Полный текст (2 122 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
رمي العلمانيين للدعاة إلى الله بكل قبيحة
يجب علينا أن نحاسب العلمانية ونزنها من حيث حقيقتها وواقعها الفعلي, لا من حيث ما تزعمه العلمانية من عدم عداء للدين، فإن العلمانيين يتسترون وراء ادعاء الإسلام، فهم يعرفون جيداً أنهم لو أظهروا الإلحاد والطعن في دين الإسلام، سيرجمون بالحجارة، فلابد من التستر وراء الأساليب الخادعة, لذلك نلاحظ من هؤلاء العلمانيين مغالطات كثيرة جداً، منها: أنهم يشنعون على أولياء الله، وعلى الدعاة إلى دين الله بأنهم يريدون أن يعودوا بنا إلى العصور الوسطى المظلمة!! فنقول لهم: أي قرون مظلمة؟! إن هذه القرون مظلمة عند أسيادكم في الغرب، وذلك حينما أذلت النصرانية الشعوب الأوروبية سواء بالإقطاع، أو بمحاكم التفتيش، أو بصكوك الغفران وبيع أماكن في الجنة، أو بالظلم والقهر، أو بالعقيدة الوثنية الشركية التي قدمتها لهم، أو بمقاومة الفطرة، أو بتحريم الطيبات، أو بالاستبداد الكنسي الذي كان يذل الجميع حتى الملوك, فمن أجل ذلك كرهوا الدين، ومن أجل ذلك كانت هذه العصور عصوراً مظلمة، وكل عصور أوروبا مظلمة؛ لأنها بعيدة عن منهج الله ﵎ ودينه، فالعصور المظلمة ليست عندنا، وإنما هي عند أسيادكم في أوروبا، فهم الذين كانوا في تلك العصور المظلمة لا يعرفون الاستحمام ولا التنظف, بينما كانت الدولة والحضارة الإسلامية هي القوة الأولى في العالم كله, وكانوا يوفدون أبناءهم إلى بلاد المسلمين، وإلى حواضر الإسلام؛ كي يتنوروا، ويتنظفوا، ويتعلموا كيف تكون الحضارة، وكيف يكون التقدم.
ومن ذلك أيضاً أن العلمانيين يقولون عن الدعاة إلى الله: يريدون أن يعيدونا إلى محاكم التفتيش! فنقول لهم: رمتني بدائها وانسلت، هل أقام المسلمون في يوم من الأيام محاكم للتفتيش؟ وهل عرف المسلمون أي نوع من أنواع القهر والإذلال للشعوب؟ وما الذي يحصل الآن في البوسنة والهرسك؟! وهنا نتذكر كلمة الخليفة الراشد عمر بن الخطاب، وذلك أن الفرس في إحدى المعارك مثلوا بالقتلى من المسلمين, فقطعوا الجثث ومثلوا بها، فلما رأى المسلمون ذلك حلف بعضهم لئن أمكنهم الله من الفرس ليفعلن مثلها، فبلغ ذلك أمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه، فغضب أشد الغضب وقال رضي الله تعالى عنه: متى كان لنا في الفرس أسوة! فالمسلمون لما حكموا العالم وكانت لهم الغلبة كانوا أكرم خلق الله ، وكانوا أرحم الناس بالناس، ثم بعد هذا ترموننا بدائكم؟! من الذي يقيم محاكم التفتيش؟ ومن الذي يقيم المحاكم العسكرية الظالمة في كل بلاد العالم الإسلامي؟ ابحثوا عن محاكم التفتيش في تاريخكم القديم والحديث, وابحثوا عنها في عهود قريبة وبعيدة، وابحثوا عنها في عهد عبد الناصر وغيره من الطواغيت والجبابرة, ففي عهد عبد الناصر بلغ الطغيان والإرهاب والتخويف مبلغاً عظيماً، إلى حد أن تيتو في يوم من الأيام أتى ليزور مصر, فكان من عادتهم أن يحبسوا كل دعاة الإسلام فترة زيارته، خوفاً عليه, وكان الرعب قد ملأ قلوب الناس، حتى إن أحد الخطباء -من شدة الرعب والتخويف والإرهاب والبطش- خطب جمعة في أحد المساجد في أثناء زيارة تيتو، فكان يدعو في الخطبة ويقول: اللهم أهلك الكفرة والمشركين إلا تيتو!! وبلغ القهر إلى حد أن شكوى قدمت في تاجر في إحدى محافظات الصعيد، فوقف أمام الضابط ترتعد فرائصه, وكان مسلماً بالاسم, وأقسم للضابط، وأما نحن فيوم أن سدنا العالم لم تعرف البشرية إلا الرحمة والتسامح والسمو والأخلاق, فمحاكم التفتيش ليست في تراثنا, وليست في ماضينا، ولكنها في ماضيكم وحاضركم أنتم، والجميع يعرف ذلك.
стр. 562
اختفاء روح الإيمان من كتابات العلمانيين
ومن خصائص العلمانيين أنها تختفي من كتاباتهم روح الورع والإيمان والإجلال لرسل الله، وبخاصة رسولنا محمداً ﵌, فتشعر في كتاباتهم بعدم الإيمان بهذا الإسلام، بل وتشعر فيها باحتقار لهذا الدين, فيتكلمون عليه وكأنه عقيدة بدوية بشرية الأصل، وكأنه لم ينزل من السماء, فهذا الذي سماه أبوه أحمد بهاء الدين يقول في يوم من أيام العهد الناصري المظلم: لابد من مواجهة الدعوات الإسلامية في أيامنا مواجهة شجاعة بعيدة عن اللف والدوران، وإن الإسلام كغيره من الأديان يتضمن قيماً خلقية يمكن أن تستمد كنوع من وازع الضمير, أما ما جاء فيه من أحكام وتشريعات دنيوية فقد كانت من قبيل ضرب المثل، ومن باب تنظيم حياة كانت في مجتمع بدائي إلى حد كبير، ومن ثَم فهي لا تلزم عصرنا ومجتمعنا.
ومن غلو هؤلاء عدم تعظيمهم لله ولا لرسل الله عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام, فهذا مدير جماعة أسيوط الذي عُيَّن فيها قبل إنشائها وإسلامها، فكان يخطب في حضور عبد الناصر، فقال له: إن كان عيسى المسيح قد أحيا ميتاً أو اثنين أو ثلاثة فقد أحييت يا سيادة الرئيس مائة مليون عربي, وإذا كان موسى ﵇ قد ضرب البحر بعصاه فشق فيه طريقاًَ يبساً، فقد صنعت بالسد العالي أكثر مما صنع موسى.
وفوراً رقي وزيراً للثقافة.
وكذلك مصطفى القياتي كان مدرساً بالأزهر في ثورة تسع عشرة, وكان يقول: إن سعداً أفضل من محمد ﵊, وإن سعداً أتى بما لم يأت به النبي ﷺ ؛ لأنه رسول الوطنية.
وهذا الرجل نفسه في إحدى المظاهرات في داخل الأزهر وضع الصليب في المحراب، وخطب فدعا الناس لصلاة ركعتين للصليب ولله بزعمه, فهذه هي العلمانية، وهذه جذورها.
من أجل ذلك فنحن لا نستغرب إذا وجدنا العلمانيين يصرخون إذا حوكم من يسفه أو يشتم الأنبياء كهذا الخبيث المجرم الذي لم نسمع اسمه، ولم نتعرف عليه إلا في صفحات الحوادث, وفي صفحات المجرمين، فهذا علاء حامد ألف كتاب (مسافة في عقل الرجل)، وسخر فيه من الإسلام، وسخر فيه من النبي ﵊، فيتصارخ العلمانيون ويتنادون دفاعاً عن حرية الرأي: يا لحرية الرأي! يا لحرية الكلمة! يا لحرية العقيدة! وحينما يطعنون في أنبياء الله، وفي كتبه، وفي صحابة رسول الله ﷺ فلا حرج في هذا، وهذه حرية, فهل يقوى العلمانيون على أن يوجهوا عشر معشار هذا الطعن إلى رئيس جمهورية، أو ملك دولة، أو إلى وزير؟ إنهم لا يجرءون على ذلك، وكما يقول الشاعر: يساق للسجن من سب الزعيم ومن سب الإله فإن الناس أحرار
стр. 563
نماذج من مواقف العلمانيين من هذا الدين
وهذه نماذج أخرى -وإن كانت متناثرة- من مواقف العلمانيين, فهؤلاء هم حواريو العلمانية وأنبياؤها والمبشرون بها؛ كي نعرف أعداءنا، ونقف منهم الموقف الذي يستحقونه, فهذا جميل معلوف، وأنا أسميه المعلوف يقول: إن الأجانب يحتقروننا بحق، ونحن نكرههم بلا حق, وإن خلاص الشرق يتوقف على تفرد الشرقيين بكل معنى الكلمة, فلا عهدة شرعية تربطنا بإسلامنا, ويجب أن نكون أبناء اليوم لا بقايا الأمس، ثم يقول: أجد بلاء الشرق كله من الأديان, والمصيبة في الشرقيين من الأنبياء.
وهذا سلامة موسى ونقول للذين يعيدون نشر كتبه النتنة الآن في سلسلة المواجهة: من تواجهون؟! تواجهون الله؟! وقد أثبتوا أنهم ليس عندهم من يصلح أن يكتب أي كلام موضوعي، فعكفوا على إعادة هذا التراث العفن الذي افتضح وبدت سوءته للناظرين منذ عشرات السنين؛ يقول سلامة موسى -وهو نصراني ملحد قد جمع بين السوءتين-: إن الرابطة الدينية وقاحة, فإننا أبناء القرن العشرين أكبر من أن نعتمد على الدين جامعةً تربطنا.
وهذا يوسف إدريس الكاتب الماركسي اليساري الذي أعطاه طه حسين صك الشهرة؛ لأنه من أصحاب الأفكار الإباحية، فهو يدعو إلى نبذ التراث العربي كله، وإلى إلقائه في البحر، أو إحراقه, ويصف تراثنا بأنه سخيف، وأنه ليس فيه شيء للقراءة، ويقول: يجب أن تحرق كتب التراث كلها.
وقال رجل دمشق في عقب الإحداث سنة خمس وستين، وذلك بعدما دخلت الدبابات مسجد بني أمية تفتك بالمصلين والموحدين، واستشهد من المصلين مئات المسلمين، وأغلق الجامع أياماً؛ لإزالة ما علق بأستاره ومحرابه من جثث المصلين، ودماء الراكعين الساجدين، وذلك لا لشيء إلا لأنهم طالبوا بتحكيم شرع الله في ظل هذا الحكم البعثي العلماني الملحد, وفي نفس ذلك اليوم قال رجل دمشق في بيان رسمي: إننا لن نسمح لمن كانوا يعيشون في هذه البلاد قبل ألف وأربعمائة سنة أن يفرضوا علينا نظمهم القديمة، ولا أن يضعوا لنا أسس حياة إسلامية نعيشها في هذا العصر المتطور.
وهذا أحد دعاة العلمانية والعروبة في نفس الوقت يقول: العروبة نفسها دين عندنا نحن القوميين العرب.
فهم يسمونه ديناً، ونحن لم نأتِ بهذا الكلام من عندنا، فالعلمانية دين، والقومية دين, وقد ذكرت من قبل أن بعض الأفاضل حكى عن بعض المنظمات العلمانية الفلسطينية أنهم كانوا حين يقوم ليأذن بالصلاة يقفون صفاً واحداً، ويشوشون عليه، ويسخرون منه، وينشدون بصوت يشوش على الأذان فيقولون: إن تسل عني فهذي قيمي أنا ماركسي يوناني أممي ويقول شاعرهم: آمنت بالبعث رباً لا شريك له وبالعروبة ديناً ما له ثاني ويقول هذا الداعية: العروبة نفسها دين عندنا نحن القوميين العرب؛ لأنها وجدت قبل الإسلام وقبل المسيحية في هذه الحياة الدنيا, ولئن كان لكل عصر نبوة، فإن القومية العربية هي النبوة في هذا العصر في مجتمعنا العربي.
ويقول أحد هؤلاء أيضاً: نحن نريد بدارسة التاريخ أن نميز بين العروبة والإسلام في وجهتنا, وإن اعتزازنا بالتراث، وإعطاءنا القيم منزلتها لا يعني اتخاذ الإسلام رابطة سياسية، أو إقامة الكيان على أساسه.
ويقول أحد هؤلاء وهو المسمى أدونيس في رسالته للدكتوراه (الثابت والمتحول) إذا كان التغيير يفترض هدماً للبنية القديمة التقليدية، فإن هذا الهدم لا يجوز أن يكون بآلة من خارج التراث العربي، وإنما يجب أن يكون بآلة من داخله, فإن هدم الأصل يجب أن يمارس بالأصل ذاته.
يعني تحريف معاني الإسلام.
وأطروحة الدكتواره هذه قدّمت إلى الجامعة الأمريكية التي يشنع فيها على الإسلام، وقد أشرف على الرسالة الأب لويس نويا اليسوعي، وشارك في مناقشاتها الدكتور أنطوان غطاس كرم، ورشح صاحبها من دوائر الاستشراق الأوروبي المعاصر لأجل نيل جائزة عالمية شهيرة؛ بوصفه شاعراً ومفكراً إسلامياً ثائراً.
وهذا زكي نجيب محمود، وهو مشهور باحتقاره لتراثنا الإسلامي، يقول: لم يكن ثم أثر للحياة الثقافية، أو العلمية، أو الفكرية في قرون الإسلام الأولى، بل ولا الأخيرة, فلم يكن العالم في العهود السابقة يبلغ من علمه حداً يجاوز إحسانه للقراءة والكتابة.
يعني: أنّ ابن كثير وابن تيمية والبخاري ومسلماً وكل الأئمة الأعلام أقصى ما حصلوه من العلم معرفتهم للقراءة والكتابة فقط، وليس عندهم أي شيء من العلم والفكر غير القراءة والكتابة!
стр. 564
محاولة العلمانيين بعث تراث أسلافهم من المنحرفين
إنّ هذه المحاولة يائسة من هؤلاء اليائسين, فقد أيسوا من محاولة البطش والتخويف والإرهاب؛ لأنها لم تأت بأي ثمرة، بل زادت الصحوة الإسلامية، فلجئوا إلى آخر ما في جعبتهم وهي الكتابة، فعجزوا عن الكتابة، وما وجدوا أحداً يصلح للكتابة, فقالوا: نلجأ إلى القدامى, نلجأ إلى مؤسسي حركة التنوير, والمستنير عندهم هو الذي يستنير ويستضيء بغير كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ , فلأن الباطل دائماً أعمى لا يرى، وأصم لا يسمع، وأحمق لا يعقل, فقد حاول هؤلاء العلمانيون كما قلنا مواجهة الإسلام بالكتابة، فلم يستطيعوا إلا السب والشتم والتشنيع والاستعداء والبذاءة والتطاول, ونظرة واحدة في كتبهم تجعلك ترى ما في جعبة القوم من هذه البذاءات.
فلما شعروا بعجزهم عن أن يجادلوا بأنفسهم أرادوا أن يتطفلوا على مائدة الأولين منهم، فراحوا ينفخون الروح في هذا التراث المشئوم؛ عسى أن يجدي في محاولاتهم اليائسة في إطفاء نور الله ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة:٣٢] , فقاموا بإعادة طبع عشرات الكتب، وبسعر زهيد جداً: بخمسة وعشرين قرشاً، أي: ربع جنيه، ككتب طه حسين، وسلامة موسى، وزكي نجيب محفوظ، وقاسم أمين، والطهطاوي، وأعادوا نشر هذا التراث العفن النتن الذي فاحت ريحه الخبيثة، وانكشف عواره.
وهذا من غبائهم وإساءتهم إلى أنفسهم, فهم اليوم يخاطبون جيلاً غير الجيل الأول الذي خوطب من خلال هذه الكتب، فأرادوا أن يحتموا بتلك الأسماء اللامعة: طه حسين , سلامة موسى , ولا يدرون أن الشباب الآن عنده وعي، وعنده بصيرة، وأنه قد عرف عدوه وعدو دينه، وعرف من هو طه حسين، فبعدما كان الجيل الماضي ينظر إلى طه حسين على أنه كاتب إسلامي فقد فهم الناس الآن أن طه حسين زنديق ملحد, وأنه طاعن في كتاب الله، ومكذب له, وعدو لهذه الأمة، وعدو للغة العربية، فقد كان ينطلي على الجيل الأول أنه عميد اللغة العربية, وأما الآن فقد انتشر الوعي، فمن الغباء أن يخاطبونا بمثل هذه البضاعة الكاسدة البائرة.
فهذه الأصنام التي يعيدون الطواف حولها بالمباخر والتعظيم قد حطمت، حطمها العلماء والدعاة، وانكشفت سوآتها للناظرين، فلو كان هؤلاء عقلاء لما بعثوا هذا التراث, ولو كانوا يعترفون بالجميل لأساتذتهم لما آذوهم في قبورهم, فنحن نجزم ونقطع ونحلف بالله أن كل هؤلاء الذين كتبوا في معاداة الله ومعاداة رسول الله ﵊، نادمون أشد الندم على كل حرف خطّوه وكتبوه، وأنهم إن كانوا ماتوا على هذا الضلال والكفر فإنهم يتمنون أن يعودوا، وأن يعطيهم الله الفرصة من جديد؛ كي يكونوا أشد الناس تطرفاً في معاداة هذه العلمانية، وكي يجاهدوا كل من يطعن في دين الله .
فأنتم الآن تسيئون إليهم في قبورهم، وهم يرجونكم -إن كان لهم أن يتكلموا- ويتوسلون إليكم أن تكفوا عن مضاعفة سيئاتهم بإحياء هذه الكتب, فهذه حقيقة لا نشك فيها: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة:١٢] لكن حيث لا ينفع اليقين، ولو ردوا لتبرءوا من هذه الكتب، ولنصروا الإسلام بكل جوارحهم حتى وإن قيل عنهم: متطرفون، أو متشددون، أو رجعيون.
فلو أعيد طه حسين إلى الحياة -والله أعلم بمصيره عند ربه- لكان من أشد الناس دعوة إلى الله، ومن أشدهم تضحية في سبيل الله ﵎, فإن كنتم تحبونهم فكفوا عنهم، ولا تنشروا مساوءهم, وابحثوا لعلكم تجدون لهم حسنات فتكلموا بها وانشروها؛ لكن القوم عندهم هواية البحث في القمامة، والبحث في الخبائث؛ ليستخرجوا أسوأ ما فيها، وينشروها على الناس, فالسعيد من إذا مات ماتت سيئاته وتوقفت، أما أن يبقى في قبره وأذاه على وجه الأرض فنسأل الله السلامة، ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ [يس:١٢]، (ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة).
وهذا أحد كتاب رسائل المواجهة، تلك المواجهة الدنيئة الحمقاء، فأحد هؤلاء المجرمين كتب كتاباً، وفعل ما فعلته اليهود, فسمى الرسالة (التنوير في مواجهة الإظلام) فتشبه باليهود حين قيل لهم: قولوا حطة، فقالوا: حنطة, فهذا بدلاً من أن يقول: الإسلام، قال: الإظلام, ومعروف أنهم دائماًَ يستعملون كلمة الظلام للتعبير عن الإسلام، فيقولون: الجماعات الإظلامية، أو الجماعات الظلامية، ويعنون الجماعات الإسلامية، ولما ألفوا رواية عن طه حسين سموها: قاهر الظلام، أي: قاهر الإسلام، وكذلك هنا (التنوير في مواجهة الإظلام)، فالله المستعان، والأمر كما قال تعالى: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد:٣٠].
وهذا كاتب من كتابهم يتكلم عن القصص الفني في القرآن، فيصف قصص القرآن الكريم بأنها خرافة, بل زعم أن القرآن نفسه لا ينفي أنه يحوي الأساطير, وهذا الباحث دافع عنه بعض المستشرقين، ومنهم بعض الآباء الدانماركيون الذين وصفوا بحثه بأنه البحث الوحيد الذي يمثل الاستنارة الحقيقية في الفكر الإسلامي الحديث, وهنا نقول: هل سمعتم عن رجل علماني -مهما بلغت أفكاره- غضب عليه الكفار في الشرق أو الغرب أو الداخل أو الخارج؟ كلا, بل تنشرح صدورهم لأعداء الدين، فهم إخوانهم الذين يساندونهم ويمدونهم بالعون، وهم الذين يحرضونهم على معاداة الله ورسوله ﷺ .
стр. 565
بعض النماذج من تلك الكتب التي طبعوها
وهنا أذكر بعض النماذج، وأقتصر فقط على شخصيتين من هذه الشخصيات, الأولى منهما: سلامة موسى، وقد بعث له جزء من هذا التراث، وذلك أيضاً في سلسلة المواجهة للإسلام، والصد عن سبيل الله ﵎, وأنا أقتطف بعض عباراته حتى نعرف من هو سلامة موسى؟ ومن هم رواد التنوير؟ وما هو التنوير الذي يريدون أن نتنور به؟ يقول سلامة موسى في تلخيص هدفه من دعوته: إنه يجب علينا أن نخرج من آسيا، وأن نلتحق بأوروبا.
ويقول: إني كلما زادت معرفتي بالشرق زادت كراهيتي له، وشعوري بأنه غريب عني، وكلما ازدادت معرفتي بأوروبا زاد حبي لها وتعلقي بها، وزاد شعوري بأنها مني وأنا منها, هذا هو مذهبي الذي أعمل له طول حياتي سراً وجهرة، فأنا كافر بالشرق مؤمن بالغرب, فنريد من التعليم أن يكون تعليماً أوروبياً لا سلطان للدين عليه، ولا دخول له فيه, ويريد من الحكومة أن تكون ديمقراطية برلمانية كما هي في أوروبا، وأن يعاقب كل من يحاول أن يجعلها مثل حكومة هارون الرشيد، أو المأمون، أو أورستقراطية دينية, ويريد أن يبطل شريعة الإسلام في تعدد الزوجات، وفي الطلاق، بحيث يعاقب بالسجن كل من يتزوج أكثر من امرأة، ويمنع الطلاق إلا بحكم المحكمة, ويريد أن يقتلع من أدبنا -كما يقول- كل طابع شرقي مما يسميه هو: آثار العبودية والذل والتوكل على الآلهة.
فنقول له: إنّ التوكل على الآلهة أمر موجود عندكم هناك في الكنيسة, وشركة القبانية، أما أن تخاطب أمة الإسلام وتقول: نريد أن نقتلع جذور التوكل على الآلهة, فليس عندنا آلهة، وإنما الله إله واحد.
ويقول أيضاً وهو يمتدح العصر الإسماعيلي بعدما امتدح عصر نابليون، وما جره على مصر من البركات، ثم يتكلم عن الإسماعيلي فيقول: الذي رأى بنافذ بصيرته أنه لابد لنا من أن نتفرنج، ونقطع الصلة بيننا وبين آسيا، -المقصود بآسيا هو الإسلام الذي جاء من آسيا- فأنشأ الإسماعيلي مجلساً نيابياً, وأسس مجلس وزراء، ثم جعلنا نلبس الملابس الأوروبية، ووزع بين أعيان البلاد فتيات من الشركة؛ لكي يتحسن اللون ويقارب البشرة الأوروبية.
فهذا بغض للذات، واحتقار للنفس, وهذا شيء عجيب! ثم يقول: قد آن الأوان كي نعتاد عادات الأوروبيين، ونلبس لباسهم، ونأكل طعامهم، ونصطنع أساليبهم في الحكومة والعائلة والاجتماع والصناعة والزراعة.
ويقول أيضاً: إن الرابطة الشرقية -والمقصود بها الإسلام- سخافة, فمالنا ولهذه الرابطة الشرقية، وأية مصلحة تربطنا بأهل جاوة؟ -يعني: في أندونيسيا- وماذا ننتفع بهم؟ وماذا هم ينتفعون منا؟ إننا في حاجة إلى رابطة غربية، كأن نؤلف جمعية مصرية يكون أعضاؤها من السويسريين، والإنجليز، والنرويجيين وغيرهم, فنقعد معهم، ونستفيد منهم إلى أن يقول: فمثل هؤلاء الناس العباقرة والأذكياء نستطيع أن نؤلف رابطة معهم، ولكن ما الفائدة من تأليف رابطة مع الهندي أو الجاوي -يقصد: الهندي أو الجاوي المسلم-؟ ويقول أيضاً: نحن في حاجة إلى ثقافة حرة أبعد ما تكون عن الأديان.
ويقول أيضاً: وقد كان مصطفى كامل -لجهله بروح الزمن- يخبرنا نحن المصريين عن الإسلام في الصين تحت عنوان: أخبار العالم الإسلامي.
أي: أنه يسخر من المسلمين في الصين، ومن أخبار العالم الإسلامي في الصين.
ويقول أيضاً: إن اصطناع القبعة أكثر ما يقرب بيننا وبين الأجانب، ويجعلنا أمة واحدة.
ويقول أيضاً: لسنا نحب أن نخرج على العالم المتمدن بلباس خاص يجعلنا في مركز من الشذوذ، ويجلب إلينا الأنظار, فيعمد السائحون إلى تصويرنا كأننا أمة غريبة عن الأمم التي جاءوا منها.
ويقول: إن الأجانب يحتقروننا بحق، ونحن نكرههم بلا حق.
ويقول: إنني أطلب من الأدب شيئاً جديداً مغذياً غير الكلام عن العرب بلغة العرب، وشبابنا أيضاً يوشك أن يلبس القبعة؛ لأنه يجد هواناً من الشذوذ من العالم المتمدن، وهو أيضاً قد أبصر أننا إذا أخلصنا النية مع الإنجليز فقد نتفق معهم إذا ضمنا لهم مصالحهم، وهم في الوقت نفسه إذا أخلصوا النية لنا فإننا نقضي على مراكز الرجعية في مصر، وننتهي منها، فلنول وجهنا شطر أوروبا.
ويقول أيضاً في تعبير خطير جداً -وهو من أنبياء العلمانية ورسلها- يقول: وها نحن أولاء نجد أنفسنا الآن مترددين بين الشرق والغرب, فلنا حكومة منظمة على الأساليب الأوروبية، ولكن في وسط الحكومة أجسام شرقية، مثل وزارة الأوقاف، والمحاكم الشرعية، وهي تؤخر تقدم البلاد, ولنا جامعة تبعث بيننا ثقافة العالم المتمدن، ولكن كلية جامعة الأزهر تقف إلى جانبها، وتبث بيننا ثقافة القرون المظلمة, ولنا أفندية قد تخرجوا، لهم بيوت نظيفة، ويقرءون كتباً سليمة، ولكن إلى جانبهم شيوخ لا يزالون يلبسون الجبب والقسطاطين، ولا يتورعون من التوضؤ على قوارع الطرق في الأرياف، ولا يزالون يسمون الأقباط واليهود كفاراً كما كان يسميهم عمر بن الخطاب قبل ألف وثلاثمائة سنة.
وهو أيضاً ناقم على الشيوخ الذين يعلّمون اللغة العربية, وينادي بأن يسلََّم أمر تعليمها إلى الأفندية، حيث يقول: ولكن تعليم العربية في مصر لا يزال في أيدي الشيوخ الذين ينقعون أدمغتهم نقعاً في الثقافة العربية -أي ثقافة القرون المظلمة- فلا رجاء لنا بإصلاح التعليم حتى نمنع هؤلاء الشيوخ منه، ونسلمه للأفندية الذين ساروا شوطاً بعيداً في الثقافة الحديثة.
ويقول أيضاً: إذا كانت الرابطة الشرقية سخافة، لأنها تقوم على أصل كاذب؛ فإن الرابطة الدينية وقاحة، فإننا -أبناء القرن العشرين- أكبر من أن نعتمد على الدين جامعة تربطنا.
فهل هذه هي مواجهة الإرهاب؟ وهل هذه هي مواجهة التطرف؟ إنّ هذا تطرف إلى أبعد ما يكون، وقد سبق أن تكلمنا قبلُ وقلنا: إن المتطرف هو كل من لم يكن مسلَّماً لأهل السنة والجماعة, فهذا هو تعريف التطرف, فالتطرف هو الانحراف عن الوسط يميناً أو يساراًَ، ففي داخل الدائرة الإسلامية: كل من ليس سلفياً من أهل السنة والجماعة، وانتمى لفرقة من الفرق الضالة النارية الاثنتين وسبعين فرقة، فهذا متطرف انحرف عن الوسط في الإسلام، وهو منهج أهل السنة والجماعة كما أخبر النبي ﵊, فهذه درجة من درجات التطرف, وأشد وأخطر تطرفاً من يخرج عن الدائرة بالكلية كالعلمانيين، فهم متطرفون, فكل يهودي متطرف, وكل نصراني متطرف, وكل من ليس على ملة الإسلام فهو متطرف في نظرنا؛ لأننا نحن الأمة الوسط، ونحن الميزان، ونحن المقياس، وهم يقلبون الأصل، فيجعلون واقع المجتمعات الآن هو الوسط، وهو الاعتدال، وكل من انحرف عنه فهو المتطرف, فنقول لهم: لكم دينكم ولنا دين, فهذا دينكم، وأما ديننا الذي جاء به محمد ﷺ فهذه هي مقاييسه، وهذه هي موازينه.
стр. 566
إطلالة سريعة على أقوال طه حسين الشنيعة
وقبل أن ننهي الكلام، فإننا نطل إطلالة على واحد من هؤلاء الذين نشروا له كتاباً في سلسلة المواجهة، وهذه السلسلة الدنيئة في أربعة أجزاء, وتباع كما ذكرت لكم بسعر باكيت بسكوت أو أقل، وهو بلا شك أكثر فائدة منه, وهو كتاب طه حسين، ويعتبرون هذا رائداً من رواد التنوير والعلمانية والتقدم.
وطه حسين له مواقف مخزية جداً من هذا الدين، سواء من خلال كتابه الذي نشروه (مستقبل الثقافة في مصر)، أو من خلال غيره من مواقفه المعادية لله ولرسوله, فهؤلاء هم أنبياء العلمانية، ورسلها، وحواريوها، ودعاتها, فهل هذه مواجهة للتطرف أم دعوة للتطرف؟ إنّ هذا استفزاز وإثارة.
يقول طه حسين: للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل، وللقرآن أن يحدثنا عنهما أيضاً, ولكن ورود هذين الاثنين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي، فضلاً عن إثبات هذه القضية التي تحدثنا بهجرة إسماعيل بن إبراهيم إلى مكة.
ويقول الخبيث أيضاً: إن القرآن المكي يمتاز بالهروب من المناقشة، والخلو من المنطق، والعياذ بالله! ويقول أيضاً: ظهر تناقض كبير بين نصوص الكتب الدينية وبين ما وصل إليه العلم.
ويقول: إن الدين لم ينزل من السماء وإنما خرج من الأرض كما خرجت الجماعة نفسها, وإن الدين حين يقول بوجود الله، ونبوة الأنبياء، يثبت أمرين لا يعترف بهما العلم.
ويقول: إن الفرعونية متأصلة في نفوس المسلمين، وستبقى كذلك، بل يجب أن تبقى وتقوى، والمصري فرعوني قبل أن يكون عربياً, ولا يُطلب من مصر أن تتخلى عن فرعونيتها، وإلا كان معنى ذلك: اهدمي يا مصر أبا الهول والأهرام! وانسي نفسك واتبعينا! فلا تطلبوا من مصر أكثر مما تستطيع أن تعطي, فمصر لن تدخل في وحدة عربية, سواء كانت العاصمة القاهرة، أم دمشق، أم بغداد، وأؤكَّد قول أحد الطلبة القائل: لو وقف الدين الإسلامي حاجزاً بيننا وبين فرعونيتنا لنبذناه! ويقول أيضاً: لم أكن في اللجنة التي وضعت الدستور القديم، ولم أكن بين الذين وضعوا الدستور الجديد, ولم يستشرني أولئك وهؤلاء في هذا النص الذي اشتمل عليه الدستوران جميعاً, والذي يعلن أن للدولة المصرية ديناً رسمياً هو الإسلام، ولو استشارني أولئك أو هؤلاء لطلبت منهم أن يتدبروا، وأن يتفكروا قبل أن يضعوا هذا النص في الدستور.
وكان طه حسين يدعو طلابه في كلية الآداب إلى اقتحام القرآن في جرأة، ونقده بوصفه كتاباً أدبياً, فيقولون: وفي هذا حُسْن، وهذا كذا, تعالى الله عما يقولون علواً كبيراًَ.
ويقول: ليس القرآن إلا كتاباً ككل الكتب الخاضعة للنقد، فيجب أن يجري عليه ما يجري عليها إلى آخر كلامه.
ويقول: يجب عليكم أن تصرفوا النظر نهائياً عن قداسته التي تتصورونها, وأن تعتبروه كتاباً عادياً، فتقولوا فيه كلمتكم, ويجب أن يختص كل واحد منكم بنقد شيء من هذا الكتاب, ويبين ما يأخذه عليه.
فهذا هو عميد الأدب العربي، والصواب أن يقال عنه: عميل الفكر الغربي! وحملته أيضاً على الصحابة معروفة في كتابه (الشيخان) وغيره، وهو يدرس الآن للطلبة في الثانوية العامة وفيه الطعن والتشكيك والنيل من عظماء الإسلام والمسلمين, وقد اجتهد في إعادة طبع رسائل إخوان الصفا، وترجمة القصص الفرنسية الإباحية الماجنة, وهو يدعو أيضاً في كتابه هذا (مستقبل الثقافة بمصر) إلى أن نسير سيرة الأوروبيين، ونسلك طريقهم؛ لنكون لهم أنداداً, فنأخذ بالحضارة خيرها وشرها، وحلوها ومرها، وما يحب منها وما يكره، وما يحمد منها وما يعاب.
وقد استقدم طه حسين المستشرقين إلى الجامعة المصرية؛ كي يطعنوا في القرآن والسنة، ومواقفه مخزية إلى حد بعيد جداً، لكن أكتفي بهذا القدر من ذكر ضلالاته، ولو استقصينا جميع الكتب التي أعادوا طبعها، والتي وصلت الآن إلى أكثر من ثلاثين كتيباً؛ لو استقصينا النماذج من كلام دعاة العلمانية المخالفين لدين الإسلام، لانقضى الليل كله ونحن لم ننته من هذا بعد.
стр. 567
تحذير وإنذار للعلمانيين وأفراخهم
فهذه بعض النماذج لهذه الحملة على دين الله ﵎، فنقول لهؤلاء أصحاب المواجهة: أتدرون أنكم تواجهون الله تعالى؟! هل لكم قِبَل وطاقة بحرب الله، وحرب رسول الله ﵊؟! فمن الذي تواجهونه؟! وبماذا تواجهونه؟! نحن نعيش في زمان ليس فيه آداب الإسلام، ولا أحلام ذوي المروءة، ولا أخلاق الجاهلية, ففي الجاهلية كانت هناك بعض الأخلاق, وكان عندهم مبادئ وقيم, وكانوا يعرفون شرف الخصومة، أما هؤلاء فلا يعرفون رائحة الشرف, بل تجد فيهم القهر والكذب والدجل، واستفرغوا كل الوسع في الصد عن سبيل الله ﵎ تحت ستار هذه العلمانية المزعومة.
فنقول: إننا ندرك تمام الإدراك أن الوعد الإلهي الذي تحقق من قبل في المشركين والمنافقين، سوف يتصل بتحقق مماثل في علمانيي عصرنا ﴿وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة:١٤ - ١٥] فهذا الوعد سوف يتحقق حتماً, ولو زالت أجيال وأجيال فإنّ النصر والتمكين في النهاية للإسلام قطعاً.
فهذه البقعة من الأرض التي نعيش عليها قد عاش عليها من قبل ملايين البشر, فأين هم الآن؟ إنّا لا نعرفهم, ولا نحس منهم من أحد، ولا نسمع لهم ركزاً, فقد أهلكهم الله , وفي هذا الزمان لو قتّل الشباب المسلم, وحوربت الدعوة في كل مكان, فهل سيبلغون في حربهم ما بلغ الأولون في حربهم لهذا الدين؟ إنّ الدين هو دين الله ، فأنتم تحاربون الله, فنسأل العلمانيين كي يكفوا عن التستر وراء الدين، ونقول لهم: قولوها صراحة: هل تؤمنون بالله؟ وهل تؤمنون برسول الله ﵊؟ وهل تعظمون القرآن؟ وهل تقبلون التحاكم إلى شرع الله ؟ قولوا: لكم دينكم ولنا دين, لا تلبسوا على الناس, فهل تقبلون التحاكم الذي أمر الله به في قوله ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥]؟ لا يمكن أن تقبل العلمانية ذلك, وأي علماني يخرج من دين العلمانية إلى دين الإسلام فلابد أن يعلن كفره بهذه المبادئ الهدامة التي تتصادم مع ألف باء العقيدة الإسلامية, ولا يمكن أن تبقى علمانياً مسلماً في آن واحد, فكونوا صرحاء، ولا داعي لهذه المناورات, ولا داعي للخداع، ولا داعي للتظاهر بأنكم تواجهون ما تسمونه تطرفاً أو إرهاباً, قولوا: نحن نواجه الإسلام, واكشفوا القناع عن وجوهكم، وقولوا: إنكم تكرهون الله, وإنكم تبغضون رسول الله، ونحن نبشركم بما بشر به الله من سبقكم إلى هذا الشنآن، فقال سبحانه: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ﴾ [الكوثر:١ - ٣].
فسيقطع الله دابرهم, وهذه سنة من سنن الله, فكل من شنأ رسول الله وأبغضه، أو أبغض سنته، فلابد أن يقطع الله أثره ويمحوه.
ويقول ﵎: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣٢ - ٣٣]، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ * كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة:٢٠ - ٢١].
وأستغفر الله لي ولكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 568
المؤامرة على التعليم
لقد ظهرت في بعض البلاد الإسلامية مشاريع تسمى بتطوير التعليم، وهي في الحقيقة مؤامرة على التعليم، وتضليل تحت مسمى التطوير، والعجب أن يقوم بهذا أناس من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا، فلا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور.
стр. 569
دعوة لإنقاذ التعليم
الحمد لله رب العالمين، اللهم صل على النبي الأمي وأزواجه أمهات المؤمنين، وذريته وأهل بيته، كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
فقد بين الله ﵎ أحد مقاصد هذه البعثة وهذه الرسالة في قوله : ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام:٥٥].
فأحد المقاصد الأساسية التي من أجلها يبعث الله رسله، وينزل آياته، هي: أن تستبين سبيل المجرمين، حتى لا يختلط الحق بالباطل، ولا الهدى بالضلال، ولا الغي بالرشاد.
فمن هذا المنطلق نختار هذه القضية لنناقشها اليوم، وهي قضية قد تناولها كتاب صدر حديثاً اسمه: التطوير بين الحقيقة والتضليل أو دعوة لإنقاذ التعليم، للمؤلفين: الدكتور جمال عبد الهادي والأستاذ علي أحمد لبن، فجمعا في هذا الكتاب مادة عظيمة تلفت أنظار المسلمين إلى هذا الخطر الداهم الذي يطل برأسه في هذه الأيام، ولا شك أن مناهج التعليم هي عبارة عن عملية صياغة عقول هذه الأمة، وأي تخريب في مناهج التعليم فهو اغتيال لهوية المسلم وأبنائه والأجيال القادمة.
وقد بعث المأمون إلى بعض من طال حبسه في السجن، وقال لهم: ما أشد ما مر عليكم في هذا الحبس؟ قالوا: ما فاتنا من تربية أولادنا.
والمناهج الدراسية تصوغ عقول الأولاد وشخصياتهم أقوى مما يفعل الأبوان بالنسبة لظروف الحياة في هذا الزمان، ولا يكون تأثيرهما على الأولاد مساوياً لما يحدث من التأثير في المدارس من خلال هذه المناهج.
كان المصريون القدماء -وهم أجدادنا الذين نبرأ إلى الله منهم ومن كفرهم وشركهم- حيارى في التعبير عن هويتهم، فاخترعوا ما أسموه: أبا الهول، جسم حيوان يدل على القوة والبطش، ورأس إنسان يدل على العقل والذكاء، فلابد للمجتمع من قوة العلم والقوة الحسية أو المادية.
الآن نجد أن الصورة تنعكس، نرى بشراً أجسامهم في صورة بشر، لكن عقولهم خنزيرية، عقول تبرأ هذه الأمة منها، وهم الذين ينفثون سمومهم خلال هذه المناهج، وهذه القضية ليست قضية ثانوية، بل هي قضية كل بيت مسلم، فالمناهج تقوم بصياغة عقول أبناء المسلمين، وكل مسلم يعتز بولائه وانتمائه إلى هذا الدين وإلى هذه الأمة وإلى هذا النبي ﷺ يهمه أمر المناهج، فإنه ما من أسرة إلا ولها أبناء وإخوة يذهبون ليتشربوا هذه السموم التي توضع في مناهج التعليم.
هذه الفتنة خطيرة جداً، وتدرك آثارها على مدى سنوات، وليس في خلال ساعات، ودور المسلم لا يقتصر على الحسبلة والحوقلة، وضرب إحدى اليدين على الأخرى، والتواصي بالدعاء على فاتح الشرور الذي فتح هذه الفتنة في اغتيال عقول شباب المسلمين وأبناء المسلمين، فلابد من التحذير من هذه الفتنة.
أعظم ما كان يهتم به نابليون حينما غزا مصر محاولة تغيير العقيلة المصرية التي صاغها الإسلام وصاغها القرآن والسنة، فأتى بمطبعة لأنه من خلالها يستطيع أن ينفث سموم أفكاره الغربية.
كذلك الإنجليز حينما أتوا كان أهم وظيفة يؤدونها هي هدم التعليم، وذلك القسيس الكاهن الذي استجلب من بريطانيا لكي يخطط لهدم التعليم الإسلامي، ومخططه والمنهج الذي رسمه مسبقاً لمناهج التعليم في مصر ما زال مستمراً إلى الآن.
وليس المقام مقام كلام تاريخي نفصل فيه محاولات اغتيال العقلية المسلمة التي تنشأ من خلال هذه المناهج، لكن ندخل مباشرة في الموضوع، ونحاول أن نلخص بعض المعالم الرئيسية في هذا الكتاب.
يقول المؤلفان في بداية الكتاب: يتساءل المرء عن الأسباب والدوافع التي حدت بوزارة التعليم والأزهر إلى إدخال تغييرات على المناهج والمقررات تحت مسمى التطوير! وبهذه السرعة ودون روية! وأتساءل أيضاً عن القواعد والأسس التي تحكم هذا التطوير، وكل تغيير أو تطوير لابد أن تكون له دوافع وأسباب ينطلق منها، وأيضاً أهداف يسعى إليها! ونحن لسنا ضد التطوير، ولكننا نريده تطويراً حقيقياً ينطلق من عقيدة الأمة التي حددها الدستور -كذا قالا، ونحن نقول: التي حددها لنا رب العالمين ربنا ﵎، ولا يضيرنا أن يوافق الدستور على هذا أو يخالفه- ثم ذكرا في الباب الأول اقتران الغزو العسكري بالغزو الفكري الذي يهدف إلى تخريب الشخصية الإسلامية عبر التعليم المنهجي والتثقيف العام، وبينا أنه رغم خروج الإنجليز من مصر لكن ظلت سياستهم التعليمية هي السائدة، ولم تتغير عن طريقها، ولم تحد أبداً، ثم يتكلم الكتاب عن حقيقة التطوير الحالي، والأصابع الخفية التي تقف وراءه.
стр. 570
أخطار ما يسمى بتطوير التعليم
الأسباب التي دعت إلى الريبة في هذا التطوير، والأدلة ظاهرة على اتهام الأصابع الخفية وراء هذا التطوير، وبيان ذلك فيما يلي: أولاً: سعي هذا التطوير إلى طمس عقيدة الأمة، وتزوير هويتها، وتغريب تقاليدها خلسة ومن خلف ظهر الجميع.
ثانياً: عدم صدور التطوير عن المتخصصين الشرعيين، بل صدوره عن جهات غامضة مجهولة تستمد نفوذها من الوزير مباشرة أو رئيس الوزراء المسئول عن الأزهر؛ وذلك بشكل فجائي، تليها خطوات جريئة بدون روية أو استطلاع أو تجريب أو استشارة مدرسي المواد والموجهين لهم أو المؤلفين أو الطلاب أو أولياء الأمور أو غيرهم.
ثالثاً: العزوف عن برامج التطوير الحقيقية والمأمونة والتي تنبع من حاجات الأمة وتقاليدها.
نفصل في الأمر الأول، وهو سعي التطوير إلى طمس عقيدة الأمة خلسة ومن خلف ظهر الجميع.
قام التطوير بإدخال موضوعات تغريبية مع حذف عبارات وموضوعات إسلامية، بل وحذف كتب إسلامية بكاملها، كالتاريخ الإسلامي في المرحلة الابتدائية.
وهذا بدون علم المؤلفين، أو مشورة المتخصصين، أو استطلاع رأي المعلمين أو غيرهم، فمن يا ترى هو الفاعل؟! رئيس لجنة التعليم بمجلس الشعب المدعو صوفي أبو طالب بعد أن ترك منصبه صرح لبعض الجرائد: أنه لم يشترك في وضع كتب التاريخ المقررة على تلاميذ المرحلة الإعدادية أو الثانوية، ربما أراد أن يبرأ نفسه من هذه الجريمة، وقال: إن وزارة التعليم كتبت اسمه في هذه الكتب بدعوى أنه شارك في وضعها، وأكد أنه سيلجأ إلى القضاء لتبرئته مما نسب إليه، وأشار بأن مناهج التاريخ شوهت التاريخ الإسلامي وزيفته، حيث وصفت بعض الصحابة بأنهم مشيعو الفتنة رغم أنهم من المبشرين بالجنة، وطالب بضرورة إعادة كتاب التاريخ الإسلامي، وتنقية المناهج المقررة من الأخطاء التي تشوه عقول الطلاب في المرحلتين الإعدادية والثانوية.
فيتبرأ صوفي أبو طالب من التحريف الذي أدخل على الكتب الدراسية التي شارك هو في تأليفها، كما أعلن بأن حذف موضوع: دور العرب والمسلمين في الحضارة الأوروبية -يعني: تأثير الحضارة الإسلامية على النهضة الغربية- تم بدون علمه رغم أنه مشارك في تأليفه!!
стр. 571
نماذج من المؤامرة على التعليم بحذف ما يخدم الدين
الأزهر ألغى مواد التفسير والحديث، وألغت وزارة التربية الآيات القرآنية التي تحث على الجهاد، وتوجب الحكم بما أنزل الله، وحذفت كثيراً من موضوعات كتب القراءة والتربية الإسلامية، ووضعت مكانها موضوعات تشجع على التعامل مع البنوك الربوية، وتروج لفكرة تنظيم النسل وغير ذلك كما سنبين إن شاء الله.
ألغيت قصة عمرو بن العاص ﵁ في الصف الثالث الإعدادي واستبدلت بـ غادة رشيد.
أيضاً قررت حياة طه حسين وتوفيق الحكيم والعقاد مكان عبقرية عمر وسعد بن أبي وقاص وأبي ذر الغفاري.
بالنسبة للتربية الإسلامية في الجامعة: أقر فيها قصة (دانويل) والأمثلة كثيرة جداً، فتاريخ مصر الإسلامية ألغي ووضع مكانه تاريخ وطني مصر، فيخاطب التلاميذ ويقول لهم: آباؤك الفراعنة أجدادك الفراعنة وهكذا.
أيضاً في المرحلة الإعدادية ألغيت معالم التاريخ الإسلامي ووضع مكانه مصر والوطن العربي.
وفي المرحلة الثانوية ألغي تاريخ الدول الإسلامية إلى التاريخ الإسلامي والوسيط، والمقصود بالوسيط: دراسة تاريخ أوروبا في العصور الوسطى.
وهكذا ألغي تاريخ صلاح الدين.
فكل ما يربط الطالب بدينه حذف، وقرر بدله موضوعات عن الرقص والغناء والقمار وقيم الحياة الغربية.
أيضاً مادة الفلسفة كان فيها تعليق إسلامي على ما في الفلسفة من شطط، فألغي هذا التعليق، وتركت الفلسفة هكذا تخرب عقيدة النشء.
وهكذا أشياء كثيرة لا نطيل بذكرها.
ويعلل المنشور الذي جاء فيه ذكر أسباب تطوير التعليم بقوله: إن دراسة هذه الموضوعات تثير قطاعاً عاماً في المجتمع.
يشير إلى هؤلاء الذين يستعملون من أجل التنازل عن عقيدة الأمة وهويتها الإسلامية.
ألغي اسم فلسطين من جميع الخرائط الجغرافية والتاريخية! وألغيت كتب التفسير والحديث من الأزهر لإخلاء الأمة معنوياً قبل تصفيتها جسدياً، كما تم مضاعفة المقررات الدراسية في التعليم العام والأزهر؛ وذلك لأجل تضخيم الجانب النظري على الجانب التطبيقي، بحيث الزيادة تصل إلى نسبة (١٠٠%) يقول: والعجيب والمدهش حقاً أن مديري المناطق الأزهرية عندما أثاروا هذه القضية في مؤتمرهم مع شيخ الأزهر يوم: ٢٧/ ربيع الثاني/ ١٤١٠هـ قيل لهم: هذه المسألة غير قابلة للمناقشة! حتى قضية إلغاء مادتي الحديث والتفسير من الأزهر! فلابد من القطع بأن هذا التطوير أمر مريب جداً، وقد ذكر المؤلفان بعض الأمثلة مما فعله التطوير في التعليم العام والأزهر، ومما قالا: تم رفع آيات قرآنية وأحاديث الرسول ﷺ ، وأخبار الرسل والأنبياء، والأناشيد الإسلامية، وأخبار الصحابة والتابعين من كتب القراءة المقررة على الصفوف الخمسة الأولى من مرحلة التعليم الأساسي بوزارة التربية والأزهر، وكل ذلك بحجة التيسير على التلاميذ في حين أن ما تم حذفه لا يتفق مع تلك الحجة، فمثلاً: كتاب القراءة للصف الأول للتعليم العام والأزهري حُذف حديث رسول الله ﷺ : (خيركم من تعلم القرآن وعلمه) بحجة التيسير على الطلاب؛ لأن هذا الحديث صعب! وكأنه كتب باللغة الهيلوغرافية التي لا يعرفها الأطفال ولا المدرسون، ولكنهم خافوا من هذه الفائدة العظيمة التي تشوق الأطفال إلى تعلم كتاب الله ، وتحببهم في كلام الله، وتدفعهم إلى الانتظام في مصاف الأخيار: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه).
فأي صعوبة في هذا الحديث؟! وإذا سلمنا جدلاً بأن هذا الحديث صعب بالنسبة لهذه المرحلة فلماذا لا يقرر على مرحلة أعلى منها؟! لكنه حذف نهائياً.
كتاب القراءة للصف الثاني في التعليم العام والأزهري الابتدائي فيه موضوع بعنوان: (أهلاً وسهلاً)، حذفت منه عبارة (السلام عليكم)، وكان في الأصل: (إذا مررت بجماعة أقول لهم: السلام عليكم) فحل محلها: (إذا مررت بجماعة ألقي عليهم التحية)! لماذا هذا الحذف؟! أليس (السلام عليكم) تحية الإسلام التي ألقتها الملائكة على آدم ﵇، وقال له رب العالمين: هذه تحيتك وتحية ذريتك: (السلام عليك ورحمة الله)؟! كيف تم لهذه الثلة الذليلة القليلة أن تلغي هذه الشعيرة الإسلامية الظاهرة حتى لا يعلم أطفالنا آداب إسلامهم وسنة نبيهم ﷺ ؟! أيضاً: موضوع الأصدقاء السعداء في الصف الثاني الابتدائي عام وأزهري، كان فيه: (الخصام لا يحبه الله ولا يحبه رسول الله ﷺ ، حذفت منه عبارة: (لا يحبه رسول الله ﷺ ، وكأنه صعب على التلاميذ أن يعلموا أن الخصام لا يحبه رسول الله ﵊! كان الأولى بدل أن تحذف (ولا يحبه رسول الله) أن يضاف قول رسول الله ﷺ : (لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث).
يوجد موضوع في الصف الثالث الابتدائي العام والأزهري يسمى: (النظافة من الإيمان)، حذفت منه أحاديث رسول الله ﷺ ، وهي: (النظافة من الإيمان)، وحديث: (وتسوكوا فإن السواك مطهرة للفم مرضاة للرب)، وحديث: (بركة الطعام الوضوء قبله وبعده)، والحديث الأول لا يصح، والثالث ضعيف، ولكن بغض النظر عن هذا، فلماذا حذفت وهي تحث على آداب ما أحوجنا وأحوج أبنائنا إلى التحلي بها؟! موضوع: طبيب الأسنان، حذفت منه عبارة: (سوف ألتزم بنصائح معلمنا في استعمال السواك مع كل صلاة)، كان يتعلم منها الأطفال هذا الأدب، لكن حذفت لأن فيها الصلاة وفيها السواك! أيضاً موضوع: الشمس، حذفت العبارة التي تذكر بأوقات الصلاة، وكأن الصلاة عورة ينبغي لهم أن يخفوها ولا يظهروها!! موضوع: العطور، حذفت منه الفقرة التالية: (وقد أمرنا رسول الله ﷺ أن نتطيب حين نذهب إلى المسجد للصلاة؛ لأن ذلك يجعل رائحة المسجد طيبة؛ ولهذا فإن معظم المصلين يوم الجمعة يتطيبون بالروائح العطرة أسوة بمحمد رسول الله ﷺ ؛ حذفت هذه الفقرة لأنها صعبة على عقول التلاميذ!! موضوع في الصف الرابع من بالتعليم الابتدائي والأزهري يسمى: شجاعة مصرية، يتكلم عن حرب العاشر من رمضان مع اليهود، حذفت منه العبارة الآتية من التدريبات: (احتلال العدو المحتل وهم اليهود للأراضي المصرية لا أرضى به إلى آخره)، حذفت هذه العبارة لأنها تشير إلى أن اليهود أعداء.
أيضاً موضوع: وطني العربي، حذفت منه عبارة: (ويرتبط العرب بالتاريخ واللغة والدين)؛ لأنها صعبة على عقول التلاميذ، فهم لا يريدون أن يعلم التلاميذ أن هناك رابطة اسمها رابطة الدين.
الأناشيد المحذوفة كثيرة، حذف نشيد: (الله ربي) في الصف الثاني من التعليم الابتدائي العام والأزهري، وهو: إن سألتم عن إلهي فهو رحمن رحيم أو سألتم عن نبيي فهو إنسان عظيم أو سألتم عن كتابي فهو قرآن كريم أو سألتم عن عدوي فهو شيطان رجيم حذفت هذه الأنشودة لأنها صعبة على عقول التلاميذ! أيضاً حذف نشيد دعاء: يا إلهي يا إلهي! يا مجيب الدعوات اجعل اليوم سعيداً وكثير البركات وأعني في دروسي وأداء الواجبات واحمني واحم بلادي من شرور الحادثات حذف هذا أيضاً! أيضاً: حذف نشيد: الصلاة في الصف الثالث من التعليم الابتدائي؛ لأنه يبدو لهم وكأنه كتب باللغة اللاتينية أو الهيلوغرافية وما يستطيع التلاميذ أن يفهموه، وهذا النشيد هو: بني توضأ وقم للصلاة وصل لربك تكسب رضاه إذا رضي الله عن مسلم نال السعادة طول الحياة بني توضأ وقم للفلاح ففي طاعة الله سر النجاح بني توضأ بماء طهور فماء الوضوء لوجهك نور إذا رضي الله عن مسلم أتاه الهناء ونال السرور فحذف هذا؛ لأنه صعب على عقول التلاميذ!! وحذف أيضاً نشيد: (رباه) وهو مليء وحافل بالمعاني الجميلة، وكذلك حذف من نشيد (الفتاة المصرية)، هذه الأبيات وهو في الصف الرابع من التعليم العام: يا فتاة ارفعي العلم وانشريه على الأمم وأعدي له فتى يجمع السيف والقلم هيئيه لعالم من كفاح ومن همم واطبعيه شجاعة واطمعيه من الكرم بنت مصر لا ترى في الجهالات والظلم حذف هذا حتى لا يكون للمرأة أو الفتاة أو البنت رسالة موضوعية هادفة تهدف إلى تنشئة الجيل المسلم.
أيضاً: حذف نشيد التسبيحة، وهو كلمات فيها ذكر لله للشاعر محمود حسن إسماعيل، يقول فيه: لك الملك والحمد أنت النصير وأنت الأمان لمن يستجير وأنت لمن قال يا رب نور ترد السكينة للحائرين وتسكب للروح نور اليقين وتمحو الأسى من ظلام الصدور إلهي وما لي دعاءٌ سواك ولا لي مع الليل إلا ضياك ولا عون للروح إلا لمداك إذا رفرفت كنت سر الدعاء إلى آخره، حذف هذا النشيد لأنه صعب على عقول التلاميذ! الموضوعات الإسلامية والتربوية الأخرى حذفت بكاملها من التعليم العام والأزهري، وهي تحوي نصوصاً قرآنية وأحاديث نبوية، وموضوعات تربوية إسلامية، كلها مما يحض على فعل الخير، وترهب الطلاب من فعل الشر مثل موضوع في الصف الثاني الابتدائي بعنوان: (البطل الصغير) يحث على الجهاد دفاعاً عن الإسلام، ومن عباراته قول قائد الجيش: (إن جيشاً فيه مثل هذا الغلام لا يمكن أن يهزم، ولابد أن ينتصر بإذن الله)، فحذف هذا الموضوع؛ لأنه صعب على عقول التلاميذ! حذف موضوع: (فاعل خير) يحض الطلاب على إماطة الأذى عن الطريق.
موضوع: (الولد الشجاع)، يحكي قصة عبد الله بن الزبير، وكيف فر أقرانه من الصبية حينما قدم عمر فصمد هو، وسأله عمر: لماذا لم تفر مثلهم؟ فقال: ليس الطريق ضيقاً فأوسع لك.
وهو كنموذج لشجاعة عبد الله بن الزبير، فحذف هذا.
موضوعات كثيرة في الصف الثالث الابتدائي حذفت، منها موضوع: (الكعبة المشرفة)، وهو موضوع يعرف الطلاب ببيت الله العتيق، وقبلتهم التي يتوجهون إليها في الصلاة، ويطوفون حولها في الحج والعمرة، حذف من المنهج؛ لأنه صعب على عقول الطلاب!! وحذف موضوع: (العفو عند
стр. 572
نماذج من المؤامرة على التعليم بإدخال ما يطعن في الدين
أما الموضوعات التي أضيفت فمنها: للصف الخامس الابتدائي موضوع: (التاجر والعفريت) مقتبس من قصص، (ألف ليلة وليلة)، ومعروف أن هذه الروايات تهدف إلى إفساد الشاب، وحضه على التحلل والمجون والفساد والاختلاط والاستغراق في الغناء وغير ذلك.
وحرص مؤلف هذا الموضوع على تدعيم ارتباط الطلاب بهذه القصص عن طريق تكليفهم في نهاية الموضوع بقراءة كتاب: (ألف ليلة وليلة) من مكتبة المدرسة، وتلخيص مضمونه، وإذاعتها إلى غيرهم من التلاميذ! موضوع بعنوان: (نجيب محفوظ -لا حفظه الله- وجائزة نوبل) للصف الأول الإعدادي، لا يحتوي إلا على دعاية لعدو الله نجيب محفوظ وقصصه المنافية للإسلام وعقائده، ومن الخبث أنها جاءت أسئلة عن الموضوع تدعم هذا الاتجاه، يقول السؤال للتلميذ: اكتب قائمة بقصص نجيب محفوظ وعلقها على مكتبتك، ومنها: (أولاد حارتنا)، فهذه تثبت بدل قصة عمر بن عبد العزيز وأحمد بن حنبل وعلي بن أبي طالب وغيرهم من الشرفاء العظماء.
أيضاً: حتى يشجع الولد أن يجلس ويخالط النساء، يذكر نجيب محفوظ أنه كان يجلس مع والدته ويستمع إلى الحكايات التي تروى في مجالس النساء، فيأتي السؤال للتلميذ ليكمل الفراغ: تأثر نجيب محفوظ بالحكايات التي كانت تروى في مجالس؛ ليكتب التلميذ في الفراغ كلمة (النساء)؛ ليلفت نظره إلى الاستقراب من هذا النبع!! أضيف موضوع لـ نجيب محفوظ مقرر على ثالث إعدادي بعنوان: (أنا ابن حضارتين، يذكر فيه أن أخناتون كان نبياً، وأنه أول من هدى المصريين إلى الله تعالى، وأنه اخترع عقيدة التوحيد، وأنه وحد بعزمه جميع الآلهة في إله واحد هو: (آتون) أي: الشمس.
ونسي إبراهيم ﵇ ويوسف حينما كانا في مصر من قبل.
قصة لـ نجيب محفوظ في الصف الأول الإعدادي بعنوان: (العجوز والأرض) يكرر فيها الدعاية لـ نجيب محفوظ فتقرر روايات وأفكار هذا الخبيث نجيب محفوظ، وتحذف مواقف عبد الله بن الزبير وعمر بن عبد العزيز وصلاح الدين وغيرهم.
قصيدة لـ نزار قباني بعنوان: (عند الجدار) وهذه أخيراً بضغط الشرفاء من المسلمين استطاعوا أن يحذفوها، لكن أين هذه من هذا الركام الهائل من هذه المؤامرة الخطيرة؟! وهي عبارة عن قصة غرام يبن طفل وطفلة، ويحكي كيف أن الطفل وقع في محبة هذه الطفلة، ويحكي هذا الماجن القذر نزار قباني ما يستحي الإنسان أن يتلفظ به.
فيذكر أول نظرة بينه وبين هذه الطفلة أن هذا الطفل الصغير يقول: ليلتها عدت إلى فراشي، فطار قلبي، واستحال نومي، واحترقت مخدتي بناري، وأقبلت على الدموع أمي تقول: يا شقي! كيف تغشى زاوية الجدار دون علمي؟! وهذه قصة لمن هم في بداية البلوغ، تخيل كيف يشرب الأطفال مثل هذه المفاهيم؟! أما الشارح الخبيث فيشرح هذه الأبيات ويقول: وفي المساء حين ينتهي اللقاء ويدخل الطفل في فراشه يعتصره الألم لفراقها، وتسيل من عينيه دموع الحب البريء حرة غزيرة تكاد تحرق مخدته، وحين أبصرت أمه هذه الدموع أشفقت عليه وتألمت لحاله، فقد أحست أن نيران الحب قد أدركته.
هذا ما يتعلمه الأطفال في أول إعدادي، فهذا هو التطوير، تطوير فتح الشرور للتعليم، هذه سهلة على عقول الأولاد! سهل أن تدركها وتكتسبها العقول وتحشى في عقول أبناء المسلمين! أيضاً: قصيدة أضيفت للمنهج في الصف الأول إعدادي للدكتور أحمد هيكل يمدح فيها طه حسين أعمى البصر والبصيرة، وهي قصيدة طويلة يقول له: أنت أدركت كل سر خفي بذكاء الإلهام قبل العيان وكأنه إله! فهذه هي البدائل! فبدل عمر بن الخطاب وصلاح الدين وعبد الله بن الزبير وعلي بن أبي طالب نأتي بـ نجيب محفوظ ونزار قباني وطه حسين وغيرهم! أيضاً: موضوع (شم النسيم) أضيف وسمي: (عيد شم النسيم).
موضوع: (تحية إلى الأزهر) لـ أحمد شوقي في الصف الأول الإعدادي يقول في هذا الشعر: قم في فم الدنيا وحي الأزهر وانثر على سمع الزمان الجوهر واذكره بعد المسجدين معظماً لمساجد الله الثلاثة مكبرا هو يتكلم عن الأزهر ويقول: واذكره بعد المسجدين معظماً لمساجد الله الثلاثة مكبرا وفي الشرح يقول الشارح: إن المسجدين هما: المسجد الحرام والمسجد النبوي، أما ثالث المساجد فهو الأزهر، وفي الحديث: لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام والأزهر!! مسجد الأزهر بني في عهد الدولة الفاطمية الشيعية، وهذا يقول: إن المسجدين هما: المسجد الحرام والمسجد النبوي، أما الثالث فهو الأزهر! فأين المسجد الأقصى إذاً؟! يقول المؤلفان في نهاية هذا العرض الموجز: فيا أمتنا! ويا شبابنا! ويا أيها المسئولون الذين حملتكم الأمة مسئولية تربية الأجيال وفق شريعة الله! هل هذا هو التطوير الحديث؟ إغفال الآيات من كتاب الله، والأحاديث النبوية، وجوانب من سيرة رسول الله ﷺ ، وصحابته رضوان الله عليهم، يغتال كل ما يحض على الالتزام الديني والخلقي، ويضع بدلاً منها موضوعات أخرى مثل موضوع: (نجيب محفوظ وجائزة نوبل)، وقصة (العفريت) من (ألف ليلة وليلة)، وقصيدة نزار قباني، وشباب الأمة اليوم يعانون من أزمات نفسية قاتلة دفعتهم إلى فساد خلقي ذميم بدت صوره في شيوع المخدرات.
الشيء الوحيد الذي غلبنا فيه العالم كله ما عدا أمريكا هو المخدرات، فمصر ثاني دولة في العالم في شيوع المخدرات!! قالا: بدت صوره في شيوع المخدرات، وتفشي المجون، والعدوان على الحرمات، والاستهانة بالقيم، وفقدان الإحساس بالمسئولية، إذا كان ذلك كذلك فما هي مناهج التعليم التي تعالج هذه الأحوال عند الشباب؟! هذا هو التطوير!
стр. 573
أمثلة على حذف مواضيع دينية من المنهج
المنهاج الجديد حذفوا (٢٢) موضوعاً من الموضوعات الإسلامية الضرورية، وأتوا بديلاً منها خمسة موضوعات، فيكون الباقي ١٧ موضوعاً، وليست قضية حشو، وإنما المقصود منها: التخطيط ضد الإسلام، واغتيال عقلية الأولاد المسلمين.
فهذه الإحصائية بالنسبة للصف الثالث الابتدائي، أما بالنسبة للصف الثاني الابتدائي فقد استبعد ثمانية موضوعات إسلامية ليست حشواً، ولكنها ذات أهمية قصوى للناشئة، فالتطوير متحيز ضد المواضيع الإسلامية.
في بعض الكتب حذفت عبارة: (الإسلام وحسن الخلق) وتغيرت إلى (الأمانة من حسن الخلق)، وكلمة: (أنا مسلم) تحولت إلى: (أنا متدين)، هل هذا تطوير؟! حذفت آيات القرآن كلها بلا استثناء، حذفت أخلاق الرسول ﷺ ، وحقوق الوالدين، والإنفاق في سبيل الله.
موضوع: (الفلاح الأمين) حذف منه الخبيث الذي كان ينقش بالملقاط في هذه المناهج عبارة: (خرج من الماء وهو يحمد الله ويشكر فضله عليه)، لماذا حذفت هذه العبارة؟! فلاح خرج من الماء وهو يشكر الله ويحمده، ما فيها حتى تحذف؟! فيها ذكر الله ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ [الزمر:٤٥].
أيضاً: في موضوع: (بور سعيد) بدل عبارة: (المعتدون من الإنجليز والفرنسيين واليهود) صارت: (المعتدون من الإنجليز والفرنسيين والإسرائيليين) بدل كلمة (اليهود)؛ لأن هذه فيها رائحة الدين.
أيضاً: حذف التدريب الذي يكلف التلميذ بكتابة الحديث الشريف بخط النسخ وتعليقه في جدار الفصل.
أيضاً بالنسبة للتعليم الأزهري حذف -تحت اسم التطوير في التعليم الأزهري- التاريخ الإسلامي كلية من التعليم الإسلامي بنسبة (١٠٠%)، ألغي تماماً تعليم التاريخ الإسلامي بالأزهر، وأصبح يدرس بدلاً منه تاريخ الفراعنة بدل التاريخ الإسلامي، حتى في الأزهر!! كما ألغي التاريخ الإسلامي من التعليم الإعدادي بنسبة: (٧٥%)، وأصبح يدرس بدلاً منه تاريخ الوثنيات القديمة للوطن العربي، وهم لا يقولون: الوثنيات.
أما التعليم الثانوي فقد حذف قدر كبير من كتاب التاريخ الإسلامي بعد أن أدمج فيه التاريخ الوسيط لأوروبا، حتى أن شخصية عمر بن الخطاب ﵁ صارت تدرس في سبعة أسطر فقط، وعثمان بن عفان في خمسة أسطر، حتى هذه الأسطر القليلة قد زيفت وحرفت وشوهت أشد ما يكون التحريف والتشويه.
وبالنسبة للتعليم الابتدائي الأزهري في مادة التاريخ الإسلامي، ألغت وزارة التعليم والأزهر كتاب: (صور من تاريخ مصر الإسلامية) للصف الخامس الابتدائي، ويشتمل على التاريخ الإسلامي من بعثة النبي ﷺ إلى عصر المماليك، وقرر بدلاً منه تاريخ الفراعنة واسمه: (وطني مصر) للصف الرابع الابتدائي، ويعاد تدريسه أيضاً في الفصل الأول الثانوي، واستبدل الغلاف الذي كان يحمل كلمة: (الله أكبر) ومعه صورة القرآن الكريم، استبدل بهذه الصورة: وطني مصر، عليها صورة الفراعنة!! هل يمكن أن يكون الذي عمل هذه الجرائم مسلم أو شم رائحة الإسلام؟! ألغي من التعليم الإعدادي العام والأزهري كتاب: (معالم التاريخ الإسلامي) للصف الثاني الإعدادي، وهو يشتمل على التاريخ الإسلامي من بعثة النبي ﷺ إلى عصر المماليك، وقرروا بدلاً منه: (مصر والوطن العربي)، ويشتمل على الوثنيات القديمة التي سماها المؤلفون بالحضارات، وهي وثنيات ليست إلا قليلاً من الحجارة، وعرضوها في الفصل السابع والثامن والتاسع والعاشر والحادي عشر، أي: خمسة فصول، أما التاريخ الإسلامي فعرض بشكل موجز ومخل في الفصل الثاني عشر والثالث عشر فقط، علماً بأن تاريخ الحضارات القديمة يدرس أيضاً للصف الأول الثانوي، والذي يطلع على الفهرس يدرك أن المؤلفين قد تجاهلوا ذكر اسم النبي محمد ﷺ ، كما تجاهلوا اسم محمد ﷺ حتى في عنوان الدرس الخاص به!! أما المدارس الثانوية العامة والأزهرية فقد ألغي كتاب التاريخ الإسلامي للدول الإسلامية والعربية وحضارتها للصف الثاني الثانوي، وقرروا بدلاً منه كتاب: معالم التاريخ الإسلامي والوسيط يعني: تاريخ أوروبا في القرون الوسطى بعد أن اختصر التاريخ الإسلامي اختصاراً مخلاً.
стр. 574
تحسين صورة اليهود في المناهج
أيضاً هناك بعض اللقطات تبين تشويه وتحريف وتزوير التاريخ الإسلامي، حذف اسم (فلسطين) من جميع الخرائط الجغرافية والتاريخية، مثل خريطة سيناء في كتاب (وطني مصر).
أغفل ذكر جميع أنبياء العرب: هود وصالح وإسماعيل وشعيب؛ وذلك جرياً على سياسة المستشرقين المعادين لكل ما هو عربي وإسلامي، فأي نبي عربي يلغى اسمه، لكن يبقى أنبياء بني إسرائيل، ونحن بحمد الله -عافانا الله من التعصب للعروبة وهذه الأشياء، لكن أقصد كشف هوية الذي خطط لهذا المنهج، وعرض تاريخ بعض الأنبياء في خمس صفحات، في حين عرض التاريخ الوثني القديم في خمسة وثلاثين صفحة في الصف الأول الإعدادي، وكأن وزارة التربية والتعليم تريد أن تجعل مساحة التاريخ الوثني في ذهن أبنائنا سبعة أضعاف تاريخ الرسل والأنبياء عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام! وفيه أيضاً الطعن في أنبياء الله مثل قوله عن نبي الله سليمان بأنه كان مسرفاً، وهذا موجود في الصف الأول الثانوي.
وكذا الادعاء بأن أخناتون هو أول من نادى بالتوحيد.
أيضاً: الزعم بأن أول دين توحيدي هو الديانة اليهودية، لا يقولون: دين الإسلام أرسل به جميع الأنبياء، لكن يقولون: الدين اليهودي هو أول ديانة توحيدية ظهرت في هذه المنطقة.
فأين رسالة نوح ﵇ ومن جاء بعده من الأنبياء والرسل، وهل اليهودية رسالة توحيدية، والله يقول: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣٠]، وقال : ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ [المائدة:٦٤].
أيضاً: مذكور في كتب التاريخ أن مكة كانت مركزاً للوثنية الأولى، في حين أن مكة كانت المركز الإسلامي الأول ففيها البيت الأول الذي بناه إبراهيم ﵇: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾ [آل عمران:٩٦]، والله أمر إبراهيم وإسماعيل ﵉ أن يبنيا هذا البيت بإذن الله، فهي مركز التوحيد في العالم كله، وأول مكان بني ليعبد فيه الله، فأول بيت اتخذ لعبادة الله وحده لا شريك له هو هذا البيت العتيق البيت الحرام، فكيف تكون مكة مركز الوثنيات وهي البؤرة التي شع منها التوحيد على أرجاء الأرض؟! عرض كتاب التاريخ الوصايا العشر لليهود على أنها نصوص حضارية، فهل اليهود قتلة الأنبياء هم المدافعون حقاً عن الله تعالى كما يذكر هذا الكتاب؟ وهل الله يحتاج إلى من يدافع عنه؟ وكيف يورد المؤلف نصوصاً من التوراة المحرفة في صفحتين في حين لم يورد من القرآن الكريم نصاً واحداً؟! فالتوراة أعز على المؤلف من القرآن الكريم!! إذاً: من هذه الأصابع الخفية التي هي وراء هذه المؤامرة الخطيرة جداً على مستقبل الأجيال القادمة، وهذا كله حتى يرضى عنا اليهود، وما أدري أين علماء الأزهر! كيف يدرسون الشباب صفحتين من التوراة المزورة ويلغى نص القرآن الكريم تماماً! الله المستعان.
стр. 575
تفريغ السيرة النبوية من مضمونها التربوي في المناهج المطورة
تم تفريغ سيرة النبي محمد ﷺ وسيرة الخلفاء الراشدين ﵃ من مضمونها التربوي، فسيرة النبي ﷺ محمد كما يعرفها كتاب (مصر والوطن العربي): مناسبة سيرة الرسول لإقامة الزينات، وتوزيع الحلوى، وتعطيل المدارس والشركات والمصالح الحكومية! هذه هي سيرة الرسول، وذكرى الرسول، وأنا أنقل نص العبارات التي في الكتاب صفحة: (٨٧ - ٨٨ - ١٦٥) قال: مناسبة لإقامة الزينات، وتوزيع الحلوى، وتعطيل المدارس والشركات والمصالح الحكومية!! ولا يذكرون السيرة كمنهج تربوي وكتاريخ يعكس سيرة خير من وطئ الحصا ﵊ عملاً بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١].
ذكر سيرة الرسول ﷺ عقيدة وعبادة وشريعة وجهاداً ومعاملات وفروض لا وجود لها في هذا الكتاب.
أيضاً: الخبثاء تجاهلوا ذكر اسم النبي ﵊ تماماً في الكتاب، أخزاهم الله! يقول: تجاهل مؤلف الكتاب اسم النبي محمد ﷺ في فهرس الكتاب صفحة: (٢٤٠)، بل وفي عنوان الدرس أيضاً!! أيضاً: -ولا حول ولا قوة إلا بالله- يزعمون في هذه الكتب التي يدرسها أولادنا أن المدينة المنورة مدينة يهودية، وماذا يريد اليهود أكثر من هذا؟! أورد كتاب مصر والوطن العربي خريطة مكتوب عليها: يثرب مدينة يهودية، وهذا أمر خطير في كتاب يصدر في مصر من وزارة التعليم، وتربي أبناء الأمة على التسليم لليهود بأن لهم حقاً مزعوماً في المدينة المنورة! هذا الكتاب لعله صدر من إسرائيل، ولعل وزارة التربية والتعليم في إسرائيل أخطأت فصارت توزع الكتاب على الطلبة عندنا؛ لأن اليهود لا يحلمون بأكثر من هذا.
أيضاً: من هذه الظواهر تفسير غزوات الرسول ﷺ تفسيراً مادياً ماركسياً، فعند أسباب غزوة بدر يقول مؤلف كتاب (مصر والوطن العربي): خرج بعض المسلمين لاعتراض قافلة أبي سفيان انتقاماً لأنفسهم.
ويتجاهل السبب الأصلي الذي ذكره القرآن الكريم في قوله : ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ [الأنفال:٥]، ما هو الهدف من الخروج؟ هو قوله : ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ * لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ [الأنفال:٧ - ٨].
هل نصدق تفسير التاريخ أم رب العالمين؟! أيضاً يصور كتاب التاريخ النبي محمداً ﷺ بأنه معتد على اليهود، لا سيما يهود خيبر، فيبين قصة إجلاء الرسول ﵇ ليهود خيبر دون أن يذكر السبب الذي أدى إلى إجلائهم، وهو خيانتهم للرسول ﵊، فكان الواجب على من كتب هذه الصفحات أن يذكر الأسباب التي دعت النبي ﷺ إلى قتال اليهود، وهي أنهم نقضوا العهود والمواثيق، وتآمروا على المسلمين وعلى النبي ﷺ .
وتجاهل المؤلف أن اليهود قد كشفوا عورة امرأة مسلمة رغماً عنها في سوق بني قينقاع، هذا إذا صح الحديث، وقتلوا أحد المسلمين.
تجاهل المؤلف أن اليهود حاولوا اغتيال الرسول ﷺ في بني النضير، وأنهم دسوا له السم ولأصحابه في خيبر، ومات بعض من أكل من المسلمين مع رسول الله ﷺ ، وأنهم ألبوا القبائل العربية لمهاجمة الدولة الإسلامية للقضاء على دين الله ﵎ الذي رضيه لهم: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣].
تجاهل كل هذه الأسباب التي أدت إلى إجلائهم وطردهم من خيبر.
وفي الكتاب التطاول وسوء الأدب مع الصحابة رضي الله ﵎ عنهم لاسيما في موضوع الفتنة.
وهذا الكلام ليس بجديد؛ لأننا كلنا تقريباً حفظناه في هذه المناهج الخبيثة منذ الصغر، مثل الكلام على مكانة ابن عمر ومعاوية وعائشة رضي الله ﵎ عنهم، وتزوير حقائق التاريخ.
стр. 576
تشويه تاريخ المسلمين وتمجيد تاريخ الوثنيين في المناهج المطورة
أيضاً: حينما حللوا نصر المسلمين في معركة من معارك القادسية على الفرس لا يقولون مثلاً: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران:١٢٦]، لكنهم يقولون: إن السبب هو أن المعركة كانت في الصحراء، والعرب كان لهم خبرة في القتال في الصحراء فقط، فهذا هو سبب النصر، وليس النصر في قوة العقيدة، ولا في المدد الإلهي من عند الله ﵎!! أيضاً: في صفحة: (٢٠٦) من كتاب التاريخ يقوم الفتوحات تقويماً ماركسياً مادياً، فالسبب وراء الفتوحات الإسلامية ليس نشر عقيدة التوحيد في ربوع العالمين، بل السبب هو: البحث عن الثروة والأرض والموقع، فهذه هي أسباب خروج المسلمين وتضحيتهم بأموالهم ودمائهم في سبيل الله، انتشروا في الأرض حتى يبحثوا عن الثروة والأرض والموقع، لا لكي تكون كلمة الله هي العليا، ولا لكي لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله، هذا لا وجود له على الإطلاق في كتاب: مصر والوطن العربي.
أيضاً: الكتاب دائماً يستعمل عبارة انتصار العرب العرب العرب، ولا يذكر كلمة المسلمين.
أيضاً: تشويه الخلافة الإسلامية، والتشكيك فيها وفي قادتها، كالقول: بأن نظام الحكم قبل الإسلام عند عرب الجاهلية أفضل من نظام الحكم عند الأمويين؛ لأن النظام الجاهلي كان يعتمد على الشورى، فانظر كيف يقترب إلى الطعن في الخلفاء المسلمين من هذا المسلك! أيضاً: يستعرض المؤلف حياة المجون والخلاعة عند الوثنيين القدماء المصريين، وكأنه يزينها ويدعو لها، فيصف الرقص وصناعة التماثيل بأنها فن رفيع ومحترم، كما عرض المؤلف لصنوف الرقص والخلاعة، وأغاني الحب والغزل، وألعاب الحرب وحياة الخمر والشراب الذي يقدمه الغلمان والفتيات على نغمات الموسيقى، ومشاهدة الراقصات أو الرقصات التي كان المؤلف يقول: إن المصري القديم كان يشارك فيها بكل جوارحه سواء كان غنياً أو فقيراً، كما عرض أنواع اللباس والزينة، والتكحل، وطلاء الشفاه، والعطور، وشرب الجعة وغير ذلك، وأضاف بأن كثيراً من الرجال كانوا يلبسون الأساور والقلائد، ولم يكتف المؤلف بذلك، بل عرض من الصور ما يؤيد أقواله، ويزين تلك السلوكيات لدى الطلاب والطالبات.
أما الفلسفة فباختصار شديد أيضاً: نزعوا التعليقات التي يقولون عنها: شبه إسلامية.
على مواد الفلسفة، وأبقوا الفلسفة كما هي حتى تشكك وتخرب عقيدة الشباب! ألغيت أيضاً الدراسات إسلامية بالنسبة للقسم الأدبي.
كتاب التربية الوطنية للصف الثاني من التعليم الابتدائي العام والأزهري حذف منه موضوع: أثر الحضارة العربية الإسلامية في الحضارة الأوروبية، في حين بقي موضوع أثر الحضارة الأوروبية في المجتمع المصري الحديث! حذف هذا الموضوع: أثر الحضارة العربية الإسلامية في الحضارة الأوروبية الذي يعترف به مفكروا الغرب، ويقرون بأن الفضل يرجع إلى العرب فيما هم فيه من نهضة حين استلبوا مقومات هذه النهضة من الدولة الإسلامية في الأندلس وغيرها.
وهذا الكتاب يدرس تحت مادة الدعوة والمجتمع الإسلامي.
حذف من موضوع التآخي بين مصر والسودان عبارة: (إن العلاقة العضوية بين مصر والسودان هي وحدة العقيدة والتاريخ) فحذفت عبارة: (وحدة العقيدة والتاريخ).
أيضاً: حذفت عبارة: (كان تاريخ الأمة العربية متشابهاً ومشتركاً منذ بداية انتشار الإسلام وحتى الحرب العالمية الثانية)، حذفت هذه العبارة؛ لأن فيها تذكيراً بالخلافة العثمانية الضائعة.
حذف من صفحة (١٠٠) صورة الكعبة المشرفة، وتحتها عبارة: (الإسلام هو الذي يمثل القوة الروحية بالنسبة للقومية العربية)، وحذفت أيضاً هذه العبارة، وكأن العرب لهم قيمة بدون الإسلام! حذفت أيضاً عبارة: (إن قيام الخلافة الأموية بالأندلس، والخلافة الفاطمية بمصر بجوار الخلافة العباسية أدى إلى انهيار الخلافة الإسلامية، وتفتيت العالم الإسلامي، وتحويله إلى دويلات صغيرة) حذف كل هذا حتى لا يعرف الطلاب شيئاً اسمه الخلافة.
حذفت عبارة: (قامت الدول الأوروبية والأمريكية بزرع جسم غريب داخل الوطن العربي وهو إسرائيل).
شيخ الأزهر يدرس هذه المادة تحت عنوان: (الدعوة والمجتمع الإسلامي)، كان يوجد فيها عبارة: (من الأعمال المحرمة: الرقص في الموالد وخروج النساء خلف الجنائز) فحذفت عبارة: (المحرمة) وبقيت: (الرقص في الموالد وخروج النساء خلف الجنائز).
أما منهج اللغات الأجنبية فالكلام الذي فيها لا أستطيع أن أقرأه؛ لأنه كلام خارج عن الشرع والآداب إلى أبعد الحدود، فما أستطيع أن أنقل العبارات الموجودة في الكتب التي تدرس على البنات والصبيان في مراحل التعليم المختلفة.
стр. 577
إفساد العقائد والأخلاق بالقصص الباطلة في المناهج المطورة
أيضاً: في مناهج التعليم العام قصة غادة رشيد التي جعلوها بدل قصة عمرو بن العاص رضي الله ﵎ عنه، وهي قصة تاريخية مطعمة بقصص الحب والغرام، للصف الثالث الإعدادي، وباختصار شديد القصة تدور أحداثها في أيام الغزو الفرنسي لمصر، وكيف أن هذه البنت أحبها القائد الفرنسي إلى آخر هذا الكلام، والقصة محشوة بالإلحاد في صفات الله، وفي القدر، وفي العقيدة، ففيها مثلاً: (سمعت قهقهة القدر وهي تجلجل في شماتة وسخرية)، وتقول أيضاً: (لا يا زوجي الباسل إن شيئاً في الأرض أو في السماء لن يحول بيني وبينك)، وفيها شخص يتحدث عن أهمية اللهو والمرح؛ لأنه يريح النفس من عناء العمل، فيرد عليه شخص آخر ويقول له: وأين هنا السبيل إلى اللهو في مدينة نصفها مساجد، ونصفها في الرهبان والراهبات في الصوامع! وهذا تنفير للنشء من المساجد وعبادة الله ﵎، وادعاء أن الدين يحرمهم من الترويح عن النفس.
وفي القصة تشويه للمجاهد سليمان الحلبي، وأنه كان حائر العينين، رث الثياب، عصبي المزاج، يكثر من هز رأسه في حزن واضطراب إلى آخره، ولا حول ولا قوة إلا بالله! أيضاً: فيه وصف الفتاة العصرية بوصف سيء جداً، وبذيء لا تصح حكايته.
أيضاً: قصة أحلام شهرزاد لـ طه حسين مقررة على الصف الأول الثانوي، وهي تحتوي على كثير من التعبيرات الخرافية التي تتنافى مع التوحيد، ولا أستطيع قراءة كل هذا الكلام القذر، ولكن من هذه العبارات يقول طه حسين: حتى إذا بلغها -يعني: هذه المحبوبة المعشوقة- جثا أمامها -يعني: ركع- غاضاً بصره إلى الأرض، رافعاً يديه إلى السماء كأنه المؤمن الذي يتقرب إلى التمثال! كيف يتقرب مؤمن إلى التمثال؟! هل هذا هو الإيمان؟! هذا كلام عدو الله طه حسين: حتى إذا بلغها جثا أمامها، غاضاً بصره إلى الأرض، رافعاً يديه إلى السماء كأنه المؤمن الذي يتقرب إلى التمثال، وهي تضع يدها على رأسه كأنها تبارك عليه! هكذا يريدون أن تكون تربية أولادنا.
كذلك في مناهج الإنجليزي كلام سيء لا يمكن بأي حال من الأحوال قراءة الترجمة؛ لأنه كلام يخدش الحياء جداً.
أيضاً: تشويه قصة خديجة بنت خويلد، والكلام عنها بطريقة سيئة جداً، فالكتاب يذم المرأة المتزوجة التي تحسن التبعل، وتقر في البيت، وتكون سكناً لزوجها، وتحسن تربية أولادها، ويصفها أنها مخلوق استبد به الرجال، وأرادوا له أن يكون ضعيفاً سجيناً في أيديهم، يأكل ويلد كما تأكل الحيوانات وتلد، ويجعل هذا هو الدور الذي يريده الإسلام من المرأة المسلمة، وهذا غير صحيح، فالإسلام يريد من المرأة أ، تربي لنا مثل صلاح الدين من جديد الذي حذفتم سيرته، وسيرة عمر بن عبد العزيز وعمر بن الخطاب، هذه هي وظيفة المرأة المسلمة.
ويعرضون في كتب اللغة الإنجليزية بالذات صورة المرأة المنحلة الغارقة في المحرمات والرقص والخمور من خلال فصول تدريس اللغة الإنجليزية، هذه هي المرأة التي يريدونها بدل المرأة التي تقر في البيت، وتحسن خدمة زوجها، وتربية أولادها.
أيضاً: كلام في منتهى سوء الأدب مع الرسول ﵊ في قصة خديجة، وسأذكرها لكم، فحكاية الكفر ليست بكفر، يصف هذا القذر خديجة ﵂ في عشرين جملة ذاكراً صفاتها الجسدية، يقول: فوقف وحياها -يعني: الرسول ﷺ -وحين رأت محمداً تذكرت ذلك الحلم، وأحست -أعوذ بالله- أنها أمام فتى داهية -أستغفر الله- تمالكت شعورها إلى آخر هذا الكفر، لا يوجد احترام لأم المؤمنين ﵂.
أيضاً: عبارة أخرى: جئت أهنئك بسلامة العودة، وتقول له: ألا تحس الوحشة يا محمد؟! إلى آخر هذا الكلام، يكذبون على رسول الله، وقد قال ﵊: (من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار).
стр. 578
تمجيد الفراعنة في المناهج المطورة
كان يدرس كتاب للصف الأول الثانوي من تأليف الدكتور عبد الله شحاته ألغي وتقرر بدلاً منه كتاب من تأليف الدكتور عبد المنعم النمر، ومن معالم هذا الكتاب إلغاء الآيات التي تتحدث عن فرعون وطغيانه.
كتاب التاريخ الجديد الذي هو كتاب: (وطني مصري) للصف الرابع الابتدائي يصف فرعون بأنه كان محبوباً عند الناس إلى درجة العبادة، وأن هذا الحب ممتد عبر التاريخ إلى يومنا هذا.
وحينما يتحدث عن مينا قال: حزن المصريون على مينا، وظلوا يعبدونه مئات السنين، وما زالوا يعظمونه حتى اليوم، فيطلق بعضهم اسمه على أبنائه؛ لما قدمه لمصر من أعمال جليلة كتوحيد القطرين.
стр. 579
نماذج من التضليل فيما يسمى بالتطوير
ألغيت السورة التي توجب تطبيق الشريعة، وتسمى سورة الشريعة، وفيها قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الجاثية:١٨]، فقد كانت مقررة فألغيت.
أيضاً: ألغي الحديث النبوي الذي يحث على الجهاد في سبيل الله ﵎، ويبين أنه ذروة سنام الإسلام، وأن أعظم الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر؛ لأنها تتعارض مع مناهج اللغة الإنجليزية الجديدة التي يتعلمها الأولاد، والتي تحض الشباب والفتيات على الرقص، ولعب القمار، والخمر، والحب والغرام، وغير ذلك من أنواع الانحراف التي هدف إليها التطبيع مع أعداء الله اليهود، وهم منطقيون في ذلك، كيف يكون جهاد في سبيل الله، وكلمة حق عند سلطان جائر، والمناهج تحتوي على الحث على الخمور والبيرة والميسر والسياحة؟! وحذفت عبارات تبين أن الخمر يفسد العقل والدين، وأن الله حرم علينا الزنا، والربا، وعقوق الوالدين، وشرب الخمر؛ لأن هذا تطرف! أيضاً: حذف حكم الشرع في وجوب حجاب المرأة في صفحة مائة وعشرة؛ لأن كتاب اللغة يتضمن الدعوة إلى السفور والتبرج والفواحش، وقرن بصور فتيات كاسيات عاريات من الفتيات الإنكليزيات أو غيرهن، وهي صور ملونة، وفي أحسن وأفخم طباعة؛ فلذلك حذف موضوع بيان أن الحجاب واجب على المرأة المسلمة.
حذفت الشخصيات الإسلامية كـ عائشة وأبي حنيفة، وتقرر مكانها الشيخ شلتوت والشيخ عبد الحليم محمود والسيد البدوي، يقول في الكلام على السيد البدوي: في بغداد أرواح آل البيت رضوان الله عليهم وأرواح أولياء الله على اختلاف درجاتهم، فهذا ضريح معروف الكرخي، وضريح كذا وكذا هذا هو البديل، وهذا هو التطوير! ويقول: في طنطا أخذ البدوي ينظم الدعوة من فوق السطح، لقد كان السطح معهداً وجامعة للدعوة، وجامعة السطح جامعة عالمية، والذين حملوا لواء الدعوة في ربوع مصر وأرجائها كانوا من جامعة السطح! وكأن هذه الكلمة مأخوذة من كلمة سطوحي، قال: وأيضاً: من أصحاب السطح الشيخ علي الكندراوي والشيخ عويس المصري، وكان السطح معهداً وجامعة وندوة، وقد تم للسيد البدوي ﵁ تحقيق كل ذلك من فوق السطح!! هذا هو السطح في حقيقة الأمر وواقعه، فيغيروا اسم جامعة طنطا بجامعة السطح! وبيان حال السيد البدوي ليس محله الآن.
وفي موضوع تنظيم الأسرة لم يذكروا حديث: (تناكحوا تناسلوا فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة)، لكن الذي يرضي السيد الأمريكي العبارة الجديدة التي وضعوها وهي: (إن تنظيم الأسرة معناه تقليل عدد أفراد الأسرة بصورة تمكن الوالدين من القيام برعاية الأبناء رعاية كاملة، وهذا حلال، والدليل على أن هذا حلال أننا نعيش عصر التنافس بالاختراع والابتكار لزيادة الإنتاج لا عصر زيادة الأفراد)! والله! ما يقض مضاجعهم إلا كثرة عدد المسلمين.
أيضاً: في منهج التربية الإسلامية الموسيقى والغناء، داخلان ضمن مادة التربية فيقول المؤلف: ليس هناك من يضيق بالوسط الفني اللطيف، وقال أيضاً: إن شحنات العواطف التي تدفعها الألحان وأصوات الموسيقى في كياننا وأعصابنا رياضة نفسية، وتربية عقلية، ويستشهد بحديث (لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود)!! وفي كتب اللغة الإنجليزية عملوا نموذج اختبارات صفحة مائة وثلاثة وأربعين، فيها الكلام على السنجر يعني: المغني أو المغنية، وكتبوا أسئلة باللغة الإنجليزية: أخبرنا عن اسمه أو اسمها من المغنيين أو المغنيات، ويذكر الاسم والسن، وهل هو متزوج أو عزب؟ والمقصود المغني أو المغنية الذي أنت تحبه.
السؤال الثاني عن المستوى الثقافي، ونوع الأغنيات، وسلوكه، وتعليمه.
السؤال الثالث: لماذا تحبه أو تحبها؟ ويجعلون بين قوسين اختار مثلاً: السلوك أو القوة الشخصية وهكذا وهذا خطر؛ لأن عقول الأطفال سوف تستسيغ مثل هذه السموم، كيف ندرس الأطفال أسماء المغنيين والمغنيات، وأحوالهم الشخصية؟ وماذا يأكلون؟ وما هو سر إعجابك بها أو به؟ والطفل سيختار مغنية! والبنت ستختار مغنياً! أيضاً: إلغاء الآيات التي تؤكد على تطبيق الشريعة، وحذف الشروح التي تؤكد أن تطبيق الشريعة واجب وفريضة كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ * إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [الجاثية:١٨ - ١٩].
لو حذفوها فهل ستذهب من قلوب المؤمنين؟ كلا، هي تنادي عليهم بالويل والثبور: (وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ).
حذف عنوان: (وجوب الحكم بما أنزل الله) وحذفت منه الآيات التي فيها الحكم بما أنزل الله، مثل قوله تعالى ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:٥٠].
حذفت سورة الفتح التي تنبه بأن عاقبة المنافقين البوار والهلاك؛ لأنهم لم يستجيبوا لأوامر الله وشرعه.
حذف موضوع: مصادر الشريعة: القرآن والسنة والاجتهاد.
حذف مراحل تدوين السنة، وكتب الحديث المشهورة، وشروط الاجتهاد، وأشهر المجتهدين.
стр. 580
تحليل الربا في المناهج التعليمية
تحول درس الربا في الكتاب الجديد إلى إعلان دعائي للبنوك الربوية تحت عنوان: (التعامل مع البنوك ضرورة قومية) ولم يذكر دليلاً من كتاب أو سنة أو أقوال الفقهاء إلا فتوى للشيخ شلتوت كان قد رجع عنها وتاب منها وهو على فراش الموت كما حدث بذلك غير واحد، منهم الدكتور عبد الودود شلبي، وسمعت الشيخ عيسى عبده ﵀ يقول: إن الشيخ شلتوت تبرأ وندم وتاب من هذه الفتوى في تحليل التعامل مع البنوك الربوية.
أيضاً: هذا الموضوع بدلاً من أن يتحدث عن الربا وأحكامه صار يدافع عنه، وقال: إن الحرام هو ربا الأفراد كما يقول مفتي البنوك، والأدلة التي أحل بها الربا هي قوله: البنوك هيئات منظمة لما يكون بين الأفراد، ويقول: ولو ألغينا البنوك فما البديل؟ هذا يعطى لعقول الشباب، وفيه تجاهل البدائل الإسلامية الكثيرة في باب البيوع، ويقول: إن البنوك شيء دعت إليه ضرورة العصر، ويقول: إن تحديد الربح سمة عامة لبنوك العالم، فكل بنوك العالم تفعل هذا، وأما الادخار القومي فهو إجباري إلى آخر هذا التدليس والخيانة.
أيضاً: معاملات أخرى غير مشروعة أغفلها الكتاب الجديد كانت موجودة في الكتاب القديم.
أيضاً: موضوع الرشوة حذف منه الحديث الشريف: (لعن رسول الله الراشي والمرتشي والرائش بينهما)، ألغي هذا لأنه صعب! نعم هو صعب على جيوبهم، وألغي الشرح الذي كان فيه عبارة: (الرشوة حرام تحت أي مسمى هدية هبة عمولة سمسرة) كما حذف الحديث النبوي: (كل ما نبت من حرام فالنار أولى به).
موضوع البركة في الصدق حذف منه حديث: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما).
أيضاً: حذفت الأنشطة المصاحبة التي كانت تهدف إلى أهداف تربوية عالية.
حذف موضوع: الرسول هو المثل الأعلى في الحياة الاجتماعية.
стр. 581
التوجه العام لما يسمى بتطوير التعليم
إن المطلع على الموضوعات التي حذفت في كتاب التربية الإسلامية، وكتب التفسير والحديث، حتى من مناهج الأزهر يدرك أن هناك توجهاً عاماً يهدف إلى حذف المفاهيم الآتية: ١ - إن الإسلام نظام حياة شامل، وصالح لكل زمان ومكان.
٢ - وجوب تطبيق الشريعة.
٣ - وجوب الجهاد في سبيل الله.
٤ - وجوب تحريم الربا تحريماً قاطعاً.
٥ - وجوب تحريم الخمر تحريماً قاطعاً.
أيضاً: تعدى هذا إلى حرمان مادة التربية الإسلامية من مدرسها الطبيعي، بينما مادة التربية الفنية أو الموسيقى لا يُدرِّسها إلا المتخصصون، ويفرض لها معاهد وكليات لتخريج هؤلاء المتخصصين، يقول: والأدهى من ذلك أن التطوير الأخير قام بتحويل دور المعلمين والمعلمات إلى كليات نوعية تقتصر على تخريج المتخصصين في التربية الفنية والموسيقى دون التربية الإسلامية أي: أن تطوير هذا الدور لم يضف شيئاً جديداً أكثر من إضعاف تخصص التربية الإسلامية، وجعل التعليم فيه مختلطاً، وبذلك وضعت بذرة الفساد والإفساد في هذا الحصن المنيع.
والأكثر غرابة من هذا أن وزارة التربية أصرت على تطوير يتشدد في تعيين خريجي كليات الشريعة وأصول الدين لتدريس مادتهم التربية الإسلامية، ويكلف تدرسيها غيرهم من مدرسي اللغة العربية، أما المتخصصون فيتركون ليعانوا البطالة! أيضاً: الإصرار على حرمان طلبة الجامعات والمعاهد من دراسة الثقافة الإسلامية!
стр. 582
مآسي تطوير منهج الأزهر
أول تطوير لمنهج الأزهر كان في سنة: (١٩٦١) في النكبة الأولى التي نكب بها الأزهر في عهد عبد الناصر، أما التطوير الحديث في عهد فاتح الشرور هذا فهو أعظم خاصة بالمعاهد الثانوية القسم العلمي، فقد أدمجت مادة التفسير مع مادة الحديث، وخفضت حصصهما من أربع إلى اثنتين للصف الأول والثاني، ومن ثلاث إلى اثنتين للصف الثالث والرابع.
وخفضت حصة الفقه من ثلاث إلى اثنتين.
خفضت حصص النحو والصرف من ثلاث إلى اثنتين، ألغي من القسم العلمي ثلث المواد الشرعية واللغة العربية وأضيفت حصصهما إلى الرياضة والعلوم واللغة الإنجليزية.
ألغيت مادة الحديث من الصف الأول الثانوي.
تجريد مادة الدعوة والمجتمع الإسلامي عن منهجها.
ألغيت حصة التجويد، وألغيت مادة التفسير والحديث، وهكذا أشياء لا تقل ضراوة عن الذي مضى.
ومن ذلك حذف الموضوعات التي تحث على الجهاد في سبيل الله، وتنوه بعاقبة المجاهدين وصفاتهم، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ [التوبة:١١١] إلى آخر الآية.
أيضاً: نفس الخطط نفذوها في المعاهد الابتدائية، ومعاهد المعلمين، ومعاهد القراءات الأزهرية، فقد ألغيت مواد التفسير والحديث والمجتمع الإسلامي والعروض، وخفضت حصص التجويد والفقه إلى آخره.
هذه بعض الملامح العامة، والموضوع يحتمل أكثر من ذلك، ولكن نكفي بهذا الاستعراض العابر لهذا الكتاب المهم جداً.
ويجب على الإخوة أن يهتموا بتنبيه الآباء، ومراعاة أولادهم، وبث الأشياء المضادة لهذه السموم؛ حتى يبرأ الأبناء من هذا الخطر الداهم الذي يدبر من وراء الستار، ونسأل الله أن يكفينا والمسلمين جميعاً شرورهم.
سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
стр. 583
مفاتيح الرزق
مفاتيح الرزق المذكورة في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ كثيرة، فيها يستغني المسلم عن طلب الرزق بالمعصية، وفي هذه المادة ذكر عشرة أسباب لذلك، وهي مفصلة بأدلتها الواضحة.
стр. 584
ضَمِن الله الرزق لكل مخلوق حتى يأتيه أجله
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل على محمد النبي وأزواجه أمهات المؤمنين وذريته وأهل بيته، كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل ضلالة في النار، ثم أما بعد: فقد صح عن النبي ﵌ أنه قال: (لو أن ابن آدم يهرب من رزقه كما يهرب من الموت لأدركه رزقه كما يدركه الموت)، رواه أبو نعيم في الحلية، وحسنه الألباني.
فهذا الحديث يدل على أن المرء يرزق رغم أنفه، وإذا كتب الله له الرزق فلن يفوته ولن يضيع عليه ما دام قد ضمنه الله ، والله قد ضمن لنا الرزق حين قال: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات:٢٢]، ثم لم يكتف بالضمان حتى أقسم على ذلك فقال : ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ﴾ [الذاريات:٢٣] قال: الحسن البصري رحمه الله تعالى: لعن الله أقواماً أقسم لهم ربهم فلم يصدقوه.
والموضوع الذي نتعرض له اليوم هو استعراض لرسالة مباركة نافعة من تصنيف الدكتور فضل إلهي كما سبق أن درسنا له أيضاً رسالة أخرى في محبة النبي ﷺ ، وهذه الرسالة هي (مفاتيح الرزق في ضوء الكتاب والسنة)، جمع فيها كثيراً من الأسباب التي هي أسباب حقيقية لاستجلاب الرزق والبركة فيه.
لقد ضمن الله الرزق وسبق به قلم المقادير، إلا أن كثيراً من المسلمين يشتغلون بهذا المضمون على حساب غير المضمون، فالرزق مضمون، وأما النجاة في الآخرة ودخول الجنة فليست مضمونة؛ لأنها متوقفة على سعي العبد، ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم:٣٩]، فنعجب أن كثيراً من الناس إذا طلب منه بأن يكف عن اللهث وراء الدنيا التي تشغله عن الطاعة وعن العبادة؛ فإنه يتحدث عن الرزق والكسب، وضرورة أن يسعى الإنسان في طلب رزقه، مع أن الرزق مضمون، والنجاة في الآخرة غير مضمونة، بل النجاة متوقفة على الاجتهاد في العمل الصالح.
وبعض الناس يرون أن تمسكهم بدينهم قد ينقص من أرزاقهم، بل إن بعض الملتزمين الذين يحافظون على الفرائض الإسلامية ربما يظنون أيضاً أنه لا بد أن يغضوا الطرف عن بعض الأحكام الإسلامية من أجل المحافظة على الرخاء المالي، فينسون أو يتناسون أن الله حينما شرع دينه فإنما يريد إرشاد العباد إلى سعادتهم في الدنيا والآخرة، وليس في الآخرة فقط، فقد كان من دعاء النبي ﷺ : (اللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار)، فالله لم يتركنا نتخبط في الظلام ونبقى في حيرة من أمرنا عندما نسعى إلى طلب المعيشة، بل شرعت أسباب الرزق وبينت، ولو فهمتها الأمة ووعتها وتمسكت بها وأحسنت استخدامها ليسر الله لها الرزق، والله هو الرزاق ذو القوة المتين.
стр. 585
أسباب سعة الرزق والبركة فيه
стр. 586
الاستغفار والتوبة
ونحن لن نتكلم عن الأسباب المادية الأخرى؛ لأنه يستوي في العمل بها المؤمن والكافر والبر والفاجر، بل فتنة الناس إلا ما رحم الله هي في انشغالهم بطلب الدنيا إلى حد يلهيهم عن الآخرة، فنحن لن نتكلم عن الأسباب الطبيعية؛ لأن الناس ليسوا محتاجين إلى من يحثهم على هذه الأسباب، وهي معلومة للجميع، ويحرص عليها الجميع، لكننا سنقف عند الأسباب الحقيقية القلبية والدينية التي يجهلها أكثر الناس، بل لا يعتقدون تأثيرها في باب طلب الرزق، فنحن هنا نثبت السبب أولاً ثم نذكر الأدلة على أنه مفتاح من مفاتيح الزرق.
يبدأ المصنف بعد المقدمة في ذكر أول أسباب الرزق، فمن أراد أن يستجلب الرزق الحلال المبارك فأول ما يستنزل به ذلك الاستغفار والتوبة إلى الله : فالاستغفار والتوبة من أسباب الرزق، وليس المراد مجرد الاستغفار والتوبة باللسان كتوبة الكذابين، لكن الاستغفار والتوبة لا بد أن يكونا من القلب، وينعكس أثرهما بعد ذلك على الجوارح.
يقول الراغب الأصفهاني: التوبة في الشرع: ترك الذنب لقبحه، والندم على ما فرط منه، والعزم على ترك المعاودة، وتدارك ما أمكنه أن يتدارك من الأعمال بالإعادة، فمتى اجتمعت هذه الأربع فقد كمل فرائض التوبة.
وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: قال العلماء: التوبة واجبة من كل ذنب، فإن كانت المعصية بين العبد وبين الله -لا تتعلق بحق آدمي- فلها ثلاثة شروط: أحدها: أن يقلع عن المعصية وألا يتمادى على الذنب، يعني: فمن لم يترك المعصية فأين التوبة وحاله يكذب مقاله؟! الثاني: أن يندم على فعلها.
الثالث: أن يعزم -يعني: في المستقبل- على ألا يعود إليها.
فإذا فقد أحد هذه الثلاثة الشروط لم تصح هذه التوبة.
وإذا كانت المعصية تتعلق بحق آدمي فيضاف إلى هذه الشروط شرط رابع، وهو أن يبرأ من حق صاحبها، فإن كان مالاً رده إليه، وإن كانت مظلمة ونحوها مكنه من القصاص أو طلب عفوه، وإن كانت غيبة استحلها منه.
أما الاستغفار فهو طلب المغفرة بالمقال والفعال، يقول تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ [نوح:١٠]، فلم يؤمروا بأن يسألوه ذلك باللسان فقط، بل بالقول وبالقلب، قيل: الاستغفار باللسان من دون الفعال من فعل الكذابين، فاستغفار الكذاب أن يستغفر بلسانه وهو متماد في معصية الله ﵎.
الأدلة على أن الاستغفار والتوبة من الأسباب التي يستنزل بها رزق الله كثيرة منها: قوله حاكياً عن نوح ﵇ أنه قال لقومه: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح:١٠ - ١٢]، وهذه الأفعال كلها واقعة في جواب الأمر: (اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا)، والمعنى: إن استغفرتم ربكم يرسل السماء عليكم مدراراً، ويمددكم بأموال وبنين، ويجعل لكم جنات، ويجعل لكم أنهاراً.
فلابد أولاً أن يتحقق الاستغفار، (استغفروا ربكم) أي: اسألوه العفو والمغفرة، (إنه كان غفاراً)، فسوف يقبل توبتكم ويغفر لكم (يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا)، أي: ينزل عليكم المطر يتبع بعضه بعضاً، (وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ)، أي: يكثر لكم أموالكم وأولادكم، (وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا)، أي: بساتين وأنهاراً.
يقول القرطبي رحمه الله تعالى: في هذه الآية والتي في هود، وهي قوله تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ [هود:٥٢] دليل على أن الاستغفار يستنزل به الرزق والأمطار.
يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره: إذا تبتم إلى الله تعالى واستغفرتموه وأطعتموه كثّر الرزق عليكم، وأسقاكم من بركات السماء، وأخرج لكم من بركات الأرض، وأنبت لكم الزرع، وأدر لكم الضرع، وأمدكم بأموال وبنين: أي: أعطاكم الأموال والبنين والأولاد، وجعل لكم جنات فيها أنواع الثمر، وخللها بالأنهار الجارية بينها.
وقد تنفس أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه بما جاء في هذه الآيات حينما صلى بالمسلمين صلاة الاستسقاء، فقد روى مصرف عن الشعبي أن عمر رضي الله تعالى عنه خرج يستسقي بالناس، فلم يزد على الاستغفار حتى رجع، فقيل له: ما سمعناك استسقيت! -يعني: ما قلت: اللهم اسقنا، وهي صلاة استسقاء، فلماذا اقتصرت على الاستغفار؟ - فقال: طلبت الغيث بمجاديح السماء التي يستنزل بها القطر).
المجاديح: أنواء معينة من النجوم كانوا يعتقدون أنها من الأنواء الدالة على المطر، فهو هنا يخاطبهم بما يعرفون، لا أنه يعتقد أن الأمطار تكون بالأنواء.
ثم قرأ عمر رضي الله تعالى عنه: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ [نوح:١٠ - ١١] إلى آخر الآيات.
كذلك أمر الحسن البصري رحمه الله تعالى بالاستغفار كل من جاء إليه شاكياً الجدب أو الفقر أو قلة النسل أو جفاف البستان، قال الربيع بن صبيح: شكا رجل إلى الحسن القحط والجفاف، فقال له: استغفر الله، وشكا آخر إليه الفقر فقال له: استغفر الله، وقال له آخر: ادع الله أن يرزقني ولداً، فقال له: استغفر الله، وشكا إليه آخر جفاف بستانه فقال له: استغفر الله! قال: فقلنا له في ذلك.
يعني: سألوه ما سر هذا؟! لماذا لا تنصح هؤلاء إلا بالاستغفار مع تنوع حاجاتهم؟! قال له الربيع بن صبيح: أتاك رجال يشكون أنواعاً من البلاء فأمرتهم كلهم بالاستغفار، فقال: ما قلت من عندي شيئاً، إن الله تعالى يقول في سورة نوح: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح:١٠ - ١٢].
ومثل هذه الآيات قوله ﵎ حينما قص علينا دعوة هود ﵇ قومه: ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ [هود:٥٢] فأمرهم بالاستغفار الذي فيه تكفير ما مضى من الذنوب، والتوبة عما يستقبلون، فمن اتصف بهاتين الصفتين يسر الله له رزقه، وسهل أمره، وحفظ فعله، ولهذا قال: ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ [هود:٥٢].
ومثلها أيضاً قوله ﵎: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ [هود:٣]، (يمتعكم متاعاً حسناً)، أي: يتفضل عليكم بسعة الرزق ورغد العيش، ولا يستأصلكم بالعذاب كما فعل بمن أهلك قبلكم.
وقد رتب الله هذا الجزاء على الاستغفار والتوبة.
ومما يدل أيضاً على كون الاستغفار والتوبة من مفاتيح الرزق: ما رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة والحاكم عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (من أكثر الاستغفار، وفي رواية: من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ورزقه من حيث لا يحتسب) وهذا الحديث ضعفه بعض العلماء وحسنه بعضهم.
(من أكثر الاستغفار): من غلب عليه كثرة طلب المغفرة من الله عند صدور معصية أو ظهور بلية.
أو: (لزم الاستغفار): داوم عليه فإنه في كل وقت محتاج إليه، ولذا صح عنه ﷺ أنه قال: (طوبى لمن وجد في صحيفته استغفاراً كثيراً) يعني في الآخرة، وكأنه ﵇ لم يقل: طوبى لمن استغفر كثيراً؛ لأنه يشترط في الاستغفار حتى ينفع الإنسان أن يكون مخلصاً، ولا يثبت في الصحيفة إلا الاستغفار الذي صدر عن إخلاص وعن صدق وعن توافق بين القول والعمل، فلذلك قيده بأن يجد ذلك في صحيفته، وليس بمجرد صدور الاستغفار عنه، فقوله هنا: (من أكثر الاستغفار أو من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجاً)، أي: جعل له من كل غم يغمه خلاصاً، (ومن كل ضيق مخرجاً)، أي: من كل شدة ومحنة طريقاً واسعاً يخرجه إلى سعة وفسحة، (ورزقه من حيث لا يحتسب) يعني: رزقاً حلالاً طيباً من حيث لا يظن ولا يرجو ولا يخطر بباله.
стр. 587
التقوى
تقوى الله من الأسباب التي يستنزل بها رزق الله ، وقد كثرت تعاريف العلماء للتقوى، قال الراغب الأصفهاني: التقوى حفظ النفس عما يؤثم، وذلك بترك المحظور، ويتم ذلك بترك بعض المباحات.
وعرف الإمام النووي تقوى الله بقوله: امتثال أمره ونهيه، فهي الوقاية من سخطه وعذابه ، وذلك بأن يفعل الإنسان أفعالاً تكون وقاية وحائلة بينه وبين النار.
أما الجرجاني فعرفها بقوله: الاحتراز بطاعة الله تعالى عن عقوبته، وهو صيانة النفس عما تستحق به العقوبة من فعل أو ترك.
فمن لم يحفظ نفسه عما يؤثمه فليس بمستقيم، فمن شاهد بعينيه ما حرمه الله تعالى فمعنى ذلك أنه أزال الحجاب بينه وبين النار، واستحق عذاب الله؛ لأنه لم يتق الله، ولم يكف عينه عن ارتكاب الذنب الذي يسخط الله، فمن ارتكب المعصية فقد أزاح هذا الحجاب واقتحم بنفسه النار.
وهكذا من سمع بأذنيه ما يغضب الله تعالى، أو بطش بيديه فيما لا يرضى الله تعالى، أو مشى إلى ما يمقت الله تعالى، فهذا لم يعصم نفسه من الإثم ولم يتق الله ؛ ولذلك كانت التقوى وصية الله للأولين والآخرين، قال الله: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء:١٣١]، حتى الأنبياء أمروا بالتقوى ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب:١].
أما كون التقوى من أسباب الرزق فدليل ذلك قوله ﵎: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق:٢ - ٣].
فنريد أن نرسخ هذه المفاهيم في قلوبنا، فالناس الذين يهجمون على الحرام خشية أن يفوتهم الزرق أو يتعاطون الحرام خشية قلة المال، لم يعلموا أن الحرام ليس في الحقيقة سبباً من أسباب سعة الرزق، بل هو فتنة وبلاء.
﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق:٢]، فمن أراد المخرج فليتق الله، وبالتالي ليسأل عن الطاعات والمحرمات والشبهات، فإذا اتقى الله وصدق في التقوى فإن الله وعده وعداً لا يخلف أن يجعلَ له مخرجاً ويرزقَه من حيث لا يحتسب، فإذا ادعى أنه اتقى الله ولم يجعل له مخرجاً فنقول له: راجع نفسك فإنك لم تتق الله حق تقاته، فعد إلى نفسك وصحح التوبة؛ فإن الله لا يخلف الميعاد.
وقوله تعالى: ﴿يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق:٢] أي: ينجيه من كل كرب في الدنيا والآخرة، ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٣] يعني: من حيث لا يؤمل ولا يرجو.
ومن الأدلة قوله ﵎: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف:٩٦]، أي: لو أنهم اتقوا لوسعنا عليهم الخير ويسرناه لهم من كل جانب.
والبركات جمع بركة، والبركة هي ثبوت الخير الإلهي في الشيء، والخير الإلهي الذي يجعله الله في الشيء يبقى فيه فلا يمحق ولا يذهب عنه، فيستفاد من كلمة البركة أن الله يعطيهم بسبب الإيمان والتقوى الخير المستمر الذي لا شر فيه ولا تبعة، وأحسن الأحوال أن يثبت النعيم الذي يرزقه الله العبد، ثم لا يجعل عليه تبعة في الآخرة، ولا يحاسبه عليه.
وقال ﵎: ﴿لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف:٩٦] ولم يقل: بركة، فيدل على تعدد هذه البركات باعتبار تعدد أصناف الأشياء المباركة، وبركات السماء بالمطر، وبركات الأرض بالنبات والثمار، وكثرة المواشي والأنعام، وحصول الأمن والسلامة؛ لأن السماء تجري مجرى الأب، والأرض تجري مجرى الأم، ومنهما تحصل جميع المنافع والخيرات لخلق الله تعالى.
ومن الآيات التي تدل على أن التقوى من أسباب استنزال الرزق قوله : ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة:٦٦]، فيخبر الله عن أهل الكتاب أنهم لو عملوا بالتوراة والإنجيل، وعملوا أيضاً بالقرآن الكريم؛ لأكثر الله تعالى بذلك الرزق النازل عليهم من السماء والنابت لهم من الأرض، ولأسبغ عليهم نعم الدنيا إسباغاً.
وقال الله : ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ [الجن:١٦]، يعني: لو استقاموا على الطريقة التي يرضاها الله لكافأهم على ذلك بأن يسقيهم ماءً غدقاً.
إذاً: التقوى من أسباب الرزق كما في هذه الآيات، ومن شكر نعمة الله بطاعته، فقد تكفل الله له بالزيادة، كما قال الله: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم:٧].
فمن يرغب في سعة الرزق ورغد العيش فليحفظ نفسه عما يؤثم، وليمتثل أوامر الله تعالى، وليجتنب نواهيه.
стр. 588
التوكل على الله
ومن أسباب الرزق: التوكل على الله .
قال الغزالي: التوكل هو اعتماد القلب على الله الذي يفوض المؤمن إليه أمره.
وقال: المناوي: التوكل إظهار العجز والاعتماد على المتوكل عليه.
فتظهر العجز والضعف لله ، وتعتمد عليه وحده ، فتؤمن بأنه لا فاعل في الوجود إلا الله ، وأن كل موجود من خلق ورزق، وعطاء ومنع، ونفع وضر، وفقر وغنى، ومرض وصحة، وموت وحياة، وكل ما يطلق عليه اسم الوجود فهو من الله .
ومن الأدلة على كون التوكل سبباً من أسباب إدرار الرزق ما رواه عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : (لو أنكم توكلون على الله حق توكله لرزقكم كما ترزق الطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً).
والطير جمع طائر يذكر ويؤنث.
(تغدو): تذهب أول النهار.
(خماصاً) جمع خميص، يعني جياعاً.
(وتروح): ترجع آخر النهار وقد امتلأت حواصلها (بطاناً): جمع بطين وهو عظيم البطن، والمراد شباعاً، فما بين ذلك تسعى والله هو الذي يتكفل برزقها.
ففي هذا الحديث يبين الصادق المصدوق ﷺ أن المتوكل على الله حق التوكل مرزوق كما ترزق الطير؛ لأنه توكل على الحي الذي لا يموت، وأن من توكل على الله فهو حسبه، كما قال : ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق:٣] أي: فهو كافيه، فإذا توكلت واعتمدت على الله وحده، فإنه يكفيك، ولن تحتاج إلى وكيل غيره، فهو يتولى كل أمرك، ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق:٣].
ومن المقرر والمعلوم أن التوكل على الله لا يستلزم ترك الكسب، كما يعتقد الجاهلون بحقيقة التوكل، وقد يستدل بعضهم بهذا الحديث، والحديث فيه ما يرد عليهم؛ لأن الرسول ﵇ لما ضرب لنا هذا المثل، فينبغي أن نأخذ بكل أركانه، فقوله: (تغدو خماصاً وتروح بطاناً)، دليل على أنها تغدو وتروح، فعندها حركة وسعي مع التوكل على الله ، فكذلك على الإنسان أن يسعى إلى الرزق احتراماً للشرع؛ لأن الشرع أمر بفعل الأسباب، لكن لا يتعلق بالأسباب بل بخالق الأسباب وهو الله ، فإنه هو الرازق في الحقيقة.
فنحن نأخذ بالأسباب لأن الله أمرنا بالأخذ بالأسباب.
قال العلماء: ترك الأسباب قدح في الشرع، والتعلق بالأسباب قدح في التوحيد.
فنحن نأخذ بالأسباب لكن لا نعلق قلوبنا بالأسباب؛ لأنها مخلوقة، وإنما يجب أن تتعلق القلوب بالله ، فالطيور تخرج وتروح وتسعى وتتوكل على الله ، فالله يكفيها أمرها مع أنها لا تعقل ولا تعي ولا تخطط ولا تفهم ولا تدبر، وإنما الله هو الذي يرزقها.
يقول الإمام أحمد: ليس في الحديث ما يدل على ترك الكسب، بل فيه ما يدل على طلب الرزق، وإنما أراد لو توكلوا على الله في ذهابهم ومجيئهم وتصرفهم وعلموا أن الخير بيده، لم ينطلقوا إلا غانمين سالمين كالطير.
وقد سئل الإمام أحمد عن رجل جلس في بيته أو في المسجد وقال: لا أعمل شيئاً حتى يأتيني رزقي! فقال: هذا رجل جهل العلم، فقد قال النبي ﷺ : (إن الله جعل رزقي تحت ظل رمحي).
والأخذ بالأسباب أمر مشهور ومعروف في الشريعة، ومواطنه في القرآن الكريم كثيرة جداً منها: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم:٢٥]، كان يمكن أنها بمجرد أن ترفع رأسها يسقط الرطب بقدرة الله، لكن هذا إشارة إلى ضرورة الأخذ بالأسباب مع التعلق بخالق الأسباب وهو الله .
وقال سبحانه عن موسى: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص:٢١]، فموسى ﵇ أخذ بأسباب النجاة من فرعون، فإنه لما علم أنهم يتآمرون على قتله خرج منها خائفاً يترقب.
وقد أخذ النبي ﵌ بالأسباب في رحلة الهجرة، وهي مواقف مشهورة لا نحتاج إلى ذكرها.
والصحابة رضي الله تعالى عنهم كانوا يتجرون ويعملون في نخيلهم.
قال الإمام أبو حامد: قد يظن أن معنى التوكل ترك الكسب بالبدن، وترك التدبير بالقلب، والسقوط على الأرض كالخرقة الملقاة، أو كلحمة على وضم، وهذا ظن الجهال، فإن ذلك حرام في الشرع، والشرع قد أثنى على المتوكل، فيكف يُنالُ مقامٌ من مقامات الدين بمحظور من محظورات الدين؟! يعني أن التوكل محمود في الشريعة، وترك الأسباب محرم في الشريعة، فهؤلاء الذين يتركون الأسباب ويزعمون أن ذلك من التوكل آثمون، وهل يوصل إلى مقام من المقامات المحمودة في الدين بوسيلة محرمة؟! لا يمكن أن تكون الوسيلة إلى الواجب أو المستحب محرمة، فالوسائل والأسباب تأخذ حكم المقاصد، ليس عندنا مبدأ: الغاية تبرر الوسيلة، بل لا بد أن تكون الوسيلة مشروعة والغاية مشروعة كذلك.
وقال القشيري: اعلم أن التوكل محله القلب، وأما الحركة في الظاهر فلا تنافي التوكل في القلب؛ لأن التوكل عبادة قلبية مثل التوبة والإخلاص والإنابة واليقين.
وكل هذه العبادات تؤدى بالقلب، فالتوكل عبادة محلها القلب، أما الحركة في الظاهر فلا تنافي التوكل بالقلب بعدما يعتقد العبد أن الرزق من قبل الله تعالى، فإن تعثر شيء فبتقديره، وإن تيسر شيء فبتيسيره، وقد قال رجل للنبي ﷺ : (أعقلها وأتوكل أو أطلقها وأتوكل فقال له: اعقلها وتوكل)، أما أن تترك الناقة مطلقة دون أن تربطها بخطام ولا زمام ثم تقول: أتوكل على الله؛ فهذا ليس بتوكل، وهكذا لا ينبغي لمن جاء المسجد ومعه متاع أن يتركه عند الباب ويقول: أتوكل على الله! خاصة وقد كثر الخونة الذين يخونون المصلين أثناء الصلاة، ويسرقون منهم المتاع، فهل خولك المسجد سيشفع لك إذا استحمقت وفرطت في الأسباب؟ لا، بل اعقلها وتوكل، ولا تتركها للصوص في الطريق ثم تقول: أتوكل، فخذ بالأسباب وتوكل.
بعضهم قد يترك السيارة مفتوحة ثم يسرق منها شيء، فهذا لم يعقل الناقة، بل تركها مفتوحة، وكان عليه أن يأخذ بالأسباب، ولا يتعلق بها، وهذا من التوكل على الله .
وفي رواية عند الإمام القضاعي أن عمرو بن أمية رضي الله تعالى عنه قال: (قلت: يا رسول الله! أقيد راحلتي وأتوكل على الله أو أرسلها وأتوكل؟ قال: قيدها وتوكل).
إذاً: التوكل لا يقتضي ترك التكسب، بل يكد الإنسان ويجد ويسعى في طلب العيش، لكنه لا يعتمد على كده وجده وسعيه، بل يعتقد أن الأمر كله لله، وأن الرزق من الله وحده.
стр. 589
التفرغ لطاعة الله
ومن أسباب الرزق التفرغ لطاعة الله : وليس المقصود من التفرغ لطاعة الله أن يترك السعي لكسب العيش، ويمكث في المسجد ليل نهار، وإنما المقصود أن يظل قلبه موصولاً بالله في كل أحواله دون انقطاع، فالمؤمن لا يعرف: ساعة لربك وساعة لشيطانك وساعة لقلبك المريض؛ كما هو حال بعض الناس، حيث يصلي في المسجد ثم يرتكب المعاصي والمحرمات خارج المسجد، ويقول: ساعة لقلبك وساعة لربك، ﴿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ [النجم:٢٢] لأن قلب المؤمن موصولٌ بالله في كل أحواله، لا يقطع هذه الصلة أبداً، سئل بعض السلف: هل القلب يسجد؟ قال: يسجد سجدة لا يرفع رأسه منها أبداً، أي: إذا تاب وأناب ثبت على الخضوع لله ، ولا يزول عن صفة السجود، فيظل ساجداً دائماً، فقلب المؤمن في كل أحواله يكون موصولاً بالله ، حتى وهو يلهو اللهو المباح أو يعمل في الدنيا.
فمعنى التفرغ لطاعة الله : أن يعبد الله كأنه يراه، فإن لم يكن يراه فإن الله يراه.
والدليل على كون التفرغ لعبادة الله من مفاتيح الرزق ما رواه أبو هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ قال: (إن الله تعالى يقول: يا ابن آدم! تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنىً، وأسد فقرك، وإلا تفعل ملأت يديك شغلاً، ولم أسد فقرك).
(يا ابن آدم تفرغ لعبادتي) أي: بالغ في تفريغ قلبك لعبادتي.
(أملأ صدرك غنى) أي: أملأ قلبك الذي في صدرك غنى؛ لأن الغنى غنى النفس كما بين النبي ﷺ ، وهذا هو أعلى درجات الغنى، يقول الشاعر: غنيت بلا مال عن الناس كلهم وإن الغنى العالي عن الشيء لا به واستغناؤك عن الشيء هو عين الغنى، وليس الغنى بما تملكه في يديك من عرض الدنيا، وإنما الغنى غنى النفس وغنى القلب.
وقوله: (وأسد فقرك) أي: أسد باب حاجتك إلى الناس، (وإلا تفعل ملأت يديك شغلاً، ولم أسد فقرك) ذكر اليدين لأن الإنسان يزاول الاكتساب دائماً باليدين، وأغلب التصرفات تكون باليدين.
وقد صح عن النبي ﵌ أنه قال: (من كانت الدنيا همه، جعل الله فقره بين عينيه، وفرق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن كانت الآخرة همه، جمع الله شمله، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة) أو كما قال ﷺ .
وعن معقل بن يسار ﵁ عن النبي ﷺ قال: (يقول ربكم ﵎: يا ابن آدم! تفرغ لعبادتي أملأ قلبك غنى وأملأ يديك رزقاً، يا ابن آدم! لا تباعد عني فأملأ قلبك فقراً، وأملأ يديك شغلاً).
стр. 590
المتابعة بين الحج والعمرة
ومن أسباب الرزق: المتابعة بين الحج والعمرة: ومعنى المتابعة أن يجعل أحدهما تابعاً للآخر وواقعاً عقبه، أي: إذا حججتم فاعتمروا وإذا اعتمرتم فحجوا، هذا معنى التتابع بين الحج وبين العمرة.
الإنسان الذي لا يلتفت إلى هذه الأسباب إيمانه ضعيف أو ناقص؛ لأن الذي يخبرنا بهذه الحقائق هو الوحي المعصوم، سواء في القرآن الكريم أم على لسان النبي ﵌، فهذه من بركات الوحي، فإن عقولنا لا تستقل لتوصلنا إليها، بل بعض هذه الأسباب قد يستغربها بعض الناس، فإنفاق المال في الحج والعمرة ينفي الفقر، هكذا يخبر الصادق صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
والذي يخرج من ماله ويتصدق فقد فعل سبباً من أسباب سعة الرزق؛ لأنه هكذا أخبر من لا ﴿يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤].
عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : (تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة، وليس للحجة المبرورة ثواب إلا الجنة).
الكير هو كير الحداد الذي ينفخ به النار، والظاهر أن المراد هنا نفخ النار.
وخبث الحديد والذهب والفضة هو الشوائب التي تكون في الحديد والذهب والفضة.
والحجة المبرورة هي التي وفيت أحكامها، فوقع الحج موافقاً لما طلب من المكلف على الوجه الأكمل، هذا معنى الحج المبرور.
فهنا يبين النبي ﵌ أن من ثمرات المتابعة بين الحج والعمرة نفي الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة، ولذلك ترجم الإمام ابن حبان لهذا الحديث فقال: ذكر نفي الحج والعمرة الذنوب والفقر عن المسلمين بهما.
وقال الإمام الطيبي في شرح قوله ﷺ : (فإنهما ينفيان الفقر والذنوب): إزالته للفقر كزيادة الصدقة للمال، أي: كما أن الصدقة تزيد المال ولا تنقصه، بل حلف النبي ﵊ على ذلك حينما قال: (ما نقصت صدقة من مال)، فكذلك النفقة التي تنفقها في الحج والعمرة تنفي عنك الفقر.
وروى الإمام النسائي عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب، كما ينفي الكير خبث الحديد).
стр. 591
صلة الرحم
ومن أسباب استنزال رزق الله صلة الرحم: وقد كان السلف يحافظون على صلة الرحم، فيكافئون على ذلك بأن تنمو أموالهم ويكثر عددهم إذا تواصلوا، وما تجد أهل بيت يتواصلون فيحتاجون.
وصلة الرحم لا تنحصر في صلتهم بالمال، بل مفهومها أوسع من ذلك، فإنها تكون بالمال، وبالعون على الحاجة، وبدفع الضرر، وبطلاقة الوجه، وبالدعاء، والقول الجامع في معنى صلة الرحم: إيصال ما أمكن من الخير، ودفع ما أمكن من الشر بحسب الطاقة.
والإسلام لا يمنع صلة الأرحام حتى مع الكافرين، فمن كان له أقارب كفار فإنه يؤمر بالإحسان إليهم، كما دل على ذلك قوله تعالى: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة:٨].
وسبب نزول هذه الآية أن أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنهما جاءتها أمها المشركة ترغب في صلتها، فسألت النبي ﷺ فقالت: (إن أمي قدمت وهي راغبة، أفأصل أمي؟ قال: نعم صلي أمك).
وهذه الصلة لا تعني مودة الكافر أو مداهنته؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة:٢٢]، فلا يجتمع في قلب رجل الإيمان مع مودة أعداء الله؛ وذلك لأن من أحب أحداً امتنع أن يحب مع ذلك عدوه، فلا يمكن حب المؤمنين مع حب أعداء الله .
والإمام مالك استدل بهذه الآية الكريمة على معاداة المبتدعة وترك مجالستهم، وقال الإمام القرطبي معلقاً على ذلك: وفي معنى أهل البدع جميع أهل الظلم والعدوان.
يعني أنهم يستحقون المقاطعة أيضاً.
وقال ابن كثير: أي لا يوادون المحادين ولو كانوا من الأقربين.
فالإنسان يصل رحمه ولو كانوا كافرين أو عصاة، مع دعوتهم إلى الإنابة وإلى الطاعة بقدر استطاعته، ويبذل كل جهده في ذلك، فإن أصروا على ما هم عليه بعد النصيحة فمقاطعة أحدهم في الله هي صلته، بشرط بذل الجهد في نصحهم ثم إعلامهم بأنهم إن أصروا على ما هم عليه فإنه سيقاطعهم بسبب ذلك، ولا بد أن يعلمهم أن سبب المقاطعة ما هم عليه من محاربة الله ورسوله ﷺ ، ومع ذلك لا يكف عن صلتهم بالدعاء لهم بظهر الغيب عسى أن يعودوا إلى الطريقة المثلى.
стр. 592
الإنفاق في سبيل الله
ومن هذه الأسباب أيضاً: الإنفاق في سبيل الله ﵎: فهذا أحد مفاتيح الرزق التي يستنزل بها رزق الله ، يقول الله تعالى: ﴿وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ:٣٩]، فالإنفاق المرغب فيه في الدين كالإنفاق على الفقراء، والإنفاق لنصرة دين الله ، والإنفاق في الطاعات وعلى العيال والضيوف.
والأدلة على كون النفقة في سبيل الله من أسباب استنزال رزق الله كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ:٣٩] يعني: مهما أنفقتم من شيء فيما أمركم الله به وأباحه لكم فهو يخلفه عليكم في الدنيا بالبدل وفي الآخرة بالجزاء والثواب كما ثبت في الحديث، ولا يقتصر على الثواب في الآخرة، لكن يخلفه عليكم أيضاً في الدنيا، فالنفقة إذاً سبب لاستنزال الرزق.
ذبحت إحدى زوجات النبي ﵊ شاة، (فسألها النبي ﷺ عن الشاة فقالت: ذهبت كلها وبقي الذراع لك، فقال النبي ﵊: بل بقيت كلها وذهب هذا الذراع) أي أن الذي تنفقه في سبيل الله باق لك، ومدخر ثوابه عند الله كما قال الله : ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل:٩٦].
وقال ﵊ أيضاً: (ثلاث أقسم عليهن أو أحلف عليهن: -وذكر- ما نقصت صدقة من مال)، فالصدقة سبب للبركة فيما بقي من مال، ويخلف الله على الإنسان بدلها في الدنيا بجانب الأجر الذي يبقى له في الآخرة، ﴿وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ:٣٩].
وروى البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ما من يوم يصبح العباد فيه إلا وملكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً).
الله ملكٌ مليكٌ عليٌّ غنيٌّ، فإذا قال: أنفق وعلي بدله، فبحكم الوعد يوجب على نفسه أن يعطي هذا البدل، وقد وعد الله فقال: ﴿وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ:٣٩] ووعد الله حق، فإذا كنت تتعامل مع غني من البشر، فقال لك مثلاً: ألق متاعك في البحر وعلي ضمانه، وأنت تعرف من خلقه أنه لا يخلف الميعاد، وأنه يفي بوعده، فإنك يكون على ثقة من أنه سوف يفي بما وعدبه من هذا الضمان، فهل تفعل ذلك ثقة بوعده سبحانه، ولله المثل الأعلى؟! فمن أنفق فقد أتى بما هو سبب في حصول البدل، لأنه قد أتى بالشرط، والله اشترط على نفسه فقال: (أنفق أنفق عليك)، وكما قال ﵊: (أنفق بلال ولا تخش من ذي العرش إقلالاً)، فهذا وعد بالإخلاف وبالتعويض وبالبدل، فمن أتى بالشرط أتاه البدل.
ومن بخل فالزوال لازم للمال، ولم يأت يما يستحق عليه البدل.
فقوله ﵎: ﴿وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ:٣٩] يحقق معنى قوله ﷺ : (ما من يوم يصبح العباد فيه إلا وملكان ينزلان، يقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً).
التاجر إذا علم أن مالاً من أمواله معرض للهلاك فإنه يبيعه نسيئة ولو على الفقراء، فلو افترضنا تاجراً يبيع فواكه أو خضروات، وهذا التاجر يحتاج إلى الربح الذي يجنيه من وراء هذه التجارة، وهو يشترط في البيع أن يكون حالاً، أي: لابد أن تدفع المال نقداًًً، ويرفض أن يبيع نسيئة، لكن إذا لم يشتر منه أحد، وكادت البضاعة تتلف، فإنه سيبيعها نسيئة إلى أجل، لأنه خير بين أن تتلف البضاعة وبين أن يبيعها نسيئة، فالعاقل يختار أن يبيعها نسيئة، ويقول: هذا أولى من أن أرميها في القمامة، وعندما يبيعها نسيئة سيحصل على المال ولو بعد حين، فإن لم يبع حتى يهلك نسب إلى الخطأ، ثم إن حصل على كفيل مليء ولم يبع له نسب إلى الجنون.
يعني أن هذا الرجل يريد أن يشتري منه إلى أجل، ولو لم يشتر البضاعة فسوف تهلك، وأتى رجل آخر مليء وقال للتاجر: أنا ضامن وكفيل على المشتري أنه إذا لم يسدد لك فأنا أسدد لك ثمن هذه البضاعة، وهذا الكفيل أو هذا الضامن غني ووفي، وفي الحديث: (من أحيل على مليء فليتبع)، فإذا حصل على كفيل مليء ولم يبع فينسب هذا الرجل إلى الجنون.
ثم إن كل واحد منا يفعل هذا ولا يعلم أن ذلك قريب من الجنون، فإن الله يتكفل بالخلف وبأنه سيعوض من أنفق في سبيل الله، ومع هذا نجد عامة الناس يسلكون مسلك ذلك الذي يوصف بالجنون، وشتان بين ضامن مليء من البشر وبين الله الذي هو رب العرش، والذي هو غني عن العباد، الرزاق ذو القوة المتين.
لماذا لا تثق في وعد الله وهو يخبرك في القرآن أنه سوف يخلف عليك، وأنت مع ذلك تصر على أن تتلف بضاعتك وتزول دون أن تثاب فيها، وبدون أن تنال عليها أي أجر أو ثمن؟ كل واحد منا يفعل هذا ولا يعلم أن ذلك قريب من الجنون، فإن أموالنا كلها في معرض الزوال المحقق، فالإنفاق على الأهل والولد إقراض، وقد حصل الضامن المليء وهو الله العليم، فقال تعالى: ﴿وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ:٣٩]، ثم رهن عند كل واحد إما أرضاً أو بستاناً أو طاحونة أو حماماً أو أي متاع، فالله أعطاك المبلغ الذي تأخذ منه رزقك، هذا المبلغ سواء كان سيارة أو آلة أو مصنعاً أو متجراً أو غيره وكأنه يقول: إذا كنت غير واثق من ضماني الذي أضمنه لك بأني سأخلف عليك فضع هذا الرهن أمام عينيك حتى تكون مطمئناً للضمان.
كل الحرف التي عند أي واحد منا ما هي إلا من فضل الله ، فهل هذا ملك لنا أم ملك لله؟ نحن لا نملك شيئاً على الإطلاق، ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد:٧]، ويقول: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور:٣٣]، فالمال الذي بأيدينا في الحقيقة ليس مالنا إنما هو عارية عندنا، وهو ملك لله ، فمع الضمان يأمرك أن تنفق، ويعطيك رهناً حتى تكون أكثر اطمئناناً، ويكون معك هذا المصدر من مصادر الرزق.
الإنسان لا بد أن يكون له صنعة أو جهة يحصل له منها مال، وذلك ملك لله، وهو في يد الإنسان بحكم العارية، فكأنه مرهون بما تكفل الله من رزقه ليحصل له الوثوق التام، ومع هذا لا ينفق، ويترك ماله يتلف من غير أن يكون مأجوراً أو مشكوراً.
هذا وقد أكد الله في هذه الآية وعده لمن ينفق بالخلف عليه بثلاث مؤكدات: الأول: صيغة الشرط ﴿وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ:٣٩]، الثاني: جعل جملة الجواب اسمية (فهو يخلفه)، الثالث: تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي فقال: (فهو يخلفه) ولم يقل: فسأخلفه لك.
فوعد الله يقع حتى لو لم يقترن بهذه المؤكدات، فكيف وقد أكد بكل هذه المؤكدات.
ومن الأدلة على أن النفقة سبب من أسباب الرزق قوله : ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٦٨].
(يعدكم) بمعنى: يخوفكم، يقول لك: إياك أن تنفق وإلا افتقرت.
(وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ) أي: بالبخل، (وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ) على هذه المعاصي (وفضلاً) أي: في الرزق، وقال ابن عطية: المغفرة هي الستر على عباده في الدنيا والآخرة، والفضل هو الرزق في الدنيا والتوسعة فيها والنعيم في الآخرة، وبكل قد وعد الله تعالى.
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: هذا وإن وعده له الفقر ليس شفقة عليه ولا نصيحة له.
يعني أن الشيطان عندما يقول لك: لا تنفق فسوف تفتقر، ليس مخلصاً لك في النصيحة ولا يريد لك الخير؛ لأنه عدو مبين، ولا حل مع الشيطان إلا أن تتخذه عدواً ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر:٦]، هو عدو لا تصلح معه المداهنة ولا الإحسان ولا التلطف، لا يوجد مخرج في التعامل مع الشيطان إلا أن تعامله على أنه عدو مبين، فلا تثق بأي وعد من وعوده، وحينما يقول لك: لا تنفق وإلا ستفتقر فلا تثق بخبره، فإنه ليس مشفقاً عليك ولا ناصحاً لك، وأما الله فإنه يعد عبده مغفرة منه لذنوبه وفضلاً بأن يخلف عليه أكثر مما أنفق وأضعافه، إما في الدنيا وإما في الدنيا والآخرة.
جاء في صحيح مسلم أن الله ﵎ قال: (يا ابن آدم! أنفق أنفق عليك)، وقد صح عن النبي ﵌ أيضاً أنه قال: (إن لله تعالى أقواماً يختصهم بالنعم لمنافع العباد، ويقرها فيهم ما بذلوها، فإذا منعوها أخذها منهم ووضعها في غيرهم)، أو كما قال ﷺ .
فالبخيل الذي يعطيه الله من ماله ثم لا ينفق على نفسه وعلى أهله وأولاده وعلى الفقراء والمساكين، ويريد أن يحافظ عليه، فهو فقير، قال ابن القيم: البخيل فقير لا يؤجر على فقره، والفقير أفضل منه؛ لأن الفقير يؤجر على الفقر، أما هذا فهو فقير لكنه لا يؤجر على فقره، يقول الشاعر في وصف البخلاء: خلقوا وما خلقوا لمكرمة فكأنهم خلقوا وما خلقوا رزقوا فما رزقوا فلاح يد فكأنهم رزقوا وما رزقوا وفي الحديث: (ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما، اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً)، أي: تلفاً لماله حساً أو معنى، إما يضيع المال أو تمحق البركة منه أو يسلط على نفقته فيما لا يعود عليه بالنفع، أو في أشياء مما يغضب الله سبحانه و
стр. 593
الإنفاق على أهل الخير لا سيما طلبة العلم الشرعي
ومن أسباب استدرار واستنزال الرزق من الله ما رواه أنس بن مالك ﵁ قال: (كان أخوان على عهد رسول الله ﷺ ، فكان أحدهما يأتي النبي ﷺ -يعني: ليطلب العلم- والآخر يحترف -يعني: يكتسب الرزق لهما- فشكا المحترف أخاه إلى النبي ﷺ ، فقال له النبي ﷺ : لعلك ترزق به).
كأنه يقول: لعلك مرزوق ببركته، لا أنك مرزوق بجهدك، فلا تمنن عليه بصنعتك؛ لأنه متفرغ في سبيل الله، فكثير من أهل الخير لا يقدرون على التكسب بسبب التفرغ للعلم ونحو ذلك، فمن كان ينفق عليهم يأتيه الرزق لا ليأخذه وحده، بل حتى يعطي الآخرين، ويتصدق منه على إخوانه المستحقين، فهو عبارة عن وكيل موزع يعطيه الله الرزق حتى يعطي، فإذا منع الصدقة عليهم ليدخر المال لأجل أولاده مثلاً، فقد قال الرسول ﷺ .
(إن لله أقوماً يختصهم بالنعم لمنافع العباد، ويقرها فيهم ما بذلوها، فإذا منعوها نزعها منهم فحولها إلى غيرهم).
стр. 594
الإحسان إلى الفقراء والضعفاء
ومن مفاتيح الرزق الإحسان إلى الفقراء: فقد روى الإمام البخاري عن مصعب بن سعد ﵁ قال: (رأى سعد ﵁ أن له فضلاً على من دونه، فقال رسول الله ﷺ : هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم) يعني: هل ينصركم الله ويرزقكم إلا لأجل الضعفاء.
فالضعفاء هم أصحاب المنة وليس الذين يتصدقون عليهم ويعطونهم، فمن أراد أن ينصره الله على أعدائه وأن يوفر له الرزق؛ فليكرم الضعفاء وليحسن إليهم، وبين النبي ﷺ أن من أراد أن يرضيه فليرض الفقراء والمساكين، فقال في الحديث: (ابغوني في ضعفائكم -أي: من أراد أن يرضيني ويحسن إلي فليحسن إلى الضعفاء- ابغوني في ضعفائكم فإنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم).
стр. 595
الدعاء والزواج
ومن الأسباب التي تؤدي إلى استنزال رزق الله ﵎ الدعاء، وهو سبب عظيم من أسباب جلب الرزق.
وكذلك الزواج، قال الله تعالى: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور:٣٢]، وقال النبي ﵊: (حق على الله تعالى عون من نكح التماس العفاف عما حرم الله) أو كما قال، وقوله: (ثلاثة حق على الله عونهم: وذكر الناكح يريد العفاف).
стр. 596
الهجرة في سبيل الله
ومن أسباب سعة الرزق الهجرة في سبيل الله : والهجرة هي الخروج من دار الكفر إلى دار الإيمان كمن هاجر من مكة إلى المدينة، يقول الله ﵎: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾ [النساء:١٠٠] يعني: إذا هاجر من بلد إلى بلد يجد في هذه الأرض التي هاجر إليها من الخير والنعمة ما يكون سبباً لرغم أنف أعدائه الذين كانوا معه في بلدته، وذلك أن من ترك بلده وذهب إلى بلدة أخرى واستقر أمره فيها، وصل ذلك الخبر إلى أهل بلدته فخجلوا من سوء معاملتهم معه، ورغمت أنوفهم بسبب ذلك، وقوله: (وَسَعَةً)، يعني: سعة في الرزق، أو سعة من الضلالة إلى الهدى، ومن العيلة إلى الغنى، وقال مالك: السعة سعة البلاد.
وقد شهد العالم بصدق هذا الوعد ولا يزال يشهد، وما أمر المهاجرين إلى المدينة المنورة من أصحاب رسول الله ﷺ بخاف على من له أدنى صلة بالتاريخ الإسلامي، فإنهم لما تركوا البيوت والأموال والمتاع للهجرة في سبيل الله تعالى عوضهم الله تعالى عنها أن أعطاهم مفاتيح الشام وفارس واليمن، وملكهم قصور الشام الحمراء، وقصر المدائن الأبيض، وفتح لهم أبواب صنعاء، وسخر لهم خزائن قيصر وكسرى.
فخلاصة تفسير هذه الآية كما قاله الرازي: كأنه قيل: يا أيها الإنسان! إن قلت إنما تكره الهجرة عن وطنك خوفاً من أن تقع في المشقة والمحنة في السفر؛ فلا تخف فإن الله تعالى يعطيك من النعم الجليلة العظيمة في مهاجرتك ما يكون سبباً لرغم أنوف أعدائك فيكون سبباً لسعة عيشك.
فالحركة والسعي في الأرض لطلب الرزق الحلال ليس فيه حرج، وقد وعد الله من هاجر في سبيل الله بالرزق والإخلاف، لكن لا تكون هذه الهجرة محرمة، كالهجرة التي انعكس اتجاهها الآن، فبدلاً من أن تكون الهجرة من بلاد الكفر إلى دار الإسلام صارت الهجرة الآن من بلاد المسلمين إلى بلاد الكفار! فمن الذي يأمر بالهجرة إلى دار الكفار الله أم الشيطان؟ الشيطان، والذي يهاجر إلى بلد الكفار فإنه يطيع أمر الشيطان، ويعصي أمر الرحمن ، إلا من كان معذوراً في حالات استثنائية، لكن أكثر الناس يريدون بذلك صلاح الدنيا فقط، فيعطون الدنيا هناك لكن لا يبارك لهم فيها، ويكون الرزق مشوباً بالشبهات أو المحرمات.
التفكير في السفر إلى بلاد الكفار تفكير مهلك، والذي يأمر بالهجرة من بلاد المسلمين إلى بلاد الكفر ابتغاء سعة الدنيا هو الشيطان، وهذا لا يجوز إلا لمن كان معذوراً، فإن الله يأمر من هم في بلاد الكفار أن يغادروها إلى بلاد المسلمين، فالمهاجر إن عانى في دنياه، لكن يسلم له دينه، أما هناك فمن يستطيع أن يزعم أن هناك سلامة في الدين؟ بل هي فتنة الدين، وضياع وانحراف عن هدي الإسلام كما هو معلوم.
خلاصة الكلام: ذكر المؤلف في هذا الكتيب المبارك عشرة أسباب مما يستنزل به رزق الله ، وهي: الاستغفار والتوبة بالمقال والفعال، التقوى، التوكل، التفرغ لعبادة الله ، والمتابعة بين الحج والعمرة، وصلة الرحم، والإنفاق في سبيل الله تعالى، والإنفاق على أهل الخير سيما طلبة العلم الشرعي، والإحسان إلى الضعفاء، والمهاجرة في سبيل الله ، وهي الخروج من دار الكفر إلى دار الإيمان، ابتغاء مرضاة الله تعالى وفق ما شرعه الله .
ثم يقول المؤلف في نهاية البحث: وأوصي إخواني المسلمين في أرجاء المعمورة بالتمسك بتلك الأسباب لنيل الرزق، فإن الخير كله في التمسك بما شرع الخالق ، والشر كله في الإعراض عنه.
هذا؛ وما عند الله لا ينال بمعصيته، وإنما ينال بطاعته، يقول : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال:٢٤]، ويقول: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ [طه:١٢٥ - ١٢٦].
وصلى الله تعالى على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأتباعه، وبارك وسلم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
стр. 597
حكم إسبال الثياب
إسبال الإزار من المخالفات الظاهرة التي تدعو للكبر، وهو من كبائر الذنوب، وقد جاء النص صريحاً بتحريمه مطلقاً، ولكنه يكون بقصد الكبر والخيلاء أشد تحريماً.
стр. 598
وصايا ونصائح نبوية مهمة
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتد، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
стр. 599
تعظيم الصحابة لحق الرسول في الأمر والنهي
عن أبي جُرَيّ جابر بن سُليم ﵁ قال: (أتيت المدينة، فرأيت رجلاً يصدر الناس عن رأيه، لا يقول شيئاً إلا صدروا عنه، قلت: من هذا؟ قالوا: هذا رسول الله، قلت: عليك السلام يا رسول الله -مرتين- قال: لا تقل: عليك السلام، عليك السلام تحية الميت، قل: السلام عليك.
قلت: أنت رسول الله؟ فقال: أنا رسول الله الذي إن أصابك ضرّ فدعوتَه كشف عنك، وإن أصابك عام سنة فدعوتَه أنبَتَها لك، وإذا كنت بأرض قفر أو فلاة فضّلتْ راحلتك فدعوتَه رَدَّها عليك.
قلت: اعهد إلي، قال: لا تسبّنّ أحداً.
فما سببت بعده حراً ولا عبداً ولا بعيراً ولا شاة، قال: ولا تحقرن شيئاً من المعروف، وأن تكلم أخاك وأنت منبسط إليه وجهك؛ إن ذلك من المعروف، وارفع إزارك إلى نصف الساق، فإن أبيت فإلى الكعبين، وإياك وإسبال الإزار؛ فإنها من المخيلة، وإن الله لا يحب المخيلة، وإن امرؤ شتمك وعيّرك بما يعلم فيك فلا تعيره بما تعلم فيه؛ فإنما وبال ذلك عليه).
هذا الحديث رواه أبو داود والترمذي، وقال الترمذي: حسن صحيح.
أبو جُرَيّ بضم الجيم وفتح الراء وتشديد الياء، هو جابر بن سُليم بالتصغير.
قوله: (أتيت المدينة فرأيت رجلاً يصدر الناس عن رأيه) أي: يرجعون إلى رأيه ويعملون بما يأمرهم به، ويجتنبون ما نهاهم عنه، وهذا كان حال الصحابة رضي الله تعالى عنهم، أنهم إذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه، بل كانوا أشد الناس طاعة وامتثالاً لأوامر رسول الله ﵌، فكان القادم أو الرائي إذا رأى الصحابة ﵃ حول رسول الله ﷺ يتعجب وينبهر عندما يراهم يلتفّون حوله ﷺ ثم يصدرون عن رأيه امتثالاً له.
وقد شبّه المنصرفين عنه بعد توجههم إليه للسؤال عن مصالحهم ومعاشهم ومعادهم بالإبل الواردة إذا صدرت عن المنهل، فعبر بقوله: (يصدر الناس عن رأيه) وأصل الصدور: أن الناس إذا كان معهم الجمال مثلاً، وأرادوا أن يسقوها، فيسمى التوجه نحو البئر الذي يستسقى منه الورود، أما الصدور فيكون بعد الري وبعد زوال الظمأ، تقول: صدرت صدوراً، بمعنى الانصراف بعد الري.
فعبّر عن ري الصحابة ﵃ وتشبعهم وامتثالهم لأمر النبي ﷺ بهذه الإبل الواردة إذا وردت الماء لتشرب وترتوي ثم تنطلق عنه، فهكذا كانوا ينهلون من نمير سنّته ﷺ ، ويُذهبون ظمأهم بمجالسته والأخذ عنه.
قوله: (لا يقول شيئاً إلا صدروا عنه) أي: عملوا به، وهذه صفة كاشفة توضح المقصود من قوله: (يصدر الناس عن رأيه) أي: لا يقول شيئاً إلا صدروا عنه.
стр. 600
من آداب السلام
قوله: (قلت: من هذا؟ قالوا: هذا رسول الله، قلت: عليك السلام يا رسول الله! عليك السلام يا رسول الله!) قالها مرتين، فلعل النبي ﷺ لم يسمعه في المرة الأولى فلم يجبه، أو أنه سمعه وامتنع عن جوابه تأديباً له؛ لأنه سلّم بطريقة غير صحيحة، فقال له النبي ﷺ : (لا تقل: عليك السلام) وهذا النهي نهي تنزيه، أي: لا تبدأ التحية بكلمة: عليك السلام؛ فإن (عليك السلام تحية الميت)؛ لأن هذه كانت تحية الميت وكانت عادتهم في زمان الجاهلية، حيث لم يكن لهم وعي بالأمور الشرعية التي يحبها الله.
وقال بعض العلماء: أراد أنه ليس مما يُحيّا به الأحياء، وأنه شُرع له أن يحيي صاحبه، وشرع له أن يجيبه، وقد جاءت في الشريعة صيغة معينة لابتداء السلام وصيغة أخرى لرد السلام، فصيغة ابتداء السلام أن تبدأ بكلمة: السلام عليك، ويأتيك
الجواب
عليك السلام، فوضْعُ الجواب في موضع الابتداء غير موافق للآداب الشرعية في ابتداء السلام، فلذلك قال له: (لا تقل: عليك السلام، (عليك السلام) تحية الميت).
فلا يحسن أن لما وُضع للجواب أن يوضع موضع التحية التي يبتدأ بها، فهذه تحية الميت عند الجاهلية كما كانوا يقولون: عليك سلام الله قيس بن عاصم ورحمته ما شاء أن يترحما فكانوا في الجاهلية يحيون الميت بقولهم: عليك السلام، فيمكن أن تبدأ في تحية الميت بقولك: عليك السلام، وإن كان قد ثبت في السنة أن النبي ﵌ بدأ تحية الأموات بالسلام، فكان يقول: (السلام عليكم دار قوم مؤمنين) فكان يبدأ أولاً بالسلام، يوضح هذا كلام بعض العلماء: أنه لم يرد بهذا الحديث أنه ينبغي أن يُحيّا الميت بهذه الصيغة -أي: عليك السلام- إذ قد سلّم رسول الله ﷺ على الأموات بقوله: (السلام عليكم)، وإنما أراد به أن هذا تحية تصلح أن يُحيّا بها الميت لا الحي، فهي يمكن أن تقولها للميت؛ لأن الميت لن يرد عليك، أما حينما تحيي الحي فتقول: عليك السلام، فهذا لمعنيين: المعنى الأول: أن (عليك السلام) شرعت لجواب التحية، ومن حق المسلم أن يحّيي صاحبه بما شرع له من التحية، فيجيب صاحبه بما شُرع له من الجواب، فإذا قلت في الابتداء: عليك السلام، فقد جعلت الجواب مكان الابتداء بالتحية، وهذا للحي، أما في حق الميت فإن الغرض من التسليم عليه أن تشمله بركة السلام، والجواب غير منتظر في هذه الحالة، فأنت لا تنتظر من الميت أن يقول: وعليك السلام، فإذا بدأته بعليك السلام، فهذا يناسب هذا المقام ولا يعترض؛ لأن (عليك السلام) يقولها الحي جواباً للسلام عليك، فيجوز أن يسلم الإنسان على الميت بكلتا الصيغتين.
المعنى الآخر: أن من فوائد السلام أن المسلم يُسمع الذي يسلم عليه لفظ السلام أولاً، وهذا يحدث نوعاً من الاستئناس والألفة حينما تبدأ بالسلام عليك، أما حينما تقول: عليك السلام، ربما توجس السامع هل سوف تلعنه؟ هل ستدعو عليه؟ هل سوف تسبه؟ فربما أحدثت وحشة، أما حينما تبدأه بالسلام عليك، فقد بدأت بما يُطمئنه وهو لفظ السلام، فيحصل الأمن من قلبه، فأمر الشرع بالمسارعة إلى إيناس الأخ المسلم بتقديم السلام، وهذا المعنى غير مطلوب في الميت، فساغ للمسلم أن يفتتح من الكلمتين بأيتهما شاء.
وقيل: إن عُرف العرب أنهم إذا سلموا على قبر قالوا: عليك السلام، فقال ﵊: (عليك السلام تحية الميت) على وصف أعراف العرب وعادتهم، لا أنه ينبغي أن يُسلّم على الأموات بهذه الصيغة، خاصة وأن الذي ثبت في السنة: (السلام عليكم دار قوم مؤمنين) إلى آخره.
وبعض العلماء قالوا: إن (عليك السلام) هنا هي جواب النبي ﵊؛ لأنه في مقام الرد، فقال: (عليك السلام)، ثم قال: (تحية الميت) فكأن النبي ﷺ يقول: هي تحية الميت، ثم قال له: (قل: السلام عليك) يعني: إذا سلمت، فإن الأفضل أن تبدأ بلفظ السلام.
следующие страницы →