← Джавами‘

Джавами‘ · id 37018

دروس الشيخ محمد إسماعيل المقدم

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (2 122 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

دخول المعاصي في خلق الله تعالى السؤال قال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق:١ - ٢] هل يدخل في قوله: (مَا خَلَقَ) الأعمال التي يعصى الله بها؟ الجواب نعم تدخل فيما خلقه الله تعالى، فمعنى (شَرِّ مَا خَلَقَ) أي: شر ما خلقه الله ، فهي تعم ما خلقه الله ﵎، فالشر هنا أضيف إلى المخلوق، ولا يضاف الشر إلى الله، كما قال ﵊ في الدعاء: (والشر ليس إليك)، وكقوله تعالى حكاية عن الجن: ﴿وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً﴾ [الجن:١٠]. فأتى بصيغة المبني للمعلوم في الخير فقال: (أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً)، أما في الشر فقال: (أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ)، وقال الله ﵎ حكاية عن إبراهيم ﵇: ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٥ - ٩٦]، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد:١٦]، ومن ذلك أفعال العباد، لكن كون الله يخلق هذا كله لا يعني أنك تحتج بالقدر.

стр. 492

حكم العمل في المحاماة السؤال هل يجوز العمل في المحاماة؟ الجواب مهنة المحاماة الغالب عليها الشر، وتعلم القوانين الوضعية الكافرة التي تخالف شرع الله ﵎، وقد يكون فيها إعانة الظالمين، ويكون هَمّ المحامي في الغالب -إلا من عصم الله وقليل ما هم- أن يأخذ الدراهم المعدودة مقابل إنجاء هذا الرجل، سواءٌ كان ظالماً أم مظلوماً، فقد يتسبب في أن يكون من المجادلين عن الخائنين أو المجرمين، ويجوز من الناحية الشرعية التوكيل في الخصومة والنقاش والجدال والدفاع عن النفس، فيمكن أن أوكل شخصاً عنده هذه الكفاءة عني ليخاطب باسمي إذا كان أكفأ مني في ذلك، ففكرة المحاماة هي فكرة التوكيل في الخصومة من الناحية الشرعية، لكن يشترط في ذلك أن تكون في حق، أما أن يستعمل براعته الإنشائية والخطابية في هذه الأمور من أجل أن ينصر الظالم فلا شك أن هذا من التعاون على الإثم والعدوان.

стр. 493

البيع بالتقسيط لقد أحل الله البيع وحرم الربا، والبيع والشراء أمر مهم في الحياة البشرية، وبه تقوم كثير من أمور الحياة، وقد حث الله تعالى العباد على السماحة في البيع والشراء، فقال النبي ﷺ : (رحم الله عبداً سمحاً إذا باع، سمحاً إذا اشترى). وقد شاع في عصرنا هذا ما يسمى ببيع التقسيط، وهذا البيع اختلف في حكمه أهل العلم، ومعرفة حكم هذا البيع من المهمات.

стр. 494

شرح حديث قصة بلال في نفقة النبي ﵊ إنّ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: فقد روى الإمام أبو داود رحمه الله تعالى في سننه بسنده عن عبد الله الهوزني قال: (لقيت بلالاً مؤذن رسول الله ﷺ بحلب فقلت: يا بلال! حدثني كيف كانت نفقة رسول الله ﷺ ؟ قال: ما كان له شيء، كنت أنا الذي ألي ذلك منه منذ بعثه الله تعالى إلى أن توفي رسول الله ﷺ ، وكان إذا أتاه الإنسان مسلماً فرآه عارياً يأمرني فأنطلق فأستقرض، فأشتري له البردة فأكسوه وأطعمه، حتى اعترضني رجل من المشركين فقال: يا بلال! إن عندي سعة فلا تستقرض من أحد إلا مني، ففعلت، فلما أن كان ذات يوم توضأت، ثم قمت لأؤذن بالصلاة فإذا المشرك قد أقبل في عصابة من التجار، فلما أن رآني قال: يا حبشي! قلت: يا لباه! فتجهمني وقال لي قولاً غليظاً، وقال لي: أتدري كم بينك وبين الشهر؟ قال: قلت قريب، قال: إنما بينك وبينه أربع، فآخذك بالذي عليك فأردك ترعى الغنم كما كنت قبل ذلك، فأخذ في نفسي ما يأخذ في أنفس الناس، حتى إذا صليت العتمة رجع رسول الله ﷺ إلى أهله، فاستأذنت عليه فأذن لي، فقلت: يا رسول الله! بأبي أنت وأمي إن المشرك الذي كنت أتدين منه قال لي: كذا وكذا، وليس عندك ما تقضي عني ولا عندي، وهو فاضحي، فأذن لي أن آبق إلى بعض هؤلاء الأحياء الذين قد أسلموا حتى يرزق الله تعالى رسوله ﷺ ما يقضي عني، فخرجت حتى إذا أتيت منزلي، فجعلت سيفي وجرابي ونعلي ومجني عند رأسي، حتى إذا انشق عمود الصبح الأول أردت أن أنطلق فإذا إنسان يسعى يدعو يا بلال! أجب رسول الله ﷺ ، فانطلقت حتى أتيته فإذا أربع ركائب مناخات عليهن أحمالهن، فاستأذنت، فقال لي رسول الله ﷺ : أبشر، فقد جاءك الله تعالى بقضائك، ثم قال: ألم تر الركائب المناخات الأربع؟ فقلت: بلى، فقال: إن لك رقابهن وما عليهن، فإن عليهن كسوة وطعاماً أهداهن إلي عظيم فدَكَ، فاقبضهن واقض دينك، ففعلت، فذكر الحديث، ثم انصرفت إلى المسجد فإذا رسول الله ﷺ قاعد في المسجد، فسلمت عليه، فقال: ما فعل ما قبلك؟ قلت: قد قضى الله تعالى كل شيء كان على رسول الله ﷺ فلم يبق شيء، قال: أَفَضَل شيء؟ قلت: نعم، قال: انظر أن تريحني منه، فإني لست بداخل على أحد من أهلي حتى تريحني منه، فلما صلى رسول الله ﷺ العتمة دعاني فقال: ما فعل الذي قبلك؟ قال: قلت: هو معي لم يأتنا أحد، فبات رسول الله ﷺ في المسجد وقص الحديث، حتى إذا صلى العتمة -يعني: من الغد- دعاني قال: ما فعل الذي قِبَلك؟ قال: قلت: قد أراحك الله منه يا رسول الله! فكبر وحمد الله؛ شفقاً من أن يدركه الموت وعنده ذلك، ثم اتبعته حتى إذا جاء أزواجه فسلم على امرأة امرأة حتى أتى مبيته، فهذا الذي سألتني عنه). هذا الحديث رواه الإمام أبو داود في سننه في باب: في الإمام يقبل هدايا المشركين في كتاب الخراج، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ولم يروه بهذا التفصيل إلا أبو داود، وقد رواه بسنده عن عبد الله الهوزني قال: (لقيت بلالاً مؤذن رسول الله ﷺ بحلب)، حلب هي بلدة بالشام، (فقلت: يا بلال! حدثني كيف كانت نفقة رسول الله ﷺ ؟ قال: ما كان له شيء) أي: أن هذا الرجل كان يسأل بلالاً رضي الله تعالى عنه عن تفاصيل نفقة النبي ﷺ ، كيف كان ينفق، وكيف كان يفعل؟ (فقال: ما كان له شيء) أي: لم يكن للنبي ﷺ شيء من المال، (كنت أنا الذي ألي ذلك منه) أي: كنت أنا الذي أتولى أحواله المالية ونفقاته، وأشرف عليها (منذ بعثه الله تعالى إلى أن توفي، وفي رواية: حتى توفي رسول الله ﷺ . قوله: (وكان إذا أتاه الإنسان مسلماً فرآه عارياً) أي: ليس عليه شيء، (يأمرني فأنطلق فأستقرض) أي: فأستدين لذمة النبي ﵊ ولحسابه، (فأشتري له البردة، فأكسوه، وأطعمه، حتى اعترضني رجل من المشركين) أي: حتى عرض لي رجل من المشركين، فقال: (يا بلال! إن عندي سعة) أي: إن عندي مالاً كثياًر، وأنا متيسر (فلا تستقرض من أحد إلا مني) أي: إذا احتجت إلى الاستقراض فلا تستقرض من أحد غيري قال: (ففعلت) أي: كنت أقترض منه عند الحاجة، وفي هذا جواز أن يحصل هذا النوع من التعامل حتى مع المشركين، (فلما أن كان ذات يوم توضأت، ثم قمت لأؤذن بالصلاة، فإذا المشرك قد أقبل في عصابة من التجار) أي: أقْبل ذلك المشرك الذي قال لـ بلال: لا تستقرض من أحد إلا مني، في عصابة من التجار، أي: في جماعة من التجار، (فلما أن رآني قال: يا حبشي! قلت: يا لباه! -أي: لبيك- فتجهمني)، أي: تلقاني بوجه كريه، وعاملني بشدة وغلظة وجفاء، قال في القاموس: جهمه كمنعه وسمعه، أي: استقبله بوجه كريه. (فتجهمني وقال لي قولاً غليظاً، وقال لي: أتدري كم بينك وبين الشهر؟ قال: قلت: قليل) أي: أنه يحذره ويعامله بهذه الغلظة مع أنه لم يتخلف، فالموعد لم يحلّ بعدُ، لكن هذا المشرك -بسوء خلقه- تجهمه لما لقيه، وقال له هذا الكلام الغليظ، وقال: (أتدري كم بينك وبين الشهر؟) أي: كم بينك وبين تمام هذا الشهر الذي نحن فيه؟ (قال: قلت قريب، قال: إنما بينك وبينه أربع) أي: أربع ليالٍ، (فآخذك بالذي عليك) أي: آخذك على رأس الشهر في مقابلة ما عليك من المال، وأتخذك عبداً في مقابلة ذلك المال، (فأردّك ترعى الغنم) أي: أُعيدك عبداً ترعى الغنم كما كنت من قبل، (فأخذ في نفسي ما يأخذ في أنفس الناس) أي: وجدت في نفسي من الهمّ، وتأثرت بهذا الكلام الذي جرحني كما يُجرح الناس بمثل هذا الكلام السيئ، (حتى إذا صليت العتمة) وهي صلاة العشاء، (رجع رسول الله ﷺ إلى أهله، فاستأذنت عليه فأذن لي، فقلت: يا رسول الله! بأبي أنت وأمي)، وهذا من أدب الصحابة رضي الله تعالى عنهم مع النبي ﷺ ، فقبل أن يقدم طلبه، أو قبل أن يناجيه يقدم بهذه العبارة المؤثرة التي تعرب عن غاية الحب والتعظيم للنبي ﵊، فقوله: (بأبي أنت وأمي) معناها: أفديك بأبي وأمي، وأضحي بأبي وأمي من أجلك، أو أنت أعز عندي من أبي وأمي، فمعناها أنت مفدي بهما، ﷺ ، (فقلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي. إن المشرك الذي كنت أتدين منه) أي: الذي كنت أستقرض وأستدين منه، (قال لي كذا وكذا، وليس عندك ما تقضي عني، ولا عندي) أي: ولا عندي أنا أيضاً ما أقضيه به، (وهو فاضحي) أي: هو ناوٍ أن يفضحني إذا لم أوف له بهذا الدين، ففاضحي اسم فاعل مضاف إلى ياء المتكلم، ومعنى فضحه: كشف مساويه، (وهو فاضحي، فأذن لي أن آبق إلى بعض هؤلاء الأحياء الذين قد أسلموا) أي: ائذن لي أن أفر وأهرب قبل أن يحين الأجل إلى أن يرزقك الله مالاً فتقضي عني وحينئذ سأعود؛ حتى لا ينفذ ذلك المشرك وعيده، والأحياء جمع حي، وهو بمعنى القبيلة. (إلى بعض هؤلاء الأحياء الذين قد أسلموا، حتى يرزق الله تعالى رسوله ﷺ ما يقضي عني) أي: أنه ﷺ كان يستدين لقضاء حاجات المسلمين ﵊. (فخرجت حتى إذا أتيت منزلي، فجعلت سيفي وجرابي ونعلي ومجني عند رأسي)، هذا كل المتاع الذي كان يملكه بلال، والجراب هو وعاء من إهاب أو من جلد الشاة، والمجن: هو الترس، وفي رواية أخرى: (استقبلت بوجهي الأفق، فكلما نمت ساعة انتبهت، فإذا رأيت عليّ ليل نمت، حتى ينشق عمود الصبح الأول)، ويقول في الرواية التي هنا: (حتى إذا انشق عمود الصبح الأول) أي: انصدع وطلع، وفي الحديث: (فلما انشق الفجر أمر بإقامة الصلاة) فهناك شق وفتحة في الأفق في موضع طلوع وخروج الفجر، وقوله: (حتى إذا انشق عمود الصبح الأول) المقصود به العمود المستطيل المرتفع في السماء، وهو الفجر الكاذب، وذلك غير الفجر الأحمر المنتشر في أفق السماء، فإنه الصبح الصادق، وبين الفجرين ساعة، فإنه يظهر الأول وبعد ظهوره يظهر الثاني ظهوراً بيناً، والفجر الذي تتعلق به الأحكام هو الفجر الثاني، فيدخل وقت الصوم ووقت صلاة الصبح بطلوع الفجر الثاني واستنارته وإضاءته، وهو المعترض بالضياء في أقصى المشرق، الذاهب من القبلة إلى دبرها حتى يعم الأفق، وينتشر على رءوس الجبال والقصور المشيدة. والمعنى: أني أردت أن أسير في الصبح الكاذب؛ لكي لا يعرفني أحد بسبب ظلمة آخر الليل، وكان بلال ﵁ قد أعد كل عدته، حتى لا ينكشف فيُفطن إلى أنه في حالة هروب من قضاء هذا الدين. يقول بلال رضي ال

стр. 495

التحذير من التوسع في الاستدانة الحديث المتقدم طويل، وهو يحمل فوائد عظيمة، والفقرة المقصودة من قراءة هذا الحديث هي تلك الفقرة التي فيها ذكر ذلك الرجل المشرك الذي هدد بلالاً رضي الله تعالى عنه وقال له: إذا حل أجل الدين ولم يقض ما عليه فسيأخذه بهذا المال الذي عليه، وسيسترقه ويعيده عبداً يرعى الغنم كما كان من قبل رضي الله تعالى عنه، فهذا من شؤم وعيوب الدين، فينبغي للإنسان أن يتحرز منه ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، وتعلمون قول النبي ﵊: (يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين) أي: أنه لا يغفر له الدين؛ لأن فيه تعلقاً بحقوق العباد، فيكون الشهيد محبوساً ومرهوناً في البرزخ إذا لم يؤدَّ عنه ذلك الدين. والبيع بالتقسيط هو في الحقيقة صورة من صور الدين، وقبل أن نبدأ موضوعنا في حكم البيع بالتقسيط ينبغي أن يستقر هذا المفهوم وهو: أنه لا ينبغي التوسع في أمر الاستدانة؛ لأن الاستدانة في حالة الشراء بالتقسيط فيها زيادة في مقابل الأجل كما سنبين إن شاء الله ﵎، أضف إلى ذلك أن حجم الدين يجب ألا يتجاوز قدرة المدين على السداد، والدين إذا كان ديناً عاماً كأن تكون الحكومة مثلاً هي المَدْينة، لاسيما إذا كان ديناً عاماً، وطويل الأجل، فإنه شؤم؛ لأنه يحمَّل الأجيال القادمة عبء الجيل الحالي؛ فإنا نورث أبنائنا وأجيالنا المقبلة أعباء هذه الديون، وهذا إذا كان ممولاً بأموال الزكاة أو غيرها من الموارد العامة. وفي مثل هذه الحالة إذا كان الدين ليس في مقدور المدين ولا في طاقته أن يؤديه، فإنه يكون هماً بالليل، ومذلة بالنهار، وقد تعوذ النبي ﷺ من المغرم والمأثم، ولما سئل عن سرّ القَرن بين المغرم والمأثم وما علاقة الدين بذلك؟ فأخبر ﵊ أن الرجل إذا غرم فإنه يعد فيخلف، فيقع في الإثم، فالدين دائماً إن لم يكن هناك عذر واضطرار يجلب كثيراً من هذه المصائب، ولا شك أنه هم بالليل، وذل بالنهار، وكما قال بعض السلف: ما دخل همُّ الدين قلباً إلا خرج من العقل، يعني: من شدة انشغال تفكيره فإنه يؤثر في عقله. وهو همٌّ في أوله، وهرم في آخره، وأما إذا كان الدائن مثل حالة البلدان الأجنبية الدائنة، فمن مخاطر الدين في هذه الحال سيطرة هذه البلدان الدائنة، وتبعية البلدان المدينة لها كما لا يخفى على أحد في عصرنا هذا، وفيها من صور إذلال الأمم والشعوب، وقهرها بأمر الدين، واستعبادها بذلك، كما أراد ذلك المشرك من إذلال بلال تماماً، ولعل هذا المشرك نفسه -وهو حقيق بسوء الظن- إنما دعا بلالاً إلى أن يستدين منه بهذه النية، عسى أن يتعثر السداد، فيسترقه بعد ذلك. فعلى أي الأحوال فالاستعباد يكون بصور شتى، ولا يكون بصورة الرق فقط، فمحاولة استعباد المدين محاولة قديمة، وهو يدل على الأخلاق الأيدلوجية الفجة أو الباردة كما هو مشهور عنهم، قال بعضهم: لا تقرض أبداً ولا تقترض، فإنك إذا اقترضت من رجل جعلته سيدك، وإذا أقرضت رجلاً جعلته عدوك. والشاهد من الكلام: أن الأصل الذي نقدمه بين يدي الكلام في موضوع البيع بالتقسيط هو أن الاستدانة غير مرغوب فيها، فهناك مخاطر شديدة في التوسع في أمر الاستدانة، والبيع بالتقسيط هو صورة من صور الاستدانة، فينبغي للإنسان ألا يستدين، وألا يشتري بالتقسيط إلا لعذر قوي في ذلك.

стр. 496

أنواع البيوع، مع بيان صورة بيع التقسيط سنعتمد في تلخيص هذا البحث إن شاء الله تعالى على بعض البحوث أهمها: بحث الدكتور محمد عقلة الإبراهيم: (حكم بيع التقسيط في الشريعة والقانون)، وليس لنا شأن بالقانون، ولا يهمنا منه شيء، والبحث الآخر للدكتور رفيق يونس المصري وهو: (بيع التقسيط تحليل فقهي واقتصادي)، وهناك أيضاً رسالة اسمها (القول الفصل) لفضيلة الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق حفظه الله! وهناك مراجع أخرى تمس هذا الموضوع. ولا شك أنّ الناس قد عرفوا كثيراً من أنواع البيوع في الماضي، ومنها ما يعرف ببيوع الأجل، وسنفصل الكلام فيها: معنى بيوع الأجل: أن يكون أحد العوضين إما المال أو السلعة مؤخراً عن مجلس العقد، وبما أن الإسلام هو دين اليسر، ودين السماحة، ورفع الحرج، رأى أن الحاجة تمس إلى وجود استثناء في القاعدة العامة، وصولاً للغاية المثلى، فأجاز الإسلام تأخير المثمن أو الثمن عن مجلس العقد، والثمن هو الذي يقسط ويؤجل، وقد يكون تأخيره دفعة واحدة، وإذا قسَّط فهو المسمى بيع التقسيط. وقد شاع هذا النوع في زماننا شيوعاً كثيراً، وشمل من حيث السلع دقيقها وجليلها؛ لما في هذا النوع من البيوع من مصالح لكل من البائع والمشتري، ولما كان تأجيل الثمن عن زمان العقد يرافقه زيادة في الثمن تعويضاً للبائع عن تأخير قبضه، وحرمانه من استثماره، فإسهاماً من المشتري في تخفيف هذه الآثار مع ما له من نعمة توفير الحصول على ما يحتاجه من السلعة رغم ضيق يده؛ زاده في الثمن. ولا يزال هذا النوع من البيع مثار بحث وجدل بين أهل العلم من حيث مشروعيته، نظراً لما فيه من الزيادة في الثمن، فربما اشتبهت صورته على بعض الناس بالربا، وصورة هذا البيع: أن يقول البائع: أبيع لك هذه السلعة عاجلاً بكذا، وآجلاً بزمن كذا، بزيادة مقدارها كذا، فلا شك أن الحاجة تمس إلى ذلك، فهنا نفرد هذه المسألة بمثل هذا البحث، ونفصل الكلام فيها؛ حتى نكون على بينة من أمرنا، خاصة وأن الأسئلة قد كثرت جداً حول هذا الموضوع، وكانت الأجوبة المختصرة لا تقنع كثيراً من الإخوة، فنقف هذه الوقفة مع هذه المسألة. لابد من مقدمة تتعلق بأنواع البيوع، فالبيع على ثلاثة أنواع: بيع معجَّل البدلَين، أي: الفلوس والسلعة، وهو البيع المعروف الذي يحصل في الأسواق، فتدفع الفلوس في الحال وتستلم السلعة في الحال، فهذا هو أول نوع من أنواع البيوع. النوع الثاني: بيع مؤجل البدلين، أي: أن الفلوس والسلعة مؤجلان، وهذا هو بيع الكالئ بالكالئ. النوع الثالث -وهذا الذي يتعلق ببحثنا اليوم- وهو: بيع يكون فيه أحد البدلين معجلاً والآخر مؤجلاً، وهذا النوع من البيع جائز أباحته الشريعة. وقولنا: إن أحد البدلين معجّل والآخر مؤجل يحتمل أن يكون الثمن معجلاً والسلعة مؤجلة، وهذا يسمى بيع السلَم أو السلَف، وهذا البيع مستثنى من القاعدة الأصلية التي جاءت في حديث: (ولا تبع ما ليس عندك) فهو استثناء من عموم هذا الحديث بالنص، وقد ثبت أن أهل المدينة كانوا يُسلفون في بعض هذه السلع، ويحتمل هذا النوع أن يكون المعجل هو المبيع والمؤجل هو الثمن. إذاً: أنواع البيوع ثلاثة: الأول: معجل البدلين. الثاني: مؤجل البدلين، وهو بيع الكالئ بالكالئ، وهو منهي عنه. الثالث: أن يكون أحدهما معجلاً والآخر مؤجلاً، وهذا على صورتين: إما أن يعجل الثمن ويؤجل المبيع، وهو بيع السلَم أو السلف، أو أن يعجل المبيع ويؤجل الثمن، وهو بيع النسيئة، والنسيء هو التأجيل. وبيع النسيئة وإن أجازته النصوص إلا أنه ليست هناك نصوص تجيز الزيادة لأجل التأجيل أو التقسيط، بل هذا يحتاج إلى بحث واستظهار، وهذا هو موضوعنا الذي نتكلم فيه. وبيع النسيئة في حد ذاته جائز، والدليل على ذلك ما رواه الشيخان وغيرهما: (أن رسول الله ﷺ اشترى من يهودي طعاماً -وفي رواية: شعيراً- إلى أجل، وفي رواية: اشترى من يهودي طعاماً أو شعيراً بنسيئة، ورهنه درعاً له من حديد). فقد اشترى الشعير ولم يدفع له الثمن حالاً، وإنما سيدفعه فيما بعد، ووضعه للدرع حتى يسدد الدين هو رهن للضمان فقط، فهذا البيع جائز سواء كان مع المسلمين أو اليهود أو من سواهم، فهذا مثل بيع السلَم أو السلَف، يقول ﵊: (من أسلف في شيء فليسلف في شيء معلوم بكيل معلوم، إلى أجل معلوم). متفق عليه. فبيع النسيئة أو الأجل يكون مع الزيادة، ويكون الثمن فيه مؤجلاً، وأما بيع التقسيط فقد يكون مع الزيادة، وقد يكون بدون زيادة، وإنما يقسط عليه الثمن الأصلي، ثم بيع التقسيط يشابه بيع الأجل في أن المال غير مدفوع حالاً، ويخالفه في أنه مقسط على مراحل وليس مؤخراً كلياً. إذاً: بين بيع الأجل وبيع التقسيط عموم وخصوص. خلاصة الكلام: أن بيع النسيئة -وإن كانت النصوص قد أجازته- ليس فيه نصوص تجيز الزيادة لأجل التأجيل أو التقسيط، فبيع التقسيط ليس فيه دفع النقود حالاً بل تؤجل؛ لذلك يزاد في السعر من أجل الأجل، وهذا ما سنتكلم فيه إن شاء الله تعالى. بيع التقسيط هو عبارة عن حادثة لمعاملة قديمة، وهو لون من ألوان بيع النسيئة، حيث يعجَّل فيه المبيع، ويتأجل فيه الثمن كله، أو يقسط على أقساط معلومة، لآجال معلومة، وهذه الأقساط قد تكون منتظمة سنوياً مثلاً، أو تكون غير منتظمة، وقد تكون متساوية المبالغ، أو غير متساوية. والأقساط: جمع قسط، والقسط لغة: هو الحصة والنصيب، تقول: تقسّطنا المال بيننا، أي: أخذ كل منا نصيبه من هذا المال، والقِسط: هو العدل، تقول: أقسط الرجل فهو مقسط، أي: عادل. والعلاقة بين المعنيين، أعني: القسط بمعنى الحصة والنصيب، والقسط بمعنى العدل: أن النصيب الذي يعطى لكل واحد يفترض أن يكون عادلاً بوجه من الوجوه، ومن ذلك أيضاً قول الفقهاء: إن للزمن قسطاً من الثمن، أي: إن للزمن حصة عاجلة من الثمن، والقاسط العادل عن العدل، أي: الذي ينحرف عن العدل، أو هو الفعل، وأما المقسط فهو العادل، والقسطاس في اللغة: هو الميزان. وليس المراد ببيع التقسيط أن يقسط المبيع، ولكن التقسيط يكون في طريقة سداد ثمن المبيع.

стр. 497

حكم بيع التقسيط مسألة: هل بيع التقسيط مستحب أم مباح؟ استدل البعض بحديث ضعيف جداً مروي عن النبي ﵊: (ثلاثة فيهن البركة، ومنها: البيع إلى أجل)، وهذا لم يصح عن النبي ﵊، إلّا أن البيع إلى أجل يكون مستحباً إذا قُصد به الإرفاق بالمشتري، فالبائع إذا رأى أن الرجل لا يستطيع أن يدفع المبلغ كله مرة واحدة حالاً فيؤجَّل له السداد كنوع من الإرفاق به دون أن يزيد عليه في الثمن لأجل الأجل، فهذا يكون مستحباً، وهو نوع من الإحسان. وأما إذا كان البيع إلى أجل لا يقصد منه الإرفاق، بل هو مجرد المعاوضة فإذا كان ثمن السلعة -مثلاً- مائة فإنه يزيد في ثمنها إلى أجل عشرة أو عشرين، فيصير سعرها مائة وعشرين مثلاً إلى هذا الأجل، باعتبار أن الأجل له حصة من الثمن، فسنفصل الكلام في حكم هذا فيما بعد، وفي هذه الحالة يكون هذا العقد عقد معاوضة لا إرفاق، فهذا الرجل يتعامل معاملة مادية، فهو يريد قيمة الزمن الزائد. فإذا كان البيع إلى أجل بهذه الصورة، أو تطلب كفالة، أو رهن، أو يؤتمن فيه المليء فقط، فهذا البيع يكون بيعاً مباحاً فقط. ويكون مستحباً في صور، منها -كما ذكرنا- ألّا يزيد عليه في الثمن لأجل الأجل إذا كان محتاجاً، أو فقيراً، ومنها: أن يؤتمن على سداد الثمن دون أن يضيق عليه بطلب رهن أو كفالة مثلاً.

стр. 498

بعض آداب بيع التقسيط له آداب منها: أولاً: أن بعض الناس لا يبيع إلا بالتقسيط، فكل البضاعة التي عنده لا يبيعها إلا بالتقسيط، ولا يخير المشتري بين البيع الآجل والبيع العاجل، والعلماء حينما ناقشوا مسألة بيع العينة وصوره ذكروا أن للعينة صوراً منها: أن يكون عنده المتاع فلا يبيعه إلا نسيئة، وقد نص الإمام أحمد على كراهية ذلك، فقال: العينة أن يكون عنده المتاع فلا يبيعه إلا بنسيئة، فإن باع بنسيئة ونقد فلا بأس، أي: أن المكروه هو أن يقتصر فقط على البيع بالنسيئة، وأما إذا باع بنسيئة وبنقد ففي هذه الحالة يقول الإمام أحمد: لا بأس بذلك. وقال أيضاً: أكره للرجل ألّا يكون له تجارة غير العينة، فلا يبيع بنقد، أي: أنه يمتنع عن البيع بالنقد، ويكون كل بيعه بالأجل. وقد علل ابن تيمية رحمه الله تعالى ذلك بأنه يدخل في بيع المضطر، فإن غالب من يشتري بنسيئة إنما يكون لتعذر النقد عليه. ومعنى كلامه: أن أغلب الناس الذين يشترون إلى أجل مع ارتفاع السعر، إنما يلجئون إلى هذا النوع لأنهم لا يستطيعون أن يسددوا ذلك المال نقداً. يقول: فإذا كان الرجل لا يبيع إلا بنسيئة كان ربحه على أهل الضرورة والحاجة -وكأنه يستغل حاجة هؤلاء الناس- وإذا باع بنقد ونسيئة كان تاجراً من التجار. لكن إذا كان التاجر يقصد من البيع بالنسيئة بيع العينة أو بيع الآجال فهذا نوع من الحيل الربوية، ولا شك في كراهية هذا، بل هو حرام ديناً وقضاءً، لكن إذا كان التاجر يبيع بالأجل دون أن يتخذ هذا ذريعة إلى بيوع الآجال أو بيوع العينة، فهذا مباح؛ حتى ولو لم يبع إلا بالأجل والتقسيط؛ لأن بيع الأجل جائز وبيع العينة حرام كما سنبين إن شاء الله تعالى. فأفضل أحوال البائع أنه يبيع للناس -إذا كان إلى أجل- بنفس سعر الحال، وهذا يدخل تحت قول النبي ﵊: (رحم الله عبداً سمحاً إذا باع، سمحاً إذا اشترى، سمحاً إذا اقتضى) رواه البخاري. وقال ﵊ أيضاً: (من كان هيناً ليناً قريباً من الناس حرمه الله على النار). إذاً: من أراد أن ينال هذا الثواب العظيم، فليبع بالتقسيط وبسعر النقد؛ حتى لا يستثمر حاجة الناس، فهذه هي أكمل الأحوال، وفي نفس الوقت فنحن نحرض المشتري على أنه لا يستدين، وأن يحرص على أن يشتري بنقداً، ولا يشغل ذمته بهذه الحقوق وهذه الأموال.

стр. 499

مظان مسألة بيع التقسيط وأصوله الآن سنتكم عن صلب البحث، وسنذكر مظان مسألة البيع بالتقسيط وأصولها، وقد ذكرنا من قبل: أن مجرد بيع الأجل مباح وليس فيه بأس، ولكن المشكلة تكمن في زيادة سعر السلعة لأجل الأجل. لم يكن اصطلاح البيع بالتقسيط معروفاً عند علماء الشريعة والفقه الإسلامي قبل القرن الحالي، حيث عرف وشاع هذا النوع من البيع، ومن البدهي -والأمر كذلك- ألا يكون للمصطلح هذا وجود في كتب الحديث النبوي وهي مصدر رئيس يستقى منها الفقه وأحكامه، ولما كان الأمر كذلك اقتضى أن نبين المواطن والمظان التي فيها جذور هذه المسألة وأصولها من مصادر الحديث والفقه، فنلخص فيما يلي كلام الدكتور محمد عقلة الإبراهيم في هذا الباب، فيقول: ففي كتب الحديث نجد أصل هذا النوع من البيع قد ورد في مواطن في السنة يمكن من خلالها أن نفهم لفظ الشرع لهذا النوع من البيع، فلم نبحث عنه تحت اسم البيع بالتقسيط لأن هذا المصطلح حادث، فأما الأحاديث التي لها علاقة بمضمون هذا البيع فأولها حديث: (نهى رسول الله ﷺ عن بيعتين في بيعة). النوع الثاني: حديث: (نهي النبي ﷺ عن صفقتين في صفقة) بألفاظه المختلفة. النوع الثالث: الأحاديث التي تتضمن نهي رسول الله ﷺ عن شرطين في بيع، أو بيع وشرط، أو بيع وسلم، فقد ورد في شروح هذه الأحاديث ما يفيد أن من الصور التي تعنيها هذه الأحاديث أن يبيع الرجل السلعة نقداً بكذا ونسيئة بكذا، أي: مع الزيادة، وهذا المعنى يعتبر أصل مسألة بيع التقسيط. وأما في كتب الفقه الإسلامي فنجد أصل مسألة بيع التقسيط تحت عنوان: البيوع الفاسدة، أو البيوع المنهي عنها، في كتب البيوع، أو باب: بيوع الآجال، فقد تناولت تلك الكتب في عداد حديثها عن البيوع المنهي عنها البيوعَ التي ذكرت آنفاً في كتب الحديث، وبيان الفقهاء لمعاني تلك الأحاديث، والتي تتضمن الصورة التي مرت، وهي أن يقول البائع للمشتري: هذه السلعة حالاً بكذا ومؤجلاً بكذا. ومن ثَم فإن إعطاء المسألة حقها من الوضوح والجلاء يستلزم الخطوات التالية: أولاً: ذكر الأحاديث الشريفة التي تعتبر أهم مظان مسألة بيع التقسيط، مع تخريجها بألفاظها المختلفة، وبيان درجتها من الصحة. ثانياً: إثبات عبارات أمهات كتب الحديث التي تناولت هذه الأحاديث بالبيان والشرح، وهذا هو المنهج العلمي، فلا ينبغي للإنسان أن يأخذ الحديث من كتب الحديث -حتى لو تبين له أن هذا الحديث صحيح -ثم يذهب يفسره على ما يريده، وهذه الآفة موجودة في بعض طلاب العلم في هذا الزمان، فإنه يأخذ الحديث، ثم يفسره بهواه، وإذا سكت الإنسان عن الخوض في المسائل الخلافية التي لا علم له بها قل الخلاف، وصدق من قال: إذا سكت من لا يعلم قل الخلاف بين الناس. ثالثاً: إيراد عبارات الفقهاء في شرحهم لهذه الأحاديث عند كلامهم في البيوع المنهي عنها. رابعاً: نستخلص علة تحريم هذه البيوع؛ لأن الحكم يدور مع العلة وجوداً وعدماً، أي: أننا نبحث عن علة التحريم، فإذا انتفت العلة رُفع الحرج، وإذا وجدت العلة حرم. وخلاصة الكلام ونتيجته النهائية هو جواز البيع بالتقسيط بشروط معينة، على أساس مقدمات سنذكرها إن شاء الله تعالى.

стр. 500

ذكر الأحاديث النبوية المتعلقة ببيع التقسيط المطلب الأول: الأحاديث النبوية المتعلقة بهذه المسألة! الحديث الأول: ما رواه أبو هريرة ﵁ قال: (نهى رسول الله ﷺ عن بيعتين في بيعة)، وهذا الحديث صححه طائفة من العلماء كـ الحاكم في المستدرك، وابن حزم في المحلى وغيرهما. الحديث الثاني: ما رواه عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: (نهى رسول الله ﷺ عن صفقتين في صفقة). الحديث الثالث: ما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا بيع ما لم يضمن، ولا بيع ما ليس عندك).

стр. 501

تفسير الأحاديث المتعلقة ببيع التقسيط المطلب الثاني: وهو معنى هذه الأحاديث: هذه الأحاديث لها معان عديدة ذكرتها كتب الحديث والفقه، فبما أن الموضوع متعلق بموضوع بيع التقسيط فسنقتصر فقط على المعنى الذي يتعلق بقضيتنا؛ لأننا لو فصلنا في شرح الأحاديث فسنخرج عن موضوعنا، فسنذكر كلام علماء الحديث في شرح هذه الأحاديث: حديث أبي هريرة: (نهى عن بيعتين في بيعة) يقول الإمام الترمذي رحمه الله تعالى في شرح هذا الحديث: (نهى عن بيعتين في بيعة): وقد مثل بعض أهل العلم هذا الحديث فقالوا: بيعتين في بيعة أن يقول: أبيعك هذا الثوب بنقد بعشرة، ونسيئة بعشرين، ولا يفارقه على إحدى البيعتين. أي: دون أن يحدد له أي البيعتين اشترى، فأما إذا فارقه على إحداهما فلا بأس بذلك، فإذا قال لك: أبيع لك هذا نقداً بعشرة، ونسيئة بعشرين، فقلت له: أنا موافق وقبلت، فهذا إيجاب بالقبول، دون أن يبين أي البيعتين اختار، فهذا العقد عند هذا الحد يكون باطلاً وغير صحيح، وهو منهي عنه؛ لأنها وقعت بيعتان في بيعة واحدة. فالمسألة مسألة عرض، فهو يعرض عليه ويساومه، فإذا اختار أحدهما فليس هناك بيعتان في بيعه، فلو قال مثلاً: اشتريه إلى أجل بعشرين، فهذه بيعة واحده، وإذا قال: اشتريه نقداً بعشرة، فهذه بيعة واحدة. إذاً: فلا يدخل في المنهي عنه إذا اختار إحدى البيعتين؛ لأنها بيعة واحدة، وأما إذا عرض عليه البيعتين فقال المشتري قبلت، فهذا العقد يدخل تحت النهي عن بيعتين في بيعة. قال الشافعي: ومعنى نهي النبي ﷺ عن بيعتين في بيعة أن يقول: أبيعك داري هذه بكذا على أن تبيعني غلامك بكذا، فربط بيعة الدار ببيعة الغلام، ومثل أيضاً أن يقول: أبيعك هذه الأرض بكذا على أن تبيعني هذه السيارة بكذا، فهذه بيعتان في بيعة واحدة، فهذه الصورة تدخل تحت معنى الحديث. فإذا وجب الغلام لي وجب لك داري، وهذه صفقة بغير ثمن معلوم، ولا يدري كل واحد منهما على ما وقعت عليه الصفقة. فما يدري كم هو السعر، وهل هو بيع الآجل أم العاجل، فهذا هو الذي أثر في صحة هذا العقد، وبهذا المعنى فسره صاحب (معالم السنن) وهو الخطابي، وصاحب (بذل المجهود) وهو السهارنفوري، وصاحب (عون المعبود) وهو شمس الدين آبادي، وصاحب (نصب الراية) وهو الزيلعي وصاحب (سبل السلام) وهو الصنعاني، وصاحب (نيل الأوطار) وهو الشوكاني، وصاحب (فتح العلام) وهو صديق حسن خان. وجاء في (الموطأ) وشرح الباجي عليه: قال مالك لرجل اشترى من غيره سلعة بمائة نقداً أو بشاة موصوفة إلى أجل، حال كونه قد وجبت عليه بأحد الثمنين: ذلك مكروه لا ينبغي؛ لأن رسول الله ﷺ نهى عن بيعتين في بيعة، وهذه بيعتان في بيعة، فيمنع لذلك. وقال النسائي: باب بيعتين في بيعة، وهو أن يقول: أبيعك هذه السلعة بمائة دينار نقداً، وبمائتي دينار نسيئة. وبمثله فسره البيهقي. فمما تقدم يتبين لنا بجلاء: أن أكثر المعاني شيوعاً لهذا الحديث هو أن يذكر البائع للمشتري ثمنين أحدهما عاجل والآخر آجل أكثر منه مقداراً، وهذه الصورة هي الأساس لبيع التقسيط، وسنخلص فيما بعد النهي إلى علة هذا الحكم، هذا ما يتعلق بنهي النبي ﵊ عن بيعتين في بيعة. الحديث الثاني: (نهى رسول الله ﷺ عن صفقتين في صفقة)، وقد جرت عادة البائع والمشتري أنهما يتساومان في عملية البيع والشراء، فإذا توافقا قال الأول: بعتك بكذا، وقال الثاني: قبلت، فإذا تم صافح أحدهما الآخر؛ تعبيراً عن إمضاء الصفقة، فيبسط يده في يد الآخر. فالنهي عن الصفقتين في صفقة المقصود به نفس معنى بيعتين في بيعة، وهذا الكلام الذي ذكرته في هذا الحديث مبني على تفسير سماك قال: الرجل يبيع الشيء فيقول: هو بنساء بكذا وكذا وهو بنقد بكذا وكذا، فهذا مقارب لما سبق. وقال ابن أبي شيبة: أن يقول الرجل: إن كان نقداً فبكذا، وإن كان نسيئة فبكذا. وأما الحديث الثالث فحديث: (نهى عن شرطين في بيع، وعن بيع وسلف، وعن بيع وشرط)، فأما الشرطان في بيع، فقد فسرها صاحب (المنتقى شرح الموطأ) وهو الإمام الباجي بقوله: وهو أن يقول: بعتك هذه السلعة نقداً بكذا وبكذا نسيئة، وبمثله فسره النسائي وغيره. أما (سلف وبيع) فهو: أن يريد الشخص أن يشتري سلعة بأكثر من ثمنها لأجل النساء وهو التأجيل، وعنده أن ذلك لا يجوز فيحتال بأن يستقرض الثمن من البائع ليرجعه إليه حيلة. وعلى أي الأحوال: فما أورده العلماء من تفاسير للأحاديث: (نهى عن بيعتين في بيعة) و (صفقتين في صفقة) و (شرطين في بيع) يظهر أنها تتفق في معنى واحد، أن يبيع الرجل سلعته بثمن مؤجل أعلى من الثمن الحاضر. هذا ما يتعلق بالأحاديث، والكلام عليها. وأما كلام علماء الفقه: ففي الفقه الحنفي يقول صاحب (المبسوط): وصفة الشرطين في بيع أن يقول: بالنقد بكذا وبالنسيئة بكذا، وبمثل هذا المعنى فسره صاحب (تحفة الفقهاء)، وصاحب (الفتاوى البزازية)، والسندي في حاشيته، وصاحب (فتح القدير)، وهذا شائع في كتب الأحناف. وأما في كتب المالكية فقد جاء في (مختصر خليل): وكبيعتين في بيعة يبيعها بإلزام بعشرة نقداً أو أكثر لأجل. وفي الفقه الشافعي يقول الشافعي رحمه الله تعالى في معنى بيعتين في بيعة: وهنا وجهان: أحدهما: أن يقول: بعت هذا العبد بألف نقداً أو بألفين نسيئة، فقد وجب لك بأيهما شئتُ أنا أو شئت أنت، فهذا بيع الثمن فيه مجهول، وثانيهما: أن يقول: قد بعتك عبدي هذا بألف على أن تبيعني دارك بألف. وفي الفقه الحنبلي يقول صاحب (المغني) بعد ما ذكر حديث أبي هريرة (نهى عن بيعتين في بيعة): مثل أن يقول: بعتك داري هذه على أن أبيعك داري الأخرى بكذا، أو على أن تبيعني دارك، أو على أن أؤجرك، فهذا كله لا يصح. قال ابن قدامة: وقد روي في تفسير بيعتين في بيعة وجه آخر، وهو أن يقول: بعتك هذا العبد بعشرة نقداً أو بخمسة عشر نسيئة، وهو أيضاً باطل. وكذلك باقي العلماء والمذاهب الأخرى، سواء كانوا من علماء السلف كالصحابة والتابعين، أو من غيرهم فقد جاء عنهم ما يفيد أن كل هذه الأحاديث تعني أن تقول: هي نقداً بكذا ونسيئة بكذا، وقد روي هذا عن علي وابن عباس، وابن مسعود رضي الله تعالى عنهم أجمعين، كما نُقل عن الأوزاعي وعطاء والثوري والقاسم بن محمد والشعبي وابن سيرين رحمهم الله تعالى أجمعين، وبهذا المعنى فسر أيضاً داود الظاهري. ويظهر مما تقدم من ذكر أقوال العلماء في بيان معنى الأحاديث الشريفة الثلاثة أن هذه الأحاديث تفيد معنيين: الأول -وهو أرجحهما وأكثرهما وروداً عند العلماء-: أن يقول البائع للمشتري: بعتك هذه السلعة بسعر معجل بكذا وبمؤجل بكذا، وهذا هو أصل بيع التقسيط. الثاني: أن يقول البائع للمشتري: أبيعك كذا على أن تبيعني أو تؤجرني أو تقرضني كذا.

стр. 502

علة التحريم في البيوع المنهي عنها في الأحاديث السابقة المطلب الثالث: ما هي علة التحريم في البيوع المذكورة؟ إذا كان الرسول ﷺ نهى عن بيعتين في بيعة، ونهى عن صفقتين في صفقة، ونهى عن شرطين في بيع أو بيع وسلف، فما علة هذا التحريم؟ إنّ المتتبع لعبارات كتب الحديث النبوي وشروحها العديدة يجد أن تحريم البيعتين في بيعة مردُّه إلى جهالة الثمن الذي تم به البيع، فقول البائع: أبيعه لك معجل بعشرة وإلى أجل بعشرين، فيقول المشتري: أنا موافق على أي البيعتين، بدون أن يبين أي البيعتين قد أمضى، فإلى هذا الحد فالبيع غير صحيح، وهو محرم، وهو داخل في بيعتين في بيعة وصفقتين في صفقة، وشرطين في بيع، والعلة هي جهالة الثمن الذي تم به البيع، وهذه الجهالة هي نوع من الغرر الذي يؤثر في صحة العقد. يقول الإمام الترمذي بعد ما ذكر حديث (بيعتين في بيعة): وفسره بعض أهل العلم أن يقول الرجل: أبيعك هذا الثوب نقداً بعشرة ونسيئة بعشرين، ولا يفارقه على أحد البيعين، يعني: وقد جزم وقطع واختار ولا يفارقه على أحد البيعين، فإذا فارقه على أحدهما فلا بأس إذا كان العقدة على أحدهما. فهذا القول يفيد أن علة النهي هي جهل المتعاقدين بالثمن؛ إذ إنه يقبض السلعة ويفارق البائع دون أن يعين ما إذا كان الثمن الذي تم به البيع هو المعجل أو المؤجل، أما إذا انتفت العلة بأن حدد المشتري أيَّ الثمنين اختار لإتمام العقد به فإن العقد يصح؛ لانتفاء الجهالة المفضية إلى المنازعة، وهذه العلة هي التي نص عليها الخطابي والصنعاني والشوكاني وصاحب (بذل المجهود) وصاحب (فتح العلام). وهذه العلة هي أيضاً عند علماء الحديث، وهي أيضاً نفسها عند الفقهاء، فعند فقهاء الأحناف: يقول السرخسي في شأن علة النهي: وإذا اشترى شيئاً إلى أجلين وتفرقا على ذلك لم يجز، وإن ساومه على ذلك ثم قاطعه على أحدهما وأمضى البيع عليه جاز. وقال في موضع آخر بعد بيان معنى بيعتين في بيعة: فهو فاسد؛ لأنه لم يقاطعه على ثمن معلوم، فإن كانا يتبايعان بينهما ولم يفترقا حتى قاطعه على ثمن معلوم وأتما العقد عليه فهو جائز؛ لأنهما ما افترقا إلا بعد تمام شروط الصحة. فهذا ظاهر في أن علة النهي عن بيعتين في بيعة وما في معناهما: عدم العلم بالثمن الذي تم عليه العقد، مما يعني أنه إذا انتفت العلة المذكورة وعرف الثمن فإن البيع يصح. وعامة فقهاء الأحناف يقولون نفس هذا الكلام. وكذلك فقهاء المالكية، قال الدسوقي: وهو أن يبيع السلعة بتاً -أي: نقداً- بعشرة، أو أكثر لأجل معين، ويأخذها المشتري على السكوت ولم يعين أحد الأمرين، اختاره بعد أخذها، وإنما منع للجهل بالثمن حال البيع، وهناك عبارات أخرى للمالكية بنفس هذا المعنى لا نطيل بذكرها. والمتتبع لعبارات فقهاء المذهب الشافعي يجد أنها تكاد تُطبِق على اعتبار الجهل بالثمن وإبهامه وعدم استقراره هي علة تحريم الأنواع التي نحن بصددها من البيوع، سواء كان ذلك بطريق الصراحة أو الدلالة، فيقول أبو إسحاق الشيرازي بعد بيان معنى بيعتين في بيعة: والبيع باطل؛ لأنه لم يعقد على ثمن بعينه، وهو باطل، أما لو قال: بعتك بألف نقداً وبألفين نسيئة فيصح العقد، وإلى مثل هذا ذهب الشافعي وابن الرفعة. كذلك الفقه الحنبلي يقول العبدلي في شأن العلة: لا يصح ما لم يتفرقا على أحدهما، أي: الثمن المعجل أو المؤجل، وهو المذهب نص عليه الإمام أحمد، وعليه جمهور أصحابه، وقطع به كثير منهم. يقول ابن القيم: وليس هاهنا ربا، ولا جهالة، ولا غرر، ولا قمار، ولا شيء من المفاسد. يعني: إذا افترقا وقد بيَّن أي البيعتين اختار. يقول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: لا بأس أن يقول في السلعة: هي بنقد بكذا وبنسيئة بكذا، ولكن لا يفترقان إلا عن رضا، وتحديد أي البيعتين قد أمضى. ويقول الأوزاعي: لا بأس بذلك، يعني: بيعتين في بيعة، ولكن لا يفارقه حتى يُباتّه بأحد الثمنين، أي: حتى يقطع بأحد الثمنين. إذاً: خلاصة الكلام: أن علة عدم جواز البيعتين في بيعة -مع تفاوت عبارات العلماء والمحدثين- لا تخرج عن جهل الثمن الذي تم العقد عليه، أو سد ذريعة الربا كما عند المالكية. وعلى هذا الأساس: إذا ارتفعت هذه العلة من بيع التقسيط بحيث يذكر البائع للمشتري ثمنين: أحدهما عاجل والآخر آجل أكثر منه، فيختار المشتري واحداً منهما بعينه قبل التفرق من مجلس العقد؛ فإن هذا النوع يكون جائزاً شرعاً.

стр. 503

الواجب على من تبايعا بيعتين في بيعة ما حكم البيعتين في بيعة؟ لنفرض أن رجلاً بالفعل باع بيعتين في بيعة، وحصلت الصورة المنهي عنها، قال له: أبيع لك ثوبي بكذا وبأجل بأكثر منه بكذا، فقال: قبلت، فما حكم هذا البيع؟ ذهب جمهور الفقهاء من الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين إلى أن بيع بيعتين في بيعة باطل أو فاسد، ولم يشذ عن القول ببطلانه إلا نفر من الفقهاء كـ طاوس والحسن وحماد بن أبي سليمان. وجاء في (الشرح الكبير): كما فسره مالك والثوري وإسحاق، وهذا قول أكثر أهل العلم؛ لأنه لم يجزم له ببيع واحد، أشبه ما لو قال: بعتك أحد هذين، ولأن الثمن مجهول، فليس يصح كالبيع بالرقم مجهول. أي: قوله: بعتك أحد هذين تشبه أن يقول له: بعتك بأحد الثمنين، ففيه جهالة، فإذا قال لك مثلاً: بعتك أحد هذين: مثلاً جهاز الكاست ومنبّه، وأنت تقول: قبلت، فهذا لا يجوز؛ لأن فيه جهالة، فأنت لا تعرف ماذا اشتريت، فالسلعة مجهولة، وذلك غرر، ومثلها أن أقول لك: بعتك بأحد هذين السعرين إما آجل بكذا أو عاجل بكذا، ومثل أن يقول لك قائل: أبيع لك هذه السلعة بمبلغ ما، فتقول له: قبلت، فهذا لا يصح؛ لجهالة الثمن، فكذلك ما سبق. إنّ ما تكلمنا عليه آنفاً هو حكم البيعتين في بيعة من حيث الحل والحرمة، والصحة والبطلان، وهنا سؤال وهو: إذا كان هذا البيع حراماً باطلاً فماذا يجب؟ و الجواب أنه يجب فسخه، فلا يترتب عليه أثره، وأما لو هلكت السلعة أو استُهلكت، كأن تكون هذه السلعة طعاماً أو نحوه مما يؤكل، أو استُعمل واستهلك فما الحكم الشرعي في هذه الحالة؟ لقد أجاب النبي ﵌ عن ذلك في حديث نبوي شريف أخرجه أبو داود في سننه، وهو حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: (من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا) وهذا الحديث حسنه الألباني في السلسلة الصحيحة، حديث رقم (٢٣٢٦). فمن العلماء من أخذ بظاهر هذا الحديث ورتب على هذه الصورة من البيع أثراً، فقد روي عن الأوزاعي أنه سئل عن معنى بيعتين في بيعة وهو أن يقول: نقداً بكذا ونسيئة بكذا، فقال الأوزاعي: لا بأس بذلك، ولكن لا يفارقه حتى يباته بأحد البيعين، أي: لا يفارقه حتى يجزم بأي البيعتين أمضى، فإن قبض السلعة على ذينك الشرطين فهو بأقل الثمنين إلى أبعد الأجلين. أي: يكون بأقل الثمنين وهو بيع النقد، إلى أبعد الأجلين وهو بيع الأجل. وبه قال طاوس، فقد سئل: إذا قال: بكذا إلى كذا وكذا، وبكذا وكذا إلى كذا وكذا فوقع البيع على هذا، قال: هو بأقل الثمنين إلى أبعد الأجلين، يعني: أن من وقع في هذه المخالفة الشرعية وحصل منه هذا البيع دون أن يجزم أو يحدد أي البيعتين أمضى فالحل في ذلك أن يكون البيع بأقل الثمنين إلى أبعد الأجلين، وهذا مأخوذ من الحديث: (من باع بيعتين في بيعة) أي: قد حصل هذا البيع فما الحل؟ (له أوكسهما أو الربا)، أي: أقل ما يمكن أن تكون عليه في هذه الحالة وذلك بأن يكون بأبعد أجل، وبأقل ثمن، فهذا معنى: (فله أوكسهما)، وإن لم يفعل ذلك فإنه يقع في الربا. وقد طعن بعض العلماء في صحة هذا الحديث، وقال بعضهم: على فرض صحته فعنه أجوبة: أولاً: يجاب عما قاله الأوزاعي بما قاله الخطابي: لا أعلم أحداً من الفقهاء قال بظاهر هذا الحديث، أو صحح البيع بأوكس الثمنين إلا شيء يحكى عن الأوزاعي، وهو مذهب فاسد؛ وذلك لما تضمنه هذا العقد من الغرر والجهل. فهنا تعارض بين الحديث المتقدم وبين حديث: (من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا)، فظاهر هذا الحديث أن البيع يمضي، لكن بأوكسهما، أي: بأقل الثمنين. وقال بعض العلماء: يحمل على معنى آخر مثل رجل باع شيئاً إلى أجل، وقال للمشتري: سدد لي مبلغ هذه السلعة خلال شهر مثلاً، فيأتي بعد شهر وعليه مائة جنيه مثلاً، فيقول المشتري بعد الشهر: ليس عندي ما أستطيع أن أسددك الآن، فيقول له البائع: أمد لك شهراً آخر ويكون عندك مائة وعشرون؟ قالوا: فهذا هو المقصود بقوله: (من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا)، قالوا: فإما أن يؤجَّل له المبلغ الأقل وهو مائة جنيه، أو يطلب منه هذه الزيادة فيكون قد وقع في الربا. وهناك تفسير آخر لهذا الحديث، وهو: أن يسلف رجل رجلاً آخر ديناراً في قفيز بر، والقفيز هو نوع من المكاييل، فأسلفه ذلك إلى شهر، فلما حل الأجل وطالبه بالبر، قال له: بعني القفيز الذي لك علي بقفيزين إلى شهرين، فهذا بيع ثاني قبل فسخ البيع الأول، فصار بيعتين في بيعة، فيردان إلى أوكسهما أي: أقلهما من الأصل، فإن تبايعا البيع الثاني قبل فسخ البيع الأول كان منهياً عنه؛ لأنه بيع الدين بالدين أو بيع الكالئ بالكالئ منهي عنه لما فيه من الربا، فهذه صورة أخرى في معنى بيعتين في بيعة. وقال بعض العلماء: إن الحديث من باب بيع الدين بالدين، وهذا قاله ابن الأثير في شرح هذا الحديث، قال: أن يقترض الرجل من الرجل مالاً فيعطيه سلعة إلى أجل، فإذا حل الأجل وطالب بالوفاء قال: بعني تلك السلعة إلى أجل آخر وأزيدك، ولا يجري بينهما تقابض، فكأنه أسلفه ديناراً في صاع بر مثلاً إلى شهر، فلما حل الأجل وطالبه بالبر قال له: بعني الصاع بصاعين إلى شهرين، فهذا بيع ثانٍ، وهو بيعتان في بيعة، فهنا يرد إلى أقلهما وهو الصاع، أي: كأنه باعه دين بدين، وهو بيع الكالئ بالكالئ المنهي عنه. وهناك جواب آخر أجاب به بعض العلماء عن هذا الحديث: (من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا) فقال بعض العلماء: ظاهر هذا الحديث مخالف للمذاهب كلها، إلا أن يقال في معناه: إن من باع شيئاً على أنه بخمسة إن كان ناجزاً وبعشرة إن كان نسيئة، ثم افترقا من غير أن يتعين أحدهما، فهذا البيع فاسد؛ لكونهما افترقا قبل تعيين الثمن، ولأنه ﷺ قد نهى عن بيعتين في بيعة وكان الحكم فيه الفسخ، إلا إذا استهلك المشتري المبيع أو أكله فلا يجب فيه إلا المثل أو القيمة إذا تعذر المثل، وهو أوثق عادة من الثمن المتعين بينهما في البيعتين معاً حاسبين المثل أو القيمة، المثل أو القيمة لا بد أن يكونا أقل من السعر الذي كان متفقاً عليه في البيعة الثانية؛ لأنه لو أخذ الثمن كان إبقاءً لبيع منهي عنه، فإذا أخذ الثمن ولم يفسخ فقد أربى؛ لكونه عقد عقداً فاسداً، والعقود الفاسدة كلها داخلة في حكم الربا. وخلاصة الأمر في حكم بيعتين في بيعة: أنها من البيوع المنهي عنها ونقصد بيعتين في بيعة فالمقصود بها الصورة التي ذكرناها آنفاً، وهي غير بيع التقسيط، وهي من البيوع المحكوم ببطلانها، وتستحق الفسخ إذا وقعت بالصورة التي لا يُعلم فيها الثمن، وهذا رأي عامة الفقهاء. وأما من حيث حكمها: فإذا حدث قبض بموجبها فجمهور الفقهاء يرون أن البيع الباطل لا ينتج أثراً، وأنه لا يصح الأخذ بظاهر حديث أبي داود؛ لأن العمل بظاهره يفيد أن البيع صحيح، والبيع الصحيح هو الذي ينتج آثاراً، ويرتب حقوقاً، إضافة إلى المطاعن التي ذكرناها في صحته أولاً من جهة، أو في صلاحيته للاحتجاج به على المقصود من جهة أخرى، فقد التمسوا له التأويلات على فرض صحته؛ انسجاماً مع الحقيقة الشرعية التي تأبى أن يترتب على العقد الباطل آثاراً، وتمكين للبائع من الوصول إلى حقه الذي ذهب بتعذر استرداد السلعة التي باعها بموجب عقد البيعتين في بيعة المنهي عنه شرعاً حتى يرد إلى البائع حقه، أي: إذا قلنا لهذا البائع: هذا البيع باطل ولابد أن يفسخ، فإنه سيقول: أرجعوا لي سلعتي التي أخذتموها، ويكون المشتري قد استهلكها، أو أتلفها، أو احترقت عنده، أو غير ذلك فهل يضيع حق البائع؟ لا، بل نُعمِل هذا الحديث كمخرج، (من باع بيعتين في بيعة) أي: واستهلكت السلعة، أو تلفت في يدي المشتري الذي قصّر في حفظها، فما الحل؟ (فله أوكسهما) أي: برد السلعة لصاحبها، أو قيمتها عند تلفها.

стр. 504

القول الراجح في حكم بيع التقسيط بعد النظر إلى أدلة الفريقين وما قدمه الجمهور إلى أدلة مخالفيهم من طعون أوضحت عجزها عن الاحتجاج بها، يترجح أن الحق هو ما قاله جمهور العلماء، وهو أن النهي عن بيعتين في بيعة هو إذا عرض عليه، البيع نقداً ونسيئة ولم يعين الثمن، وأما إذا عين الثمن فالبيع جائز. وبعض العلماء قال بكراة بيع التقسيط لظاهر هذا الحديث، وهذا مذهب متوسط ذهب إليه بعض الفقهاء، فبعض الفقهاء يبطلون البيع بالأج، وبعضهم يبيحه، وبعضهم قالوا: هو مكروه، فالأحوط تركه، والله تعالى أعلم.

стр. 505

التبرك الممنوع والمشروع مسألة التبرك من المسائل التي حصل فيها الإفراط والتفريط، والغلو والجفاء، فمن باب التبرك انتشرت كثير من البدع والشركيات؛ لذا كان لزاماً علينا معرفة التبرك المشروع من التبرك الممنوع؛ حتى لا يقع الإنسان في البدع أو الشركيات وهو لا يشعر.

стр. 506

إثبات كون البركة من الله إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم! صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم! بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: فقد أخرج الإمام البخاري ﵀ بسنده عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله -أي: ابن مسعود ﵁ قال: (كنا نعد الآيات بركة، وأنتم تعدونها تخويفاً، كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فقل الماء، فقال: اطلبوا فضلة من ماء. فجاءوا بإناء فيه ماء قليل، فأدخل يده في الإناء، ثم قال: حي على الطهور المبارك، والبركة من الله. فلقد رأيت الماء ينبع من بين أصابع رسول الله ﷺ ، ولقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل). فقوله ﵁: (كنا نعد الآيات بركة) يعني: كنا نعد الأمور الخارقات للعادات بركة (وأنتم تعدونها تخويفاً) أي أنه ينكر على من يسمعونه أو من كان يحدثهم أنهم كانوا يعدون جميع الخوارق تخويفاً. فقوله: (كنا نعد الآيات بركة) المقصود به: كنا نعد بعض الآيات بركة. وقوله: (وأنتم تعدونها تخويفاً) أي: وأنتم تعدونها كلها تخويفاً، فليست كلها تخويفاً، وليست كلها بركة، بل بعضها يكون تخويفاً، كما قال : ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء:٥٩]، وبعضها يكون بركة، كما في هذا الحديث المبارك. يقول الحافظ ابن حجر في الفتح: إن التحقيق يقتضي عد بعضها بركة من الله، كشبع الخلق الكثير من الطعام القليل، وبعضها تخويفاً من الله، ككسوف الشمس والقمر، كما قال ﵌: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله يخوفاً الله بهما عباده)، فكأن القوم الذين خاطبهم عبد الله بن مسعود ﵁ بذلك تمسكوا بظاهر قول الله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء:٥٩]. ثم قال ﵁: (كنا مع رسول الله ﵌ في سفر)، وهذا السفر يشبه أن يكون في غزوة الحديبية؛ لأن ثبوت نبع الماء كان في هذه الغزوة، كما جاء في بعض الأحاديث، وقد وقع مثل ذلك في غزوة تبوك، وقيل: إنه كان في غزوة خيبر. وفي بعض روايات الحديث: (كنا مع رسول الله ﷺ في غزوة خيبر، فأصاب الناس عطش شديد، فقال يا عبد الله! التمس لي ماءً. فأتيته بفضل ماء في إداوة) إلى آخر الحديث. وقد تكرر وقوع ذلك منه ﵌ حضراً وسفراً. قوله: (قال: اطلبوا فضلة من ماء. فجاءوا بإناء فيه ماء قليل) جاء من طريق ابن عباس ﵄ أنه قال: (دعا النبي ﷺ بلالاً بماء، فطلبه، فلم يجده، فأتاه بشن فيه إناء) وفي آخره: (فجعل ابن مسعود يشرب ويكثر) لأنه كان ماءً مباركاً، فجعل يشرب ويكثر، فكأن ابن عباس حمله عن ابن مسعود، وكأن القصة واحدة. وقد أمر النبي ﷺ أن يؤتى بفضلة من ماء، ولا شك في أن الله ﵎ قادر على أن يخلق له الماء بدون هذه الفضلة، فالله على كل شيء قدير، لكن أراد النبي ﵌ أن يبين لهم أن هذا الماء القليل يبارك الله ﵎ فيه بإذنه فيزيده ويكثره، ويكون الماء ينبع من أصابعه ﷺ ، حتى لا يتوهم متوهم أن البركة إنما هي من رسول الله ﷺ ، وإنما البركة من الله، كما جاء في نص الحديث: (البركة من الله)، لكنه طلب شيئاً قليلاً من الماء حتى يبين ابتداء أن خلقة هذا الماء من الله، والبركة -أيضاً- من الله، حتى لا يقع التباس عند بعض الناس في هذا الأمر، ولذا قال لهم: (حي على الطهور المبارك) ومعنى (حي) أي: هلموا وأقبلوا (إلى الطهور) المراد به هنا الماء، ويجوز أن نقول: الطُهور بالضم، والمقصود الفعل، أي: تطهروا. وقوله: (والبركة من الله) البركة مبتدأ و (من الله) خبر وهي إشارة إلى أن الإيجاد والخلق من الله ﵎. وفي بعض الروايات قال ابن مسعود: (فجعلت أبادرهم إلى الماء) أي: لما سمع النبي ﷺ يقول: (والبركة من الله) علم أن هذا الماء ماء مبارك، فجعل يسابق الصحابة ﵃ إلى الماء، يقول: (فجعلت أبادرهم إلى الماء أدخله في جوفي؛ لقوله ﷺ : والبركة من الله)، وفي حديث ابن عباس: (فبسط ﷺ كفه فيه فنبعت تحت يده عين، فجعل ابن مسعود يشرب ويكثر). يقول الحافظ ابن حجر ﵀: والحكمة في طلبه ﵌ في هذه المواطن فضلة الماء لئلا يظن أنه الموجد للماء، ويحتمل أن يكون إشارة إلى أن الله أجرى العادة في الدنيا غالباً بالتوالد، وأن بعض الأشياء يقع بينها التوالد، وبعضها لا يقع، ومن جملة ذلك ما نشاهده من فوران بعض المائعات إذا خمرت وتركت زماناً، ولم تجر العادة في ماء الصرف بذلك، فكانت المعجزة بذلك ظاهرة جداً. قوله: (ولقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل) أي: في عهد رسول الله ﵌. ففي الغالب أن هذا كان في عهد النبي ﵌. وله شاهد من طريق قيس بن أبي حازم قال: كان أبو الدرداء وسلمان إذا كتب أحدهما إلى الآخر قال له: (بآية الصحفة). كما نقول نحن: بأمارة كذا إذا كان الاثنان متفقين على شيء ولا يعلمه ذلك الرسول الذي يمشي بينهما. فكان أحدهما يقول للآخر: أعط فلاناً كذا وكذا بآية -يعني: بعلامة أو بأمارة- الصحفة. قال: (كان أبو الدرداء وسلمان إذا كتب أحدهما إلى الآخر قال له: بآية الصحفة، وذلك أنه بينا هما يأكلان في صحفة إذ سبحت). وجاء في الحديث: (مرض النبي ﷺ ، فأتاه جبريل بطبق فيه عنب ورطب، فأكل منه فسبح) يعني الطبق. قال الحافظ ابن حجر: وقد اشتهر تسبيح الحصى، ففي حديث أبي ذر ﵁ قال: (تناول رسول الله ﷺ سبع حصيات فسبحن في يده حتى سمعت لهن حنيناً، ثم وضعهن في يد أبي بكر ﵁ فسبحن، ثم وضعهن في يد عمر فسبحن، ثم وضعهن في يد عثمان فسبحن) وفي بعض الروايات: (فسمع تسبيحهن من في الحلقة) وفيه: (ثم دفعهن إلينا فلم يسبحن)، فهذه من الأشياء التي سبقت فيها بركة النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.

стр. 507

تأييد الله للنبي ﷺ بخوارق العادات جاء في الحديث الذي رواه ابن عمر ﵄ في البخاري قال: (كان النبي ﷺ يخطب إلى جذع -أي: إلى نخلة- في المسجد -أي: كان يعتمد على هذا الجذع أو يتكئ عليه وهو يخطب-، فلما اتخذ المنبر تحول إليه، فحن الجذع، فأتاه فمسح يده عليه، فلما أتى النبي ﵊ يوم الجمعة ليخطب مر على هذا الجذع وجاوزه إلى المنبر الذي اتخذ له، فلما رأى الجذع ذلك حن أي: أصدر صوتاً كصوت الطفل الصغير الذي يحن إلى أمه- حتى أتاه النبي - أي: أنه نزل من على المنبر- وضمه إليه، وأخذ يمسحه، حتى سكن). وفي رواية أخرى: عن جابر بن عبد الله ﵄: (أن النبي ﷺ كان يقوم يوم الجمعة إلى شجرة أو نخلة، فقالت امرأة من الأنصار -أو رجل-: يا رسول الله! ألا نجعل لك منبراً؟ قال: إن شئتم. فجعلوا له منبراً، فلما كان يوم الجمعة دفع إلى المنبر، فصاحت النخلة صياح الصبي، ثم نزل النبي ﷺ فضمها إليه، فجعلت تئن أنين الصبي الذي يسكن، فقال: كانت تبكي على ما كانت تسمع من الذكر عندها) أي: كانت تحن إلى الذكر الذي كانت تسمعه حين يخطب عندها النبي ﵌. وفي رواية أخرى عن جابر ﵁ قال: (كان المسجد مسقوفاً على جذوع من نخل، فكان النبي ﷺ إذا خطب يقوم إلى جذع منها، فلما صنع له المنبر قام عليه، فسمعنا لذلك الجذع صوتاً كصوت العشار، حتى جاء النبي ﷺ فوضع يده عليها، فسكنت). والعشار جمع عشراء، وهي الناقة التي انتهت في حملها إلى عشرة أشهر. فهذا كله تأييد لقول من يحمل قول الله ﵎: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء:٤٤] على ظاهره، وهذا هو الصحيح.

стр. 508

التبرك الممنوع وسيلة من وسائل انتشار البدع والشركيات قول النبي ﵊: (والبركة من الله) يحتاج إلى مزيد من التوضيح له ضمن هذه السلسلة التي هي تلخيص لبعض الدراسات المهمة. وهنا سنتكلم عن التبرك المشروع والممنوع، علماً أنَّ هذه المجموعة من الدراسات المفيدة النافعة تحمل اسم (رسائل ودراسات في منهج أهل السنة) للدكتور علي العلواني، ونظراً لندرة هذه الرسائل وعدم توافرها ولشدة الحاجة إليها في نفس الوقت نقوم بمحاولة نشرها بقدر المستطاع عن طريق هذه البنود. يقول الدكتور علي العلواني حفظه الله: إن التبرك بذوات الصالحين وآثارهم والتبرك بالأزمنة والأمكنة المرتبطة بهم قضية من أهم القضايا العقدية، كذلك الغلو فيها ومجانبة الصواب قد جر فئاماً من الناس قديماً وحديثاً إلى حظيرة البدع والخرافيات والشركيات. وهذا من قديم الزمان، فإن أهل الجاهلية الأولى الذين بعث فيهم رسول الله ﷺ كان من أسباب عبادتهم للأصنام التبرك بها، وطلب بركتها في الأموال والأمن والأولاد والأنفس، ثم لما دخلت البدع في هذا الدين عن طريق الزنادقة والمنافقين كان من وسائلهم لتحريف الدين الغلو في الأولياء والصالحين، والتبرك بقبورهم، وفي مقدمة هؤلاء الرافضة لعنهم الله، فهم من أولهم ظهوراً بعد بعثة رسول الله ﵌. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: ومن هنا أدخل أهل النفاق في الإسلام ما أدخلوه من باب التبرك والغلو في الدين. ويكفينا نحن في مصر أن مصر تتميز بقدر من البدع لا تحظى به كل البلاد الإسلامية، كباكستان وأفغانستان والبلاد البعيدة عن مبادئ الإسلام الأولى، فلنا في مصر بدع لا تكاد تجدها تنتشر في بلاد أخرى، خاصة مسألة بناء المساجد على القبور، وتعظيم المقابر بهذه الطريقة، والموالد، والمواسم، والأطعمة، والاشتغال بهذه الشكليات التي تنسي الناس جوهر الإسلام. وكل هذه البدع أو أغلبها إنما طرأ علينا في مصر بسبب شؤم الدولة الفاطمية الملحدة التي حكمت مصر ردحاً من الزمان. فنحن ابتلينا بهذه الدولة الرافضية الفاطمية الخبيثة، فإنها لما حكمت في مصر بثت هذه البدع، ولعل مما يشرف أهل الإسكندرية أن الإسكندرية هي المدينة الوحيدة التي استعصت على الفاطميين في فترة حكمهم وغزوهم العقدي للمسلمين في مصر. وعلى أي الأحوال فنحن نعيش بين هذه البدع، ونكتوي بنارها، كالغلو في أهل البيت، والغلو في الصالحين، وبناء المساجد على القبور، حتى إن العقائد السائدة عند الناس أنهم يعتقدون أن كل قرية لابد من أن يكون لها ولي يدفن في وسط المقابر لأجل أن يحمي القرية، والذين يعتقدون ذلك هم عامة الناس في الأرياف، ونرجو أن تنقطع هذه العقائد الآن بسبب دعوة الإخوة جزاهم الله خيراً. فيعتقدون أن كل بلدة تحمى وتحفظ بالولي المدفون فيها، والذي يعظم قبره وتشد إليه الرحال، حتى إن بعض الناس ألفوا كتباً ليوضحوا فضل مناسك الحج إلى هذه المشاهد وسموها (مناسك الحج)! ونرى فيها أنواعاً من الشرك التي تضاهي ملة إبراهيم ﵇ وتشابهها، وكأنه يحج إلى بيت الله العتيق، فتجد الطواف حول هذه القبور والأضرحة، مع أنها مؤسسة على لعنة رسول الله ﵊، ومؤسسة على غضب من الله ﵎؛ لأن الرسول ﵊ لعن الذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذر ما صنعوا، والأدلة في ذلك معروفة. وتجد أنهم يحجون إلى تلك الأضرحة كما يفعل الموحدون إذا حجوا إلى بيت ربهم ﵎. وتجد -أيضاً- أنهم يتبركون بهؤلاء الأنجاس الذين يعبدونهم من دون الله، وتجد الذبائح التي يهدونها إلى الميت وإلى القبور، وهذا عجل البدوي وهذا عجل فلان، ولا أحد يقربه أبداً، مثل ما عمل أهل الجاهلية حين جعلوا البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي، فعجل البدوي لا أحد يقربه ولا أحد ينتفع به؛ لأنَّه عجل البدوي! ويذبحون الذبائح للأنداد الذين اتخذوهم من دون الله ﵎، فنجد عندهم الطواف والذبح والحلق والنحر، وكل هذه الأشياء مضاهاة لما يفعله الموحدون أتباع ملة إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام. فالحقيقة أن هذه الأمور من أشد مظاهر غربة الإسلام في بلادنا وفي كثير من بلاد المسلمين، فإذا تتبعت منابع هذه الضلالات وهذه الشركيات فسوف تجدها تعود إلى جذور خبيثة منتنة، كما قال : ﴿وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾ [الأعراف:٥٨]. فهذا النكد أتانا من هؤلاء المبتدعين والمنافقين، فكثير من الناس لما أرادوا الطعن في الإسلام طعنوا فيه من خلال الغلو في الصالحين أو الغلو في أهل البيت. فالذي ابتدع دين الرافضة وأسس دين الرافضة هو يهودي خبيث اسمه عبد الله بن سبأ، وكان يقال له: ابن السوداء. ذلك الخبيث هو الذي أثار الفتن في المسلمين، وكان زنديقاً أظهر الإسلام وأبطن الكفر؛ ليحتال في إفساد دين المسلمين، كما احتال بولس في إفساد دين النصارى؛ لأن الذي أفسد دين النصارى هو بولس، وهو يهودي أيضاً. وقد سعى هذا اليهودي الخبيث -أعني ابن سبأ- في الفتنة بين المسلمين، حتى قتل عثمان ﵁، وكان هو ممن غذى هذه الفتنة، وكان يغذي فتنة الاقتتال بالكذب والدعاوى بين المسلمين، كما قال ﵎: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ [التوبة:٤٧]. ثم إنه لما تفرقت الأمة ابتدع ما ادعاه في الإمامة من النص والعصمة، وافترى فرية أخرى، هي أن كل نبي لابد له من أن ينص على إمام من بعده، وأن هذا الإمام يكون معصوماً، فهو الذي أسس للشيعة الرافضة دينهم الخبيث. وأظهر التكلم في أبي بكر وعمر، فهو الذي فتح باب الطعن في أبي بكر وعمر، وصادف ذلك قلوباً فيها جهل وغل وإن لم تكن كافرة، فظهرت بدعة التشيع التي هي مفتاح باب الشر، ثم لما تمكنت الزنادقة أمروا ببناء المشاهد وتعطيل المساجد، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.

стр. 509

لا اجتماع بين التوحيد والشرك في قلب واحد إن القلب لا يتسع للبدعة والسنة، ولا يتسع للتوحيد والشرك، فإذا دخل أحدهما خرج الآخر، فلا يجتمعان لأنهما نقيضان، فالقلب الذي يمحص وينقى ولا يكون إلا للتوحيد والسنة لا يطيق أبداً خلاف ذلك، وبقدر ما يدخل من البدع في القلب بقدر ما يذهب من نور السنة. والذي يرتبط بالقرآن كتاب الله، ويستقي الحكمة من كلام الله وكلام رسول الله ﵌ تجد تعظيمه للقرآن وحبه للقرآن وشعوره بحلاوة القرآن ولذة مناجاة الله ﵎ حين يتلو كلامه أعظم بكثير ممن أخذ من ذلك بحظ قليل ثم ملأ قلبه بالشعر وبأقوال حكماء اليونان وحكماء الهند وكلام الفلاسفة والشعراء، فهذا الذي يملأ قلبه بهذه الأشياء يكون تأثره بالحكم الإلهية والنبوية أقل. والإنسان حين يراقب نفسه وينقي نفسه ويكون عنده الاحتفال بعيدي المسلمين في يومين لا ثالث لهما: عيد الفطر وعيد الأضحى تجد شعوره بالفرحة في عيدي المسلمين -الأضحى والفطر- لا يكون كشعور من جعل بين كل عيد وعيد عيداً، كما يحصل في بلادنا من الأعياد السياسية، والأعياد الوطنية، والموالد الشركية، والبدع والضلالات، وكل يوم يطلع لنا فيه عيد معاندة لقول النبي ﷺ : (إن الله أبدلكم بهما عيدين: عيد الفطر، وعيد الأضحى) فالبدل لا يجتمع مع المبدل منه. والذي يحج إلى بيت الله الحرام فحسب، ويطوف بالكعبة فحسب، ويذبح لله فحسب هو إنسان توحيده أتم وأكمل وأنقى من هؤلاء الذين يتمرغون في الشرك ممن يحجون إلى البدوي والدسوقي، وتجد حب المرء من هؤلاء للكعبة ولبيت الله الحرام وللحج يضعف بلا شك؛ لأنه يعظم من دون الله هذه المشاهد وهذه القبور ويحج إليها، فأنت حين تطوف بالكعبة وحدها وحين تذبح الهدي لله فقط وحين تقف على عرفات وهكذا هل تستوي أنت ومن اتخذ من دون الله أنداداً، وطاف بقبورهم، وتمسح بأضرحتهم، وفعل هذه الشركيات التي ما أنزل الله بها من سلطان؟!

стр. 510

التبرك عند الرافضة يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: ثم لما تمكنت الزنادقة أمروا ببناء المشاهد وتعطيل المساجد، محتجين بأنه لا تصلى الجمعة والجماعة إلا خلف المعصوم. ولذلك فمن ابتلي برؤية الشيعة -أخزاهم الله- عند البيت الحرام أو في المدينة المنورة يجد أنه يخرج الموحدون المسلمون من المسجد النبوي -مثلاً- في صلاة الفجر وهؤلاء قادمون أفواجاً وراء أفواج من المقابر من البقيع، ولا يصلون مع المسلمين في المسجد! فهؤلاء هم -كما وصفهم ابن تيمية - الذين يهجرون المساجد ويعظمون المشاهد، فدينهم هو عبادة القبور والأضرحة والمقامات وغير ذلك، ولهم أيضاً كذلك تفاصيل في المناسك التي تؤدى عند هذه القبور. يقول شيخ الإسلام: محتجين بأنه لا تصلى الجمعة والجماعة إلا خلف معصوم، ورووا في عمارة المشاهد وتعظيمها والدعاء عندها من الأكاذيب ما لم أجد مثله فيما وقفت عليه من أكاذيب أهل الكتاب، حتى صنف كبيرهم ابن النعمان كتاباً في مناسك حج المشاهد، وكذبوا فيه على الرسول ﷺ وأهل بيته أكاذيب بدلوا بها دينه، وغيروا ملته، واتبعوا الشرك المنافي للتوحيد، فصاروا جامعين بين الشرك والكذب. انتهى كلام شيخ الإسلام.

стр. 511

التبرك عند طوائف الصوفية يقول الدكتور علي حفظه الله: ثم اقتبس أناس متصوفة من الرافضة التبرك بالمشائخ وقبورهم وآثارهم، فهذا البوصيري يرى أن من تبرك بتراب قبر النبي ﷺ كانت له طوبى، وطوبى شجرة في الجنة، فكيف يقال: طوبى بدون وحي؟! أليس الكلام في باب القطع؟ وهذا لابد من أن يقال من وحي المعصوم. يقول البوصيري: لا طيب يعدل ترباً ضم أعظمه طوبى لمنتشق وملتثم أي: ضم أعظمه ﵊. وقوله: (طوبى لمنتشق منه وملتثم) يعني بالملتثم من يأخذ هذا التراب ويقبله. أما أتباع الطريقة الرفاعية فقد ذكروا من بركات صاحب الطريقة ما يجل عن الوصف، من ذلك قوله في شعر: أنا الرفاعي ملاذ الخافقين فلذ في باب جودي لتسق الخير من ديمي إذا دعاني مريدي وهو في لجج من البحار نجا من حالة العدم فلو ذكرت بأرض لا نبات لها لأقبلت بصنوف الخير والنعم ولو ذكرت بنار قط ما لهبت ولو ذكرت بسفح غار من عظمي ولا يساوي الرفاعي في هذه البركات إلا الشيخ نقشبند شيخ الطريقة النقشبندية، الذي يقول عنه الشيخ محمد أمين الكردي: هو الغيث الأعظم، وعقد جود المعارف الأنظم، انزاحت بأنوار هدايته أعلام الأغوار، وعادت الأسرار ببركة أسراره للأخيار أعيان وأعوان الأخيار. أما شيخ البريلوية في الهند فإنه لا يرى بأساً بوضع تمثال لمقبرة الحسين في المنزل من أجل التبرك به. ومع انتشار العلم في هذا الزمن إلا أن هذا التبرك بالأشياخ وآثارهم وبالقبور وأصحابها لا يزال شائعاً منتشراً حتى بين من يحوزون أعلى الدرجات العلمية! وما الحجر الطيني المصنوع من تراب النجف الذي نرى حجاج الرافضة يحملونه معهم للسجود عليه في الصلاة إلا مظهر منحرف من مظاهر التبرك المحرم، وما قيام أصحاب الموالد أثناء قراءتهم للمولد وشربهم للماء الموضوع عند قارئ المولد إلا مظهر منحرف من مظاهر التبرك المحرم؛ إذ يعتقد بعضهم أن روح الرسول ﷺ حضرت قراءة المولد، وشربت من الماء الموضوع، ومن ثم فهم يتبركون ببقية الماء.

стр. 512

معنى التبرك وحقيقته قسم الدكتور علي قسّم البحث إلى بابين: الأول بعنوان: (التبرك المشروع) وتكلم فيه على التبرك المشروع بذات النبي ﷺ ، والتبرك المشروع بالأقوال والأفعال، والتبرك المشروع بالأمكنة، والتبرك المشروع بالأزمنة، والتبرك المشروع بالمطعومات وما في حكمها. ثم الباب الثاني تكلم فيه عن التبرك الممنوع، ومهد له أولاً بالتبرك عند أهل الجاهلية الأولى، ثم التبرك الممنوع بالأمكنة والجمادات، والتبرك الممنوع بالأزمنة، والتبرك الممنوع بذوات الصالحين وآثارهم. فنبدأ أولاً بذكر تمهيد في معنى التبرك وحقيقته. قال في اللسان: قال الليث في تفسير: ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ﴾ [الأعراف:٥٤]: يعني: تعظيم وتمجيد. وتبارك بالشيء أي: تفاءل به. وقال الزجاج في قوله تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ [الأنعام:٩٢] قال: المبارك: ما يأتي من قبله الخير الكثير. وقال أيضاً: تبركت به أي: تيممت به. وقال الراغب: البركة: ثبوت الخير الإلهي في الشيء. قال تعالى: ﴿لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف:٩٦]، وسمي بذلك لثبوت الخير فيه ثبوت الماء في البِرْكة؛ لأن الماء إذا كان في البركة يثبت فيها. كذلك البركة؛ لأن الخير في هذا الفعل مبارك يثبت فيه ولا يزول، ولما كان الخير الإلهي يصدر من حيث لا يحس على وجه قيل لكل ما يشاهد منه بطريقة غير محسوسة: هو مبارك، وفيه بركة.

стр. 513

التبرك يكون غالباً بالذي هو سبب البركة التبرك بالأشياء يكون غالباً بما كان سبب البركة فيه، وليس من الأسباب المعهودة للناس، من أجل ذلك كان يحرص الصحابة ﵃ على هذا كثيراً، فعندما أدخل الرسول ﷺ يده في الإناء ثم قال: (حي على الطهور المبارك!) و (البركة من الله) وكان الماء ينبع من بين أصابعه جعل عبد الله بن مسعود ﵁ يبادر الصحابة إلى الماء ويدخله في جوفه ويكثر من شربه؛ لقول رسول الله ﷺ : (والبركة من الله). وكذلك فعل أبو بكر الصديق ﵁ في قصة رواها البخاري في صحيحه عن عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄ قال: (إن أصحاب الصفة كانوا ناساً فقراء، وإن النبي ﷺ قال مرة: (من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث) يعني: من كان عنده طعام اثنين -كما لو كان هو وزوجته- فإنه يأخذ معه ثالثاً من أهل الصفة، قال (ومن كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامس أو سادس -أو كما قال- وإن أبا بكر جاء بثلاثة، وانطلق النبي ﷺ بعشرة، قال: فهو أنا وأبي وأمي -ولا أدري هل قال: وامرأتي- وخادم بين بيتنا وبين بيت أبي بكر) يعني أنها كانت تخدم بيت عبد الرحمن وبيت أبي بكر، وهذا معنى قوله: (خادم بين بيتنا وبين بيت أبي بكر). ثم إنَّ أبا بكر أخذ هؤلاء الضيوف وذهب بهم إلى البيت، ووكل ابنه عبد الرحمن أن يتولى قراهم وإطعامهم، فبعدما ذهب بهم أبو بكر إلى البيت رجع هو إلى النبي ﵌، فتعشى أبو بكر عند النبي ﵌، ثم لبث حتى صلى العشاء، وكان النبي ﵇ يحب تأخير صلاة العشاء، قال: (فلبث حتى تعشى رسول الله ﷺ ، فجاء بعدما مضى من الليل ما شاء الله، فقالت له امرأته - أم رومان -: ما حبسك عن أضيافك -أي: ما الذي أخرك على الضيوف-؟! قال: أو ما عشيتيهم؟! قالت: أبوا حتى تجيء. أي: رفضوا أن يأكلوا حتى تحضر وتجيء، فأهل بيت أبي بكر ﵁ عرضوا على الضيوف العشاء فرفضوا أن يأكلوا، وغلبوهم وأصروا. قال عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄: (فذهبت فاختبأت). وذلك خوفاً من عقوبة أبيه، أو أن يوبخه ويعنفه؛ إذ كيف يترك الأضياف إلى ذلك الوقت ولا يطعمهم، فخشي أن يتهمه بالتقصير في قراهم. قال: فذهبت فاختبأت، فقال: (يا غنثر) والغنثر هو: السقيم الوخم، وقيل: الجاهل والسفيه واللئيم. فقال لابنه يعاتبه: (يا غنثر. فجدع وسب) أي: دعا عليه بقطع أنفه أو غير ذلك، فاشتد على ابنه لهذا، ثم قال لأضيافه: (كلوا). وقال: (لا أطعمه أبداً) فحلف أبو بكر على أنه لا يأكل من هذا الطعام أبداً؛ لأنهم تأخروا بسببه هو حتى يعود. ثم قال: (وايم الله ما كنا نأخذ من اللقمة إلا ربا من أسفلها أكثر منها). أي: كلما بدأ الضيوف يأكلون اللقمة يخرج من أسفلها أكثر منها ببركة الله ﵎، فبارك الله في هذا الطعام، وكلما أخذ الضيوف لقمة يرون بعينهم زيادتها. يقول عبد الرحمن -وهو الجاني هنا-: وايم الله ما كنا نأخذ من اللقمة إلا ربا من أسفلها -يعني: كبر ونما وطلع من أسفلها- أكثر منها، حتى شبعوا -أي: شبع الضيوف-، وصارت أكثر مما كانت قبل) أي: صارت مزيدة ومباركة أكثر مما كانت قبل أن يأكلوا فنظر أبو بكر ﵁ وتعجب؛ لأن هذه كرامة. قال: (فنظر أبو بكر وتعجب مما حصل في هذا الطعام، فقال لامرأته: يا أخت بني فراس! ما هذا؟ فقالت: لا وقرة عيني، لهي الآن أكثر مما قبل بثلاث مرار. فأكل منها أبو بكر، وحنث في يمينه -أي: لأجل أن ينال بركة هذا الطعام المبارك- وقال: إنما كان من الشيطان -يعني: يمينه-. ثم حملها إلى النبي ﷺ فأصبحت عنده. قال: (كان بيننا وبين قوم عهد، فمضى الأجل ففرقنا اثني عشر رجلاً، مع كل رجل منهم أناس الله أعلم كم مع كل رجل). يعني أنهم كانوا أثني عشر رجلاً، ومع كل واحد منهم عدد كبير، قال: (فأكلوا منها أجمعون) أو كما قال. ولن نطيل في شرح الحديث، لكن موضع الشاهد فيه هو هذه البركة التي أنزلها الله في طعام أبي بكر كرامة لـ أبي بكر الصديق رضي الله ﵎ عنه. والشاهد هنا أيضاً: أن أبا بكر مع أنه كان حلف أن لا يأكل منها لما رأى هذه البركة حلت فيها حرص على أن يأكل منها؛ لأن البركة في الغالب تكون بأسباب غير الأسباب العادية، لذلك الصحابة كانوا إذا حصل شيء من هذا بادروا إليه. فالتبرك هو طلب البركة، أي: طلب الزيادة في الخير والأجر، وكل ما يحتاجه العبد في دينه ودنياه بسبب ذات مباركة أو زمان مبارك، وتكون هذه البركة قد ثبتت بوجود ذلك السبب ثبوتاً شرعياً، وتنال البركة منه بالكيفية التي شرعها النبي ﵌.

стр. 514

التبرك المشروع وأنواعه أما التبرك المشروع فهو أنواع:

стр. 515

التبرك بذات النبي ﷺ وآثاره فالنوع الأول من التبرك المشروع هو التبرك بذات النبي ﵌ وآثاره، فلا شك في أن ذات الرسول ﵌ ذات مباركة جعل الله ﵎ فيها بركة خاصة به ﵌، وكان الصحابة ﵃ يعرفون ذلك، كما روى البخاري في صحيحه عن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: (إن النبي ﷺ كان ينفث على نفسه في المرض الذي مات فيه بالمعوذات -أي: كان يرقي نفسه- فلما ثقل كنت أنفث عنه بهن، وأمسح بيد نفسه لبركتها) أي: بدل أن تقوم هي بقراءة المعوذات بيدها وتنفث فيها ثم تمسح عليه بيديها كانت تجمع يديه وتقرأ فيهما، ثم تمسح عليه بيديه الشريفتين ﵌. فـ عائشة ﵂ كانت تعرف بركة يد رسول الله ﷺ ، ولذا كانت تمسح بها على نفسه الشريفة، وهو ﷺ أقرها على ذلك، ولم يقل لها: لا فرق بين يدي ويدك. مما يدل على اختصاصه ﵌ بتلك البركة العظيمة، وأن تلك البركة العظيمة تنتقل بإذن الله إلى المتبرك الذي يعلم أنها من الله ﵎. وهذه البركة خص بها أفضل الخلق ﵌، كما ثبت في صحيح مسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ إذا صلى الغداة -أي: الفجر- جاء خدم المدينة بآنيتهم فيها الماء، فما يؤتى بإناء إلا غمس يده فيه، فربما جاءوه في الغداة الباردة فيغمس يده فيها ﵌ أي: يعملون هذا تبركاً بالماء الذي تدخل فيه يده الشريفة ﵌. وقال أنس: (لقد رأيت رسول الله ﷺ والحلاق يحلقه، وأطاف به أصحابه، فما يريدون أن تقع شعرة إلا في يد رجل) رواه مسلم في صحيحه. يعني: كان الحلاق إذا حلقه اجتمع الصحابة وأطافوا به حتى لا تكاد تسقط شعرة واحدة على الأرض، وهذا من حرص الصحابة على أن يقع هذا الشعر في أيديهم، فكانوا ويأخذونه ويتبركون به. وفي صحيح مسلم عن أنس ﵁ قال: (كان النبي ﷺ يدخل بيت أم سليم، فينام على فراشها وليست فيه، - وأم سليم كانت محرماً لرسول الله ﵌، كما بين ذلك الإمام النووي ﵀، قال: فجاء ذات يوم فنام على فراشها، فأتت فقيل لها: هذا النبي ﷺ نام في بيتك على فراشك. قال: فجاءت وقد عرق، واستنقى عرقه على قطعة أديم على الفراش، ففتحت عتيدتها -والعتيدة مثل الصندوق الصغير تجعل المرأة فيه ما يعز عليها من المتاع أو يندر- فجعلت تنشف ذلك العرق فتعصره في قوارير، ففزع النبي ﷺ ، فقال: ما تصنعين يا أم سليم؟! فقالت: يا رسول الله! نرجو بركته - أي: العرق - لصبياننا، فقال النبي ﷺ : أصبت). وفي رواية: (أدوف به طيبي) أي: أخلط به الند أو العطر الذي أستعمله. وفي صحيح البخاري عن ثمامة عن أنس: (أن أم سليم كانت تبسط للنبي ﷺ نطعاً، فيقيل عندها على ذلك النطع)، والنطع هو بساط من الجلد، وقوله: (يقيل عندها) يعني: ينام وقت القيلولة. وهو قبل صلاة الظهر، وليس كما يتصور بعض الناس أنه بعد صلاة الظهر، بل وقت القيلولة ما قبل صلاة الظهر. قال: (فإذا نام النبي ﵌ أخذت - يعني: أم سليم - من عرقه وشعره، فجمعته في قارورة، ثم جمعته في طست- والطست هو طيب مركب يضاف إليه غيره- وهو نائم). وأنس بن مالك هو ابن أم سليم. قال الراوي: (فلما حضرت أنساً الوفاة أوصى بأن يجعل في حنوطه من ذلك الطست) يعني: من ذلك الطيب أو الأطيبة التي يدهن بها الميت بعد أن يغسل بالماء. قال: (فجعل في حنوطه). قال أيوب عن ابن سيرين: فاستوهبت من أم سليم من ذلك الطست فوهبت لي منه. قال أيوب: فاستوهبت من محمد من ذلك الطست فوهب لي منه، فإنه عندي الآن. قال: ولما مات محمد حنط بذلك الطست. وأيضاً في نفس هذا الباب روى مسلم في صحيحه عن السائب بن يزيد قال: (ذهبت بي خالتي إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله! إن ابن أختي وجع. فمسح رأسي، ودعا لي بالبركة، ثم توضأ فشربت من وضوئه، ثم قمت خلف ظهره فنظرت إلى خاتم النبوة بين كتفيه مثل زر الحجلة) أي: أن خاتم النبوة كان بين كتفيه ﵌ مثل زر الحجلة، والحجلة واحدة الحجال، وهي: ساتر كالقبة لها أزرار كبار وعرى، وهي شيء كان يجعل للعروس في ثوبها مثل الستائر، فخاتم النبوة مثل الزر الذي كان يفعل للحجلة.

стр. 516

تبرك الصحابة ﵃ بوضوء النبي ﷺ وإجلالهم له ومن ذلك ما رواه البخاري في صحيحه في حديث صلح الحديبية وفيه: (ثم إن عروة بن مسعود جعل يرمق أصحاب النبي ﷺ بعينيه، يقول عروة بن مسعود: فوالله! ما تنخم رسول الله ﷺ نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره - أي: تسابقوا إلى طاعته والانقياد له-، وإن توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه -من شدة حرصهم على أن يأخذ كل منهم من هذا الماء الذي توضأ به ولمس جسده الشريف ﷺ وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر تعظيماً له). فهذه من آداب الصحابة مع النبي ﵌، حتى كان يقول عمرو بن العاص ﵁: إنه كان قبل أن يسلم لم يكن أحد أبغض إليه من رسول الله ﵌. ثم قال بعدما أسلم: (فلم يكن أحد أحب إلي منه، وما ملأت عيني منه تعظيماً له ﷺ ، حتى لو قيل: صف النبي ﷺ لما أطقت ذلك؛ لأني لم أكن أملأ عيني منه إجلالاً له ﷺ أي: لأنه كان لا يحد النظر إليه. فهذه من الآداب التي ينبغي أن تسلك، خاصة مع الوالدين أو مع كبار السن أو مع العلماء، ولا ينبغي أن يثبت الابن عينه في عين أبيه أو شيخه أو كبار السن، فينبغي أن يغض الإنسان الطرف أمام من ينبغي توقيرهم، فهذه من الآداب الشرعية، كما كان يفعل الصحابة ﵃، فالويل لهؤلاء الأبناء العاقين الذين ينظر أحدهم إلى أبيه كأنه هو الأب وكأن أباه هو الابن، وكأنه هو الذي يؤدب أباه، فقد يثبت الولد عينه في عين أبيه يقصد بذلك الزجر والشدة على أبيه، وهذا من العقوق، فصحيح أنه لا يتكلم، ولا يقول: أفٍ، لكن قد يكون أشد من الأف مثل هذه النظرات الثاقبة. وعن أبي موسى ﵁ قال: (كنت عند النبي ﷺ وهو نازل بالجعرانة بين مكة والمدينة ومعه بلال، فأتى النبي ﷺ أعرابي فقال: ألا تنجز لي ما وعدتني؟ فقال له: أبشر. فقال: قد أكثرت علي من (أبشر)) وعادة الأعراب أنهم لا يحسنون آداب الحوار، فهذا الأعرابي بشره النبي ﵊، ولعله كان طلب منه شيئاً فوعده بأنه سوف يملكه هذا الشيء، أو غير ذلك، فقال له (أبشر)، فرد عليه الأعرابي وقال: قد أكثرت علي من (أبشر). قال: (فأقبل على أبي موسى وبلال كهيئة الغضبان، فقال: رد البشرى! فاقبلا أنتما. قالا: قبلنا) فانظر كيف قالا: (قبلنا) دون أن يعرفا ما هي هذه البشرى! قال: (ثم دعا بقدح فيه ماء، فغسل يديه ووجهه فيه، ومج فيه -يعني: أخرج الماء من فمه بعدما مضمض- ثم قال: اشربا منه، وأفرغا على وجوهكما ونحوركما، وأبشرا. فأخذا القدح ففعلا، فنادت أم سلمة -وكانت ترقب هذا الموقف من وراء الستر- أن: أفضلا لأمكما -أي: لا تنسيا أمكما أم المؤمنين، وأبقيا لها ولا تأخذاه كله- فأفضلا لها منه طائفة) رواه البخاري.

стр. 517

حرص الصحابة ﵃ على اقتباس شيء من آثار النبي ﷺ ومن ذلك -أيضاً- ما حدث به عثمان بن عبد الله قال: (أرسلني أهلي إلى أم سلمة زوج النبي ﵌ بقدح من ماء -وقبض إسرائيل - أحد الرواة- ثلاث أصابع -من فضة- ومعناه أن القدح كان صغيراً بحجم الثلاث الأصابع- فيه شعر من شعر النبي ﵌، وكان إذا أصاب الإنسان عين أو شيء بعث إليها مِخْضَبَه، فاطلعت في الجلجل فرأيت شعرات حمراً). يعني: كان في هذا القدح شعرات من شعر النبي ﵌، والجلجل هو وعاء صغير يحفظ فيه الشعر. وروى البخاري -أيضاً- بسنده عن سهل بن سعد ﵁ قال: (جاءت امرأة إلى النبي ﷺ ببردة، فقال سهل للقوم: أتدرون ما البردة؟ فقال القوم: هي شملة. فقال سهل: هي شملة منسوجة فيها حاشيتها -يعني بطانتها-، فقالت: يا رسول الله! أكسوك هذه. فأخذها النبي ﷺ محتاجاً إليها -يعني أنه كان في حاجة إليها- فلبسها، فرآها عليه رجل من الصحابة ﵃ فقال: يا رسول الله! ما أحسن هذه! فاكسنيها. فقال: نعم) وكان من خلق النبي ﵊ أنه لا يرد سائلاً، وهو أولى بصفة الجود والكرم من ذلك الذي قيل فيه: هو البحر من أي النواحي أتيته فلجته المعروف والجود ساحله تراه إذا ما جئته متهللاً كأنك تعطيه الذي أنت سائله ولو لم يكن في كفه غير روحه لجاد بها فليتق الله سائله فأولى الناس بهذا الوصف هو رسول الله ﵊. فهذا الصحابي كان يعرف أن هذا من خلق النبي ﷺ ، ولكن كان له مأرب وغرض، فهو أراد أن يحرج النبي ﵇، ويعلم أنه سيقول له: خذها. فقال له: (ما أحسن هذه! فاكسنيها). أي: أعطني إياها؛ فإني أريد أن ألبسها. وهو يعرف أن الرسول ﷺ أخذها محتاجاً إليها. قال: (فقالت المرأة: يا رسول الله! أكسوك هذه؟ فأخذها النبي ﷺ محتاجاً إليها، فلبسها، فرآها عليه رجل من الصحابة ﵃ فقال: يا رسول الله! ما أحسن هذه! فاكسنيها، فقال: نعم. فلما قام النبي ﷺ لامه أصحابه) وانظر إلى الأدب، حيث لم يلوموه في حضور النبي ﵊، وإنما انتظروا حتى انصرف فلاموه ووبخوه وعنفوه، (فقالوا: ما أحسنت حين رأيت النبي ﷺ أخذها محتاجاً إليها ثم سألته إياها وقد عرفت أنه لا يسأل شيئاً فيمنعه. فقال: رجوت بركتها حين لبسها النبي ﷺ ؛ لعلي أكفن فيها) فهذه هي الخطة التي دبرها لأخذها، يعني أنه أراد أن يأخذ منه هذه البردة بعد أن تلامس جسد النبي ﵊ رجاء بركته ﷺ ، ولذا قال: (رجوت بركتها حين لبسها النبي ﷺ ؛ لعلي أكفن فيها) فيا ليتنا كنا هذا الرجل. فكل هذه الأحاديث الصحيحة وغيرها تدل على أن رسول الله ﵌ ذاته وما انفصل من جسده من شعر وعرق ولباس وما استعمله من الأواني قد جعل الله فيه من البركة ما يستشفى به، ويرجى بسببه الفائدة في الدنيا والآخرة، والواهب لهذا الخير والمعطي له هو رب السموات والأرض.

стр. 518

ذكر مذهب من يمنع التبرك بذات النبي ﷺ وآثاره يقول الدكتور علي العلواني حفظه الله: وهذه الأدلة المتكاثرة ترد ما ذهب إليه العلامة المحقق ناصر الدين الألباني حفظه الله في كتابه (التوسل أنواعه وأحكامه)؛ حيث قال: ولكن ثمة أمر يجب بيانه أو تبيانه، وهو أن النبي ﷺ وإن أقر الصحابة في غزوة الحديبية وغيرها على التبرك بآثاره والتمسح بها، وذلك لغرض مهم، وخاصة في تلك المناسبة، وذلك الغرض هو إرهاب كفار قريش وإظهار مدى تعلق المسلمين بنبيهم وحبهم له، وتفانيهم في خدمته، وتعظيم شأنه، إلا أن الذي لا يجوز التغافل عنه ولا كتمانه هو أن النبي ﷺ بعد تلك الغزوة رغب المسلمين بأسلوب حكيم وطريقة لطيفة عن هذا التبرك، وصرفهم عنه، وأرشدهم إلى أعمال صالحة خير لهم منه عند الله وأجدى، وهذا ما يدل عليه الحديث الآتي. وقبل أن نذكر الحديث نبين أنه اتضح أن جملة الأحاديث التي ذكرناها في التبرك بآثاره ﷺ ليست كلها في غزوة الحديبية، فالشيخ -رحمه الله تعالى- هنا إنما تكلم على ما حصل في غزوة الحديبية أمام المشركين حتى يظهر لهم تعظيم الصحابة للنبي ﷺ ، ويلق في قلوبهم الرعب، فإذا صح هذا في تلك الحادثة فماذا يكون الجواب عن الأدلة الأخرى التي لم تكن في غزوة الحديبية وأقر فيها النبي ﷺ الصحابة على التبرك بآثاره ﵌. يقول الشيخ ناصر حفظه الله: وهذا ما يدل عليه الحديث الآتي: عن عبد الرحمن بن أبي قراد ﵁: (أن النبي ﷺ توضأ يوماً، فجعل أصحابه يتمسحون بوضوئه، فقال لهم النبي ﷺ : ما يحملكم على هذا؟ قالوا: حب الله ورسوله) أي أن هذه من علامات المحبة، فكلما اشتدت المحبة تعلق الإنسان بآثار محبوبه، حتى إنه يهتم بأي شيء يحبه هذا المحبوب، كما قال الشاعر: ولقد أمر على الديار ديار ليلى أقبل ذا الجدار وذا الجدارا وما حب الديار شغفن قلبي ولكن حب من سكن الديارا وفي أخبار العشاق أن عاشقاً عشق السراويلات من أجل سراويل معشوقه، فوجد في تركته اثنا عشر حلاً وفردة من السراويلات. وعشق آخر الهاونات؛ من أجل صوت هاونة محبوبته، فوجد في تركته عدة آلات منها. أما أهل حب الله ورسوله ﷺ فيقول أحدهم: فيا ساكني أكناف طيبة كلكم إلى القلب من أجل الحبيب حبيب وهنا لما سألهم ﷺ عما حملهم على التبرك به قالوا: (حب الله ورسوله) فقال النبي ﷺ : (من سره أن يحب الله ورسوله أو يحبه الله ورسوله فليصدق حديثه إذا حدث، وليؤد أمانته إذا اؤتمن، وليحسن جوار من جاور). فانظر إلى هذا الحديث العظيم. وعلق الشيخ -رحمه الله تعالى- على هذا في الهامش بقوله: وهو حديث ثابت له طرق وشواهد في معجمي الطبراني وغيرهما، وقد أشار المنذري في الترغيب إلى تحسينه، يقول الشيخ: وقد خرجته في الصحيحة برقم (٢٩٩٨). انتهى هنا كلام الشيخ ناصر. والدكتور علي بعدما ذكر هذه الأدلة قال: إن هذه الأدلة ترد ما ذهب إليه العلامة الشيخ ناصر الدين الألباني حفظه الله. أي: ترد القول بتخصيص ذلك بالحديبية، وأنه ندبهم إلى ما هو أفضل من ذلك وأجدى لهم عند الله، وأن يشتغلوا بهذه الأعمال الصالحة. يقول: وترد -يعني هذه الأدلة- أيضاً ما ذكره الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ في حاشيته في كتاب (الاعتصام) حيث قال: ولم يعرف من الأحوال التي تبركوا فيها بفضل وضوئه ﷺ وبصاقه إلا يوم الحديبية. هذا غير صحيح، فالأدلة -كما ترى- ليست محصورة في صلح الحديبية، لكنها أعم من ذلك، كما ذكرنا. يقول الدكتور علي حفظه الله: وذلك لأن تبرك الصحابة ﵃ كما تقدم لم يختص بغزوة -يعني غزوة الحديبية-، ولم يعرف عن أحد من الصحابة ﵃ إنكاره، ولكن الذي أعجبني هو ما أشار إليه العلامة الألباني بقوله: هذا ولابد من الإشارة إلى أننا نؤمن بجواز التبرك بآثاره ﷺ ولا ننكره؛ خلافاً لما يوهمه صنيع خصومنا، ولكن لهذا التبرك شروط، منها: الإيمان الشرعي المقبول عند الله، فمن لم يكن مسلماً صادق الإسلام فلن يحقق الله له أي خير بسبب تبركه هذا. كما يشترط للراغب في التبرك أن يكون حاصلاً على أثر من آثاره ﷺ ويستعمله، ونحن نعلم أن آثاره ﵌ من ثياب أو شعر أو فضلات قد فقدت، وليس لأحد إثبات وجود شيء منها على وجه القطع واليقين، وإذا كان الأمر كذلك فإن التبرك بهذه الآثار يصبح أمراً غير ذي موضوع في زماننا هذا، فيكون أمراً نظرياً محضاً، فلا ينبغي إطالة القول فيه. انتهى كلام الشيخ ناصر الدين الألباني. يقول الدكتور علي: إنما ذكرت الأدلة على التبرك بذاته وآثاره ﵌ لتتضح الصورة الكاملة للتبرك الذي كان الصحابة يخصون به رسول الله ﷺ ، ولا يفعلونه مع أحد سواه، فالصحابة كانوا يتبركون فقط بالنبي ﷺ ، ولا يفعلون ذلك مع أحد سواه، كما سيأتي -إن شاء الله- فيما بعد في باب التبرك الممنوع. فهذا ما تيسر من ذكر النوع الأول من أنواع التبرك المشروع، وهو التبرك بالنبي ﵌ ذاته وآثاره، ونكمل البحث -إن شاء الله- في الدرس القادم. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، سبحانك -اللهم ربنا- وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

стр. 519

رسالة من غريق إنّ الهداية إلى هذا الدين القويم هي أعظم نعم الله على العبد، فإنها تخرج العبد من الظلمات إلى النور، من ظلمات التيه والاضطراب إلى نور اليقين والثبات، ومن ظلمات القلق والكآبة إلى نور الطمأنينة والانشراح، ومن ظلمات العبودية للدنيا ورذائلها وسفاسفها إلى نور العبودية لله الواحد القهار، ومن ظلمات الشهوات والشبهات إلى نور العزم وقوة الإرادة والبصيرة، ومن ظلمات الجهل إلى نور العلم. وقد لا يشعر العبد بعظمة هذه الهداية، فعليه أن يعتبر بمن افتقدها ممن يعيش في دياجير الجهل والشهوات والشبهات، وفي ظلمات التيه والاضطراب والشك؛ ليعرف مقدار هذه النعمة.

стр. 520

بين يدي الموضوع الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم! صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد. اللهم! بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أخي المسلم! روى أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: (ما طلعت شمس قط إلا بجنبتيها ملكان يناديان يسمعان من على الأرض غير الثقلين: أيها الناس! هلموا إلى ربكم، ما قل وكفى خير مما كثر وألهى. ولا غربت إلا بجنبتيها ملكان يناديان: اللهم! أعط منفقاً خلفاً، وأعط ممسكاً تلفاً). هذا الحديث رواه الطيالسي والإمام أحمد وابن حبان والحاكم والبغوي، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح. وقال محقق الأنواع والتقاسيم لـ ابن حبان: صحيح على شرط مسلم. وهذا الحديث فيه الدعوة إلى الإخبات إلى الله ، وعدم الانشغال بالدنيا، والاكتفاء منها بالقليل، (فإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى). وحديثنا عبارة عن موضوعين: الأول: تذكرة وموعظة، وجهها أحد إخواننا الأفاضل، وهو: الأخ مجدي الهلالي في رسالة له بعنوان: (رسالة من غريق)، وهي تعكس حال كثير منا، فكثير منا يحتاج إلى هذه التذكرة الوجيزة البليغة، ولذلك -إن شاء الله- نتواصى بها. الثاني: جواب سؤال يتعلق بحكم الاعتكاف في غير المساجد الثلاثة.

стр. 521

موعظة في ذم الدنيا والتحذير من الانغماس فيها يقول مجدي الهلالي: إن الناظر المتفحص لأحوالنا يجد الكثير منا قد جعل الدنيا أكبر همه ومبلغ علمه، يعدو وراءها ويلهث في سبيل تحصليها، كلما نال منها شيئاً ازداد طلبه لها وجريه وراءها علّه ينال منها أشياء أخرى، كما قال الشاعر: فما قضى أحد منها منالته ولا انتهى أرب إلا إلى أرب فالإنسان الذي يشتغل بالدنيا ويؤجل الأعمال الصالحة إلى أن يفرغ لا يمكن أبداً أن يفرغ؛ لأن آمال الدنيا لا تنتهي، ولا يقضي أحد وطره منها أبداً، فعليه أن يجعل الهموم هماً واحداً، وهو إرضاء الله ، فيتولى الله تيسير أمور دينه ودنياه. أما أحوالنا في الآخرة فتجارتها عندنا كاسدة، ولا يلتفت إليها إلا أقل القليل، مع أن المتأمل لآيات القرآن الكريم يجد أن الله -عند الحديث عن الآخرة- يحثنا على السعي الحقيقي إليها، فنتأمل تعبيرات القرآن، كقوله تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ [الذاريات:٥٠] فالذي يفر لا بد من أن يكون مسرعاً جداً، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:١٣٣]، وقال أيضاً: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [الحديد:٢١]، وقال أيضاً: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات:٦١]، وقال: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٦]، فهناك تنافس أمرنا به، وهناك تنافس نهينا عنه، فأما الذي أمرنا به فهو التنافس في الآخرة، وأما الدنيا فقد قال فيها ﵊: (ولا تنافسوا) يعني: في أعراض الدنيا. ومع ذلك فإنك تجد أغلب الناس يتنافسون في الدنيا، ويغفلون عن التنافس في الآخرة. وكذلك نجد أن الأمر بتحصيل الدنيا يرشد إلى أنه أهون وأبطأ، كما قال : ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك:١٥] فلم يقل: اسعوا، أو سابقوا، أو (وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ) ولم يقل أيضاً: (لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ)، ولم يقل فيها: سابقوا إلى الدنيا. وإنما قال: (فَامْشُوا) والمشي يكون أهون وأبطأ. وقال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ﴾ [الجمعة:١٠] وحينما تكلم عن صلاة الجمعة في أول الآيات قال تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:٩] أي: بادروا. وأما قوله: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ) فهو مجرد انتشار لطلب الرزق الحلال. والحقيقة الباقية والقائمة هي أن القلب لا يتسع أبداً للدنيا والآخرة معاً، فقد قال ﵌: (من أحب دنياه أضر بآخرته، ومن أحب آخرته أضر بدنياه، فآثروا ما يبقى على ما يفنى) فهما ضرتان، إذا أرضيت إحداهما أسخطت الأخرى، ومن ظن أنه سيرضي الاثنتين فقد ظن ما لا يقع أبداً ولا يكون، فإما أن نختار الدنيا وإما الآخرة.

стр. 522

حقيقة الزهد في الدنيا ليس معنى الكلام السابق الإعراض الكامل عن الدنيا، وفهم الزهد في الدنيا على أنه الفقر والحرمان والرغبة عنها بالمرة، بل حقيقة الزهد في الدنيا تجريد القلب عن محبتها، فالمسكنة التي يحبها الله من عبده والتي كان رسول الله ﷺ يطلبها في قوله: (اللهم! أحيني مسكيناً، وأمتني مسكيناً، واحشرني في زمرة المساكين) وكان رسول الله ﷺ يدعو الله أن يرزقه حبه، وحب من يحبه، وأن يرزقه حب المساكين، وأمره الله تعالى أن يلزم هؤلاء الذين يريدون وجه الله ، وأن لا يعرض عنهم إلى أصحاب الدنيا كما بين ذلك في أكثر من موضع في القرآن الكريم كقوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف:٢٨] المسكنة المقصودة هنا ليست مسكنة الفقر؛ لأن الفقر شيء مذموم، ويكفي في ذمه أن الرسول ﵊ قرنه بالكفر فقال: (أعوذ بك من الكفر والفقر) كما في أذكار الصباح والمساء، فإنّ المال عون على الدين، فإنه يؤدى به فرض الزكاة وغيرها من الفروض، ويستغنى به عن القرض، ويصان به العرض، فالمال -بلا شك- أمر مهم، ولكن المقصود بالمسكنة مسكنة القلب، وهي إخبات القلب وذله وخشوعه وتواضعه لله ، وهذه المسكنة لا تنافي الغنى، فيمكن أن يكون الإنسان غنياً مكتفياً وفي نفس الوقت يكون مسكيناً مستكيناً ذليلاً لله ، فليس هناك تلازم بين الفقر والمسكنة. فالزهد بينه الله ﵎ في قوله: ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ [الحديد:٢٣] هذا هو الزهد كما قال الجنيد رحمه الله تعالى. قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ [الحديد:٢٢ - ٢٣] أي: لا تأسوا على ما فاتكم من أمور الدنيا؛ ﴿وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ [الحديد:٢٣] فالزاهد لا يفرح من الدنيا بموجود، ولا يأسف منها على مفقود. قال الإمام أحمد في الزهد: هو عدم فرحه بإقبالها وحزنه على إدبارها. ويقول الإمام أحمد وقد سئل عن الرجل يكون معه ألف دينار هل يكون زاهداً؟ قال: نعم، على شريطة أن لا يفرح إذا زادت، ولا يحزن إذا نقصت. فليس الزاهد من لا مال عنده، وإنما الزاهد من لم يشغل المال قلبه وإن أوتي مثل ما أوتي قارون، فالتحذير إنما هو من تغلغل الدنيا في قلوب الناس، فتتحول نياتهم من عمل لرفعة الإسلام وعبادة الله إلى طلب جاه ومنصب ومال، فالمطلوب أن تكون الدنيا في يد الإنسان لا في قلبه. وقد ضرب بعض أخواننا مثالاً طيباً لتوضيح هذه الحقيقة فقال: الدنيا مثل السفينة، فالسفينة ما دام الماء خارجها تستطيع أن تمشي في البحر الخضم سالمة ناجية، أما إذا دخلها الماء واستقر داخلها فإنها تغرق وتهلك، فكذلك الدنيا، فإن أهم شيء أن لا يستقر حبها في قلب المؤمن، فإذا دخلت في القلب أفسدت عليه دينه، ولذلك يقول ﵊: (ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه) يعني أنّ حرص المرء على المال والشرف يفسد دينه أكثر مما يفسد الذئبان الجائعان اللذان أرسلا في غنم لا راعي لها، فكيف الظن بذئبين جائعين مطلقي الحرية في الفتك بهذه الغنم؟! فالفساد الذي يتحصل من وراء هذين الذئبين ليس أشد من الفساد الحاصل من حرص المرء على المال والشرف على الدين، فمكر الشيطان هو محاربتنا بسلاحنا، فيأتينا من حيث لا نتوقع. يقول: فالكثير منا عندما يعاب عليه انشغاله بالدنيا فإنك تجد الحجج والمعاذير والتبريرات التي لا تنتهي معدة جاهزة عنده سلفاً مثل السهام والصورايخ، فإذا قلت له: هون عليك، أو ما قاله ﵊: (إن روح القدس نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها، فاتقوا الله، وأجملوا في الطلب) يعني: هونوا عليكم في طلب الدنيا، ولا تستميتوا في طلبها. فتجد أنك إذا ذكرته بمثل هذا المعنى يسارع في الاستدلال بقول الله ﵎: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك:١٥]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف:٣٢]. والسعي في طلب الرزق يشغل في الإسلام حيزاً محدوداً، فلا يكون طلب الرزق هو كل ما يشغل الإنسان، فهذا أحد واجبات الفرد المسلم وليس كل واجباته. وقد يتشدق بعضهم بهذه المقولة التي يجعلها كأنها آية قرآنية، أو حديث عن المعصوم ﵊، وهي (العمل عبادة) أو (طلب الدنيا عبادة)، ومنهم من يحول بين المرءوسين أو العاملين عنده -سواء في مدرسة، أو في مصنع، أو في أي مكان- وبين الصلاة، فيقول لمن يريد الصلاة: نحن في عبادة. حتى لو خرجت الصلاة عن وقتها، وقد تؤدى الامتحانات ساعة صلاة الجمعة، ويقولون: العمل عبادة. وهذا من تلبيس إبليس على هؤلاء الجهلة، فالنفقة على الأهل وعلى الأولاد وطلب الرزق الحلال جزء من الواجبات على المسلم، وعندك الوقت كله، فكيف تنشغل عن الوقت الذي هو مخصص لأداء واجب الصلاة والله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء:١٠٣]؟! فالمسلم مطالب بإصلاح نفسه وتزكيتها، وتربية أهله، والعمل لدين الله من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم:٦]، ويقول الرسول ﷺ : (تعس عبد الدينار، وعبد الدرهم، وعبد الخميصة) فتجدهم منشغلين بجمع المال أو طلب الدنيا، ويتجرأ بعض الجهلة ويفتيهم بأنه إذا عاد أحدهم إلى البيت في المساء فإنه يجوز له أن يجمع كل الصلوات، فيجوز أن يُصلي الفجر والظهر والعصر والمغرب والعشاء جميعاً قبل أن ينام. ومما يؤسف له أن كثيراً من الناس ينخدعون بهذا الفتاوى المضلة، ويفعلون هذه الجريمة الكبرى، فهؤلاء آثمون قطعاً، ويجب عليهم أن يسألوا أهل العلم وأن يسألوا أهل الذكر ليبينوا لهم الحكم، فهذا ضلال مبين، وإخراج الصلاة عن وقتها بحجة طلب الدنيا من كبائر الذنوب، يقول ﵊: (تعس عبد الدينار، وعبد الدرهم، وعبد الخميصة، إن أعطي رضي، وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش، طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه، مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفع) رواه البخاري. يقول الأخ الفاضل هنا: هذه الرسالة أرسلها إلى كل مسلم أحاطت به الدنيا، فصار أسيراً لها تسيره كيف شاءت، أرسلها طالباً من الله أن تصله قبل فوات الأوان، وسماها: (رسالة من غريق). إنّ هذه الرسالة فيها الحُسن في التعبير، والصدق في الشعور، وكثير منا -بل أغلبنا- يحتاج لهذه التذكرة. يقول المرسل لهذه الرسالة: إخواني في الله! يرسل إليكم هذه الرسالة أخ لكم يعيش بينكم بآمالكم وآلامكم، هذا الأخ انتبه فجأة فوجد نفسه يغرق ويغرق، ونظر حوله فوجد الكثير منكم مثله يغرقون، وعندما حدق النظر فيهم وجدهم جميعاً في ظروف واحدة، ومناخ مشترك، ووجد أغلبهم متزوجاً، أو تخرج من الجامعة وانشغل بالوظيفة، فعلم أن سبب غرقه وغرقهم يرجع إلى الانغماس في الدنيا، فهو ينام على تفكير في الرزق والأولاد والسفر إلى آخره، ويستيقظ على موعد العمل لا على موعد الصلاة، وفوجئ أنه لا يحافظ على صلاة الفجر التي قال عنها رسول الله ﷺ فيما رواه مسلم: (ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها)، وأما بقية الصلوات فالخشوع فيها نادر، والدنيا قد استولت على قلبه. فعندما أراد صاحبنا أن يتذكر آخر يوم صامه تطوعاً خانته ذاكرته، وعندما أراد أن يتذكر آخر ليلة قامها فوجئ أنها في رمضان، وبحث عن مصحفه فوجد أن التراب يعلوه، ونظر إلى مكتبته فأحس أن الكتب تبكي من إهمالها، وتشكو إلى الله التراب الذي يعلوها. وتأمل حاله فوجد أنه لا يذكر الله إلا في المناسبات، وفي صباح يوم من الأيام استيقظ على وفاة أحد أقرانه الذي كان يتمتع بصحة جيدة، ولا توجد أي أمراض عنده، وذهب مع الأهل والأقارب لدفنه، وعندما حانت لحظة إدخاله القبر وإهالة التراب على وجهه هزه هذا المنظر هزاً عنيفاً، وزلزل كيانه، وجعله يفيق من غفوته، ويستيقظ من سباته، ويتذكر أنه لا بد من دخول هذا القبر الموحش الذي لا أنيس فيه إلا العمل الصالح. فانتبه صاحبنا فوجد نفسه يغرق في الدنيا، فبكى على نفسه وانتحب، وتذكر حاله في بداية طريقه إلى الله وأثناء الدراسة الثانوية والجامعية، لقد كان محافظاً على الصلوات في المسجد خصوصاً صلاة الفجر، وكان المصحف لا يغادر جيبه إلا عند دخول الخلاء، ولم يكن يمر الأسبوع إلا ويكون قد صام فيه، وكانت له مع الليل وقفات يناجي فيها ربه ، فما الذي حدث؟

стр. 523

بداية النكوص عند كثير من الناس تذكر الأخ أن بداية التدهور في حاله كانت بعد التخرج من الجامعة، وعندما أصبحت عليه تكاليف معيشية، وأعباء مالية، وتطلعات مستقبلية، فعليه أن ينفق على نفسه، وعليه أن يتزوج، وعليه أن يعد المسكن، فإذا أعده فعليه أن يزوده بالثلاجة وسائر الكماليات، وعليه وعليه، فبدأ يتنازل تدريجياً عن طاعات كان يؤديها، وزين له الشيطان سوء عمله، وأنها فترة قصيرة وستنقضي، ولكنها طالت وطالت، وأصبح التنازل صفته، وكل يوم تزداد الدنيا تزيناً له، فأصبح يعمل في وظيفة من الصباح حتى العصر، ويرجع إلى بيته في وقت الغداء، ويرجع بعد العصر لوظيفة أخرى حتى العشاء، وأخرى من بعد العشاء حتى الحادية عشرة أو الثانية عشرة ليلاً، ثم يعود إلى البيت وهو يحلم بالسرير لكي يرتمي عليه، وينام حتى يستيقظ على عمله في الصباح، وهكذا كل يوم. وانطبق عليه قول القائل: نرقع دنيانا بتمزيق ديننا فلا ديننا يبقى ولا ما نرقع وأصبح الذي يربطه بالإسلام هو مظهره إن كان يحافظ عليه، وصلاته التي يعلم الله مدى خشوعها، أما بقية يومه فللدنيا. وعندما انتبه هذا الأخ إلى حاله، وفوجئ بهذا الواقع المرير، علم أنه سائر في طريق الهلاك لا محالة، فربما ترك الصلاة كما ترك ما قبلها، وربما تخلص من مظهره الإسلامي كما تخلص من أشياء كثيرة كان يظن سابقاً أنه من المحال التنازل عنها. وعندئذ انتابت هذا الأخ موجة شديدة من الأسى والحزن على نفسه، فتناول أحد كتب الرقائق من مكتبته، فإذا به يرى أطباء القلوب قد شخصوا هذا المرض منذ ظهوره، فيقول الإمام الغزالي رحمه الله تعالى: فمن العجائب أننا إذا أردنا المال في الدنيا زرعنا وغرسنا واتجرنا، وركبنا البحار والبراري، وخاطرنا، واجتهدنا، وتعبنا في طلب أرزاقنا، ولا نثق بضمان الله لنا، ثم إذا طمحت أعيننا نحو الملك الدائم المقيم قنعنا بأن نقول بألسنتنا: اللهم اغفر لنا وارحمنا! والذي عليه رجاؤنا وبه اعتزازنا ينادينا ويقول: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم:٣٩]، ويقول: ﴿وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [لقمان:٣٣]، ويقول: ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ [الانفطار:٦]. يعني: إذا كان طلب الرزق الذي هو مضمون تكد وتتعب، وإذا قال لك أحد: هون عليك فإن الرزق مضمون فإنك تقول له: كل شيء بسبب فتسعى وتكد، فكذلك في الآخرة -أيضاً- لا بد من أخذ هذه الأسباب، خاصة أن الله لم يضمن لك الجنة، ولكن قال: (وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى). يقول: كل ذلك لا ينبهنا، ولا يخرجنا من أودية غرورنا وأمانينا، وصدق الشاعر عندما قال: أرى رجالاً بأدنى الدين قد قنعوا وما أراهم رضوا في العيش بالدون فاستغن بالدين عن دنيا الملوك كما اسـ ـتغنى الملوك بدنياهم عن الدين قال الحسن: المبادرة المبادرة، فإنما هي الأنفاس لو حبست انقطعت عنكم أعمالكم التي تتقربون بها إلى الله ؛ فرحم الله امرأ نظر إلى نفسه، وبكى على عدد ذنوبه.

стр. 524

موعظة أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه للتابعين يقول: وإذا بصاحبنا يقرأ كلمة قالها الصحابي الجليل أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه، الذي عاش فترة مع التابعين فرأى حالهم أقل من حال الصحابة، فنصحهم نصيحة أحس هذا الأخ أنها موجهة إليه وإلى الإخوة في عصرنا هذا، قرأ هذا الأخ كلمة أبي الدرداء ﵁، فإذا به يقول فيها: قال رسول الله ﷺ : (لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً، ولهانت عليكم الدنيا، ولآثرتم الآخرة)، ثم قال أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه من قِبَل نفسه: لو تعلمون ما أعلم لخرجتم إلى الصعدات -أي: إلى الطرقات- تجأرون وتبكون على أنفسكم، ولتركتم أموالكم لا حارس لها، ولا راجع إليها إلا ما لا بد لكم منه، ولكن يغيب عن قلوبكم ذكر الآخرة، وحضرها الأمل فصارت الدنيا أملك بأعمالكم، وصرتم كالذين لا يعملون، فبعضكم شر من البهائم التي لا تدع هواها مخافة مما في عاقبته، مالكم لا تحابون ولا تناصحون وأنتم إخوان على دين الله،؟! ما فرق بين أهوائكم إلا خبث سرائركم، لو اجتمعتم على البر لتحاببتم. مالكم تناصحون في أمر الدنيا، ولا تناصحون في أمر الآخرة، ولا يملك أحدكم النصيحة لمن يحبه ويعينه على أمر آخرته؟! ما هذا إلا من قلة الإيمان في قلوبكم، ولو كنتم توقنون بخير الآخرة وشرها كما توقنون بالدنيا لآثرتم طلب الآخرة؛ لأنها أملك لأموركم. فإذا قلتم: حب العاجلة غالب فإنا نراكم تدعون العاجلة من الدنيا للآجل منها، تكدون أنفسكم بالمشقة، والاحتراف في طلب أمر لعلكم تدركونه، فبئس القوم أنتم، ما حققتم إيمانكم بما يعرف به الإيمان البالغ فيكم، فإن كنتم في شك مما جاء به محمد ﷺ فأتونا لنبين لكم ولنريكم من النور ما تطمئن إليه قلوبكم. والله ما أنتم بالمنقوصة عقولكم فنعذركم. أي أنّ عقولكم كاملة، وتستطيعون إعمالها في البحث عما يصلحكم. قال: إنكم تستبينون صواب الرأي في دنياكم، وتأخذون بالحزم في أموركم، فما لكم تفرحون باليسير من الدنيا تصيبونه، وتحزنون على اليسير منها يفوتكم حتى يتبين ذلك في وجوهكم. يعني: إذا خسر الإنسان مالاً يسيراً جداً يحزن عليه حزناً شديداً، وإذا اكتسب مالاً يسيراً جداً فإنه يفرح فرحاً شديداً. قال: ويظهر على ألسنتكم، وتسمونها بالمصائب، وتقيمون فيها المآتم، وعامتكم قد تركوا كثيراً من دينهم، ثم لا يتبين ذلك في وجوهكم. أي: إذا قصر في الدين لا يقيم مأتماً، ولا يحزن، ولا ينفعل، ولا يتغير حاله، كما قال أبو بكر بن عياش: مسكين محب الدنيا؛ يسقط منه درهم فيظل نهاره يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون. وينقص عمره ودينه ولا يحزن عليه! تراه إذا مرت عليه سنة جديدة يقيم حفل عيد ميلاد، ولو فقه لأقام مأتماً؛ لأن ذلك معناه أنه يقترب من القبر أكثر، فهو يولد بقدر محدد من العمر والأيام والأنفاس، فالعمر ما هو إلاّ أَنْفُس، والمسكين يقيم احتفالاً يسميه حفل عيد الميلاد، وهو لو فقه لكانت هذه مناسبة غم وهم؛ لأنّه يقترب بذلك إلى القبر والآخرة. وصدق الشاعر إذْ يقول: فطنٌ بكل مصيبة في ماله وإذا يصاب بدينه لم يشعر ويقول أبو الدرداء: إني لأرى الله قد تبرأ منكم، يلقى بعضكم بعضاً بالسرور، وكلكم يكره أن يستقبل صاحبه بما يكره. يعني أنّ الواحد منكم يبش في وجه الآخر، وليس فيكم من يتمعر وجهه غضباً إذا رأى على أخيه معصية، ويخاف أنه إذا أنكر عليه ونصحه في دينه أنه سيفقد صحبته، أو يعكر عليه صفوته، وبالتالي يؤثر هذا في المودة التي بينهما، فيداهن بعضهم بعضاً، ويدافع معور عن معور، فكل واحد فيه عيب، فيخاف أنّه إذا نصح أخاه فسيأخذ عليه أخوه عيباً من عيوبه، وحينئذٍ يكون هناك تعايش سلمي وحياد، فلا يتدخل أحد في نصيحة الآخر حتى ولو كان ذلك على حساب الدين. يقول: إني لأرى الله قد تبرأ منكم، يلقى بعضكم بعضاً بالسرور، وكلكم يكره أن يستقبل صاحبه بما يكره مخافة أن يستقبله صاحبه بمثله، فاصطحبتم على الغل، ونبتت مراعيكم على الدمن، وتصافحتم على رفض الأجل، ولوددت أن الله تعالى أراحني منكم وألحقني بمن أحب رؤيته، ولو كان حياً لم يصابركم، فإن كان فيكم خير فقد أسمعتكم، وإن تطلبوا ما عند الله تجدوه يسيراً، وبالله أستعين على نفسي وعليكم. يقول الكاتب: فانزعج الأخ من هذه الوصية؛ لأنه علم أنه هو المقصود بها، وكثير من إخوانه كذلك، فبكى على نفسه، وانهمرت دموعه على خديه، وترك نصيحة أبي الدرداء بعد أن زلزلته، فإذا به يقرأ نصيحة سيد التابعين الحسن البصري ﵀ وهو ينصح الناس، ويصف داءهم بقوله: أيها العبد الآبق! عُد إلى مولاك، فإن مولاك يناديك بالليل والنهار: (من أتاني يمشي أتيته هرولة) وأنت عنه معرض، وعلى غيره مقبل، لقد هُضمت كل الهضم، وخسرت أكبر الخسران. انتبه أيها الغافل؛ فإنما أنت أيام معدودة، فإذا ذهب يوم ذهب بعضك، ويوشك إذا ذهب البعض أن يذهب الكل، وأنت تعلم فاعمل، فاليوم عمل ولا حساب، وغداً حساب ولا عمل. يقول: فاشتد انتحاب صاحبنا على نفسه وعلا صوت نشيجه، وإذا به يسمع صوتاً يقرأ قوله تعالى: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ) فهتف صاحبنا بأعلى صوته وهو يبكي: بلى لقد آن يا رب، لقد آن يا رب. وتغيرت معالم حياة هذا الأخ بعد هذه اللحظة، فبدأ في تنظيم أوقاته، وبدلاً من أن يجعل لله أوقات فراغه وضع لنفسه أوقاتاً ثابتة للقرآن، وبدأ يحافظ على الطاعات من صيام وقيام ونحوها، وعاد مرة أخرى إلى دروس العلم في المساجد، وبدأ يأنس بذكر الله ويتحين الأوقات لكي يخلو بالله ويناجيه. ونظر صاحبنا بعد فترة من هذا التغيير إلى دنياه، فوجد أنه قد أصبح يرضى بالقليل، ووجد البركة في هذا القليل، وبدلاً من أن يتعامل مع الأسباب وكَلَ أمره إلى الله، واثقاً أن الرزق بيده، وتذكر صاحبنا حديث رسول الله ﷺ : (يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار، فيصبغ في النار صبغة، ثم يقال له: يا ابن آدم! هل رأيت خيراً قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله يا رب. ويؤتي بأشد الناس بؤساً في الدنيا من أهل الجنة، فيصبغ صبغة في الجنة، فيقال له: يا ابن آدم! هل رأيت بؤساً قط؟ هل مرت بك شدة قط؟ فيقول: لا والله يا رب! ما مر بي بؤس قط، ولا رأيت شدة قط)، فحمد الله أنه بدأ في العودة إلى طريق أهل الجنة قبل فوات الأوان. ثم نظر إلى تجارب السابقين، فعلم أن أي إنسان مهما أوتي من تقوى وعلم فلن يستطيع أن يسير بمفرده، إلا من رحم الله، فرسول الله ﷺ يقول: (الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد)، فعلم أنه لا بد لكل أخ ينشد التحسن والازدياد في دينه أن يتخذ لنفسه مجموعة من الإخوة مهما صغر عددها من ذوي الهمة العالية في أمور الدين، فيعين بعضهم بعضاً على الطاعات، ويتواصون فيما بينهم على الذكر والصيام والقيام والإنفاق واجتناب المحرمات، وإذا نسي أحدهم شيئاً ذكره الآخرون. فمضى صاحبنا يبحث فيمن حوله من الإخوة عن هذه النظرية التي كان يظن قبل هذه الصحوة أنها غير موجودة، ضاناً أن كل الإخوة مثله، ودعا الله أن يعينه في العثور عليهم، فوجدهم وفوجئ بأنهم قريبون منه، ولكن كانت الغشايات تملأ عينيه، وهي التي حالت دون رؤيتهم من قبل، فأسرع إليهم، وطلب منهم قبوله بينهم، فرحبوا به، فحمد الله تعالى لأنه بهذا قد بدأ في انتشال نفسه من الغرق. لكن الألم لم يفارق قلبه؛ لأنه تذكر أن إخواناً كثيرين منكم لا يزالون غارقين كما كان غارقاً من قبل، فآثر أن يكتب تجربته لعل هؤلاء الغرقى ينتبهون لمصيرهم قبل فوات الأوان، قال الشاعر: نهارك يا مغرور سهو وغفلة وليلك نوم والردى لك لازم يغرك ما يفنى وتُشغل بالمنى كما غر باللذات في النوم حالم وتُشغل فيما سوف تكره غبه كذلك في الدنيا تعيش البهائم وقال الآخر: ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها إن السفينة لا تجري على اليبس يوم القيامة لا مال ولا ولد وضمة القبر تنسي ليلة العرس فهلموا -يا إخواني- لنخرج الدنيا من قلوبنا، فنجعلها في أيدينا، ولنجدد العهد مع الله، ولنحاول اللحاق بالركب، فإن من جد وجد، وليس من سهر كمن رقد. عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة).

стр. 525

بعض نصائح السلف في ذم الدنيا والركون إليها ثم يختم المؤلف النصيحة ببعض الأخبار عن الصحابة والتابعين والسلف الصالح رحمهم الله تعالى فيقول: (قدم سعد بن أبي وقاص على سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنهما يعوده، فبكى سلمان، فقال له سعد: ما يبكيك يا أبا عبد الله؟! توفي رسول الله ﷺ وهو عنك راض، وترد عليه الحوض، وتلقى أصحابك. فقال: ما أبكي جزعاً من الموت، ولا حرصاً على الدنيا، ولكن رسول الله ﷺ عهد إلينا عهداً فقال: ليكن بلغة أحدكم من الدنيا كزاد الراكب -يعني: كالمتاع الذي يصطحبه الراكب المسافر- وحولي هذه الأساودة. قال: وإنما حوله إجانة وجفنة ومطهرة. فقال سعد: اعهد إلينا. فقال: يا سعد! اذكر الله عند همك إذا هممت، وعند يديك إذا قسمت، وعند حكمك إذا حكمت). وقال مطرف: كأنّ القلوب ليست منا، وكأن الحديث يُعنى به غيرنا. يعني أنّ حالنا عند سماع المواعظ: كأن قلوبنا التي في صدرونا ليست جزءاً من أبداننا بل هي كيان آخر مستقل بعيد لا يحس، وكأن الحديث يُعنى به غيرنا، أي: يخاطب به غيرنا ولسنا المخاطبين به. وقال عمرو بن مرة: من طلب الآخرة أضر بالدنيا، ومن طلب الدنيا أضر بالآخرة، فأضروا بالفاني للباقي. وقال شعيب بن حرب: من أراد الدنيا فليتهيأ للذل. وقالت ابنة الربيع بن خثيم: يا أبتاه! مالي أرى الناس ينامون ولا تنام؟ فقال: إن جهنم لا تدعني أنام. وكان منصور بن المعتمر يصلي على سطح بيته، فلما مات قال غلام لأمه: يا أماه! الجذع الذي كان على سطح آل فلان لست أراه! قالت: يا بني! ليس ذاك بجذع، ذاك منصور قد مات! فقد تعود الغلام أن يراه قائماً مثل الجذع من شدة إطالته للقيام وسكونه وعدم تحركه. وهنا شيء مهم نستطيع أن نستنبطه من هذا الخبر، وهو أن السلف الصالح رحمهم الله تعالى كانوا يحققون فعلاً نصيحة النبي ﵊: (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)، فقد مكث منصور تلك السنوات الطويلة وهو يقف على السطح يصلي، ويراه هذا الغلام كأنه جذع، فلا الغلام سأل، ولا أمه تكلمت في شأنه فمعنى ذلك أنه لم يكن هناك تدخل في أحوال الناس، ولم يكن أحدهم يتدخل فيما لا يعنيه، فلم يسأل هذا الغلام أمه إلا حين انقطع وجود ذلك الجسم الذي ظنه جذعاً، فأجابته أمه حينئذ، فهذا مما يدل على اجتهاد السلف في عدم الدخول فيما لا يعنيهم، بينما نرى أبناء هذا الزمان يدخل الواحد منهم في كل ما لا يعنيه من أحوال إخوانه أو جيرانه، وهذا مما ينافي قول النبي ﵊: (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه). وقال سفيان الثوري: إني لأضع يدي على رأسي من الليل إذا سمعت صيحة فأقول: قد جاءنا العذاب. وذلك من شدة خوفه أن يحل عذاب الله بالناس. وكان بعض السلف إذا استيقظ في الصباح يتحسس أعضاءه مخافة أن يكون قد مُسخ! وقال آخر: كنت إذا وجدت من قلبي قسوة نظرت إلى وجه محمد بن واسع رحمه الله تعالى نظرة، وكنت إذا رأيت وجهه حسبت أن وجهه وجه ثكلى، يعني: وجه امرأة مات ابنها فهي حزينة شديدة الحزن عليه، وهذا من خوفه من الآخرة. إنّا لنفرح بالأيام نقطعها وكل يوم مضى يدني من الأجل فاغنم لنفسك قبل الموت مجتهداً فإنما الربح والخسران في العمل فالدنيا تجري بنا بسرعة أكبر مما نتخيل، والعمر يجري ولا يشعر الإنسان به، فينبغي أن يتفطن الإنسان لهذا. ومَثَل الإنسان في هذه الدنيا كالشخص الذي يكون في الطائرة وهو جالس ساكن، وهو في الحقيقة متحرك يقطع مسافات بعيدة جداً، فيوشك ذلك الإنسان أن يصل، فكل ما هو آت قريب، والبعيد هو الذي لا يأتي، وهذا يجربه الإنسان، فإنه إذا كان عنده موعد أو اختبار أو أي شيء بعد فترة معينة فما أسرع ما تمر الأيام، وإذا بذلك الموعد قد جاء، وكذلك الموت، وهو أعظم مصيبة، كما قال الشاعر: والموت أعظم حادث مما يمر على الجبلّة فينبغي الاستعداد والتهيؤ لهذا الموعد الذي لا يستطيع أحد أن ينكره. يقول الحسن: نضحك ولعل الله اطلع على بعض أعمالنا فقال: لا أقبل منكم شيئاً. أي: نضحك ونحن لا ندري هل الله راضٍ عنا أم ساخط علينا، ونفرح بالأفلام الكوميدية ونضحك ضحكاً متواصلاً لمدة ساعتين أو ثلاث ساعات، وننظر البرامج الفكاهية والنكت والأفلام والمسرحيات والكرة ونضحك، وكأن ليس وراءنا موت، وكأن ليس وراءنا حساب ولا عذاب! وهناك أمر قضاه الله وقدره وأقسم وحلف عليه، فلا بد من أن يقع، فقد قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم:٧١ - ٧٢] ومعنى (نذَر) أي: نترك. فمعنى ذلك أنهم كلهم يوردون على النار ثم يستقر أهل النار، وينجو المتقون، جعلنا الله وإياكم منهم. قال الحسن قال رجل لأخيه: هل أتاك أنك وارد النار -يشير إلى الآية؟ - قال: نعم. قال: فهل أتاك أنك صادر عنها -أي: هل عندك ضمان أنك ستخرج منها؟ - قال: لا، قال: ففيم الضحك؟ فبكى ولم ير ضاحكاً بعد ذلك حتى مات. وقال محمد بن واسع رحمه الله تعالى: لو كان يوجد للذنوب ريح ما قدرتم أن تدنوا مني من نتن ريحي. وكان مالك بن دينار رحمه الله تعالى يقول: واعجباً لمن يعلم أن الموت مصيره، والقبر مورده، كيف تقر بالدنيا عينه؟! وكيف يطيب فيها عيشه؟! وجاء محمد بن واسع إلى مالك بن دينار فقال: يا أبا يحيى! إن كنت من أهل الجنة فطوبى لك، فقال: ينبغي لنا إذا ذُكرت الجنة أن نخزى. يعني: لسنا من أهلها، ولسنا نستحقها. وكان مالك بن دينار رحمه الله تعالى يقول: لو استطعت ألا أنام لم أنم؛ مخافة أن ينزل العذاب وأنا نائم، ولو وجدت أعواناً لفرقتهم ينادون في الدنيا كلها: يا أيها الناس! النار النار. ويقول عبد الرحمن بن مهدي رحمه الله تعالى: لو قيل لـ حماد بن سلمة: إنك تموت غداً ما قدر أن يزيد في العمل شيئاً. أي أنه بلغ في الاجتهاد في طاعة الله حداً لا مزيد عليه، فما يضيع من وقته لحظة واحدة. وقال رجل للحسن: يا أبا سعيد! كيف حالك؟ فتبسم الحسن وقال: تسألني عن حالي؟ ما ظنك بناس ركبوا سفينة حتى توسطوا البحر فانكسرت سفينتهم، فتعلق كل إنسان منهم بخشبة، على أي حال يكونون؟! فقال الرجل: على حال شديدة. قال الحسن: حالي أشد من حالهم. وذلك خشية أن لا يكون من عباد الله المتقين الذين ينجون من عذاب النار. وبهذا تنتهي هذه النصيحة من هذا الأخ الفاضل، وهي رسالة من غريق، وفي الحقيقة هي موجهة إلى كثير منا ممن يحتاج إلى هذه التذكرة عسى الله أن يهيئ لنا جميعاً توبة نصوحاً قبل أن يفوت الأوان.

стр. 526

حكم الاعتكاف في غير المساجد الثلاثة هناك سؤال يتكرر كثيراً، وهو متعلق بحكم الاعتكاف في المساجد غير المساجد الثلاثة. فقد اطلعت على رسالة مختصرة جداً للشيخ جاسم الفهيد الدوسري اسمها (دفع الخلاف عن مكان الاعتكاف) يقول فيها بعد المقدمة: وهذه أوراق اقتضى تصنيفها ما أثاره بعض أهل العلم في تعيين محل الاعتكاف، وقد انتصر فيه لقول غريب مخالف لمذاهب جماهير العلماء، وما استقر عليه العمل على مر الأعصار وفي مختلف الأمصار، فقد أفتى -عفا الله عنه- بأنه لا يصح الاعتكاف في غير المساجد الثلاثة: المسجد الحرام، ومسجد النبي ﷺ ، والمسجد الأقصى زاده الله تشريفاً وتعظيماً، وقلده في فتياه فئام من الناس، فأنكروا وجالدوا دونما رجوع إلى مذاهب الأئمة السالفين، أو معرفة بحجج الجمهور المخالفين، فلا حول ولا قوة إلا بالله. يقول: قال الإمام القرطبي رحمه الله تعالى: أجمع العلماء على أن الاعتكاف لا يكون إلا في المسجد؛ لقول الله : ﴿فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة:١٨٧] أي: من قوله سبحانه: ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة:١٨٧]. وقال الموفق ابن قدامة في (المغني): لا يصح الاعتكاف في غير المسجد إذا كان المعتكف رجلاً، لا نعلم في هذا بين أهل العلم خلافاً والأصل في ذلك قول الله تعالى: (وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) فخصها بذلك، ولو صح الاعتكاف في غيرها لم يختص تحديد المباشرة فيها، فإن المباشرة محرمة في الاعتكاف مطلقاً، ولم ينازع في ذلك إلا محمد بن عمرو بن لبابة المالكي فأجازه في أي مكان، وهذا قول شاذ. أي أنّ هذا الإمام قال -كما نقل عنه الحافظ في (الفتح) -: إنّ الاعتكاف يكون في أي مكان. يقول: ولا عبرة بخلافه، فإنه محجوج بالإجماع قبله، ولذا لم يأبه القرطبي -وهو مالكي مثله- بخلافه في تعكير ثبوت الإجماع.

стр. 527

صفة المسجد المعتكف فيه اختلف أهل العلم في صفة المسجد المعتكف فيه على أقوال ستة: الأول: أن الاعتكاف يصح في أي مسجد ولو كان مهجوراً لا تقام فيه الجماعة، وهذا مذهب الأئمة مالك والشافعي وداود، لكن يلزم المعتكف عند داود أن يخرج لكل صلاة إلى المسجد الذي تقام فيه الجماعة، فإن مذهبه وجوب صلاة الجماعة. فيقول: يجوز أن يعتكف فيه وفاقاً لـ مالك والشافعي، لكن داود يقول: يجب عليه أن يخرج وقت صلاة الجماعة إلى مسجد تقام فيه الجماعة. واشترط مالك كون المسجد جامعاً إذا كانت الجمعة تتخلل فترة اعتكاف، فالإمام مالك يقول: إذا كانت صلاة الجمعة تتخلل فترة الاعتكاف فيجب على المعتكف أن يكون في مسجد تقام فيه الجمعة. قال الباجي في (شرح الموطأ): وأما المساجد التي لا تصلى فيها الجمعة فإنما يكره الاعتكاف فيها إذا كان يتصل إلى وقت صلاة الجمعة؛ لأنه يقتضي أحد أمرين ممنوعين: أحدهما: التخلف عن الجمعة. أي: لو ظل في معتكفه الذي لا تقام فيه صلاة جمعة فسيتخلف عن الجمعة. الثاني: الخروج من الاعتكاف إلى الجمعة، وذلك يبطل اعتكافه في المشهور من مذهب مالك، فلذلك اشترط الإمام مالك أن يعتكف في مسجد تقام فيه صلاة الجمعة، وقد روى ابن الجهم عن مالك أن الخروج إلى الجمعة لا ينقض الاعتكاف، وبه قال أبو حنيفة، واستحب الشافعي في هذا الحال أن يكون اعتكافه في مسجد جامع، ولو اعتكف في غيره لزمه الخروج إلى الجمعة عنده، والمراد بالمسجد غير الجامع: الذي لا تقام فيه الجمعة. وهل يبطل اعتكافه؟ فيه قولان: قال النووي: وبطلان اعتكافه هو المشهور من نصوص الشافعي. المذهب الثاني: أنه لا يصح إلا في مسجد جامع. وهو قول الزهري والحكم وحماد وأول قولي عطاء ورواية عن مالك. واستُدل له بقول السيدة عائشة ﵂: (السنة على المعتكف أن لا يعود مريضاً) إلى أن قالت: (ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع) أخرجه أبو داود من طريق عبد الرحمن بن إسحاق المدني عن الزهري عن عروة عن عائشة ﵂، قال أبو داود: غير عبد الرحمن لا يقول فيه: السنة. وجعله من قول عائشة. وهذا الخبر فيه نظر من وجهين: أحدهما أن عبد الرحمن بن إسحاق المدني صاحب مناكير، وقد تفرد بقوله: (جامع). الأمر الثاني: أن الخبر فيه إدراج من كلام الزهري، قال الإمام الدارقطني: يقال: إن قوله: (وإن السنة للمعتكف) إلى قوله: (ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع) من كلام الزهري، ومن أدرجه في الحديث فقد وهم. المذهب الثالث: أنه لا يصح إلا في مسجد جماعة. والفرق بين المسجد الجامع ومسجد الجماعة أنّ المسجد الجامع هو المسجد الذي تقام فيه صلاة الجمعة، ومسجد الجماعة هو المسجد الذي تقام فيه الصلوات الخمس في جماعة لكن لا تقام فيه صلاة الجمعة، وهو مذهب أبي حنفية وأحمد وإسحاق وأبي ثور، وهو قول الحسن وعروة ورواية عن الزهري. واحتُج له بخبر عائشة المتقدم، وقد علمت ما فيه من الإدراج. وبحديث حذيفة مرفوعاً: (كل مسجد له إمام ومؤذن فالاعتكاف فيه يصلح)، وهو ضعيف، يقول ابن حزم: هذه سوءة لا يشتغل بها ذو فهم، جويبر أحد الرواة هالك، والضحاك ضعيف، ولم يدرك حذيفة. قلت: ومع ضعف هذه الأدلة إلاّ أنّ هذا القول هو أعدل الأقوال وأقومها، وخصوصاً عند من يرى وجوب صلاة الجماعة على الأعيان، وهذا هو الأرجح إن شاء الله، أي أن الجماعة فرض عين وليست فرض كفاية. يقول ابن قدامة: وإنما اشتُرط ذلك -أي: كون المسجد مسجد جماعة- لأن الجماعة واجبة، واعتكاف الرجل في مسجد لا تقام فيه الجماعة يفضي إلى أحد أمرين: إما ترك الجماعة الواجبة، وإما الخروج إليها، فيتكرر ذلك كثيراً مع إمكان التحرز منه، وذلك مناف للاعتكاف؛ إذ هو لزوم المعتكَف والإقامة على طاعة الله فيه. المذهب الرابع: أنه لا يصح إلا في المسجد الحرام والمسجد النبوي. وهذا آخر قولي عطاء، فقد روى عبد الرزاق عنه أنه قال: لا جوار -أي: لا اعتكاف- إلا في مسجد جامع. ثم قال: لا جوار إلا في مسجد مكة ومسجد المدينة. المذهب الخامس: أنه لا يصح إلا في المسجد النبوي فقط، وهو قول سعيد بن المسيب، فقد أخرج عبد الرزاق عن معمر عن قتادة -أحسبه- عن ابن المسيب قال: لا اعتكاف إلا في مسجد النبي ﷺ . قال النووي: ما أظن أن هذا يصح عنه. لكن روى ابن أبي شيبة عنه أنه قال: لا اعتكاف إلا في مسجد نبي. وليس (في مسجد النبي)، فإذا قال: مسجد النبي فـ (أل) للعهد، فينصرف إلى مسجد المدينة، وأما على هذه الرواية (مسجد نبي) -بالتنكير- فيشمل المساجد الثلاثة. المذهب السادس -وهو المقصود بالكلام في هذا الموضوع-: أنه لا يصح إلا في المساجد الثلاثة: المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى. وهو قول حذيفة ﵁، وقد تفرد حذيفة به، قال الطحاوي في (مشكل الآثار): حدثنا محمد بن سنان قال حدثنا هشام بن عمار قال حدثنا سفيان بن عيينة عن جامع بن أبي راشد عن أبي وائل قال: قال حذيفة لـ عبد الله -يعني ابن مسعود -: الناس عكوف بين دارك ودار أبي موسى ولا تغير، وقد علمت أن رسول الله ﷺ قال: (لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة: المسجد الحرام، ومسجد النبي ﷺ ، ومسجد بيت المقدس)! قال عبد الله: لعلك نسيت وحفظوا أو أخطأت وأصابوا. هذا الحديث يرويه الطحاوي عن شيخه محمد بن سنان الشرجي، وشيخ الطحاوي هذا قال عنه الذهبي في (الميزان): صاحب مناكير. فهذه أول علة. قال حدثنا هشام بن عمار، قال: وهشام في حفظه ضعف، ولما كبر تغير فصار يلقن فيتلقن، فالسند ضعيف. وأخرجه البيهقي عن شاكر بن محمد بن حسين العلوي عن محمد بن حمدويه بن سهل الغازي عن محمود بن آدم المروزي عن ابن عيينة به. وأخرجه الذهبي في (سير أعلام النبلاء) في ترجمة ابن حمدويه من طريق آخر عن العلوي به، وقال: صحيح غريب عال.

стр. 528

الجواب عن حديث حذيفة الجواب عن خبر حذيفة من وجوه: الأول: أنه قد اختُلف في رفعه ووقفه، والصواب وقفه. يعني أنّ بعضهم رفعه إلى النبي ﵊ وبعضهم وقفه على حذيفة، يقول: والصواب وقفه؛ فقد رواه ثلاثة من الحفاظ عن ابن عيينة به موقوفاً من كلام حذيفة، وهم: عبد الرزاق الصنعاني عند الطبراني في (الكبير)، وسعيد بن عبد الرحمن بن حسان المخزومي وهو: ثقة، ومحمد بن أبي عمر العدني وهو: صدوق، فتكون رواية ابن آدم التي رفع فيها الحديث إلى الرسول ﵊ شاذة؛ لأن هذه الروايات الثلاث من الحفاظ الثقات تقف الحديث على حذيفة، ولم يرفعوه إلى النبي ﵊. قال: ومما يؤيد الوقف ما أخرجه عبد الرزاق وغيره عن إبراهيم النخعي قال: جاء حذيفة فذكر الحديث موقوفاً دون أن يرفعه إلى النبي ﷺ ، فهذا الجواب من الناحية الحديثية. وأما من جهة النظر فإن ابن مسعود لم يقبل رواية حذيفة، ولو كانت مرفوعة إلى النبي ﷺ لما تجاسر ابن مسعود على ذلك؛ فإن ابن مسعود كان من أئمة الصحابة وفقهائهم، وقد أفتى بخلاف ذلك، فقد صح عنه من طريق شداد بن الأزمع قال: اعتكف رجل في المسجد في خيمة له، فحصبه الناس -أي: رموه بالحصباء-، قال فأرسله الرجل إلى ابن مسعود، فجاء عبد الله، وطلب الناس، وحسّن ذلك. أي: أقره على أنه يعتكف في المسجد. فعلم بذلك أن حذيفة إنما قال ذلك اجتهاداً منه، ولم يكن ابن مسعود ملزماً باجتهاد حذيفة رضي الله تعالى عنه. وكذلك قول ابن مسعود لـ حذيفة: (لعلك نسيت وحفظوا، أو أخطأت وأصابوا) فهذا تصريح منه بخطأ حذيفة ونسيانه رواية الحديث، وأما عمل عامة الصحابة بخلاف ذلك فهو الأصوب، فلعل حذيفة اشتبه عليه حديث: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد) فإنه قريب منه في اللفظ، لا سيما أن الخطابي قد ذكر في (معالم السنن) أن بعض أهل العلم استنبط من حديث النهي عن شد الرحال أن الاعتكاف لا يصح إلا في المساجد الثلاثة. وهذا لا يصح؛ لأن النهي عن شد الرحال، أو الإخبار بمضاعفة أجر الصلوات في الحرمين لا يوجب تخصيص الاعتكاف بهذه المساجد، وإنما المقصود من الأحاديث بيان فضلها وشرفها وعلو مقامها، وأنها مختصة بشد الرحال، وليس هناك علاقة بين شد الرحال والاعتكاف، ولذلك يقول الشوكاني في (نيل الأوطار): قال عبد الله -يعني: رداً على حذيفة -: فلعلهم أصابوا وأخطأت. فهذا يدل على أنه لم يستدل على ذلك بحديث عن النبي ﷺ ، ويدل على ذلك أن عبد الله يخالفه ويجوِّز الاعتكاف في كل مسجد، ولو كان ثم حديث عن النبي ﷺ ما خالفه ابن مسعود. وأيضاً في متن الحديث اختلاف وشك، فقد جاء عن ابن عيينة عن جامع عن شقيق قال: قال حذيفة لـ عبد الله بن مسعود: (قد علمت أن رسول الله ﷺ قال: لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة، أو قال: مسجد جماعة)، فهذا اختلاف في لفظ الرواية نفسها. ورواه الطبراني بسند صحيح -كما قال الحافظ في (الدراية) - عن النخعي، وفيه: قال حذيفة: (أما أنا فقد علمت أنه لا اعتكاف إلا في مسجد جماعة). وأعله الهيثمي والحافظ ابن حجر بالانقطاع. فهذا الاختلاف مما يوهن الاستدلال بالحديث؛ لأنه جمع أصلين مختلفين في مسألة واحدة، فمرة يقول: (لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة)، ومرة أخرى جاء في الرواية: (لا اعتكاف إلا في مسجد جماعة) فهذا مما يقدح في الاستدلال بهذا الحديث. يقول ابن حزم رحمه الله تعالى: قلنا: هذا شك من حذيفة، أو هو ممن دونه، ولا يقطع على رسول الله ﷺ بشك، ولو أنه ﵇ قال: (لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة) لحفظه الله تعالى علينا ولم يدخل فيه شك، فصح يقيناً أنه ﵇ لم يقله قط. وقال الشوكاني في النيل: وأيضاً الشك الواقع في الحديث مما يضعف الاحتجاج بأحد شقيه. وهناك جواب رابع عن الحديث قالوا: إن الحديث منسوخ، قال الطحاوي في (مشكل الآثار): فتأملنا هذا الحديث فوجدنا فيه إخبار حذيفة لـ ابن مسعود أنه قد علم ما ذكره له النبي ﵊، وترك ابن مسعود إنكار ذلك وجوابه إياه بما أجابه في ذلك من قوله: حفظوا وأصابوا. أي: قد نسخ ما قد ذكرته من ذلك، فمن خالفه من الصحابة حفظوا أن هذا نسخ ونسيت، وأصابوا فيما قد فعلوه وأنت أخطأت، وكان ظاهر القرآن على ذلك؛ لأن ظاهر القرآن في قوله تعالى: (وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) يعمم، فعم المساجد كلها بذلك، وكان المسلمون عليه في مساجدهم الجامعة، فلازال المسلمون في كل الأعصار يعتكفون في مساجدهم. الجواب الخامس: أن الحديث -إن صح- محمول على بيان الأفضلية، أي: لا اعتكاف أكمل ولا أفضل من الاعتكاف في المساجد الثلاثة، فهذا أكمل الأحوال بلا شك، وأكملها على الإطلاق في المسجد الحرام، يليه المسجد النبوي، يليه المسجد الأقصى. قال الكاساني في (البدائع): فأفضل الاعتكاف أن يكون في المسجد الحرام، ثم مسجد المدينة، ثم في المسجد الأقصى، ثم في المساجد العظام التي كثر أهلها. والجواب السادس: أنه لوثبت رفع الحديث إلى النبي ﵊ لما أجمعت الأمة على ترك العمل به، فلم يذكر عن أحد من الأئمة المتقدمين منهم والمتأخرين أنه أخذ بظاهر هذا الحديث سوى راويه حذيفة ﵁. فإن قيل: قد أخذ به سعيد بن المسيب وعطاء، ف الجواب أن النقل عن سعيد قد اختلف كما تقدم، وأما عطاء فلم يقل بهذا، وإنما قال: لا اعتكاف إلا في المسجد النبوي، أو المسجد الحرام. ولم يذكر المسجد الأقصى، ولو أخذ بالحديث- أي: حديث حذيفة - لذكر المسجد الأقصى؛ لأنه مذكور فيه. فعلم أن فتواه إنما هي اجتهاد منه، فقد روى عبد الرزاق عن ابن جريج قال: قلت: لـ عطاء: فمسجد إيلياء- وهو المسجد الأقصى-. قال: لا يجاور إلا في مسجد مكة ومسجد المدينة. فعلم تفرد حذيفة بذلك. ولعله قد تحرر لك من عرض الأقوال وتمحيصها أن القول الأحرى بالقبول هو أن الاعتكاف لا يصح إلا في مسجد جماعة، وإن كان الاعتكاف تتخلله صلاة الجمعة فالأولى أن يكون في مسجد جامع، خروجاً من خلاف الإمامين مالك والشافعي رحمهما الله تعالى. وهنا زيادة ذكرها الشيخ سلمان العودة حفظه الله أيضاً في هذا الموضوع، فقد قال: إن الحديث -على القول بصحته- مؤول. يعني أنّ حديث حذيفة إذا قلنا بصحته فينبغي تأويله، أي: لا اعتكاف كامل إلا في المساجد الثلاثة. لكنه يجيب هنا بجواب آخر فيقول: قد يكون المراد من هذا الحديث (لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة) أن يعتكف في مسجد يحتاج إلى سفر للوصول إليه. يعني: لو أنّ شخصاً نذر أن يعتكف في مسجد لا بد في التوصل إليه من السفر فإنه لا يسافر، إلا أن يكون نذر الاعتكاف في شيء من المساجد الثلاثة. فلو نذر أحد أن يعتكف مثلاً في مسجد (جواثا) -وهو أول مسجد صليت فيه الجمعة خارج المدينة المنورة، ولا يزال معروفاً في الأحساء اليوم- لو نذر أن يعتكف فيه فإنه لا يجوز له أن يشد الرحل إليه ليعتكف فيه، ولكن يعوض ذلك بأن يعتكف في أحد مساجد بلده، أو إذا كان لا بد من سفر فيسافر إلى أحد المساجد الثلاثة ويعتكف فيه. يقول: وإذا نذر المرء أن يعتكف في المسجد الحرام فيجب عليه الوفاء بنذره، فيعتكف في المسجد الحرام، أما لو نذر أن يعتكف في مسجد النبي ﷺ -مثلاً- فإنه يجوز له أن يعتكف في مسجد النبي ﵊ أو في المسجد الحرام؛ لأن المسجد الحرام أفضل من المسجد النبوي، ولو نذر أن يعتكف في المسجد الأقصى جاز له أن يعتكف في المسجد الأقصى، أو المسجد الحرام، أو المسجد النبوي؛ لأنهما أفضل من المسجد الأقصى. يقول: فالخلاصة أن معنى قوله ﷺ : (لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة) لا اعتكاف بنذر يسافر إليه؛ لأن الاعتكاف يصح في كل مسجد، وقد أجمع الأئمة -خاصة الأئمة الأربعة- على صحة الاعتكاف في كل مسجد جامع، ولم يقل بعدم صحة الاعتكاف إلا في المساجد الثلاثة أحد من الأئمة المعروفين المتبوعين، لا الأربعة، ولا العشرة، ولا غيرهم، وإنما نقل هذا عن حذيفة رضي الله تعالى عنه، وواحد أو اثنين من السلف. هذا ما يتعلق بجواب هذا السؤال الذي يكثر الكلام فيه جداً في رمضان، ومع احترامنا للعلامة الجليل الألباني الذي ذهب إلى هذا المذهب إلاّ أنه ينبغي علينا في طلبنا للعلم وبحثنا أن نحافظ على الارتباط بقافلة علماء المسلمين ولا نشذ عنها، ولا نلعب بغرائب المسائل، وحتى لو اجتهد من اجتهد من الأئمة الفضلاء والعلماء الأجلاء فلا يشذ عن القافلة العامة لعلماء المسلمين منذ الصدر الأول إلى يومنا هذا، فينبغي أن نجتنب المسائل الشاذة والغريبة والأقوال المهجورة. فهذا -والله تعالى أعلم- الجواب عن هذا الحديث الذي

стр. 529

فتنة الدجال فتنة المسيح الدجال أعظم فتنة ستقع على الإطلاق في تاريخ البشرية، وفتنته إحدى أشراط الساعة الكبرى، وقد حذر كل نبي أمته هذه الفتنة، وقد وصفه نبي الرحمة لأمته وصفاً شافياً، وحذرهم من فتنته تحذيراً بالغاً، وأمرهم بالتعوذ من شر فتنته في كل صلاة سواء كانت فرضاً أو تطوعاً.

стр. 530

شرح حديث: (إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة) الحمد الله الذي أرشد عقول أوليائه إلى توحيده وهداها، وثبت كلمة الإخلاص في قلوب أحبابه على أمواج الامتحان باسم الله مجراها ومرساها، وأعمى بصائر المنافقين لما أدبرت عن الدين فلم تجبه إذا دعاها، فسبحانه من جبار عظيم لا يماثل ولا يضاهى، فجل رباً وعز ملكاً وتعالى إلهاً، أحمده سبحانه على نعمه التي لا تتناهى. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة من عرف مدلولها لما تلاها، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الذي بين كلمة التوحيد لفظها ومعناها، وجاهد عليها بلسانه وسنانه حتى أقرها وحمى حماها. اللهم صل على محمد وعلى آله وأصحابه الذين عضوا على سنته بالنواجذ وتمسكوا بعراها، وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: فقد روى الإمام البخاري رحمه الله تعالى بسنده عن أبي هريرة ﵁ قال: (بينما رسول الله ﷺ في مجلس يحدث القوم إذ جاءه أعرابي فقال: متى الساعة؟ فمضى رسول الله ﷺ في حديثه -يعني: استمر رسول الله ﷺ في حديثه- فقال بعض القوم: سمع ما قاله فكره ما قال، وقال بعضهم: بل لم يسمع، حتى إذا قضى حديثه قال: أين السائل عن الساعة؟ قال: هأنذا يا رسول الله! قال: إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة، قال: وكيف إضاعتها؟ قال: إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة) يعني: من علامات اقتراب الساعة تضييع الأمانة، فسئل كيف إضاعتها؟ فقال النبي ﵊: (إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة)، وهذه هي محنة المسلمين في هذا الزمان، بل ومن قبل أزمان طويلة جداً، وتوسيد الأمر إلى غير أهله ليس فقط في أمور الوظائف والأمور العامة فيتخبط الناس كما فعل عبد الناصر -وأوهم الناس أنها منقبة عظيمة جداً، وأنها من العدل والحرية- حين جعل نصف المقاعد في المجلس النيابي للعمال والفلاحين، ولاشك أن العمال والفلاحين فئة من فئات المسلمين، لكن تدبير أمور المسلمين وتسيير حياتهم ومعاشهم تحتاج إلى ذوي كفاءة وعلم وبصيرة وفقه بالشرع وبأمور الدنيا والسياسة والاقتصاد، فكيف يكون نصف هذه المجالس التي تتخذ القرارات أناساً ليسوا من أهل هذا الأمر؟! هم يتقنون العمل، ويتنقون الزراعة، لكن ليسوا أهلاً لأن يوظفوا في هذه الوظائف، ويتخذوا القرارات المصيرية، فهذا من توسيد الأمر إلى غير أهله، وهذا من أشراط الساعة، قال رسول الله ﵌ في الحديث الصحيح: (بين يدي الساعة سنوات خداعة، يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويخون فيها الأمين، ويؤتمن فيها الخائن، وينطق فيها الرويبضة، قيل: ومن الرويبضة يا رسول الله؟! قال: الرجل التافه)، وفي بعض الروايات: (الرجل السفيه يتكلم في أمر العامة)، فهل هذا يوافق شرع الله ﵎ أن يعطى نصف المقاعد النيابية لأناس ليسوا أهلاً؟! والديمقراطية خبيثة، ولكن ياليتهم إذ اتبعوها أن يحترموها. وروى الطحاوي في مشكل الآثار عن رسول الله ﷺ أنه قال: (يوشك أن يغلب على الدنيا لكع بن لكع) لكع غالباً تكون في التحقير كما قال عمر للجارية التي تقنعت: تتشبهين بالحرائر يا لكاع؟! وهذا يوصف به الشخص اللئيم أو الحقير أو التافه. قال: (يوشك أن يغلب على الدنيا لكع بن لكع، وأفضل الناس مؤمن بين كريمين) فوضع الرجل المناسب في المكان المناسب هو أحد القواعد الهامة التي لا تصلح حياة البشر بدونها، فلذلك تجد الفترات التي يتولى فيها الحكم أصحاب الكفاءات العالية من أصحاب الصلاح والتقى فترات مضيئة مشرقة في تأريخ الأمة الإسلامية، وأكبر خطأ يفسد نظام الحياة أن يتولى الحكم والولايات والمناصب أقوام غير أكفاء، يقودون الحياة بأهوائهم، ويترك الأخيار القادرون على تسيير الأمور إلى الأمثل والأفضل. هذا في الوظائف العادية، فما بالك بوظيفة لا يصلح لها أي مخلوق ولا حتى الأنبياء والأولياء والملائكة، وليس من حقهم أن يشاركوا الله فيها، وهي وظيفة التشريع وتحليل الحرام وتحريم الحلال؟! فهذه لا يوجد بشر هو أهل لها، إنما هذا حق خالص لله ﵎.
следующие страницы →