Полный текст (2 122 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
منثورات أدبية
هذا شعر ذكره بعض العلماء في اعتذاره عن حضور وداع أحبابه، كانوا في سفر فلم يحضر الوداع فذكر هذا الشعر يذكر السبب، يقول: صدني عن حلاوة التشييع اجتناب مرارة التوديع لم يقم أنس ذا بوحشة هذا فرأيت الصواب ترك الجميع ويقول آخر في نفس الموقف: ولما أن تفرقنا وحالت نوب الدهر رأيت الشهد لا يحلو فما ظنك بالصبر وقيل لـ شريح: ممن أنت؟ قال: ممن أنعم الله عليه بالإسلام وعدادي في كندة.
هم يقصدون القبيلة، فاعتز وافتخر بانتمائه إلى الإسلام.
كقول الشاعر: أبي الإسلام لا أب لي سواه إذا افتخروا بقيس أو تميم وكان إذا قيل لـ شريح: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت وشطر الناس علي غضاب.
يعني لأنه يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر.
هذا شاعر يقول: تمنيت أن الشيب عاجل لمتي وقرب مني في صباي مزاره لآخذ من عصر الشباب نشاطه وآخذ من عصر المشيب وقاره يقول الشافعي: يا يونس! الانقباض عن الناس مكسبة للعداوة، والانبساط إليهم مجلبة لقرناء السوء، فكن بين المنقبض والمنبسط.
ويقول الشافعي أيضاً: يا راكباً قف بالمحصب من منى واهتف بساكن خيفها والناهض سحراً إذا فاض الحجيج إلى منى فيضاً كملتطم الفرات الفائض إن كان رفضاً حب آل محمد فليشهد الثقلان أني رافضي
стр. 422
قاعدة في التوبة
هذه قاعدة يذكرها العلماء: أن الإنسان إذا ارتكب بعض المعاصي، مثل ممثلة تتوب من الفسق والفجور وتتبرأ من الأفلام والفساد الذي فعلته من قبل، وتحاول أن تقضي عليه فلا تستطيع، حيث يعمد الشياطين إلى إخراج تلك الأشياء السيئة وإذاعتها في الناس، فهل هي تحمل هذا الإثم بعد أن استفرغت وسعها في التبرؤ من ذلك؟ فالقاعدة: أن كل من تاب من شيء تعاطى سببه فقد فعل ما هو واجب عليه، والله لا يؤاخذ الإنسان إلا بما في وسعه، يقول الشاعر: من تاب بعد أن تعاطى السبب فقد أتى بما عليه وجب وإن بقى فساده كمن رجع عن بث بدعة عليها يتبع أو تاب خارجاً مكان الغصب أو تاب بعد الرمي قبل الضرب يقول بعضهم: كل مطيع مستأنس، وكل عاص مستوحش.
أمستوحش أنت مما جنيت فأحسن إذا شئت واستأنس
стр. 423
المحافظة على الحقوق
استعار عبد الله بن المبارك قلماً من رجل بالشام، وحمله إلى خراسان ناسياً، فلما وجده معه رجع إلى الشام حتى أعطاه لصاحبه.
سلام على تلك النفوس فإنها مسلمة من كل عار ومأثم رجع من خراسان إلى الشام حتى يعيد القلم وقد نساه صاحبه معه، فانظر إلى تعظيم السلف لحقوق الآخرين.
وقال مالك بن دينار: قولوا لمن لم يكن صادقاً لا يتعنى.
أي إن لم تكن صادقاً في طاعة الله فلن تستفيد من هذا العناء.
قال أبو العالية: قال لي أصحاب محمد ﷺ ورضي الله عنهم: لا تعمل لغير الله فيكلك الله إلى من عملت له.
يقول ابن عمر ﵁: لو وضعت إصبعي في خمر ما أحببت أن تتبعني، من شدة بغض المعاصي والعصاة.
أي: لو أن هذه الإصبع دخلت داخل خمر لوددت أنه تنفصل وإذا سحبتها يكون قد بتر منها هذا الإصبع الذي لمس الخمر، فكيف بمن يشربه والعياذ بالله أو يحمله؟ وقال عثمان بن حيان: سمعت أم الدرداء تقول: إن أحدهم يقول: اللهم ارزقني، وقد علم أن الله لا يمطر عليه ذهباً ولا دراهم، وإنما يرزق بعضهم من بعض، فمن أعطي شيئاً فليقبل، فإن كان غنياً فليضعه في ذي الحاجة، وإن كان فقيراً فليستعن به.
وقال عمر بن عبد العزيز: التقي ملجم لا يفعل كل ما يريد.
ما معنى التقوى لغة؟ أصل كلمة التقوى في اللغة: قلة الكلام، فهنا يقول عمر بن عبد العزيز: التقي ملجم لا يفعل كل ما يريد، أي وإن قدر عليه، فحتى لو كان قادراً على أن يبطش مثلاً بالناس فإن التقوى تحجزه؛ وبعض الناس لا يمتنع إلا عما عجز عنه، فإذ عجز عن النصب والاحتيال وسرقة حقوق الناس وخداعهم، فهذا هو حرام عليه، لكن متى تمكن فهو الحلال عنده، أما التقي فعند القدرة تلجمه التقوى عن أن يفعل ما يريد.
ويقول بعض السلف: من أشرقت بدايته أشرقت نهايته.
ويقول بعضهم: خلص رقبتك ما استطعت في الدنيا من رق الآخرة، فإن أسير الآخرة غير مفكوك أبداً.
وقال مالك ﵀: لو أعلم أن قلبي يصلح للجلوس على كنافة لذهبت حتى أجلس عليها، يعني: في سبيل إصلاح قلبه.
стр. 424
سوأة الشهوة والمعصية
يقول بعض الشعراء: واسوأتى لفتى له أدب يضحي هواه قاهراً أدبه يأتي الدنية وهو يعرفها فيشين عرضاً صائناً أربه فإذا ارعوى عادت بصيرته فبكى على الحين الذي سلبه يقول: ما أعظم سوأة هذا الرجل الذي هو فتى عاقل عنده أدب وعنده خلق وحياء من الله ، لكن يلوح له الهوى، فإذا بالهوى يقهر ما عنده من الأدب والحياء من الله.
واسوأتى لفتى له أدب يضحى هواه قاهراً أدبه يأتي الدنية وهو يعرفها فيأتي الدنايا والمعاصي وهو يعرف أنها مما حرمه الله.
فيشين عرضاً صائناً أربه يعني: يصون أربه وشهوته وفي نفس الوقت يشين عرضه بفعل هذه الدنية.
فإذا ارعوى عاد بصيرته إذا ارعوى وانكف وانزجر عنها تعود إليه البصيرة.
فبكى على الحين الذي سلبه فيبكي على الحين الذي سلب فيه هذا الأدب.
ويقول أبو مسهر: ولا خير في الدنيا لمن لم يكن له من الله في دار المقام نصيب فإن تعجب الدنيا رجالاً فإنه متاع قليل والزوال قريب ويقول آخر: لا تكثرن تأملاً واحبس عليك عنان طرفك فلربما أرسلته فرماك في ميدان حتفك يعني لا تكثرن النظر إلى ما حرم الله.
стр. 425
المطلوب من العلم العمل
وعن نجيد الترمذي قال: كنت عند مالك وعنده محمد والمأمون يسمعان منه الحديث، فلما فرغا قال أحدهما إما المأمون وإما محمد: يا أبا عبد الله أتأمرني أن أكتبه بماء الذهب؟ قال: لا تكتبه بماء الذهب، ولكن اعمل بما فيه.
يهدي بعضهم لبعض المصاحف المذهبة والمزخرفة وهم ينبذون كتاب الله وراء ظهورهم! وقال الشافعي: كان مالك إذا جاءه بعض أهل الأهواء يجادله، قال: أما أنا فإني على بينة من ديني، وأما أنت فشاك، اذهب إلى شاك مثلك فخاصمه.
أي: أنا على يقين أن هذا هو الحق، وأنه منهج أهل السنة والجماعة، أما أنت فصاحب بدع، فاذهب لتبحث عن شكاك أو مرتاب مثلك يجادل بعضكما بعضاً، أما أنا فلست محتاجاً إلى جدلك.
وقال عمر بن الخطاب ﵁: يعجبني الرجل إذا سيم خطة ضيم أن يقول: لا، بملء فيه.
وعن سفيان بن عيينة قال: دخل هشام بن عبد الملك الكعبة فإذا هو بـ سالم بن عبد الله بن عمر فقال له: يا سالم سلني حاجة، فقال له: إني لأستحيي من الله أن أسأل في بيت الله غير الله، وكان داخل الكعبة، فلما خرج في أثره قال له: الآن قد خرجت فسلني حاجة، فقال له سالم: من حوائج الدنيا أم من حوائج الآخرة؟ قال: بل من حوائج الدنيا، فقال له سالم: ما سألت من يملكها فكيف أسأل من لا يملكها.
ويقول أبو حنيفة رحمه الله تعالى: من طلب الرياسة في غير حينه لم يزل في ذل ما بقي.
وذكر المغيرة بن شعبة عمر بن الخطاب ﵁ فقال: كان والله أفضل من أن يَخدَع، وأعقل من أن يُخدَع.
وصلى الله على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 426
نصيحة موضوعية للتيارات الجهادية
الجهاد هو ذروة سنام الإسلام، وقد فضل الله المجاهدين على القاعدين تفضيلاً عظيماً، ولا عزة ولا نصر للأمة إلا بالجهاد، وهو ماضٍ إلى قيام الساعة، إلا أنه قد استعمل في هذا العصر في غير محله، وأطلق على أمور ليست منه ولا تمت إليه بصلة، وما ذلك إلا للبعد عن معرفة أحكام الشرع الحنيف، وعدم الرجوع إلى الكتاب والسنة.
стр. 427
شرح حديث: (من مات ولم يغز ولم يحدث به نفسه)
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل على محمد النبي الأمي، وأزواجه أمهات المؤمنين، وذريته وأهل بيته، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، ثم أما بعد: فعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : (من مات ولم يغز، ولم يحدّث به نفسه، مات على شعبة من نفاق) رواه مسلم.
قوله ﷺ : (من مات ولم يغز ولم يحدث به نفسه) (لم يحدّث) بالتشديد أي: لم يكلم، (به) أي: بالغزو، (نفسه) أي: لم يعزم على الجهاد في سبيل الله ﵎، ولم يقل: يا ليتني كنت مجاهداً.
وقيل: معناه: لم يرد الخروج للجهاد في سبيل الله ، وعلامته في الظاهر إعداد آلته، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾ [التوبة:٤٦]، ويؤيده قوله: (مات على شعبة من نفاق) أي: نوع من أنواع النفاق، أي: من مات على هذا فقد أشبه المنافقين المتخلفين عن الجهاد، و (من تشبه بقوم فهو منهم).
قال بعض العلماء: إن هذا كان مخصوصاً بزمن النبي ﵌، قال القاري في مرقاة المفاتيح: والأظهر أنه عام، وأنه يجب على كل مؤمن أن ينوي الجهاد، إما بطريق فرض الكفاية، أو على سبيل فرض العين، وإذا كان اللفظ عاماً فيصير الجهاد فرض عين، ويستدل بظاهره لمن قال: الجهاد فرض عين مطلقاً، وهذا سنناقشه إن شاء الله بالتفصيل.
وفي شرح مسلم للنووي: قال الإمام عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى: نرى أن ذلك على عهد رسول الله ﷺ .
أي: أن هذا كان خاصاً بعهد النبي ﷺ ، وهذا الذي قاله ابن المبارك محتمل، وقال غيره: إنه عام، والمراد أن من لم يحدث نفسه بالغزو، فقد أشبه المنافقين المتخلفين عن الجهاد في سبيل الله في هذا الوصف؛ لأنهم يتخلفون كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾ [التوبة:٤٦] والسياق في المنافقين، فترك الجهاد أحد شعب النفاق.
وفيه: أن من نوى فعل عبادة فمات قبل فعلها، لا يتوجه عليه من الذم ما يتوجه على من مات ولم ينوها، وهذه فائدة علمية، فلو أن رجلين ماتا، وقد ضيعا أو تركا عبادة معينة، وقد نوى أحدهما أن يفعلها فمات قبل أن يفعل ما نوى عليه، والآخر لم ينو فعلها، فلا يستوي من نوى أن يؤديها وعزم على فعلها، مع من مات وهو لم يعزم على فعلها.
يقول النووي: اختلف أصحابنا فيمن تمكن من الصلاة في أول وقتها، فأخرها بنية أن يفعلها ومات، أو أخر الحج كذلك، قيل: يأثم فيهما، وقيل: لا يأثم فيهما، وقيل: يأثم في الحج دون الصلاة.
هذه بعض الفوائد المتعلقة بهذا الحديث الذي رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : (من مات ولم يغز، ولم يحدث به نفسه، مات على شعبة من نفاق).
стр. 428
أهمية الكلام حول موضوع الجهاد والتيارات الجهادية
هناك عوامل كثيرة تحتم مناقشة هذه القضية، وقد شاء الله أن طُلب مني الكلام في هذا الموضوع، فجاء الطلب موافقاً لما في النفس، وهذه القضية لا شك أنها مهمة وشائكة، لكنها مثل كثير من القضايا لا يجدي معها التجاهل والإعراض، خصوصاً وأن لها كثيراً من الآثار والأبعاد.
وهناك أسباب كثيرة تمنع الإنسان من الكلام المباشر والمفصل في قضية الجهاد في سبيل الله ﵎، وما يطلق عليه الجهاد في سبيل الله الآن في عصرنا؛ لأنه طرأ في السنوات الأخيرة فهم جديد لكلمة (الجهاد)، وهناك مد وجزر في الكلام في هذه القضية؛ لأن فيها حساسية شديدة.
أول عوامل الامتناع من الكلام فيها: أن الإنسان يشفق دوماً أن يقف في خندق واحد مع أعداء الإسلام، فالذين يواجهون التيارات الجهادية في أغلبهم أعداء الإسلام من الداخل ومن الخارج، من المنافقين، والملاحدة، وغيرهم من أعداء الله في كل مكان، وهم يقفون في مواجهة من يسلك هذا السبيل لإعزاز كلمة الله ﵎ بما يراه طريقاً إلى تحقيق هذا الهدف، فبلا شك أن في الأمر حرجاً شديداً، لكن المسئولية أمام الله كبيرة، فهناك حرمات تنتهك، فينبغي أن تستبعد العواطف إذا كان الإنسان يبحث المسألة بحثاً موضوعياً مجرداً.
وقد يحصل أحياناً اتحاد في الموقف، كما حدث عند اندلاع ثورة إيران، فكنا نعاير بنفس الشيء، كيف تحذرون من ثورة إيران؟ وكيف تنكرون عليها وأعداء الإسلام -أمريكا والغرب كله- يهاجمها؟ فنحن نقف معهم في خندق واحد، وفي الحقيقة أن التمادي مع هذه السياسة له ثمار غير محمودة، وله عواقب غير حميدة.
وقد يحصل اتفاق مع الكفار في المواقف من بعض النواحي، لكن إذا كان المنطلق مختلفاً فلا حرج في هذه الحالة، فالكفار ينطلقون من منطلق الحقد على الإسلام، والعداوة للإسلام، والمسلمون يتناصحون فيما بينهم؛ حرصاً على الإسلام، وعلى مصلحة الدعوة إلى الله ﵎، فالمنطلق مختلف، فإذا كانت الشيوعية مثلاً تحارب الربا، والإسلام يحارب الربا، فهل معنى ذلك أننا نقول: الإسلام هو الشيوعية؟! لا، فالمنطلق مختلف، وحين نتدارس هذه القضية سنتدارسها من منطلق مختلف عما ينظر من خلاله أعداء الله ﵎.
وكنا نترقب بين وقت وآخر، ونقول: ننتظر حتى تمر هذه العاصفة، وسنتكلم بعد ذلك، فما تكاد تأتي عاصفة إلا وتأتي أخرى أشد منها.
وما من شك أن من العوامل المؤثرة والفعالة في تهييج هذه الأوضاع -بالذات في السنوات الأخيرة- أن الذين وقفوا ضد الصف الإسلامي داعين إلى النار، صدر منهم ظلم وأذية لعباد الله، وللدعاة إلى الله ، وانتهاك لحرمات المسلمين، مما أدى إلى حصول رد فعل في المقابل، وهو ما يطلقون عليه: الإرهاب والإرهاب المضاد، وإن كنا نتحرج كثيراً من استعمال هذه المصطلحات الخبيثة، لكن كثيراً من المنصفين من خصوم الإسلام يقرون بأن هذا المسلك إنما هو رد فعل لمن تعدوا كل الحدود، وتفلتوا من كل الضوابط، وتخلوا عن كل القيم، فسلكوا مسالك الجبابرة والظالمين في تعاملهم مع المسلمين.
стр. 429
تنبيه التيارات الجهادية إلى الاستفادة مما يحدث للمسلمين عبر التاريخ
رصيد الدعوة دائماً يزيد من الخبرة، ومن التجارب، وما من شك أن هناك كثيراً من التجارب التي كان ينبغي أن نستفيد منها جميعاً، وكل من ينتمي إلى الصف الإسلامي لابد أن يستفيد من هذه التجارب؛ كي تكون رصيداً جديداً، ففي الحقيقة أن الدعوة قد مرّت منذ بداية هذه الصحوة إلى الآن بكثير من التجارب التي كان من المفترض أن يستفاد منها، وتستخلص منها العبر، لكن البعض لا يتعظون، ويصرون على سلوك مسلك معين، على أمل أن يؤدي إلى هدف مقصود.
نحن اعتبرنا بلا شك خلال فترة الصحوة الأخيرة، ومن ذلك وضوح ما يسمى بـ (التجربة البرلمانية)، ومحاولة إعزاز الإسلام وإقامة حكم الله عن طريق سراب الديمقراطية الموهوم، وما أرى القوم يفعلون إلا كما كان يفعل المشركون في الجاهلية، فيعتبرون الديمقراطية إلهاً يعبدونه من دون الله، ولكنها كأصنام العجوة التي كانوا يصنعونها من التمر فإذا جاعوا أكلوها!! وهذه الديمقراطية التي يعبدونها ويسبحون بحمدها الآن إذا احتاجوا إليها أكلوها والتهموها، كما حصل في مصر، وكما حصل في الجزائر، فالمتعلق بمثل هذا الخيط الواهي يعتبر متعلقاً بسراب لا شيء وراءه ولا طائل تحته.
وما من شك أننا مررنا بكثير من التجارب التي كان ينبغي أن نستفيد منها، وأن نطلق لعقولنا ولأفكارنا العنان؛ حتى نستخلص أقصى ما نستطيع من العبر من خلال هذه المعاناة، ابتداء من حادثة الفنية العسكرية، وغيرها من الأحداث في مصر، إلى هذا المسلسل الأخير الذي نعيشه الآن، فهو علامة بارزة جداً في تاريخ الحركة الدعوية المعاصرة، كأحداث حماس وما أدراك ما حماس! وغير ذلك من الوقائع التي كان ينبغي أن يحصل نوع من التحليل لها، والانتفاع بها، وأن يكون من جرائها رصيد يضاف إلى تجربة العمل الإسلامي، خصوصاً وأننا نتعمد أحياناً أن نغلق أعيننا وآذاننا عن التطلع من خلال نافذة التاريخ.
وهذا أمر من مكامن النقص الخطيرة جداً في بعض الدعاة في هذا الزمان، فينبغي الاطلاع من خلال الرصيد التاريخي العظيم الموجود، والذي يفيدنا كثيراً في تحليل هذه الظواهر، وللتجربة أثر حتى في استنباط الأحكام، كما استقر إجماع أهل السنة والجماعة على عدم الخروج على الحاكم المسلم الجائر، وقد كانوا اختلفوا في أول الأمر، ثم استقر إجماعهم بعد ذلك على عدم جواز الخروج على الحاكم المسلم الجائر أو الظالم أو الفاسق ما دام أنه في دائرة الإسلام، وما دام يحافظ على الإسلام، قالوا: قد جربنا، ورأينا في الصدر الأول عمليات خروج على الحكام في الدولة الأموية وغيرها، ثم استقر إجماع السلف على منع ذلك، ونصوا عليه في متون العقيدة، كما ترون في متن الطحاوية وغيرها من متون العقيدة، فالعلماء ينصون على هذه القضية لخطورتها، وسنبين ذلك إن شاء الله تعالى بالتفصيل.
إذاً: الاطلاع من خلال نافذة التاريخ أمر مهم جداً، وهناك دراسة طويلة فيها نوع من التحليل والاستنباط الذي نحن محتاجون إليه، وهي دراسة حركة النفس الزكية: محمد بن عبد الله بن الحسن للشيخ محمد العبدة، عمل فيها دراسة تطبيق فعلي لحركة من هذه الحركات، وما أكثر حركات الخروج، وما أكثر العبر التي ينبغي استخلاصها منها!
стр. 430
أهمية التبصر في الأمور والنظر في العواقب قبل الإقدام
العواقب المترتبة على مسلك الخروج على الحكام خطيرة جداً، لكننا نلاحظ على من يفكرون في بعض هذه الاتجاهات أن هناك حدة في طريقة التفكير، وبعض من يتصدرون للإفتاء في هذه الأشياء يغلب عليهم عدم تقدير العواقب على الإطلاق، وليس عندهم نظر إلى العواقب غالباً، مما قد يشكك في أهلية بعض هؤلاء للإفتاء في مثل هذه الأمور الجسيمة، فسواءً في ذلك بعض الأحداث المحلية التي تحصل كعملية العلاقة مع الأخلاط أحياناً، وبعض أفعال الاستثارة، أو تصعيد بعض التصرفات من خلال دول أخرى، ونحن نرى الآن ما يحصل من التضييق على الدعوة الإسلامية في الخارج، منذ التفجير في مركز التجارة العالمي في نيويورك، مع أننا لا نستطيع أن نقطع بمن فعل ذلك، لكن هو لا يبعد عن طريقة تفكير بعض الإسلاميين، ولا يبعد أنهم فعلاً سلكوا هذا المسلك، والله تعالى أعلم، ونرجو أن يكونوا مبرئين من ذلك.
لكن الشاهد: أن من يفعلون أفعالاً لها مثل هذه الأصداء الكبيرة والواسعة، لا يضعون في الحسبان مثل هذه العواقب، يهملونها تماماً، ومن الشواهد ما يحصل من التصعيد في الخارج لأقل حادثة تحصل بين المسلمين والأقباط، وكيف أنها توظف كي تضم في رصيد يبرر فيما بعد كثيراً من المخاطر التي تهدد الأمة بأسرها.
الآن يوجد رجل في خراسان يدعى أبا عبد الله محمد بن أحمد بن خليفة الحسيني المهدي، لا نقول: المهدي، بل أمير المؤمنين، فهو نصب نفسه أميراً للمؤمنين، وهو الآن موجود، وقصته طويلة، ولن نخوض الآن في تفاصيلها، لكن الشاهد أنه يقول: ستتحرك كتيبة الموت من خراسان عما قريب، وتمر عبر إيران تحمل راية سوداء، وإياكم أن تتعرضوا لهذه الراية السوداء، وحذار أن يقاومها أحد، فتمر هذه الراية السوداء التي تحملها كتيبة الموت من خراسان إلى إيران، إلى العراق، إلى الأردن، إلى القدس في فلسطين.
وقد كنت مسافراً في الخارج، وقرأت بيانات أحد أتباعه، يقول في أخرها: أنا لن أشعلها ناراً في بقعة واحدة، سأشعلها ناراً في العالم أجمع! فإذا كانت مثل هذه الأحداث الطفيفة يترتب عليها هذا الكم الهائل من الآثار الخطيرة، فكيف إذا تكررت في كل موقع؟! وما من شك أن بعضنا يؤدي خدمات جليلة لأعداء الإسلام الذين يحرصون أشد الحرص على تضخيم هذه الأشياء، وتشويهها، وتوظيفها في التنفير عن دين الله ﵎.
فالشاهد من الكلام: أن هذه الأشياء تكون لها عواقب، والملاحظ أن كثيراً من الناس لا ينظرون في هذه العواقب، ولا يقدرونها حق قدرها.
стр. 431
ثوابت متفق عليها بين الفصائل الإسلامية
قبل أن نتكلم في الموضوع مباشرة نقول: إننا ننطلق بالكلام في هذا الموضوع من داخل الصف الإسلامي، ونحن لا نتكلم من نفس منطلق أعداء الإسلام وأعداء الدعوة الذين هم معروفون في بلادنا أو في خارجها، لكنا نتكلم على أننا من داخل العائلة الإسلامية، ومن داخل الصف الإسلامي الذي يجمع على ثوابت لا نقاش فيها، ومن أهم هذه الثوابت: أننا جميعاً لا نرضى بواقع الأمة الحالي.
ثانيها: أننا جميعاً مؤمنون بحتمية تغيير هذا الواقع، انطلاقاً من قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١]، حتى وإن حصل بعد ذلك اختلاف في طريقة التغيير، وهذا هو الذي يتعلق بموضوعنا الآن إن شاء الله تعالى.
стр. 432
أمور تبين أهمية الحوار الصريح حول موضوع الجهاد
مما يبين أهمية هذا الحوار الصريح الذي نحتاجه أمور كثيرة: أولها: أن الإنسان لابد أن يتبصر، أي: لا يمشي ثم ينظر، بل ينظر أولاً قبل أن يمشي، ولا ينبغي أن ينظر فقط تحت قدميه؛ بل ينبغي أن تكون نظرته للأمور وتقديراته للعواقب دقيقة؛ لأن ديننا يحتم علينا النظر في عواقب الأمور، دون التفات إلى الثمرات العاجلة أو العاطفية؛ بل لا بد أن تنظر إلى مدى أبعد، وأن تأخذ بما استطعت من علم وفهم في تقدير الأمور، والتفكير فيها.
ففي أي تصرف تسلكه لا بد أن تتذكر أن الدنيا دار ابتلاء، وأن الآخرة هي دار ظهور النتائج، فلا تتصرف في هذه الدنيا على أساس أن النتيجة الآن بارزة أمامك؛ لأنك لست نبياً معصوماً يوحى إليه، بحيث تقطع بأن مسلكك هو الحق الذي لا خفاء فيه، ولا مرية فيه.
فهذه الدنيا دار ابتلاء، ونحن لا ننسى أبداً أننا في دار امتحان وابتلاء، والنتائج تظهر هناك، وبالتالي فالإنسان قبل أن يخطو خطوة لا بد أن يستفرغ كل وسعه في أن يتأكد أن هذا -فعلاً- يقوده إلى الجنة، وإلى رضوان الله ﵎.
فمهما كانت العواطف تسيطر أحياناً على بعض الناس، وتكون هذه العواطف متأججة، فلا اعتبار لها ولا وزن، وإن كان لها اعتبار بحسن النية، والنية بينك وبين الله ، لكن لابد من الإصابة في العمل، نحن لا نتناقش مع أحد في حسن نيته، وما نظن أن أحداً من إخواننا الذين يسلكون هذه المسالك يريد غير وجه الله ، ولكن نقول: كم من مريد للخير لا يبلغه، ونقول: إنه لابد من استفراغ الجهد في التأكد من أن هذا العمل يرضي الله ، فقد حصلت محن كثيرة للدعوة، وما نظن أحداً دخل في هذه المحن إلا وكان مخلصاً، مثل فتنة أحداث الحرمين سنة ألف وأربعمائة هجرية، حين ادعى بعضهم ظهور المهدي.
وحصلت أحداث أخرى كثيرة جداً، وكان العمود الذي تقوم عليه هو العاطفة فحسب حسن النية فحسب، بدون بصيرة، وبدون تقدير للأمور.
وهناك أمر مهم جداً، وهو: أنه يحصل في ساحة العمل الإسلامي -أحياناً- نوع من التجاوزات، كما رأينا أمثلته كثيراً في جماعة التكفير، فإن المبتدع أو الإنسان المنحرف يشعر بالوحشة؛ لأنه يشذ عن منهج الفرقة الناجية، فيفزع أحياناً إلى بعض الأعمال لإرهاب المخالف؛ كي يكثر عدد من معه حتى تزول عنه هذه الوحشة، وهو يستوحش إذا رأى رجلاً على علم ليس معه ولا يوافقه، فلذلك رفع هذه القاعدة التي يساء استغلالها: من لم يكفر الكافر فهو كافر، أي: إذا لم توافقه في تكفير هذا الشخص فأنت أيضاً تكون كافراً.
ولسنا في مقام الرد على هذه القاعدة أو سوء استعمالها.
فينبغي لمن أراد وجه الله ، ومن أراد النصيحة للمسلمين في مثل هذه القضايا الحساسة، ألا يضع أي اعتبار لأي نوع من الضغوط، سواء كانت هذه الضغوط من داخل الصف الإسلامي، أو من خارج الصف ممن ارتضوا لأنفسهم أن يكونوا ضد دين الله، وضد دعوة الله ﵎، فالمسلم لا يخضع لأي ضغوط من أي طرف من هذه الأطراف؛ لأنهم دائماً يلوحون بالاتهام وسوء الظن، كقولهم: من لم يشاركنا في هذا المنهج فهو من المنافقين، أو نحو هذا الكلام.
стр. 433
عدم التأدب مع العلماء وازدراؤهم من قبل بعض تيارات الجهاد
نلاحظ ملمحاً خطيراً جداً في بعض هذه التيارات، وهو: ازدراء العلماء، والنظر إليهم بتحقير وازدراء وتنقص، علاوة على سوء الظن بهم، وقد يصل الأمر إلى تكفيرهم، كما هو معلوم في بعض البقاع، والإنسان عندما يخرج إلى الخارج يرى هذه الأشياء منتشرة هناك، وكل من أراد أن يقول شيئاً قاله، ولا أحد يمنعه، فمثلاً: هذا الذي يدعي أنه أمير المؤمنين في خراسان يكفر الشيخ علي بلحاج فرج الله كربته، ويقول عن الشيخ ابن باز: أنا -تورعاً- لا أكفره، ولكن هو للكفر أقرب منه للإيمان!! ونلاحظ على بعض هذه التيارات أنهم يبدءون دعوتهم بتشويه سمعة العلماء، وهز الثقة بهم، وما أكثر ما يستغلون أزمة الخليج، وما صدر من بعض أفاضل المشايخ من اجتهادات، ولنفرض -على أسوأ الفروض- أن هذا اجتهاد خاطئ، فكان ماذا؟! اجتهد فأخطأ، فما المشكلة؟! ألم يجتهد الصحابة من قبله فأخطأ بعضهم، وحصل بينهم القتال؟! ومع ذلك كلٌ مثاب على اجتهاده، وكل يريد مصلحة الإسلام والمسلمين، فهؤلاء يريدون أن يحطموا العلماء ليكونوا هم المفتين، ويكونوا هم أهل الحل والعقد في هذه الأمور، بعد تحطيم العلماء، وتشويههم، وازدرائهم.
ومن مرجحات هذا الحوار الصريح: حصول نوع من الخلط بين الأوراق بطريقة سيئة جداً، كما سيأتي في ظاهرة خلط الأوراق، ووضع الأسماء لغير مسمياتها، فهذا أمر شاع، ونحتاج إلى توضحيه.
كما ننبه على ضرورة الحذر من موضوع التأويل؛ فما من فتنة في تاريخ الإسلام كله، وما من دم أريق، ولا بدعة ظهرت، ولا فساد حصل في الأرض؛ إلا بسبب التأويل الفاسد الذي هو عدو الدين.
فهذه الملاحظات نضعها بين يدي الكلام في هذا الموضوع، ولابد أن نتذكر ونحن نبحث هذا الموضوع أننا في دار ابتلاء، والنتائج هناك في الآخرة، فينبغي للإنسان أن يتبصر كثيراً قبل أن يضع قدمه في أي طريق، وينظر في العواقب، ليس العواقب العاجلة فقط، ولكن ينظر إلى العواقب على المدى البعيد، وينظر إلى الآفاق، أما النظر تحت القدمين، أو في العواقب العاجلة والفرح بها؛ فهذا ليس من شأن العقلاء والمنصفين.
стр. 434
التحذير من الكتب الجهادية
ومما يتعلق بهذه القضية التي سنتكلم فيها إن شاء الله تعالى: أن هناك بعض المطبوعات تحوي مغالطات جسيمة، وقد اطلعت على بعض المطبوعات تكلم فيها أحد المؤلفين على أحد العلماء الأفاضل، وأنا أتحرج من ذكر اسم العالم؛ لأن الشتم الذي وجه إليه شتم فظيع، وكلام العالم قد يكون غير صحيح، قد ننكر عليه هذا الكلام، اجتهد فأخطأ، فليست هناك مشكلة، لكن الرجل -بعدما حكى كلام العالم- قال: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به، وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلاً، الحمد لله الذي عافاني مما تقوله هذه الأنعام! فهل يمكن أن يكون في مثل هذا الإنسان خير؟! هو يتطاول على عالم من علماء المسلمين، ولم يحترم حتى شيبته، فضلاً عن العلم والخدمات الجليلة التي قدمها لهذا الدين.
وهذا المنهج الذي أوله ازدراء للعلماء، لاشك أن عاقبته غير حميدة، وهذا الذي نلاحظه، فما وجدنا أحداً ممن يطيل لسانه في أهل العلم إلا وتكون عاقبته سيئة والعياذ بالله، كما قال الحافظ ابن عساكر رحمه الله تعالى: اعلم أن لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في هتك ستر منتقصيهم معلومة، وأن من أطلق لسانه فيهم بالثلب، ابتلاه الله قبل موته بموت القلب.
أو كما قال رحمه الله تعالى.
والنبي ﷺ يقول: (ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويوقر كبيرنا، ويعرف لعالمنا حقه)، لماذا؟ لأن تعظيم العلماء من شعائر الله؛ بل هي من علامات وجود التقوى في القلب، كما قال : ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:٣٢].
فاحترام العلماء، والتأدب معهم، ليس هو احتراماً لأشخاصهم؛ بل هو احترام لشعائر الله، فالعلماء من شعائر الله التي يجب أن توقر، وأن تحترم، وألا تنتهك محارمها، النبي ﵊ يقول: (إن أهون الربا مثل أن ينكح الرجل أمه! وإن أربى الربا الاستطالة في عرض المسلم بغير حق)، فإذا كان هذا في المسلم العادي، فكيف بالعالم الجليل؟! ويقول الله ﵎ في الحديث القدسي: (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب)، قال الإمام أحمد وغيره من الأئمة: إن لم يكن العلماء أولياء الله فليس لله ولي أي: إذا لم يكن العلماء هم أحق الناس بولاية الله فليس لله أولياء؛ لأنهم أجدر وأولى الناس بولاية الله ﵎، فهم الأدلّاء عليه، والمنافحون عن دين الله ﵎.
стр. 435
أمور يحصل فيها خلط كبير عند التيارات الجهادية
لاشك أن فيما تضمنته هذه المطبوعات التي أشرنا إليها غلطات علمية جسيمة، وهي منشورة، وأحياناً يطلع عليها الكثير من الناس، فيحصل الخلط، فمن خلال (حوار العلم) نرى بعض ما تضمنته هذه الأوراق من شبهات، فمثلاً: الاستدلال على جواز قتل الجنود المسلمين أو بعض المسلمين المدنيين بمسألة التترس، وسنبين -إن شاء الله- الفرق في ذلك، ونبين أنه لا يجوز في أي حال من الأحوال الاستدلال بهذا على ما يحصل الآن من تصرفات.
стр. 436
الخلط بين أحكام الجهاد وأحكام الخروج على الحكام
فمن أشد الأمور جسامة: الخلط بين أحكام الجهاد وبين أحكام الخروج على الحكام، فصارت كلمة الجهاد الآن تطلق على الخروج على الحكام، في حين أن هذا الباب مستقل تماماً في الفقه عن باب الخروج.
إذا أطلق الجهاد في سبيل الله فإنما ينصرف إلى قتال الكفار لنشر دين الله ، والذب عنه، والمعاونة على ذلك، فهذا هو الجهاد اصطلاحاً، ولا يمكن أن يستعمل استعمالات أخرى، فالجهاد عند الإطلاق ينصرف إلى هذا المعنى، فهذا باب، وموضوع الخروج على الحكام باب آخر، ولا يمكن أبداً أن يذم الجهاد في حال من الأحوال، فالجهاد في سبيل الله ممدوح في كل الأحوال، ما دام أنه مستوفٍ للشروط الشرعية.
أما الخروج فهو نوعان: الأول: خروج على الحاكم الجائر، والثاني: خروج على الحاكم الكافر، والحاكم فيه تفصيل: أما الحاكم الجائر فقد أجمع العلماء على عدم جواز الخروج عليه، وأما الحاكم الكافر فاتفقوا على جواز ذلك، لكن بشروط دقيقة جداً، فقد يذم هذا الخروج أحياناً، وقد يمدح أحياناً.
أما إطلاق الجهاد مطلقاً عليه، فنشبهه بما يحصل من بعض الجماعات الأخرى في تطويع الحقائق الشرعية لمسميات لا تماثل بينها وبين هذه الحقائق الشرعية، كما تفعل جماعة التبليغ، فهم لم يكتفوا في بيان فضل الدعوة إلى الله بالآيات والأحاديث الواردة في فضيلة الدعوة إلى الله ، وهي تكفي، لكنهم عمدوا أيضاً إلى النصوص الواردة في الجهاد في سبيل الله ﵎ في القرآن والسنة، فحولوها وصرفوها إلى الخروج للدعوة معهم، وكلمة الخروج اصطلاح خاص عند جماعة التبليغ، حتى قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠] يجعلونها للخروج معهم؛ بناء على المنام الذي رآه شيخهم محمد إلياس كما يزعمون! وكذلك قوله ﵎: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ﴾ [التوبة:٤٦]، فيجعلون الخروج في هذه الآية حسب الاصطلاح الخاص بجماعة التبليغ، وهكذا يعمدون إلى نصوص الجهاد ويطلقونها ويطبقونها على هذا النوع من الخروج، كما فعلت الصوفية حينما صرفت نصوص الجهاد إلى جهاد النفس، ويستدلون بالحديث الموضوع: (رجعت من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر وهو جهاد النفس).
كذلك فعلت بعض هذه التيارات حين أطلقت مصطلح الجهاد على شيء لا يكون تحت اسم الجهاد، والفرق كما بينا: الجهاد في كل الأحوال ممدوح، كما سنفصل ذلك إن شاء الله، أما الخروج فقد يمدح وقد يذم، بالنظر إلى الشروط والضوابط التي وضعها العلماء.
стр. 437
اعتقاد أن آية السيف نسخت كل ما يدل على الدعوة بالحكمة والرفق
ومن الخلط للمفاهيم ما يحصل أحياناً -للأسف الشديد- من أناس لا علم عندهم ولا بصيرة ولا فقه في آيات الله ﵎، فيقولون: إن آية السيف نسخت كل ما قبلها من الأمر بالدعوة بالحكمة، والرفق في الدعوة، واللين، والصبر على المشركين، والإعراض عنهم، وغير ذلك من المراحل التي سبقت آية السيف وآية الجهاد، فهذا من الخلط الشديد، فهو يفهم أن قول بعض السلف: نسخت براءة كل موادعة، أنها نسخت كل دعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، ويفهمون أن كلمة (النسخ) مثل نسخ الخمر مثلاً بحيث يحرم تماماً امتثال الحكم المنسوخ، وهذا في الحقيقة من أخطر مواضع الزلل والضعف في تفكير القوم؛ نتيجة سوء فهم آيات الله ﵎، ولذلك كان السلف يشددون جداً فيمن يتصدر للكلام في الدين أو لتعليم الناس، حتى يمتحنوه في جملة من العلوم، ومن أهمها: الناسخ والمنسوخ، وسنزيد هذا الأمر إن شاء الله تعالى إيضاحاً، لكننا الآن نذكر رءوس أقلام تتعلق بظاهرة خلط الأوراق.
إذا كان هذا الخلط سيترتب عليه آثار في الواقع بعيدة المدى أو أبعد بكثير مما نتصور؛ فحينئذ نحتاج إلى مثل هذه الوقفة.
стр. 438
تكفير الجنود والقول بأن بلاد المسلمين بلاد كفر
ومن مظاهر هذا الخلط: إطلاق القول بتكفير الجنود الذين في الجيش أو الشرطة، وبالتالي استحلال دمائهم، وبعضهم يتورع ويقول: أنا لا أكفر الجنود، لكن أكفر القادة.
ومن مظاهر هذا الخلط: إطلاق القول بأن بلاد المسلمين بلاد كفار، وقد ناقشناه من قبل حينما ناقشنا كتاب الغلو في الدين، وإن كنا سنحتاج إلى الرجوع إليه إن شاء الله باختصار.
قال بعضهم: إن بلاد المسلمين ديار كفار، ثم يأتي بكتب الفقه الحنفي بالذات، ويأخذ أحكام دار الكفر، ويطبقها على أوضاع بلادنا اليوم، مع أن موضوع تقسيم العالم إلى دار كفر ودار إسلام غير موجود في القرآن والسنة، وإنما اضطر العلماء في عصر الفتوحات إلى هذا التقسيم؛ كي ينظموا ويكيفوا العلاقة بين المسلمين وبين الأمم الكافرة، مثل ما يكاد يحصل من تعاملات، وارتحال بين البلدان، وتبادل الأسرى، فهذه الأحكام صيغت في وضع العزة والقهر والتمكين، حين كان المسلمون قاهرين للكفار في كل بقاع الأرض، فهذه الأحكام لها ارتباط وثيق جداً بموضوع الغلبة والعزة والقوة، ومن الخلط قيام البعض بأخذ الأحكام من الكتب، وتطبيقها على واقعنا بلا أدنى بصير.
ومن الملاحظات المهمة في هذا الباب -الذي سنتكلم فيه إن شاء الله تعالى-: تضرر القائمين في ساحة الدعوة من الأخطاء الصادرة من بعض مسالك الجماعات الأخرى، فنقول: إن شروط إنكار المنكر معروفة، ومن ضمن هذه الشروط: ألا يحصل ضرر متعد إلى من لا يوافقك على هذه الأعمال، فإن ساحة الدعوة مشتركة، وإذا استأثرت جماعة معينة بتصرف فإن آثاره تمتد إلى غيرها، ولا شك أن هذا يخالف الأصول والقواعد الفقهية المعروفة، وهذا سنزيده تفصيلاً إن شاء الله.
стр. 439
أحكام مهمة تتعلق بالجهاد
نذكر أسساً مهمة جداً فيما يتعلق بهذا الموضوع، وهي: حكم الجهاد في الإسلام، وما هو الجهاد؟ للجهاد حالتان: أولاً: إذا كان للمسلمين دار وسلطان وقوة ومنعة، ففي هذه الحالة ينقسم الجهاد إلى نوعين: الأول: جهاد الطلب والغزو.
الثاني: جهاد الدفاع.
ثانياً: إذا لم يكن للمسلمين دار ولا سلطان ولا منعة ولا استطاعة، ففي هذه الحالة ننظر في مراحل تشريع الجهاد، ونبحث عن أقربها إلى واقعنا، ونستنبط الحكم منه.
فمن المعلوم أن تشريع الجهاد مر بأربع مراحل: المرحلة الأولى: مرحلة الكف عن المشركين، والإعراض عنهم، مع الاستمرار في دعوتهم إلى الحق.
المرحلة الثانية: مرحلة إباحة القتال من غير فرض.
المرحلة الثالثة: مرحلة فرض القتال على المسلمين لمن يقاتلهم فقط.
المرحلة الرابعة والأخيرة: قتال جميع الكفار ابتداءً، حتى يسلموا أو يدفعوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون.
وهناك نصوص عن علماء المذاهب الأربعة في إثبات هذه المراحل السابقة.
ونحتاج إلى بيان قضية مهمة جداً، وهي قضية الجهاد والنسخ، فموضوع النسخ في مراحل الجهاد من أهم الموضوعات، وسنذكر أقوال بعض العلماء، وننظر هل هناك نسخ في مراحل الجهاد أم لا؟ ثم نذكر الآثار المترتبة على سوء فهم قضية الناسخ في مراحل الجهاد.
وكما ذكرنا من قبل فالجهاد في سبيل الله لا يختلف العلماء في مشروعيته، ولا خلاف في مشروعية الجهاد في سبيل الله ﵎، وإنما تكمن المشكلة في إطلاق مصطلح (الجهاد) على تصرفات خاطئة ليس لها علاقة بالجهاد.
وقد يكون الخلاف في مدى تحقق مشروعية الجهاد في واقع معين وظروف معينة، وينبغي أن يراعى في هذا الأمر الفرق بين ماضي الأمة وحاضرها، وسنذكر شروط الجهاد الشرعي، ونبين أنه لا يجوز ذم الجهاد بحال من الأحوال، فإن الجهاد فريضة وعبادة لا تُذم أبداً بأي حال من الأحوال، فلا يجوز أبداً أن يوصف الجهاد بالعنف، أو التطرف، أو الإرهاب، أو ما إلى ذلك من المسميات؛ لأن الذي ينكر هذا سينكر القرآن الكريم، وبالتالي يخرج من ملة الإسلام والعياذ بالله.
فآيات الجهاد في القرآن الكريم أكثر وأوضح من أن نحتاج إلى إيرادها في مثل هذا السياق، فالجهاد الذي هو الجهاد الشرعي الاصطلاحي يمدح في جميع الأحوال كما سبق، لكن ما يهمنا هو مناقشة أشياء يطلق عليها جهاد، وهي لا تندرج تحت باب الجهاد، وبالتالي فهناك فرق في الأحكام بين هذه الأمور، فإن هناك تصرفات تسمى جهاداً في هذا الزمان، وهي إما أن تدخل تحت باب النهي عن المنكر، أو الأمر بالمعروف، أو تحت باب الخروج على الحاكم، ولا يعترض أحد ويقول: هذا يسمى جهاداً، نعم، يسمى جهاداً، نقول: لكن ليس على الإطلاق؛ إذ ليس هذا هو الجهاد الاصطلاحي، بل يدخل تحت الجهاد العام، الذي يطلق على سائر أنواع العبادات، كما أن العبادة جهاد، ومدافعة الشهوات جهاد، وذكر الله جهاد، والزكاة جهاد، وأي طاعة لله فهي جهاد؛ لأنه عبارة عن بذل الجهد والمشقة في سبيل تحصيل الطاعة، وهذا سنناقشه إن شاء الله بالتفصيل فيما بعد.
стр. 440
حكم الجهاد
ما حكم الجهاد إذا كان للمسلمين دولة وسلطان وقوة على الجهاد؟ الجهاد نوعان: النوع الأول: جهاد الطلب والغزو.
النوع الثاني: جهاد الدفاع.
стр. 441
جهاد الطلب
فجهاد الطلب: هو تطلب الكفار في عقر دارهم، ودعوتهم إلى الإسلام، وقتالهم إذا لم يقبلوا الخضوع لحكم الإسلام، وحكم هذا النوع أنه فرض على مجموع المسلمين، أي: فرض على أمة المسلمين ككل، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:٥].
وقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة:٣٦].
وقوله تعالى: ﴿انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٤١] إلى غير ذلك من الآيات.
ومن السنة: قول رسول الله ﷺ : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله).
وقوله ﷺ : (اغزوا باسم الله، في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليداً، وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال -أو خلال- فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم، ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين، وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا منها فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء، إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبوا فاسألهم الجزية، فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم).
ويقول ﷺ : (من مات ولم يغز، ولم يحدث به نفسه، مات على شعبة من النفاق).
وقد أجمع علماء المسلمين على أن جهاد الكفار، وتطلبهم في عقر دارهم، ودعوتهم إلى الإسلام، وجهادهم إن لم يقبلوه أو يقبلوا الجزية؛ فريضة محكمة غير منسوخة.
قال ابن عطية في تفسيره: واستمر الإجماع على أن الجهاد على أمة محمد ﷺ فرض كفاية، فإذا قام به من قام من المسلمين سقط عن الباقين، إلا أن ينزل العدو بساحة الإسلام فهو حينئذ فرض عين.
فهذا إجماع من جمهور العلماء أن جهاد الطلب والغزو فرض كفاية، إذا قام به جماعة من المؤمنين فيهم غناء لأهل الإسلام أو لنشر الإسلام والدعوة إليه، فليس على كل مسلم أن يخرج معهم، ما داموا يؤدون المهمة، فالباقون لا يأثمون.
واستدل الجمهور بالأدلة التالية: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة:١٢٢].
يقول الإمام القرطبي رحمه الله تعالى في هذه الآية: الجهاد ليس على الأعيان، وهو فرض كفاية؛ إذ لو نفر الكل لضاع مَن وراءهم من العيال، فليخرج فريق للجهاد، وليقم فريق يتفقهون في الدين، ويحفظون الحريم، حتى إذا عاد النافرون، أعلمهم المقيمون ما تعلموه من أحكام الشرع، وما تجدد نزوله على النبي ﷺ .
الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٩٥].
فقوله تعالى: (لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ) إلى آخر الآية، يدل على أن القاعدين غير آثمين مع جهاد غيرهم، أي: ما دامت الكفاية تحصل بهؤلاء المجاهدين.
الدليل الثالث: عن أبي سعيد الخدري ﵁: (أن رسول الله ﷺ بعث إلى بني لحيان: ليخرج من كل رجلين رجل، ثم قال للقاعد: أيكم خلف الخارج في أهله وماله بخير كان له مثل نصف أجر الخارج) رواه مسلم.
الدليل الرابع: قال ﵊: (من جهز غازياً في سبيل الله فقد غزا، ومن خلفه في أهله بخير فقد غزا) رواه مسلم.
وفي هذا: أن من قعد، ولم يخرج للجهاد، فإنه لا يأثم، ما دام الخارجون تحصل بهم الكفاية.
ومن الأدلة على أنه فرض كفاية: فعل النبي ﷺ وسيرته، فقد كان يخرج في الغزو تارة، ويبقى تارة، ويؤمر غيره على السرية، ولم يكن يخرج جميع أصحابه، بل بعضهم، وهذا أمر واضح مستفيض، كما في غزوة مؤتة وغيرها.
стр. 442
جهاد الدفع
أما النوع الثاني من أنواع الجهاد -وهو جهاد الدفاع- فحكمه فرض عين على المسلمين عموماً، حتى يندفع شر الأعداء، وهذا بإجماع المسلمين.
يقول الإمام القرطبي رحمه الله تعالى: إذا تعين الجهاد لغلبة العدو على قطر من الأقطار، أو بحلوله العقرى، فإذا كان ذلك وجب على جميع أهل تلك الدار أن ينفروا ويخرجوا إليه خفافاً وثقالاً، شباباً وشيوخاً، كل على قدر طاقته، ولا يتخلف أحد يقدر على الخروج من مقاتل أو مكثر، فإن عجز أهل تلك البلدة عن القيام بعدوهم، كان على من قاربهم وجاورهم أن يخرجوا على حسب ما لزم أهل تلك البلدة، حتى يعلموا أن فيهم طاقة على القيام بهم ومدافعتهم، وكذلك كل من علم بضعفهم عن عدوهم، وعلم أنه يدركه ويمكنه غياثهم لزمه أيضاً الخروج إليهم، فالمسلمون كلهم يد على من سواهم، حتى إذا قام بدفع العدو أهل الناحية التي نزل العدو عليها، سقط الفرض عن الآخرين، ولو قارب العدو دار الإسلام ولم يدخلوها؛ لزمهم أيضاً الخروج إليه، حتى يظهر دين الله، وتحمى البيضة، وتحفظ الحوزة، ويخزى العدو، ولا خلاف في هذا.
إذاً: لا خلاف في أن جهاد الدفاع فرض عين على الجميع كما أشرنا.
وهنا تنبيه مهم جداً فيما يتعلق بهذين النوعين: (جهاد الطلب) و (جهاد الدفاع)، فقد ذكر العلماء أنه لا خلاف في أن أحكام الجهاد المتقدمة تقع إذا كان للمسلمين دار وسلطان، وكان بهم قوة على الجهاد، وأما إذا لم يكن لهم قوة ولا دار ولا سلطان، فهذا ما سنوضحه -إن شاء الله تعالى- فيما بعد، في البحث حول مراحل تشريع الجهاد، ونكتفي الآن بهذا القدر، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 443
نساء عدن إلى الله
إنّ طاعة الله تعالى هي حياة الأرواح، وزاد القلوب، وهي الأنيس في الوحشة، والصاحب في الغربة، والنديم في السمر.
فقد سعى إليها الأولون سعياً حثيثاً، وشمروا لها تشميراً؛ رجالاً ونساءً، شباباً وشيباً، وقد حفظت لنا كتب التراجم أخبار نساء عابدات قانتات سبقن كثيراً من الرجال، فما أحوجنا إلى معرفة أخبارهن؛ لتكون لنا زاداً في طريق سيرنا إلى الله تعالى.
стр. 444
الحث على طاعة الله تعالى
الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلاّ الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فإن أصدق الكلام كلام الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، ثم أما بعد: فعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (عجب ربنا من رجلين: رجل ثار عن وطائه ولحافه من بين حبه وأهله إلى صلاته، فيقول الله جل وعلا: أيا ملائكتي! انظروا إلى عبدي! ثار عن فراشه ووطائه ومن بين حبه وأهله إلى صلاته رغبة فيما عندي وشفقة مما عندي.
ورجل غزا في سبيل الله فانهزم أصحابه، وعلم ما عليه في الانهزام، وما له في الرجوع، فرجع حتى أهريق دمه، فيقول الله لملائكته: انظروا إلى عبدي! رجع رجاء فيما عندي وشفقة مما عندي حتى أهريق دمه).
هذا الحديث قال عنه المنذري في الترغيب والترهيب: رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني وابن حبان في صحيحه من رواية ابن مسعود، والحديث حسنه الألباني، وقال الشيخ شاكر في تحقيق المسند: إسناده صحيح.
قوله: (عجب ربنا من رجلين: رجل ثار عن وطائه ولحافه) (ثار) أي: نهض ووثب بعلو همته، كما قال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة:١٦]، والوطاء هو الفراش، واللحاف هو ما يتغطى به (من بين حبه) أي: حبيبه (إلى صلاته) أي: ينهض إلى الصلاة والتنفل والقيام لله ﵎، (فيقول الله جل وعلا: أيا ملائكتي! انظروا إلى عبدي! ثار عن فراشه) أي: نهض وقام عن فراشه (ووطائه من بين حبه وأهله إلى صلاته رغبة فيما عندي وشفقه مما عندي) أي: رغبة فيما عندي من الجنة (وشفقة مما عندي) أي: خوفاً من عذابه ﵎.
والثاني يقول فيه ﵊: (ورجل غزا في سبيل الله فانهزم أصحابه، وعلم ما عليه في الانهزام وما له في الرجوع) أي: علم ماذا ستكون عقوبته عند الله إن هو فر من الأعداء، وعلم -أيضاً- ما له من الثواب الجزيل إذا رجع يقاتل ويجاهد هؤلاء الأعداء، (فرجع حتى أهريق دمه) أي: فرجع يحتسب نفسه عند الله، وقاتلهم منفرداً حتى أهريق دمه، (فيقول الله لملائكته: انظروا إلى عبدي! رجع رجاء فيما عندي وشفقة مما عندي حتى أهريق دمه).
وهناك أحاديث أخرى في نفس معنى هذا الحديث، منها: حديث أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ قال: (ثلاثة يحبهم الله ويضحك إليهم ويستبشر بهم، -وذكر أولهم- رجل إذا انكشفت فئة قاتل وراءها، فإما أن يقتل، وإما أن ينصره الله ويكفيه، فيقول: انظروا إلى عبدي هذا، كيف صبّر لي نفسه؟!) أي: حبس لي نفسه، فقوله: (انكشفت فئة) يعني: انهزمت في أثناء القتال، وقوله: (قاتل وراءها) أي: قاتل بنفسه منفرداً حتى يردها ابتغاء وجه الله ، (فإما أن يقتل، وإما أن ينصره الله ويكفيه، فيقول -أي: يقول الله : (انظروا إلى عبدي هذا كيف صبر لي نفسه؟!).
ثم قال: - (ورجل له امرأة حسنة، وفراش لين حسن، فيقوم من الليل، فيقول) - أي: فيقول الله ﵎: (يذر شهوته ويذكرني ولو شاء رقد! ورجل كان في سفر، وكان معه ركب فسهروا ثم هجعوا، فقام من السحر في ضراء وسراء) يعني: يذكر الله ﵎، ويثني عليه، ويصلي له في ضراء وسراء.
هذا الحديث رواه الطبراني في الكبير وقال: إسناده حسن، وقال الهيثمي في المجمع: رجاله ثقات، وحسنه الألباني.
هؤلاء الثلاثة يضحك الله إليهم، اثنان منهم قاما الليل، أحدهما قامه وسط أهله وترك زوجته الحسناء وفراشه الوثير، والآخر قامه في سفر بعد أن كابد السفر وهوله، ومن ضحك الله إليه لا يمكن أن يدعه من الإنعام والإكرام.
(فهؤلاء ثلاثة يحبهم الله ويضحك إليهم ويستبشر بهم: أحدهم الذي إذا انكشفت فئة قاتل وراءها بنفسه لله ، فإما أن يقتل، وإما أن ينصره الله ويكفيه، فيقول الله تعالى: انظروا إلى عبدي هذا كيف صبر لي نفسه! والذي له امرأة حسناء وفراش لين حسن، فيقوم من الليل، فيقول الله تعالى: يذر شهوته ويذكرني ولو شاء رقد! والذي كان في سفر وكان معه ركب فسهروا ثم هجعوا، فقام من السحر في ضراء وسراء).
ومن هذا الباب -أيضاً- قوله ﵌ في حديث أبي ذر ﵁: (ثلاثة يحبهم الله، وثلاثة يشنؤهم الله) أي: يبغضهم الله ﵎ (الرجل يلقى العدو في فئة فينصب لهم نحره حتى يقتل أو يفتح لأصحابه، والقوم يسافرون فيطول سراهم) والسرى هو المشي ليلاً حتى يحبوا أن يمسّوا الأرض.
أي: يحبون أن يناموا على الأرض من شدة الإرهاق في السفر، قال: (فينزلون، فيتنحى أحدهم) أي أنه يشاركهم في الإرهاق والتعب وعذاب السفر، ومع ذلك إذا هجعوا وناموا فإنه يتنحى ولا ينام طمعاً فيما عند الله (فيتنحى أحدهم، فيصلي حتى يوقظهم لرحيلهم، والرجل يكون له الجار يؤذيه فيصبر على أذاه حتى يفرق بينهما موت أو ظعن) والظعن هو الانتقال أو السفر (والذين يشنؤهم: التاجر الحلاف، والفقير المختال، والبخيل المنان).
هذا الحديث عزاه السيوطي في (الجامع) للإمام أحمد في مسنده عن أبي ذر، ورواه الموطئي -أيضاً- بلفظ آخر بإسناد جيد، وقال الألباني: رواه الترمذي وابن حبان والحاكم وابن المبارك وابن نصر وابن أبي شيبة والطحاوي، وصححه الألباني.
قوله: (والذين يشنؤهم: التاجر الحلاف، والفقير المختال، والبخيل المنان) (يشنؤهم) أي: يبغضهم الله ﵎ (التاجر الحلاف) أي: الذي ينفق سلعته ويروجها بالحلف الكاذب، فيصدق الناس قوله بسبب حلفه بالله ﵎، ويغفل عن قول النبي ﷺ : (الحلف منفقة للسلعة، ممحقة للبركة) فالحلف قد ينفق السلعة، لكنه يمحق بركة هذا المال الذي جاء بالحلف.
وقوله في الحديث: (التاجر الحلاف) فيه ذم للشخص الذي يكثر الحلف حتى ولو كان صادقاً، وأما من يحلف أحياناً وهو صادق، وأحياناً لا يحلف فإنه لا يكون كثير الحلف، فالتاجر الذي يبالغ في الحلف ويكثر منه يبغضه الله ﵎ ولو كان صادقاً، أما إذا كان كاذباً فهو حلف يهلكه ويغمسه في النار، ومن كان صادقاً لا يخلو من الذم؛ لأنه ينبغي للإنسان أن لا يكثر من الحلف، وإنما يجعل الحلف لعظائم الأمور، أو يقلل منه بشرط أن يكون صادقاً.
وهناك أيضاً رواية ثالثة قريبة من هذه الروايات، وهي قوله ﷺ في الحديث الذي رواه أبو ذر في رواية أخرى: (ثلاثة يحبهم الله، وثلاثة يبغضهم الله، فأما الذين يحبهم الله: فرجل أتى قوماً فسألهم بالله ولم يسألهم بقرابة بينه وبينهم) أي: سألهم بالله أن يتصدقوا عليه، ومعلوم أن الإنسان إذا سئل بالله وجب عليه أن يعطي السائل، يقول ﵊: (من سألكم بالله فأعطوه)، ويقول الله سبحانه: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ﴾ [النساء:١] فالسائلون والناس لو عرفوا هذا لانتفعوا كثيراً، فمن سألك بالله وجب عليك أن تعطيه أيَّ شيء، ولا ترده على الإطلاق.
فهذا الرجل أتى هؤلاء القوم، وسألهم بالله ولم يسألهم لقرابة بينه وبينهم (فمنعوه) أي: فمنعوه الصدقة ولم يجيبوه (فتخلف رجل بأعقابهم) أي: تخلف في نهاية القافلة أو القوم، وكان رجلاً صادقاً في طاعته لله ﵎، فأراد أن لا يُرى أنه تصدق (فتخلف رجل بأعقابهم، فأعطاه سراً لا يعلم بعطيته إلا الله والذي أعطاه) فهذا يحبه الله (وقوم ساروا ليلتهم حتى إذا كان النوم أحب إليهم مما يعدل به وضعوا رءوسهم، فقام أحدهم يتملقني ويتلو آياتي)، فهذه فضيلة ظاهرة لقيام الليل خاصة في السفر ومع شدة المشقة (ورجل كان في سرية فلقي العدو فهزموا، فأقبل بصدره حتى يقتل أو يفتح له، والثلاثة الذين يبغضهم الله: الشيخ الزاني، والفقير المختال، والغني الظلوم).
فهذه بعض الأحاديث التي فيها الحث على طاعة الله ﵎، والاجتهاد في ذلك مع إخلاص النية.
стр. 445
حث الرجل أهله ومن يعول على طاعة الله تعالى
هناك أحاديث أخرى فيها الترغيب على أن يحث الرجل أهله ومن يلوذ به على طاعة الله ، وتُعلي همته في ذلك، منها: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (رحم الله رجلاً قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته) فهذا فيه أنّ من فعل ذلك دخل في دعوة رسول الله ﷺ حين قال: (رحم الله رجلاً! قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته فصلت، فإن أبت نضح في وجهها الماء، ورحم الله امرأة قامت من الليل فصلت وأيقظت زوجها فصلى، فإن أبى نضحت في وجهه الماء) رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة وأحمد وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وصححه على شرط مسلم، وصححه -أيضاً- النووي وغيره.
قوله ﷺ : (فإن أبت) أي: إن أبت زوجته (نضح في وجهها الماء)، وأيضاً (فإن أبى) أي: أبى زوجها (نضحت في وجهه الماء) والمقصود الماء أو ما يقوم مقامه، فإذا كان سينفعل ويثور إذا نضحت في وجهه الماء البارد فيمكن أن تستبدله بأي عطر أو طيب أو أي شيء له رائحة طيبة، بحيث لا يستفزه ذلك وتعين الشيطان عليه.
وقال ﷺ : (من استيقظ من الليل، وأيقظ امرأته فصليا ركعتين جميعاً، كتبا ليلتئذٍ من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات).
وكان ﷺ يأمر بإيقاظ نسائه ويقول: (أيقظوا صواحب الحجرات، رب كاسية في الدنيا عارية يوم القيامة).
وجاء في الحديث الآخر أنّه ﷺ مرّ على ابنته فاطمة وعلي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهما، فأمرهما بقيام الليل، فأجابه علي ﵁ قائلاً: (يا رسول الله! أرواحنا بيد الله، يبعثها متى شاء) فانصرف ﷺ وهو يضرب فخذيه ويقول: (﴿وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف:٥٤]).
стр. 446
الحث على طاعة الله تعالى في المواسم المباركة
إنّ هذه الأحاديث هي مقدمة هذا الموضوع الذي سنتكلم فيه إن شاء الله تعالى، وهو موضوع الحث على طاعة الله ﵎ والاجتهاد فيها، خاصة في هذا الموسم العظيم، وهو موسم يغفل عنه أكثر الناس مع أنه لا يقل أهمية عن رمضان أو عن العشر الأواخر من رمضان.
وهذا الموسم هو عشر ذي الحجة، والناس في هذا الموسم على قسمين: فمنهم من ييسر الله له الرحيل إلى بيت الله الحرام لأداء فريضة الحج، ومنهم من يعذر ولا يستطيع الذهاب، فربما رحل بقلبه، وهذا الفريق الثاني الذي لم ييسر الله له السفر إلى بيت الله الحرم قد أقام الله له موسماً للطاعات فيه ثواب جزيل جداً إذا اغتنمه، فعلى الإنسان أن يعمره بالصلاة والصيام والصدقة وذكْر الله ، وقراءة القرآن، وسائر أنواع الخير، وأن يجتهد في ذلك، وينبغي الاستعداد لهذا الموسم قبل مجيئه، وأن يفرغ الإنسان نفسه لطاعة الله حتى لا يكون من الخاسرين في هذا السوق العظيم.
يقول ﷺ : (ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من أيام العشر، قالوا: يا رسول الله! ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بماله ونفسه يجاهد في سبيل الله فلم يرجع من ذلك بشيء).
لقد أقسم الله تعالى بليالي عشر ذي الحجة فقال: ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر:٢] وهي ليالي العشر من ذي الحجة، والعمل في أيام العشر ثوابه العظيم، فهذه فرصة من الفرص النادرة التي يكون فيها الفضل العظيم من الله ﵎، فنحتاج إلى إيقاظ الهمم حتى تسمو نفوسنا إلى طاعة السابقين واجتهادهم، فإن العلماء يذكرون أن أعظم طريقة في إصلاح القلوب وتزكية النفوس هي أن يعايش الإنسان إنساناً أو شيخاً أو قدوة يقتدي به في أحواله، ويعرف السنن من سلوكياته، فإذا عَزَّ هذا -كما في هذا الزمان الذي نعيشه- فإن البديل هو أن يكثر الإنسان من مطالعة أحوال الصالحين، خاصة في القرون الخيِّرة الأولى وما تلاها من حياة من تبعوهم بإحسان، فيطالع أخبارهم حتى يستثير همته، ويكون له فيهم أسوة، فهذا الذي يخرج الأمة المجاهدة، والأمة العابدة، والأمة العاملة لدينها، والتي تحقق العبودية لله وتعرف ما هو هدفها من هذه الحياة، وكيف تستثمره، لا الأمة التي جعلت هدفها هي الأهداف التي يحققها لاعبو الكرة، ولا الأمة التي هدفها أن تصير الأولى في العالم في اللعب واللهو وتنسى الجهاد في سبيل الله.
стр. 447
انشغال المسلمين بالدنيا واللهو ونسيانهم قضايا الأمة الكبيرة
مما يؤسف له أنّه حصل موقف يتحسر فيه المرء على حال المسلمين، فقد قال مراسل الـ ( B.
B.
c) يصف القاهرة: القاهرة من أكثر عواصم العالم ازدحاماً، سواء أكان ذلك في ليل أم في نهار.
ويقول: أنا مع طول مكثي في القاهرة ما رأيت العاصمة قبل ذلك على هذه الهيئة، فقد ظهرت عاصمة مصر على حالين متناقضين تماماً: الأولى: أثناء إذاعة المباراة باتت الشوارع وكأن المدينة قد فرض عليها نظام حظر التجول.
والصورة الأخرى التي تضادها تماماً هي ما كان من الناس بعدما حصل الفوز العظيم والنصر المبين، وكأن القدس قد استعيدت، وفلسطين قد رجعت، وكأن أفغانستان قد عادت، وكأن شرع الله قد طبق، وكأن كل الأهداف التي تعيش لها هذه الأمة الغافلة اللاهية التي صارت أضحوكة الأمم قد حققت، فترى أفرادها أوائل في اللعب واللهو، أما الجهاد والعيش للهدف الذي خلقنا الله من أجله وقال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] فيسمى تطرفاً.
وفي نفس هذا اليوم -أعني يوم الفوز العظيم الذي حققه المجاهدون في ميدان الكرة- أعلن نائب رئيس الأركان الإسرائيلي أن إسرائيل تعتقد حتمية قيام حرب رابعة أو حرب جديدة مع عدة دول عربية، ذكر منها مصر وسوريا والأردن والعراق.
وهل ذكر السعودية؟ إنني غير متأكد من ذكر السعودية، ولو ذكرها لكانت المصيبة أكبر؛ لأنهم يطمعون في المدينة المنورة، وفي نفس هذا اليوم الذي صدر فيه هذا التصريح يخرج المحدث المصري يرتعد من الخوف ويقول: كيف هذا؟! هذا يتعارض مع السلام الذي نحن عليه وكذا وكذا، وفي نفس هذا اليوم -أيضاً- خنق ستون طفلاً فلسطينياً في مستشفى الأطفال في محاضنهم من تأثير الغازات المسيلة للدموع التي ألقاها اليهود -لعنهم الله- عليهم، أفنحب أن يكون في كل بيت مأتم؟! فما الفرق بين أن يكون هؤلاء الأطفال إخوانك أو أبناؤك؟! كيف يحصل هذا الانتصار الشعوري، فنحن في نشوة وانتصار كأن فلسطين قد فتحت، وكأن القدس قد عادت، ومثل هذا من التفاهات واللهو واللعب يحصل.
يا أمة ضحكت من جهلها الأمم، وكم في مصر من المضحكات! ولكنه ضحك كالبكاء.
ترى الناس يبكون وكأنهم يبكون من خشية الله، إنّا نعيش مأساة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
فالمقصود أن التربية هي التي تنشئ هذه الأمة المجاهدة، وأنا أريد أن أسأل الإخوة المجاهدين الذين يمكثون أمام التلفزيون الساعات الطوال، وربما تخلفوا عن صلاة الجماعة ببسب هؤلاء الشياطين المجرمين فأقول: لو كان بينكم الآن أبو بكر أو عمر بن الخطاب أو خالد بن الوليد أو سعد بن أبي وقاص أو عبد الرحمن بن عوف أو ابن تيمية أو محمد بن عبد الوهاب أو صلاح الدين الأيوبي هل كانوا سيمكثون أمام اللعب واللهو وينظرون إلى هذا الجهاز الجديد؟! إنّ هذه صورة جديدة من الجهاد تحشد لها أمة بكاملها، وتحشد لها الملايين وتنفق عليها.
فهل تسأل -يا من تسأل وتكثر السؤال-: هل النظر إلى المباريات حلال أو حرام؟ هل عرضت على قلبك هذا السؤال؟! هل كان عمر سيمكث هذه الساعات أمام هذا الباطل وأمام هذا اللغو؟! الله المستعان! إننا نوبخ أنفسنا بمقارنة أحوالنا وأحوال السابقين، فلن نقارن بين رجالنا ورجالهم، بل سنقارن بين رجالنا ونسائهم، ونردد قول الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: أحب الصالحين ولست منهم علي أن أنال بهم شفاعة وأبغض من تجارته المعاصي إن كنا سواء في البضاعة ونقول: أما لك في الرجال أسوة؟! أتسبقك وأنت رجل النسوة؟! وبين أيدينا نماذج من نساء السلف اجتهدن في طاعة الله ﵎.
стр. 448
نماذج من نساء السلف العابدات
فنقول: إن المرأة المسلمة التي رباها القرآن والسنة قد فقهت عن الله ﵎ أمره، وتدبرت في حقيقة الدنيا ومصيرها إلى الآخرة، فاستوحشت من حشمتها، وتجافى جنبها عن مضجعها، وتناءى قلبها عن المطامع، وارتفعت همتها عن السفاسف، فلا تراها إلا صائمة قائمة باكية نائحة، وقد حفل التاريخ الإسلامي بالخيرات الصالحات اللواتي نهجن طريق الجد عن علم ورسوخ عقيدة، لا عن حماقة وجهالة، كما تجد في كثير ممن وصفن بالنسك والتصوف، تجد في دواوين الإسلام أخباراً كثيرة عن النساء العابدات، بدءاً من صدر العهد النبوي إلى ما تلاه من القرون.
فعن ابن عباس ﵄: (أن رسول الله ﷺ أتى النساء بعد صلاة العيد فكلمهن في الصدقة، فأخذن ينزعن الفتخ والقرط والعقود والأطواق والخواتيم والخلاخيل ويلقينها في ثوب بلال ﵁، وكان بلال قد بسط ثوبه ليضع فيه النساء صدقاتهن)، وبذلك رقأت عبرة اليتيم، وبردت لوعة المسكين، وكذلك فعل النساء حين نزلت آية الصدقة: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ [الحديد:١٨].
لقد كان كثير من الإحسان في الجاهلية مما تثيره المنافسة وحسن الأحدوثة، فأصبح بالإسلام مما تفيض منه الرحمة، ويبعثه ابتغاء مرضات الله .
стр. 449
أم المؤمنين الصديقة عائشة رضي الله تعالى عنها
وفي قمة هؤلاء العابدات نساء الصحابة رضي الله ﵎ عنهن، ويتصدر نساء الصحابة أمهات المؤمنين وآل بيت النبي ﵌، وعلى رأس هؤلاء جميعاً أم المؤمنين أم عبد الله الصديقة بنت الصديق، المبرأة من فوق سبع سموات، حبيبة خليل الله ﵌، يقول عبد الله بن الزبير ﵄: ما رأيت امرأتين قط أجود من عائشة وأسماء، وجودهما مختلف، أما عائشة فكانت تجمع الشيء على الشيء حتى إذا اجتمع عندها قسمته، وأما أسماء فكانت لا تمسك شيئاً لغد.
وقال القاسم: كانت عائشة تصوم الدهر.
ويحمل هذا على أنها كانت تصوم ما سوى الأيام المنهي عن صيامها، كأيام الحيض، وأيام التشريق، ويوم العيد.
وعن عروة أن عائشة ﵂ كانت تسرد الصوم.
وعن القاسم أنها كانت تصوم الدهر لا تفطر إلا يوم أضحى أو يوم فطر.
وقال عروة: كنت إذا غدوت -يعني: خرجت في الصباح- أبدأ ببيت عائشة ﵂، فأسلم عليها، فغدوت يوماً فإذا هي قائمة تسبح -أي: تصلي النافلة، ولعلها كانت تصلي الضحى والله أعلم- وتقرأ: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور:٢٧] فتدعو وتبكي وترددها، فقمت حتى مللت القيام -أي: وقف ينتظرها حتى مل القيام والوقوف- فذهبت إلى السوق لحاجتي، ثم رجعت فإذا هي قائمة كما هي تصلي وتبكي.
وعن عروة قال: كانت عائشة ﵂ لا تمسك شيئاً مما جاءها من رزق الله تعالى إلا تصدقت به، فقال عروة: بعث معاوية ﵁ مرة إلى عائشة ﵂ بمائة ألف درهم، فقسمتها ولم تترك منها شيئاً، فقالت بريرة: أنت صائمة فهلا ابتعت لنا منها بدرهم لحماً؟ قالت: لو ذكرتيني لفعلت.
وعنه أيضاً قال: إن عائشة تصدقت بسبعين ألف درهم، وإنها لترقع جانب درعها.
وعن محمد بن المنكدر عن أم ذرة -وكانت تغشى عائشة وتتردد عليها- قالت: بعث إلى عائشة ابن الزبير بمال في غرارتين -قالت: أراه ثمانين ومائة ألف-، فبعث بطبق -وهي صائمة يومئذ- فجعلت تقسمه بين الناس، فأمست وما عندها من ذلك درهم، فلما أمست قالت: يا جارية! هلمي فطوري -أي: أحضري فطوري-، فجاءتها بخبز وزيت، فقالت لها أم ذرة: أما استطعت -مما قسمت اليوم- أن تشتري لنا بدرهم لحماً نفطر عليه؟! قالت: لا تعنتيني، لو كنت أذكرتيني لفعلت.
وعن عبد الواحد بن أيمن الحبشي قال: حدثني أبي قال: دخلت على عائشة ﵂ وعليها درع قطر ثمنه خمسة دراهم، وقالت: ارفع بصرك إلى جاريتي فانظر إليها، فإنها تزهى أن تلبسه في البيت -أي: أنّ الجارية كانت تستنكف أن تلبس مثل هذا الثوب الذي على عائشة وهي في البيت- وقد كان لي منهن درع على عهد رسول الله ﷺ ، فما كانت امرأة تقين في المدينة إلا أرسلت إلي تستعيره.
أي: يستعرنه في المناسبات كي يلبسنه.
وعن عبد الله بن أبي مليكة أنه جاء إلى أم المؤمنين عائشة ﵂، وعند رأسها ابن أخيها عبد الله بن عبد الرحمن.
وذلك حينما كانت تحتضر ﵂.
ولا يخفى على مسلم مكانة عائشة ﵂ ومقامها عند الله وعند رسوله ﵌، وأنه لا يحبها إلا من كانت أمه فهي أم المؤمنين، ومن أبغضها فليس من المؤمنين.
وفضائل عائشة ﵂ كثيرة جداً تحتاج لدروس كثيرة مستقلة، ويكفي في فضلها وشرفها رضي الله ﵎ عنها أن النبي ﵌ حينما كان على وشك أن يفارق الدنيا اختار حبيبه لخلافته في الصلاة وهو أبو بكر الصديق ﵁، واختار المكان الذي يقبض فيه وهو بيت عائشة ﵂، وهي ابنة أبي بكر ﵁، فتباً وسحقاً للرافضة الذين يلعنونهما ويتقربون إلى الله ببغضهما، فهم المطرودون المبعدون.
فحينما كانت أم المؤمنين ﵂ في وقت احتضارها وهي تشرف على الموت قال لها عبد الله بن أبي مليكة: هذا ابن عباس يستأذن -يعني: يستأذن على أم المؤمنين- فقالت: دعني من ابن عباس.
تعني: لا تدخلوا ابن عباس؛ لأنّها كانت تعلم شدة حب ابن عباس لها، ولعله إذا دخل عليها جعل يمدحها ويرجيها، كما هي السنة أنك إذا حضرت رجلاً يحتضر فلا يناسب أن تكثر من ذكر الخوف؛ لأنّ ذكر الخوف قد يخرج به إلى القنوط، فذكر الخوف ليس مقصوداً لذاته، وإنما هو باعث ومحرك حتى تعمل، وحتى تسعى إلى العمل، أما إذا انقضت المهلة ولم يبقَ وقت تعمل فيه فإن الخوف مع عدم إمكان العمل قد يؤدي إلى القنوط، والله تعالى يقول: ﴿إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ﴾ [يوسف:٨٧] لذا فإنّ المستحب إذا حضرت شخصاً مسلماً يحتضر أن تذكره بما فعل من الأعمال الصالحة، وأن تذكره بأعماله الطيبة، مثل أن تقول: لقد كنت تصلي جماعة، وكنت تكثر من ذكر الله، وكنت تتقي الحرام، ويذكره بالأعمال الصالحة حتى يدخل في الرجاء ويقبل على الله ﵎ وهو يحسن الظن به.
فالمقصود أن أم المؤمنين قالت: دعني من ابن عباس.
فقال لها: يا أماه! إن ابن عباس من صالحي بنيك، يسلم عليك ويودعك! فقالت: ائذن له إن شئت.
فأدخلته، فلما جلس قال: أبشري أبشري! فما بينك وبين أن تلقي محمداً ﷺ والأحبة إلا أن تخرج الروح من الجسد -لأنه كان يؤمن أنها زوجته في الجنة ﵂ كنت أحب نساء رسول الله ﷺ إليه، ولم يكن رسول الله ﷺ يحب إلا طيباً، وسقطت قلادتك ليلة الأبواء فأصبح رسول الله ﷺ يطلبها في المنزل.
وهذه القصة هي أنه حينما سقطت قلادتها أوقف الرسول ﵊ جميع الجيش الذين معه ليبحثوا عن قلادة عائشة ﵂ ليلة كاملة، فغضب منها أبو بكر ﵁ لما علم أنهم أنما حبسوا بسببها، فأتاها ورسول الله ﷺ نائم على فخذها، فجعل أبو بكر يطعن في خاصرتها ويقول: حبستينا.
فكانت تتألم جداً من هذا الضرب، ولكنها لم تتحرك حتى لا يستيقظ رسول الله ﵊، فكانت تثبت في مكانها رغم شدة هذا الطعن الذي كان يطعنها به أبو بكر ﵁ في خاصرتها، ويوبخها بأنها تسببت في حبس المسلمين، فأصبح الناس وليس معهم ماء يتوضئون به، فأنزل الله : ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء:٤٣].
فحينئذ تيمموا، وأرادوا أن يرحلوا فإذا بالقلادة تحت جملها الذي كان باركاً.
فالشاهد أن ابن عباس قال لها في ضمن مناقبها ﵂: وسقطت قلادتك ليلة الأبواء، فأصبح رسول الله ﷺ يطلبها في المنزل، فأصبح الناس وليس معهم ماء، فأنزل الله : ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء:٤٣]، وكان ذلك بسببك.
ولذلك قال أسيد بن حضير لها: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر.
أي: ليست هي أول بركتكم على الأمة، فإن لكم بركات كثيرة.
قال ابن عباس: وأنزل الله براءتك من فوق سبع سموات جاء بها الروح الأمين، فأصبح وليس مسجد من مساجد الله يذكر الله فيه إلا تتلى فيه آناء الليل وآناء النهار.
فردت أم المؤمنين ﵂: يا ابن عباس! دعني منك ومن تزكيتك، فو الله لوددت أني كنت نسياً منسياً.
стр. 450
أم المؤمنين زينب بنت جحش رضي الله تعالى عنها
وكانت أم المؤمنين زينب بنت جحش ﵂ بنت عم النبي ﷺ امرأة صناعاً، وكانت تعمل بيدها، وتجمع المال من هذه الصنعة التي كانت تعملها، ولعلها كانت تغزل أو تفعل شيئاً من هذا القبيل، فكانت تجمع المال ثم تتصدق به كله في سبيل الله ﵎، وكانت صالحة صوامة قوامه بارة، وكان يقال لها: أم المساكين.
وفيها قالت أم المؤمنين عائشة ﵂ حين توفيت: لقد ذهبت حميدة متعبدة، مفزع اليتامى والأرامل.
كانت زينب مفزع اليتامى والأرامل، يفزعون إليها حتى تفرج كرباتهم ﵂.
وعن أنس ﵁ قال: (دخل رسول الله ﷺ المسجد فإذا حبل ممدود بين الساريتين، فقال: ما هذا الحبل؟ قالوا: حبل لـ زينب) أي أنها تصلي فإذا فترت تعلقت به حتى تواصل الصلاة، فقال النبي ﷺ : (لا، حلّوه، ليصل أحدكم نشاطه، فإذا فتر فليقعد) وفي رواية قالوا: (زينب تصلي فإذا كسلت أو فترت أمسكت به، فقال: حلوه، ليصل أحدكم نشاطه، فإذا فتر فليقعد).
وعن عبد الله بن رافع عن برة بنت رافع قالت: لما جاء العطاء -وهو المال الذي كان يوزعه الخليفة على المسلمين في كل سنة- بعث عمر إلى زينب ﵄ بالذي لها -أي: بنصيبها من المال- فلما دخل عليها قالت: غفر الله لـ عمر! لغيري من أخواتي كان أقوى على قسم -أي: توزيع- هذا مني.
قالوا: هذا كله لك -وهي ظنت أن عمر أرسله إليها حتى توزعه- فقالت: سبحان الله! واستترت دونه بثوب -أي أنها خافت من هذا المال وابتعدت عنه واستترت بثوب- فقالت: صبُّوه، واطرحوا عليه ثوباً، فصبوه وطرحوا عليه ثوباً، فقالت لي: أدخلي يدك فاقبضي منه قبضة فاذهبي به إلى آل فلان وآل فلان من أيتامها وذوي رحمها، فقسمته حتى بقيت منه بقية، فقالت لها برة: غفر الله لك! والله لقد كان لنا من هذا حظ -أي: كان الأصل أن تبقي لنا حظاً من هذا المال- قالت: فلكم ما تحت الثوب، فرفعنا الثوب فوجدنا بضعة وثمانين درهماً، ثم رفعت يدها وقالت: اللهم! لا يدركني عطاء عمر بعد عامي هذا، قال: فماتت ﵂.
وعن محمد بن سعد قال: كان عطاء زينب اثني عشر ألف درهم -هكذا كانت تُعطى في كل سنة- فحُمل إليها فقسمته في أهل رحمها وفي أهل الحاجة حتى أتت عليه، فبلغ عمر فقال: هذه امرأة يراد بها خير، فوقف على بابها وأرسل بالسلام، وقال: قد بلغني ما فرقت، فأرسل إليها بألف درهم لتنفقها على نفسها، فسلكت بها طريق ذلك المال.
وروي عنها أنها حين حضرتها الوفاة قالت: إني قد أعددت كفني، ولعل عمر سيبعث إلي بكفن، فإن بعث بكفن فتصدقوا بأحدهما، فإن استطعتم -إذا أبليتموني- أن تصدقوا بحقوتي فافعلوا.
وزينب ﵂ هي التي كان يقول فيها ﵊: (أسرعكن لحوقاً بي أطولكن يداً) يعني أن أول أمهات المؤمنين ستموت بعده ﷺ أطولهن يداً، ففهمنها على ظاهرها، فكانت أمهات المؤمنين يقسن أيديهن على جدار، فترفع كل واحدة منهن يديها حتى يقسنَ وينظرن من منهن أطول يداً؟ فبعد ذلك حينما توفيت زينب فهمن أن مقصود الرسول ﵊ كان طول يدها في المعروف وأسرعهن صدقة.
قالت عائشة ﵂: فكن يتطاولن أيتهن أطول يداً، وكانت زينب تعمل وتتصدق بما يأتيها من المال.
وقالت عائشة ﵂: كانت زينب بنت جحش ﵂ تساويني في المنزلة عند رسول الله ﷺ ، ولم أر امرأة قط خيراً في الدين من زينب، وأتقى لله، وأصدق حديثاً، وأوصل للرحم، وأعظم صدقة، وأشد ابتذالاً لنفسها في العمل الذي تتقرب به إلى الله تعالى، ماعدا سورة من حدة كانت فيها تسرع منها الفيئة.
فانظر إلى هذا المدح والوصف من ضرتها؟!
стр. 451
أم المؤمنين زينب بنت خزيمة رضي الله تعالى عنها
وأم المؤمنين زينب بنت خزيمة بن الحارث بن عبد الله الهلالية كانت -أيضاً- تدعى أم المساكين، وهي غير زينب بنت جحش ابنة عمة رسول الله ﷺ ، وكانت كثيرة المعروف، ولذلك كانت تلقب بأم المساكين.
стр. 452
أم المؤمنين حفصة بنت عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنها
أما أم المؤمنين حفصة بنت أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵄ فقد كانت أيضاً تسامي أم المؤمنين عائشة ﵂ في منزلتها من رسول الله ﷺ ، وكانت عابدة خاشعة قانتة لله ﵎، وقد صح أن النبي ﷺ طلقها، ثم راجعها بأمر الله تعالى له بذلك، فقد أتاه جبريل ﵇ فقال له: (إن الله يأمرك أن تراجع حفصة فإنها صوامة قوامة، وإنها زوجتك في الجنة) فجعل كثرة صيامها وقيامها سبباً في أمر نبيه أن يراجعها ولا يطلقها، وفي أنّها تكون زوجته في الجنة إذا ماتت وهي زوج لرسول الله ﷺ ، فأي شهادة وتزكية لـ حفصة ﵂ بعد شهادة وتزكية الله ﵎ لها من فوق سبع سموات؟!
стр. 453
أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنها
أما أسماء بنت أبي بكر بن عبد الله بن أبي قحافة عثمان ﵃ أجمعين فهي أم عبد الله القرشية التيمية والدة الخليفة عبد الله بن الزبير ﵄، وأخت أم المؤمنين عائشة، وهي المعروفة بـ ذات النطاقين، وقد كانت خاتمة المهاجرين والمهاجرات، قال ابن أبي مليكة: كانت أسماء تصدع -أي: يصيبها الصدع- فتضع يدها على رأسها وتقول: بذنبي، وما يغفره الله أكثر.
وعن فاطمة بنت المنذر قالت: إن أسماء كانت تمرض المرضة فتعتق كل مملوك لها.
وعن محمد بن المنكدر قال: كانت أسماء بنت أبي بكر ﵄ سخية النفس.
وعن الركين بن الربيع قال: دخلت على أسماء بنت أبي بكر وقد كبرت وهي تصلي وامرأة تقول لها: قومي، اقعدي، افعلي، من الكبر.
أي: من شدة طعنها في السن.
стр. 454
أم الدرداء الصغرى رحمها الله تعالى
وأما أم الدرداء الصغرى: فهي السيدة العالمة الفقيهة هجيمة بنت حيي الأوصابية زوجة أبي الدرداء ﵁، عرضت القرآن -وهي صغيرة- على أبي الدرداء ﵁، وطال عمرها، واشتهرت بالعلم والعمل والزهد.
قال عون بن عبد الله: كنا نأتي أم الدرداء فنذكر الله عندها.
وقال يونس بن ميسرة: كن النساء يتعبدن مع أم الدرداء، وإذا ضعفن عن القيام تعلقن بالحبال.
وعنه أيضاً قال: كنا نحضر أم الدرداء فتحضرها نساء عابدات يقمن الليل كله، حتى إن أقدامهن قد انتفخت من طول القيام.
стр. 455
السيدة سكينة بنت الحسين رحمها الله تعالى
أما السيدة الشريفة العفيفة التقية النقية سكينة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب ﵄ فكانت شهمة سخية كريمة، وكانت تجود بكل ما لديها من مال، فإن لم يكن مال فبشيء من الحلي الذي تلبسه.
стр. 456
السيدة نفيسة بنت الحسن رحمها الله تعالى
أما السيدة المكرمة الصالحة نفيسة فهي بنت الحسن بن زيد بن السيد سبط النبي ﷺ الحسن بن علي العلوية الحسنية ﵂، وهي السيدة نفيسة المدفونة في القاهرة، وللأسف أنه يفعل بقبرها من الشرك ما الله ورسوله والمؤمنون منه براء، وهي -أيضاً- بريئة منه، كانت -رحمها الله وأكرمها- من الصالحات العابدات، زاهدة تقية نقية، تقوم الليل وتصوم النهار، وتكثر البكاء من خشية الله ، حتى قيل لها: ترفقي بنفسك.
لكثرة ما رأوا منها، فقالت: كيف أرفق بنفسي وأمامي عقبة لا يقطعها إلا الفائزون؟! وقد حجت ثلاثين حجة، وكانت تحفظ القرآن وتفسيره.
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى بعد أن حكى أنها دخلت مصر مع زوجها المؤتمن إسحاق بن جعفر الصادق فأقامت بها، يقول ابن كثير: لما دخلت مع زوجها أقامت بها، وكانت ذات مال، فأحسنت إلى الناس والجذامى والزمنى والمرضى وعموم الناس، وكانت عابدة زاهدة كثيرة الخير، ولما ورد الشافعي مصر أحسنت إليه، وكان ربما صلى بها في شهر رمضان، وحين مات أمرت أن تُدخل جنازته إليها، فأُدخل جثمانه ﵁ عليها فصلت عليه.
ولها أخبار طيبة، منها أنها لما قدمت إلى مصر مع زوجها إسحاق بن جعفر الصادق، -وقيل: مع أبيها الحسن - هرع إليها أهل مصر يشكون من ظلم أحمد بن طولون ويجأرون إليها من ظلم أحمد بن طولون، فقالت: متى يركب -تعني موكبه متى يكون موعده-؟ قالوا: في غد.
فكتبت رقعة ووقفت في طريقه في الموكب، وقالت: يا أحمد بن طولون! فلما رآها عرفها، فترجل عن فرسه -أي: نزل في الحال عن الفرس- ومشى على رجليه، وأخذ منها الرقعة، وقرأها فإذا فيها: ملكتم فأسرتم- من الأسر- وقدرتم فقهرتم، وردت إليكم الأرزاق فقطعتم، هذا وقد علمتم أن سهام القدر نافذة غير مخطئة، لاسيما من قلوب أفزعتموها، وأكباد روعتموها، وأجساد عريتموها، فمحال أن يموت المظلوم ويبقى الظالم، اعملوا ما شئتم فإنا صابرون، وجوروا فإنا مستجيرون، واظلموا فإنا إلى الله متظلمون ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ [الشعراء:٢٢٧] فعدل لوقته أي: رجع عن الظلم في الحال.
وقد قيل: إن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى سمع منها الحديث من وراء حجاب، وطلب منها أن تدعو له.
وحضرتها الوفاة رحمها الله تعالى وهي صائمة، فألزموها أن تفطر، فقالت: واعجباه! أنا منذ ثلاثين سنة أسأل الله تعالى أن ألقاه صائماً أأفطر الآن؟! هذا لا يكون، وخرجت من الدنيا وهي تقرأ القرآن، وكانت آخر آية قرأتها قبل أن تقبض روحها: ﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام:١٢] رحمها الله ورضي عنها.
стр. 457
أم البنين بنت عبد العزيز رحمها الله تعالى
انظر كيف كان حال الأقارب؟! فحين تنظر إلى القرابات بين نساء السلف ورجال السلف تجد المرأة منهن زوجة فلان، وعمها فلان، وخالها فلان، وابنها فلان، وزوجها فلان، فكانت القرابات التي تجمعهم هي الأعمال الصالحة، ولم تكن المناصب وظلم الناس، وإنما تجد الوسائل والروابط بين الأسر والأقارب مسخرة لطاعة الله ، فهذه أم البنين أخت عمر بن عبد العزيز، وماذا تتوقع من شقيقة عمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد رحمهما الله تعالى؟! كانت مضرب المثل في الكرم والجود، كانت تقول: لكل قوم لهنة -واللهنة: الشهوة أو الرغبة في شيء- ولهنتي في الإعطاء، أي: شهوتها في الإعطاء والنفقة في سبيل الله، كانت تعتق كل يوم جمعة رقبة، وتحمل على فرس في سبيل الله ، تشتري فرساً ليجاهد عليه في سبيل الله، وتقول: أف للبخل، لو كان قميصاً لم ألبسه، ولو كان طريقاً لم أسلكه.
стр. 458
عجردة العمية رحمها الله تعالى
وأما عجردة العمية فهي من المعدودات المشهورات من نساء السلف، فعن آمنة بنت يعلى بن طرير قالت: كانت عجردة العمية تغشانا، فتظل عندنا اليوم واليومين، فكانت إذا جاء الليل لبست ثيابها وتقنعت، ثم قامت إلى المحراب فلا تزال تصلي إلى السحر، ثم تجلس فتدعو حتى يطلع الفجر، فقلت لها -أو قال لها بعض أهل الدار-: لو نمت من الليل شيئاً! فبكت وقالت: ذكر الموت لا يدعني أنام، وكانت تحيي الليل، وكانت مكفوفة البصر، فإذا كان السحر نادت بصوت لها محزون: إليك قطع العابدون دجى الليالي يستبقون إلى رحمتك وفضل مغفرتك، فبك -يا إلهي- أسألك لا بغيرك أن تجعلني في أول زمرة السابقين، وأن ترفعني إليك في عليين في درجة المقربين، وأن تلحقني بعبادك الصالحين، فأنت أرحم الرحماء، وأعظم العظماء، وأكرم الكرماء يا كريم.
ثم تخر ساجدة، فيسمع لها شهيق، ثم لا تزال تدعو وتبكي إلى الفجر.
стр. 459
حبيبة العدوية رحمها الله تعالى
وعن عبد الله المكي أبي محمد قال: كانت حبيبة العدوية إذا صلت العتمة قامت على سطح لها، وشدت عليها درعها وخمارها، ثم قالت: إلهي! قد غارت النجوم، ونامت العيون، وغلقت الملوك أبوابها، وخلا كل حبيب بحبيبه، وهذا مقامي بين يديك، ثم تقبل على صلاتها، فإذا طلع الفجر قالت: إلهي! هذا الليل قد أدبر، وهذا النهار قد أسفر، فليت شعري أقبلت مني ليلتي فأهنأ أم رددتها علي فأعزى، وعزتك لهذا دأبي ودأبك ما أبقيتني، وعزتك لو انتهرتني عن بابك ما برحت -أي: لو تركتني ما غادرت الباب- لما وقع في نفسي من جودك وكرمك.
стр. 460
جارية الحسن بن صالح رحمها الله تعالى
وكان الحسن بن صالح يقوم الليل هو وجاريته، فباعها لقوم، فلما صلت العشاء افتتحت الصلاة فما زالت تصلي إلى الفجر، وكانت تقول لأهل الدار كل ساعة تمضي من الليل: يا أهل الدار! قوموا، يا أهل الدار! صلوا، فقالوا لها: نحن لا نقوم حتى نصلي الفجر.
فجاءت إلى الحسن بن صالح وقالت: بعتني لقوم ينامون الليل كله، وأخاف أن أكسل من شهود ليلهم -أي: خشيت على أخلاقها أن تتغير بمعاشرتهم-، فردها الحسن إليه رحمة بها ووفاء بحقها.
следующие страницы →