Полный текст (2 122 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
السيدة نفيسة بنت الحسن رحمها الله تعالى
أما السيدة المكرمة الصالحة نفيسة فهي بنت الحسن بن زيد بن السيد سبط النبي ﷺ الحسن بن علي العلوية الحسنية ﵂، وهي السيدة نفيسة المدفونة في القاهرة، وللأسف أنه يفعل بقبرها من الشرك ما الله ورسوله والمؤمنون منه براء، وهي -أيضاً- بريئة منه، كانت -رحمها الله وأكرمها- من الصالحات العابدات، زاهدة تقية نقية، تقوم الليل وتصوم النهار، وتكثر البكاء من خشية الله ، حتى قيل لها: ترفقي بنفسك.
لكثرة ما رأوا منها، فقالت: كيف أرفق بنفسي وأمامي عقبة لا يقطعها إلا الفائزون؟! وقد حجت ثلاثين حجة، وكانت تحفظ القرآن وتفسيره.
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى بعد أن حكى أنها دخلت مصر مع زوجها المؤتمن إسحاق بن جعفر الصادق فأقامت بها، يقول ابن كثير: لما دخلت مع زوجها أقامت بها، وكانت ذات مال، فأحسنت إلى الناس والجذامى والزمنى والمرضى وعموم الناس، وكانت عابدة زاهدة كثيرة الخير، ولما ورد الشافعي مصر أحسنت إليه، وكان ربما صلى بها في شهر رمضان، وحين مات أمرت أن تُدخل جنازته إليها، فأُدخل جثمانه ﵁ عليها فصلت عليه.
ولها أخبار طيبة، منها أنها لما قدمت إلى مصر مع زوجها إسحاق بن جعفر الصادق، -وقيل: مع أبيها الحسن - هرع إليها أهل مصر يشكون من ظلم أحمد بن طولون ويجأرون إليها من ظلم أحمد بن طولون، فقالت: متى يركب -تعني موكبه متى يكون موعده-؟ قالوا: في غد.
فكتبت رقعة ووقفت في طريقه في الموكب، وقالت: يا أحمد بن طولون! فلما رآها عرفها، فترجل عن فرسه -أي: نزل في الحال عن الفرس- ومشى على رجليه، وأخذ منها الرقعة، وقرأها فإذا فيها: ملكتم فأسرتم- من الأسر- وقدرتم فقهرتم، وردت إليكم الأرزاق فقطعتم، هذا وقد علمتم أن سهام القدر نافذة غير مخطئة، لاسيما من قلوب أفزعتموها، وأكباد روعتموها، وأجساد عريتموها، فمحال أن يموت المظلوم ويبقى الظالم، اعملوا ما شئتم فإنا صابرون، وجوروا فإنا مستجيرون، واظلموا فإنا إلى الله متظلمون ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ [الشعراء:٢٢٧] فعدل لوقته أي: رجع عن الظلم في الحال.
وقد قيل: إن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى سمع منها الحديث من وراء حجاب، وطلب منها أن تدعو له.
وحضرتها الوفاة رحمها الله تعالى وهي صائمة، فألزموها أن تفطر، فقالت: واعجباه! أنا منذ ثلاثين سنة أسأل الله تعالى أن ألقاه صائماً أأفطر الآن؟! هذا لا يكون، وخرجت من الدنيا وهي تقرأ القرآن، وكانت آخر آية قرأتها قبل أن تقبض روحها: ﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام:١٢] رحمها الله ورضي عنها.
стр. 457
أم البنين بنت عبد العزيز رحمها الله تعالى
انظر كيف كان حال الأقارب؟! فحين تنظر إلى القرابات بين نساء السلف ورجال السلف تجد المرأة منهن زوجة فلان، وعمها فلان، وخالها فلان، وابنها فلان، وزوجها فلان، فكانت القرابات التي تجمعهم هي الأعمال الصالحة، ولم تكن المناصب وظلم الناس، وإنما تجد الوسائل والروابط بين الأسر والأقارب مسخرة لطاعة الله ، فهذه أم البنين أخت عمر بن عبد العزيز، وماذا تتوقع من شقيقة عمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد رحمهما الله تعالى؟! كانت مضرب المثل في الكرم والجود، كانت تقول: لكل قوم لهنة -واللهنة: الشهوة أو الرغبة في شيء- ولهنتي في الإعطاء، أي: شهوتها في الإعطاء والنفقة في سبيل الله، كانت تعتق كل يوم جمعة رقبة، وتحمل على فرس في سبيل الله ، تشتري فرساً ليجاهد عليه في سبيل الله، وتقول: أف للبخل، لو كان قميصاً لم ألبسه، ولو كان طريقاً لم أسلكه.
стр. 458
عجردة العمية رحمها الله تعالى
وأما عجردة العمية فهي من المعدودات المشهورات من نساء السلف، فعن آمنة بنت يعلى بن طرير قالت: كانت عجردة العمية تغشانا، فتظل عندنا اليوم واليومين، فكانت إذا جاء الليل لبست ثيابها وتقنعت، ثم قامت إلى المحراب فلا تزال تصلي إلى السحر، ثم تجلس فتدعو حتى يطلع الفجر، فقلت لها -أو قال لها بعض أهل الدار-: لو نمت من الليل شيئاً! فبكت وقالت: ذكر الموت لا يدعني أنام، وكانت تحيي الليل، وكانت مكفوفة البصر، فإذا كان السحر نادت بصوت لها محزون: إليك قطع العابدون دجى الليالي يستبقون إلى رحمتك وفضل مغفرتك، فبك -يا إلهي- أسألك لا بغيرك أن تجعلني في أول زمرة السابقين، وأن ترفعني إليك في عليين في درجة المقربين، وأن تلحقني بعبادك الصالحين، فأنت أرحم الرحماء، وأعظم العظماء، وأكرم الكرماء يا كريم.
ثم تخر ساجدة، فيسمع لها شهيق، ثم لا تزال تدعو وتبكي إلى الفجر.
стр. 459
حبيبة العدوية رحمها الله تعالى
وعن عبد الله المكي أبي محمد قال: كانت حبيبة العدوية إذا صلت العتمة قامت على سطح لها، وشدت عليها درعها وخمارها، ثم قالت: إلهي! قد غارت النجوم، ونامت العيون، وغلقت الملوك أبوابها، وخلا كل حبيب بحبيبه، وهذا مقامي بين يديك، ثم تقبل على صلاتها، فإذا طلع الفجر قالت: إلهي! هذا الليل قد أدبر، وهذا النهار قد أسفر، فليت شعري أقبلت مني ليلتي فأهنأ أم رددتها علي فأعزى، وعزتك لهذا دأبي ودأبك ما أبقيتني، وعزتك لو انتهرتني عن بابك ما برحت -أي: لو تركتني ما غادرت الباب- لما وقع في نفسي من جودك وكرمك.
стр. 460
جارية الحسن بن صالح رحمها الله تعالى
وكان الحسن بن صالح يقوم الليل هو وجاريته، فباعها لقوم، فلما صلت العشاء افتتحت الصلاة فما زالت تصلي إلى الفجر، وكانت تقول لأهل الدار كل ساعة تمضي من الليل: يا أهل الدار! قوموا، يا أهل الدار! صلوا، فقالوا لها: نحن لا نقوم حتى نصلي الفجر.
فجاءت إلى الحسن بن صالح وقالت: بعتني لقوم ينامون الليل كله، وأخاف أن أكسل من شهود ليلهم -أي: خشيت على أخلاقها أن تتغير بمعاشرتهم-، فردها الحسن إليه رحمة بها ووفاء بحقها.
стр. 461
عابدة بني عبد القيس رحمها الله تعالى
وهذه عابدة من بني عبد القيس كانت إذا جاء الليل توضأت، ثم قامت إلى المحراب، وكانت تقول: المحب لا يسأم من خدمة حبيبه، وكانت تقول: عاملوا الله على قدر نعمه عليكم وإحسانه إليكم، فإن لم تطيقوا فعلى قدر شكره، فإن لم تطيقوا فعلى الحياء منه، فإن لم تطيقوا فعلى الرجاء بثوابه، فإن لم تطيقوا فعلى خوف عقابه.
стр. 462
امرأة الهيثم بن جماز رحمها الله تعالى
أما الهيثم بن جماز فيقول: كانت لي امرأة لا تنام الليل، وكنت لا أصبر معها على السهر، فكنت إذا نعست ترش علي الماء في أثقل ما أكون من النوم، وتنبهني برجلها، وتقول: ألا تستحي من الله؟! إلى كم هذا الغفوف- تعني: الشخير-؟! قال زوجها: فو الله إن كنت لأستحيي مما تصنع.
أما لك في الرجال أسوة؟! أتسبقك وأنت رجل النسوة؟!
стр. 463
العابدة شعوانة رحمها الله تعالى
قال يحيى بن بسطام: كنت أشهد مجلس شعوانة -وهي إحدى العابدات- فكنت أرى ما تصنع من النياحة والبكاء، فقلت لصاحب لها: لو أتيناها إذا خلت فأمرناها بالرفق بنفسها، فقال: أنت وذاك، قال: فأتيناها فقلت لها: لو رفقت بنفسك وأقصرت عن هذا البكاء شيئاً، فكان لك أقوى على ما تريدين، قال: فبكت، ثم قالت: والله لوددت أنى أبكي حتى تنفد دموعي، ثم أبكي دماً حتى لا تبقى قطرة من دم في جارحة من جوارحي، وأنى لي بالبكاء؟! وأنى لي بالبكاء؟! فلم تزل تردد: (وأنى لي بالبكاء؟) حتى غشي عليها.
وكانت تقول في دعائها: إلهي! ما أشوقني إلى لقائك، وأعظم رجائي في جزائك، فأنت الكريم الذي لا يخيب إليك أمل الآملين، ولا يبطل عندك شوق المشتاقين، إلهي! إن كان دنا أجلي ولم يقربني منك عملي فقد جعلت الاعتراف بالذنب وسائل عللي، فإن عفوت فمن أولى منك بذلك؟! وإن عدلت فمن أعدل منك هنالك؟! إلهي! قد جرت على نفسي في النظر لها، وبقي لها حسن نظرك، فالويل لها إن لم تسعدها، إلهي! إنك لم تزل بي براً أيام حياتي، فلا تقطع عني برك بعد مماتي، ولقد رجوت ممن تولاني في حياتي بإحسانه أن يسعفني عند مماتي بغفرانه، إلهي! كيف أيأس من حسن نظرك بعد مماتي، ولم تولني إلا الجميل في حياتي؟! إلهي! إن كانت ذنوبي قد أخافتني فإن محبتي لك قد أجارتني، فتول من أمري ما أنت أهله، وعد بفضلك على من غره جهله، إلهي! لو أردت إهانتي لما هديتني، ولو أردت فضيحتي لم تسترني، فمتعني بما له هديتني، وأدم لي ما به سترتني.
وعن محمد بن عبد العزيز بن سلمان قال: كانت شعوانة قد كمدت -أي: أصابها الحزن الشديد -فكانت لا تتنفل من شدة الحزن والذهول حتى انقطعت عن الصلاة والعبادة، فأتاها آتٍ في منامها فقال: أذري جفونك إما كنت شاجية إن النياحة قد تشفي الحزينينا جدي وقومي وصومي الدهر دائبة فإنما الدأب من فعل المطيعينا فأصبحت وأخذت في الترنم والبكاء، وراجعت العمل.
وعن الحسن بن يحيى قال: كانت شعوانة تردد هذا البيت فتبكي وتُبكي النساك معها، تقول: لقد أمن المغرور دار مقامه ويوشك يوماً أن يخاف كما أمن وعن روح بن سلمة قال: قال لي مضر: ما رأيت أحداً أقوى على كثرة البكاء من شعوانة، ولا سمعت صوتاً قط أحرق لقلوب الخائفين من صوتها إذا هي نشدت ثم نادت: يا موتى! وبني الموتى! وإخوة الموتى! وقال أبو عمر الضرير: من استطاع منكم أن يبكي فليبك، وإلا فليرحم الباكي؛ فإن الباكي إنما يبكي لمعرفته بما أتى إلى نفسه.
وعن الحارث بن المغيرة قال: كانت شعوانة تنوح بهذين البيتين: يؤمل دنيا لتبقى له فوافى المنية قبل الأمل حثيثًا يروي أصول الفسيل فعاش الفسيل ومات الرجل وعن الفضيل بن عياض قال: قدمت شعوانة فأتيتها، فشكوت إليها، وسألتها أن تدعو بدعاء، فقالت: يا فضيل! أما بينك وبين الله ما إن دعوته استجاب لك؟! قال: فشهق الفضيل وخر مغشياً عليه.
стр. 464
معاذة العدوية رحمها الله تعالى
أما أم الصهباء معاذة بنت عبد الله العدوية زوجة صلة بن أشيم فهي تلميذة مباركة لأم المؤمنين عائشة ﵂، كانت -رحمها الله- إذا جاء النهار تقول: هذا يومي الذي أموت فيه.
فما تطعم حتى تمسي-أي: تصوم- فإذا جاء الليل تقول: هذه الليلة التي أموت فيها، فتصلي حتى تصبح، ومن أقوالها: عجبت لعين تنام وقد عرفت طول الرقاد في ظلمة الكهوف.
وإن كان مثل هذا التعبير فيه نظر؛ لأنّ المكوث في القبر لا يوصف بأنه رقاد أو نوم، كما يقول بعض الصوفية حين يتكلمون عن القبر ويقولون: وقت النوم في القبر طويل، فنحن لا ننام في الدنيا كثيراً.
لأن المكث في القبر ليس نوماً، وليست المعيشة في القبر تكون نوماً، وإنما هي عذاب أو نعيم، وما هي بنوم، كما قيل: فلو أنا إذا متنا تركنا لكان الموت راحة كل حَيٍّ ولكنا إذا متنا بعثنا ونسأل بعده عن كل شَيٍّ كانت معاذة تصلي الليل الطويل، يكل الرجال وهي لا تكل، وكانت إذا جاء البرد لبست الثياب الرقاق؛ حتى يمنعها البرد من النوم، ولما بلغها نبأ استشهاد زوجها وابنها صبرت، وكان زوجها خرج ماضياً هو وابنه في سبيل الله ﵎، فقال صلة لابنه: يا بني! إلى أمك -أي: ارجع إلى أمك كي ترعاها- فقال ابنه: يا أبت! أتريد الخير لنفسك وتأمرني بالرجعة؟! أنت -والله- كنت خيراً لأمي مني.
قال: أما إذ قلت هذا فتقدم، فتقدم فقاتل حتى أصيب، واجتمع عليه الكفار، فرماهم صلة عن جسده، وظل يرميهم حتى تفرقوا عنه، وأقبل يمشي حتى قام عليه، فدعا له، ثم قاتل حتى قتل رحمهما الله تعالى، فلما بلغها نبأ استشهاد ابنها وزوجها أتت النساء يواسينها في مصابها، فقالت لهن: إن كنتنّ جئتن لتهنئنني فمرحباً بكن، وإن كنتن جئتن لغير ذلك فارجعن، ولم تتوسد فراشاً بعد مقتل زوجها رحمها الله تعالى لكثرة قيامها وصلاتها.
стр. 465
العابدة بريرة رحمها الله تعالى
قال ابن العلاء السعدي: كانت لي ابنة عم يقال لها: بريرة، تعبدت، وكانت كثيرة القراءة في المصحف، فكلما أتت على آية فيها ذكر النار بكت، فلم تزل تبكي حتى ذهبت عيناها من البكاء، فقال بنو عمها: انطلقوا بنا إلى هذه المرأة حتى نعذلها- أي: نلومها- في كثرة بكائها، قال: فدخلنا عليها فقلنا: يا بريرة! كيف أصبحت؟ قالت: أصبحنا أضيافاً منيخين بأرض غربة، ننتظر متى ندعى فنجيب، فقلنا لها: كم هذا البكاء! قد ذهبت عيناك منه.
قالت: إن يكن لعينيّ عند الله خير فما يضرهما ما ذهب منهما في الدنيا، وإن كان لهما عند الله شر فسيزيدهما بكاء أطول من هذا، ثم أعرضت، فقال القوم: قوموا بنا، فهي -والله- في شيء غير ما نحن فيه!
стр. 466
أخوات بشر الحافي رحمهم الله تعالى
وذكر الخطيب أنه كان لـ بشر الحافي -الزاهد المشهور- أخوات ثلاث: مخة ومضغة وزبدة، وكلهن عابدات زاهدات ورعات مثله أيضاً، فذهبت إحداهن إلى الإمام أحمد بن حنبل فقالت: إني ربما طفئ السراج وأنا أغزل على ضوء القمر، فهل علي عند البيع أن أميز هذا من هذا؟ فقال: إن كان بينهما فرق فميزي للمشتري.
وقالت له مرة إحداهن: ربما تمر بنا مشاعل لـ ابن طاهر في الليل ونحن نغزل، فنغزل الطاق والطاقين والطاقات فخلصني من ذلك، فأمرها أن تتصدق بذلك الغزل كله لما اشتبه عليها من معرفة ذلك المقدار، وهو المقدار الذي كانت تغزله في ضوء مشاعل هؤلاء الذين كانوا يمرون بالليل بالمشاعل، وفي بعض الروايات أنه قال لها: من أنت عافاك الله؟ فقالت: أخت بشر الحافي، فبكى الإمام أحمد ﵀ وقال: من بيتكم يخرج الورع الصادق، لا تغزلي في شعاعها.
وسألته أيضاً عن أنين المريض في إحدى المرات، أفيه شكوى؟ فقال: لا، إنما هي شكوى إلى الله ، ثم خرجت فقال لابنه عبد الله: يا بني! اذهب خلفها فاعلم لي من هذه المرأة، قال عبد الله: فذهبت وراءها فإذا هي قد دخلت دار بشر، وإذا هي أخته مخة.
стр. 467
جارية عبد الله بن الحسن رحمهما الله تعالى
وقال عبد الله بن الحسن: كانت لي جارية رومية وضيئة، وكنت بها معجباً، فكانت في بعض الليالي نائمة إلى جنبي، فانتبهت فالتمستها فلم أجدها، فقمت أطلبها فإذا هي ساجدة، وهي تقول: بحبك لي -يعني: أتوسل إليك بحبك أنت لي، وهي امرأة على الفطرة- قالت: بحبك لي إلا ما غفرت لي ذنوبي.
أي: أسألك بحبك لي أن تغفر لي ذنوبي.
تناشد الله المغفرة، وتتوسل بحبه هو لها، فقلت لها: لا تقولي: بحبك لي، ولكن قولي: بحبي لك.
وهذا توسل بالعمل الصالح، فتتوسل بعملك أنت، فإن كنت تحب الله تقول: اللهم! إني أسألك بحبي لك، وهذا جائز ومشروع؛ لأنه من الأعمال الصالحة التي يجوز التوسل بها، قال: فقلت لها: لا تقولي: بحبك لي، ولكن قولي: بحبي لك.
فقالت: لا يا مولاي، بحبه لي أخرجني من الشرك إلى الإسلام، وبحبه لي أيقظ عيني وكثير من خلقه نيام.
стр. 468
العابدة سرية اليمانية رحمها الله تعالى
وقال أبو هاشم القرشي: قدمتْ علينا امرأة من أهل اليمن يقال لها: سرية، فنزلت في بعض ديارنا، قال: فكنت أسمع لها من الليل أنيناً وشهيقاً، فقلت يوماً لخادم لي: أشرف على هذه المرأة فانظر ماذا تصنع؟ قال: فأشرف عليها فما رآها تصنع شيئاً غير أنها ما ترد طرفها عن الصلاة، وهي مستقبلة القبلة، فسمعها وهي تقول: خلقتَ سرية، ثم غذيتها بنعمتك من حال إلى حال، وكل أحوالك لها حسنة، وكل بلائك عندها جميل، وهي مع ذلك متعرضة لسخطك بالتوكل على معاصيك فلتة بعد فلتة، أتراها تظن أنك لا ترى أفعالها وأنت عليم خبير، وأنت على كل شيء قدير؟!
стр. 469
واعظة ذي النون المصري رحمها الله تعالى
وقال ذو النون المصري: خرجت ليلة من وادي كنعان فلما علوت الوادي إذا سواد مقبل علي وهو يقول: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنْ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر:٤٧] ويبكي، فلما قرب مني السواد إذا هي امرأة عليها جبة من صوف وبيدها ركوة، فقالت وهي فزعة مني: من أنت؟ فقلت: رجل غريب، فقالت: يا هذا! وهل يوجد مع الله غربة؟! قال: فبكيت لقولها، فقالت لي: ما الذي أبكاك؟! قلت: قد وقع الدواء على داء قد قرح فأحسن في نجاحه، قالت: فإن كنت صادقاً فلم بكيت؟ قلت: يرحمك الله! والصادق لا يبكي؟! قالت: لا، قلت: ولم ذاك؟ قالت: لأن البكاء راحة القلب.
وسكت متعجباً من قولها.
стр. 470
العابدة رحلة رحمها الله تعالى
وقال الخواص: دخلنا على رحلة العابدة، وكانت قد صامت حتى اسودت، وبكت حتى عميت، وصلت حتى أقعدت، وكانت تصلي قاعدة، فسلمنا عليها، ثم ذكرناها شيئاً من العفو ليهون عليها الأمر، قال: فشهقت، ثم قالت: علمي بنفسي قرح فؤادي وكلم كبدي، والله لوددت أن الله لم يخلقني ولم أك شيئاً مذكوراً، ثم أقبلت على صلاتها رحمها الله تعالى.
стр. 471
العابدة عفيرة رحمها الله تعالى
أما عفيرة العابدة -وهي أيضاً من مشاهير العابدات- فكانت رحمها الله لا تضع جنبها على الأرض في الليل، وتقول: أخاف أن أؤخذ على غرة وأنا نائمة، وكانت لا تمل من البكاء، فقيل لها: أما تسأمين من كثرة البكاء؟ فقالت: كيف يسأم إنسان مِنْ دوائه وشفائه؟! وكانت تقول في مناجاتها: عصيتك بكل جارحة مني على حدتها، والله لئن أعنت لأطيعنك ما استطعت بكل جارحة عصيتك بها.
وجاء أخ لها طالت غيبته، فبشرت به فبكت، فقيل لها: ما هذا البكاء؟! اليوم يوم فرح وسرورا فازدادت بكاء، ثم قالت: والله لا أجد للسرور في قلبي مسكناً مع ذكر الآخرة، ولقد ذكرني قدومه يوم القدوم على الله فمن بين مسرور ومكدور.
ودخل عليها قوم فقالوا: ادعي لنا.
فقالت: لو خرص الخطاءون ما تكلمت عجوزكم، ولكن المحسن أمر المسيء بالدعاء، جعل الله قراكم من نبق الجنة، وجعل الموت مني ومنكم على بال، وحفظ علينا الإيمان إلى الممات، وهو أرحم الراحمين.
وقالت أيضاً: ربما اشتهيت أن أنام فلا أقدر عليه، وكيف يقدر على النوم من لا ينام عنه حافظاه ليلاً ونهاراً؟!
стр. 472
العابدة الحبشية رحمها الله تعالى
وقال بعض الصالحين: خرجت يوماً إلى السوق ومعي جارية حبشية، فجعلتها في موضع بناحية السوق، وذهبت في بعض حوائجي، وقلت: لا تبرحي حتى أنصرف إليك، قال: ثم رجعت فلم أجدها في الموضع، فانصرفت إلى منزلي وأنا شديد الغضب عليها، فلما رأتني عرفت الغضب في وجهي، فقالت: يا مولاي! لا تعجل علي، إنك أجلستني في موضع لم أر فيه ذاكراً لله تعالى، فخفت أن يخسف بذلك الموضع.
فعجبت لقولها، وقلت لها: أنت حرة.
فقالت: ساء ما صنعت، كنت أخدمك فيكون لي أجران، وأما الآن فقد ذهب عني أحدهما!
стр. 473
العابدة آمنة بنت أبي الورع رحمها الله تعالى
وكانت آمنة بنت أبي الورع من العابدات الخائفات، وكانت إذا ذكرت النار قالت: أُدْخِلوا النار، وأكلوا النار، وشربوا من النار فعاشوا! ثم تبكي وكأنها حبة على مقلى، وكانت إذا ذكرت النار بكت وأبكت ﵂.
стр. 474
العابدة مليكة البحرانية رحمها الله تعالى
وأما مليكة بنت أبي طارق البحرانية فكانت إذا هجم عليها الليل تقول: بخ بخ يا نفس! قد جاء سرور المؤمن، فتقوم في محرابها، فكأنها الجذع القائم حتى تصبح.
وعن أم عمار بنت مليك البحراني قالت: بت ليلة عند مليكة ابنة أبي طارق فما زالت على هذه الآية ترددها وتبكي: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران:١٠١].
стр. 475
رحلة العابدة تعظ المشفقين عليها
وأما رحلة العابدة -وهي مولاة معاوية - فقد دخل عليها نفر من القراء فكلموها في الرفق بنفسها، فقالت: مالي وللرفق بها، فإنما هي أيام مبادرة -أي: مسابقة- فمن فاته اليوم شيء لم يدركه غداً، والله -يا إخوتاه- لأصلين ما أقلتني جوارحي، ولأقومن له أيام حياتي، ولأبكين له ما حملت الماء عيناي، ثم قالت: أيكم يأمر عبده فيحب أن يقصر فيه؟ وقامت حتى أقعدت، وصامت حتى اسودت، وبكت حتى عمشت، وكانت تقول: علمي بنفسي قرح فؤادي وكلم قلبي، والله! لوددت أن الله لم يخلقني ولم أك شيئاً مذكوراً، وكانت تخرج إلى الساحل فتغسل ثياب المرابطين في سبيل الله تعالى.
стр. 476
غصنة وعالية رحمهما الله تعالى
وأما غصنة وعالية فكانتا من عابدات البصرة، يقول أبو الوليد العبدي: ربما رأيت غصنة وعالية تقوم إحداهما من الليل، فتقرأ البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف في ركعة.
стр. 477
العابدة غندكة رحمها الله تعالى
وأما غندكة -وهي من عابدات البصرة- فكانت تصلي عامة الليل، ثم تقول: أعوذ بالله من ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، فإذا قضت صلاتها قالت: هذا الجهد مني وعليك التكلان.
وأما امرأة أبي عمران الجوني فكانت تقوم من الليل تصلي حتى تعصب ساقيها بالخرق، فيقول لها زوجها أبو عمران الجوني: دون هذا يا هذه! فتقول: هذا عند طول القيام في الموقف قليل، فيسكت عنها.
стр. 478
العابدة هنيدة رحمها الله تعالى
ومن العابدات أيضاً هنيدة، فعن عامر بن أسلم الباهلي عن أبيه قال: كانت لنا جارية في الحي يقال لها هنيدة، فكانت تقوم إذا مضى من الليل ثلثه أو نصفه، فتوقظ ولدها وزوجها وخدمها، فتقول لهم: قوموا فتوضئوا وصلوا فستغتبطون بكلامي هذا، أي: فسوف يصيبكم السرور يوم القيامة بما آمركم به، فكان هذا دأبها معهم حتى ماتت، فرأى زوجها في المنام: إن كنت تحب أن تزوجها هناك فاخلفها في أهلها بمثل فعلها.
فلم يزل دأب الشيخ حتى مات، فأُتيَ أكبر ولده في منامه فقيل له: إن كنت تحب أن تجاور أبويك في درجتهما من الجنة فاخلفهما في أهلهما بمثل عملهما.
قال: فلم يزل ذلك دأبه حتى مات، فكانوا يُدعون القوامين.
стр. 479
الورع في حياة نساء السلف
ومن ورع نساء السلف ما حكاه الحافظ ابن الجوزي ﵀ أن امرأة من الصالحات كانت تعجن عجينة، فبلغها -وهي تعجن- موت زوجها، فرفعت يدها منه، وقالت: هذا طعام قد صار لنا فيه شركاء.
أي أن مال الرجل إذا توفي انتقل وصار ملكاً لورثته الشرعيين، فلم يصبح لها وحدها، فلذلك رفعت يدها من العجين، وقالت: هذا طعام قد صار لنا فيه شركاء.
وأخرى كانت تستصبح بمصباح -أي بالزيت أو شيء من هذا- فجاءها خبر زوجها فأطفأت المصباح، وقالت: هذا زيت قد صار لنا فيه شركاء.
أي: ما يجوز لها أن تستقل بالانتفاع به.
فيا ويل من يأكلون أموال اليتامى ظلماً وينفقون أموال الطفل اليتيم في السرادقات والتفاخر، وهم لا يخافون الله من أكل أموال اليتامى ظلماً، ويتلفون أموالهم في أشياء حرم الله أن تنفق فيها كالمباهاة والفخر.
стр. 480
العابدة الواعظة ميمونة بنت شاكونة رحمها الله تعالى
ومنهن -أيضاً- ميمونة بنت شاكونة الواعظة، التي كانت للقرآن حافظة، فقد ذكرت يوماً في وعظها أن ثوبها الذي عليها -وأشارت إليه- له في صحبتها -أي: تلبسه- منذ سبع وأربعين سنة وما تغير، وأنه كان من غزل أمها، ثم قالت لتلامذتها: والثوب إذا لم يعص الله فيه لا يتخرق سريعاً.
وقال ابنها عبد الصمد: كان في دارنا حائط يريد أن ينقض، فقلت لأمي: ألا ندعو البناء ليصلح هذا الجدار؟ فأخذت رقعة فكتبت فيها شيئاً، ثم أمرتني أن أدعها في موضع من الجدار، فوضعتها، فمكث على ذلك عشرين سنة لم ينقض ولم ينهدم، فلما توفيت أردت أن أستعلم ما كتبت في الرقعة، فحين أخذتها من الجدار سقط، وإذا في الرقعة: ((إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا))، اللهم! ممسك السموات والأرض أمسكه.
стр. 481
العابدة مريدة وابنتها رحمهما الله تعالى
وعن أبي عياش القطان قال: كانت امرأة بالبصرة متعبدة يقال لها: مريدة، وكانت لها ابنة أشد عبادة منها، فكان الحسن ربما رآها وتعجب من عبادتها على صغر سنها، فبينا الحسن ذات يوم جالساً إذ أتاه آت فقال: أما علمت أن الجارية قد نزل بها الموت، فوثب الحسن فدخل عليها، فلما نظرت الجارية إليه بكت، فقال لها: يا حبيبتي! ما يبكيك؟! قالت له: يا أبا سعيد! التراب يحثى على شبابي، ولم أشبع من طاعة ربي، يا أبا سعيد! انظر إلى والدتي وهي تقول لوالدي: احفر لابنتي قبراً واسعاً، وكفنها بكفن حسن، والله لو كنت أجهز إلى مكة لطال بكائي، فكيف وأنا أجهز إلى ظلمة القبور ووحشتها وبيت الظلمة والدود؟!
стр. 482
العابدة التيمية رحمها الله تعالى
وقال وضاح بن حسان الأنباري: حدثني رجل من أهل الكوفة قال: كانت امرأة من التيم مجتهدة في العبادة، فكانت تفطر في كل ثلاثٍ مرة -يعني: تصوم ثلاثة أيام وتفطر الرابع-، ولا تخرج من مسجد الحي إلا لحاجة، فقال لها إبراهيم التيمي: صلاتك في بيتك أفضل من صلاتك في مسجد الحي، ففعلت فلزمت بيتها، فلم تزدد إلا خيراً.
стр. 483
القرشية والتقوى
عن ابن سماك قال: أذنب غلام امرأة من قريش ذنباً، فسعت إليه بالسوط -أي: لتضربه به؛ لأنه عمل خطأً- فلما قربت منه رمت بالسوط، وقالت: ما تركت التقوى أحداً يشفي غيظه.
стр. 484
العابدة فاطمة بنت نصر العطار رحمها الله تعالى
أما فاطمة بنت نصر العطار فكانت من سادات النساء، وهي من سلالة أخت صاحب المخزن، وكانت من العابدات المتورعات المخدرات -أي: اللائي يلزمن الخدور، وهو مكان يكون في أقصى البيت تستتر فيه العذراء حتى لا يراها أحداً-، يقال: إنها لم تخرج من منزلها سوى ثلاث مرات، وقد أثنى عليها الخليفة وغيره، قاله الحافظ ابن كثير.
стр. 485
العابدة رابعة العدوية رحمها الله تعالى
ومن هؤلاء الناسكات اللائي يحكى عنهن اجتهاد في العبادة رابعة بنت إسماعيل العدوية البصرية، فقد كانت مضرب المثل في وله القلب واحتراق الكبد حباً لله وإيثاراً لرضاه، وكانت تواصل صيامها وقيامها، وتتابع زفراتها، وتدفق عبراتها، وتستقل كل ذلك في جنب الله.
قال يوماً شيخ الزهاد سفيان الثوري وهو عندها: واحزناه.
فقالت: لا تكذب، بل قل: واقلة حزناه.
لو كنت محزوناً لم يتهيأ لك أن تتنفس.
ومن حديث خادمتها عبدة بنت أبي شوال -وكانت أشبه الناس بها في نسكها وعبادتها- قالت: كانت رابعة تصلي الليل كله، فإذا طلع الفجر هجعت في صلاتها هجعة خفيفة حتى يسفر الفجر، وكنت أسمعها تقول إذا وثبت من مرقدها ذلك وهي فزعة: يا نفس! كم تنامين؟! يوشك أن تنامي ليلة لا تقومين منها إلا بصرخة يوم الفزع.
وقد سبق التنبيه على أن هذا التعبير غير صحيح؛ لأن القبر ليس فيه ليل، وليس فيه نوم، ويا ليته كان نوماً! بل فيه حياة دائمة، إما نعيم وإما عذاب.
قالت عبدة: وكان هذا دأبها أمد دهرها حتى ماتت، ولما حضرتها الوفاة دعتني فقالت: يا عبدة! لا تؤذني بموتي أحداً -أي: لا تخبري أحداً-، وكفنيني في جبتي هذه، وهي جبة من شعر كانت تقوم فيها إذا هدأت العيون.
ومن قولها: ما ظهر من أعمالي فلا أعده شيئاً.
ومن وصاياها: اكتموا حسناتكم كما تكتمون سيئاتكم.
وعن أزهر بن مروان قال دخل على رابعة رياح القيسي وصالح بن عبد الجليل وكلاب فتذاكروا الدنيا، فأقبلوا يذمونها، فقالت رابعة: إني لأرى الدنيا بترابيعها في قلوبكم، قالوا: ومن أين توهمت علينا؟ قالت: إنكم نظرتم إلى أقرب الأشياء من قلوبكم فتكلمتم فيه.
قال خالد بن خداج: سمعتْ رابعة صالحاً المري يذكر الدنيا في قصصه، فأرسلت إليه: يا صالح! من أحب شيئاً أكثر من ذكره.
فالإنسان ينشغل دائماً بما يطغى على قلبه، ويحبه قلبه، فمن أحب قوماً حشر معهم، فمن أحب الممثلين يخشى عليه أن يحشر معهم، ومن أحب الظالمين يخشى عليه -أيضاً- أن يحشر معهم، ومن أحب اللاهين اللاعبين الكافرين فهذا -أيضاً- يخشى عليه.
وقال بشر بن صالح العتكي: استأذن ناس على رابعة ومعهم سفيان الثوري، فتذاكروا عندها ساعة وذكروا شيئاً من الدنيا، فلما قاموا قالت لخادمتها: إذا جاء هذا الشيخ وأصحابه فلا تأذني لهم، إني رأيتهم يحبون الدنيا.
وعن أبي يسار مسمع قال: أتيت رابعة فقالت: جئتني وأنا أطبخ أرزاً، فآثرت حديثك على طبيخ الأرز، فرجعت إلى القدر وقد طبخت.
وعن حماد قال: دخلت أنا وسلمان بن أبي مطيع على رابعة فأخذ سلمان في ذكر الدنيا، فقالت: إنما يذكر شيء هو شيء، أما شيء ليس بشيء فلا.
قال أبو سعيد بن الأعرابي: أما رابعة فقد حمل الناس عنها حكمة كثيرة، وحكى عنها سفيان وشعبة وغيرهما ما يدل على بطلان ما قيل عنها من قولها: ولقد جعلتك في الفؤاد محدثي وأبحت جسمي من أراد جلوسي فنسبها بعضهم إلى الحلول بنصف البيت، وإلى الإباحة بتمامه.
يقول الحافظ الذهبي معلقاً على النسبة السابقة: قلت: فهذا غلو وجهل، ولعل من نسبها إلى ذلك حلولي يحتج بها على كفره، كاحتجاجهم بخبر: (كنت سمعه الذي يسمع به) يعني الحلوليين.
وقال ابن كثير ﵀: وقد ذكروا لها أحوالاً وأعمالاً صالحة، وصيام نهار، وقيام ليل، ورؤيت لها منامات صالحة، والله أعلم.
وقال أيضاً: أثنى عليها أكثر الناس، وتكلم فيها أبو داود السجستاني واتهمها بالزندقة، فلعله بلغه عنها أمر، والله أعلم بحقيقة الأمر.
стр. 486
نماذج من نساء الخلف العابدات
فنقول: إن المرأة المسلمة التي رباها القرآن والسنة قد فقهت عن الله ﵎ أمره، وتدبرت في حقيقة الدنيا ومصيرها إلى الآخرة، فاستوحشت من حشمتها، وتجافى جنبها عن مضجعها، وتناءى قلبها عن المطامع، وارتفعت همتها عن السفاسف، فلا تراها إلا صائمة قائمة باكية نائحة، وقد حفل التاريخ الإسلامي بالخيرات الصالحات اللواتي نهجن طريق الجد عن علم ورسوخ عقيدة، لا عن حماقة وجهالة، كما تجد في كثير ممن وصفن بالنسك والتصوف، تجد في دواوين الإسلام أخباراً كثيرة عن النساء العابدات، بدءاً من صدر العهد النبوي إلى ما تلاه من القرون.
فعن ابن عباس ﵄: (أن رسول الله ﷺ أتى النساء بعد صلاة العيد فكلمهن في الصدقة، فأخذن ينزعن الفتخ والقرط والعقود والأطواق والخواتيم والخلاخيل ويلقينها في ثوب بلال ﵁، وكان بلال قد بسط ثوبه ليضع فيه النساء صدقاتهن)، وبذلك رقأت عبرة اليتيم، وبردت لوعة المسكين، وكذلك فعل النساء حين نزلت آية الصدقة: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ [الحديد:١٨].
لقد كان كثير من الإحسان في الجاهلية مما تثيره المنافسة وحسن الأحدوثة، فأصبح بالإسلام مما تفيض منه الرحمة، ويبعثه ابتغاء مرضات الله .
стр. 487
الصالحة عصمة الدين خاتون رحمها الله تعالى
وأما زوجة الملك الصالح الذي قيل فيه: إنه لا يُعلم ملك صالح بعد عمر بن عبد العزيز سوى الملك الصالح نور الدين محمود بن زنكي الذي قهر الصليبيين وهزمهم فزوجته عصمة الدين خاتون بنت الأتابك معين الدين كانت رحمها الله كثيرة التهجد، وأحسن النساء في عصرها وأعفهن، وأكبرهن طبقة، وكانت تكثر القيام في الليل، فنامت ذات ليلة عن وردها، فأصبحت وهي غضبى، فسألها نور الدين الملك عن غضبها، فذكرت له نومها الذي فوت عليها وردها، يقول ابن كثير: فأمر نور الدين عند ذلك بضرب طبلخانة في القلعة وقت السحر لتوقظ النائم ذلك الوقت لقيام الليل، وأعطى ضارب الطبلخانة أجراً جزيلاً وجراية كثيرة، وقد تزوجت هذه المرأة الصالحة بعد وفاة الملك نور الدين تلميذه صلاح الدين الأيوبي رحمه الله تعالى.
стр. 488
الصالحة فخرية بنت عثمان البكرية رحمها الله تعالى
وأخيراً فخرية بنت عثمان البكرية، وقد كانت من أسرة عظيمة الجاه، موفورة الغنى، ولكن ذلك لم يطب لها، فخرجت وتزهدت وتنسكت، وقلبت الراحة والمنام إلى الصلاة والقيام، وقنعت من العيش برغيف وقدح ماء، فذلك قوتها كل يوم، وكانت أشبه الناس بـ رابعة في الوحدة والدنيا والتزلف، هاجرت إلى بيت المقدس، وأقامت أربعين عاماً تقف الليل كله بباب المسجد الأقصى تصلي حتى يفتح الباب، فتكون أول داخل وآخر خارج.
وبعد: فإننا نهدي هذه الصور من سير النساء إلى إخواننا المسلمين ونقول: فلو كان النساء كمن ذكرنا لفضلت النساء على الرجال فما التأنيث لاسم الشمس عيب ولا التذكير فخر للهلال ونقول: أما لك في الرجال أسوة أتسبقك وأنت رجل نسوة وقد قيل: فذاك الفخر يا همم الرجال تعالي فانظري كيف التعالي نسأل الله أن يجعلنا بالخير موصوفين، ولا يجعلنا له -فحسب- وصافين، وأن يرزقنا سهراً في طاعته ومناجاته، وأن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 489
الأسئلة
стр. 490
خير البقاع على وجه الأرض
السؤال
قرأت حديثاً عن رسول الله ﷺ يقول فيه: (إن بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة)، وإني لأظن -والله أعلم- أن هذه البقعة يجب أن تكون خير بقعة على الأرض، ولكن ذكرتم أنَّ خير بقعة على الأرض هي قبر الرسول ﷺ ، فإذا كان كذلك فما حكم الكعبة المشرفة أيضاً؟
الجواب
هذا الحديث غير صحيح، والذي يثبت هو قوله ﷺ : (ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة)، وأما اللفظ السابق فلا يصح؛ لأنه ﵊ لم يكن يعلم أين يكون قبره، بل كان ذلك المكان في حياته هو حجرة عائشة، ثم صار قبراً له بعد موته، فلعل بعض الرواة غير المتقنين رواه بالمعنى فأخطأ في ذلك.
أما ظنك أن هذه البقعة يجب أن تكون خير بقعة على الأرض فليس بأمانيكم، فهذا خبر عن الرسول ﵊ في شرف هذا المكان، فأنا نقلت عن العلماء أنهم -رغم اختلافهم في المفاضلة بين مكة والمدينة- متفقون على أن أفضل بقعة على وجه الأرض هي التي تضم جسد خير من وطئ هذه الأرض، وهو سيد ولد آدم ﷺ ، فخير بقعة على وجه الأرض هي التي تضم جسده الشريف ﵌، ثم بعد ذلك يختلفون هل مكة أفضل من المدينة أم المدينة أفضل من مكة، والذي يظهر -والله أعلم- أن مكة أفضل من المدينة، ويكفي في فضل مكة المكرمة أن الصلاة في المسجد الحرام فيها بمائة ألف صلاة فيما سواه.
وهذا لا يعني أنّ الكعبة ليست مشرفة، أو أن مكة ليس لها شرف، وإنما هذه الترتيب النسبي ليس إلينا، ولكنه فضل الله ﵎: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ﴾ [القصص:٦٨].
стр. 491
دخول المعاصي في خلق الله تعالى
السؤال
قال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق:١ - ٢] هل يدخل في قوله: (مَا خَلَقَ) الأعمال التي يعصى الله بها؟
الجواب
نعم تدخل فيما خلقه الله تعالى، فمعنى (شَرِّ مَا خَلَقَ) أي: شر ما خلقه الله ، فهي تعم ما خلقه الله ﵎، فالشر هنا أضيف إلى المخلوق، ولا يضاف الشر إلى الله، كما قال ﵊ في الدعاء: (والشر ليس إليك)، وكقوله تعالى حكاية عن الجن: ﴿وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً﴾ [الجن:١٠].
فأتى بصيغة المبني للمعلوم في الخير فقال: (أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً)، أما في الشر فقال: (أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ)، وقال الله ﵎ حكاية عن إبراهيم ﵇: ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٥ - ٩٦]، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد:١٦]، ومن ذلك أفعال العباد، لكن كون الله يخلق هذا كله لا يعني أنك تحتج بالقدر.
стр. 492
حكم العمل في المحاماة
السؤال
هل يجوز العمل في المحاماة؟
الجواب
مهنة المحاماة الغالب عليها الشر، وتعلم القوانين الوضعية الكافرة التي تخالف شرع الله ﵎، وقد يكون فيها إعانة الظالمين، ويكون هَمّ المحامي في الغالب -إلا من عصم الله وقليل ما هم- أن يأخذ الدراهم المعدودة مقابل إنجاء هذا الرجل، سواءٌ كان ظالماً أم مظلوماً، فقد يتسبب في أن يكون من المجادلين عن الخائنين أو المجرمين، ويجوز من الناحية الشرعية التوكيل في الخصومة والنقاش والجدال والدفاع عن النفس، فيمكن أن أوكل شخصاً عنده هذه الكفاءة عني ليخاطب باسمي إذا كان أكفأ مني في ذلك، ففكرة المحاماة هي فكرة التوكيل في الخصومة من الناحية الشرعية، لكن يشترط في ذلك أن تكون في حق، أما أن يستعمل براعته الإنشائية والخطابية في هذه الأمور من أجل أن ينصر الظالم فلا شك أن هذا من التعاون على الإثم والعدوان.
стр. 493
البيع بالتقسيط
لقد أحل الله البيع وحرم الربا، والبيع والشراء أمر مهم في الحياة البشرية، وبه تقوم كثير من أمور الحياة، وقد حث الله تعالى العباد على السماحة في البيع والشراء، فقال النبي ﷺ : (رحم الله عبداً سمحاً إذا باع، سمحاً إذا اشترى).
وقد شاع في عصرنا هذا ما يسمى ببيع التقسيط، وهذا البيع اختلف في حكمه أهل العلم، ومعرفة حكم هذا البيع من المهمات.
стр. 494
شرح حديث قصة بلال في نفقة النبي ﵊
إنّ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: فقد روى الإمام أبو داود رحمه الله تعالى في سننه بسنده عن عبد الله الهوزني قال: (لقيت بلالاً مؤذن رسول الله ﷺ بحلب فقلت: يا بلال! حدثني كيف كانت نفقة رسول الله ﷺ ؟ قال: ما كان له شيء، كنت أنا الذي ألي ذلك منه منذ بعثه الله تعالى إلى أن توفي رسول الله ﷺ ، وكان إذا أتاه الإنسان مسلماً فرآه عارياً يأمرني فأنطلق فأستقرض، فأشتري له البردة فأكسوه وأطعمه، حتى اعترضني رجل من المشركين فقال: يا بلال! إن عندي سعة فلا تستقرض من أحد إلا مني، ففعلت، فلما أن كان ذات يوم توضأت، ثم قمت لأؤذن بالصلاة فإذا المشرك قد أقبل في عصابة من التجار، فلما أن رآني قال: يا حبشي! قلت: يا لباه! فتجهمني وقال لي قولاً غليظاً، وقال لي: أتدري كم بينك وبين الشهر؟ قال: قلت قريب، قال: إنما بينك وبينه أربع، فآخذك بالذي عليك فأردك ترعى الغنم كما كنت قبل ذلك، فأخذ في نفسي ما يأخذ في أنفس الناس، حتى إذا صليت العتمة رجع رسول الله ﷺ إلى أهله، فاستأذنت عليه فأذن لي، فقلت: يا رسول الله! بأبي أنت وأمي إن المشرك الذي كنت أتدين منه قال لي: كذا وكذا، وليس عندك ما تقضي عني ولا عندي، وهو فاضحي، فأذن لي أن آبق إلى بعض هؤلاء الأحياء الذين قد أسلموا حتى يرزق الله تعالى رسوله ﷺ ما يقضي عني، فخرجت حتى إذا أتيت منزلي، فجعلت سيفي وجرابي ونعلي ومجني عند رأسي، حتى إذا انشق عمود الصبح الأول أردت أن أنطلق فإذا إنسان يسعى يدعو يا بلال! أجب رسول الله ﷺ ، فانطلقت حتى أتيته فإذا أربع ركائب مناخات عليهن أحمالهن، فاستأذنت، فقال لي رسول الله ﷺ : أبشر، فقد جاءك الله تعالى بقضائك، ثم قال: ألم تر الركائب المناخات الأربع؟ فقلت: بلى، فقال: إن لك رقابهن وما عليهن، فإن عليهن كسوة وطعاماً أهداهن إلي عظيم فدَكَ، فاقبضهن واقض دينك، ففعلت، فذكر الحديث، ثم انصرفت إلى المسجد فإذا رسول الله ﷺ قاعد في المسجد، فسلمت عليه، فقال: ما فعل ما قبلك؟ قلت: قد قضى الله تعالى كل شيء كان على رسول الله ﷺ فلم يبق شيء، قال: أَفَضَل شيء؟ قلت: نعم، قال: انظر أن تريحني منه، فإني لست بداخل على أحد من أهلي حتى تريحني منه، فلما صلى رسول الله ﷺ العتمة دعاني فقال: ما فعل الذي قبلك؟ قال: قلت: هو معي لم يأتنا أحد، فبات رسول الله ﷺ في المسجد وقص الحديث، حتى إذا صلى العتمة -يعني: من الغد- دعاني قال: ما فعل الذي قِبَلك؟ قال: قلت: قد أراحك الله منه يا رسول الله! فكبر وحمد الله؛ شفقاً من أن يدركه الموت وعنده ذلك، ثم اتبعته حتى إذا جاء أزواجه فسلم على امرأة امرأة حتى أتى مبيته، فهذا الذي سألتني عنه).
هذا الحديث رواه الإمام أبو داود في سننه في باب: في الإمام يقبل هدايا المشركين في كتاب الخراج، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ولم يروه بهذا التفصيل إلا أبو داود، وقد رواه بسنده عن عبد الله الهوزني قال: (لقيت بلالاً مؤذن رسول الله ﷺ بحلب)، حلب هي بلدة بالشام، (فقلت: يا بلال! حدثني كيف كانت نفقة رسول الله ﷺ ؟ قال: ما كان له شيء) أي: أن هذا الرجل كان يسأل بلالاً رضي الله تعالى عنه عن تفاصيل نفقة النبي ﷺ ، كيف كان ينفق، وكيف كان يفعل؟ (فقال: ما كان له شيء) أي: لم يكن للنبي ﷺ شيء من المال، (كنت أنا الذي ألي ذلك منه) أي: كنت أنا الذي أتولى أحواله المالية ونفقاته، وأشرف عليها (منذ بعثه الله تعالى إلى أن توفي، وفي رواية: حتى توفي رسول الله ﷺ .
قوله: (وكان إذا أتاه الإنسان مسلماً فرآه عارياً) أي: ليس عليه شيء، (يأمرني فأنطلق فأستقرض) أي: فأستدين لذمة النبي ﵊ ولحسابه، (فأشتري له البردة، فأكسوه، وأطعمه، حتى اعترضني رجل من المشركين) أي: حتى عرض لي رجل من المشركين، فقال: (يا بلال! إن عندي سعة) أي: إن عندي مالاً كثياًر، وأنا متيسر (فلا تستقرض من أحد إلا مني) أي: إذا احتجت إلى الاستقراض فلا تستقرض من أحد غيري قال: (ففعلت) أي: كنت أقترض منه عند الحاجة، وفي هذا جواز أن يحصل هذا النوع من التعامل حتى مع المشركين، (فلما أن كان ذات يوم توضأت، ثم قمت لأؤذن بالصلاة، فإذا المشرك قد أقبل في عصابة من التجار) أي: أقْبل ذلك المشرك الذي قال لـ بلال: لا تستقرض من أحد إلا مني، في عصابة من التجار، أي: في جماعة من التجار، (فلما أن رآني قال: يا حبشي! قلت: يا لباه! -أي: لبيك- فتجهمني)، أي: تلقاني بوجه كريه، وعاملني بشدة وغلظة وجفاء، قال في القاموس: جهمه كمنعه وسمعه، أي: استقبله بوجه كريه.
(فتجهمني وقال لي قولاً غليظاً، وقال لي: أتدري كم بينك وبين الشهر؟ قال: قلت: قليل) أي: أنه يحذره ويعامله بهذه الغلظة مع أنه لم يتخلف، فالموعد لم يحلّ بعدُ، لكن هذا المشرك -بسوء خلقه- تجهمه لما لقيه، وقال له هذا الكلام الغليظ، وقال: (أتدري كم بينك وبين الشهر؟) أي: كم بينك وبين تمام هذا الشهر الذي نحن فيه؟ (قال: قلت قريب، قال: إنما بينك وبينه أربع) أي: أربع ليالٍ، (فآخذك بالذي عليك) أي: آخذك على رأس الشهر في مقابلة ما عليك من المال، وأتخذك عبداً في مقابلة ذلك المال، (فأردّك ترعى الغنم) أي: أُعيدك عبداً ترعى الغنم كما كنت من قبل، (فأخذ في نفسي ما يأخذ في أنفس الناس) أي: وجدت في نفسي من الهمّ، وتأثرت بهذا الكلام الذي جرحني كما يُجرح الناس بمثل هذا الكلام السيئ، (حتى إذا صليت العتمة) وهي صلاة العشاء، (رجع رسول الله ﷺ إلى أهله، فاستأذنت عليه فأذن لي، فقلت: يا رسول الله! بأبي أنت وأمي)، وهذا من أدب الصحابة رضي الله تعالى عنهم مع النبي ﷺ ، فقبل أن يقدم طلبه، أو قبل أن يناجيه يقدم بهذه العبارة المؤثرة التي تعرب عن غاية الحب والتعظيم للنبي ﵊، فقوله: (بأبي أنت وأمي) معناها: أفديك بأبي وأمي، وأضحي بأبي وأمي من أجلك، أو أنت أعز عندي من أبي وأمي، فمعناها أنت مفدي بهما، ﷺ ، (فقلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي.
إن المشرك الذي كنت أتدين منه) أي: الذي كنت أستقرض وأستدين منه، (قال لي كذا وكذا، وليس عندك ما تقضي عني، ولا عندي) أي: ولا عندي أنا أيضاً ما أقضيه به، (وهو فاضحي) أي: هو ناوٍ أن يفضحني إذا لم أوف له بهذا الدين، ففاضحي اسم فاعل مضاف إلى ياء المتكلم، ومعنى فضحه: كشف مساويه، (وهو فاضحي، فأذن لي أن آبق إلى بعض هؤلاء الأحياء الذين قد أسلموا) أي: ائذن لي أن أفر وأهرب قبل أن يحين الأجل إلى أن يرزقك الله مالاً فتقضي عني وحينئذ سأعود؛ حتى لا ينفذ ذلك المشرك وعيده، والأحياء جمع حي، وهو بمعنى القبيلة.
(إلى بعض هؤلاء الأحياء الذين قد أسلموا، حتى يرزق الله تعالى رسوله ﷺ ما يقضي عني) أي: أنه ﷺ كان يستدين لقضاء حاجات المسلمين ﵊.
(فخرجت حتى إذا أتيت منزلي، فجعلت سيفي وجرابي ونعلي ومجني عند رأسي)، هذا كل المتاع الذي كان يملكه بلال، والجراب هو وعاء من إهاب أو من جلد الشاة، والمجن: هو الترس، وفي رواية أخرى: (استقبلت بوجهي الأفق، فكلما نمت ساعة انتبهت، فإذا رأيت عليّ ليل نمت، حتى ينشق عمود الصبح الأول)، ويقول في الرواية التي هنا: (حتى إذا انشق عمود الصبح الأول) أي: انصدع وطلع، وفي الحديث: (فلما انشق الفجر أمر بإقامة الصلاة) فهناك شق وفتحة في الأفق في موضع طلوع وخروج الفجر، وقوله: (حتى إذا انشق عمود الصبح الأول) المقصود به العمود المستطيل المرتفع في السماء، وهو الفجر الكاذب، وذلك غير الفجر الأحمر المنتشر في أفق السماء، فإنه الصبح الصادق، وبين الفجرين ساعة، فإنه يظهر الأول وبعد ظهوره يظهر الثاني ظهوراً بيناً، والفجر الذي تتعلق به الأحكام هو الفجر الثاني، فيدخل وقت الصوم ووقت صلاة الصبح بطلوع الفجر الثاني واستنارته وإضاءته، وهو المعترض بالضياء في أقصى المشرق، الذاهب من القبلة إلى دبرها حتى يعم الأفق، وينتشر على رءوس الجبال والقصور المشيدة.
والمعنى: أني أردت أن أسير في الصبح الكاذب؛ لكي لا يعرفني أحد بسبب ظلمة آخر الليل، وكان بلال ﵁ قد أعد كل عدته، حتى لا ينكشف فيُفطن إلى أنه في حالة هروب من قضاء هذا الدين.
يقول بلال رضي ال
стр. 495
التحذير من التوسع في الاستدانة
الحديث المتقدم طويل، وهو يحمل فوائد عظيمة، والفقرة المقصودة من قراءة هذا الحديث هي تلك الفقرة التي فيها ذكر ذلك الرجل المشرك الذي هدد بلالاً رضي الله تعالى عنه وقال له: إذا حل أجل الدين ولم يقض ما عليه فسيأخذه بهذا المال الذي عليه، وسيسترقه ويعيده عبداً يرعى الغنم كما كان من قبل رضي الله تعالى عنه، فهذا من شؤم وعيوب الدين، فينبغي للإنسان أن يتحرز منه ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، وتعلمون قول النبي ﵊: (يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين) أي: أنه لا يغفر له الدين؛ لأن فيه تعلقاً بحقوق العباد، فيكون الشهيد محبوساً ومرهوناً في البرزخ إذا لم يؤدَّ عنه ذلك الدين.
والبيع بالتقسيط هو في الحقيقة صورة من صور الدين، وقبل أن نبدأ موضوعنا في حكم البيع بالتقسيط ينبغي أن يستقر هذا المفهوم وهو: أنه لا ينبغي التوسع في أمر الاستدانة؛ لأن الاستدانة في حالة الشراء بالتقسيط فيها زيادة في مقابل الأجل كما سنبين إن شاء الله ﵎، أضف إلى ذلك أن حجم الدين يجب ألا يتجاوز قدرة المدين على السداد، والدين إذا كان ديناً عاماً كأن تكون الحكومة مثلاً هي المَدْينة، لاسيما إذا كان ديناً عاماً، وطويل الأجل، فإنه شؤم؛ لأنه يحمَّل الأجيال القادمة عبء الجيل الحالي؛ فإنا نورث أبنائنا وأجيالنا المقبلة أعباء هذه الديون، وهذا إذا كان ممولاً بأموال الزكاة أو غيرها من الموارد العامة.
وفي مثل هذه الحالة إذا كان الدين ليس في مقدور المدين ولا في طاقته أن يؤديه، فإنه يكون هماً بالليل، ومذلة بالنهار، وقد تعوذ النبي ﷺ من المغرم والمأثم، ولما سئل عن سرّ القَرن بين المغرم والمأثم وما علاقة الدين بذلك؟ فأخبر ﵊ أن الرجل إذا غرم فإنه يعد فيخلف، فيقع في الإثم، فالدين دائماً إن لم يكن هناك عذر واضطرار يجلب كثيراً من هذه المصائب، ولا شك أنه هم بالليل، وذل بالنهار، وكما قال بعض السلف: ما دخل همُّ الدين قلباً إلا خرج من العقل، يعني: من شدة انشغال تفكيره فإنه يؤثر في عقله.
وهو همٌّ في أوله، وهرم في آخره، وأما إذا كان الدائن مثل حالة البلدان الأجنبية الدائنة، فمن مخاطر الدين في هذه الحال سيطرة هذه البلدان الدائنة، وتبعية البلدان المدينة لها كما لا يخفى على أحد في عصرنا هذا، وفيها من صور إذلال الأمم والشعوب، وقهرها بأمر الدين، واستعبادها بذلك، كما أراد ذلك المشرك من إذلال بلال تماماً، ولعل هذا المشرك نفسه -وهو حقيق بسوء الظن- إنما دعا بلالاً إلى أن يستدين منه بهذه النية، عسى أن يتعثر السداد، فيسترقه بعد ذلك.
فعلى أي الأحوال فالاستعباد يكون بصور شتى، ولا يكون بصورة الرق فقط، فمحاولة استعباد المدين محاولة قديمة، وهو يدل على الأخلاق الأيدلوجية الفجة أو الباردة كما هو مشهور عنهم، قال بعضهم: لا تقرض أبداً ولا تقترض، فإنك إذا اقترضت من رجل جعلته سيدك، وإذا أقرضت رجلاً جعلته عدوك.
والشاهد من الكلام: أن الأصل الذي نقدمه بين يدي الكلام في موضوع البيع بالتقسيط هو أن الاستدانة غير مرغوب فيها، فهناك مخاطر شديدة في التوسع في أمر الاستدانة، والبيع بالتقسيط هو صورة من صور الاستدانة، فينبغي للإنسان ألا يستدين، وألا يشتري بالتقسيط إلا لعذر قوي في ذلك.
следующие страницы →