Полный текст (2 122 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
حكم الاعتكاف في غير المساجد الثلاثة
هناك سؤال يتكرر كثيراً، وهو متعلق بحكم الاعتكاف في المساجد غير المساجد الثلاثة.
فقد اطلعت على رسالة مختصرة جداً للشيخ جاسم الفهيد الدوسري اسمها (دفع الخلاف عن مكان الاعتكاف) يقول فيها بعد المقدمة: وهذه أوراق اقتضى تصنيفها ما أثاره بعض أهل العلم في تعيين محل الاعتكاف، وقد انتصر فيه لقول غريب مخالف لمذاهب جماهير العلماء، وما استقر عليه العمل على مر الأعصار وفي مختلف الأمصار، فقد أفتى -عفا الله عنه- بأنه لا يصح الاعتكاف في غير المساجد الثلاثة: المسجد الحرام، ومسجد النبي ﷺ ، والمسجد الأقصى زاده الله تشريفاً وتعظيماً، وقلده في فتياه فئام من الناس، فأنكروا وجالدوا دونما رجوع إلى مذاهب الأئمة السالفين، أو معرفة بحجج الجمهور المخالفين، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
يقول: قال الإمام القرطبي رحمه الله تعالى: أجمع العلماء على أن الاعتكاف لا يكون إلا في المسجد؛ لقول الله : ﴿فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة:١٨٧] أي: من قوله سبحانه: ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة:١٨٧].
وقال الموفق ابن قدامة في (المغني): لا يصح الاعتكاف في غير المسجد إذا كان المعتكف رجلاً، لا نعلم في هذا بين أهل العلم خلافاً والأصل في ذلك قول الله تعالى: (وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) فخصها بذلك، ولو صح الاعتكاف في غيرها لم يختص تحديد المباشرة فيها، فإن المباشرة محرمة في الاعتكاف مطلقاً، ولم ينازع في ذلك إلا محمد بن عمرو بن لبابة المالكي فأجازه في أي مكان، وهذا قول شاذ.
أي أنّ هذا الإمام قال -كما نقل عنه الحافظ في (الفتح) -: إنّ الاعتكاف يكون في أي مكان.
يقول: ولا عبرة بخلافه، فإنه محجوج بالإجماع قبله، ولذا لم يأبه القرطبي -وهو مالكي مثله- بخلافه في تعكير ثبوت الإجماع.
стр. 527
صفة المسجد المعتكف فيه
اختلف أهل العلم في صفة المسجد المعتكف فيه على أقوال ستة: الأول: أن الاعتكاف يصح في أي مسجد ولو كان مهجوراً لا تقام فيه الجماعة، وهذا مذهب الأئمة مالك والشافعي وداود، لكن يلزم المعتكف عند داود أن يخرج لكل صلاة إلى المسجد الذي تقام فيه الجماعة، فإن مذهبه وجوب صلاة الجماعة.
فيقول: يجوز أن يعتكف فيه وفاقاً لـ مالك والشافعي، لكن داود يقول: يجب عليه أن يخرج وقت صلاة الجماعة إلى مسجد تقام فيه الجماعة.
واشترط مالك كون المسجد جامعاً إذا كانت الجمعة تتخلل فترة اعتكاف، فالإمام مالك يقول: إذا كانت صلاة الجمعة تتخلل فترة الاعتكاف فيجب على المعتكف أن يكون في مسجد تقام فيه الجمعة.
قال الباجي في (شرح الموطأ): وأما المساجد التي لا تصلى فيها الجمعة فإنما يكره الاعتكاف فيها إذا كان يتصل إلى وقت صلاة الجمعة؛ لأنه يقتضي أحد أمرين ممنوعين: أحدهما: التخلف عن الجمعة.
أي: لو ظل في معتكفه الذي لا تقام فيه صلاة جمعة فسيتخلف عن الجمعة.
الثاني: الخروج من الاعتكاف إلى الجمعة، وذلك يبطل اعتكافه في المشهور من مذهب مالك، فلذلك اشترط الإمام مالك أن يعتكف في مسجد تقام فيه صلاة الجمعة، وقد روى ابن الجهم عن مالك أن الخروج إلى الجمعة لا ينقض الاعتكاف، وبه قال أبو حنيفة، واستحب الشافعي في هذا الحال أن يكون اعتكافه في مسجد جامع، ولو اعتكف في غيره لزمه الخروج إلى الجمعة عنده، والمراد بالمسجد غير الجامع: الذي لا تقام فيه الجمعة.
وهل يبطل اعتكافه؟ فيه قولان: قال النووي: وبطلان اعتكافه هو المشهور من نصوص الشافعي.
المذهب الثاني: أنه لا يصح إلا في مسجد جامع.
وهو قول الزهري والحكم وحماد وأول قولي عطاء ورواية عن مالك.
واستُدل له بقول السيدة عائشة ﵂: (السنة على المعتكف أن لا يعود مريضاً) إلى أن قالت: (ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع) أخرجه أبو داود من طريق عبد الرحمن بن إسحاق المدني عن الزهري عن عروة عن عائشة ﵂، قال أبو داود: غير عبد الرحمن لا يقول فيه: السنة.
وجعله من قول عائشة.
وهذا الخبر فيه نظر من وجهين: أحدهما أن عبد الرحمن بن إسحاق المدني صاحب مناكير، وقد تفرد بقوله: (جامع).
الأمر الثاني: أن الخبر فيه إدراج من كلام الزهري، قال الإمام الدارقطني: يقال: إن قوله: (وإن السنة للمعتكف) إلى قوله: (ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع) من كلام الزهري، ومن أدرجه في الحديث فقد وهم.
المذهب الثالث: أنه لا يصح إلا في مسجد جماعة.
والفرق بين المسجد الجامع ومسجد الجماعة أنّ المسجد الجامع هو المسجد الذي تقام فيه صلاة الجمعة، ومسجد الجماعة هو المسجد الذي تقام فيه الصلوات الخمس في جماعة لكن لا تقام فيه صلاة الجمعة، وهو مذهب أبي حنفية وأحمد وإسحاق وأبي ثور، وهو قول الحسن وعروة ورواية عن الزهري.
واحتُج له بخبر عائشة المتقدم، وقد علمت ما فيه من الإدراج.
وبحديث حذيفة مرفوعاً: (كل مسجد له إمام ومؤذن فالاعتكاف فيه يصلح)، وهو ضعيف، يقول ابن حزم: هذه سوءة لا يشتغل بها ذو فهم، جويبر أحد الرواة هالك، والضحاك ضعيف، ولم يدرك حذيفة.
قلت: ومع ضعف هذه الأدلة إلاّ أنّ هذا القول هو أعدل الأقوال وأقومها، وخصوصاً عند من يرى وجوب صلاة الجماعة على الأعيان، وهذا هو الأرجح إن شاء الله، أي أن الجماعة فرض عين وليست فرض كفاية.
يقول ابن قدامة: وإنما اشتُرط ذلك -أي: كون المسجد مسجد جماعة- لأن الجماعة واجبة، واعتكاف الرجل في مسجد لا تقام فيه الجماعة يفضي إلى أحد أمرين: إما ترك الجماعة الواجبة، وإما الخروج إليها، فيتكرر ذلك كثيراً مع إمكان التحرز منه، وذلك مناف للاعتكاف؛ إذ هو لزوم المعتكَف والإقامة على طاعة الله فيه.
المذهب الرابع: أنه لا يصح إلا في المسجد الحرام والمسجد النبوي.
وهذا آخر قولي عطاء، فقد روى عبد الرزاق عنه أنه قال: لا جوار -أي: لا اعتكاف- إلا في مسجد جامع.
ثم قال: لا جوار إلا في مسجد مكة ومسجد المدينة.
المذهب الخامس: أنه لا يصح إلا في المسجد النبوي فقط، وهو قول سعيد بن المسيب، فقد أخرج عبد الرزاق عن معمر عن قتادة -أحسبه- عن ابن المسيب قال: لا اعتكاف إلا في مسجد النبي ﷺ .
قال النووي: ما أظن أن هذا يصح عنه.
لكن روى ابن أبي شيبة عنه أنه قال: لا اعتكاف إلا في مسجد نبي.
وليس (في مسجد النبي)، فإذا قال: مسجد النبي فـ (أل) للعهد، فينصرف إلى مسجد المدينة، وأما على هذه الرواية (مسجد نبي) -بالتنكير- فيشمل المساجد الثلاثة.
المذهب السادس -وهو المقصود بالكلام في هذا الموضوع-: أنه لا يصح إلا في المساجد الثلاثة: المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى.
وهو قول حذيفة ﵁، وقد تفرد حذيفة به، قال الطحاوي في (مشكل الآثار): حدثنا محمد بن سنان قال حدثنا هشام بن عمار قال حدثنا سفيان بن عيينة عن جامع بن أبي راشد عن أبي وائل قال: قال حذيفة لـ عبد الله -يعني ابن مسعود -: الناس عكوف بين دارك ودار أبي موسى ولا تغير، وقد علمت أن رسول الله ﷺ قال: (لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة: المسجد الحرام، ومسجد النبي ﷺ ، ومسجد بيت المقدس)! قال عبد الله: لعلك نسيت وحفظوا أو أخطأت وأصابوا.
هذا الحديث يرويه الطحاوي عن شيخه محمد بن سنان الشرجي، وشيخ الطحاوي هذا قال عنه الذهبي في (الميزان): صاحب مناكير.
فهذه أول علة.
قال حدثنا هشام بن عمار، قال: وهشام في حفظه ضعف، ولما كبر تغير فصار يلقن فيتلقن، فالسند ضعيف.
وأخرجه البيهقي عن شاكر بن محمد بن حسين العلوي عن محمد بن حمدويه بن سهل الغازي عن محمود بن آدم المروزي عن ابن عيينة به.
وأخرجه الذهبي في (سير أعلام النبلاء) في ترجمة ابن حمدويه من طريق آخر عن العلوي به، وقال: صحيح غريب عال.
стр. 528
الجواب عن حديث حذيفة
الجواب عن خبر حذيفة من وجوه: الأول: أنه قد اختُلف في رفعه ووقفه، والصواب وقفه.
يعني أنّ بعضهم رفعه إلى النبي ﵊ وبعضهم وقفه على حذيفة، يقول: والصواب وقفه؛ فقد رواه ثلاثة من الحفاظ عن ابن عيينة به موقوفاً من كلام حذيفة، وهم: عبد الرزاق الصنعاني عند الطبراني في (الكبير)، وسعيد بن عبد الرحمن بن حسان المخزومي وهو: ثقة، ومحمد بن أبي عمر العدني وهو: صدوق، فتكون رواية ابن آدم التي رفع فيها الحديث إلى الرسول ﵊ شاذة؛ لأن هذه الروايات الثلاث من الحفاظ الثقات تقف الحديث على حذيفة، ولم يرفعوه إلى النبي ﵊.
قال: ومما يؤيد الوقف ما أخرجه عبد الرزاق وغيره عن إبراهيم النخعي قال: جاء حذيفة فذكر الحديث موقوفاً دون أن يرفعه إلى النبي ﷺ ، فهذا الجواب من الناحية الحديثية.
وأما من جهة النظر فإن ابن مسعود لم يقبل رواية حذيفة، ولو كانت مرفوعة إلى النبي ﷺ لما تجاسر ابن مسعود على ذلك؛ فإن ابن مسعود كان من أئمة الصحابة وفقهائهم، وقد أفتى بخلاف ذلك، فقد صح عنه من طريق شداد بن الأزمع قال: اعتكف رجل في المسجد في خيمة له، فحصبه الناس -أي: رموه بالحصباء-، قال فأرسله الرجل إلى ابن مسعود، فجاء عبد الله، وطلب الناس، وحسّن ذلك.
أي: أقره على أنه يعتكف في المسجد.
فعلم بذلك أن حذيفة إنما قال ذلك اجتهاداً منه، ولم يكن ابن مسعود ملزماً باجتهاد حذيفة رضي الله تعالى عنه.
وكذلك قول ابن مسعود لـ حذيفة: (لعلك نسيت وحفظوا، أو أخطأت وأصابوا) فهذا تصريح منه بخطأ حذيفة ونسيانه رواية الحديث، وأما عمل عامة الصحابة بخلاف ذلك فهو الأصوب، فلعل حذيفة اشتبه عليه حديث: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد) فإنه قريب منه في اللفظ، لا سيما أن الخطابي قد ذكر في (معالم السنن) أن بعض أهل العلم استنبط من حديث النهي عن شد الرحال أن الاعتكاف لا يصح إلا في المساجد الثلاثة.
وهذا لا يصح؛ لأن النهي عن شد الرحال، أو الإخبار بمضاعفة أجر الصلوات في الحرمين لا يوجب تخصيص الاعتكاف بهذه المساجد، وإنما المقصود من الأحاديث بيان فضلها وشرفها وعلو مقامها، وأنها مختصة بشد الرحال، وليس هناك علاقة بين شد الرحال والاعتكاف، ولذلك يقول الشوكاني في (نيل الأوطار): قال عبد الله -يعني: رداً على حذيفة -: فلعلهم أصابوا وأخطأت.
فهذا يدل على أنه لم يستدل على ذلك بحديث عن النبي ﷺ ، ويدل على ذلك أن عبد الله يخالفه ويجوِّز الاعتكاف في كل مسجد، ولو كان ثم حديث عن النبي ﷺ ما خالفه ابن مسعود.
وأيضاً في متن الحديث اختلاف وشك، فقد جاء عن ابن عيينة عن جامع عن شقيق قال: قال حذيفة لـ عبد الله بن مسعود: (قد علمت أن رسول الله ﷺ قال: لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة، أو قال: مسجد جماعة)، فهذا اختلاف في لفظ الرواية نفسها.
ورواه الطبراني بسند صحيح -كما قال الحافظ في (الدراية) - عن النخعي، وفيه: قال حذيفة: (أما أنا فقد علمت أنه لا اعتكاف إلا في مسجد جماعة).
وأعله الهيثمي والحافظ ابن حجر بالانقطاع.
فهذا الاختلاف مما يوهن الاستدلال بالحديث؛ لأنه جمع أصلين مختلفين في مسألة واحدة، فمرة يقول: (لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة)، ومرة أخرى جاء في الرواية: (لا اعتكاف إلا في مسجد جماعة) فهذا مما يقدح في الاستدلال بهذا الحديث.
يقول ابن حزم رحمه الله تعالى: قلنا: هذا شك من حذيفة، أو هو ممن دونه، ولا يقطع على رسول الله ﷺ بشك، ولو أنه ﵇ قال: (لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة) لحفظه الله تعالى علينا ولم يدخل فيه شك، فصح يقيناً أنه ﵇ لم يقله قط.
وقال الشوكاني في النيل: وأيضاً الشك الواقع في الحديث مما يضعف الاحتجاج بأحد شقيه.
وهناك جواب رابع عن الحديث قالوا: إن الحديث منسوخ، قال الطحاوي في (مشكل الآثار): فتأملنا هذا الحديث فوجدنا فيه إخبار حذيفة لـ ابن مسعود أنه قد علم ما ذكره له النبي ﵊، وترك ابن مسعود إنكار ذلك وجوابه إياه بما أجابه في ذلك من قوله: حفظوا وأصابوا.
أي: قد نسخ ما قد ذكرته من ذلك، فمن خالفه من الصحابة حفظوا أن هذا نسخ ونسيت، وأصابوا فيما قد فعلوه وأنت أخطأت، وكان ظاهر القرآن على ذلك؛ لأن ظاهر القرآن في قوله تعالى: (وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) يعمم، فعم المساجد كلها بذلك، وكان المسلمون عليه في مساجدهم الجامعة، فلازال المسلمون في كل الأعصار يعتكفون في مساجدهم.
الجواب الخامس: أن الحديث -إن صح- محمول على بيان الأفضلية، أي: لا اعتكاف أكمل ولا أفضل من الاعتكاف في المساجد الثلاثة، فهذا أكمل الأحوال بلا شك، وأكملها على الإطلاق في المسجد الحرام، يليه المسجد النبوي، يليه المسجد الأقصى.
قال الكاساني في (البدائع): فأفضل الاعتكاف أن يكون في المسجد الحرام، ثم مسجد المدينة، ثم في المسجد الأقصى، ثم في المساجد العظام التي كثر أهلها.
والجواب السادس: أنه لوثبت رفع الحديث إلى النبي ﵊ لما أجمعت الأمة على ترك العمل به، فلم يذكر عن أحد من الأئمة المتقدمين منهم والمتأخرين أنه أخذ بظاهر هذا الحديث سوى راويه حذيفة ﵁.
فإن قيل: قد أخذ به سعيد بن المسيب وعطاء، ف
الجواب
أن النقل عن سعيد قد اختلف كما تقدم، وأما عطاء فلم يقل بهذا، وإنما قال: لا اعتكاف إلا في المسجد النبوي، أو المسجد الحرام.
ولم يذكر المسجد الأقصى، ولو أخذ بالحديث- أي: حديث حذيفة - لذكر المسجد الأقصى؛ لأنه مذكور فيه.
فعلم أن فتواه إنما هي اجتهاد منه، فقد روى عبد الرزاق عن ابن جريج قال: قلت: لـ عطاء: فمسجد إيلياء- وهو المسجد الأقصى-.
قال: لا يجاور إلا في مسجد مكة ومسجد المدينة.
فعلم تفرد حذيفة بذلك.
ولعله قد تحرر لك من عرض الأقوال وتمحيصها أن القول الأحرى بالقبول هو أن الاعتكاف لا يصح إلا في مسجد جماعة، وإن كان الاعتكاف تتخلله صلاة الجمعة فالأولى أن يكون في مسجد جامع، خروجاً من خلاف الإمامين مالك والشافعي رحمهما الله تعالى.
وهنا زيادة ذكرها الشيخ سلمان العودة حفظه الله أيضاً في هذا الموضوع، فقد قال: إن الحديث -على القول بصحته- مؤول.
يعني أنّ حديث حذيفة إذا قلنا بصحته فينبغي تأويله، أي: لا اعتكاف كامل إلا في المساجد الثلاثة.
لكنه يجيب هنا بجواب آخر فيقول: قد يكون المراد من هذا الحديث (لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة) أن يعتكف في مسجد يحتاج إلى سفر للوصول إليه.
يعني: لو أنّ شخصاً نذر أن يعتكف في مسجد لا بد في التوصل إليه من السفر فإنه لا يسافر، إلا أن يكون نذر الاعتكاف في شيء من المساجد الثلاثة.
فلو نذر أحد أن يعتكف مثلاً في مسجد (جواثا) -وهو أول مسجد صليت فيه الجمعة خارج المدينة المنورة، ولا يزال معروفاً في الأحساء اليوم- لو نذر أن يعتكف فيه فإنه لا يجوز له أن يشد الرحل إليه ليعتكف فيه، ولكن يعوض ذلك بأن يعتكف في أحد مساجد بلده، أو إذا كان لا بد من سفر فيسافر إلى أحد المساجد الثلاثة ويعتكف فيه.
يقول: وإذا نذر المرء أن يعتكف في المسجد الحرام فيجب عليه الوفاء بنذره، فيعتكف في المسجد الحرام، أما لو نذر أن يعتكف في مسجد النبي ﷺ -مثلاً- فإنه يجوز له أن يعتكف في مسجد النبي ﵊ أو في المسجد الحرام؛ لأن المسجد الحرام أفضل من المسجد النبوي، ولو نذر أن يعتكف في المسجد الأقصى جاز له أن يعتكف في المسجد الأقصى، أو المسجد الحرام، أو المسجد النبوي؛ لأنهما أفضل من المسجد الأقصى.
يقول: فالخلاصة أن معنى قوله ﷺ : (لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة) لا اعتكاف بنذر يسافر إليه؛ لأن الاعتكاف يصح في كل مسجد، وقد أجمع الأئمة -خاصة الأئمة الأربعة- على صحة الاعتكاف في كل مسجد جامع، ولم يقل بعدم صحة الاعتكاف إلا في المساجد الثلاثة أحد من الأئمة المعروفين المتبوعين، لا الأربعة، ولا العشرة، ولا غيرهم، وإنما نقل هذا عن حذيفة رضي الله تعالى عنه، وواحد أو اثنين من السلف.
هذا ما يتعلق بجواب هذا السؤال الذي يكثر الكلام فيه جداً في رمضان، ومع احترامنا للعلامة الجليل الألباني الذي ذهب إلى هذا المذهب إلاّ أنه ينبغي علينا في طلبنا للعلم وبحثنا أن نحافظ على الارتباط بقافلة علماء المسلمين ولا نشذ عنها، ولا نلعب بغرائب المسائل، وحتى لو اجتهد من اجتهد من الأئمة الفضلاء والعلماء الأجلاء فلا يشذ عن القافلة العامة لعلماء المسلمين منذ الصدر الأول إلى يومنا هذا، فينبغي أن نجتنب المسائل الشاذة والغريبة والأقوال المهجورة.
فهذا -والله تعالى أعلم- الجواب عن هذا الحديث الذي
стр. 529
فتنة الدجال
فتنة المسيح الدجال أعظم فتنة ستقع على الإطلاق في تاريخ البشرية، وفتنته إحدى أشراط الساعة الكبرى، وقد حذر كل نبي أمته هذه الفتنة، وقد وصفه نبي الرحمة لأمته وصفاً شافياً، وحذرهم من فتنته تحذيراً بالغاً، وأمرهم بالتعوذ من شر فتنته في كل صلاة سواء كانت فرضاً أو تطوعاً.
стр. 530
شرح حديث: (إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة)
الحمد الله الذي أرشد عقول أوليائه إلى توحيده وهداها، وثبت كلمة الإخلاص في قلوب أحبابه على أمواج الامتحان باسم الله مجراها ومرساها، وأعمى بصائر المنافقين لما أدبرت عن الدين فلم تجبه إذا دعاها، فسبحانه من جبار عظيم لا يماثل ولا يضاهى، فجل رباً وعز ملكاً وتعالى إلهاً، أحمده سبحانه على نعمه التي لا تتناهى.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة من عرف مدلولها لما تلاها، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الذي بين كلمة التوحيد لفظها ومعناها، وجاهد عليها بلسانه وسنانه حتى أقرها وحمى حماها.
اللهم صل على محمد وعلى آله وأصحابه الذين عضوا على سنته بالنواجذ وتمسكوا بعراها، وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: فقد روى الإمام البخاري رحمه الله تعالى بسنده عن أبي هريرة ﵁ قال: (بينما رسول الله ﷺ في مجلس يحدث القوم إذ جاءه أعرابي فقال: متى الساعة؟ فمضى رسول الله ﷺ في حديثه -يعني: استمر رسول الله ﷺ في حديثه- فقال بعض القوم: سمع ما قاله فكره ما قال، وقال بعضهم: بل لم يسمع، حتى إذا قضى حديثه قال: أين السائل عن الساعة؟ قال: هأنذا يا رسول الله! قال: إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة، قال: وكيف إضاعتها؟ قال: إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة) يعني: من علامات اقتراب الساعة تضييع الأمانة، فسئل كيف إضاعتها؟ فقال النبي ﵊: (إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة)، وهذه هي محنة المسلمين في هذا الزمان، بل ومن قبل أزمان طويلة جداً، وتوسيد الأمر إلى غير أهله ليس فقط في أمور الوظائف والأمور العامة فيتخبط الناس كما فعل عبد الناصر -وأوهم الناس أنها منقبة عظيمة جداً، وأنها من العدل والحرية- حين جعل نصف المقاعد في المجلس النيابي للعمال والفلاحين، ولاشك أن العمال والفلاحين فئة من فئات المسلمين، لكن تدبير أمور المسلمين وتسيير حياتهم ومعاشهم تحتاج إلى ذوي كفاءة وعلم وبصيرة وفقه بالشرع وبأمور الدنيا والسياسة والاقتصاد، فكيف يكون نصف هذه المجالس التي تتخذ القرارات أناساً ليسوا من أهل هذا الأمر؟! هم يتقنون العمل، ويتنقون الزراعة، لكن ليسوا أهلاً لأن يوظفوا في هذه الوظائف، ويتخذوا القرارات المصيرية، فهذا من توسيد الأمر إلى غير أهله، وهذا من أشراط الساعة، قال رسول الله ﵌ في الحديث الصحيح: (بين يدي الساعة سنوات خداعة، يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويخون فيها الأمين، ويؤتمن فيها الخائن، وينطق فيها الرويبضة، قيل: ومن الرويبضة يا رسول الله؟! قال: الرجل التافه)، وفي بعض الروايات: (الرجل السفيه يتكلم في أمر العامة)، فهل هذا يوافق شرع الله ﵎ أن يعطى نصف المقاعد النيابية لأناس ليسوا أهلاً؟! والديمقراطية خبيثة، ولكن ياليتهم إذ اتبعوها أن يحترموها.
وروى الطحاوي في مشكل الآثار عن رسول الله ﷺ أنه قال: (يوشك أن يغلب على الدنيا لكع بن لكع) لكع غالباً تكون في التحقير كما قال عمر للجارية التي تقنعت: تتشبهين بالحرائر يا لكاع؟! وهذا يوصف به الشخص اللئيم أو الحقير أو التافه.
قال: (يوشك أن يغلب على الدنيا لكع بن لكع، وأفضل الناس مؤمن بين كريمين) فوضع الرجل المناسب في المكان المناسب هو أحد القواعد الهامة التي لا تصلح حياة البشر بدونها، فلذلك تجد الفترات التي يتولى فيها الحكم أصحاب الكفاءات العالية من أصحاب الصلاح والتقى فترات مضيئة مشرقة في تأريخ الأمة الإسلامية، وأكبر خطأ يفسد نظام الحياة أن يتولى الحكم والولايات والمناصب أقوام غير أكفاء، يقودون الحياة بأهوائهم، ويترك الأخيار القادرون على تسيير الأمور إلى الأمثل والأفضل.
هذا في الوظائف العادية، فما بالك بوظيفة لا يصلح لها أي مخلوق ولا حتى الأنبياء والأولياء والملائكة، وليس من حقهم أن يشاركوا الله فيها، وهي وظيفة التشريع وتحليل الحرام وتحريم الحلال؟! فهذه لا يوجد بشر هو أهل لها، إنما هذا حق خالص لله ﵎.
стр. 531
من أسباب المصائب التي تحل بالمسلمين إسناد الأمر إلى غير أهله
من نظر في تأريخ الأمة الإسلامية علم أن مرض توسيد الأمر إلى غير أهله الذي أشار إليه الرسول ﵌ هو أحد البلايا الكبار التي أصابت المسلمين إصابات كبيرة حين تولى أمر الأمة وقتها رجال مستبدون لا يطيقون سماع رأي مخالف لما يرونه، ففي الحديث عن معاوية ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (ستكون أئمة من بعدي يقولون فلا يرد عليهم، يتقاحمون في النار كما تقاحم القردة) رواه الطبراني في الكبير والأوسط وأبو يعلى وصححه الألباني.
بعض الحكام تشغلهم الشهوات والمتع عن رعاية أمور المسلمين، وبعضهم لا يعرف الحق، فإذا به يحمل الناس على ما لا يعرفون، وينشر بينهم البدع والضلالات والمنكرات.
عن عبادة بن الصامت ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: (ستكون أمراء تشغلهم أشياء يؤخرون الصلاة عن وقتها، فاجعلوا صلاتكم معهم تطوعاً) يعني: صلوا الصلاة في أول الوقت، ثم إذا خرجوا إلى الصلاة فصلوا وراءهم وانووا بها النافلة.
وروى مسلم وأبو داود عن أم سلمة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ (ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون، فمن كره برئ، ومن أنكر سلم، ولكن من رضي وتابع لم يبرأ).
وعن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: (سيكون عليكم أمراء يؤخرون الصلاة عن مواقيتها، ويحدثون البدع، قال ابن مسعود: فكيف أصنع؟ قال: تسألني -يا ابن أم عبد - كيف تصنع؟! لا طاعة لمن عصى الله).
والنبي ﵌ لم يأذن بالخروج على أمثال هؤلاء الحكام الذين كانوا يقيمون الصلاة ولكن يؤخرونها عن مواقيتها لما يترتب على ذلك من الفتن وسفك الدماء، فلا يجوز الخروج عليهم ماداموا آخذين بشريعة الله على وجه العموم، ففي سنن النسائي وصحيح ابن حبان بإسناد صحيح عن عرفجة أن النبي ﷺ قال: (ستكون بعدي هنات وهنات، فمن رأيتموه فارق الجماعة -أي: يريد أن يفرق أمة محمد ﷺ كائناً من كان فاقتلوه، فإن يد الله مع الجماعة، وإن الشيطان مع من فارق الجماعة يركض).
والمقصود أن واقعنا اليوم يشهد باقتراب الساعة، فقد ظهرت هذه العلامة ظهوراً بيناً، فصار يوسد الأمر إلى غير أهله، خاصة في وظيفة التشريع التي لا يمكن أبداً أن يوجد في البشر من يكون أهلاً لها، قال الله: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:٨٠] فهذا مما لا ينبغي إلا لله ﵎.
وتوسيد الأمر إلى غير أهله أحد أشراط الساعة، والعلامات الكبار التي تكون قبل قيام الساعة كثيرة، ونقف اليوم عند أعظم فتنه تقع على الإطلاق في تاريخ البشر.
стр. 532
فتنة المسيح الدجال
стр. 533
الأحاديث في ذكر المسيح الدجال
فتنة المسيح الدجال التي تقع في آخر الزمان وهي إحدى أشراط الساعة الكبرى، وفتنته من أعظم الفتن التي تمر على البشرية في تأريخها، ففي صحيح مسلم عن أبي الدهماء وأبي قتادة قالا: كنا نمر على هشام بن عامر نأتي عمران بن حصين فقال ذات يوم: إنكم لتجاوزوني إلى رجال ما كانوا بأحضر إلى رسول الله ﷺ ولا أعلم بحديثه مني، سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة خلق أكبر من الدجال) وفي رواية: (أمر أكبر من الدجال) يعني: ليس بين خلق آدم ﵇ إلى قيام الساعة خلق -وفي رواية: أمر- أكبر من الدجال؛ ولذا فإن جميع الأنبياء حذروا أقوامهم من فتنته، ولكون رسول الله ﵌ خاتم الأنبياء فقد كان أشد الأنبياء تحذيراً منه، بل أمرنا أمراً حمله كثير من العلماء على الوجوب أن نتعوذ بالله من فتنة الدجال في كل صلاة كما هو معلوم.
روى البخاري في صحيحه في كتاب الفتن عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: (قام رسول الله ﷺ في الناس فأثنى على الله بما هو أهله ثم ذكر الدجال فقال: إني لأنذركموه، وما من نبي إلا أنذره قومه، ولكنني سأقول لكم فيه قولاً لم يقله نبي لقومه: إنه أعور، وإن الله ليس بأعور).
وفي صحيحي البخاري ومسلم عن أنس ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (ما من نبي ألا أنذر أمته الأعور الكذاب، ألا إنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور، وإن بين عينيه مكتوب: كافر).
وفي سنن الترمذي وسنن أبي داود عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال في الدجال: (إني لأنذركموه، وما من نبي ألا أنذره قومه، ولقد أنذر نوح قومه، ولكنني سأقول فيه قولاً لم يقله نبي لقومه: تعلمون أنه أعور، وأن الله ليس بأعور).
وعن أبي أمامة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (يا أيها الناس! إنها لم تكن فتنة على وجه الأرض منذ ذرأ الله ذرية آدم أعظم من فتنة الدجال، وإن الله لم يبعث نبياً إلا حذر أمته من الدجال، وأنا آخر الأنبياء وأنتم آخر الأمم، وهو خارج فيكم لا محالة) ومن أجل ذلك بالغ النبي ﵊ في التحذير من فتنة المسيح الدجال؛ لأن كل نبي لم يكن خاتماً للأنبياء مثله، فلابد أن يأتي في أمته.
стр. 534
سبب تسميته بالمسيح الدجال
قال ابن الأثير ﵀: سمي الدجال مسيحاً لأن إحدى عينيه ممسوحة، والمسيح الذي أحد شقي وجهه ممسوح لا عين له ولا حاجب، فهو فعيل بمعنى مفعول، كما تقول: أكيل بمعنى مأكول، وقتيل بمعنى مقتول، وجريح بمعنى مجروح، وكذلك المسيح الدجال بمعنى ممسوح العين، أما المسيح ﵇ فسمي مسيحاً من فعيل بمعنى فاعل، يعني: أنه ماسح؛ سمي بذلك لأنه كان يمسح المريض فيبرأ بإذن الله.
وكلمة الدجال معناها الكذاب، وقد سمي دجالاً؛ لأنه يغطي الحق بباطله يقال: دجل البعير بالقطران إذا غطاه بالقطران كنوع من العلاج، ودجل الإناء بالذهب إذا طلاه، وقال ابن دريد: سمي الدجال لأنه يغطي الحق بالكذب، وقيل: لأنه يغطي الأرض.
стр. 535
حال المسلمين عند خروج المسيح الدجال
قبل خروج الدجال يكون للمسلمين كما يظهر من الأحاديث شأن عظيم وقوة عظيمة، ويبدو أن خروج الدجال إنما يكون للقضاء على هذه القوة التي يصل إليها المسلمون في ذلك الوقت، حيث يصالح المسلمون الروم، ويغزون جميعاً عدواً مشتركاً فينصرون عليه، ثم تكون الحرب بين المسلمين والصليبيين، ففي سنن أبي داود عن ذي مخبر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ستصالحون الروم صلحاً آمناً فتغزون أنتم وهم عدواً من ورائكم، فتنصرون وتغنمون وتسلمون، ثم ترجعون حتى تنزلوا بمرج ذي تلول، فيرفع رجل من أهل النصرانية الصليب، فيقول: غلب الصليب.
فيغضب رجل من المسلمين فيدقه -يعني: يقطع عنقه-، فعند ذلك تغدر الروم وتجمع للملحمة -وزاد بعضهم:- فيأخذ المسلمون أسلحتهم فيقتتلون، فيكرم الله تلك العصابة بالشهادة)، فهذا الحديث يكشف مدى قوة المسلمين في ذلك الوقت، حيث إنهم يغزون وينصرون ويغنمون ويرجعون سالمين، وفيه أنهم متمسكون بدينهم، فذلك الصليبي عندما يرفع الصليب زاعماً أن الانتصار الذي شارك المسلمون في تحقيقه كان للصليب، إذا بمسلم غيور يطير إليه فيدق عنق ذلك الصليبي ويقتله، وتثور تلك العصابة من المسلمين إلى أسلحتهم ويقاتلون الروم على الرغم من قلتهم في ذلك الموقع، فيشهد النبي ﷺ لهم بأنهم شهداء، وأن الله أكرمهم بالشهادة، ثم يقع الغدر من الروم بسبب ذلك، وتقع الملحمة.
وهذه الملحمة معركة كبيرة هائلة تقع بين المسلمين وبين الصليبيين، وسببها هو قتل ذلك النصراني الذي يرفع الصليب ويقول: غلب الصليب، وقد جاءت أحاديث تصف هذه المعركة وهولها، وكيف يكون صبر المسلمين فيها، ثم يكون النصر للمسلمين على أعدائهم، وسيكون في صفوف المسلمين أعداد كبيرة من النصارى الذين أسلموا وحسن إسلامهم.
стр. 536
حديث: (لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم بالأعماق أو بدابق)
روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم بالأعماق أو بدابق -وهما موضعان قرب حلب في سورية- فيخرج لهم جيش من المدينة من خيار أهل الأرض يومئذ، فإذا تصافوا قالت الروم: خلوا بيننا وبين الذين سبوا منا نقاتلهم -يعني: خلوا بيننا وبين هؤلاء الذين أسلموا منا ودخلوا في دينكم نقاتلهم- فيقول المسلمون: لا والله لا نخل بينكم وبين إخواننا، فيقاتلونهم فيهزم ثلث الجيش ولا يتوب الله عليهم أبداً، ويقتل ثلث هم أفضل الشهداء عند الله، ويفتح الله على الثلث الأخير فلا يفتنون أبداً، فيفتحون قسطنطينية -وهذا الفتح يكون فتحاً ثانياً غير الفتح الذي وقع على يد السلطان محمد الفاتح العثماني-، فبينما هم يقتسمون الغنائم قد علقوا سيوفهم بالزيتون إذ صاح فيهم الشيطان: إن المسيح قد خلفكم في أهليكم؛ فيخرجون وذلك باطل، فإذا جاءوا الشام خرج الدجال، فبينما هم يعدون للقتال، ويسوون الصفوف إذ أقيمت الصلاة، فينزل عيسى بن مريم فأمهم) يعني قصدهم، وليس المقصود أنه أمهم في الصلاة؛ لأن الذي يتولى إمامة الصلاة حينئذ هو المهدي ﵇، ولا بأس أن نقول عنه: ﵇، فهو من أهل البيت، وأنا مقتد في ذلك بالإمام البخاري، فإنه حينما يذكر علياً يقول: ﵇، وحينما يذكر فاطمة يقول: ﵍، ولا مانع من التسليم على كل الناس فما بالك بأهل البيت؟! إذاً: المقصود من قوله: (فبينما هم يعدون للقتال يسوون الصفوف إذ أقيمت الصلاة فينزل عيسى بن مريم فأمهم) يعني: توجه إليهم وقصدهم كما في قوله تعالى: ﴿وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة:٢]، قال: (فإذا رآه عدو الله ذاب كما يذوب الملح في الماء، فلو تركه المسيح ولم يقترب منه لانذاب حتى يهلك، ولكن يقتله الله بيده فيريهم دمه في حربته).
стр. 537
المعركة التي يخرج الدجال بعدها
جاء عن الرسول ﵌ حديث يخبر عن هول تلك المعركة، وعن الفدائية التي تكون في صفوف المسلمين، حتى إن مجموعات من المسلمين يتبايعون على القتال حتى الموت، ويكون القتال ثلاثة أيام متوالية، ويبدو أن أعداد المسلمين في تلك الأيام قليلة، قال ﵊: (تقوم الساعة والروم أكثر الناس) والروم هم الغربيون، والمسلمون يكونون قلة؛ ولذا ينتصرون عندما يصلهم المدد من بقية أهل الإسلام، ففي صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن الساعة لا تقوم حتى لا يقسم ميراث ولا يفرح بغنيمة ثم قال: بيده هكذا ونحاها نحو الشام فقال: عدو يجمعون لأهل الإسلام ويجمع لهم أهل الإسلام -يعني: للحرب والقتال، وهذا يكون بعد الغدر الذي يحصل بعد قتل من رفع الصليب، ويقع التجهيز للملحمة بين الفريقين- قلت: الروم تعني؟ قال: نعم، ويكون عند ذاكم القتال ردة شديدة، فيشترط المسلمون شرطة للموت لا ترجع إلا غالبة -يعني: مجموعة من المسلمين الفدائيين في أول يوم ينذرون أنفسهم لله، ويبذلون أنفسهم لقتال الروم إما أن يموتوا وإما أن يرجعوا غالبين- فيقتتلون حتى يحجز بينهم الليل، فيفيء هؤلاء وهؤلاء -يعني: يرجع الروم ويرجع المسلمون، وكل غير غالب- وتفنى الشرطة -يعني: يستشهدون-، ثم يشترط المسلمون شرطة للموت -مجموعة ثانية فدائية للموت في سبيل الله- لا ترجع إلا غالبة -يعني: إما أن ترجع غالبة وإما أن تموت- فيقتتلون حتى يحجز بينهم الليل، فيفيء هؤلاء وهؤلاء كل غير غالب وتفنى الشرطة، ثم يشترط المسلمون شرطة للموت لا ترجع إلا غالبة فيقتتلون حتى يمسوا فيفيء هؤلاء وهؤلاء كل غير غالب وتفنى الشرطة، فإذا كان اليوم الرابع نهد إليهم بقية أهل الإسلام -يعني: أتاهم المدد من بلاد المسلمين- فيجعل الله الدبرة عليهم، فيقتلون مقتلة -إما قال: لا يرى مثلها، وإما قال: لم ير مثلها- حتى إن الطائر ليمر بجنباتهم فلا يخلفهم حتى يخر ميتاً -يعني: من شدة رائحة الجثث يموت الطائر الذي يمر بهم-، فيتعاد بنو الأب كانوا مائة فلم يبق منهم إلا الرجل الواحد، فبأي غنيمة يفرح أو أي ميراث يقسم؟! فبينما هم كذلك إذ سمعوا ببأس هو أكبر من ذلك فجاءهم الصريخ -المنادي-: إن الدجال قد خلفهم في ذراريهم، فيرفضون ما في أيديهم -أي: يرمونه-، فيبعثون عشرة فوارس طليعة يستطلعون الأمر، قال رسول الله ﷺ : إني لأعرف أسماءهم وأسماء أبائهم وألوان خيولهم، هم خير فوارس على ظهر الأرض يومئذ أو من خير فوارس على ظهر الأرض يومئذ) رواه مسلم في صحيحه.
وفتح القسطنطينية المذكور في حديث الملحمة فسره حديث رواه مسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (سمعتم بمدينة جانب منها في البر وجانب منها في البحر؟ قالوا: نعم يا رسول الله! قال: لا تقوم الساعة حتى يغزوها سبعون ألفاً من بني إسحاق، فإذا جاءوها نزلوا فلم يقاتلوا بسلاح ولم يرموا بسهم، قالوا: لا إله الله والله أكبر فيسقط أحد جانبيها) هذا الحديث ما حدد اسم هذه المدينة، لكن وصفها بأن جانباً منها في البر، وجانباً منها في البحر، فعامة العلماء يقولون: المقصود بها القسطنطينية وهي الآن اسطنبول، لكن بعض العلماء المعاصرين رأى أن هذه المدينة قد تكون مدينة البندقية (فينيسيا) في إيطاليا، فإن انطباق هذا الوصف عليها أكثر من انطباقه على القسطنطينية (اسطنبول)؛ لأن البندقية هي المدينة التي تتخللها المياه، وجانب منها فعلاً في البر، وجزء كبير من بيوتها مبني في داخل البحر، فمن رأى اسطنبول ورأى البندقية يدرك أن البندقية أقرب إلى الوصف المذكور في هذا الحديث من القسطنطينية.
وفي هذا الحديث قال الرسول ﵊: (لا تقوم الساعة حتى يغزوها سبعون ألفاً من بني إسحاق) بعض العلماء قال: المحفوظ هو: (من بني إسماعيل)، وليس هناك إشكال سواء كانوا من بني إسماعيل أو من بني إسحاق، لكن هذه الرواية الثابتة فيها أنهم سبعون ألفاً من بني إسحاق، فلا يبعد أن يكون هذا دليلاً على دخول عدد كبير جداً من الغربيين في دين الإسلام في ذلك الزمان، فيسلمون ويكونون في جيوش المسلمين، بحيث إنهم يغزون هذه المدينة، وهذا ليس بمستبعد، حتى أن محمد الفاتح العثماني ليس من بني إسماعيل، فهو تركي غير عربي، ومع ذلك هو الذي فتح القسطنطينية الفتح الأول، وكان أغلب الجيش العثماني من غير العرب، بل ما حمى الإسلام جيش مثل الجيش التركي الذي يسمى الآن في كتب التاريخ بالاستعمار العثماني أو الاحتلال التركي! وهذا من فعل أعداء المسلمين في تزييف التاريخ، ونفي أمجاد المسلمين، حتى يقضوا حتى على بقايا الشعور بالولاء أو المحبة أو الاعتزاز بذلك الماضي المجيد، فالآن تسمم عقول أولادنا في المدارس بوصف العثمانيين بأنهم المحتلون الأتراك، ويبغضونهم إلى الشباب بكل وسيلة ممكنة! يقول: (لا تقوم الساعة حتى يغزوها سبعون ألفاً من بني إسحاق، فإذا جاءوها نزلوا فلم يقاتلوا بسلاح ولم يرموا بسهم) يعني: يفتحون هذه المدينة بالتهليل وبالتكبير فإذا قالوا: لا إله إلا الله والله أكبر سقط أحد جانبيها، قال ثور - أحد رواة الحديث-: لا أعلمه إلا قال: (يسقط أحد جانبيها الذي في البحر، فيقولون الثانية: لا إله إلا الله والله أكبر فيسقط جانبها الآخر، ثم يقولون الثالثة: لا إله إلا الله والله أكبر، فيفرج لهم فيدخلونها فيغنمون، فبينما هم يقتسمون الغنائم إذ جاءهم الصريخ فقال: إن الدجال قد خرج، فيتركون كل شيء ويرجعون).
стр. 538
قبل خروج الدجال ثلاث سنوات شداد
قبل خروج المسيح الدجال يبتلى الناس بلاء شديداً، فتمنع السماء القطر، وتحبس الأرض النبات، ففي سنن ابن ماجة وصحيح ابن خزيمة ومستدرك الحاكم عن أبي أمامة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إن قبل خروج الدجال ثلاث سنوات شداد يصيب الناس فيها جوع شديد، يأمر الله السماء في السنة الأولى أن تحبس ثلث مطرها، ويأمر الأرض أن تحبس ثلث نباتها، ثم يأمر الله السماء في السنة الثانية فتحبس ثلثي مطرها، ويأمر الأرض فتحبس ثلثي نباتها، ثم يأمر السماء في السنة الثالثة فتحبس مطرها كله فلا تقطر قطرة، ويأمر الأرض فتحبس نباتها كله فلا تنبت خضراء، فلا تبقى ذات ظلف إلا هلكت إلا ما شاء الله -يعني: تهلك جميع الدواب، والظلف: للبقرة والشاة والظبي وشبهها بمنزلة القدم لنا- قيل: فما يعيش الناس في ذلك الزمان؟ قال ﷺ : التهليل والتكبير والتحميد، ويجزئ ذلك عليهم مجزأة الطعام).
стр. 539
صفات الدجال وعلاماته
من أبرز صفات الدجال وأبرز علامات دجله أنه يدعي الربوبية، ويأتي من الأعمال الخوارق ما يروج به باطله، حتى إن الرجل يأتيه ظاناً أن أمره لن يخفى عليه، وأن باطله لن يروج عليه؛ فعندما يرى ما عنده من مخاريق يتبعه! والحقيقة أن هذه عادة الفتن دائماً، فالإنسان إذا تساهل وعرض نفسه للفتن فمهما كان واثقاً من نفسه فإنه ربما وهن وضعف وانهزم أمامها، فالبطل ليس الذي يتعرض للفتن ثم يثبت، لكن البطل هو الذي لا يعرض نفسه أصلاً للفتن، ولا يعرض نفسه للامتحان؛ لأنه قد ينجح وقد يفشل، أما إذا لم يتعرض فإن السلامة لا يعدلها شيء.
في فتنة المسيح الدجال يأتيه الرجل وهو واثق من نفسه، ويقطع يقيناً بأن هذا دجال كاذب مبطل، ثم إذا أتاه ورأى وعاين ما معه من المخاريق والخوارق والأمور العجيبة ينهار ويؤمن بـ الدجال والعياذ بالله، ويكفر بالله ﵎.
فـ الدجال أشد فتنة سوف تقع على ظهر هذه الأرض، ويقدره الله -بإذنه الكوني القدري- على بعض الخوارق فتنة وامتحاناً وتمحيصاً للناس ليميز الله الخبيث من الطيب.
الكثير من المسلمين في هذا الزمان قد يفتنون ببعض الناس لمجرد إتيانهم ببعض الأمور الخارقة للعادة أو حتى غير الخارقة للعادة لكنها تثير الإعجاب، فلا يزنون هذا الشخص وأفكاره ومنهجه بميزان الكتاب والسنة، وإنما بهذه الأشياء، يسمعون مثلاً عن ساحر أو مستعين بالجن يخترق سور الصين الذي يسمونه بالعظيم، ويمر من خلاله فيجدونه انتقل إلى الجهة الأخرى -وهذا يحصل بمخاريق وحيل- فيفتنون بذلك.
وعندما خرج علينا دجال هذا العصر الخميني ببعض المواقف التي بعد عهد الناس بأمثالها من رؤساء المسلمين من قرون عديدة؛ انبهروا وفتنوا به، ورفعوا الشعار المفضل عندهم دائماً: سوف نمشي وراءك ونتبعك، ويتمحلون الأدلة لأجل تزييف هذا الباطل، ولا يزنون الأمر بالميزان الشرعي، ما عقيدة هذا الرجل؟ ما حقيقة منهجه؟ ما موقفه الحقيقي من الإسلام؟ فينخدعون بمثل هذه الأشياء وهي ليست من الخوارق، فقيسوا ما أتى به هؤلاء الناس بالنسبة إلى ما سوف يأتي به الدجال، فـ الدجال معه من الخوارق ما هو أعظم وأشد من هذه الأمور التي تبهركم، فهو الدجال الأكبر، فلا تغتر بأي رجل صوفي أو مخرف أو ضال أو مبتدع أو ساحر أو كاهن أو حتى رجل ظاهره الصلاح لكن يخالف منهجه الكتاب والسنة.
صدر كتاب حديثاً اسمه الحرب العالمية الثالثة بين الإسلام والغرب، ومؤلفه إما سني مغفل وإما شيعي خبيث يستر اسمه بالاسم المستعار الذي وضعه على غلاف الكتاب، فالكتاب فيه دجل وكذب وافتراء وتزيين للباطل، ومنذ الصفحة الأولى تكتشف أن هذا رجل شيعي أو مغفل ممن ينتسب إلى السنة اسماً وهو لا يفقه حقيقة دينه، فكل الكتاب عبارة عن تمجيد للخميني، وأن الخميني حفيد رسول الله ﵊، وأن الرسول تنبأ بـ الخميني، وأن بعد الخميني سيأتي رجل يملك سنتين، وبعد ذلك سيخرج المهدي.
فالشاهد أننا نعاني بين وقت وآخر من فتن يفتن بها بعض الناس، بل عامة المسلمين إذا حضروا جنازة مبتدع أو ضال يقولون مثلاً: الجنازة كانت خفيفة تجري أو حصل له كذا من الخوارق، وقد تحصل خوارق، ولكن الخوارق في حد ذاتها ليست دليلاً على الصلاح، فلا تغتر برجل ولو رأيته يطير في الهواء أو يمشي على الماء حتى تزنه بميزان الكتاب والسنة، فإن رأيته مستقيماً ورأيت منه الخارقة، ولم تر فيها ما يعارض الكتاب والسنة؛ فلا بأس أن تكون كرامة، لكن إن كان هناك مجرد حصول خوارق مثل خوارق الهنود الهنادكة وغيرهم فما أكثر من يقدر على فعل أشياء من هذه الخوارق! أحد الإخوة حدثني أنه في صباه ذهب إلى الملاهي التي كانت موجودة في محطة الرملة، وهذا الأخ جلس في مكان بعيد بحيث لا يقع تحت تأثير سحر عيون الناس الذين يشاهدون، فأتى الساحر بامرأة نومها تنويماً مغناطيسياً، ثم أظهرها أنها نائمة في الهواء معلقة، فالتقط صاحبنا صورة فوتوغرافية فجأة لهذه المرأة، فبعد تحميض الصورة ظهر في هذه الصورة رجال يحملونها، لكن الناس لم يكونوا يرون هؤلاء الرجال! فلهم حيل وخوارق معروفة.
ولعلكم سمعتم عن الرجل الأمريكي الذي يفعل مثل هذه الأشياء الغريبة، وقال: إنه سيأتي مصر ويخترق الهرم الأكبر، فهذه الأشياء لا تهز الإنسان الذي عنده إيمان ويقين، فإن الدجال سيفعل أضعاف ما يفعل هؤلاء، ويقدره الله -بإذنه الكوني القدري- على خوارق تذهب الألباب، وتطير العقول، ولا يثبت إلا من ثبته الله، فلابد أن نستصحب هذا الأمر دائماً أمام من يحتج بأن عادة خارقة حصلت للشيخ الفلاني، حتى القساوسة يفعلون هذه الأشياء، مثل ما يصنعونه بين وقت وآخر في كنيسة الزيتون في القاهرة، ويفرح النصارى لذلك، وهذه حرفة يستخدمونها منذ عهد قديم للدجل والتلبيس على أتباعهم، ولتثبيت أقدامهم على دينهم المهزوز والمهزول والمحرف، والمؤمن لو أتاه جميع أهل الأرض بألف خارقة مما فيها تزيين دين النصارى فهو يعلم أنهم كاذبون قطعاً، فهؤلاء كذابون، لكن يعملون حيلاً يتقنونها من أجل خداع الناس، وربما استعانوا بالسحر أو الجن أو غير ذلك من الحيل كحيل الحاوي الظريف ليفتنوا الناس عن دينهم، فأنت على عقيدة التوحيد لا تهتز لخوارق العادات؛ لأن الخارقة في حد ذاتها ليست دليلاً من دلائل الصلاح أو التقوى، فهذا هو الدرس المستفاد مما يكون مع الدجال من الخوارق، وإذا قست أحوال هؤلاء بأحوال الدجال فسوف تجد أن الدجال أقدر منهم على ذلك بإقدار الله إياه فتنة وابتلاء للعباد، فليحذر الإنسان أن ينخدع بهذه الأشياء، ولا يحيد أبداً عن ميزانه الدقيق لكل الأمور.
الدجال يأتي بأعمال خارقة يروج بها باطله، حتى إن الرجل يأتيه ظاناً أن أمره لن يخفى عليه، وأن باطله لن يروج عليه، فعندما يرى ما عنده من مخاريق يتبعه، ففي سنن أبي داود عن عمران بن حصين ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (من سمع ب الدجال فلينأ عنه) يعني: إن سمع أنه في بلد فليهرب إلى بلد أبعد، وإذا لم يستطع فليصعد إلى الجبال، وليختبئ في الجبال، ولا يدفعك الفضول فتقول: أنا عندي إيمان وعندي يقين، فسوف أذهب لأراه، فإني لا أشك أنه دجال، فقد نصح النبي ﵊ أمته بهذه النصيحة العظمى: (من سمع بـ الدجال فلينأ عنه)، وهذه هي طريقة المؤمن في الفرار من الفتن، لا يتعرض لها، وأي فتنة إذا وجد المسلم له سبيلاً ليسلم منها فليسلكه، سواء فتنة مجالسة أهل البدع والضلال، أو الجلوس أمام الظالمين والفاسقين والنظر إلى صورهم، فهذا يحدث تأثيراً في القلب، ويضعف القلب، والنظر إلى الفساق في الأجهزة المعروفة له تأثير سيء على القلب، فيمرضه، ويضعف الإيمان واليقين فيه.
قال ﵊: (من سمع بـ الدجال فلينأ عنه، فوالله! إن الرجل ليأتيه وهو يحسب أنه مؤمن فيتبعه مما يبعث به من الشبهات).
من نظر في أمر الدجال نظر معتبر علم يقيناً أنه مبطل، وأن صفات الربوبية غير متحققة فيه، فهو بشر مسكين عاجز على الرغم مما يجري على يديه، يأكل ويشرب وينام ويبول ويتغوط، ومن كانت هذه حاله كيف يكون إلهاً معبوداً ورباً للكائنات؟! ومع وضوح ذلك فإن رسول الله ﷺ أخبرنا كثيراً عن صفاته وأحواله كي يعرفه المؤمنون الذين يخرج في عصرهم، وكي يستطيعوا مواجهته، ولا يغتروا بباطله، وكل هذه الصفات تبطل مذهب الضالين المبتدعين الذين يكذبون بأحاديث الدجال، مع أنها متواترة، ويحاولون الهروب منها، كان المعتزلة في الماضي حين لا تعجبهم بعض الأحاديث يؤولونها ويحرفون معانيها، والآن اجترأ المبتدعون أكثر، فما أهون عليهم أن يكذبوا بالأحاديث رأساً! أما المبتدعون الأوائل فما كانوا يقوون على التكذيب، وإنما كانوا يؤولون ويحرفون المعاني.
стр. 540
طول الدجال ولونه وصورته وشعره
في صحيح البخاري عن عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ : (رأى الدجال في منامه، ثم وصفه بأنه رجل جسيم -يعني ضخم الجسم- أحمر -يعني: أنه أبيض مشرب بحمرة- جعد الرأس، أعور العين، كأن عينه عنبة طافية، أقرب الناس به شبهاً ابن قطن من خزاعة).
وفي مسند أحمد وأبي داود عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إني حدثتكم عن الدجال حتى خشيت ألا تعقلوا، إن المسيح الدجال رجل قصير أفحج أدعج أعور أو جعد أعور مطموس العين، ليست بناتئة ولا حجراء، فإن ألبس عليكم فاعلموا أن ربكم ليس بأعور، وأنكم لن تروا ربكم) يعني في الدنيا، فالله ليس كمثله شيء، وهذا أول شيء يعرفه المؤمن عن ربه، ولكن ربما لا تصمد بعض القلوب أمام فتنة الدجال إذا قال لهم: هل تصدقون أني ربكم إذا أتيتكم بالآيات الفلانية التي لا يقدر عليها إلا الله؟ فيقولون: نعم، فيفعل أشياء خارقة مثل إحياء الميت وغير ذلك، فيفتنون ويغفلون عن الصفات التي جعلها الله في المسيح الدجال مما يدل دلالة ظاهرة على بطلان دعواه، وعلى كذبه ودجله.
يقول ﵊: (إن المسيح الدجال رجل قصير أفحج) الأفحج: الذي به فحج، وهو اعوجاج في الساقين أو تباعد في الفخذين، فصفاته الظاهرة كلها عيوب، فكيف يكون إلهاً؟! الله ليس كمثله شيء، ولا يعرف كيف هو إلا هو، ومع ذلك يبين النبي ﵊ هذه الأوصاف مع أن حاله ظاهر تماماً، وعلى الأقل إن كان هو الله الذي يمنح الناس الجمال ففاقد الشيء لا يعطيه، فكيف خلق من هو أجمل منه في حين هو ظاهر بهذه العيوب الخلقية، ومنها أنه أفحج الساقين يمشي مشية الأطفال الذين يعانون من لين العظام (الكساح).
وفي صحيح ابن حبان ومسند الإمام أحمد عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (الدجال أعور، هجان أزهر، ورأسه أصلة) الهجان هو الأبيض، والأبيض هو أيضاً معنى الأزهر، وهذا لا ينافي كونه أحمر كما ذكرنا؛ لأن البياض يشرب بحمرة فيوصف أحياناً بهذا ويوصف بهذا، ومنها قولهم في حق أم المؤمنين عائشة ﵁: الحميراء يعني: البيضاء.
وقوله: (ورأسه أصلة) الأصلة: هي الحية الضخمة العظيمة أو القصيرة، والعرب يشبهون الرأس إذا كان صغير الحجم وكثير الحركة بالحية.
ثم قال ﵊: (أشبه الناس بـ عبد العزى بن قطن، فإما هلك الهلك) يعني: لو كل هذه الصفات لم تنفع في تنفير الناس من دعوته، وإظهار بطلان أمره، وهلك الناس في اتباعه مع ظهور هذه القبائح في شكله (فإن ربكم ليس بأعور).
стр. 541
صفة عيني الدجال
اهتم الرسول ﷺ في وصف الدجال ببيان وصف عينيه؛ لأن الدجال مهما أخفى صفاته فإنه لا يستطيع أن يخفي عينيه، فالعينان ظاهرتان بارزتان يراهما كل أحد، وبهما صفات واضحة لا تخفى، فقد أشارت الأحاديث السابقة إلى عيوب في عينيه، أوضحها أنه أعور، وجاء في بعض الأحاديث أن العين العوراء هي اليمنى، وجاء في أحاديث أخرى أنها اليسرى، وكونها اليمنى أرجح، فأحاديثها مما اتفق على إخراجه البخاري ومسلم.
وشبه الرسول ﷺ تلك العين بالعنبة الطافية، يعني: أنها جاحظة إلى الخارج، وفي حديث آخر: وصف عينه اليمنى بكونها (عوراء جاحظة لا تخفى، كأنها نخاعة في حائط مجفف) يعني: كنخاعة في جدار، فهي ظاهرة القبح.
وفي الحديث الآخر قال ﵊: (أعور العين اليمنى كأنها عنبة طافية)، وفي حديث آخر: (وعينه اليمنى عوراء جاحظة لا تخفى كأنها نخاعة في حائط مجفف، وعينه اليسرى كأنها كوكب دري).
وهي مع ذلك ممسوحة كما في الحديث الذي رواه مسلم: (الدجال ممسوح العين).
وفي بعض الروايات في مسلم: (العين التي ذهب ضوءها -وهي الممسوحة- عليها غفرة غليظة)، والغفرة جلدة تنبت عند المآقي، وتغطي العين.
وقد وصف النبي ﵊ العين التي يرى بها فقال: (الدجال عينه خضراء كالزجاجة).
أيضاً: من العلامات التي جعلها الله ﵎ في الدجال علامة لا يعرفها إلا المؤمنون فقط دون غيرهم ممن طمس الله بصائرهم، هذه العلامة كتابة بين عينيه نصها: ك ف ر، مكتوبة بين عينيه على جبهته، وهذه الكلمة كل مسلم -حتى المسلم الأمي الذي لا يقرأ ولا يكتب- يستطيع أن يقرأها بإقدار الله ﵎ إياه على ذلك، فيقول النبي ﷺ : (ما بعث نبي إلا أنذر أمته الأعور الكذاب، ألا إنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور، وإن بين عينيه مكتوب: كافر).
وفي رواية أخرى: (مكتوب بين عينيه: ك ف ر).
وفي حديث أبي أمامة: (مكتوب بين عينيه: كافر، يقرؤه كل مؤمن كاتب أو غير كاتب).
وفي صحيح مسلم: (مكتوب بين عينيه: كافر يقرؤه من كره عمله أو يقرؤه كل مؤمن) وهذه الكتابة على حقيقتها، ليست رمزاً ولا مجازاً كما يزعم بعض الضالين، ولكنها علامة وكتابة حقيقية من جملة العلامات القاطعة بكفره وكذبه وإبطاله، يظهرها الله لكل مسلم كاتب أو غير كاتب، ويخفيها عمن أراد شقاوته وفتنته، ولا مانع من ذلك.
أيضاً من صفات الدجال أنه عقيم لا يولد له كما في صحيح مسلم.
إذاً: صفات الدجال صفات بها نقص كبير، فكيف يصح لمثل هذا المخلوق الضعيف المربوب دعوى الربوبية؟! والله لا يرى في الدنيا كما قال ﷺ : (تعلموا أنه لن يرى أحد منكم ربه حتى يموت).
الدجال غير سوي الخلقة، ففيه عيوب لا تخفى منها أنه أعور، يقول النبي ﵊: (إن الله ليس بأعور -وأشار بيده إلى عينيه- وإن المسيح الدجال أعور العين اليمنى، وإن عينه عنبة طافية).
ومنها أنه أفحج، وهو: تباعد ما بين الساقين أو الفخذين، وقيل: اقتراب صدور القدمين مع تباعد العقبين، وقيل: هو الذي في رجله اعوجاج.
يقول القاضي أبو بكر ابن العربي ﵀: في اختلاف صفات الدجال بما ذكر من النص بيان أنه لا يدفع النقص عن نفسه كيف كان، وأنه محكوم عليه في نفسه، ولو كان حاكماً لحكم على نفسه بالجمال أو بحسن الصورة.
فالأوصاف التي جاءت في الأحاديث تدل على أنه عاجز عن أن يدفع النقص عن نفسه، فلو كان رباً لأزال النقص الذي في نفسه، فعدم إزالته لعيوبه دليل على أنه مربوب مقهور لا يستطيع أن يتخلص من عيوبه.
والنبي ﷺ بالغ في بيان كونه أعور؛ لكون العور أثراً محسوساً يدركه العالم والعامي ولو لم يهتد إلى الأدلة العقلية، فمن رآه أعور يشعر بأنه ناقص وأنه مربوب.
стр. 542
القدرات الهائلة التي يقدر الله الدجال عليها امتحاناً للعباد
يعطى الدجال الإمكانات الهائلة -التي يقدره الله عليها- ابتلاء للعباد وامتحاناً لهم واختباراً، فإنه يعطى أموراً مذهلة تفتن الناس فتنة عظيمة، والخبر ليس كالعيان، قال الله ﵎ عن أصحاب الكهف: ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ [الكهف:١٨] مع أن الله وصف حالهم في الكهف وهم نيام فما ولى فراراً، ثم قال له: لو اطلعت عليهم ورأيتهم بعينيك لوليت منهم فراراً، فدل على أن الخبر ليس كالمعاينة، وموسى ﵇ أخبره الله بأن قومه اتخذوا العجل من بعده فغضب، لكنه لما عاد إليهم ورآهم يعبدون العجل غضب غضباً شديداً وألقى الألواح التي كتبها الله له بيده كما قال الله: ﴿وَأَلْقَى الأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾ [الأعراف:١٥٠] فكان انفعاله لما رأى قومه أكبر وأعظم من انفعاله لما سمع خبرهم، فليس المخبر كالمعاين، وكذلك هذه الفتن إذا سمعناها نستفظعها جداً، فمن يراها بعينه سيكون انفعاله وتأثره بها كبيراً إلا من حفظه الله ﵎.
الدجال يكون له قدرة على التنقل في أرجاء الأرض بسرعة هائلة، ففي حديث النواس بن سمعان أن رسول الله ﷺ سئل عن إسراع الدجال في الأرض فقال: (كالغيث استدبرته الريح).
وقد أخبر النبي ﷺ أنه سيجول في أقطار الأرض، ولا يترك بلداً إلا دخله سوى مكة والمدينة، وأنا أعرف رجلاً ألمانيا أسلم منذ مدة في ألمانيا الغربية، وهو الآن يعيش في مكة ومعه زوجته وهي أيضاً ألمانية، وذلك بسبب هذا الحديث؛ لأن الدجال لا يدخل مكة والمدينة، فلذلك هو يعيش في مكة ولا يخرج منها عملاً بهذا الحديث، وفراراً من هذه الفتنة التي يتوقعها.
يقول النبي ﵊: (ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال إلا مكة والمدينة)، وفي بعض الأحاديث: (وإنه لا يبقى شيء من الأرض إلا وطئه وظهر عليه إلا مكة والمدينة، لا يأتيهما من نقب من أنقابهما إلا لقيته الملائكة بالسيوف صلتة) والصلت هو السيف الثقيل اللامع، فالملائكة تحرس مكة والمدينة على كل طرقاتها وأنقابها.
وفي مسند الإمام أحمد: (أن الدجال حينما يعجز عن دخول المدينة يقف على الجبال خارج المدينة ويقول لأتباعه: انظروا إلى قصر أحمد) وهذا إشارة إلى الفخامة والزخارف التي أضيفت إلى المسجد النبوي، والمسجد النبوي في عهد النبي ﵊ كان مصنوعاً من الجريد والنخيل وسعف النخيل، أما كونه كالقصر، فهذا مما لا يرضاه رسول الله ﵊، فقد نهى أن تزخرف المساجد؛ لأن الزخرفة تشوش قلوب المصلين.
ومما يفتن الناس بـ الدجال أن الدجال يكون معه ما يشبه نهراً من ماء ونهراً من نار، والحقيقة أنه ليس كما يبدو للناس، فإن الذي يرونه ناراً هو في الحقيقة ماء بارد، والذي يرونه ماء بارداً هو في حقيقته نار، ففي صحيح مسلم عن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (معه جنة ونار، فناره جنة، وجنته نار).
وفي حديث آخر: (إن معه ماء وناراً، فناره ماء بارد، وماؤه نار، فلا تهلكوا) يعني: لا تفتنوا بهذا الظاهر.
وفي حديث حذيفة في مسلم: (لأنا أعلم بما مع الدجال منه) يعني: الرسول ﷺ أعرف بما مع الدجال من معرفته هو بنفسه، قال: (لأنا أعلم بما مع الدجال منه، معه نهران يجريان، أحدهما رأي العين ماء أبيض، والآخر رأي العين نار تأجج، فإما أدركن أحد فليأت الذي يراه ناراً، وليغمض ثم ليطأطئ رأسه فيشرب منه فإنه ماء بارد).
وفي رواية أخرى: (إن الدجال يخرج فإن معه ناراً وماء، فأما الذي يراه الناس ماء فنار تحرق، وأما الذي يراه الناس ناراً فماء بارد عذب، فمن أدرك ذلك منكم فليقع في الذي يراه ناراً فإنه ماء عذب طيب)، فالناس لا يدركون ما مع الدجال في الحقيقة، فيخدعون به إلا من عصمه الله، فما يرونه لا يمثل الحقيقة بل يخالفها، ولذلك جاء في بعض الأحاديث: (وإنه يجيء معه مثل الجنة والنار، التي يقول: إنها الجنة هي النار).
стр. 543
من فتن الدجال
الدجال يستعين بالشياطين، والشياطين لا تخدم إلا من يكون في غاية الإفك والضلال والغرق في العبودية لغير الله ، يقول النبي ﵊ حاكياً عن فتنة الدجال: (وإن من فتنته أن يقول للأعرابي: أرأيت إن بعثت لك أباك وأمك أتشهد أني ربك؟ فيقول: نعم، فيتمثل له شيطان في صورة أبيه وأمه، فيقولان: يا بني! اتبعه فإنه ربك)، فما أعظم هذه الفتنة، وإن لم يعصم الله ﵎ الإنسان يفتن بها، فهذه الفتنة العظيمة هي أشد فتنة في تاريخ البشر على الإطلاق.
ومن فتنته التي يمتحن الله بها عباده أن المسيح الدجال يأمر السماء أن تمطر فتمطر، ويأمر الأرض أن تنبت فتنبت في الحال، ويدعو البهائم فتتبعه، ويأمر الخرائب أن تخرج كنوزها المدفونة فتستجيب، ففي حديث النواس بن سمعان ﵁ أن النبي ﷺ قال: (فيأتي على القوم فيدعوهم فيؤمنون به ويستجيبون له، فيأمر السماء فتمطر -يريد أن يكافئهم عندما آمنوا به رباً وإلهاً- والأرض فتنبت، فتروح عليهم سارحتهم -المواشي- أفضل ما كانت دراً، وأسبغه ضروعاً، وأمده خواصر، ثم يأتي القوم فيدعوهم فيردون عليه قوله، فينصرف عنهم فيصبحون ممحلين ليس بأيديهم شيء من أموالهم، ويمر بالخربة فيقول لها: أخرجي كنوزك، فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل) يعني: جماعات ذكور النحل، فالكنوز تخرج من الأرض وتنشق عن الأرض وتطير في الهواء تتبعه! ومن فتنته: أنه يقتل فيما يظهر للناس ذلك الشاب المؤمن ثم يدعي أنه أحياه، ففي صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: حدثنا رسول الله ﷺ حديثاً طويلاً عن الدجال، فكان مما حدثنا أنه قال: (يأتي الدجال وهو محرم عليه أن يدخل أنقاب المدينة، فينزل بعض السباخ التي تلي المدينة، فيخرج إليه يومئذ رجل هو خير الناس أو من خير الناس، فيقول: أشهد أنك الدجال الذي حدثنا رسول الله ﷺ حديثه، فيقول الدجال -لمن حوله-: أرأيتم إن قتلت هذا ثم أحييته هل تشكون في الأمر؟ فيقولون: لا.
فيقتله ثم يحييه، فيقول: والله ما كنت فيك أشد بصيرة مني اليوم)، فيكون أشد بصيرة بأنه الدجال؛ لأن هذا الشاب يعلم بهذا الحديث المشهور، ويعلم أنه الشاب الذي شهد له رسول الله ﵊ بأنه من خير الناس يومئذ.
ثم قال ﵊: (فيريد الدجال أن يقتله فلا يسلط عليه).
وفي رواية أخرى في صحيح مسلم: (يخرج الدجال ويتوجه قبله رجل من المؤمنين، فتلقاه مسالح الدجال، -وهم المراقبون والخفراء الذين يحملون السلاح ويجلسون في مراكز المراقبة- فيقولون له: أين تعمد؟! فيقول: أعمد إلى هذا الذي خرج! فيقولون له: أوما تؤمن بربنا؟! فيقول: ما بربنا خفاء.
فيقولون: اقتلوه، فيقول بعضهم لبعض: أليس قد نهاكم أن تقتلوا أحداً دونه؟ فينطلقون به إلى الدجال فإذا رآه المؤمن يقول: يا أيها الناس! هذا المسيح الدجال الذي ذكر رسول الله ﷺ ، فيأمر به الدجال فيشبح -يعني: يمد على بطنه- فيقول: خذوه وشدوه، فيوسع ظهره وبطنه ضرباً، فيقول: أوما تؤمن بي؟ فيقول: أنت المسيح الكذاب.
قال: فيؤمر به فينشر بالمنشار من مفرقه حتى يفرق بين رجليه، ثم يمشي الدجال بين القطعتين، ثم يقول له: قم، فيستوي قائماً -يعني يعود حياً- ثم يقول له: أتؤمن بي؟ فيقول: ما ازددت فيك إلا بصيرة، ثم يقول للناس: يا أيها الناس! إنه لا يفعل بعدي بأحد من الناس -لأن هذا الشاب يعرف هذا الحديث- فيأخذه الدجال ليذبحه، فيجعل الله ما بين رقبته إلى ترقوته نحاساً فلا يستطيع إليه سبيلاً، فيأخذ بيديه ورجليه فيقذف به، فيحسب الناس أنما قذفه إلى النار وإنما ألقي في الجنة، قال رسول الله ﷺ : هذا أعظم الناس شهادة عند رب العالمين) وهذا الحديث رواه مسلم في صحيحه.
стр. 544
مكان خروج الدجال
يخرج الدجال من المشرق من بلاد فارسية يقال لها: خراسان، ففي الحديث الصحيح عن أبي بكر ﵁ قال: حدثنا الرسول ﷺ : (إن الدجال يخرج من أرض بالشرق يقال لها: خراسان، يتبعه أقوام كأن وجوهم المجان المطرقة).
لكن يظهر أمره للمسلمين عندما يصل إلى مكان بين العراق والشام، يقول ﵊: (إنه خارج خلة بين الشام والعراق، فعاث يميناً وعاث شمالاً، يا عباد الله! فاثبتوا) وهذه وصية من رسول الله ﷺ .
ثم سأل الصحابة ﵃ النبي ﵊ عن المدة التي يمكثها الدجال في الأرض فقال: (أربعون يوماً، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم) يوم كسنة يعني ثلاثمائة وخمسة وستين يوماً، ويوم كشهر أي: ثلاثين يوماً، ويوم كجمعة سبعة أيام، ثم باقي أيامه سبع وثلاثين يوماً، فمجموعها يكون حوالى أربعمائة وتسعة وثلاثين يوماً، فهي أربعون يوماً لكن منها يوم مدته من الفجر إلى أن ينتهي ذلك اليوم سنة كاملة، ولذلك قال الصحابة ﵃: (يا رسول الله! فذاك اليوم الذي كسنة أتكفينا فيه صلاة يوم؟! قال: لا، اقدروا له قدره)، وبهذا الحديث يفتي العلماء الناس الذين يعيشون في الأماكن التي لا تكاد تغرب الشمس فيها إلا قليلاً جداً، فالليل تكون مدته عندهم ساعة أو أقل، فيفتونهم أن يقدروا مواقيت البلاد المعتدلة ويصلون بحسبها، وهذه الإجابة من الرسول ﵊ في قوله: (اقدروا له قدره) تدل على أن هذا الطول طول حقيقي غير مجازي.
стр. 545
أتباع الدجال
المسيح الدجال الأعور الكذاب هو الملك الذي ينتظر اليهود خروجه، فهم حينما بعث المسيح عيسى ﵇ كفروا به وكذبوه وسبوه وسبوا أمه ﵉، ويعتقدون أنه حين يعاد بناء هيكل سليمان الثالث في القدس سيخرج لهم المسيح حتى يحكم العالم من أورشليم القدس، فحينما يخرج المسيح الدجال يقولون: هذا هو المسيح الذي كنا ننتظره، فيكون اليهود أول أتباعه، يقول ﵊: (أكثر أتباع الدجال اليهود والنساء)، فالنساء في عقولهن شيء من الخفة، وفي بعض الأحاديث أن الرجال حينما يرون افتتان النساء بـ المسيح الدجال يربطونهن ويوثقونهن بالحبال في البيوت؛ حتى لا يخرجن فينظرن إلى الدجال فيؤمن به.
وقال ﷺ : (يتبع الدجال من يهود أصبهان سبعون ألفاً عليهم الطيالسة) الطيالسة جمع طيلسان، وهو ثوب يلبس على الكتف يحيط بالبدن خال من التفصيل.
ذكر أبو نعيم أن إحدى القرى التابعة لمدينة أصبهان كانت تدعى اليهودية، وكانت تخص سكنى اليهود، ولم تزل كذلك حتى مصرها أيوب بن زياد في زمن المهدي بن المنصور العباسي، فسكنها المسلمون وبقيت لليهود منها قطعة.
والدجال عند اليهود اسمه المسيح بن داود، وهم يزعمون أنه يخرج آخر الزمان فيبلغ سلطانه البر والبحر، وتكون معه الأنهار، وهم يزعمون أنه آية من آيات الله، ويرد إليهم الملك في وقته، وقد كذبوا في زعمهم هذا، بل هو مسيح الضلالة الكذاب، أما مسيح الهدى عيسى بن مريم فإنه يقتل الدجال مسيح الضلالة كما يقتل أتباعه من اليهود، والمسلمون والنصارى ينتظرون نزول المسيح عيسى للمرة الثانية، واليهود ينتظرون مجيء المسيح للمرة الأولى، والنصارى يزعمون أنه يعود بصفته ابن الله، وثالث ثلاثة والعياذ بالله! فضلت النصارى كاليهود في هذا، أما أهل الحق فيعتقدون أن المسيح عيسى ينزل داعية إلى دين الإسلام، ومتبعاً لسنة خير الأنام ﷺ ، وحاكماً بالقرآن والسنة، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويحكم الناس بكتاب الله ﵎.
стр. 546
لا يدخل الدجال مكة والمدينة
الله حفظ مكة والمدينة من الدجال والطاعون، ووكل حفظهما إلى ملائكته، يقول ﷺ : (على أنقاب المدينة ملائكة لا يدخلها الطاعون ولا الدجال).
ويقول ﷺ : (لا يدخل المدينة رعب المسيح، لها يومئذ سبعة أبواب، على كل باب ملكان).
وأيضاً يقول ﵊: (يأتي المسيح من قبل المشرق وهمته المدينة حتى إذا جاء دبر أحد تلقته الملائكة فضربت وجهه قبل الشام، هناك يهلك، هناك يهلك) يعني: نهايته في الشام.
وأيضاً جاء في الصحيحين عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال إلا مكة والمدينة، وليس نقب من أنقابها إلا عليه الملائكة حافين تحرسها، فينزل بالسبخة -وهي الأرض الرملية التي لا تنبت بسبب الملوحة التي فيها- على أطراف المدينة، فترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات يخرج إليه منها كل كافر ومنافق) فالمدينة تهتز وترجف حتى تغربل أهلها وتطرد الكافرين والمنافقين عنها، وتخرجهم إلى المسيح الدجال.
ويقول ﷺ : (وإنه لا يبقى شيء من الأرض إلا وطئه المسيح وظهر عليه إلا مكة والمدينة لا يأتيهما من نقب من أنقابهما إلا لقيته الملائكة بالسيوف صلتة حتى ينزل عند الضريب الأحمر عند منقطع السبخة، فترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات، فلا يبقى فيها منافق ولا منافقة إلا خرج إليه، فتنفي الخبيث منها كما ينفي الكير خبث الحديد، ويدعى ذلك اليوم يوم الخلاص، قيل: فأين العرب يومئذ؟! قال: هم يومئذ قليل).
стр. 547
الناجون من فتنة الدجال
الأحاديث التي وردت في الفتن غالباً ما تقترن بطريق العصمة والنجاة منها كما في فتنة المسيح الدجال، وهذا مما يستفاد من مدارستها، والمسلمون قبل خروج الدجال تكون لهم قوة كبيرة، ويخوضون حروباً هائلة يخرجون منها منتصرين، فيأتي الدجال ليقضي على قوة المسلمين التي تكون قد هدمت أقوى دولة في ذلك الوقت وهم الروم، ويكون المؤمنون قد استعادوا القسطنطينية وفتحوها، ويصرخ الشيطان بهم أن الدجال قد خلفهم في ذراريهم، فيتركون الغنائم ويعودون إلى ديارهم، ثم يخرج الدجال فلا يضع المسلمون سلاحهم، ولذلك فإن عيسى عندما ينزل يجد المسلمين يعدون العدة للقتال وهم يسوون الصفوف، ولاشك أن على كل مسلم حي في ذلك الوقت أن ينضم إلى القوة الإسلامية الحاملة لراية الجهاد في سبيل الله ﵎، وأن يثبت على الحق مهما اشتد البلاء، وهذا ما أوصانا به رسول الله ﵌ وهو يحدثنا عن خروج الدجال حيث يقول: (إنه خارج خلة بين الشام والعراق -يعني: طريق بين حدود البلدين- فعاث يميناً وعاث شمالاً، يا عباد الله! فاثبتوا).
فليس هناك طريق للنجاة غير الثبات.
وقد حذر النبي ﷺ أي مسلم أن يأتي إلى الدجال مهما كان واثقاً من نفسه؛ فإن معه من الشبهات ما يزلزل بها الإيمان، يقول ﷺ : (من سمع بـ الدجال فلينأ عنه، فوالله! إن الرجل ليأتيه وهو يحسب أنه مؤمن فيتبعه مما يبعث به من الشبهات أو لما يبعث به من الشبهات)، ولا بأس على الذين لا يطيقون مقاومته أن يفروا من طريقه، وهذا ما يفعله كثير من الناس في ذلك الزمان، يقول ﷺ : (ليفرن الناس من الدجال في الجبال) فإذا اضطر المؤمن إلى مواجهته فعليه أن يقوم بالأمر ويصدع بالحق ويحسن الحجاج، يقول ﷺ : (إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم) يعني: لا تقلقوا فأنا أتولى حجاجه، وأبطل باطله، وجاء في الحديث أنه ﵊ حدثهم يوماً عن الدجال فخفض فيه ورفع حتى ظن الصحابة أنه في طائفة النخل من كثرة ما رفع صوته ﷺ واحتد وغضب، فهو مشفق على الأمة من هذه الفتنة العظيمة، والصحابة من شدة تصوير النبي ﵊ لفتنته ظنوا أنه مختبئ لهم في طائفة النخل القريبة.
يقول ﵊: (إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم، وإن يخرج ولست فيكم فامرؤ حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مسلم) انظر إلى شفقته ﵊ بأمته قال: (والله خليفتي على كل مسلم).
وقد ترك رسول الله ﷺ من العلم ما يكشف حقيقة الدجال، فهو جسم مرئي يأكل ويشرب، والله لا يرى في الدنيا، والله منزه عن الطعام والشراب، وهذا الدجال أعور كما في الحديث: (إنه شاب قطط عينه طافية أشبه الناس به عبد العزى بن قطن)، ومن كان كذلك فإن دعواه الألوهية والربوبية كذب وافتراء بلاشك.
стр. 548
أسباب النجاة من فتنة الدجال
أمر الرسول ﷺ من أدركه أن يقرأ عليه فواتح سورة الكهف فقال: (من أدركه منكم فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف)؛ فلذلك يستحب حفظ العشر الآيات الأول على الأقل من سورة الكهف حتى إذا ابتلي الإنسان بفتنة الدجال فإذا قرأها عليه يعصمه الله من فتنته، يقول ﵊: (وإن من فتنته أن معه جنة وناراً، فناره جنة، وجنته نار، فمن ابتلي بناره فليستغث بالله وليقرأ فواتح الكهف).
وقد جاء في الأحاديث الصحيحة: (من حفظ عشر آيات من سورة الكهف عصم من فتنة الدجال)، وجاء في بعضها: (من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف)، وفي بعضها: (من آخر سورة الكهف)، فلماذا قراءة فواتح سورة الكهف أو خواتمها بالذات تكون أماناً من المسيح الدجال؟ قال بعض العلماء: لأن الله أخبر في طليعة هذه السورة أن الله أمن أولئك الفتية من الجبار الطاغية الذي كان يريد إهلاكهم، فناسب أن من قرأ هذه الآيات وحاله كحالهم أن ينجيه الله كما أنجى الفتية أصحاب الكهف، وقيل: لأن في أولها من العجائب والآيات ما تثبت قلب من قرأها بحيث لا يفتن بـ الدجال ولا يستغرب بما جاء به الدجال، ولا يؤثر فيه دجله.
ومما يعصم المسلم من فتنة الدجال أن يلجأ إلى أحد الحرمين الشريفين مكة أو المدينة، فإن الدجال محرم عليه دخولهما، وقد بين النبي ﵊ كيف سيواجه ذلك الرجل الصالح الدجال، ويصدع في وجهه بالحق كما سبق في الأحاديث.
ومما ينجي العبد من الدجال الالتجاء إلى الله، والاحتماء به منه ومن فتنته، تقول عائشة ﵂ -كما في صحيح البخاري -: (سمعت رسول الله ﷺ يستعيذ في صلاته من فتنة الدجال).
وكان ﵊ يتعوذ دائماً بعد التشهد من فتنة الدجال فيقول: (اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال) حتى إن بعض العلماء يوجب ذلك، وأكثرهم يقول: ليس واجباً، ولكنه مستحب بدليل قوله: (ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه)، واستدل من يقول بوجوبه بأنه أمر بذلك (فليستعذ بالله)، وابن حزم ﵀ يبطل صلاة من لم يتعوذ بالله من هذه الأربع.
стр. 549
نهاية المسيح الدجال
نهاية المسيح الدجال تكون على يد المسيح عيسى بن مريم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، يقول ﵊: (فبينما هم -يعني الجيوش الإسلامية- يعدون للقتال يسوون الصفوف إذ أقيمت الصلاة، فينزل عيسى بن مريم فأمه، فإذا رآه عدو الله ذاب كما يذوب الملح في الماء، فلو تركه لانذاب حتى يهلك، ولكن يقتله الله بيده فيريهم دمه) فالمسيح يريهم دم الدجال علامة يقينية على هلاكه.
ويقول ﵊ في رواية أخرى: (وإمامهم منهم) أي: إمام المسلمين الذين يعدون العدة للقتال في ذلك الوقت رجل صالح منهم، وبينت بعض الروايات أنه المهدي ﵇.
جاء في حديث آخر: (فبينا إمامهم قد تقدم يصلي بهم الصبح إذ نزل عليهم عيسى ابن مريم، فرجع ذلك الإمام ينكص يمشي القهقرى ليتقدم عيسى، فيضع عيسى يده بين كتفيه ثم يقول له: تقدم فصل فإنها لك أقيمت، فإذا انصرف -يعني: خرج من الصلاة، وبعض العلماء يقول: أي: إذا انصرف إلى بيت المقدس -والمسلمون فيه محصورون قال عيسى: افتحوا الباب، فيفتحون ووراءه الدجال معه سبعون ألف يهودي كلهم ذو سيف محلى وتاج، فإذا نظر إليه الدجال ذاب كما يذوب الملح في الماء، فينطلق هارباً فيدركه عند باب لد الشرقي -وهي مدينة معروفة في فسلطين قرب مدينة الرملة- فيقتله، فيهزم الله اليهود، فلا يبقى شيء مما خلق الله يتواقى به اليهود إلا أنطق الله ذلك الشيء لا حجر ولا شجر ولا حائط ولا دابة إلا قال: يا عبد الله! يا مسلم! هذا يهودي تعال فاقتله)، فكل ما على الأرض يوالي المسلمين من الحجر والشجر إلا شجر الغرقد الذي هو شجر خاص باليهود، وقد حكى الشيخ محمد قطب أن اليهود يأخذون بهذا الحديث، فهم يعلمون أن رسول الله قال حقاً وصدقاً، ولكنهم يجحدون ويحسدون بني إسماعيل أبناء عمومتهم، فكفرهم كفر جحود، وهم الآن يسكثرون جداً في فلسطين من زراعة هذا النوع من الشجر؛ لأنهم يعلمون بهذا المصير الحتمي الذي أخبر به رسول الله ﷺ .
ويقول ﵊: (لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم المسلمون حتى يختبئ اليهودي وراء الحجر والشجر فيقول الحجر والشجر: يا مسلم! يا عبد الله! هذا يهودي خلفي تعال فاقتله إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود).
هذه بعض الأحاديث التي وضحت لنا حقيقة المسيح الدجال، وكيف العصمة والنجاة منه، واستفدنا منها كثير من الفوائد، وأعظمها أسباب النجاة من الفتن، وأن أي شخص مهما أوتي من خوارق العادات فلا يكون ذلك دليلاً على ولايته لله، ولا على أن منهجه هو منهج الحق والصواب؛ لأن المسيح الدجال سوف يقدر على أضعاف ما يقدر عليه هؤلاء مع أنه المسيح الدجال الكذاب الأكبر الأعور الذي كل صفاته وأعماله ناطقة بكذبه وباطله.
نسأل الله تباك وتعالى أن يعصمنا وإياكم من الفتن ما ظهر منها وما بطن.
سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
стр. 550
في مواجهة المواجهة
لقد اتحدت قوى الكفر والإلحاد في هذا الزمان في وجه الإسلام وأهله، ويساندهم في ذلك كثير من الرويبضات السفلة ممن أضاع دينه وضميره وعقله، فصار مجنوناً في صورة عاقل، ونذلاً في صورة شريف، وأبله في صورة عاقل، فجعلوا ينخرون في جسد الأمة، ويعملون فيها بمعاولهم الهدامة، فربما أفسدوا في الأمة أكثر مما يفسد فيها العدو الخراجي.
стр. 551
سبب تكالب الكفار على الأمة الإسلامية
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا, من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة, من يطع الله ورسوله فقد رشد, ومن يعص الله ورسوله فإنه لا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.
اللهم صل على محمد عبدك ورسولك النبي الأمي، وعلى آل محمد وأزواجه وذريته, كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم, وبارك على محمد النبي الأمي، وعلى آل محمد وأزواجه وذريته، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.
أما بعد: فهناك سؤال يتكرر كثيراً, فتعقبه علامة استفهام واحدة، وتعقبه عدة علامات تعجب، وهو: لماذا يتحد العالم كله ضد الإسلام والمسلمين فيما يشبه حرباً عالمية شاملة على كل مستوى وفي كل صعيد؟ ولماذا هذه المذابح في البوسنة وبورما وتايلند وغيرها؟ ولماذا هذه الحملات على كل من يرفع شعار الإسلام ويدعو إليه؟ ولماذا يستثنى المسلمون بالذات حينما يتكلمون عن حقوق الإنسان, وحينما يستنكرون المذابح يقولون: إلا المسلمين، وحينما ينادون بما يسمى بالديمقراطية يقولون: إلا المسلمين؟ لماذا هذه القفزة الهائلة التي قفزها العلمانيون أعداء الله وأعداء رسول الله ﷺ ، الذين أساءوا لدينه وأساءوا لسنته، فقد كانوا من قبل يستخفون بعلمانيتهم, وإذا بهم اليوم يجاهرون وبلا أدنى استحياء؟ كل هذه الأسئلة وعشرات أمثالها جوابها عبارة واحدة وهي: أنهم يكرهون الإسلام ويخافون منه.
والسؤال المنطقي الذي يفرض نفسه هو: لماذا هذا الحقد على الإسلام؟ ولماذا هذا الخوف من الإسلام؟ إنّ الذين يخافون الإسلام هم الكفار سواء الغربيون منهم أو الشرقيون, والمنافقون عباد الأهواء والشهوات، الذين وصفهم رسول الله ﷺ كما نراهم وكما نحس بهم في زماننا هذا: (دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها، قالوا: يا رسول الله! صفهم لنا، جلهم لنا، فقال ﵌: هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا).
وبين الفريقين: الأول الكافر، والثاني المنافق الزنديق صلات أكيدة، وروابط وطيدة وعلاقات وثيقة، كتلك التي تكون بين التاجر والسمسار, أساسها الربح المتبادل للطرفين، أو كتلك العلاقات الوطيدة والحميمة التي تقوم بين الحمار وراكبه, وأساسها السخرة والاحتقار, فالعالم الكافر بكل أبعاده وإمكاناته ودوله يريد علواً في الأرض وفساداً، ويردد مقولة أعداء الإسلام في كل عصر وفي كل مصر, وهي مقولة فرعون: ﴿وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الأَرْضِ﴾ [يونس:٧٨] , ويردد شعار ألمانيا, ذلك الشعار النازي الذي يزعمون أنهم يستنكرونه على هتلر وأمثاله، وهو: ألمانيا فوق الجميع, وهم في الحقيقة يرفعون هذا الشعار ليكون الكفر بأشكاله وألوانه فوق الجميع، فهذا الصراع هو صراع من أجل العلو في الأرض والإفساد فيها كما قال الله ﵎.
فيرفع هذا الشعار على أيدي أعداء الله من اليهود والنصارى وغيرهم من الملاحدة مع تغيير ألفاظه، وجمع العالم كله في نفس الوقت لتحقيق معناه ومضمونه, فإنهم لما فشلوا في مقاومة الإسلام عسكرياً لجئوا إلى عدة أساليب, فلجئوا إلى إضعاف قوة البلاد الإسلامية, ولجئوا إلى تدمير طاقات البلاد الإسلامية, فتقوم الدنيا وتقعد إذا قيل إن باكستان عندها أسلحة نووية، ويطالبونها بالتفتيش، ويقاطعونها من كل مكان وغير ذلك من الإجراءات المعروفة، أما حينما يكون عند اليهود في فلسطين ترسانة من الأسلحة النووية فلا حرج ولا ضير؛ لأن القاعدة كما ذكرنا: إلا المسلمين، فعمدوا إلى تمزيق الأمم الإسلامية إلى دويلات وشعوب، بحيث لا تجتمع اثنتان منهما على هدف واحد له قيمة, يقول المستر ميرن براون: إذا اتحد المسلمون في إمبراطورية عربية أمكن أن يصبحوا لعنة على العالم وخطراً, أما إذا بقوا متفرقين, فإنهم حينئذ بلا وزن ولا تأثير، فيجب أن يبقى العرب والمسلمون متفرقين؛ ليبقوا بلا قوة ولا تأثير.
ومما فعلوه أيضاً: قهر الشعوب الإسلامية وإذلالها على أيدي حكام طغاة, يقول نك، وهو خبير أمريكي لشئون باكستان: إذا أعطي المسلمون الحرية في العالم الإسلامي، وعاشوا في ظل أنظمة ديمقراطية، فإن الإسلام ينتصر في هذه البلاد، وبالدكتاتوريات وحدها يمكن الحيلولة بين الشعوب الإسلامية ودينها.
ومن ذلك أيضاً إشغال هذه الأمة بالأهداف الحقيرة حتى لا تنتبه إلى الهدف الأكبر الذي عبر عنه ربعي بن عامر ﵁ لما سأله قائد الفرس: ماذا جاء بكم؟ فقال: إنّ الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد, ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة.
فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه, لكننا بدلنا هذا الهدف، وبدلنا هذه البطولات، وصار شغلنا الشاغل إما أفكار عفنة خبيثة جاهلية: كالقومية والوطنية والاشتراكية والناصرية، والكتب البيضاء والخضراء والصفراء والحمراء، أو الاشتغال بالفن والرياضة والكرة والتمثيل وغير ذلك من السفاهات، فانصرفت الأمة عن هدفها الأعظم، وصارت البطولة ما نراه في ساحات الملاعب، وساحات الفن والأفلام والمسرحيات فقط، وصار أصحابها هم الأبطال، وصارت هذه هي القيم والمثل التي ينبغي أن نذب عنها, وقد كان للشعوب الإسلامية حظ وافر من هذه المؤامرات, وقد عبر عن ذلك المنصر المشهور صموئيل زويمر مخاطباً إخوانه التبشيرين المنصرين في أحد المؤتمرات قائلاً: إن مهمة التبشير التي ندبتْكم ديانتكم المسيحية للقيام بها في البلاد المحمدية ليست في إدخال المسلمين إلى المسيحية؛ فإن هذا شرف لا يستحقونه، وإنما مهمتكم أن تخرجوا المسلم من إسلامه ليصبح مخلوقاً لا صلة له تربطه بالأخلاق التي تعتمد عليها الأمم في حياتها, وبعملكم هذا تكونون طليعة الفتح الاستعماري في الممالك الإسلامية, ولقد هيأتم جميع العقول في الممالك الإسلامية لقبول السير في الطريق الذي سعيتم إليه، وهو إخراج المسلم من الإسلام, إننا نريد أن تعدوا جيلاً مطابقاً لما أراده له الاستعمار, جيلاً لا يهتم لعظائم الأمور، ويحب الراحة والكسل، ويسعى للحصول على الشهوات بأي أسلوب، وتصبح الشهوات هدفه في الحياة, إن تعلم فللحصول على الشهوات، وإن جمع المال فللشهوات، وإن تبوء المراتب ففي سبيل الشهوات, ويذود بكل شيء في سبيل الشهوات, أيها المبشرون! إنكم إن فعلتم ذلك تمّت مهمتكم على أكمل الوجوه.
لقد تعلموا دروساً كثيرة جداً من التاريخ، وأدركوا أن مخططاتهم وعلوهم في الأرض لا يمكن أن ينجح أبداً إلا في حالة غيبة الإسلام، ففي الحروب الصليبية جاءت جيوشهم الجرارة الكثيرة فتصدى لهم الإسلام، ودحرهم، وأذلهم، وكسر أعناقهم، وذلك في شخص صلاح الدين الأيوبي رحمه الله تعالى, وفي الغزو التتاري تصدى لهم الإسلام في شخص قطز والظاهر بيبرس، ثم حصلت أكبر معجزة ولم يحصل لها مثيل في التاريخ، وهي أن الإسلام المغزو غزا قلوب التتار، وتحولت هذه الأمة العظيمة القاهرة الغازية إلى عباد لله ، وأسلموا دينهم لله، وقد رأوا ذلك في الهند, ورأوه في أفغانستان أيضاً، وليس هذا مع بوش فقط مؤخراً، بل وقع ذلك من قبل مع الإنكليز, فرأوه في ثورة الجزائر ضد الفرنسيين, ورأوه في فلسطين, ورأوه في مصر على ضفاف القناة، فتأكدت لديهم هذه الحقيقة، وهي أن العلو في الأرض الذي يسعون إليه, والسيطرة على العالم, والفوقية على عباد الله، مرهونة كلها بغيبة الإسلام وجنوده.
لهذا فهم يخافون الإسلام؛ لأنه قادر على أن يصنع أمة واحدة ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٩٢] , قادر على أن يصنع أمة قوية ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال:٦٠] , قادر على أن يصنع أمة مجاهدة: (من مات ولم يغز ولم يحدث به نفسه مات على شعبة من النفاق) , أمة يحب رجالها الموت في سبيل الله أكثر مما يحب هؤلاء الكفار الحياة, وحرصهم على الموت أشد من حرص أولئك على الحياة، ويرددون قول الله ﵎: ﴿قُلْ هَلْ تَربَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ﴾ [التوبة:٥٢].
الإسلام قادر على أن يصنع أمة مؤهلة للقيادة، ولا ترضى بدون منصب الأستاذية للعالم كله ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣٣] , قادر على أن يصنع أمة لا توالي أعداء الله، ولا تنخدع بألاعيبهم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾ [آل عمران:١١٨]، وقال تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة:٢٢].
ويخاف الكفار من الإسلام؛ لأنه يربي شعوباً محصنة ضد مؤامراتهم وسماتهم الشهوانية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [التوبة:٣٨]، قادر على أن يصنع أمة لا تخشى الناس، ولا تخاف الموت، ولا تخاف انقطاع الرزق, يقول تعالى: ﴿أَيْ
стр. 552
سبب خوف المنافقين والعلمانيين من هذا الدين
إذاً: فلا نعجب من هؤلاء الكفار شرقيين كانوا أم غربيين, فهم أعداء الإسلام، وهذا ديدنهم، وهذه سنتهم, ولكن العجب الذي لا ينقضي هو من هؤلاء الذين يخافون الإسلام ويكرهونه، ويحقدون عليه مع أنهم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا، ويتسمون بأسمائنا, فإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوبهم، وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون, ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ [الحج:٧٢] , وإذا رأوا بذرة الإيمان تنمو وتترعرع في شباب المسلمين انقبضوا وتجمعوا لاقتلاعها, وإذا رفع الموحدون لا إله إلا الله رفع أولئك شعارات الوطنية والقومية والوحدة والحرية وغير ذلك من الشعارات.
إن عجبنا يزول إذا فهمنا طبيعة العلاقة بين الفريق الأول: الكفار، والفريق الثاني: المنافقين الزنادقة, إنها صفقة تمت بين الاستعمار وبين أنفار، والمعقود عليه هم المسلمون، وتنفيذ العقد مرهون بالقدرة على التسليم، والإسلام يحرض المعقود عليه على الانعتاق من قبضة السمسار، فكيف لا يخاف السماسرة من الإسلام! فهؤلاء المنافقون هم السمسار، وهم التجار المنتفعون من غياب الإسلام: صحافيون شعراء فنانون مؤلفون مخرجون لا يطيقون الإسلام, كيف لا يخافونه وهو يعظم ما حقروه, ويحقر ما عظموه؟! وكيف لا يخافونه وهو يرفع ما وضعوه، ويضع ما رفعوه؟! من أجل ذلك صارت جميع وسائل التأثير مسخرة لهؤلاء الكارهين لما أنزل الله, حتى إن الناظر من بُعد لكأنه يرى أن مصر انقلبت برجالها ونسائها إلى فنانين وراقصين وممثلين، وكأن كل ما فيها هو الإلحاد والزندقة، وبيع الأعراض، والطعن في الدين، والكفر برب العالمين، فكأن هذه هي صورة مصر؛ وذلك من كثرة استيلاء هؤلاء الزنادقة على مواقع التأثير, وكأن الغرب يستعجلهم ويقول لهم: هيا سلموا المبيع, نريد شعوباً هذه مواصفاتها, نريد شعوباًَ لا تتحرك ولا تنفعل حتى وإن قُطّعت إرباً إرباً.
فقد تربت طائفة من أبناء المسلمين على مائدة الإعلام الذي يديَّث المجتمع، ويخنزر الأخلاق, فكانت حصيلة ذلك ظهور طائفة أخرى لبسوا لباس الثقافة أو ألبسوا لباس الثقافة والعلم، ولا يعرفون عن الإسلام إلا الشبهات التي لقنوها، وزرع في قلوب أصحاب الشهوات منهم الخوفَ والحقدَ على الإسلام.
وحتى نكون صرحاء جداً في تناول ظهور وحقيقة هذا الموقف الذي نعيشه, فنقول: ليس هذا في مصر فقط ولكن في كل بقاع العالم بلا استثناء, فهم يحاولون أن يتسللوا إلينا ويغزونا عبر دين جديد، وهو غير دين الإسلام، وهذه هي الحقيقة بلا مواربة ولا خداع, فيجب أن تكشف هذه الحقيقة للناظرين؛ ليهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حي عن بينة، ﴿وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام:٥٥]، وهذا الدين الجديد اسمه العلمانية أو اللادينية, فهم يبشرون به، ويخدمونه، ويضحون في سبيله.
فالعلمانية دين كأي دين باطل يطلق عليه لفظ الدين، أي: منهج حياة, يقول تعالى في خطاب الكافرين: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ﴾ [الكافرون:٦]، ويقول تعالى في حق العزيز: ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ [يوسف:٧٦] , فهذا دين مغاير ومخالف تماماً لدين الإسلام في أصوله فضلاً عن فروعه، وهو معادٍ للإسلام على طول الخط, ولا يمكن أبداًً أن تلتقي العلمانية بالإسلام, فهناك أوجه افتراق عظيمة جداً بين الدينين: الدين السماوي الحق وهو دين الإسلام، وهذا الدين الأرضي المصنوع وهو دين العلمانية, فنبيّن هذه الفروق إن شاء الله ﵎, فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.
فتجدهم يسمون الكفر إسلاماً، ويسمون عدواً لله ولرسوله وللإسلام بالداعية الإسلامية الكبير، والمفكر الإسلامي المستنير، فبماذا يستنير؟ الاستنارة عندهم غير مأخوذة من قوله ﵎: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [إبراهيم:١]، ولا من قوله ﵎: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة:٢٥٧]، ولكن لا يكون الإنسان عندهم مستنيراً حتى يتبنى أركان وأسس ومبادئ دينهم العلماني كما سنبينها.
стр. 553
الأمور التي تخالف فيها العلمانية دين الإسلام
إذاً: فلا نعجب من هؤلاء الكفار شرقيين كانوا أم غربيين, فهم أعداء الإسلام، وهذا ديدنهم، وهذه سنتهم, ولكن العجب الذي لا ينقضي هو من هؤلاء الذين يخافون الإسلام ويكرهونه، ويحقدون عليه مع أنهم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا، ويتسمون بأسمائنا, فإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوبهم، وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون, ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ [الحج:٧٢] , وإذا رأوا بذرة الإيمان تنمو وتترعرع في شباب المسلمين انقبضوا وتجمعوا لاقتلاعها, وإذا رفع الموحدون لا إله إلا الله رفع أولئك شعارات الوطنية والقومية والوحدة والحرية وغير ذلك من الشعارات.
إن عجبنا يزول إذا فهمنا طبيعة العلاقة بين الفريق الأول: الكفار، والفريق الثاني: المنافقين الزنادقة, إنها صفقة تمت بين الاستعمار وبين أنفار، والمعقود عليه هم المسلمون، وتنفيذ العقد مرهون بالقدرة على التسليم، والإسلام يحرض المعقود عليه على الانعتاق من قبضة السمسار، فكيف لا يخاف السماسرة من الإسلام! فهؤلاء المنافقون هم السمسار، وهم التجار المنتفعون من غياب الإسلام: صحافيون شعراء فنانون مؤلفون مخرجون لا يطيقون الإسلام, كيف لا يخافونه وهو يعظم ما حقروه, ويحقر ما عظموه؟! وكيف لا يخافونه وهو يرفع ما وضعوه، ويضع ما رفعوه؟! من أجل ذلك صارت جميع وسائل التأثير مسخرة لهؤلاء الكارهين لما أنزل الله, حتى إن الناظر من بُعد لكأنه يرى أن مصر انقلبت برجالها ونسائها إلى فنانين وراقصين وممثلين، وكأن كل ما فيها هو الإلحاد والزندقة، وبيع الأعراض، والطعن في الدين، والكفر برب العالمين، فكأن هذه هي صورة مصر؛ وذلك من كثرة استيلاء هؤلاء الزنادقة على مواقع التأثير, وكأن الغرب يستعجلهم ويقول لهم: هيا سلموا المبيع, نريد شعوباً هذه مواصفاتها, نريد شعوباًَ لا تتحرك ولا تنفعل حتى وإن قُطّعت إرباً إرباً.
فقد تربت طائفة من أبناء المسلمين على مائدة الإعلام الذي يديَّث المجتمع، ويخنزر الأخلاق, فكانت حصيلة ذلك ظهور طائفة أخرى لبسوا لباس الثقافة أو ألبسوا لباس الثقافة والعلم، ولا يعرفون عن الإسلام إلا الشبهات التي لقنوها، وزرع في قلوب أصحاب الشهوات منهم الخوفَ والحقدَ على الإسلام.
وحتى نكون صرحاء جداً في تناول ظهور وحقيقة هذا الموقف الذي نعيشه, فنقول: ليس هذا في مصر فقط ولكن في كل بقاع العالم بلا استثناء, فهم يحاولون أن يتسللوا إلينا ويغزونا عبر دين جديد، وهو غير دين الإسلام، وهذه هي الحقيقة بلا مواربة ولا خداع, فيجب أن تكشف هذه الحقيقة للناظرين؛ ليهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حي عن بينة، ﴿وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام:٥٥]، وهذا الدين الجديد اسمه العلمانية أو اللادينية, فهم يبشرون به، ويخدمونه، ويضحون في سبيله.
فالعلمانية دين كأي دين باطل يطلق عليه لفظ الدين، أي: منهج حياة, يقول تعالى في خطاب الكافرين: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ﴾ [الكافرون:٦]، ويقول تعالى في حق العزيز: ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ [يوسف:٧٦] , فهذا دين مغاير ومخالف تماماً لدين الإسلام في أصوله فضلاً عن فروعه، وهو معادٍ للإسلام على طول الخط, ولا يمكن أبداًً أن تلتقي العلمانية بالإسلام, فهناك أوجه افتراق عظيمة جداً بين الدينين: الدين السماوي الحق وهو دين الإسلام، وهذا الدين الأرضي المصنوع وهو دين العلمانية, فنبيّن هذه الفروق إن شاء الله ﵎, فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.
فتجدهم يسمون الكفر إسلاماً، ويسمون عدواً لله ولرسوله وللإسلام بالداعية الإسلامية الكبير، والمفكر الإسلامي المستنير، فبماذا يستنير؟ الاستنارة عندهم غير مأخوذة من قوله ﵎: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [إبراهيم:١]، ولا من قوله ﵎: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة:٢٥٧]، ولكن لا يكون الإنسان عندهم مستنيراً حتى يتبنى أركان وأسس ومبادئ دينهم العلماني كما سنبينها.
стр. 554
إنكار العلمانية لما هو معلوم من الدين بالضرورة
العلمانيون يحاولون أن يوهموا الناس أنه لا تعارض بين الدينين, فيمكن أن تبقى بالاسم الإسلامي لكن يفرغ من مضمونه ومن محتواه, ويقولون للناس: اعتزوا بالإسلام؛ لكن كتراث، وبشرط أن تؤمنوا ببعض الكتاب وتكفروا ببعض, وبشرط أن تبتغوا بين ذلك سبيلاً.
وبعض من فرضوا مفاهيمهم بالحديد والنار تطوع لهم أنفسهم أن يصفوا مخالفيهم من عباد الله، ومن الدعاة إلى الله وجنود الإسلام بالتطرف والرجعية والجمود وغيرها من الأوصاف البشعة, والله ﵎ يقول: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣].
فحياة المسلم كلها إسلام, وهذا الإسلام يحكم المسلم في كل أحواله، فالمسلم الذي يقبل دين العلمانية مهما زعم أن علمانيته معتدلة أو متساهلة فإنه يقف في جبهة معارضة للإسلام؛ لأنه لا يمكن أن يصدق عليه وصف العلماني حتى ينكر ما هو معلوم بالضرورة من دين الإسلام, فلابد للعلماني أن ينكر تحريم الربا, وأن ينكر تحريم الزنا، ولابد أن يقف ضد إقامة حدود الله في الأرض، وضد تطبيق شريعته, ولابد أن ينكر فرضية الزكاة, ومبدأ تحكيم الشريعة من أساسه.
ولذلك -كما قال علماء المسلمين- تجري على العلماني بعد إقامة الحجة عليه واستتابته كل أحكام المرتدين؛ فتسحب منه الجنسية الإسلامية، ويفرق بينه وبين زوجه وولده, وتجري عليه أحكام المرتدين في الحياة وبعد الموت.
стр. 555
العلمانية لا تقبل الإسلام أصلاً للولاء والبراء
الإسلام يرفض دين العلماني، لأنه أيضاً لا يقبل التعايش مع الإسلام كما أنزله الله ﵎, وقد يقبل ويسمح له ببعض النوافذ كما يتعامل مع السموم والمخدرات، فيصبح شيئاً مباحاً في المجتمع كأي شيء من الأشياء التي تباح في بعض الحالات؛ فتقبل العلمانية الدين بشرط أن يكون عقيدة نائمة محبوسة بين جدران القفص الصدري للإنسان، وبين جدران المساجد، لكن لا يصطبغ بها المجتمع، ولا يكون لها سلطان عليه، وإن اعترفت العلمانية لله بالخلق فإنها لا تعترف له بالأمر، والله تعالى يقول: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤].
ولا تقبل العلمانية هذه العقيدة الكامنة في النفس، والنائمة في الضمير, كأساس للانتماء والولاء والبراء، والحب والبغض, والاحتكام إلى الله ورسوله ﷺ ، بل تقبلها عبادة ونسكاًَ, على أن تكون أمراً موكولاً إلى الأفراد, لا أن ترعاه الدولة، وتحاسب الناس عليه, وتقبله أخلاقاً وآداباً، ولكن فيما لا يمس التيار العام المقلد للغرب.
стр. 556
محاربة العلمانية لتحكيم شرع الله
إن أعدى أعداء العلمانية, والشيء الذي تحاربه بكل بطش وقوة وصراحة هو تطبيق الشريعة الإسلامية, سواء كان ذلك في الأحوال الشخصية، أو في المجتمع، أو في الدولة, فالعلمانية تتبنى الذميم الدعي، وتنفي نسب الابن الأصيل، وقد تؤمن ببعض الكتاب وذلك فيما يوافق هواها، وتكفر ببعض وذلك فيما خالف هواها، ولذلك فإن العلاقة الحتمية هي أنها تناصب الإسلام العداء، وأن يناصبها الإسلام العداء؛ لأنها تنازعه سلطانه الشرعي في قيادة سفينة المجتمع، وتوجيه دفته وفقاً لحكم الله ورسوله ﵌، وإلا وقع هذا المجتمع في حكم الجاهلية, فهذا هو أساس العلمانية: الفصل بين الدين وبين الحياة, وتحويل الدين إلى شيء مباح, فمن أراد أن يتدين فليتدين، لكن لا يكون ذلك إلّا في حدود نفسه, وفي نطاق المسجد، وأما نُظُم الحياة فلابد أن يعزل الإسلام عنها، ولذلك عبر عنها بعض العلماء بأنها أقصر الطرق الموصلة إلى الكفر.
إنّ الإسلام يعدّ الشرك في الحكم كالشرك في العبادة, يقول ﵎ في الحكم: ﴿وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:٢٦]، وفي قراءة: (ولا تشرك في حكمه أحداً) , وفي العبادة قال: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠]، فهذا شرك وهذا شرك, ويقول ًتبارك وتعالى أيضاً: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ [الأنعام:١٣٧] يعني: لما أطاعوهم في قتل الأولاد، واستحلوا ذلك، وقال : ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:٢١].
стр. 557
العلمانية تكره ما أنزل الله
والعلمانيون أولى الناس في هذا الزمان أن يدخلوا في وصف الكارهين لما أنزل الله، ولو سألتهم وقلت لهم: هل أنتم مستعدون أن تطيعوا الله ورسوله؟ وهل تقبلون تحكيم القرآن؟ وهل تعتزون بتاريخنا وتراثنا؟ وهل تحترمون أسلافنا من الصحابة ومن بعدهم؟ فإنك ستجد جوابهم في كل هذه الأسئلة كأخبث ما أنت سامع: بغض للصحابة, والتشنيع بالكذب والافتراء على أعلام الصحابة وأعلام الإسلام, والتزييف للتاريخ الإسلامي, وكذلك إقصاء شريعة الإسلام كما بينا.
إنّ العلمانيين ينطبق عليهم قوله تعالى: ﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ [الشورى:١٣]، فتحنى أنوفهم إذا سمعوا من يدعوهم إلى الله، وإلى دين الإسلام.
ويتحقق فيهم قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ [الزخرف:٧٨]، وقوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ * وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الجاثية:٦ - ٨]، ويقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأَمْرِ﴾ [محمد:٢٥ - ٢٦]، فإذا كان هذا في حق من قال سنطيعكم في بعض الأمر، فما بالك بمن يقول سنطيعكم في كل الأمر!
стр. 558
تصادم العلمانية مع القرآن
ذكرنا سابقاً أنّ العلمانية ترفع ما وضعه الله، وتقرب من أقصاه الله ﵎، وهي باعتبار معناها: الدنيوية، أو اللادينية، أو رد الدين وتحكيمه في الحياة فإنها تتصادم كثيراً مع القرآن، فالله يقول: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة:٢٨]، والعلمانية تحطم مبدأ الولاء والبراء, فتقول بحرية العقيدة: اشرك بالله، سب الله، اشتم الله، سب أنبياء الله، فهذه حرية شخصية في دين العلمانيين.
والنبي ﷺ يقول: (من بدل دينه فاقتلوه) والعلمانية تقول بحرية العقيدة, وهي ردة عن دين الإسلام, والله يقول: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية:٢٣] والعلمانية تقول: كل إنسان حر، فإذا شاء أن يرتكب المعاصي فله ذلك، ولا يتدخل الدين في خصائص الناس.
إنّ جوهر العلمانية الاهتمام بالحياة الدنيا, وإهمال الحياة الآخرة تماماً, فأصل معنى العلمانية: الدنيوية, فالدنيا التي يحقرها الله ويذمها في القرآن ترفعها العلمانية، وإذا تمادحوا فإنهم يتمادحون بالحضارة بالعمارات بالمباني الشاهقة بزينة الدنيا بالمتاع بالطعام بالشهوات، فهذا هو الذي يفتخرون به فقط, بينما يقول الله : ﴿إِنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ [محمد:٣٦]، ويقول ﵊: (مثلي ومثل الدنيا كراكب قال قيلولة تحت شجرة، ثم راح وتركها)، ويقول الله في الآخرة: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَاةُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت:٦٤]، ويقول ﵊ (من كان همه الآخرة جمع الله له شمله، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة, ومن كانت الدنيا همه فرق الله عليه ضيعته، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له).
أما العلمانية فالدنيا عندهم هي الوطن، وهي القرار، وليست مجرد قنطرة نعبرها إلى الآخرة, لذلك فإنهم ينطبق عليهم قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ * أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يونس:٧ - ٨]، وهم الذين قال فيهم الله : ﴿أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٢١]، وهم الذين قال فيهم: ﴿فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [غافر:٨٣]، وهم الذين قال فيهم: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:٧] أي نعم.
стр. 559
عدم إنكار العلمانية على من تحلل من الدين واعتمادهم على رابطة الدم والعنصر
إنّ العلمانيين والقائلين بالحرية الدينية وحقوق الإنسان لا ينكرون على الناس إذا لم يؤمنوا بالله، ولا برسله، ولا باليوم الآخر, وترفض العلمانية أيضاً اتخاذ العقيدة أساساً للولاء والبراء، فيقدمون رابطة الدم والعنصر والتراب والطين على رابطة العقيدة.
وأما المسلم في دار الإسلام فإنه لا يكتفي بأن تكون عقيدته أمراً هيناً، أو أمر مباحاً، بل إنّ عقيدته هي روح الحياة, وهي جوهر الوجود, وهي محور التربية والثقافة والإعلام والتشريع, ففي الإسلام يستقبل الطفل الحياة بالتوحيد, وذلك بأن يؤذن في أذنه ليكون أول ما يطرق سمعه ذكر الله، والأذان إلى الصلاة، وهذا مع أنه يولد على فطرة الإسلام، ثم يودع الحياة بالتوحيد، قال ﷺ : (من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة).
وفيما بين المولد والموت فإنه يعيش بالتوحيد وللتوحيد التزاماً ودعوة وجهاداً، فهذه هي الحرية الحقيقية.
والعلمانية ترفض نزول المسلمين على حكم الله وحكم رسوله ﷺ ، والله يقول: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥]، فتريد العلمانية أن تصبغ المجتمع بهذه العقيدة، وأن تسمح للإسلام في بعض الأركان والزوايا حتى يتنفس من خلالها، بشرط أن تؤمن ببعض الكتاب وأن تكفر ببعض كما ذكرنا سابقاً, لذا فإنّ الإسلام لا يقبل أن يكون في قلب داره وعز سلطانه شيء مخير فيه, فلا غبار على من آمن به، ولا حرج على من تركه, فالدين لله، والوطن للجميع بزعمهم، ونحن نقول كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [آل عمران:١٨٩]، وهذه القسمة لا نعرفها، فكل ما على الأرض، وكل من على الأرض ملك لله ﵎.
إنّ المسلم في الواقع العلماني يعاني من التناقض بين عقيدته وبين هذا الواقع, فعقيدته تشرَّق وواقعه يغرَّب، وعقيدته تحرم والعلمانية تبيح, وعقيدته تلزم والعلمانية تعارض.
стр. 560
موقف العلمانية من العبادة
وأما العبادة، فهي جزء من الحرية الدينية، وليست هي المهمة الأولى للإنسان في نظر العلمانية، والله تعالى يقول: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، ولا تقيم العلمانية نظامها التربوي والإعلامي على أساس غرس هذا المعنى، في حين أن الإسلام يَعدّ مجرد الإعراض عنه كفراً به، ومعاداة له, فمجرد الإعراض عن الدين يعتبر طعناً فيه، وتولياً عنه.
وكذلك الحياة الاجتماعية والاقتصادية لا تنظم في النظام العلماني طبقاً لمواعيد الصلاة وغيرها من العبادات، ولا توضع هذه الأمور في الاعتبار, والعلمانية تفرق بين السلوك الشخصي وبين السلوك الاجتماعي، فيمكن أن يكون القائد أو الحاكم أو الوزير ملحداً خبيثاً مجرماً، وهذا لا يقدح فيه، ولا يقدح في عدالته.
والعلمانية لا ترى المجاهرة بترك العبادات مدعاة للمساءلة، كترك الصلاة أو الصيام أو الزكاة وغير ذلك، فالمهم هو أن يؤدي المرء الضرائب كاملة للدولة، وأما الزكاة فلو شاء أعرض عنها ولا ملامة عليه.
وفي مجال الأخلاق تتبع العلمانية المجتمع والفكر الغربي شبراً بشبر، وذراعاً بذراع، سواء في علاقة الرجل بالمرأة أو في غير ذلك من الأشياء المعروفة.
فعلى هذا الأساس نقول: إن الشريعة هي العدو الأول للعلمانيين؛ لأنها هي التي تنقل الإسلام من عالم النظرية والمثال إلى دنيا الواقع والتنفيذ، يقول عثمان رضي الله تعالى عنه: (إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن)، ويتجلى العداء السافر للعلمانية حينما يعارض الإسلام خصائص الحضارة الغربية كتحريم الربا والزنا والسكر، وكتحديد الجزاء على الجرائم بالجلد والقطع ونحوه.
فنلاحظ في هؤلاء العلمانيين أنهم ينظرون إلى الإسلام على أنه عقيدة غريبة خارجة عن ذواتهم, ولا يشعرون بأي حرارة غيرة على الإسلام، ولا يقفون إلا موقف الأعداء، فتجدهم في أي صراع بين الإسلام وأعداء الإسلام ينضمون بلا تفسير إلى أعداء الإسلام، وتجدهم يفصلون الدين عن الدولة كي يسهل عليهم ضربه، وذلك بعد أن يحصروه في ركن ضيق، حتى يستسلم تماماً للعلمانية.
стр. 561
رمي العلمانيين للدعاة إلى الله بكل قبيحة
يجب علينا أن نحاسب العلمانية ونزنها من حيث حقيقتها وواقعها الفعلي, لا من حيث ما تزعمه العلمانية من عدم عداء للدين، فإن العلمانيين يتسترون وراء ادعاء الإسلام، فهم يعرفون جيداً أنهم لو أظهروا الإلحاد والطعن في دين الإسلام، سيرجمون بالحجارة، فلابد من التستر وراء الأساليب الخادعة, لذلك نلاحظ من هؤلاء العلمانيين مغالطات كثيرة جداً، منها: أنهم يشنعون على أولياء الله، وعلى الدعاة إلى دين الله بأنهم يريدون أن يعودوا بنا إلى العصور الوسطى المظلمة!! فنقول لهم: أي قرون مظلمة؟! إن هذه القرون مظلمة عند أسيادكم في الغرب، وذلك حينما أذلت النصرانية الشعوب الأوروبية سواء بالإقطاع، أو بمحاكم التفتيش، أو بصكوك الغفران وبيع أماكن في الجنة، أو بالظلم والقهر، أو بالعقيدة الوثنية الشركية التي قدمتها لهم، أو بمقاومة الفطرة، أو بتحريم الطيبات، أو بالاستبداد الكنسي الذي كان يذل الجميع حتى الملوك, فمن أجل ذلك كرهوا الدين، ومن أجل ذلك كانت هذه العصور عصوراً مظلمة، وكل عصور أوروبا مظلمة؛ لأنها بعيدة عن منهج الله ﵎ ودينه، فالعصور المظلمة ليست عندنا، وإنما هي عند أسيادكم في أوروبا، فهم الذين كانوا في تلك العصور المظلمة لا يعرفون الاستحمام ولا التنظف, بينما كانت الدولة والحضارة الإسلامية هي القوة الأولى في العالم كله, وكانوا يوفدون أبناءهم إلى بلاد المسلمين، وإلى حواضر الإسلام؛ كي يتنوروا، ويتنظفوا، ويتعلموا كيف تكون الحضارة، وكيف يكون التقدم.
ومن ذلك أيضاً أن العلمانيين يقولون عن الدعاة إلى الله: يريدون أن يعيدونا إلى محاكم التفتيش! فنقول لهم: رمتني بدائها وانسلت، هل أقام المسلمون في يوم من الأيام محاكم للتفتيش؟ وهل عرف المسلمون أي نوع من أنواع القهر والإذلال للشعوب؟ وما الذي يحصل الآن في البوسنة والهرسك؟! وهنا نتذكر كلمة الخليفة الراشد عمر بن الخطاب، وذلك أن الفرس في إحدى المعارك مثلوا بالقتلى من المسلمين, فقطعوا الجثث ومثلوا بها، فلما رأى المسلمون ذلك حلف بعضهم لئن أمكنهم الله من الفرس ليفعلن مثلها، فبلغ ذلك أمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه، فغضب أشد الغضب وقال رضي الله تعالى عنه: متى كان لنا في الفرس أسوة! فالمسلمون لما حكموا العالم وكانت لهم الغلبة كانوا أكرم خلق الله ، وكانوا أرحم الناس بالناس، ثم بعد هذا ترموننا بدائكم؟! من الذي يقيم محاكم التفتيش؟ ومن الذي يقيم المحاكم العسكرية الظالمة في كل بلاد العالم الإسلامي؟ ابحثوا عن محاكم التفتيش في تاريخكم القديم والحديث, وابحثوا عنها في عهود قريبة وبعيدة، وابحثوا عنها في عهد عبد الناصر وغيره من الطواغيت والجبابرة, ففي عهد عبد الناصر بلغ الطغيان والإرهاب والتخويف مبلغاً عظيماً، إلى حد أن تيتو في يوم من الأيام أتى ليزور مصر, فكان من عادتهم أن يحبسوا كل دعاة الإسلام فترة زيارته، خوفاً عليه, وكان الرعب قد ملأ قلوب الناس، حتى إن أحد الخطباء -من شدة الرعب والتخويف والإرهاب والبطش- خطب جمعة في أحد المساجد في أثناء زيارة تيتو، فكان يدعو في الخطبة ويقول: اللهم أهلك الكفرة والمشركين إلا تيتو!! وبلغ القهر إلى حد أن شكوى قدمت في تاجر في إحدى محافظات الصعيد، فوقف أمام الضابط ترتعد فرائصه, وكان مسلماً بالاسم, وأقسم للضابط، وأما نحن فيوم أن سدنا العالم لم تعرف البشرية إلا الرحمة والتسامح والسمو والأخلاق, فمحاكم التفتيش ليست في تراثنا, وليست في ماضينا، ولكنها في ماضيكم وحاضركم أنتم، والجميع يعرف ذلك.
стр. 562
اختفاء روح الإيمان من كتابات العلمانيين
ومن خصائص العلمانيين أنها تختفي من كتاباتهم روح الورع والإيمان والإجلال لرسل الله، وبخاصة رسولنا محمداً ﵌, فتشعر في كتاباتهم بعدم الإيمان بهذا الإسلام، بل وتشعر فيها باحتقار لهذا الدين, فيتكلمون عليه وكأنه عقيدة بدوية بشرية الأصل، وكأنه لم ينزل من السماء, فهذا الذي سماه أبوه أحمد بهاء الدين يقول في يوم من أيام العهد الناصري المظلم: لابد من مواجهة الدعوات الإسلامية في أيامنا مواجهة شجاعة بعيدة عن اللف والدوران، وإن الإسلام كغيره من الأديان يتضمن قيماً خلقية يمكن أن تستمد كنوع من وازع الضمير, أما ما جاء فيه من أحكام وتشريعات دنيوية فقد كانت من قبيل ضرب المثل، ومن باب تنظيم حياة كانت في مجتمع بدائي إلى حد كبير، ومن ثَم فهي لا تلزم عصرنا ومجتمعنا.
ومن غلو هؤلاء عدم تعظيمهم لله ولا لرسل الله عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام, فهذا مدير جماعة أسيوط الذي عُيَّن فيها قبل إنشائها وإسلامها، فكان يخطب في حضور عبد الناصر، فقال له: إن كان عيسى المسيح قد أحيا ميتاً أو اثنين أو ثلاثة فقد أحييت يا سيادة الرئيس مائة مليون عربي, وإذا كان موسى ﵇ قد ضرب البحر بعصاه فشق فيه طريقاًَ يبساً، فقد صنعت بالسد العالي أكثر مما صنع موسى.
وفوراً رقي وزيراً للثقافة.
وكذلك مصطفى القياتي كان مدرساً بالأزهر في ثورة تسع عشرة, وكان يقول: إن سعداً أفضل من محمد ﵊, وإن سعداً أتى بما لم يأت به النبي ﷺ ؛ لأنه رسول الوطنية.
وهذا الرجل نفسه في إحدى المظاهرات في داخل الأزهر وضع الصليب في المحراب، وخطب فدعا الناس لصلاة ركعتين للصليب ولله بزعمه, فهذه هي العلمانية، وهذه جذورها.
من أجل ذلك فنحن لا نستغرب إذا وجدنا العلمانيين يصرخون إذا حوكم من يسفه أو يشتم الأنبياء كهذا الخبيث المجرم الذي لم نسمع اسمه، ولم نتعرف عليه إلا في صفحات الحوادث, وفي صفحات المجرمين، فهذا علاء حامد ألف كتاب (مسافة في عقل الرجل)، وسخر فيه من الإسلام، وسخر فيه من النبي ﵊، فيتصارخ العلمانيون ويتنادون دفاعاً عن حرية الرأي: يا لحرية الرأي! يا لحرية الكلمة! يا لحرية العقيدة! وحينما يطعنون في أنبياء الله، وفي كتبه، وفي صحابة رسول الله ﷺ فلا حرج في هذا، وهذه حرية, فهل يقوى العلمانيون على أن يوجهوا عشر معشار هذا الطعن إلى رئيس جمهورية، أو ملك دولة، أو إلى وزير؟ إنهم لا يجرءون على ذلك، وكما يقول الشاعر: يساق للسجن من سب الزعيم ومن سب الإله فإن الناس أحرار
стр. 563
نماذج من مواقف العلمانيين من هذا الدين
وهذه نماذج أخرى -وإن كانت متناثرة- من مواقف العلمانيين, فهؤلاء هم حواريو العلمانية وأنبياؤها والمبشرون بها؛ كي نعرف أعداءنا، ونقف منهم الموقف الذي يستحقونه, فهذا جميل معلوف، وأنا أسميه المعلوف يقول: إن الأجانب يحتقروننا بحق، ونحن نكرههم بلا حق, وإن خلاص الشرق يتوقف على تفرد الشرقيين بكل معنى الكلمة, فلا عهدة شرعية تربطنا بإسلامنا, ويجب أن نكون أبناء اليوم لا بقايا الأمس، ثم يقول: أجد بلاء الشرق كله من الأديان, والمصيبة في الشرقيين من الأنبياء.
وهذا سلامة موسى ونقول للذين يعيدون نشر كتبه النتنة الآن في سلسلة المواجهة: من تواجهون؟! تواجهون الله؟! وقد أثبتوا أنهم ليس عندهم من يصلح أن يكتب أي كلام موضوعي، فعكفوا على إعادة هذا التراث العفن الذي افتضح وبدت سوءته للناظرين منذ عشرات السنين؛ يقول سلامة موسى -وهو نصراني ملحد قد جمع بين السوءتين-: إن الرابطة الدينية وقاحة, فإننا أبناء القرن العشرين أكبر من أن نعتمد على الدين جامعةً تربطنا.
وهذا يوسف إدريس الكاتب الماركسي اليساري الذي أعطاه طه حسين صك الشهرة؛ لأنه من أصحاب الأفكار الإباحية، فهو يدعو إلى نبذ التراث العربي كله، وإلى إلقائه في البحر، أو إحراقه, ويصف تراثنا بأنه سخيف، وأنه ليس فيه شيء للقراءة، ويقول: يجب أن تحرق كتب التراث كلها.
وقال رجل دمشق في عقب الإحداث سنة خمس وستين، وذلك بعدما دخلت الدبابات مسجد بني أمية تفتك بالمصلين والموحدين، واستشهد من المصلين مئات المسلمين، وأغلق الجامع أياماً؛ لإزالة ما علق بأستاره ومحرابه من جثث المصلين، ودماء الراكعين الساجدين، وذلك لا لشيء إلا لأنهم طالبوا بتحكيم شرع الله في ظل هذا الحكم البعثي العلماني الملحد, وفي نفس ذلك اليوم قال رجل دمشق في بيان رسمي: إننا لن نسمح لمن كانوا يعيشون في هذه البلاد قبل ألف وأربعمائة سنة أن يفرضوا علينا نظمهم القديمة، ولا أن يضعوا لنا أسس حياة إسلامية نعيشها في هذا العصر المتطور.
وهذا أحد دعاة العلمانية والعروبة في نفس الوقت يقول: العروبة نفسها دين عندنا نحن القوميين العرب.
فهم يسمونه ديناً، ونحن لم نأتِ بهذا الكلام من عندنا، فالعلمانية دين، والقومية دين, وقد ذكرت من قبل أن بعض الأفاضل حكى عن بعض المنظمات العلمانية الفلسطينية أنهم كانوا حين يقوم ليأذن بالصلاة يقفون صفاً واحداً، ويشوشون عليه، ويسخرون منه، وينشدون بصوت يشوش على الأذان فيقولون: إن تسل عني فهذي قيمي أنا ماركسي يوناني أممي ويقول شاعرهم: آمنت بالبعث رباً لا شريك له وبالعروبة ديناً ما له ثاني ويقول هذا الداعية: العروبة نفسها دين عندنا نحن القوميين العرب؛ لأنها وجدت قبل الإسلام وقبل المسيحية في هذه الحياة الدنيا, ولئن كان لكل عصر نبوة، فإن القومية العربية هي النبوة في هذا العصر في مجتمعنا العربي.
ويقول أحد هؤلاء أيضاً: نحن نريد بدارسة التاريخ أن نميز بين العروبة والإسلام في وجهتنا, وإن اعتزازنا بالتراث، وإعطاءنا القيم منزلتها لا يعني اتخاذ الإسلام رابطة سياسية، أو إقامة الكيان على أساسه.
ويقول أحد هؤلاء وهو المسمى أدونيس في رسالته للدكتوراه (الثابت والمتحول) إذا كان التغيير يفترض هدماً للبنية القديمة التقليدية، فإن هذا الهدم لا يجوز أن يكون بآلة من خارج التراث العربي، وإنما يجب أن يكون بآلة من داخله, فإن هدم الأصل يجب أن يمارس بالأصل ذاته.
يعني تحريف معاني الإسلام.
وأطروحة الدكتواره هذه قدّمت إلى الجامعة الأمريكية التي يشنع فيها على الإسلام، وقد أشرف على الرسالة الأب لويس نويا اليسوعي، وشارك في مناقشاتها الدكتور أنطوان غطاس كرم، ورشح صاحبها من دوائر الاستشراق الأوروبي المعاصر لأجل نيل جائزة عالمية شهيرة؛ بوصفه شاعراً ومفكراً إسلامياً ثائراً.
وهذا زكي نجيب محمود، وهو مشهور باحتقاره لتراثنا الإسلامي، يقول: لم يكن ثم أثر للحياة الثقافية، أو العلمية، أو الفكرية في قرون الإسلام الأولى، بل ولا الأخيرة, فلم يكن العالم في العهود السابقة يبلغ من علمه حداً يجاوز إحسانه للقراءة والكتابة.
يعني: أنّ ابن كثير وابن تيمية والبخاري ومسلماً وكل الأئمة الأعلام أقصى ما حصلوه من العلم معرفتهم للقراءة والكتابة فقط، وليس عندهم أي شيء من العلم والفكر غير القراءة والكتابة!
стр. 564
محاولة العلمانيين بعث تراث أسلافهم من المنحرفين
إنّ هذه المحاولة يائسة من هؤلاء اليائسين, فقد أيسوا من محاولة البطش والتخويف والإرهاب؛ لأنها لم تأت بأي ثمرة، بل زادت الصحوة الإسلامية، فلجئوا إلى آخر ما في جعبتهم وهي الكتابة، فعجزوا عن الكتابة، وما وجدوا أحداً يصلح للكتابة, فقالوا: نلجأ إلى القدامى, نلجأ إلى مؤسسي حركة التنوير, والمستنير عندهم هو الذي يستنير ويستضيء بغير كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ , فلأن الباطل دائماً أعمى لا يرى، وأصم لا يسمع، وأحمق لا يعقل, فقد حاول هؤلاء العلمانيون كما قلنا مواجهة الإسلام بالكتابة، فلم يستطيعوا إلا السب والشتم والتشنيع والاستعداء والبذاءة والتطاول, ونظرة واحدة في كتبهم تجعلك ترى ما في جعبة القوم من هذه البذاءات.
فلما شعروا بعجزهم عن أن يجادلوا بأنفسهم أرادوا أن يتطفلوا على مائدة الأولين منهم، فراحوا ينفخون الروح في هذا التراث المشئوم؛ عسى أن يجدي في محاولاتهم اليائسة في إطفاء نور الله ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة:٣٢] , فقاموا بإعادة طبع عشرات الكتب، وبسعر زهيد جداً: بخمسة وعشرين قرشاً، أي: ربع جنيه، ككتب طه حسين، وسلامة موسى، وزكي نجيب محفوظ، وقاسم أمين، والطهطاوي، وأعادوا نشر هذا التراث العفن النتن الذي فاحت ريحه الخبيثة، وانكشف عواره.
وهذا من غبائهم وإساءتهم إلى أنفسهم, فهم اليوم يخاطبون جيلاً غير الجيل الأول الذي خوطب من خلال هذه الكتب، فأرادوا أن يحتموا بتلك الأسماء اللامعة: طه حسين , سلامة موسى , ولا يدرون أن الشباب الآن عنده وعي، وعنده بصيرة، وأنه قد عرف عدوه وعدو دينه، وعرف من هو طه حسين، فبعدما كان الجيل الماضي ينظر إلى طه حسين على أنه كاتب إسلامي فقد فهم الناس الآن أن طه حسين زنديق ملحد, وأنه طاعن في كتاب الله، ومكذب له, وعدو لهذه الأمة، وعدو للغة العربية، فقد كان ينطلي على الجيل الأول أنه عميد اللغة العربية, وأما الآن فقد انتشر الوعي، فمن الغباء أن يخاطبونا بمثل هذه البضاعة الكاسدة البائرة.
فهذه الأصنام التي يعيدون الطواف حولها بالمباخر والتعظيم قد حطمت، حطمها العلماء والدعاة، وانكشفت سوآتها للناظرين، فلو كان هؤلاء عقلاء لما بعثوا هذا التراث, ولو كانوا يعترفون بالجميل لأساتذتهم لما آذوهم في قبورهم, فنحن نجزم ونقطع ونحلف بالله أن كل هؤلاء الذين كتبوا في معاداة الله ومعاداة رسول الله ﵊، نادمون أشد الندم على كل حرف خطّوه وكتبوه، وأنهم إن كانوا ماتوا على هذا الضلال والكفر فإنهم يتمنون أن يعودوا، وأن يعطيهم الله الفرصة من جديد؛ كي يكونوا أشد الناس تطرفاً في معاداة هذه العلمانية، وكي يجاهدوا كل من يطعن في دين الله .
فأنتم الآن تسيئون إليهم في قبورهم، وهم يرجونكم -إن كان لهم أن يتكلموا- ويتوسلون إليكم أن تكفوا عن مضاعفة سيئاتهم بإحياء هذه الكتب, فهذه حقيقة لا نشك فيها: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة:١٢] لكن حيث لا ينفع اليقين، ولو ردوا لتبرءوا من هذه الكتب، ولنصروا الإسلام بكل جوارحهم حتى وإن قيل عنهم: متطرفون، أو متشددون، أو رجعيون.
فلو أعيد طه حسين إلى الحياة -والله أعلم بمصيره عند ربه- لكان من أشد الناس دعوة إلى الله، ومن أشدهم تضحية في سبيل الله ﵎, فإن كنتم تحبونهم فكفوا عنهم، ولا تنشروا مساوءهم, وابحثوا لعلكم تجدون لهم حسنات فتكلموا بها وانشروها؛ لكن القوم عندهم هواية البحث في القمامة، والبحث في الخبائث؛ ليستخرجوا أسوأ ما فيها، وينشروها على الناس, فالسعيد من إذا مات ماتت سيئاته وتوقفت، أما أن يبقى في قبره وأذاه على وجه الأرض فنسأل الله السلامة، ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ [يس:١٢]، (ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة).
وهذا أحد كتاب رسائل المواجهة، تلك المواجهة الدنيئة الحمقاء، فأحد هؤلاء المجرمين كتب كتاباً، وفعل ما فعلته اليهود, فسمى الرسالة (التنوير في مواجهة الإظلام) فتشبه باليهود حين قيل لهم: قولوا حطة، فقالوا: حنطة, فهذا بدلاً من أن يقول: الإسلام، قال: الإظلام, ومعروف أنهم دائماًَ يستعملون كلمة الظلام للتعبير عن الإسلام، فيقولون: الجماعات الإظلامية، أو الجماعات الظلامية، ويعنون الجماعات الإسلامية، ولما ألفوا رواية عن طه حسين سموها: قاهر الظلام، أي: قاهر الإسلام، وكذلك هنا (التنوير في مواجهة الإظلام)، فالله المستعان، والأمر كما قال تعالى: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد:٣٠].
وهذا كاتب من كتابهم يتكلم عن القصص الفني في القرآن، فيصف قصص القرآن الكريم بأنها خرافة, بل زعم أن القرآن نفسه لا ينفي أنه يحوي الأساطير, وهذا الباحث دافع عنه بعض المستشرقين، ومنهم بعض الآباء الدانماركيون الذين وصفوا بحثه بأنه البحث الوحيد الذي يمثل الاستنارة الحقيقية في الفكر الإسلامي الحديث, وهنا نقول: هل سمعتم عن رجل علماني -مهما بلغت أفكاره- غضب عليه الكفار في الشرق أو الغرب أو الداخل أو الخارج؟ كلا, بل تنشرح صدورهم لأعداء الدين، فهم إخوانهم الذين يساندونهم ويمدونهم بالعون، وهم الذين يحرضونهم على معاداة الله ورسوله ﷺ .
стр. 565
بعض النماذج من تلك الكتب التي طبعوها
وهنا أذكر بعض النماذج، وأقتصر فقط على شخصيتين من هذه الشخصيات, الأولى منهما: سلامة موسى، وقد بعث له جزء من هذا التراث، وذلك أيضاً في سلسلة المواجهة للإسلام، والصد عن سبيل الله ﵎, وأنا أقتطف بعض عباراته حتى نعرف من هو سلامة موسى؟ ومن هم رواد التنوير؟ وما هو التنوير الذي يريدون أن نتنور به؟ يقول سلامة موسى في تلخيص هدفه من دعوته: إنه يجب علينا أن نخرج من آسيا، وأن نلتحق بأوروبا.
ويقول: إني كلما زادت معرفتي بالشرق زادت كراهيتي له، وشعوري بأنه غريب عني، وكلما ازدادت معرفتي بأوروبا زاد حبي لها وتعلقي بها، وزاد شعوري بأنها مني وأنا منها, هذا هو مذهبي الذي أعمل له طول حياتي سراً وجهرة، فأنا كافر بالشرق مؤمن بالغرب, فنريد من التعليم أن يكون تعليماً أوروبياً لا سلطان للدين عليه، ولا دخول له فيه, ويريد من الحكومة أن تكون ديمقراطية برلمانية كما هي في أوروبا، وأن يعاقب كل من يحاول أن يجعلها مثل حكومة هارون الرشيد، أو المأمون، أو أورستقراطية دينية, ويريد أن يبطل شريعة الإسلام في تعدد الزوجات، وفي الطلاق، بحيث يعاقب بالسجن كل من يتزوج أكثر من امرأة، ويمنع الطلاق إلا بحكم المحكمة, ويريد أن يقتلع من أدبنا -كما يقول- كل طابع شرقي مما يسميه هو: آثار العبودية والذل والتوكل على الآلهة.
فنقول له: إنّ التوكل على الآلهة أمر موجود عندكم هناك في الكنيسة, وشركة القبانية، أما أن تخاطب أمة الإسلام وتقول: نريد أن نقتلع جذور التوكل على الآلهة, فليس عندنا آلهة، وإنما الله إله واحد.
ويقول أيضاً وهو يمتدح العصر الإسماعيلي بعدما امتدح عصر نابليون، وما جره على مصر من البركات، ثم يتكلم عن الإسماعيلي فيقول: الذي رأى بنافذ بصيرته أنه لابد لنا من أن نتفرنج، ونقطع الصلة بيننا وبين آسيا، -المقصود بآسيا هو الإسلام الذي جاء من آسيا- فأنشأ الإسماعيلي مجلساً نيابياً, وأسس مجلس وزراء، ثم جعلنا نلبس الملابس الأوروبية، ووزع بين أعيان البلاد فتيات من الشركة؛ لكي يتحسن اللون ويقارب البشرة الأوروبية.
فهذا بغض للذات، واحتقار للنفس, وهذا شيء عجيب! ثم يقول: قد آن الأوان كي نعتاد عادات الأوروبيين، ونلبس لباسهم، ونأكل طعامهم، ونصطنع أساليبهم في الحكومة والعائلة والاجتماع والصناعة والزراعة.
ويقول أيضاً: إن الرابطة الشرقية -والمقصود بها الإسلام- سخافة, فمالنا ولهذه الرابطة الشرقية، وأية مصلحة تربطنا بأهل جاوة؟ -يعني: في أندونيسيا- وماذا ننتفع بهم؟ وماذا هم ينتفعون منا؟ إننا في حاجة إلى رابطة غربية، كأن نؤلف جمعية مصرية يكون أعضاؤها من السويسريين، والإنجليز، والنرويجيين وغيرهم, فنقعد معهم، ونستفيد منهم إلى أن يقول: فمثل هؤلاء الناس العباقرة والأذكياء نستطيع أن نؤلف رابطة معهم، ولكن ما الفائدة من تأليف رابطة مع الهندي أو الجاوي -يقصد: الهندي أو الجاوي المسلم-؟ ويقول أيضاً: نحن في حاجة إلى ثقافة حرة أبعد ما تكون عن الأديان.
ويقول أيضاً: وقد كان مصطفى كامل -لجهله بروح الزمن- يخبرنا نحن المصريين عن الإسلام في الصين تحت عنوان: أخبار العالم الإسلامي.
أي: أنه يسخر من المسلمين في الصين، ومن أخبار العالم الإسلامي في الصين.
ويقول أيضاً: إن اصطناع القبعة أكثر ما يقرب بيننا وبين الأجانب، ويجعلنا أمة واحدة.
ويقول أيضاً: لسنا نحب أن نخرج على العالم المتمدن بلباس خاص يجعلنا في مركز من الشذوذ، ويجلب إلينا الأنظار, فيعمد السائحون إلى تصويرنا كأننا أمة غريبة عن الأمم التي جاءوا منها.
ويقول: إن الأجانب يحتقروننا بحق، ونحن نكرههم بلا حق.
ويقول: إنني أطلب من الأدب شيئاً جديداً مغذياً غير الكلام عن العرب بلغة العرب، وشبابنا أيضاً يوشك أن يلبس القبعة؛ لأنه يجد هواناً من الشذوذ من العالم المتمدن، وهو أيضاً قد أبصر أننا إذا أخلصنا النية مع الإنجليز فقد نتفق معهم إذا ضمنا لهم مصالحهم، وهم في الوقت نفسه إذا أخلصوا النية لنا فإننا نقضي على مراكز الرجعية في مصر، وننتهي منها، فلنول وجهنا شطر أوروبا.
ويقول أيضاً في تعبير خطير جداً -وهو من أنبياء العلمانية ورسلها- يقول: وها نحن أولاء نجد أنفسنا الآن مترددين بين الشرق والغرب, فلنا حكومة منظمة على الأساليب الأوروبية، ولكن في وسط الحكومة أجسام شرقية، مثل وزارة الأوقاف، والمحاكم الشرعية، وهي تؤخر تقدم البلاد, ولنا جامعة تبعث بيننا ثقافة العالم المتمدن، ولكن كلية جامعة الأزهر تقف إلى جانبها، وتبث بيننا ثقافة القرون المظلمة, ولنا أفندية قد تخرجوا، لهم بيوت نظيفة، ويقرءون كتباً سليمة، ولكن إلى جانبهم شيوخ لا يزالون يلبسون الجبب والقسطاطين، ولا يتورعون من التوضؤ على قوارع الطرق في الأرياف، ولا يزالون يسمون الأقباط واليهود كفاراً كما كان يسميهم عمر بن الخطاب قبل ألف وثلاثمائة سنة.
وهو أيضاً ناقم على الشيوخ الذين يعلّمون اللغة العربية, وينادي بأن يسلََّم أمر تعليمها إلى الأفندية، حيث يقول: ولكن تعليم العربية في مصر لا يزال في أيدي الشيوخ الذين ينقعون أدمغتهم نقعاً في الثقافة العربية -أي ثقافة القرون المظلمة- فلا رجاء لنا بإصلاح التعليم حتى نمنع هؤلاء الشيوخ منه، ونسلمه للأفندية الذين ساروا شوطاً بعيداً في الثقافة الحديثة.
ويقول أيضاً: إذا كانت الرابطة الشرقية سخافة، لأنها تقوم على أصل كاذب؛ فإن الرابطة الدينية وقاحة، فإننا -أبناء القرن العشرين- أكبر من أن نعتمد على الدين جامعة تربطنا.
فهل هذه هي مواجهة الإرهاب؟ وهل هذه هي مواجهة التطرف؟ إنّ هذا تطرف إلى أبعد ما يكون، وقد سبق أن تكلمنا قبلُ وقلنا: إن المتطرف هو كل من لم يكن مسلَّماً لأهل السنة والجماعة, فهذا هو تعريف التطرف, فالتطرف هو الانحراف عن الوسط يميناً أو يساراًَ، ففي داخل الدائرة الإسلامية: كل من ليس سلفياً من أهل السنة والجماعة، وانتمى لفرقة من الفرق الضالة النارية الاثنتين وسبعين فرقة، فهذا متطرف انحرف عن الوسط في الإسلام، وهو منهج أهل السنة والجماعة كما أخبر النبي ﵊, فهذه درجة من درجات التطرف, وأشد وأخطر تطرفاً من يخرج عن الدائرة بالكلية كالعلمانيين، فهم متطرفون, فكل يهودي متطرف, وكل نصراني متطرف, وكل من ليس على ملة الإسلام فهو متطرف في نظرنا؛ لأننا نحن الأمة الوسط، ونحن الميزان، ونحن المقياس، وهم يقلبون الأصل، فيجعلون واقع المجتمعات الآن هو الوسط، وهو الاعتدال، وكل من انحرف عنه فهو المتطرف, فنقول لهم: لكم دينكم ولنا دين, فهذا دينكم، وأما ديننا الذي جاء به محمد ﷺ فهذه هي مقاييسه، وهذه هي موازينه.
следующие страницы →