلمين، سأل عن محمد بن واسع فقيل: هو ذاك في الميمنة جامح على قوسه يبصبص بأصبعه نحو السماء، -أي: من شدة الإلحاح في الدعاء- فقال قتيبة بن مسلم: تلك الإصبع أحب إلي من مائة ألف سيف شهير وشاب طرير! وذلك لأنه يطمع أن يستجيب الله دعاء هذا الرجل الصالح، فينصر المسلمين بدعائه.
стр. 405
أبو بكر النابلسي وجهاد العبيديين
وقال الذهبي في ترجمته لـ أبي بكر النابلسي: قال أبو ذر الحافظ: سجنه بنو عبيد الفاطميون الملاحدة، وصلبوه على السنة.
يقول: سمعت الدارقطني يذكره ويبكي ويقول: كان يقول وهو يسلخ: ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ [الإسراء:٥٨]، يعزي نفسه بقضاء الله ، ويصبر نفسه بذلك.
قال أبو الفرج ابن الجوزي: أقام جوهر الصقلي القائد لـ أبي تميم صاحب مصر أبا بكر النابلسي، وكان ينزل الأكواخ، فقال له: بلغنا أنك قلت: إذا كان مع الرجل عشرة أسهم وجب أن يرمي في الروم سهماً وفينا تسعة، أنت تحرض الناس على قتال الفاطميين، قال: ما قلت هذا، بل قلت: إذا كان معه عشرة أسهم وجب أن يرميكم بتسعة وأن يرمي العاشر فيكم أيضاً، فإنكم غيرتم الملة، وقتلتم الصالحين، وادعيتم نوراً إلهياً.
فشهره ثم ضربه، ثم أمر يهودياً فسلخ جلده.
стр. 406
رب محنة خير من منحة
وعن عثمان بن الهيثم قال: كان رجل بالبصرة من بني سعد، وكان قائداً من قواد عبيد الله بن زياد، فسقط عن السطح فانكسرت رجلاه، فدخل عليه أبو قلابة يعوده فقال: أرجو أن تكون لك خيرة، فقال له: يا أبا قلابة وأي خير في كسر رجلي جميعاً؟! فقال: ما ستر الله عليك أكثر.
فلما كان بعد ثلاث ورد كتاب ابن زياد: أن يخرج فيقاتل الحسين، فقال للرسول: قد أصابني ما ترى، فما كان إلا سبعاً حتى وافى الخبر بقتل الحسين، فقال الرجل: رحم الله أبا قلابة! لقد صدق إنه كان خيرة لي.
فالإنسان لا يدري أين يكون الخير، فهو لما دخل عليه قال: لعل هذا خير لك، فكان هذا عذراً في تخلفه عن قتل الحسين رضي الله تعالى عنه، فكان خيراً له كما قال أبو قلابة.
وقال أبو بكر بن عياش للحسن بن الحسن بالمدينة: ما أبقت الفتنة منك؟ فقال: وأي فتنة رأيتني فيها؟! قال: رأيتهم يقبلون يدك ولا تمنعهم.
стр. 407
احذروا صاحب الكساء
عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال: كنا مع رجاء بن حيوة فتذاكرنا شكر النعم، فقال: ما أحد يقوم بشكر نعمة! يعني: يشكو من حال الناس أنهم لا يشكرون الله على النعم.
قال: وخلفنا رجل على رأسه كساء، فقال: ولا أمير المؤمنين؟ فقلنا: وما ذكر أمير المؤمنين هنا، وإنما هو رجل من الناس؟! قال: فغفلنا عنه، فالتفت رجاء فلم يره، فقال: أتيتم من صاحب الكساء، فإن دعيتم فاستحلفتم فاحلفوا.
أي: لكم رخصة بأن تحلفوا حتى على الكذب.
قال: فما علمنا إلا بحرسي قد أقبل فقال: هيه يا رجاء يذكر أمير المؤمنين ولا تحتج له، قال: فقلت: وما ذاك؟ قال: ذكرتم شكر النعم فقلتم: ما أحد يقوم بشكر النعمة، قيل لكم: ولا أمير المؤمنين؟ فقلت: أمير المؤمنين رجل من الناس، فقلت: لم يكن ذلك، قال: آلله، قلت: آلله، قال: فأمر بذلك الرجل الساعي -لأنه يعرف أن هؤلاء صالحون لا يكذبون- فضرب سبعين سوطاً، يقول: فخرجت وهو متلوث بدمه فقال: هذا وأنت رجاء بن حيوة تكذب، قلت: سبعين سوطاً في ظهرك خير من دم مؤمن، قال ابن جابر: فكان رجاء بن حيوة بعد ذلك إذا جلس في مجلس يتلفت ويقول: احذروا صاحب الكساء!
стр. 408
من مواقف الأبرار
стр. 409
التربية على السنة
عن محمد بن سويد الطحان قال: كنا عند عاصم بن علي ومعنا أبو عبيد وإبراهيم بن أبي الليث وجماعة، وأحمد بن حنبل يضرب، فجعل عاصم يقول: ألا رجل يقوم معي فنأتي هذا الرجل فنكلمه، قال: فما يجيبه أحد؟ ثم قام، قال ابن أبي الليث: أنا أقوم معك يا أبا الحسين، فقال: يا غلام خفي! يعني: أحضر خفي.
فقال ابن أبي الليث: يا أبا الحسين أبلغ إلى بناتي فأوصيهم، فظننا أنه ذهب يتكفن ويتحنط ثم جاء، فقال: إني ذهبت إليهن فبكين، قال: وجاء كتاب ابنتي عاصم من واسط: يا أبانا إنه بلغنا أن هذا الرجل أخذ أحمد بن حنبل فضربه على أن يقول: القرآن غير مخلوق، فاتق الله ولا تجبه، فوالله لأن يأتينا نعيك أحب إلينا من أن يأتينا أنك أجبت.
стр. 410
الورع في الدماء
وعن الشعبي قال: كان مسروق إذا قيل له أبطأت عن علي وعن مشاهده -أي: يعاتبونه على عدم الخوض في القتال الذي جرى بين الصحابة- فيقول: أرأيتم لو أنه حين صف بعضكم لبعض فنزل بينكم ملك فقال: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء:٢٩] أكان ذلك حاجزاً لكم؟ قالوا: نعم، قال: فوالله لقد نزل بها ملك كريم على لسان نبيكم، وإنها لمحكمة ما نسخها شيء.
وقال أيوب: قال مطرف: لأن آخذ بالثقة في القعود أحب إلي من أن ألتمس فضل الجهاد بالتغرير، يعني: أن أقعد عن الخروج وأنا واثق من سلامة موقفي في القعود، أحب إلي من أن يغرر بي أن هذا جهاد ولا يكون جهاداً، ومعنى ذلك: أنه لا يخرج لقتال أو جهاد إلا إذا كان واثقاً أنه جهاد في سبيل الله، أما إذا كان هناك احتمال التغرير به أنه قتال فتنة فلا.
وقال حميد بن هلال: أتت الحرورية -الخوارج- مطرف بن عبد الله يدعونه إلى رأيهم، فقال: يا هؤلاء! لو كان لي نفسان بايعتكم بإحداهما وأمسكت الأخرى، فإن كان الذي تقولون هدى أتبعتها الأخرى، وإن كان ضلالة هلكت نفس وبقيت لي نفس، ولكن هي نفس واحدة لا أغرر بها.
стр. 411
البر بالأم
وعن محمد بن سيرين قال: بلغت النخلة من عهد عثمان بن عفان ألف درهم -يعني ارتفع ثمنها حتى وصل ألف درهم- قال: فعمد أسامة إلى نخلة فعقرها، فأخرج جمارها فأطعمه أمه فقالوا له: ما يحملك على هذا وأنت ترى النخلة قد بلغت ألف درهم، قال: إن أمي سألتنيه ولا تسألني شيئاً أقدر عليه إلا أعطيتها.
стр. 412
دعاء الأم
وذكر عبد الرحمن بن أحمد عن أبيه أن امرأة جاءت إلى بقي فقالت: إن ابني في الأسر ولا حيلة لي، فلو أشرت إلى من يفديه فإني والهة.
قال: نعم، انصرفي حتى أنظر في أمره، ثم أطرق وحرك شفتيه، ثم بعد مدة جاءت المرأة بابنها فقال الابن: كنت في يدي ملك، فبينا أنا في العمل سقط قيدي، قال: فذكر اليوم والساعة فوافق وقت دعاء الشيخ، قال: فأفلت من العدو، قال: فصاح علي المرسم بنا، ثم نظر وتحير من الذي أخرج هذه القيود بهذه الطريقة، ثم أحضر الحداد وقيدني، فلما فرغ ومشيت سقط القيد، فبهتوا ودعوا رهبانهم، فقالوا: ألك والدة؟ قلت: نعم، قال: وافق دعاؤها الإجابة! فانظر كيف عرف النصارى وهم كفار أن دعاء الأم يستجاب، ثم قالوا: قد أطلقك الله فلا يمكننا أن نقيدك، فزودوني وبعثوا بي.
стр. 413
البر بالصاحب
وعن مصعب بن أحمد بن مصعب قال: قدم أبو محمد المروزي إلى بغداد يريد مكة وكنت أحب أن أصحبه، فأتيت واستأذنته في الصحبة فلم يأذن لي في تلك السنة، ثم قدم سنة ثانية وثالثة فأتيته فسلمت عليه وسألته فقال: اعزم على شرط أن يكون أحدنا الأمير لا يخالفه الآخر، فقلت: أنت الأمير، فقال: لا، بل أنت، فقلت: أنت أسن وأولى، فقال: فلا تعصيني؟ قلت: نعم.
فخرجت معه، وكان إذا حضر الطعام يؤثرني، فإذا عارضته بشيء قال: ألم أشرط عليك ألا تخالفني، فكان هذا دأبنا حتى ندمت على صحبته لما يلحق نفسه من الضرر، فأصابنا في بعض الأيام مطر شديد ونحن نسير، فقال لي: يا أبا محمد اطلب الميل -الميل علامات كانت توضع في الطريق توضح مراحل السفر والمسافات بين المدن، فينصب لذلك ميل على الجدار- فاتجه إلى هذا إلى الميل، ثم قال لي: اقعد في أصله، فأقعدني في أصله، وجعل يديه على الميل وهو قائم قد حنا علي وعليه كساء قد تجلل به يظلني من المطر، حتى تمنيت أني لم أخرج معه لما يلحق نفسه من الضرر، فلم يزل هذا دأبه حتى دخل مكة رحمة الله عليه.
فهذا خلق نادر من الإيثار الذي كان عليه السلف رحمهم الله تعالى.
стр. 414
وصية تغني عن كثير من العلم
وقال ليث بن سعد وغيره: كتب رجل إلى ابن عمر: أن اكتب إلي بالعلم كله، فكتب إليه: إن العلم كثير، ولكن إن استطعت أن تلقى الله خفيف الظهر من دماء الناس، خميص البطن من أموالهم، كاف اللسان عن أعراضهم، لازماً لأمر جماعتهم؛ فافعل! يعني: أن هذا يغنيك عن كثير من العلم.
وعن ابن النجمي قال: سمعت سفيان يقول: كان ابن عياش المنتوف يقع في عمر بن ذر ويشتمه، فلقيه عمر فقال: يا هذا لا تفرط في شتمنا وأدخل الصلح موضعه، فإنا لا نكافئ من عصى الله فينا بأكثر من أن نطيع الله فيه.
стр. 415
من وصايا الشافعي ليونس
وقال يونس الصدفي: ما رأيت أعقل من الشافعي، ناظرته يوماً في مسألة، ثم افترقنا ولقيني فأخذ بيدي، ثم قال: يا أبا موسى! ألا يستقيم أن نكون إخواناً وإن لم نتفق في مسألة.
وعن يونس بن عبد الأعلى قال: قال لي الشافعي: يا يونس! إذا بلغك عن صديق لك ما تكرهه، فإياك أن تبادره بالعداوة وقطع الولاية، فتكون ممن أزال يقينه بشك، ولكن القه وقل له: بلغني عنك كذا وكذا، واحذر أن تسمي له المبلغ، فإن أنكر ذلك فقل له: أنت أصدق وأبر، لا تزيدن على ذلك شيئاً، وإن اعترف بذلك فرأيت له في ذلك وجهاً لعذر فاقبل منه، وإن لم تر ذلك فقل له: ماذا أردت بما بلغني عنك؟ فإن ذكر ما له وجه من العذر فاقبل منه، وإن لم تر ذلك وجهاً لعذر وضاق عليك المسلك فحينئذ أثبتها عليه سيئة، ثم أنت في ذلك بالخيار إن شئت كافأته بمثله من غير زيادة، وإن شئت عفوت عنه، والعفو أقرب للتقوى وأبلغ في الكرم؛ لقوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى:٤٠]، فإن نازعتك نفسك بالمكافأة ففكر فيما سبق له لديك من الإحسان فعدها، ثم اذكر له إحساناً بهذه السيئة، ولا تبخس باقي إحسانه السالف لهذه السيئة فإن ذلك الظلم بعينه.
يا يونس! إذا كان لك صديق فشد يديك به، فإن اتخاذ الصديق صعب ومفارقته سهل.
стр. 416
الجرح والتعديل
وقال أبو الربيع محمد بن الفضل البلخي سمعت أبا بكر الرازي سمعت علي بن الحسين سمعت يحيى بن معين يقول: إنا لنطعن على أقوام لعلهم قد حطوا رحالهم في الجنة من أكثر من مائتي سنة.
يعني: أن ضرورة الكلام في الجرح والتعديل لحفظ سنة النبي ﵊ تضطرهم إلى أن يكونوا صادقين في شهادتهم، وإن كانوا قوماً صالحين كما قال بعض العلماء أيضاً: إنا لنرد شهادة أقوام ونحن نرجو شفاعتهم يوم القيامة، فيقول هنا يحيى بن معين: إنا لنطعن على أقوام لعلهم قد حطوا رحالهم في الجنة من أكثر من مائتي سنة.
قال ابن مهرويه: فدخلت على عبد الرحمن بن أبي حاتم وهو يقرأ على الناس كتاب الجرح والتعديل، فحدثته بهذا، فبكى وارتعدت يداه حتى سقط الكتاب، وجعل يبكي ويستعيدني الحكاية.
وعن أبي وائل أن ابن مسعود رأى رجلاً قد أسبل فقال: ارفع إزارك! فقال: وأنت يا ابن مسعود فارفع إزارك، فقال: إن بساقي حموشة وأنا أؤم الناس، فبلغ ذلك عمر فجعل يضرب الرجل ويقول: أترد على ابن مسعود.
стр. 417
عزة العلم
وقال إبراهيم ابن إسحاق الحربي: كان عطاء بن أبي رباح عبداً أسود لامرأة من أهل مكة، وكان أنفه كأنه باقلاء قال: وجاء سليمان بن عبد الملك أمير المؤمنين إلى عطاء هو وابناه فجلسوا إليه وهو يصلي، فلما صلى انفتل إليهم، فما زالوا يسألون عن مناسك الحج، وقد حول قفاه إليهم، ثم قال سليمان لبنيه: قوما، فقاما، فقال: يا بني لا تنيا في طلب العلم، فإني لا أنسى ذلنا بين يدي هذا العبد الأسود.
وكان إبراهيم الحربي رجلاً صالحاً من أهل العلم بلغه أن قوماً من الذين كانوا يجالسونه يفضلونه على أحمد بن حنبل، فوقفهم على ذلك، وقال: أقلتم هذا أم لم تقولوا؟ فأقروا به، فقال: ظلمتموني بتفضيلكم لي على رجل لا أشبهه ولا ألحق به في حال من أحواله، فأقسم بالله لا أسمعكم شيئاً من العلم أبداً، فلا تأتوني بعد يومكم.
وعن معاذ بن سعيد قال: كنا عند عطاء بن أبي رباح فتحدث رجل بحديث فاعترض له آخر في حديثه قاطعه، فقال عطاء: سبحان الله ما هذه الأخلاق، إني لأسمع الحديث من الرجل وأنا أعلم منه به، فأريه أني لا أحسن منه شيئاً.
وعن عثمان بن الأسود قال: قلت لـ عطاء: الرجل يمر بالقوم فيقذفه بعضهم، أيخبره؟ قال: لا، المجالس بالأمانة، يعني: لا يخبره.
стр. 418
سبعك بين لحييك
وقال ابن السماك: سبعك بين لحييك تأكل به كل من مر عليك، وقد آذيت أهل الدور في الدور، ولم تكتف بهذا حتى تعرضت لأهل القبور، فما ترثى لهم وقد جرى البلى عليهم، وأنت هاهنا تنبشهم، إنما نرى أن نبشهم أخذ الخرق عنهم، هل تحسب أن نبش الموتى هو أن تسرق الأكفان من فوق جثثهم؟ كلا، إذا ذكرت مساويهم فقد نبشتهم، إنه ينبغي لك أن يدلك على ترك القول في أخيك ثلاث خلال: أما واحدة: فلعلك أن تذكره بأمر هو فيك، فما ظنك بربك إذا ذكرت أخاك بأمر هو فيك، ولعلك تذكره بأمر فيك أعظم منه، فذلك أشد استحكاماً لمقته إياك، ولعلك تذكره بأمر قد عافاك الله منه، فهذا جزاؤه إذ عافاك، أما سمعت: ارحم أخاك واحمد الذي عافاك؟!
стр. 419
البخاري يرجو ألا يكون قد اغتاب أحداً
وقال بكر بن منير: سمعت أبا عبد الله البخاري يقول: أرجو أن ألقى الله ولا يحاسبني أني اغتبت أحداً.
الإمام البخاري وهو صاحب التاريخ وصاحب الكلام الكثير في تعديل الرواة وجرحهم، وهو أمير المؤمنين في الحديث ﵀، ومع ذلك يتوثق من كل كلمة أخرجها ويكون قد أعد لها الجواب أمام الله ، قال الذهبي: صدق ﵀، ومن نظر في كلامه في الجرح والتعديل علم ورعه في الكلام في الناس، وإنصافه فيمن يضعفه، فإنه أكثر ما يقول: منكر الحديث سكتوا عنه فيه نظر ونحو هذا، وقل أن يقول: فلان كذاب، أو كان يضع الحديث، حتى إنه قال: إذا قلت: فلان في حديثه نظر فهو متهم واهن، وهذا معنى قوله: لا يحاسبني الله أني اغتبت أحداً، وهذا هو والله غاية الورع.
стр. 420
منثورات شعرية وحكم دينية
نعود لبعض الفوائد الأخرى: يقول بعض الشعراء: يا صاحب البغي إن البغي مصرعة يعني: مهلكة يا صاحب البغي إن البغي مصرعة فاعدل فخير فعال المرء أعدله فلو بغى جبل يوماً على جبل لاندك منه أعاليه وأسفله وهذه فائدة عن الغيرة: يقول بعض العلماء: العاقل يغار في المواضع التي شرعها الله ولا يتعداها، وكل غيرة خارجة عن حد الشرع فهي هوى.
وقال خالد بن نزار: سمعت مالكاً يقول لفتى من قريش: تعلم الأدب قبل أن تتعلم العلم، وأوصى بعض السلف ولده فقال: يا بني اجعل علمك ملحاً وأدبك دقيقاً.
وعن أبي الحسن عمران بن نمران: أن أبا عبيدة كان يسير في العسكر فيقول: ألا رب مبيض لثيابه مدنس لدينه، ألا رب مكرم لنفسه وهو لها مهين، بادلوا السيئات القديمات بالحسنات الحديثات.
وقال ثابت البناني: قال أبو عبيدة: يا أيها الناس! إني امرؤ من قريش، وما منكم من أحمر ولا أسود يفضلني بتقوى إلا وددت أني في مسلاخه، يعني: أن أكون أنا الذي في جلده أو في ثيابه.
وقال سفيان الثوري: كان يقال: إذا عرفت نفسك لم يضرك ما قيل فيك.
يقول الشاعر: إن إلهي لغني حميد في كل يوم منه رزق جديد الحمد الله الذي لم يزل يفعل بي أكثر مما أريد هذا أبو عبيدة بن الجراح يقول: وددت أني كنت كبشاً فيذبحني أهلي فيأكلون لحمي ويحسون مرقي.
وذلك خوفاً من حساب الله .
وقال عمران بن حصين ﵄: وددت أني رماد تسفيني الريح.
وقال عمر بن ذر: كل حزن يبلى إلا حزن التائب عن ذنوبه.
ويقول بعض السلف: سلاح اللئام قبيح الكلام.
ويقول آخر: مواعيد الأحبة وإن اختلفت فهي تؤنس، يعني: حتى لو أخلفها المحبون فهي تؤنس وتوجب الإلف والسرور.
وقال ابن المنكدر: بت أكبت رجل أبي، وبات آخر يصلي التهجد، ولا يسرني ليلته بليلتي، أي أنه يعتقد أن ثوابه أعظم من ثوابه؛ لأنه يبر أباه.
وقال معاوية بن إسحاق: عن عروة قال: ما بر والده من شد الطرف إليه، يعني: ثبت عينه في النظر إليه، لأنه من العقوق.
وعن عمر ﵁ قال: ليس العاقل الذي يعرف الخير من الشر، ولكنه الذي يعرف خير الشرين.
وقال أنس: إن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا، فما يلبث إلا يسيراً حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها.
وهذا رواه مسلم.
ويقول الشافعي: إنك لا تقدر أن ترضي الناس كلهم، فأصلح ما بينك وبين الله ثم لا تبال بالناس.
وقال همام: مثل الذي يريد أن تجتمع له الدنيا والآخرة كمثل عبد له ربان لا يدري أيهما يرضي.
وقيل لـ معاوية بن قرة: كيف ابنك لك؟ فقال: نعم الابن كفاني أمر دنياي، وفرغني لآخرتي.
стр. 421
منثورات أدبية
هذا شعر ذكره بعض العلماء في اعتذاره عن حضور وداع أحبابه، كانوا في سفر فلم يحضر الوداع فذكر هذا الشعر يذكر السبب، يقول: صدني عن حلاوة التشييع اجتناب مرارة التوديع لم يقم أنس ذا بوحشة هذا فرأيت الصواب ترك الجميع ويقول آخر في نفس الموقف: ولما أن تفرقنا وحالت نوب الدهر رأيت الشهد لا يحلو فما ظنك بالصبر وقيل لـ شريح: ممن أنت؟ قال: ممن أنعم الله عليه بالإسلام وعدادي في كندة.
هم يقصدون القبيلة، فاعتز وافتخر بانتمائه إلى الإسلام.
كقول الشاعر: أبي الإسلام لا أب لي سواه إذا افتخروا بقيس أو تميم وكان إذا قيل لـ شريح: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت وشطر الناس علي غضاب.
يعني لأنه يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر.
هذا شاعر يقول: تمنيت أن الشيب عاجل لمتي وقرب مني في صباي مزاره لآخذ من عصر الشباب نشاطه وآخذ من عصر المشيب وقاره يقول الشافعي: يا يونس! الانقباض عن الناس مكسبة للعداوة، والانبساط إليهم مجلبة لقرناء السوء، فكن بين المنقبض والمنبسط.
ويقول الشافعي أيضاً: يا راكباً قف بالمحصب من منى واهتف بساكن خيفها والناهض سحراً إذا فاض الحجيج إلى منى فيضاً كملتطم الفرات الفائض إن كان رفضاً حب آل محمد فليشهد الثقلان أني رافضي
стр. 422
قاعدة في التوبة
هذه قاعدة يذكرها العلماء: أن الإنسان إذا ارتكب بعض المعاصي، مثل ممثلة تتوب من الفسق والفجور وتتبرأ من الأفلام والفساد الذي فعلته من قبل، وتحاول أن تقضي عليه فلا تستطيع، حيث يعمد الشياطين إلى إخراج تلك الأشياء السيئة وإذاعتها في الناس، فهل هي تحمل هذا الإثم بعد أن استفرغت وسعها في التبرؤ من ذلك؟ فالقاعدة: أن كل من تاب من شيء تعاطى سببه فقد فعل ما هو واجب عليه، والله لا يؤاخذ الإنسان إلا بما في وسعه، يقول الشاعر: من تاب بعد أن تعاطى السبب فقد أتى بما عليه وجب وإن بقى فساده كمن رجع عن بث بدعة عليها يتبع أو تاب خارجاً مكان الغصب أو تاب بعد الرمي قبل الضرب يقول بعضهم: كل مطيع مستأنس، وكل عاص مستوحش.
أمستوحش أنت مما جنيت فأحسن إذا شئت واستأنس
стр. 423
المحافظة على الحقوق
استعار عبد الله بن المبارك قلماً من رجل بالشام، وحمله إلى خراسان ناسياً، فلما وجده معه رجع إلى الشام حتى أعطاه لصاحبه.
سلام على تلك النفوس فإنها مسلمة من كل عار ومأثم رجع من خراسان إلى الشام حتى يعيد القلم وقد نساه صاحبه معه، فانظر إلى تعظيم السلف لحقوق الآخرين.
وقال مالك بن دينار: قولوا لمن لم يكن صادقاً لا يتعنى.
أي إن لم تكن صادقاً في طاعة الله فلن تستفيد من هذا العناء.
قال أبو العالية: قال لي أصحاب محمد ﷺ ورضي الله عنهم: لا تعمل لغير الله فيكلك الله إلى من عملت له.
يقول ابن عمر ﵁: لو وضعت إصبعي في خمر ما أحببت أن تتبعني، من شدة بغض المعاصي والعصاة.
أي: لو أن هذه الإصبع دخلت داخل خمر لوددت أنه تنفصل وإذا سحبتها يكون قد بتر منها هذا الإصبع الذي لمس الخمر، فكيف بمن يشربه والعياذ بالله أو يحمله؟ وقال عثمان بن حيان: سمعت أم الدرداء تقول: إن أحدهم يقول: اللهم ارزقني، وقد علم أن الله لا يمطر عليه ذهباً ولا دراهم، وإنما يرزق بعضهم من بعض، فمن أعطي شيئاً فليقبل، فإن كان غنياً فليضعه في ذي الحاجة، وإن كان فقيراً فليستعن به.
وقال عمر بن عبد العزيز: التقي ملجم لا يفعل كل ما يريد.
ما معنى التقوى لغة؟ أصل كلمة التقوى في اللغة: قلة الكلام، فهنا يقول عمر بن عبد العزيز: التقي ملجم لا يفعل كل ما يريد، أي وإن قدر عليه، فحتى لو كان قادراً على أن يبطش مثلاً بالناس فإن التقوى تحجزه؛ وبعض الناس لا يمتنع إلا عما عجز عنه، فإذ عجز عن النصب والاحتيال وسرقة حقوق الناس وخداعهم، فهذا هو حرام عليه، لكن متى تمكن فهو الحلال عنده، أما التقي فعند القدرة تلجمه التقوى عن أن يفعل ما يريد.
ويقول بعض السلف: من أشرقت بدايته أشرقت نهايته.
ويقول بعضهم: خلص رقبتك ما استطعت في الدنيا من رق الآخرة، فإن أسير الآخرة غير مفكوك أبداً.
وقال مالك ﵀: لو أعلم أن قلبي يصلح للجلوس على كنافة لذهبت حتى أجلس عليها، يعني: في سبيل إصلاح قلبه.
стр. 424
سوأة الشهوة والمعصية
يقول بعض الشعراء: واسوأتى لفتى له أدب يضحي هواه قاهراً أدبه يأتي الدنية وهو يعرفها فيشين عرضاً صائناً أربه فإذا ارعوى عادت بصيرته فبكى على الحين الذي سلبه يقول: ما أعظم سوأة هذا الرجل الذي هو فتى عاقل عنده أدب وعنده خلق وحياء من الله ، لكن يلوح له الهوى، فإذا بالهوى يقهر ما عنده من الأدب والحياء من الله.
واسوأتى لفتى له أدب يضحى هواه قاهراً أدبه يأتي الدنية وهو يعرفها فيأتي الدنايا والمعاصي وهو يعرف أنها مما حرمه الله.
فيشين عرضاً صائناً أربه يعني: يصون أربه وشهوته وفي نفس الوقت يشين عرضه بفعل هذه الدنية.
فإذا ارعوى عاد بصيرته إذا ارعوى وانكف وانزجر عنها تعود إليه البصيرة.
فبكى على الحين الذي سلبه فيبكي على الحين الذي سلب فيه هذا الأدب.
ويقول أبو مسهر: ولا خير في الدنيا لمن لم يكن له من الله في دار المقام نصيب فإن تعجب الدنيا رجالاً فإنه متاع قليل والزوال قريب ويقول آخر: لا تكثرن تأملاً واحبس عليك عنان طرفك فلربما أرسلته فرماك في ميدان حتفك يعني لا تكثرن النظر إلى ما حرم الله.
стр. 425
المطلوب من العلم العمل
وعن نجيد الترمذي قال: كنت عند مالك وعنده محمد والمأمون يسمعان منه الحديث، فلما فرغا قال أحدهما إما المأمون وإما محمد: يا أبا عبد الله أتأمرني أن أكتبه بماء الذهب؟ قال: لا تكتبه بماء الذهب، ولكن اعمل بما فيه.
يهدي بعضهم لبعض المصاحف المذهبة والمزخرفة وهم ينبذون كتاب الله وراء ظهورهم! وقال الشافعي: كان مالك إذا جاءه بعض أهل الأهواء يجادله، قال: أما أنا فإني على بينة من ديني، وأما أنت فشاك، اذهب إلى شاك مثلك فخاصمه.
أي: أنا على يقين أن هذا هو الحق، وأنه منهج أهل السنة والجماعة، أما أنت فصاحب بدع، فاذهب لتبحث عن شكاك أو مرتاب مثلك يجادل بعضكما بعضاً، أما أنا فلست محتاجاً إلى جدلك.
وقال عمر بن الخطاب ﵁: يعجبني الرجل إذا سيم خطة ضيم أن يقول: لا، بملء فيه.
وعن سفيان بن عيينة قال: دخل هشام بن عبد الملك الكعبة فإذا هو بـ سالم بن عبد الله بن عمر فقال له: يا سالم سلني حاجة، فقال له: إني لأستحيي من الله أن أسأل في بيت الله غير الله، وكان داخل الكعبة، فلما خرج في أثره قال له: الآن قد خرجت فسلني حاجة، فقال له سالم: من حوائج الدنيا أم من حوائج الآخرة؟ قال: بل من حوائج الدنيا، فقال له سالم: ما سألت من يملكها فكيف أسأل من لا يملكها.
ويقول أبو حنيفة رحمه الله تعالى: من طلب الرياسة في غير حينه لم يزل في ذل ما بقي.
وذكر المغيرة بن شعبة عمر بن الخطاب ﵁ فقال: كان والله أفضل من أن يَخدَع، وأعقل من أن يُخدَع.
وصلى الله على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
следующие страницы →