Полный текст (2 122 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
الهجرة في سبيل الله
ومن أسباب سعة الرزق الهجرة في سبيل الله : والهجرة هي الخروج من دار الكفر إلى دار الإيمان كمن هاجر من مكة إلى المدينة، يقول الله ﵎: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾ [النساء:١٠٠] يعني: إذا هاجر من بلد إلى بلد يجد في هذه الأرض التي هاجر إليها من الخير والنعمة ما يكون سبباً لرغم أنف أعدائه الذين كانوا معه في بلدته، وذلك أن من ترك بلده وذهب إلى بلدة أخرى واستقر أمره فيها، وصل ذلك الخبر إلى أهل بلدته فخجلوا من سوء معاملتهم معه، ورغمت أنوفهم بسبب ذلك، وقوله: (وَسَعَةً)، يعني: سعة في الرزق، أو سعة من الضلالة إلى الهدى، ومن العيلة إلى الغنى، وقال مالك: السعة سعة البلاد.
وقد شهد العالم بصدق هذا الوعد ولا يزال يشهد، وما أمر المهاجرين إلى المدينة المنورة من أصحاب رسول الله ﷺ بخاف على من له أدنى صلة بالتاريخ الإسلامي، فإنهم لما تركوا البيوت والأموال والمتاع للهجرة في سبيل الله تعالى عوضهم الله تعالى عنها أن أعطاهم مفاتيح الشام وفارس واليمن، وملكهم قصور الشام الحمراء، وقصر المدائن الأبيض، وفتح لهم أبواب صنعاء، وسخر لهم خزائن قيصر وكسرى.
فخلاصة تفسير هذه الآية كما قاله الرازي: كأنه قيل: يا أيها الإنسان! إن قلت إنما تكره الهجرة عن وطنك خوفاً من أن تقع في المشقة والمحنة في السفر؛ فلا تخف فإن الله تعالى يعطيك من النعم الجليلة العظيمة في مهاجرتك ما يكون سبباً لرغم أنوف أعدائك فيكون سبباً لسعة عيشك.
فالحركة والسعي في الأرض لطلب الرزق الحلال ليس فيه حرج، وقد وعد الله من هاجر في سبيل الله بالرزق والإخلاف، لكن لا تكون هذه الهجرة محرمة، كالهجرة التي انعكس اتجاهها الآن، فبدلاً من أن تكون الهجرة من بلاد الكفر إلى دار الإسلام صارت الهجرة الآن من بلاد المسلمين إلى بلاد الكفار! فمن الذي يأمر بالهجرة إلى دار الكفار الله أم الشيطان؟ الشيطان، والذي يهاجر إلى بلد الكفار فإنه يطيع أمر الشيطان، ويعصي أمر الرحمن ، إلا من كان معذوراً في حالات استثنائية، لكن أكثر الناس يريدون بذلك صلاح الدنيا فقط، فيعطون الدنيا هناك لكن لا يبارك لهم فيها، ويكون الرزق مشوباً بالشبهات أو المحرمات.
التفكير في السفر إلى بلاد الكفار تفكير مهلك، والذي يأمر بالهجرة من بلاد المسلمين إلى بلاد الكفر ابتغاء سعة الدنيا هو الشيطان، وهذا لا يجوز إلا لمن كان معذوراً، فإن الله يأمر من هم في بلاد الكفار أن يغادروها إلى بلاد المسلمين، فالمهاجر إن عانى في دنياه، لكن يسلم له دينه، أما هناك فمن يستطيع أن يزعم أن هناك سلامة في الدين؟ بل هي فتنة الدين، وضياع وانحراف عن هدي الإسلام كما هو معلوم.
خلاصة الكلام: ذكر المؤلف في هذا الكتيب المبارك عشرة أسباب مما يستنزل به رزق الله ، وهي: الاستغفار والتوبة بالمقال والفعال، التقوى، التوكل، التفرغ لعبادة الله ، والمتابعة بين الحج والعمرة، وصلة الرحم، والإنفاق في سبيل الله تعالى، والإنفاق على أهل الخير سيما طلبة العلم الشرعي، والإحسان إلى الضعفاء، والمهاجرة في سبيل الله ، وهي الخروج من دار الكفر إلى دار الإيمان، ابتغاء مرضاة الله تعالى وفق ما شرعه الله .
ثم يقول المؤلف في نهاية البحث: وأوصي إخواني المسلمين في أرجاء المعمورة بالتمسك بتلك الأسباب لنيل الرزق، فإن الخير كله في التمسك بما شرع الخالق ، والشر كله في الإعراض عنه.
هذا؛ وما عند الله لا ينال بمعصيته، وإنما ينال بطاعته، يقول : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال:٢٤]، ويقول: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ [طه:١٢٥ - ١٢٦].
وصلى الله تعالى على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأتباعه، وبارك وسلم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
стр. 597
حكم إسبال الثياب
إسبال الإزار من المخالفات الظاهرة التي تدعو للكبر، وهو من كبائر الذنوب، وقد جاء النص صريحاً بتحريمه مطلقاً، ولكنه يكون بقصد الكبر والخيلاء أشد تحريماً.
стр. 598
وصايا ونصائح نبوية مهمة
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتد، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
стр. 599
تعظيم الصحابة لحق الرسول في الأمر والنهي
عن أبي جُرَيّ جابر بن سُليم ﵁ قال: (أتيت المدينة، فرأيت رجلاً يصدر الناس عن رأيه، لا يقول شيئاً إلا صدروا عنه، قلت: من هذا؟ قالوا: هذا رسول الله، قلت: عليك السلام يا رسول الله -مرتين- قال: لا تقل: عليك السلام، عليك السلام تحية الميت، قل: السلام عليك.
قلت: أنت رسول الله؟ فقال: أنا رسول الله الذي إن أصابك ضرّ فدعوتَه كشف عنك، وإن أصابك عام سنة فدعوتَه أنبَتَها لك، وإذا كنت بأرض قفر أو فلاة فضّلتْ راحلتك فدعوتَه رَدَّها عليك.
قلت: اعهد إلي، قال: لا تسبّنّ أحداً.
فما سببت بعده حراً ولا عبداً ولا بعيراً ولا شاة، قال: ولا تحقرن شيئاً من المعروف، وأن تكلم أخاك وأنت منبسط إليه وجهك؛ إن ذلك من المعروف، وارفع إزارك إلى نصف الساق، فإن أبيت فإلى الكعبين، وإياك وإسبال الإزار؛ فإنها من المخيلة، وإن الله لا يحب المخيلة، وإن امرؤ شتمك وعيّرك بما يعلم فيك فلا تعيره بما تعلم فيه؛ فإنما وبال ذلك عليه).
هذا الحديث رواه أبو داود والترمذي، وقال الترمذي: حسن صحيح.
أبو جُرَيّ بضم الجيم وفتح الراء وتشديد الياء، هو جابر بن سُليم بالتصغير.
قوله: (أتيت المدينة فرأيت رجلاً يصدر الناس عن رأيه) أي: يرجعون إلى رأيه ويعملون بما يأمرهم به، ويجتنبون ما نهاهم عنه، وهذا كان حال الصحابة رضي الله تعالى عنهم، أنهم إذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه، بل كانوا أشد الناس طاعة وامتثالاً لأوامر رسول الله ﵌، فكان القادم أو الرائي إذا رأى الصحابة ﵃ حول رسول الله ﷺ يتعجب وينبهر عندما يراهم يلتفّون حوله ﷺ ثم يصدرون عن رأيه امتثالاً له.
وقد شبّه المنصرفين عنه بعد توجههم إليه للسؤال عن مصالحهم ومعاشهم ومعادهم بالإبل الواردة إذا صدرت عن المنهل، فعبر بقوله: (يصدر الناس عن رأيه) وأصل الصدور: أن الناس إذا كان معهم الجمال مثلاً، وأرادوا أن يسقوها، فيسمى التوجه نحو البئر الذي يستسقى منه الورود، أما الصدور فيكون بعد الري وبعد زوال الظمأ، تقول: صدرت صدوراً، بمعنى الانصراف بعد الري.
فعبّر عن ري الصحابة ﵃ وتشبعهم وامتثالهم لأمر النبي ﷺ بهذه الإبل الواردة إذا وردت الماء لتشرب وترتوي ثم تنطلق عنه، فهكذا كانوا ينهلون من نمير سنّته ﷺ ، ويُذهبون ظمأهم بمجالسته والأخذ عنه.
قوله: (لا يقول شيئاً إلا صدروا عنه) أي: عملوا به، وهذه صفة كاشفة توضح المقصود من قوله: (يصدر الناس عن رأيه) أي: لا يقول شيئاً إلا صدروا عنه.
стр. 600
من آداب السلام
قوله: (قلت: من هذا؟ قالوا: هذا رسول الله، قلت: عليك السلام يا رسول الله! عليك السلام يا رسول الله!) قالها مرتين، فلعل النبي ﷺ لم يسمعه في المرة الأولى فلم يجبه، أو أنه سمعه وامتنع عن جوابه تأديباً له؛ لأنه سلّم بطريقة غير صحيحة، فقال له النبي ﷺ : (لا تقل: عليك السلام) وهذا النهي نهي تنزيه، أي: لا تبدأ التحية بكلمة: عليك السلام؛ فإن (عليك السلام تحية الميت)؛ لأن هذه كانت تحية الميت وكانت عادتهم في زمان الجاهلية، حيث لم يكن لهم وعي بالأمور الشرعية التي يحبها الله.
وقال بعض العلماء: أراد أنه ليس مما يُحيّا به الأحياء، وأنه شُرع له أن يحيي صاحبه، وشرع له أن يجيبه، وقد جاءت في الشريعة صيغة معينة لابتداء السلام وصيغة أخرى لرد السلام، فصيغة ابتداء السلام أن تبدأ بكلمة: السلام عليك، ويأتيك
الجواب
عليك السلام، فوضْعُ الجواب في موضع الابتداء غير موافق للآداب الشرعية في ابتداء السلام، فلذلك قال له: (لا تقل: عليك السلام، (عليك السلام) تحية الميت).
فلا يحسن أن لما وُضع للجواب أن يوضع موضع التحية التي يبتدأ بها، فهذه تحية الميت عند الجاهلية كما كانوا يقولون: عليك سلام الله قيس بن عاصم ورحمته ما شاء أن يترحما فكانوا في الجاهلية يحيون الميت بقولهم: عليك السلام، فيمكن أن تبدأ في تحية الميت بقولك: عليك السلام، وإن كان قد ثبت في السنة أن النبي ﵌ بدأ تحية الأموات بالسلام، فكان يقول: (السلام عليكم دار قوم مؤمنين) فكان يبدأ أولاً بالسلام، يوضح هذا كلام بعض العلماء: أنه لم يرد بهذا الحديث أنه ينبغي أن يُحيّا الميت بهذه الصيغة -أي: عليك السلام- إذ قد سلّم رسول الله ﷺ على الأموات بقوله: (السلام عليكم)، وإنما أراد به أن هذا تحية تصلح أن يُحيّا بها الميت لا الحي، فهي يمكن أن تقولها للميت؛ لأن الميت لن يرد عليك، أما حينما تحيي الحي فتقول: عليك السلام، فهذا لمعنيين: المعنى الأول: أن (عليك السلام) شرعت لجواب التحية، ومن حق المسلم أن يحّيي صاحبه بما شرع له من التحية، فيجيب صاحبه بما شُرع له من الجواب، فإذا قلت في الابتداء: عليك السلام، فقد جعلت الجواب مكان الابتداء بالتحية، وهذا للحي، أما في حق الميت فإن الغرض من التسليم عليه أن تشمله بركة السلام، والجواب غير منتظر في هذه الحالة، فأنت لا تنتظر من الميت أن يقول: وعليك السلام، فإذا بدأته بعليك السلام، فهذا يناسب هذا المقام ولا يعترض؛ لأن (عليك السلام) يقولها الحي جواباً للسلام عليك، فيجوز أن يسلم الإنسان على الميت بكلتا الصيغتين.
المعنى الآخر: أن من فوائد السلام أن المسلم يُسمع الذي يسلم عليه لفظ السلام أولاً، وهذا يحدث نوعاً من الاستئناس والألفة حينما تبدأ بالسلام عليك، أما حينما تقول: عليك السلام، ربما توجس السامع هل سوف تلعنه؟ هل ستدعو عليه؟ هل سوف تسبه؟ فربما أحدثت وحشة، أما حينما تبدأه بالسلام عليك، فقد بدأت بما يُطمئنه وهو لفظ السلام، فيحصل الأمن من قلبه، فأمر الشرع بالمسارعة إلى إيناس الأخ المسلم بتقديم السلام، وهذا المعنى غير مطلوب في الميت، فساغ للمسلم أن يفتتح من الكلمتين بأيتهما شاء.
وقيل: إن عُرف العرب أنهم إذا سلموا على قبر قالوا: عليك السلام، فقال ﵊: (عليك السلام تحية الميت) على وصف أعراف العرب وعادتهم، لا أنه ينبغي أن يُسلّم على الأموات بهذه الصيغة، خاصة وأن الذي ثبت في السنة: (السلام عليكم دار قوم مؤمنين) إلى آخره.
وبعض العلماء قالوا: إن (عليك السلام) هنا هي جواب النبي ﵊؛ لأنه في مقام الرد، فقال: (عليك السلام)، ثم قال: (تحية الميت) فكأن النبي ﷺ يقول: هي تحية الميت، ثم قال له: (قل: السلام عليك) يعني: إذا سلمت، فإن الأفضل أن تبدأ بلفظ السلام.
стр. 601
إخلاص الدعاء لله
قوله: (قلت: أنت رسول الله؟ قال: أنا رسول الله)، ثم قال له ﷺ : (أنا رسول الله الذي إن أصابك ضر)، ولفظ (الذي) يعود إلى الله ، وقوله: (ضُر) أو (ضَر) يجوز بالضم وبالفتح، (فدعوتَه) أي: دعوت الله الذي أرسلني.
(أو أتيتني لأدعو لك) بالشفاعة أو بوسيلة الدعاء كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ [النساء:٦٤] فإما دعوت الله بنفسك أو بوسيلتي بأن أدعو أنا لك.
قوله: (كشفه) أي: أزال الله ذلك الضر عنك.
قوله: (وإن أصابك عام سنة) السنة: هي القحط، إذ لا مطر فيها، والجدباء التي لا تنبت الأرض فيها شيئاً، وقوله: (أنبتها لك) أي: صورها ذات نبات لك.
قوله: (وإذا كنت بأرضٍ قفر أو فلاة) وفي رواية أخرى بالإضافة: (وإذا كنت بأرضِ قفر أو فلاة) يعني: فلاة أو صحراء خالية من الماء والشجر، وقوله: (أو فلاة) وهي المفازة المهلكة البعيدة عن العمران، وتكون محفوفة بالمخاطر.
قوله: (فضلت راحلتك) أي: فحادت ومالت عن الطريق، أو غابت عنك، وهو الأظهر، لقوله: (فدعوتَه ردها عليك) بأن غابت عنك فدعوته ردها عليك بعد أن غابت عنك وافتقدتها.
стр. 602
النهي عن اللعن والسب وفاحش القول
قوله: (قلت: اعهد إلي)، يعني: أوصني، ومنه قوله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ [يس:٦٠].
(قال: لا تسبّنّ أحداً) أي: لا تشتمه، وإنما عهد ﷺ إليه بعدم السب؛ لعلمه أن الغالب على حاله أنه كان يسب الناس، فنهاه عن هذه الخصلة.
قال: (فما سببت بعده حراً ولا عبداً ولا بعيراً ولا شاة) أي: بعد ذلك العهد الذي أخذه عليه رسول الله ﷺ ، فسلم من لسانه الإنسان والحيوان سدّاً للباب، وإن كان يجوز سب إنسان مخصوص علم كفره كفرعون أو أبي لهب وغيرهما، فإنه لا ضرر في سب الكافر، ومع جواز السبّ في حق الكافر فالأفضل الاشتغال بذكر الرحمن حتى عن لعن الشيطان، فإن خطور ما سوى الله في الخاطر نقصان، فلا تشغل قلبك بغير ذكر الله، فالسب لا يستحب، وغاية السب أو اللعن أنه جائز في أحوال معينة ولأشخاص معينين، تقول مثلاً: لعنة الله على الظالمين لعنة الله على الكافرين لعن الله من فعل كذا، كما كان يقول ذلك ﵌ في النهي عن أفعال مخصوصة، وفي الحديث: (ليس المؤمن بالطعان ولا باللعان ولا بالفاحش ولا بالبذيء)، وقال ﷺ : (إن اللعانين ليسوا بشفعاء ولا شهداء يوم القيامة)، فالمسلم -وإن لَعَن- ينبغي له أن يقلّ من اللعن، ولا يكون ديدنه وعادته السب واللعن؛ حتى لا يتعود لسانه ذلك، وربما جرّه كثرة ذلك إلى أن يوقعه في غير موقعه، فسدّاً للذريعة ينبغي للمسلم أن يمسك عن اللعن، كما وصف بعضُ الصحابة النبي ﷺ فقال: (كان لا يذم أحداً ولا يعيبه حتى لو كان مستحقاً لذلك).
стр. 603
النهي عن احتقار المعروف وأعمال الخير
ثم قال النبي ﵌: (ولا تحقرن شيئاً من المعروف) أي: من الأعمال الصالحة، أو من أفعال الخير والبر والصلة، ولو كان قليلاً أو صغيراً، فلا تحتقر أي شيء من المعروف ما دام داخلاً تحت اسم المعروف الذي أمر به الله ورسوله ﷺ وإن دقّ، وقد كان الصحابة ﵃ يبالغون في امتثال أوامر النبي ﷺ واجتناب نواهيه، حتى في أدق الأمور؛ امتثالاً لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة:٢٠٨] أي: التزموا جميع شرائع الإسلام.
стр. 604
فضل البشاشة وحسن الخُلق
ثم قال ﷺ : (وأن تكلم أخاك) أي: وكلم أخاك تكليماً، (وأنت منبسط إليه وجهك) أي: باشّ الوجه في وجه أخيك، فالابتسام أو التبسم في وجه أخيك صدقة تتصدق بها، ويأجرك الله عليها، فالمعنى: أن تتواضع لأخيك، وتطيب الكلام؛ حتى يفرح قلبه بحسن خلقك.
قوله: (إن ذلك) أي: الكلام مع انبساط الوجه (من المعروف) يعني: من المعروف الذي لا ينبغي أن تحقره أو تنكره، فلا ينبغي أن تتركه وتقول: هذا أمر يسير، بل هو باب من أبواب المعروف الذي نهيت عن احتقاره أو التفريط فيه.
стр. 605
النهي عن الإسبال والخيلاء
ثم قال ﷺ : (وارفع إزارك إلى نصف الساق) أي: ليكن سروالك وقميصك قصيرين، (فإن أبيت فإلى الكعبين) أي: فإن أبيت رفع الإزار إلى نصف الساق فارفعه إلى الكعبين ولا تتجاوزهما.
ثم قال ﷺ مؤكداً هذا الحكم: (وإياك وإسبال الإزار) يعني: اجتنب إسبال الإزار، أي: أن ينزل ثوبك عن الكعبين، وهما العظمان الناتئان في أعلى القدم، (فإنها) أي: هذه الفعلة أو هذه الخصلة وهي: الإسبال وإرسال الثوب وإرخائه (من المخيلة) أي: من الكبر والعجب، (وإن الله لا يحب المخيلة).
стр. 606
فضل مقابلة السيئة بالحسنة
ثم قال ﷺ : (وإن امرؤ شتمك) أي: سبك أو لعنك، (وعيرك بما يعلم فيك) أي: لامك بما يعلم من عيبك سواء كان العيب فيك أم ليس فيك، لكنه ظلمك بأن سبك بشيء هو فيك أو ليس فيك، (فلا تعيره بما تعلم فيه) يعني: لا تقابل عمله بمثله، فإن الذي ظلمك لا يجوز لك أن تظلمه، والذي يخذفك لا يجوز لك أن تخذفه؛ مراعاة لحرمات الله ، ولا يستفزّنك فعله وظلمه إياك بأن تنتهك حرمته وتكشف ستره، وتعيره بما تعلم فيه، فضلاً عما لا تعلم، فإن كان الذي تعلمه عنه نهيت أن تعيره به، فمن باب أولى ألا تعيره بما لا تعلمه فيه.
قوله: (فإنما وبال ذلك) أي: إثم ما ذكر من الشتم والتعيير، (عليه) أي: على ذلك المرء، ولا يضرك شيء، وفي بعض روايات هذا الحديث: (فيكون لك أجر ذلك ووباله عليه).
стр. 607
أهمية طاعة النبي ﷺ وامتثال أمره
يقول الصحابي الجليل حسان بن ثابت رضي الله تعالى عنه في تعظيم حق النبي ﵌: أغرّ عليه للنبوة خاتمٌ من الله مشهود يلوح ويشهدُ وضمّ الإله اسم النبي إلى اسمهِ إذا قال في الخمس المؤذنُ أشهدُ وشقّ له من اسمه ليجلّه خذو العرش محمود وهذا محمدُ نبيٌّ أتانا بعد يأسٍ وفترةٍ من الرُّسْل والأوثان في الأرض تُعبدُ فأمسى سراجاً مستنيراً وهادياً يلوح كما لاح الصقيلُ المهنّدُ وأنذرنا ناراً وذكّر جَنّةً وعلّمنا الإسلام فاللهَ نَحمدُ تعاليتَ ربّ الناس عن قول من دعا سواك إلهاً أنت أعلى وأمجدُ لك الخلق والنعماءُ والأمرُ كُله فإياك نستهدي وإياك نعبدُ لقد أمر الله في كتابه المجيد بطاعة رسول الله ﷺ ، فقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [النساء:٥٩]، والردّ إلى الله هو الرجوع إلى كتاب الله ، والرد إلى الرسول ﷺ هو الرجوع إليه في حياته، والرجوع إلى حديثه وسنته بعد مماته ﷺ .
وقال الله : (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ) أي: عن أمر النبي ﷺ : ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ [النور:٦٣] قال الإمام أحمد: الفتنة: الكفر، وقال الله : ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠] وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧]، وقال : ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥].
فانظر كيف يُقسِمُ الله بقوله: (فَلا وَرَبِّكَ) أي: ورب محمد ﵊، ((لا يُؤْمِنُونَ)) ينفي عنهم الإيمان إلى غاية هي: ((حَتَّى يُحَكِّمُوكَ)).
إذاً: يكونون مؤمنين إذا امتثلوا الأمور التالية: أولاً: التحاكم إلى رسول الله ﷺ : (حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ).
ثانياً: (ثم لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ) فَنَفَى الإيمان عمن يجد في صدره حرجاً من شرع رسول الله ﷺ وسنته.
ثالثاً: ((وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)) وهذا يعني كمال الانقياد والإذعان والرضا -أي: رضا القلب واعتزازه- بسنة النبي ﵌، والآيات كثيرة في هذا المعنى.
أما الأحاديث التي توجب طاعة رسول الله ﵌، سواء فيما جاءت السنة مبينة لما ورد في القرآن كالصلاة والزكاة وغيرها، أو فيما استقلت به السنة من الأحكام، والتي تكذبها طائفة القرآنيين الضالة التي تكذب بالسنة ولا تثبت حُجّيتها.
ومن الأحاديث الدالة على وجوب طاعة النبي ﷺ قوله صلى الله عليه وآله سلم: (كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قالوا: يا رسول الله! ومن يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى) رواه البخاري.
وأيضاً ما رواه أبو داود والترمذي عن العرباض بن سارية ﵁ قال: (وَعَظَنَا رسول الله ﷺ موعظة بليغة، وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله! كأنها موعظة مُودّع فأوصنا؟ قال: أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن تأمرّ عليكم عبد حبشي، فإنه من يَعِشْ منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عَضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل بدعة ضلالة) قال الترمذي: حديث صحيح.
وأيضاً ما رواه العرباض بن سارية ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (أيحسب أحدكم متكئاً على أريكته قد يظن أن الله لم يُحرّم شيئاً إلا ما في هذا القرآن، ألا وإني قد أمرت ووعظت ونهيت عن أشياء إنها لمثل هذا القرآن أو أكثر).
стр. 608
نماذج من تعظيم الصحابة لأمر الرسول ﷺ
لقد طبّق الصحابة رضي الله تعالى عنهم هذه الآيات والأحاديث أحسن تطبيق وأجمله، فكانوا ينقادون لأمر رسول الله ﷺ ويمتثلون تكاليفه يرضى وطيب نفس.
стр. 609
تحري عمر وابن عمر اقتفاء السنة
أخرج البخاري عن عائشة ﵂ قالت: لم يكن عمر أخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف ﵁ أن رسول الله ﷺ أخذها من مجوس هجر، حينئذٍ أخذها من هؤلاء.
وأخرج الشيخان من طريق ابن شهاب عن عبد الله بن عامر بن ربيعة أن عمر ﵁ خرج إلى الشام، فلما جاء سرغ -وهي قرية على طريق الشام عند وادي تبوك- بلغه أن الوباء قد وقع بالشام، فأخبره عبد الرحمن بن عوف أن النبي ﷺ قال: (إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليها، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً) فرجع عمر من سرغ لمّا بلغه حديث عبد الرحمن بن عوف.
وأخرج الشيخان عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (لا تمنعوا النساء بالليل من المساجد، فقال بعض بني عبد الله بن عمر: والله لا ندعهن يتخذنه دَغَلاً) والدَّغَل: المكان الذي فيه شجر كثير ملتف، فيكمن فيه من أراد أن يتخفّى من الناس، فهذا ابن عبد الله بن عمر قال: والله لا ندعهن يتخذنه دغلاً! فضرب ابن عمر صدر ابنه حينما اعترض ولم يتأدب مع حديث رسول الله ﷺ ، وقال: أُحدّثك عن رسول ﷺ وتقول ما تقول؟! قال الشافعي: ولا أعلم من الصحابة ولا من التابعين أحداً أُخبر عن رسول الله ﷺ إلا قبل خبره، وانتهى إليه، وأثبت أن ذلك سنّة.
وأخرج الشيخان عن عابس بن ربيعة قال: رأيت عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يُقبّل الحجر -يعني: الحجر الأسود- ويقول: أَعلمُ أنك حجر ما تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يُقَبّلك ما قَبّلتك.
وقال خالد بن أسيد لـ عبد الله بن عمر ﵄: إنك تجد صلاة الحذر وصلاة الخوف في القرآن ولا تجد صلاة السفر في القرآن؟ فقال له ابن عمر ﵄: (يا ابن أخي إن الله بعث إلينا محمداً ﷺ ولا نعلم شيئاً، وإنما نفعل كما رأينا محمداً ﷺ يفعل، وقصر الصلاة في السفر سنة سنها رسول الله ﷺ .
стр. 610
شدة تأدب الصحابة مع النبي ﷺ وتعظيمهم وحبهم له
وقد ثبت عن الصحابة نماذج تدعو إلى الإعجاب في شدة تحرّيهم وطاعتهم لرسول الله ﵌، فهذا عروة بن مسعود وقد بعثته قريش إلى النبي ﷺ وهو في الحديبية كي يجري بعض المفاوضات، فلما رجع إلى قريش قال لهم وهو يصف الصحابة رضوان الله عليهم: أي قومي! والله لقد وفدتُ على الملوك، ووقفتُ على قيصر وكسرى والنجاشي، والله ما رأيت ملكاً قط يعظمه أصحابه كما يعظم أصحاب محمد محمداً ﷺ ؛ والله إن يتنخّم نخامة -يعني: ما تنخم الرسول ﷺ نخامة- إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده -أي: حباً لرسول الله ﷺ وإذا أمرهم ابتدروا أمره-أي: تسابقوا في تنفيذ أمره- وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه -أي: على الماء الذي يتوضأ منه تبركاً به- وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده، ولا يحدّون إليه النظر تعظيماً له.
وهذا من الأدب ألا تُحدّ النظر إلى كبار السن أو العلماء أو أهل الفضل.
وقال عمرو بن العاص ﵁ بعد إسلامه: إنه لم يكن شخص أبغض إلي منه ﷺ فلما أسلمت لم يكن شخص أحب إلي منه ولا أجل في عيني منه، ولو سُئلت أن أصفه لكم لما أطقت؛ لأني لم أكن أملأ عيني منه إجلالاً له ﷺ .
أي: أنه كان يستحي من النبي ﷺ ويعظمه فلا يحد النظر إليه ﵌.
وهناك نماذج أخرى أيضاً مما ينبغي أن نستحضره في هذا الزمان الذي هو زمان غربة الإسلام بين الناس، وغربة أهل الطاعة بين السواد الأعظم من الناس.
стр. 611
مبادرة الصحابة في امتثال ما أُمروا به واجتناب ما نهوا عنه
وحينما نزل تحريم الخمر مر أحد الصحابة على جماعة من المسلمين قد وضعوا الخمر في إناء وهم يشربون، فوقف عليهم وقرأ قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ﴾ [المائدة:٩٠ - ٩١] فالصحابة قالوا: انتهينا انتهينا، فيقول الرجل: وكان بعضهم قد ملأ كأسه وقربه إلى فمه فلما قُرئت عليهم الآية سكبوه، ولا يوجد فيهم أحد قال: أقتنع أولاً ثم بعد ذلك أُنفّذ، كما يتشدق بعض السفهاء في هذا الزمان، فيقول: أقنعني أولاً! نقول له: يكفي أن هذا قول رسول الله ﷺ ، كما قال الزهري رحمه الله تعالى: من الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم.
فقانون العبودية أن نقول: سمعنا وأطعنا.
والآن ترى امرأة تتبرج وتتهتّك، وتطيع الشيطان فيما يأمرها به من محاربة الرحمن ، فإذا أمرتها بالحجاب قالت لك: أقنعوني أولاً! نقول لها: هل سألتِ الشيطان هذا السؤال حينما أمركِ بالتبرج والتهتك؟! لماذا لا يقال: أقنعني إلا في طاعة الله سبحانه؟! فهذا من تلبيس إبليس.
ومن هذه النماذج ما روته عائشة رضي الله تعالى عنها حيث قالت: يرحم الله نساء المهاجرات الأُوَل؛ لما أنزل الله: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور:٣١] شَقَقْن مُرُوطهن فاختمرن بها.
أي: غطّين بها رءوسهن ووجوههن.
وعن صفية بنت شيبة قالت: بينما نحن عند عائشة ﵂، فذكرنا نساء قريش وفضلهن -أي: أخذن يمدحن نساء قريش ويذكرن فضائلهن- فقالت عائشة ﵂: إن لنساء قريش لفضلاً، وإني والله ما رأيت أفضل من نساء الأنصار أشد تصديقاً لكتاب الله، ولا إيماناً بالتنزيل؛ لقد أنزلت سورة النور: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور:٣١] فانقلب رجالهن إليهن -أي: رجع الرجال إلى البيوت- يتلون عليهن ما أنزل الله إليهن فيها -أي: في هذه السورة- ويتلو الرجل على امرأته وابنته وأخته، وعلى كل ذي قرابته، فما منهن امرأة إلا قامت إلى مرطها المرحل فاعتجرت به -أي: فتحجبت به تطبيقاً وإيماناً بما أنزل الله من كتابه- فأصبحن وراء رسول الله ﷺ معتجرات كأن على رءوسهن الغربان -جمع غراب- وإنما شُبّهن بالغربان؛ لأن الغربان سُود، أي: أنّهنّ كُنّ يلبسن أكسية سُود.
وجاء ابن مسعود رضي الله تعالى عنه يوم الجمعة والنبي ﷺ يخطب، فلما دخل من باب المسجد سمع النبي ﷺ يقول: (اجلسوا) فلما سمع هذه الكلمة جلس في مكانه على باب المسجد، وهو لا يدري هل كان النبي ﷺ يخاطبه هو أم غيره؟ لكنه جلس عند سماع الأمر فوراً، فرآه النبي ﷺ فقال له: (تعال يا عبد الله بن مسعود) فحينئذٍ قام ودخل المسجد.
وهذا علي رضي الله تعالى عنه: حينما أعطاه النبي ﷺ الراية لجهاد اليهود في خيبر، قال له: (امشِ ولا تلتفت حتى يفتح الله عليك، فسار علي رضي الله تعالى عنه شيئاً) أي: مشى مسافة قصيرة، ثم توقف؛ لأنه تذكر سؤالاً مهماً: (فصرخ بصوته) أي: رفع صوته؛ حتى يتمكن النبي ﷺ من سماعه؛ لأنه لم يلتفت إليه، بل وجهه إلى الجهة الأخرى: (فلم يلتفت وصرخ بصوته: يا رسول الله! على ماذا أقاتل الناس؟) أي: ما هي الغاية من هذا القتال؟ فمع أنه أراد أن يقول هذا السؤال المهم، إلا أنه لم يلتفت تنفيذاً لأمره ﷺ في قوله: (امش ولا تلتفت حتى يفتح الله عليك) فتحرى عدم الالتفات، وظل مكانه متوجهاً ناحية العدو، ولم يلتفت امتثالاً لأمره ﷺ ، حتى ولو كان الغرض من سؤاله الاستفسار عن أمور تمس الحاجة إليها في إنجاز مهمته هذه.
كذلك لما أمر النبي ﵊ بهجر الثلاثة المخلفين بعد غزوة تبوك، وأتى رسول من ملك الروم وجعل يسأل: من يدلني على كعب بن مالك وصاحبيه؟ من يدلني على كعب بن مالك وصاحبيه؟ فجعلوا يشيرون إليه ولم يتكلموا؛ تنفيذاً لأمر النبي ﷺ بعدم كلامهم؛ لأنه كان قد نهى عن كلامهم، فرفضوا أن يتكلموا ويجيبوا الرسول الرومي بألسنتهم؛ حتى لا يقعوا في مخالفة الأمر بالمقاطعة، وهذا من أعظم التوقير لأمر النبي ﵌.
стр. 612
مبادرة الصحابة إلى الاقتداء بأفعال وأقوال النبي ﷺ
وقال مجاهد: كنا مع ابن عمر ﵄ في سفر، فمر بمكان فحاد عنه، فسئل: لم فعلت ذلك؟ قال: رأيت رسول الله ﷺ فعل هذا ففعلت.
وبلغ أيضاً من حسن اقتدائهم به ﷺ أنهم كانوا يفعلون ما يفعل ويتركون ما يترك دون يعلموا لذلك سبباً، ودون أن يسألوه عن علّته وحكمته؛ لأن المسارعة مزية من مزايا المحبة، فمن أحب أحداً أطاعه في كل ما يأمر به واقتدى به، وهذا قد يحدث في الخير وفي الشر كما ترون كثيراً من الناس يحبون بعض الفُسّاق من الممثلين أو غيرهم، فإذا غير أحدهم في هيئته بأي نوع من التغيير، تجد كل من يحبونه يقتدون به في هذا الأمر؛ لأن هذا يدل على أثر المحبة في هؤلاء الفسقة حتى لو فعلوا بأنفسهم ما فعلوا من تغيير الهيئات، بل حتى لو تشبهوا في فعلهم بالحشرات، كما يسمون بعض الفرق الحشرية البيكز والفوب! ومعنى الفوب: الكلب! والبيكز: الخنافس! فتجد من يقتدون بهم حتى في هذه التفاهات وهذه السخافات حباً في هؤلاء المفسدين في الأرض! فكذلك إذا أحب المؤمنون رسولهم ﷺ -وهم أولى بذلك- فلا ينبغي لومهم ولا عذلهم ولا عتابهم على طاعتهم لرسول الله ﷺ ؛ لأن هذا أثر من آثار المحبة، فمن أحب رسول الله ﷺ فإنه تلقائياً يقتدي به حتى في الأمور التي لا تكون واجبة عليه، أو حتى في الأمور العادية التي ليست سُنّة مؤكدة.
يقول ابن عمر ﵄: اتخذ رسول الله ﷺ خاتماً من ذهب فاتخذ الناس خواتم من ذهب، ثم نبذه النبي ﷺ -يعني: رماه- وقال: (إني لن ألبسه أبداً، فنبذ الناس خواتمهم) ولم يحتج الأمر إلى سؤال ولا أخذ أو ردّ، بل فعل ففعلوا، وترَكَ فتركوا.
وعن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ : (رأى خاتماً من ذهب في يد رجل، فنزعه فطرحه) أي: نزعه من يد الرجل ورماه في الأرض، (وقال: يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في يده؟ فقيل للرجل بعدما ذهب رسول الله ﷺ : خذ خاتمك فانتفع به، قال: لا والله لا آخذه أبداً وقد طرحه رسول الله ﵌.
فانظر إلى شدة الاقتداء والتورع، مع أن هذا الرجل قد أبيح له أن يبيعه وينتفع بثمنه، لكنه لما رأى رسول الله ﷺ نزعه من يده وطرحه في الأرض أبى أن يأخذ شيئاً قد طرحه رسول الله ﷺ .
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (بينما رسول الله ﷺ يصلي بأصحابه إذ خلع نعليه وهو يصلي) وقد كان يصلي في النعلين (فوضعهما عن يساره، فلما رأى القوم ذلك) وهم في الصلاة رأوا النبي ﷺ يخلع نعليه (ألقوا نعالهم، فلما قضى صلاته قال: ما حملكم على إلقائكم نعالكم؟ قالوا: رأيناك ألقيت نعليك، فقال: إن جبريل أخبرني أن فيهما قَذَراً) فتأمل المبادرة في الاقتداء.
ولما قُدّم إليه لحم الضبّ فلم يأكله، توقف خالد بن الوليد عن الأكل وقال له: أحرام هو؟ قال: (لا، ولكني أعافه).
حيث أن النبي ﷺ نشأ في قوم لا يعرفون الضبّ، فهو يعافه من ناحية الطبع؛ لأنه لم يتعوّد عليه.
وصلى رسول الله ﷺ ركعتين من الظهر في مسجده بالمسلمين، ثم أمر أن يتوجه إلى المسجد الحرام فاستدار إليه ودار معه المسلمون! ففي ذلك المجتمع كانت الأشياء تؤخذ بتلقائية؛ لأن هذا رسول الله ﵊ واجبنا طاعته والاقتداء به، وإتيان ما أتاه وترك ما تركه.
стр. 613
الوسطية هي في اتباع النبي ﷺ والفتنة والتطرف في مخالفته
قال الزبير بن بكار: سمعت مالك بن أنس وأتاه رجل فقال: يا أبا عبد الله من أين أُحرِم؟ قال: من ذي الحليفة، من حيث أحرم رسول الله ﷺ ، قال: إني أريد أن أحرم من المسجد من عند القبر، قال: لا تفعل فإني أخشى عليك الفتنة، فقال: وأي فتنة هذه؟! إنما هي أميال أزيدها؟! قال: وأي فتنة أعظم من أن ترى أنك سبقت إلى فضيلة قصّر عنها رسول الله ﷺ ؟! أما سمعت الله يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣].
وبعض الناس قد ينهجون منهج الزهد والتزهيد في اتباع رسول الله ﷺ ، مع وضوح هذه الطريق التي كان عليها الصحابة، من شدة تعظيم أمره صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، بل ليس هذا فحسب! فقضية مثل هذه القضية التي نشير إليها، وهي قضية جر الثياب، سواء القميص الذي يوصف الآن بأنه قميص قصير، لكن أصل كلمة (القميص) كما قال تعالى: ﴿وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ﴾ [يوسف:٢٥] يقصد به: الثوب أو الإزار -وهو غير منتشر الآن هنا- أو السراويل أو نحو هذه الأشياء.
فبعض الناس ليسوا فقط يجرّون الثياب إهمالاًَ لهدي النبي ﷺ أو تهاوناً بسنّته فحسب، بل أيضاً يضحكون ويتغامزون ويتفكّهون إذا رأوا مسلماً يتبع سنة النبي ﷺ ويقصر ثيابه، فتصير كأنها نكتة أو شيء يُذكر للضحك وللفكاهة؛ لأن فلاناً يعتقد أن الدين هو أن يلبس الثياب القصيرة ويحمل السواك! ومن الناس أيضاً من يسمي التمسك بهذه الشعائر الإسلامية تطرفاً! فنقول: الأمر في الحقيقة ليس تطرفاً ولا تزمتاً ولا شيئاً من هذه المصطلحات الشيطانية! ولكن ينبغي إبدال كلمة (التطرف) بقوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ [آل عمران:١٠٣]، فهو ليس تطرفاً، ولكنه اعتصام بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وهو احتماء وتمسك بحبل الله المتين، واسم (الاعتصام) ليس تطرفاً، بل معنى التطرف: الأخذ بأطراف الأمور في أقصى اليمين أو في أقصى اليسار، أي: بالإفراط أو التفريط، هذا هو التطرف، أما هذه الأمة في ظل هذه الشريعة فهي الأمة الوسط.
فالأصل والميزان الذي توزن به الأشياء هو أن كل ما وافق كتاب الله وسنة رسوله فهو الوسط وهو الحق وهو العدل، أما الانحراف عنهما يميناً أو يساراً بالإفراط أو التفريط بالتقصير أو بالغلو؛ فهذا هو التطرف وهو الهلاك، وأما التمسك بكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ فهو الاعتصام بحبل الله، كما قال ﵊: (تركت فيكم ما إن تمسكتم به فلن تضلوا بعدي أبداً: كتاب الله، وسنّتي)، فهذا تمسك بدين الله، وتعظيم لحرمات الله، وتوقير لشعائر الله، واعتصام بحبل الله، ولا يجوز أبداً أن يوصف بالتطرف.
ومصطلح التطرف هم يقولونه على أساس أن ما عليه المجتمع الآن من ضياع وفساد وانحلال -في نظرهم- هو الوسط وهو العدل! فكل من انحرف عنه فهو متطرف، فعري المرأة وتبرجها وتهتكها واختلاطها بالأجانب، والفسق المعروف في المجتمع على الشواطئ وفي النوادي، وغير هذه الأشياء، هذا عندهم هو الوسط والاعتدال! بمعنى أن تعيش كما يعيش أهل زمانك وأن تهلك معهم! أما إذا تمسكت بدينك فأنت متطرف!! إذا امتنعت من مصافحة النساء فأنت متطرف!! إذا فعلت الأشياء التي يُحبها الله فأنت متطرف!! أما الذي يشرب الخمر فلا يوصف بالتطرف!! أما الذي يفعل ما حرم الله جهاراً فهذا غير متطرف!! كذلك مصطلح (الإرهاب) أو (الإرهابيين)، والإرهاب يكون لأعداء الله: ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال:٦٠] وليس المسلمون يرهبون بعضهم بعضاً.
وأيضاً مصطلح (الهوس الديني)! وهذا شيء غير جديد؛ لأن الأنبياء قد رُمُوا بالجنون، كما قال الشاعر: قيل إن الله ذو ولدٍ قيل إن الرسول قد كَهَنا لم يسلم الله والرسول معه من كلام الورى فكيف أنا؟ فلم يسلم الله مِن سبّ المشركين حينما زعموا أنه ذو ولد! أو أنه ثالث ثلاثة! أو أن له بنات وهن الملائكة! ولم يسلم الرسل كذلك: ﴿وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ﴾ [القمر:٩]، ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥]، فهذا شأن الكفار والمعرضين عن شرع الله ، فشأنهم أن يتطاولوا على أهل الحق بهذه المسميات الشيطانية التي ما أنزل الله بها من سلطان، فالحق منحصر في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ولا يخرج عنهما بحال من الأحوال: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ [آل عمران:١٠٣]، فكل من أحيا سنة، أو تمسك بها، وإن خالف كل الناس فهو معتصم بكتاب الله معتصم بحبل الله، وهذا اعتصام وتمسك ومحبة لرسول الله ﵌، كما بينّا من قبل أن المحبة تورث المتابعة، فالمتابعة أثر من آثار المحبة، وهذا شيء طبيعي وموجود حتى بين هؤلاء الفسقة وبين من يسمونهم الجماهير، حتى أنهم يقولون: معبود الجماهير! وهي فعلاً عبادة، فغاية المحبة لا تكون إلا بتمام الانقياد والمذلة والخنوع لهذا الذي يحبونه.
فإذا كان هؤلاء حريصين على الاقتداء بآلهتهم الباطلة؛ فنحن أولى بأن نعبد الله على الطريقة التي شرعها لنا رسول الله ﷺ ، ونحن نعلم ما حدث منذ زمن قريب لأخينا مدحت وردة حينما تمسك بشيء من الشرع في قضية ستر العورة بارتداء الشورت الطويل، حيث ثار عليه القوم وأخذوا ينالون منه، ولو قال لهم: إنه موضة من الموضات، لقالوا: لا بأس به، لكن أن ينسب هذا إلى الإسلام فهذا الذي يستحق أن يحارب! فلما نسب للإسلام عادوه، أما لو كان مثل لاعبي الكرة في أوروبا أو في غيرها، وفعل ما فعل لرحبوا به واقتدوا به وقلدوه تقليد القردة! أما حينما يمتثل الإنسان أمر الله وأمر رسوله ﷺ فلا يُقبل هذا منه أبداً بزعمهم.
وأذكر أن بعض الكُتّاب قد كتب في بعض الجرائد قائلاً: منذ سنوات ظهرت موضة أمريكية لبنطلون شورت ينزل تحت الركبة بقليل، وقد كان اسمه (برمودا) مثل مثلث (برمودا) التي كان جنود أمريكا يلبسون فيها هذا الشورت أثناء الحرب، وقد صار هذا البنطلون موضة في الستينات، وكان أولاد الأغنياء يتباهون به، وينظرون نظرات إشفاق إلى الذين يرتدون الشورت العادي، وكان ثمنه غالياً للغاية، ورغم ذلك كان موضع قبول عند أولاد الأغنياء، كما كان حلم الطبقة الوسطى.
ثم يقول: إذا جاء شاب مصري ولبس هذا البنطلون بدافع الورع، وقال: إن هذا زي يليق بي كمسلم، إن وقع هذا قال الناس: ما هذه السخافة؟! يعني: أنه إن جاءت هذه الألبسة من عند الكفار فإنهم يقتدون بها وينظرون إليها أنها المثل الأعلى، لكن عندما نتمسك نحن بديننا فإننا نلقى هذه الأذية من القوم.
стр. 614
مسائل متفرقة في إسبال الثياب
стр. 615
حكم إسبال الثياب للرجال
إن موضوع طول الإزار أو طول الثياب يحتاج إلى بيانٍ شافٍ لعلنا نأتي على شيء من هذا البيان فيما يلي: إن تكرار كلمة (الإزار) في كثير من الأحاديث النبوية سببه أن ملابس الصحابة في ذلك الزمان كان أغلبها هو الإزار، لكن أصبح لبس الإزار اليوم قليلاً جداً، ومع هذا فالإزار والقميص لهما نفس الحكم؛ لقول ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: (ما قال رسول الله ﷺ في الإزار فهو في القميص) فحكمهما واحد.
وعن الأشعث بن سليم قال: سمعت عمتي -واسمها رهم - تحدث عن عمها -وهو عبيد بن خالد المحاربي - قال: (بينا أنا أمشي بالمدينة إذا إنسان خلفي، يقول: ارفع إزارك)، أي: ارفع إزارك عن الأرض، حيث كان يجر إزاره وثيابه، (ارفع إزارك؛ فإنه أتقى)، وفي رواية أخرى: (فإنه أنقى)، أي: أنقى لهذا الثوب، (فإذا هو رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله إنما هي بردة ملحاء)، وهو كساء مخطط فيه بياض وسواد، والمعنى أنها بردة مبتذلة أو ثوب مبتذل ليس فيه زينة، فجرّها لا يؤدي إلى الخيلاء، (قال: أما لك فيّ أُسوة؟! فنظرتُ، فإذا إزاره إلى نصف ساقيه ﷺ .
وعن سلمة بن الأكوع قال: كان عثمان بن عفان ﵁ يأتزر إلى أنصاف ساقيه، وقال: هكذا كانت إزرة صاحبي، يعني: النبي ﷺ .
إزرة: اسم هيئة على وزن فِعْلة.
والرسول ﵊ كان يقول: (إني أرجو أن أكون أخشاكم لله)، فمن خشيته لله أنه كان يتواضع ويقصر إزاره.
وهناك حد أدنى لثياب المسلم قد حَدّهُ النبي ﵌، فعن ابن عمر ﵄ قال: (دخلت على النبي ﷺ ، وعليّ إزار يتقعقع) أي: كالإزار الجديد، والتقعقع: هو تحريك الشيء اليابس الصلب بصوت، (فقال: من هذا؟ قلت: عبد الله بن عمر، قال: إن كنت عبد الله) أي: العبد المتواضع لله والذليل لله (فارفع إزارك) ولم يسأله: هل أنت فعلته للخيلاء فيحرم؟ أم فعلته بغير خيلاء فيجوز؟ لكن الأمر مطلق كما نلاحظه في أغلب الروايات، قال: (فرفعته، قال: زِدْ، فرفعته حتى بلغ نصف الساق).
فهذا ابن عمر الذي هو من أفاضل الصحابة ومن أتقاهم ﵃، لم يسكت النبي ﷺ عن إرخائه لإزاره، بل أمره أن يرفعه، مما يدل على أن هذا الأدب ليس مقصوداً به النهي عن الخيلاء، ولو رأى النبي ﷺ هؤلاء الذين يطيلون ثيابهم في هذا الزمان لأنكر عليهم من باب أولى.
وعن ابن عمر ﵄ أيضاً قال: (مررتُ على رسول الله ﷺ وفي إزاري استرخاء، فقال: يا عبد الله ارفع إزارك، فرفعتُه، ثم قال: زد، فزدتُ، فما زلت أتحرّاها بعد)، أي: أتحرّى الحدّ الذي حدّهُ النبي ﷺ ، (فقال بعض القوم: إلى أين؟ قال: أنصاف الساقين) يعني: إلى أنصاف الساقين.
وكما سبق في حديث أبي جُريّ جابر بن سُليم، وفيه قول النبي ﷺ له: (وارفع إزارك إلى نصف الساق، فإن أبيت فإلى الكعبين).
إذاً: نصف الساق موضع استحباب، أما المباح والجائز فإلى الكعبين، وهما العظمان الناتئتان في أسفل الساق وأعلى القدم.
ثم قال: (وإياك وإسبال الإزار؛ فإنها من المخِيْلة، وإن الله لا يحب المخِيْلة)، فوضح النبي ﵊ أن أصل الإسبال هو من المخيلة، كما في قوله: (وإياك وإسبال الإزار؛ فإنها من المخيلة) أي: نوع من أنواع المخيلة، والمخيلة قد تكون في خُلُق الإنسان، أو التكبر في مشيته، أو في أي شيء من تصرفاته، ومن هذه التصرفات: إسبال الإزار، فإسبال الإزار هو أحد أعراض مرض المخيلة والكبر والبَطَر.
وعن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه قال: سألت أبا سعيد الخدري ﵁ عن الإزار فقال: على الخبير سقطت، قال رسول الله ﷺ : (إزرة المسلم إلى نصف الساق، ولا حرج -أو لا جناح- فيما بينه وبين الكعبين، وما كان أسفل من الكعبين فهو في النار، قالها ثلاث مرات)، وقال: (من جرّ إزاره بطراً لم ينظر الله إليه).
وعن حذيفة ﵁ قال: (أخذ رسول الله صلى الله ﷺ بعضلة ساقي أو كاحلي، فقال: هذا موضع الإزار، فإن أبَيْت فهذا، ثم أنزل، فقال: فإن أبيت فهذا، ثم طأطأ قبضة أخرى، وقال: فإن أبيت فهذا، حتى وصل إلى الكعبين، فقال: فإن أبيت فلا حق للإزار في الكعبين).
فالمسلم لو أن عنده يقين بهذا التهديد وهذا الوعيد وكان الثوب تحت الكعبين لَشَعَر بالنار تلسعه في عقبه، إذا كان فعلاً يؤمن بهذا الوعيد أن هذا الموضع الذي يغطى بالثوب بعد الكعبين فهو في النار.
وعن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: (الإزار إلى نصف الساق، فلما رأى شدة ذلك على المسلمين قال: إلى الكعبين، لا خير فيما أسفل من ذلك).
فهذه الأحاديث كلها تصرح تصريحاً ظاهراً بأن المسلم يجب عليه أن يرتدي ثياباً لا تزيد في طولها على الكعبين، ويستحب له أن يجعلها إلى أنصاف الساقين، وعاقبة من خالف هذا الأمر هي ما جاء في الأحاديث السابقة، وكذلك في الأحاديث الآتية، فقد روى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار)، وكما ذكرنا أن أغلب لباس الصحابة كان الإزار، فلذلك تكثر كلمة (الإزار) في الأحاديث، وتأتي أحياناً ألفاظ عامة كـ (الثوب) فتعمّ سائر أنواع اللباس على القول الراجح.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إزرة المؤمن إلى عضلة ساقيه، ثم إلى نصف ساقيه، ثم إلى كعبيه، فما كان أسفل من ذلك ففي النار)، يعني: ما زاد من الكعبين فهو في النار.
قوله: (فهو في النار) معناه: أن ما دون الكعبين من قدم صاحبه فهو في النار؛ عقوبة له على فعله، فالمكان الذي يغطى في أسفل الكعبين بالإزار أو نحوه يكون عقابه في النار جزاء لهذا العمل.
стр. 616
حكم إسبال الثياب للنساء
عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة، فقالت أم سلمة ﵂: فكيف يصنع النساء بذيولهن؟ قال: يرخين شبراً) أما بالنسبة للرجل فإن هناك حد واجب يحرم تجاوزه، وحد مستحب، فالمستحب: أن يكون الثوب إلى نصف الساق، أما المباح فهو إلى حد الكعبين، وما زاد عن الكعبين يحرم أن يغطى بالثياب، كما في الحديث: (لا حق للإزار في الكعبين) أما ما فوق الكعبين فهو جائز.
(فقالت: إذاً تنكشف أقدامهن) أي: تنكشف أقدامهن إذا لزمن هذا الحد، (قال: فيرخينه ذراعاً) أي: ابتداء من الكعبين تقيس المرأة ذراعاً فترخيه، وهذا هو الجائز لهن (لا تزيد عليه).
فإذاً: من الخيلاء بالنسبة للمرأة أن تزيد في طول ثوبها على الذراع بعد الكعبين.
وعن أم سلمة ﵂ قالت: (سئل رسول الله ﷺ : كم تجرّ المرأة من ذيلها؟ قال: شبراً، قلت: إذاً تنكشف القدمان! قلت: ذراعاً؟! فقال ﷺ : ذراعاً لا تزيد عليه).
فالنبي ﵊ أذن لهن أن يزدن شبراً بعد الكعبين، ولما قالت له: (إذاً تنكشف القدمان!) أذن لهن في الإرخاء ذراعاً، ولا تزيد على الذراع، فكانت أوامره ﷺ تتوجه إلى الصحابة ﵃ الذين كانوا إذا سمعوا شيئاً بادروا إلى تطبيقه وامتثاله.
فرأت أم سلمة ﵂ أنها لا تستطيع أن تطبق هذا الأمر إلا إذا كشفت عن قدميها، وأم سلمة تعلم يقيناً أنه لا يجوز للمرأة أن تكشف عن قدميها، وتعلم أن النساء لا يجوز لهن أن يقصّرن ثيابهن بحيث تنكشف سوقهن أو أقدامهن، فكأنها خشيت من حصول هذا الأمر، فتأدبت مع النبي ﷺ ، وسألته فقالت: كيف يصنع النساء بذيولهن؟ ولنتأمل مدى حرص المرأة المسلمة على الستر، وهذا نستفيده من هذا الحديث، فلما أذن لهن أن يرخين شبراً، قالت: (إذاً تنكشف أقدامهن)، فإنا لله وإنا إليه راجعون، كم في هذا الزمان من النساء اللاتي هانت عليهن أنفسهن وهن ينتسبن إلى الإسلام، فتجد الرجل يجرجر ثيابه أو قميصه أو سرواله، وتجد النساء قد حسرن هذه الثياب وكلما زاد انحسار الثوب زاد وصفها بالتقدم والتطور وعدم الرجعية والتخلف! الآن يتغطى الرجال وتنكشف النساء! انعكست الأحكام كما انعكست كثير من أحوالنا، يأمر النبي ﷺ بإعفاء اللحى وجز الشوارب فنجد الرجال يطلقون الشوارب ويحلقون اللحى! كذلك نجد النساء يكشفن عوراتهن، والرجال يتسترون ويبالغون حتى يؤدي الأمر إلى مخالفة نهي النبي ﷺ عن الإسبال، وهذا الطول في الثياب أصلاً من شأن النساء.
فهكذا كان الحياء في المؤمنات، ترى الرسول ﵇ في حديث الخطبة يقول للخاطب: (فإن استطعت أن ترى منها ما يدعوك إلى نكاحها فافعل)، فقوله: (إن استطعت) تدل أن هذا أمر شاق؛ لأن المرأة المسلمة لا تجود بما لا يكشفه لكل من شاء، بل هي تبالغ في التستر وفي حفظ نفسها وصيانة عوراتها، كما في الحديث: (المرأة عورة)، فيلزم ستر كل ما يطلق عليه اسم العورة، وفي الحديث: (المرأة عورة فإذا خرجت استشرفها الشيطان).
أيضاً: حينما نتأمل قول النبي ﷺ : (لا تباشر المرأة المرأة فتنعتها لزوجها كأنه يراها)، حيث إن النساء مع بعضهن البعض يكشفن على الأقل ثياب المهنة التي يلبسنها في البيت، فنهى النبي ﷺ أن المرأة ترى المرأة وهي غير محجبة فتذهب إلى زوجها أو قريبها فتصفها له كأنه يراها، فإن هذا من الذنوب العظيمة، ونحن الآن في هذا الزمان لا نحتاج إلى هذه الواسطة؛ فقد هانت المرأة على نفسها، وصارت رخيصة ومهينة، فهي التي تتطوع بعرض نفسها على كل من شاء من نصراني أو يهودي أو كافر أو فاجر، ولا تبالي بمن رآها، ولا تحتاج لامرأة واسطة تراها ثم تنعتها لزوجها، بل هي التي عرضت نفسها، وهانت لكل من شاء أن يراها، والله يقول: ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور:٣١]، فنهى المرأة أن تضرب برجلها ليسمع الناس صوت الخلاخيل في رجلها فيعلمون أنها تلبس الخلاخيل، فإذا كان هذا النهي في هذه الزينة الخفية في الأرجل فكيف الفتنة فيما تعرضه المرأة من وجهها أو سائر عوراتها؟! والله يقول: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر:١٩]، قال المفسرون: (خَائِنَةَ الأَعْيُنِ): أن يكون الرجل في بيت الرجل، فإذا مرّت المرأة، فإن فطن له الحاضرون والجالسون معه غَضّ بصره وتخشّع، فإذا غفلوا عنه نظر إلى من يمر من النساء.
فهذه هي خائنة الأعين، فأين التحرز من خائنة الأعين في زماننا؟ كأن لم يبق لها وجود، فأصبح الرجل يجوز بنسائه وهُن يخالطن الرجال ويجالسنهم، وتحدث المصائب التي لا تخفى على الكثيرين.
ونعرف من الحديث السابق كيف كانت المرأة المسلمة عزيزة في نفسها، وكيف كانت غيرتها على نفسها، فلم تكن كالبضاعة أو كالسلعة التي تعرض للناظرين.
فـ أم سلمة انزعجت لما سمعت هذا الحكم، وهي تعلم يقيناً أن القدم من المرأة عورة، ولا يجوز كشف القدم، فلما سمعت نهي النبي ﷺ الرجال عن الإسبال قالت: (كيف يصنع النساء بذيولهن؟ قال: يرخين شبراً، قال: إذاً تنكشف القدمان! فقال: يرخين ذراعاً ولا يزدن عليه) فأقرها النبي ﷺ على أن قدم المرأة عورة.
يقول الإمام أحمد: كل شيء منها عورة -أي: المرأة- حتى ظفرها.
ومما يدل على ذلك قول النبي ﷺ : (يرخينه ذراعاً ولا يزدن عليه).
فليتق الله أناس يسخرون من المؤمنات الصالحات التقيّات، فيتقدم هؤلاء الناس بين يدي الله ورسوله ﷺ ، ويسخرون من المؤمنة التي تتحرى هذا الحد الذي حده رسول الله ﷺ ، ومشهور عن هؤلاء السفهاء أنهم يقولون في حق المرأة التي تسدل ثيابها: هذه تكنس الشارع بثيابها!! ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ [الكهف:٥] هذا استهزاء وتنكب وتحقير لقول النبي ﵌.
وإذا جاءتهم الموضات من أوروبا وسَنَّها لهم الفساق والفاسقات من بيوت الأزياء أو الممثلات أو أهل الفن فإنهم يقتدون بأولئك ويتناقلون هذه النظم في الثياب بمنتهى الانشراح، أما إذا أتى أمر رسول الله ﷺ فيخذلهم الشيطان، وينطق من أفواههم بهذه الكلمات الفظيعة، بأن يقول: هذه تكنس الشوارع! وهذا الكلام من التقدم بين يدي الله ورسوله، والله يقول: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦]، فينتفي اختيار الإنسان إذا أتى أمر الله وأمر رسوله ﷺ كما كان انقياد الصحابة ﵃ لأوامر النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.
يقول الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: والحاصل أن للرجال حالين -أي: فيما يجوز لهم-: الأول: حال استحباب وهو أن يقتصر بالإزار إلى نصف الساق.
الثاني: حال جواز وهو إلى الكعبين.
ونزيد حالة أخرى وهي حالة تحريمه، وذلك إذا نزل عن الكعبين.
وكذلك للنساء حالان: الأول: حال استحباب وهو الزيادة على ما هو جائز للرجال بقدر الشبر.
الثاني: حال جواز بقدر الذراع.
تقدم الكلام في طول الإزار أو الثوب، وتحريم الزيادة على الكعبين خاص بالرجال فقط، أما طول الثياب بالنسبة للنساء فقد حدّ له النبي ﷺ حداً محدودا ًزائداً على حد ثياب الرجال.
стр. 617
ما جاء في الكبر والخيلاء من الوعيد الشديد
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : (ما نقصت صدقة من مال) هذا الحكم أقسم عليه النبي ﷺ ؛ لأن بعض الناس قد يقصر فهمه، ويضعف يقينه بهذه الأشياء، وإذا بذل من ماله صدقة ربما ظن أنها تنقص هذا المال، فيحلف النبي ﷺ بقول: (ثلاث أُقسم عليهن: ما نقصت صدقة من مال)، فلا يمكن أبداً أن الصدقة تنقص المال.
ثم يقول: (وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً)، مع أن الناس يتصورون أن العفو مذلة ومهانة، لكن يحلف النبي ﷺ على عكس ذلك فيقول: (وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً).
ثم يقول ﷺ : (وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله)، فكلما زدت في مراتب التذلل والخضوع لله والتواضع لعباده رفعك الله، والناس الذين لا يستقون مفاهيمهم من الوحي الشريف لا يستطيعون أن يتصوروا هذا، فيظنون أن التواضع مذلة، لكن الواقع أنه كلما زاد العبد في تواضعه وخضوعه رفعه الله .
والنصوص التي تحذر من الإسبال، وتأمر بالتواضع، وتنهى عن الكبر، ليس معناها -كما يفهم بعض الناس- أن المسلم مطلوب منه أن يظهر بمظهر قذر أو مهين! بل إن الشرع قد حث على النظافة وعلى الاهتمام بالمظهر، لكن بالحد المعقول الذي لا يؤدي إلى المخيلة.
فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من كان له شعر فليكرمه)، أي: من كان له شعر طويل فليكرمه بالدهون بالتنظيف بالطيب بالتسريح ونحوه.
وحث أيضاً على نظافة البدن، كما هو معروف في غسل الجمعة واستعمال الطيب والسواك، ونحو هذه الأشياء.
أما في الثياب ففي الحديث: (رأى النبي ﷺ رجلاً رث الثياب، فقال له: هل لك مال؟ قال: نعم، قال: من أي المال؟ قال: من كل المال أعطاني الله، فقال له ﷺ : فإذا آتاك الله مالاً فليُر أثر نعمة الله عليك وكرامته)، إذاً: تحدث بنعمة الله ، وأظهر هذه النعمة بأن تحسن ثيابك.
وعن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، قال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً ونعله حسناً، فقال ﷺ : إن الله جميل يحب الجمال، الكبر: بطر الحق وغمط الناس) وقال رسول الله ﷺ : (بينما رجل يتبختر في حلة قد أعجبته جُمّته -أي: شعره- وبرداه إذ خسف الله به، فهو يتجلجل، أو قال: يهوي فيها إلى يوم القيامة)، ونحن نؤمن بهذا الحديث؛ لأنه قول النبي ﷺ ، والحديث في أعلى درجات الصحة، فقد رواه البخاري ومسلم.
قوله: (فهو يتجلجل فيها)، أي: بسبب هذا الكبر حتى الآن إلى يوم القيامة لا زال يتجلجل، فكأن له شقاً في الأرض يتجلجل -أي: يندفع بشدة واضطراب- في هذا الشق إلى يوم القيامة؛ لأنه كان معجباً بجمته وقد أسبل إزاره.
والكبر له مظاهر شتى، وليس مَن قصر ثيابه يكون قد برئ من الكبر، فالكبر له أبواب كثيرة.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: يُستنبط من سياق الأحاديث أن التقييد بالجر خرج للغالب، وأن البطر والتبختر مذموم ولو لمن شمّر ثوبه.
قد سبق ذكر الأحاديث في تحريم الإسبال مطلقاً، لكن من فعل ذلك متعمداً، وقاصداً المخيلة والتكبر والتجبر، فهناك أحاديث كثيرة تبين مضاعفة هذا الوعيد.
стр. 618
تعظيم النبي ﷺ لحرمة الإسبال
لنتأمل كيفية تعظيم النبي ﷺ لهذا الأمر؛ لأن مثل هذه المسائل والأمور إذا طرقت بعض الناس فإنهم يهيجون ويصخبون ويموجون، ويقولون: الإسلام ضائع وأنتم تتكلمون في إسبال الإزار! هل تقصير الإزار هو الذي سوف يحرر فلسطين؟! إسبال الإزار سيفعل كذا؟! وهذا من كلام متفيهقة هذا الزمان!! عن
الشريد: (أن النبي ﷺ تبع رجلاً من ثقيف)، أي: رأى رجلاً من ثقيف يمشي، فتبعه (حتى هرول في أثره) يريد أن يلحقه ويدركه، فهرول وجرى في أثر هذا الرجل طالباً إياه (حتى أخذ ثوبه) فلما أدركه أخذ ثوبه حتى يوقفه ويكلمه، فقال: (ارفع إزارك، فكشف الرجل عن ركبتيه)، أي: ليبين له سبب إسباله لإزاره، (فقال: يا رسول الله! إني أحنف، وتصطكّ ركبتاي)، وهذا شيء من خلقة الله في هذا الرجل، فكأنه بإسباله لإزاره يستر ذلك الأمر؛ لأن ركبتيه كانت تصطدم بعضهما في بعض، فقال رسول الله ﷺ : (كل خلق الله حسن) يعني: ما يضرك من ذلك؛ فإن أي صفة من خلق الله فهي تكون على أحسن ما يكون، وهذا مفهوم من المفاهيم الضرورية جداً، ويجب أن نتيقن هذا الأمر، فإن كل خلق الله بأي هيئة فهو حسن كما قال النبي ﷺ ؛ لقوله تعالى: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ [النمل:٨٨]، وقال : ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [غافر:٦٤]، وقال : ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار:٨]، وقال : ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين:٤]، وقوله: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء:٧٠].
ثم يتفاوت الناس بعد ذلك فيما يمنح الله هذا من صفات الجمال أو من الصفات الأخرى، فهذا رزق الله ، وهذا خلق الله مع أنه قد يتفاوت، لكن الأصل أن كل ما يخلقه الله حسن.
فلا يعيب الإنسان خلقاً من خلق الله، فلهذا قال النبي ﷺ لهذا الرجل الذي كان يستحي أن تظهر رجلاه وبهما حنف: (كل خلق الله حسن)، قال الشريد: فلم يُرَ ذلك الرجل إلا وإزاره إلى أنصاف ساقيه حتى مات؛ امتثالاً لأمر النبي ﵌.
فهو قد كان أطال الإزار؛ لأن ساقيه كانتا نحيفتين، وتصطدمان ببعضهما، فظن أن من العار إظهارهما! فإذا كان هذا عذر هذا الرجل فما بالك بمن ليس له مثل هذا العذر؟! وعن عمرو بن فلان الأنصاري قال: (بينما هو يمشي قد أسبل إزاره، إذ لحقه رسول الله ﷺ وقد أخذ بناصيته)، وهذا من الاستنكار والحزن على هذا الأمر، أي: أن الرسول ﵊ أخذ بناصية نفسه، (وهو يقول: اللهم عبدك وابن عبدك وابن أمتك)، يقصد التواضع لله ؛ لأنه رأى هذا الإسبال تكبر ومخيلة، فأراد أن يتواضع، وهذا كان خُلُقه ﵊، حتى إنه لما جاء مكة فاتحاً دخلها مطأطئاً رأسه راكباً على ناقته تواضعاً لله في بداية هذا الفتح المبين، كذلك لمّا رأى هذا الرجل وقد أسبل إزاره علم أن هذا خُلُق المتكبرين، وخلق الاختيال والبطر، فلذلك أقبل وأسرع حتى لحق عمراً ووضع يده على ناصيته وهو يقول: (اللهم عبدك وابن عبدك وابن أمتك) يعني: أنا عبد متوغل في صفة العبودية، فأنا عبدك وابن عبدك وابن أمتك، وكلنا عبيدٌ لك، يعني: يقصد التواضع والتذلل بين يدي لله ، والتبرؤ من هذا الفعل الذي هو من المخيلة.
ففهم عمرو أنه يقصد استنكار ما هو عليه من الإسبال، قال عمرو: (قلت: يا رسول الله! إني رجل حمش الساقين) يعني: دقيق الساقين ورفيعهما، (فقال: يا عمرو! إن الله قد أحسن كل شيء خلقه) وضرب رسول الله ﷺ بأربع أصابع من كفه اليمنى تحت ركبة عمرو، أي: قاس تحت الركبة مسافة أربع أصابع، فقال: (يا عمرو! هذا موضع الإزار) ثم رفعها ووضعها تحت الثانية، فقال: (يا عمرو! هذا موضع الإزار)، فهذا الحديث كالذي قبله، يصعب أن نحمله على الخيلاء؛ لأنه جاء هذا الحديث والذي قبله في صحابيين لم يقصدا الخيلاء، ولكن ذكرا علةً معينة لتغطية ساقيهما، ومع ذلك لم يعذرهما النبي ﷺ ، فهذان الصحابيان كانا بعيدين عن المخيلة، وكان لهما عذر، فلم يعذرهما النبي ﵊، وأمرهما برفع الإزار.
وهناك أحاديث كثيرة في ذم إسبال الثياب، وذم الإسبال يستثنى منه بعض الحالات، مثل النساء كما سيأتي إن شاء الله في الأحاديث، ويستثنى أيضاً من به جرح في الكعبين، فقد يؤذيه الذباب أو شيء من الحشرات، فيجوز له أن يغطي الجرح حتى يشفى منه، فقد أباح العلماء بعض هذا.
стр. 619
الإسبال من كبائر الذنوب
عن أبي ذر ﵁، عن النبي ﷺ قال: (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم)، وعلى هذا: فإن الإسبال من كبائر الذنوب، وليس من الصغائر، قال: (فقرأها رسول الله ﷺ ثلاث مرات)، أي: كرّر هذا الوعيد ثلاث مرات، فحينئذٍ قال أبو ذر: (خابوا وخسروا، من هم يا رسول الله؟ قال: المسبل إزاره، والمنّان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب).
قوله: (المسبل إزاره) أي: إسبال الإزار تحت الكعبين.
وقوله: (والمنّان) أي: الذي يعطي الناس ثم يمنّ عليهم كما قال تعالى: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾ [البقرة:٢٦٣]، فالمنان يتبع عمله الصالح بالمن على الناس وأذيّتهم.
وقوله: (والمنفق سلعته بالحلف الكاذب) أي: الذي يحلف اليمين الغموس ليروّج سلعته، كمن يقول: والله إني خسرت كذا، أو والله إني اشتريتها بكذا.
وهو يعرف أنه كاذب، فيروّج السلعة بالحلف الكاذب، فهذا يمين غموس؛ لأنه يغمسه في النار كما قال ﵊: (الحلف منفقة للسلعة ممحقة للبركة) أي: أنه يكسب مالاً من وراء ذلك، ولكن تنزع منه البركة، ووعيده في الآخرة إذا كان كاذباً كما ورد في حديث أبي ذر.
وعن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ قال: (إن الله لا ينظر إلى مسبل الإزار).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله لا ينظر إلى المسبل يوم القيامة).
стр. 620
ما جاء في الإٍسبال في الصلاة
عن ابن مسعود ﵁ قال: (سمعت رسول الله ﷺ يقول: من أسبل إزاره في صلاته خيلاء فليس من الله في حل ولا حرام).
وأغلب الناس الذين يُخاطَبون في مثل هذا الأمر يعلّلون فعلهم هذا بأنهم لا يقصدون الخيلاء، والحقيقة أن جميع الذين يتتبعون الموضة إنما يقصدون عمداً الخيلاء، وكذا الذين يطيلون ثيابهم بهيئة معينة إنما يقصدون بذلك الخيلاء.
وبالنسبة للحديث السابق: (من أسبل إزاره في صلاته خيلاء فليس من الله في حل ولا حرام) فهذا الوعيد أتى خاصة في الإسبال في الصلاة، وهذا لا يعني أن الإسبال خارج الصلاة ليس فيه وعيد، بل الوعيد متحقق كما في حديث أبي ذر وغيره.
وقد رأى النبي ﷺ رجلاً يصلي وقد أسبل إزاره، فانصرف من صلاته وقال: (اذهب فتوضأ) فذهب فتوضأ، وأتى فصلى، فقال له: (اذهب فتوضأ) ففعل ذلك مرتين أو ثلاثاً، فحينئذٍ علم الرجل أنه فعل شيئاً كبيراً، فقال له: (إنك كنت تصلي وأنت مسبل إزارك) أو كما قال ﵌، وأراد بهذا أن ينبهه؛ لأنه ارتكب شيئاً غير صحيح وهو إسبال الإزار في الصلاة.
وهناك أمر منتشر بين كثير من الشباب، والدافع له غير معروف حتى الآن، وربما فعل أحدهم ذلك فقلّده العشرات، وتلقاه جيل عن جيل، وهو أن البعض يلبس بنطلوناً طويلاً، أي: سروالاً قد أسبله، فإذا أراد الصلاة شمّر هذا البنطلون من أسفل؛ حتى يخرج من الوعيد الوارد في هذا الحديث، ويصلي وهو غير مسبل لسرواله، ونقول لهذا: إنما تخدع نفسك لسببين: أولاً: هذا التصرف فيه كثير من المغالطات؛ لأنك منهيّ عن الإسبال، سواء داخل الصلاة أو خارج الصلاة، فالأصل أن البنطلون أو السروال يكون إلى الكعبين على أقصى مسافة مباحة، وما عدا ذلك فهو غير جائز؛ لأنه من المخيلة.
ثانياً: أنك بهذا الفعل كالمستجير من الرمضاء بالنار! تريد أن تفرّ من الوعيد في حق الذي يصلي وهو مسبل إزاره فتقع في مخالفة نهي النبي ﷺ عن التشمير في الصلاة، حتى أنه في الحديث: (رأى النبي ﷺ رجلاً قد شمر كُمّ ثوبه وهو يصلي، فأتاه فبسط هذا الثوب وحله).
ونهى عن الكف في الصلاة، وهو الضم والتشمير.
فأنت تقع في مخالفة بتشمير طرف البنطلون أو الكُم.
стр. 621
الهيئة المثالية للمسلم هي اتباع سنة النبي ﷺ في لباسه
ينبغي للمسلم أن يمشي بثيابه على الهيئة التي جاءت عن النبي ﷺ ، وعليه أن يتعزى بقول الفضيل بن عياض: الزم طريق الهدى ولا يضرك قلّة السالكين، وإياك وطرق الضلالة ولا تغتر بكثرة الهالكين.
وهذا يبين معنى الغربة، وأن من الغربة أن تعيش بين أناس يسخرون منك أو يضحكون أو يتفكهون بعملك الذي أنت فيه متبع لسنة الرسول ﵌.
وقد جاء في حديث حذيفة: أن النبي ﷺ أخذ بعضلة ساقه، وقال: (هذا موضع الإزار، فإن أبيت فهذا)، وطأطأ قبضة أخرى، ثم قال له: (لا حق للإزار في الكعبين) فلو كان النهي فقط إذا قصد به الخيلاء فلماذا حدد له؟ ولماذا قال له بعد ذلك: (لا حق للإزار في الكعبين)؟! فلو كان المقصود تحريم الإسبال بخيلاء فقط لأباح له أن يطيل، ولكن القصد: إن كنت تفعله خيلاء فلا تفعله، وإن كنت لا تفعله خيلاء فاتركه.
فتحديده لطول الإزار حيث أمسك قبضة الساق وحدّد له الطول، لابد أنه لحكمة وهي أن هذا النهي عام، سواء كان الإسبال لقصد الخيلاء أو بغير خيلاء.
أيضاً في قوله لـ عبد الله بن عمر: (إن كنت عبد الله فارفع إزارك)، فاشترط في عبوديته لله أن يرفع إزاره، ففهم ابن عمر ماذا كان يريد منه النبي ﷺ ، لذلك كان لا يرضى لأحد أن يلبس الثياب التي تزيد في طولها على الكعبين.
стр. 622
اهتمام الصحابة بالأمر برفع الإزار وعدم إسباله
عن زيد بن أسلم قال: أرسلني أبي إلى ابن عمر ﵄ فقلت: أأدخل؟ فعرف صوتي، فقال: أي بني إذا أتيت إلى قوم (فقل: السلام عليكم، فإذا ردوا عليك فقل: أأدخل، ثم رأى ابنه وقد انجر إزاره، فقال: ارفع إزارك فقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: من جر ثوبه من الخيلاء لم ينظر الله إليه)، ولم يسأله عن نيته في إسباله، فدلّ هذا على أن جرّ الإزار في ذاته هو من الخيلاء، حتى لو لم يقصد صاحبه ذلك.
وعن محمد بن زياد قال: سمعت أبا هريرة ﵁، ورأى رجلاً يجر إزاره وكان أبو هريرة في ذلك الوقت أميراً على البحرين، فعندما رأى هذا الرجل يجر إزاره -جعل أبو هريرة يضرب الأرض برجله وهو يقول: جاء الأمير جاء الأمير.
وكان أبو هريرة ﵁ فيه شيء من المزاح الصادق، فكأنه يريد أن يقول: أنا الأمير هنا، فاستمع لما يقول لك الأمير، وليس بقصد التكبر والفخر، بل كان عرف أبي هريرة أن يمزح المزاح اللطيف، فجعل أبو هريرة يضرب الأرض وهو يقول: جاء الأمير جاء الأمير، يعني: نفسه، ثم قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله لا ينظر إلى من يجر إزاره بطراً)، أي: تكبراً وطغياناً.
وعن عمرو بن ميمون أنه حكى قصة مقتل عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، وفي آخر القصة قال: دخل شاب على عمر ﵁، فلما أدبر الشاب إذا إزاره يمس الأرض، قال عمر: ردّوا علي الغلام -مع أن عمر يحتضر ويلفظ أنفاسه الأخيرة- فردوه عليه، قال: يا ابن أخي! ارفع ثوبك فإنه أبقى لثوبك وأتقى لربك.
قوله: (أبقى لثوبك) أي: أنه يتلف عندما يحتك بالأرض كثيراً، وقوله: (أنقى) أي: أنظف؛ فإنه إذا لم يُسبل لا تصيبه الأقذار أو النجاسات، وقوله: (وأتقى لربك) لأن الله يحرم هذا الإسبال.
فتأمل كيف أن عمر ﵁ وهو في أعظم اللحظات لحظة الاحتضار ومفارقة الدنيا إلى الآخرة، ومع ذلك لم يتهاون في هذا الأمر.
وعن ابن مسعود ﵁ أنه رأى أعرابياً يصلي وقد أسبل، فقال: المسبل في الصلاة ليس من الله في حل ولا حرام، ولم يقيّد.
يقول القاضي أبو بكر بن العربي رحمه الله تعالى: لا يجوز للرجل أن يجاوز بثوبه كعبه، ويقول: لا أجُرُّه خيلاء؛ لأن النهي قد تناوله لفظاً، ولا يجوز لمن تناوله لفظاً أن يخالفه إذ صار حكمه أن يقول: لا أمتثله؛ لأن تلك العلة ليست فيّ؛ فإنه دعوى غير مُسلّمة، بل إطالة ذيله دالة على كبره.
والحقيقة أن الإنسان لو قصّر ثيابه فإنه يشعر بالتواضع فعلاً، وإذا أطالها في الغالب فإنها تكون سبباً وعلامة من علامات التكبر، لكن التواضع عند تقصير الثياب أمر يُحسّه الإنسان من نفسه إذا فعل ذلك.
стр. 623
إسبال الإزار عمداً من الخيلاء
قال رسول الله ﷺ : (من جر ثوبه خيلاء)، وهنا كلمة الثوب يقصد بها أيّ ثوب سواء كان سروالاً أو إزاراً أو غيره (لم ينظر الله إليه يوم القيامة، فقال أبو بكر: يا رسول الله! إن أحد شقّي ثوبي يسترخي إلا أن أتعاهد ذلك منه، فقال رسول الله ﷺ : إنك لست تصنع ذلك خيلاء) وهذا الحديث نحن سوف نتكلم عليه إن شاء الله فيما يلي بالتفصيل؛ لأن بعض الناس يأخذون منه أن الإنسان يجوز له أن يطول ثيابه ما لم يقصد بذلك الخيلاء، لكن أين هم من أبي بكر؟ أبو بكر ما كان يقصد ذلك عمداً؛ لأن الثوب أصلاً قصير، كان يضم الإزار بحيث إنه يكون قصيراً، لكن بسبب نحافة أبي بكر كان يسترخي فيتعاهده، ومع ذلك فكلما استرخى كلما رفعه، فهو حريص على عدم جرّ الثوب لكنه يسترخي منه أصلاً من غير قصد.
فهذا فرق بين فعل أبي بكر وبين من يتعمد أن يصنع ثوبه طويلاً، ويقول للخياط مثلاً: اصنعه لي إلى الطول الفلاني، وأبو بكر حريص على تقصير الثوب لكنه يسترخي، ثم هو يتعاهده ويحرص على رفعه حتى ينسدل، فواساه النبي ﷺ بقوله: (إنك لست تصنع ذلك خيلاء).
وعن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: (بينما رجل يجر إزاره من الخيلاء خسف به، فهو يجلجل في الأرض إلى يوم القيامة) وحتى اليوم هذا فإن الرجل لا زال يعاقب بهذا الذنب، سبحان الله هذا أمر عظيم! وقوله: (فهو يتجلجل فيها) أي: كأنه شُقّ له شق في الأرض فهو يسوخ في الأرض مع اضطراب شديد ويندفع، والعياذ بالله، حتى يومنا هذا وإلى يوم القيامة؛ لتكبره.
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (بينما رجل يتبختر يمشي في برديه، قد أعجبته نفسه فخسف الله به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة).
وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (الإسبال في الإزار والقميص والعمامة، من جر منها شيئاً خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (بينما رجل يتبختر في حلة معجب بجمته)، يعني: بشعره وقد أطاله، (إذ خسف الله به فهو يتجلجل، أو قال: يهوي فيها إلى يوم القيامة).
وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (لا ينظر الله إلى من جر ثوبه خيلاء).
كل هذه الأحاديث تدل على أن من تعمد الخيلاء فوعيده أشد ممن لم يتعمد.
وعن هبيب بن مغفل الغفاري: أنه رأى محمداً القرشي قام يجر إزاره، فنظر إليه هبيب وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من وطئه خيلاء وطئه في النار)، ووطء الثوب يكون لمن ثوبه طويل يجرجر وهو يمشي، فإنه لطول الثياب يُداس بالرجل.
هذه الأحاديث وإن كان في بعضها ذكر الإسبال، لكن المقصود الإسبال وما هو فوق الإسبال من التكبر والإعجاب بالنفس، ولا تعارض بينها وبين ما سبق في أحاديث الإسبال، لكن هذه فيها أن الوعيد زائد؛ لأنه بقصد الخيلاء، وأنه يقصد التكبر والتبختر؛ لأن أهل النار ليسوا متساوين في العذاب، فالنار دركات كما إن الجنة درجات.
وعن العباس بن عبد المطلب ﵁ أنه قال للنبي ﷺ : (ما أغنيت عن عمك -يقصد أبا طالب - فإنه كان يحوطك ويغضب لك؟ فقال له النبي ﷺ : هو في ضحضاح من نار ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار).
فهذا يدل على أن النار دركات حسب الذنب الذي قد يوقع فيها، لكنّ أصل الوعيد موجود، مع اختلاف أنواع العذاب.
فالخلاصة: أن جر الإزار إن كان بغير قصد الخيلاء فله عذاب معين، وإن كان بقصد الخيلاء فإن العقوبة أدهى وأمر، والعذاب قد جاء به الوعيد للفريقين، نسأل الله العافية والسلامة، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
стр. 624
وقفة صادقة
إن للتلفاز والفيديو والبث المباشر مخاطر عظيمة جداً، ومن أعظم هذه المخاطر قطع الطريق على التائبين إلى الله، ومن مخاطرها زرع روح الجريمة في نفوس الناس خاصة الشباب، ومن مخاطرها تفكك المجتمعات والأسر.
فعلى المسلمين أن يدركوا مخاطر هذه الآلات، وأن يسعوا جاهدين في إزالة هذه المخاطر، وذلك بالتحذير منها ومن مساوئها.
стр. 625
رحمة الرسول ﷺ بالأمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم! صل وسلم على محمد النبي وأزواجه أمهات المؤمنين وذريته وأهل بيته كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: (بمحلوف رسول الله ﷺ ما أتى على المسلمين شهر خير لهم من رمضان، ولا أتى على المنافقين شهر شر لهم من رمضان، وذلك لما يعد المؤمنون فيه من القوة للعبادة، وما يعد فيه المنافقون من غفلات للناس وعوراتهم، هو غنم للمؤمن يغتنمه الفاجر).
هذا الحديث أخرجه الإمام أحمد، ونسبه ابن حجر إلى صحيح ابن خزيمة، وصححه العلامة أحمد شاكر في تحقيقه للمسند.
وعن أبي هريرة ﵁ من طريق آخر: (أظلكم -يعني: أشرف عليكم وقرب منكم- شهركم هذا، بمحلوف رسول الله ﷺ ما مر بالمؤمنين شهر خير لهم منه، ولا بالمنافقين شهر شر لهم منه، إن الله ليكتب أجره ونوافله من قبل أن يدخله، ويكتب إصره -يعني إثمه وعقوبته- وشقاءه من قبل أن يدخله، وذلك أن المؤمن يعد فيه القوة للعبادة من النفقة، ويعد المنافق اتباع غفلة الناس واتباع عوراتهم، فهو غنم للمؤمن يغتنمه المنافق).
وهذا الحديث رواه الإمام أحمد والبيهقي والطبراني في الأوسط وابن خزيمة في صحيحه، وسكت عنه المنذري، وأورده الهيثمي في المجمع، وقال: رواه أحمد والطبراني في الأوسط عن تميم مولى ابن رمانة ولم أجد من ترجمه.
ولن نطيل في شرح هذا الحديث، لكننا نريد أن نخلص منه بعبارة، هي أن هذا الشهر العظيم الذي اقتربنا منه غنم يغتنمه كلا الفريقين، يغتنمه المؤمن ويغتنمه الفاجر والمنافق.
قال العلماء في شرح اغتنام المنافق والفاجر لشهر رمضان: إن المنافق يستغل انقطاع المسلمين للعبادة في تتبع عوراتهم أو محاولة أذيتهم؛ لأنهم يكونون مشغولين بالعبادة، معتكفين في المساجد، أو مشغولين بالقيام وغير ذلك من الطاعات، فيستغل المنافقون أو الفاجرون هذه الغفلة من المؤمنين بسبب انشغالهم بالعبادة في سرقتهم أو تتبع عوراتهم، كما يحصل منهم في هذا الزمان حينما يستغلون غفلة المصلين أثناء السجود والركوع فيسرقون الأحذية أو أمتعة الناس أو غير ذلك.
والحقيقة أن هذا المعنى الذي أشار إليه هذا الحديث وفسره به العلماء فيما مضى يتضاءل جداً أمام كيفية اغتنام الفاجرين لهذا الشهر الكريم في قطع الطريق إلى الله ، فقطاع الطريق لا يقتصرون على قطع الطريق ليستولوا على الأموال وعلى المتاع، بل الأضر والأسوأ والأقبح الذين يقطعون طريق التائبين إلى الله الذين يمضون إلى الله فيتعرض لهم قطاع الطريق لكي يحرموهم هذه الفرصة العظيمة التي هي شهر رمضان المبارك.
стр. 626
التحذير من قطاع الطريق إلى الله
إن حديثنا سيكون حول توعية المسلمين بأخطر قاطع طريق، وهو الذي يقطع الطريق على المسلمين الذين يتوبون إلى الله ويريدون أن يرحلوا إلى سعادة الدنيا وسعادة الآخرة ويهاجروا إلى الله ورسوله.
ونحن حينما نجتهد في أن نبين حكم الشرع في مثل هذه الفتن المتلاطمة وهذه القضايا الخطيرة، وحينما نقدم على حكم الشرع الشريف فإننا على ثقة وعلم أنه يريد بنا الخير ويريد رحمتنا، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨].
فلذلك لا نتصور -كما يريد أعداؤنا أن نتصوره- أن حكم الشرع تضييق وحجر وتحجير وتعنت وتطرف إلى آخر هذه المصطلحات، لكننا نثق بأن حكم الله هو الخير لنا في الدنيا وفي الآخرة، ونستحضر قول النبي ﵌: (إنما مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد ناراً فجعل الجنادب والفراش يقعن فيه، فأخذ يذبهن بيده، وأنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تفلتون من يدي).
فما أصدق هذا الحديث في تصويره حقيقة موقفنا مع رسول الله ﷺ وموقفه منا، وحرصه علينا وهو الرءوف الرحيم ﵌! فالجنادب والفراش والدواب التي تطير تتصور أنها في مكان مظلم، وحينما ترى النار تتخيل أنها كوة تستطيع أن تخرج منها إلى الضياء وإلى النور، فتقتحم هذه الأضواء بشدة وهي لا تدرك أن في ذلك حتفها وهلاكها وإحراقها.
كذلك هؤلاء العصاة الذين لا ينصتون لتحذيرات الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى ﵌، وهو يخاف ويشفق على هؤلاء العصاة فيذبهم ويدفعهم عن أن ينجذبوا نحو النار ونحو الشهوات التي حفت بها النيران، وهم لا يتفكرون ولا يلمحون عواقب هذه المعاصي.
فالرسول ﵊ يحاول غاية جهده أن يصرفنا عن الهلكة، وإذا هلك واحد منا فبسبب أنه تفلت من يده ﷺ .
فقوله: (وأنا آخذ بحجزكم عن النار) الحجزة هي مقعد الإزار أو السراويل في وسط الجسم، فهو يمسك المرء حتى لا يقع في النار.
قوله: (وأنتم تفلتون من يدي) أي: أنا أحاول إنقاذكم ولكنكم تصرون على أن تجتذبكم هذه المهلكات.
وقد كان رسول الله ﵌ يدعو الله ﵎ فيقول: (وأسألك العزيمة على الرشد) يعني: أسألك أن ترزقني الإرادة الصادقة والجازمة على أن أختار طريق الرشاد وأتجنب طريق المهالك.
فمن منن الله على العبد أن يرزقه العزيمة على الرشد، فعلى المسلم أن ينوي المسلم الاستعداد لهذا الشهر الكريم، وأن ينوي أن يعمره بطاعة الله ، ويعزم على أن يرشد أمره في هذا الموسم الذي هو أعظم مواسم الخيرات على الإطلاق في السنة كلها.
فإذا كان قطاع الطريق إلى الله يستعدون لرمضان بالفوازير والمسلسلات والأفلام والسهرات الرمضانية وغير ذلك من هذه السفاهات، حتى طلاب الدنيا من التجار وغيرهم يستعدون بطريقتهم الخاصة لاستقبال رمضان، فلا ينبغي أن يقصر عباد الرحمن وأولياء الله عن أمثال هؤلاء في الاستعداد لاغتنام هذه الفرصة العظيمة إلى أقصى حد ممكن، ولما كانت القاعدة أن درء المضار مقدم على جلب المنافع، وأن الدفع أسهل من الرفع فمن أجل ذلك نستعد لرمضان ابتداء.
لكننا نقدم التحذير من هذا العدو قاطع الطريق إلى الله ، الذي أصاب أغلب الديار شؤمه، ونقدم لذلك بهذه المقدمة فنقول: إن الأرض إذا مادت تحت أقدام الناس بالزلازل فإنه يصيب الناس الهلع والفزع والخوف والجزع، فلا تجد واحداً من هؤلاء الذين تموج بهم الأرض يستطيع أن يحدد موقفه ولا مصيره؛ لأن الجميع يكونون مأخوذين بدهشة المفاجأة، فلا يوجد لأحد فرصة أن يسأل غيره عما يفعل، بل لا يخطر في بال أحد أصلاً أن يسأل غيره.
إن العين التي تستطيع أن تسجل هذه الحركة بصدق وبموضوعية يجب أن تكون خارجة عن تأثير هذا المجال، ولا يستطيع أن يصف حال هؤلاء الناس إلا شخص واحد فقط، هو المتحرر من تأثيرهم، بحيث يراهم من بعيد دون أن يتعرض لنفس المؤثر، فهذا هو الذي يستطيع أن يعطينا تصويراً صادقاً ويصف حال هؤلاء الناس حينما تميد بهم الأرض، فيجب أن يكون في وضع معزول تماماً عن تأثيرهم.
ويبدو أن هناك عقلاً وضع وصنع قصة جحا حينما كان يقطع الغصن وهو جالس على فرع الشجرة من الجهة الخارجية، وظل يقطع هذا الغصن، وهذه القصة تعطينا صورة فقدان الوعي الذي يصاحب مثل هذه الحركة ومثل هذا التصرف، فـ جحا يقف على طرف غصن يعمل هو في قطعه من الجهة الخارجية دون أن ينتبه إلى حتمية السقوط الذي سيصير إليه، فمر به رجل ونبهه إلى هذا المصير قائلاً: احذر! فأنت بعد قليل سوف تسقط إذا تماديت في عملك.
فإذا به يلاقي هذا المصير الذي تنبأ به هذا الرجل، وبعدما سقط أخذ يعدو خلف هذا الرجل يسأله: كيف عرفت أنني سأقع؟! فأي إنسان خارج عن التأثير يستطيع أن يرى الصورة بصدق، وهذه الصورة تمثل بصدق واقع المسلمين اليوم الذين وقعوا تحت طائلة الأسر (التلفزيوني) الفتاك، والذين سقطوا ضحية إدمان الفيديو الفتان في اندفاعهم المحموم وراء أئمة الفتنة والضلال، فهذا واقع لا يتاح التخلص منه إلا للإنسان الذي استطاع أن يعزل نفسه عن مؤثراته ضمن حصانة من الفكر المزود بمقاييس الطوارئ.
يرى المؤمن هذا الواقع الذي تعيشه هذه الأسر الأسيرة التي قد ألقت بزمامها إلى التيار يقذف بها حيث اتجه وسار، دون أن تفكر في المقاومة، وأصبحت كل الطاقات المجنونة موجهة للاندفاع الأعمى وراء هذا التيار، كحالة الدفع في محرك السيارة لا عمل لها إلا الدفع، تدفع وتدفع وتدفع، لكن هذا الاندفاع إذا استمر بلا ضابط ولا زمام فإنه يقود إلى الهاوية، فالناس صاروا كالريشة في مهب الرياح، فهم كالغثاء عند نزول الكوارث، ولا رأي لخواصهم فيما يراد منهم ولا لعوامهم فيما يراد بهم.
стр. 627
خطورة اقتناء جهاز التلفاز وتهافت المسلمين على ذلك
للأسف الشديد أن هذه المحنة التي تشيع فينا لا توجد سلطة في أي دولة في العالم مهما بلغ جبروتها وطغيانها تجبر الناس على أن يقتنوا جهازها، فالظلم يقع من الناس لأنفسهم لا ممن يرعاهم فحسب، وكثير من الناس ينسبون ما يحصل بنا في هذه الأيام من الكوارث والبلايا إلى الشؤم من شخص معين أو من عهد معين، والحقيقة أنه لا شؤم ولا طيرة، ولكن الفتنة ليست من هؤلاء الظالمين فحسب، ولكن الأمر كما يقول ﵎: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام:١٢٩] أي: كذلك نولي بعض الظالمين على بعض.
وعبر السلف عن ذلك بقولهم: أعمالكم عمالكم.
إذاً: الكوارث تترى بين وقت وآخر، والنذر تتوالى، والعقوبات مطردة كلها بلايا وكوارث، فما السبب فيها؟ ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران:١٦٥].
فهذا كله من شؤم معاصينا وتفريطنا.
ثم إن هناك من يعترضون على من يقولون: هذه الكوارث بسبب المعاصي فيقولون: أين هي المعاصي؟! أليس يحصل في اليابان وفي غيرها كوارث لأنهم كفرة ومشركون، فهم أولى بأن تحصل عندهم زلازل.
ولا نقول كما قال الشاعر الفاطمي: ما زلزلت مصر لظلم ألم بها لكنها رقصت من عدلكم طربا لكن في نفس الوقت -أيضاً- لا نقول بنظرة الشؤم، وإن كان شؤم معاصينا يعمنا أجمعين، كما قال : ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال:٢٥].
يقول الشاعر: فبذنوبنا دامت بليتنا والله يكشفها إذا تبنا.
فالمؤلم أن الناس ليسو في حالة غفلة فقط، بل في حالة رغبة محمومة وأكيدة، بحيث إنهم يتصورون إنَّ هذه الوسائل كالماء والهواء، وإذا سمع الواحد منهم عن رجل قد طهر بيته من دنس هذا الجهاز يقول: كيف يعيش؟! كيف يطيق الحياة؟! هل يمكن أن يعيش إنسان بدون هذا القوت الضروري الذي صار عندهم كالماء والهواء؟! إن قصتنا مع هذا الجهاز تشبه الفريق الذي أراد أن يحدث خرقاً في السفينة كي لا يزعج من فوقه إذا أراد أن يأتي بالماء من أعلى، فلو تركوه هلكوا أجمعين، ولو أخذوا على يديه نجوا أجمعين، فهذا هو غرضنا من تناول هذه الفتنة الفتاكة والفتانة.
ولا شك أن أخطر أنواع العقوبة هي عقوبة الاستدراج التي يسلطها الله على العباد، ومن الاستدراج أن يسلط عليهم الغفلة، قال : ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة:٦٧] وقال سبحانه: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر:١٩] لأن هذا الذي نسي نفسه لم يسع في فكاكها، ولم يسع في خلاصها، بل يرى أنه إذا استطاع أن يعيش حياته بالطول وبالعرض دون أن يضع في حسبانه مصيره الذي ينتظره في الآخرة فإن ذلك شطارة ومكسب حققه.
فالحقيقة أن بداية النجاة هي الشعور بالخوف تماماً، كالإنسان الذي يمس قدَمَه دبوس أو نار أو شيء ملتهب، فإذا كانت الأعصاب سليمة وعنده إحساس فبسرعة يبعد أعضاء جسمه عن هذا الخطر الذي يؤذيه، أما إذا فقد الإحساس كمريض السكر -مثلاً- الذي وصل به الحد إلى فقد الإحساس في قدمه فما أسهل أن تؤذى قدمه بهذه الأشياء وهو لا يشعر، وقد لا يفيق إلا بعد فوات الأوان.
فهذا فيما يتعلق بمظاهر هذا الإدمان الذي وصلنا إليه.
стр. 628
موقف العلمانيين من خطر التلفاز
هذه القضية تتناول بطرق شتى، فنحن نسمع ونقرأ في كثير من المباحث هذه الأيام ومن قبل هذه الأيام، في بلادنا وفي غير بلادنا أن كثيراً من الناس يشتكون من التلفاز وأثره على الأخلاق وغير ذلك، لكن أغلب هؤلاء الذين يتباكون من التلفاز ومشاكله في بعض البلاد التي مازال فيها ما يسمى بالوطنية يتباكون على الوطنية والقيم الوطنية، وأحياناً يتباكون على اللغة القومية، وبعضهم يحذر من خطورة الاستهلاك الاقتصادي، وهذا في الحقيقة تناول علماني لهذه القضية الخطيرة، فهو يركز على مخاطرها على الدنيا دون أن يعطيها حجمها الحقيقي وهو خطرها على الدين، فبدل أن تكون القضية قضية حلال وحرام، وصلاح وفساد، وكفر وإيمان، وولاء وبراء، تصير القضية عندهم اللغة والقومية، والتقاليد القومية والوطنية، والهوية القومية، وغير ذلك من الاعتبارات التي تظهر التناول العلماني للقضية.
стр. 629
موقف المسلمين من خطر التلفاز وغيره من وسائل الإعلام
ومما يؤسف له -أيضاً- أننا وصلنا إلى زمان أصبحنا فيه في تعاملنا مع هذه السهام المحرقة التي نرمى بها بين وقت وآخر مجرد مدافعين، وكان الأولى وقد سخر الله هذه الأجهزة الخطيرة مثل الفيديو أو التلفاز أو الكمبيوتر أو الشبكة الدولية (الإنترنت) وغير ذلك من هذه الطاقات العظيمة جداً، كان الواجب الأصلي على المسلمين أن يسعوا إلى إيجاد البث الإسلامي الذي يحمل هداية الإسلام إلى البشرية الظامئة إلى نور الهداية المحمدية.
كان هذا هو الموقع اللائق بهذه الأمة، أن تكون هي التي توجه وهي التي تستثمر مثل هذه الطاقات العظيمة، وبما أننا لم نغزوا فقد غزينا في عقر دارنا بالبث المباشر بكل أنواعه، فالمؤسف في القضية أننا نحن -المسلمين- مضطرون إزاء كثافة الحملة على الإسلام وعلى قيم ومفاهيم الإسلام لأن نقف أمام هذه الأجهزة التي لا نملك إلا مجرد الدفاع السلبي نحوها، كالناظرين الذين يقبعون في هامش الحياة عالة على الأمم، فنقتصر على الدفاع لأننا فقدنا زمام المبادرة.
стр. 630
مخاطر التلفاز
إن بعض الناس غابت عنهم مخاطر هذا الجهاز ومساوئه، وبعضهم اعترفوا بالسلبيات، لكن نظروا إليها بمنظار مصغر عن حقيقتها فحقروها، فمن أجل ذلك كانت هذه الوقفة الصادقة مع النفس، نراجعها ونقلب أبصارنا وبصائرنا في محاسن هذا الجهاز وفي مساوئه؛ لأننا إذا فعلنا سنقرر بالفعل أن للفيديو والتلفاز وغيرهما نفعاً ما، ولكننا فوراً نتذكر قوله تعالى في شقيقيهما الخمر والميسر: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة:٢١٩] فهذه المنافع المزعومة ضخمت وأريد لها الظهور فروج لها، وأخفيت المثالب على خطورتها وكثرتها فلا تكاد تذكر.
فهذا الموضوع سنتناوله إن شاء الله ولن نفصل فيه، بل نحاول أن لا نضيع الوقت في ذكر المزايا؛ لأن المزايا يدركها كل الناس، ويتعاملون مع الجهاز تعاملا ًمباشراً، فليس الجهاز في حاجة إلى زيادة تلميع أو ترغيب، إنما هدفنا كشف ما فيه من المخاطر، لعل الله ينبه الغافلين، ومن باب قوله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات:٥٥].
ثم إن من يريد أن يعالج مثل هذا الداء ينبغي عليه أن يقابل العلة بما يضادها لا بما يزيدها، فإذا كان الله قد قال: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى:٩] فإنه بين في آية أخرى أن الذكرى إنما تنفع المؤمنين.
فأول ما نذكر به المؤمنين آية من كتاب ربنا العظيم لو فقهت معناها قلوبنا لرأيتها خاشعة متصدعة من خشية الله، وإذا استيقظت ضمائرنا فلعل قشعريرة الرهبة تسري في أوصالنا ورعشة الهيبة تهز أعماقنا، إنها قول ربنا جل وعز: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:٣٦] هذا هو أول ما نصدر به هذه التذكرة وهذه الذكرى، فإذا تخيلت أن نعمة السمع ونعمة البصر ونعمة القلب سوف تسأل عنها أمام الله فيم استعملتها فما جوابك؟! ومعلوم أن شكر النعم يكون بثلاثة أشياء: بالاعتراف بها باطناً، وبالتحدث بها ظاهراً، وبتسليطها في طاعة ومرضاة مسديها والمنعم بها الله ، هذا هو شكر النعمة.
وإذا سألنا أنفسنا عن كل الذين يعصون الله من العصاة والفاسقين فما هي الآلات التي يستعملونها في المعصية؟! ما هي إلا نعم الله ، فأعظم بحلم الله ! يعطينا هذه النعم ثم نحاربه بها ولا يعجل لنا العقوبة.
تخيل لو كان عندك عامل أو خادم كلما أمرته بشيء عصاك، ويستعمل ما أنعمت عليه في أذيتك وفي محاربتك ومبارزتك بالمخالفة، فماذا ستفعل به؟ هل تطيق أن تتحمله أو أنك ستطرده من العمل فوراً؟! تأمل هذا الكم من العصاة، وهذا الكم من المسرفين على أنفسهم، وتأمل -أيضاً- حلم الله الذي لا يعاجلهم العقوبة عسى أن يتوبوا وعسى أن يستعتبوا، والله قد ذكر هذا المعنى فقال في الحديث القدسي: (أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما الذي يقول: مطرنا بفضل الله وبرحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما الذي يقول: مطرنا بنوء كذا ونوء كذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب) فهذا نسب النعمة إلى غير معطيها، وكذلك قال الله في الآية الكريمة: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة:٨٢] يعني: نحن نرزقكم النعم ونفيض عليكم الرزق والعطايا، ثم أنتم تجعلون شكر هذا الرزق أنكم تكذبون رسولي ﵊ إذ أرسلته إليكم.
وقد عبر بعض الشعراء عن هذا المعنى بقوله: أنالك رزقه لتقوم فيه بطاعته وتشكر بعض حقه فلم تشكر لنعمته ولكن قويت على معاصيه برزقه إذاً: نتأمل هذا الجهاز التي يستعمل فيه أساساً نعمة السمع والبصر والفؤاد، فإذا نظرنا إلى واقع المسلمين فستجد أنهم ينظرون إلى هذه المناظر المنحرفة المخزية.
فنقول للواحد منهم: لو أن الرسول ﵊ طرق بابك وأنت جالس أمام الفيلم أو أمام المسرحية أو الأغنية هل سيفرح بك وبانتمائك لأمته، أم أنك تشعر بالعار وبالخزي وتحاول أن تستر المصيبة التي تجهر بها ولا تبالي بها؟! ألا يقدر الله على أن يخطف أبصار هؤلاء الذين ينظرون إلى ما حرم الله ويرتكبون معصية زنا العين كما قال ﵊؟! هل يأمنون نزول عذاب الله بهم بياتاً أو هم قائلون في حال غفلتهم؟! نعود إلى الآية الكريمة (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا) فما ألصق هذه الآية بموضوعنا؛ لأن النعمة التي تستعمل في التعامل مع هذا الجهاز هي السمع والبصر.
وفي الحقيقة أن التلفاز هو أخطر جهاز إعلامي؛ لأنه يخاطب العين والأذن والقلب، يخاطب بالصوت وبالصورة وبالحركة، وبعض الناس يقولون: الإنسان يحصل على المعلومات عن طريق النظر بنسبة (٩٠%) وعن طريق السمع بنسبة (٨%) وأيضاً العين تجذبها الحركة أكثر من أن يجذبها أي شيء آخر.
فهذا الجهاز هو أخطر أجهزة الإعلام وأخطر أجهزة الثقافة والتربية من حيث التأثير؛ لأنه ليس مجرد أفكار معنوية يقرؤها الإنسان في كتاب أو يسمعها من مذياع، بل هو واقع حي يعيش أمام هذا المشاهد، ولذلك فإن تأثير هذه الأشياء لا يقتصر على الأفكار النظرية كما هو تأثير المؤلفات، وإنما ينطبع بصورة أشد على سلوكنا ومظاهرنا؛ فإن أفكاره تترسخ في النفوس أكثر؛ لأنها تظهر حقيقة معاشة وليست مجرد خواطر نقرؤها.
وعن طريق التلفزيون دخلت السينما إلى بيوتنا، وقد كان الناس يتكلفون في الخروج إلى السينما، أما الآن فقد انتقلت إلى داخل البيوت، ونقلت إلينا الشواطئ والحانات والخمارات ومجالس الفسوق والكفر والعصيان عن طريق التلفاز.
يقول بعض الباحثين في كتاب (الناس على دين إذاعاتهم): كان الناس قديماً على دين ملوكهم، كانوا يلتقون بهم في الأسواق وفي الأعياد وفي المساجد، كانوا يحتكون بهم ويتطلعون إليهم كقدوة فيتأثرون بهم، ولكن في العصر الحديث تنازع السيطرة على الناس زعماء الأحزاب وقادة الرأي من الكتاب والساسة والجرائد اليومية، ثم جاءت الإذاعة فتسللت إلى الناس كوسوسة الشيطان، واستحوذت على الآذان، والتفوا حولها، وما لبث أن جاء التلفزيون فاستولى على أفراد الأسرة، فضعف تأثير الأب، بل صار التلفزيون هو الأم المؤثرة في الأسرة، وأصبح الناس على دين هذه الأم.
لقد تولى بالفعل التلفزيون أمور التربية وشئونها، ولم ينتزع زمام الأسرة من الأبوين فحسب، بل انتزعه من المدرسة، وجاء بعده ما سانده وساعده على أداء مهمته وهو الفيديو، وهو ابنه البار الذي -بلا شك- يصعب التحكم فيه؛ لأنه يعتبر وسيلة غير موجهة أو غير متحكم فيها؛ لأن طابعه الدكتاتوري أشد من طابع التلفزيون؛ لأن مادته تأتي في الخفاء سراً دون رقابة، ثم إنه لا يرتبط بنوعية معينة من البرامج، أو مواعيد محددة من الساعات، ولا يبقى رقيب على الشخص بعد الله إلا الوازع الإيماني في قلبه إن وجد.
ثم بعد ذلك يأتي البث المباشر وما يتلوه من قفزات، فجعلت بالفعل قنوات التلفاز في العالم كله عند أطراف أصابع الإنسان العادي، حتى إنه لا يتكلف أن يقوم من الفراش كي يشغل الجهاز، وإنما يتحكم به على بعد وهو جالس يطوف العالم كله، وهذا هو الخطر الحقيقي، لقد انعقدت ألويته فوق رءوسنا يبغي إخراجنا من ملتنا وتعبيدنا لغير الله ، أو استذلالنا واستعبادنا لنمشي في موكب الرذيلة مع القافلة إلى الهاوية.
стр. 631
سبب تسابق الغربيين على نقل البث المباشر إلى ديار المسلمين
لماذا يتسابق على رءوسنا أو على عقولنا هؤلاء الغربيون حينما يتصدقون علينا وعلى البلاد الإسلامية بمنحة البث المباشر وتدعيم أجهزة البث المباشر؟! هل هذا لوجه الله؟! وهل يريدون بنا خيراً؟! لا، وإنما يعرفون أن هذا أخطر بكثير من الغزو العسكري بلا شك.
إن المقصود من ذلك كله هو تدمير شباب الأمة، وشغلهم بالشهوات والمفاسد والأفكار المسمومة.
إن شعوب الغرب معروف ما عندها من الوعي السياسي، فإذا كانت الحكومات تدفع الملايين من أجل تدعيم البث المباشر وتقديمه ليصل إلى بيوت المسلمين، فهل كان رعاياها الذين يعلمون أن هذه الميزانية تقتطع من الضرائب التي تؤخذ منهم سيسكتون أن يسكتوا لو كان في ذلك نوع من الإحسان إلى المسلمين؟! لا، لكن عرفوا أن هذه لها أشد التأثير في إضعاف المسلمين.
стр. 632
الانفصام بين ديانة بعض المسلمين وواقع أعمالهم
إن من المسلمين من يرحب بالبث المباشر وسرعة إدخاله بحيث يصل إلى كل بيت دون حاجة إلى الأطباق المعروفة فرحين ومهللين ويقولون: نحن سننفتح على العالم وكذا وكذا.
وهذا يذكرني بقول الله : ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأحقاف:٢٤ - ٢٥].
هناك شبه كثيرة عند هؤلاء الذين يرحبون بهذه النيران التي لا تبقي على أخضر ولا على يابس، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فنحن لا نعجب إذا رأينا في زماننا قوماً حرموا من نعمة الهداية، فمنهم من أشرب في قلبه حب عبادة الأبقار، والتفاني في سبيل الانتصار لها بالروح والدم، حتى إن غاندي ظل يقارن بين أمه وبين البقرة التي يعبدها من دون الله ففضلها على أمه! وليس بعد الكفر ذنب.
فالناس وصلوا إلى هذا المستوى من الانحطاط الفكري والعقائدي والشرك بحيث عبدوا البقر.
وحكى بعض الناس أنه رأى معابد من الرخام الأبيض في بلاد شرق آسيا في منتهى الفخامة يعبد فيها الفئران، وحكى بعض الإخوة أنه رأى بعض الناس في مناطق من شرق آسيا من شدة تعظيمهم للفئران أن أحدهم يأكل والفأر يصعد على رأسه وعلى كتفه ولا يستطيع أن يؤذيه؛ لأن هذا إلهه في نظره.
فهل نعجب حينما نرى أمثال هؤلاء الناس في الشرق أو إخوانهم في الغرب ممن انتكسوا وارتكسوا وصاروا في مستوى أقل من البهائم والعجماوات في أخلاقهم وعقائدهم وأفكارهم؟! هل نعجب من أن هؤلاء يقعون بالمرة في حمأة التلفزيون والفيديو وهذه الرذائل؟! هذا لا يستغرب؛ لأن الشيء من معدنه لا يستغرب، فهؤلاء أولى الناس بهذه المهالك وهذه المآسي.
لكن العجب الذي لا ينقضي منه العجب أن نرى مسلمين حنفاء موحدين يشربون في قلوبهم حب التلفزيون والفيديو! تجد المسلم يجلس ويرى هذه المناظر القبيحة أمام بناته وأمام زوجته وأمام أبنائه ولا يتحرك ولا يبالي، وصار الشيء كأنه أمر عادي جداً، لا إحساس ولا غيرة ولا حياء، فكيف يستوي المسلم الذي يؤمن بالآخرة ويخشى حساب الله في الآخرة مع هؤلاء الملاحدة؟! إذاً: نحن لا نستغرب أن يقع من هؤلاء الكفار في الشرق أو في الغرب أو في الشمال أو في الجنوب مثل هذا الإسفاف وهذا الانحلال، هذا لا يستغرب؛ لأن هذا ثمرة خبيثة من ثمار عقائدهم الفاسدة وانحرافهم عن منهج الله ، ولذلك قال تعالى: ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ [الأنعام:١١٣] لأنهم لا يؤمنون بالآخرة، ولذلك خصهم بنفي الإيمان بالآخرة؛ لأن الأيمان بالآخرة ينعكس في سلوك الإنسان، أما هؤلاء فلا نستغرب من أفعالهم؛ لأنهم لا يؤمنون بالآخرة.
والحقيقة أن مما يتألم منه المسلم الحق أشد الألم ويشعر بالخزي ويشعر بالهوان ما يتكرر على أسماعنا بين وقت وآخر أن أختاً أسلمت، وقالت: أريد أن أهاجر إلى بلاد المسلمين حيث العلم وحيث الشريعة وحيث الالتزام بالدين، ثم يأتي أمثالها ويصدمون بالواقع الذي نحن عليه، فمنهم كما حكى لي ذلك بنفسه الأخ يوسف إسلام المغني الشهير الذي كان يسمى قبل إسلامه كات ستيفن وهو مطرب إنجليزي مشهور، حكى لي أنه أتى إلى مصر ليفزع إلى بلاد المسلمين ويجد البيئة الإسلامية والأحلام التي يتخيلها، فبمجرد أن نزل القاهرة ورأى الفساد في الشوارع، ورأى الانحلال والبعد عن الدين فزع إلى بريطانيا وقال: إن ديني في بريطانيا أقوى من تواجدي هنا.
لأنه يحاصر نفسه مع طائفة من إخوانه المتدينين الذين ما زالت عندهم طاعة الله أقوى من هؤلاء الذين ينتسبون إلى الإسلام انتساباً اسمياً أو جغرافياً.
стр. 633
أسباب عدم الإحساس بخطر المعاصي والذنوب
لماذا نحن لا نحس بذلك الإحساس؟! لأنه حصل تعايش سلمي بيننا وبين المعاصي، حصل المصطلح السياسي الجديد الذي يسمى التطبيع، ليس التطبيع مع الخنازير والقردة، بل التطبيع مع قطاع الطريق إلى الله .
صارت عادة طبيعية أن يجلس الأب والبنات والأولاد أمام التلفزيون ليعطيهم دروساً خصوصية في كل أنواع الفساد، يصحب الأولاد إلى أماكن الإدمان، يصحبهم إلى عصابات السرقة والقتل والفساد الخلقي، فهل هذا هو الواقع الذي نعيشه الآن أم أننا نكذب ونفتري؟ فنحن لا نحس بخطورة الحد الذي وصلنا إليه مثل جحا الذي كان يقطع فرع الشجرة ولا يحس أنه سيسقط، ويستغرب من شخص يقول له: سوف تسقط بعد حين.
فنحتاج إلى أن نتحرر من سلطان هذا المجال كي نحسن الحكم على هذه الفتنة.
ألا تنظر إلى الخشوع والرهبة والصمت عند من يشاهد المباريات، ولو أن طفلاً صغيراً أو واحداً من الحاضرين صرخ بصوت عال لأسكته الجميع، ألا تنظر إليهم خاشعين وهم ينتظرون ضربة جزاء، ويدعون الله: يا رب يا رب يا رب! وكأنهم على وشك أن يفتحوا القدس وأن يحرروا فلسطين؟! إنه مرض نفسي أن يصل الأمر إلى أن يعتقد أن البطولة هي في الرقص والغناء والكرة، وأن الهدف هو أن نغلب الجزائر أو نغلب دولة كذا وكذا، وصارت المصائب هي انهزام مصر في الكرة أمام دولة أخرى، وتماسيح النيل أو فراعنة مصر لابد أن يفوزوا، وإذا رأيت حال القوم فكأنهم في معبد يتهجدون ويتبتلون، وكأن قلوبهم لا تنشغل بشيء أبداً، يستغرق هذا عقولهم وقلوبهم وفكرهم، حتى لا يحس الإنسان بالجوع ولا بالعطش، وربما لا يحس بألم، ولا يحس بمن يسلم عليه، فضلاً عن أن يذكر ربه وصلاته وعبادته، وتبقى هذه المشاهد الأثيمة يختزنها في ذاكرته، ثم إن الشيطان يستدعي ما اختزنه الإنسان في ذاكرته من تلك الصور التي رآها حتى تعرض له في الصلاة، وفي مرضه، وفي مشيه، وفي كلامه، بل ربما تعرض له عند موته ويكون عليها سوء خاتمته -والعياذ بالله- وهو في وقت أحوج ما يكون إلى ذكر ربه ، فالشيطان بهذا يريد أن يصد الناس عن ذكر الله وعن الصلاة، فهل أنتم منتهون؟! كما أن سماع المكاء والتصدية والأغاني والموسيقى وغيرها من الأشياء لا تقرب إلى الله ولا تزيد الإيمان، بل العكس هو الصحيح، فلو سألنا أي إنسان وكان صادقاً: إذا جلست أمام الفيلم أو المسرحية فهل يزيد الإيمان أم ينقص فما نظن أنه سوف يخالف في الإجابة التي نقطع بها جميعاً، وهي: زين لنا سوء أعمالنا، وكيف نفكر في أن نتوب منها؟! نحن نستحسنها ونستمتع بها، ولا نتصور الحياة بدونها.
مع أنه يتصور الحياة أحياناً بدون صلاة، وبدون صيام، وبدون حجاب، ولا يقلق ولا يشعر بأنه مرتكب كبيرة، لكن لا يتصور أن يعيش بدون هذه الأجهزة، فنحن لم ننته عن المنكر ولم ننه عنه، بل فعلنا المنكر وتواصينا به ونظرنا إليه على أنه عنصر ضروري لحياتنا لا نتصور الحياة بدونه.
بل قد يقتطع بعض الناس من قوت أولادهم الضروري حتى يقتنوا الفيديو أو التلفاز، ففي بعض المساكن العشوائية في الإسكندرية التي تبنى من الطوب ونحوه لكون البيوت تهدمت ولا يجد أصحابها أموالاً يصلحونها، اجتمع سكان هذه المناطق العشوائية وضربوا فيما بينهم حصصاً معينة على كل واحد مقيم واشتروا ما يسمى بالدش، وهذه سفاهة ما بعدها سفاهة.
فنحن في الحقيقة لم نسكت عن إنكار المنكر فحسب، بل أحببنا المنكر، ونحن راغبون فيه، حبب إلينا الكفر والفسوق والعصيان، ولذلك لما قيل لبعض السلف: ما بال أهل الأهواء شديدي المحبة لأهوائهم؟ قال: ألم تر إلى قوله ﵎: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة:٩٣].
يعني أن عبادة العجل وحب العجل جرى في أبدانهم كما يجري الدم في العروق، كذلك حب أهل هذه الأهواء للأهواء، ونتذكر هنا قول النبي ﵌: (تعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عوداً عوداً، فإيما قلب أشربها -يعني: أحبها ورضي بها- نكتت فيه نكتة سوداء، وأيما قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء) فإذا أنكرت هذه الفتنة وقلت: اللهم! إن هذا منكر لا يرضيك ونهيت عنه، أو فعلت غير ذلك من المواقف الإيمانية فحينئذ ينكت في قلبك هذا النور الأبيض، أما من أحب المنكر ورضيه فحينئذ ينكت في قلبه نكتة سوداء.
ثم يقول ﵊ مبيناً تمايز القلوب إلى معسكرين: (حتى تصير القلوب إلى قلبين: قلب أسود مرباداً كالكوز مجخياً لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً إلا ما أشرب من هواه، وقلب أبيض لا تضره فتنة مادامت السماوات والأرض) رواه مسلم.
стр. 634
دور التلفاز في انحراف الأحداث والأطفال
هناك طبيب يدعى تسيفن بانا في جامعة كولومبيا غير مسلم، يقول: إذا كان السجن هو جامعة الجريمة فإن التلفزيون هو المدرسة الإعدادية لانحراف الأحداث.
يعني: عندما يدخل الإنسان السجن مع المجرمين فإنه يرتقي إلى جامعة الإجرام؛ لأنه هناك يتعلم كل شيء، لكن التلفزيون هو المدرسة الإعدادية لانحراف الأحداث.
فمن أخطر مخاطر التلفاز أنه يشيع الفاحشة، وينفث روح الجريمة، ويقلب القيم رأساً على عقب، فاللصوصية بطولة تثير الإعجاب، والغدر سياسة، والخيانة فطانة، والعنف هو الوسيلة المثلى والأقل تكلفة لتحقيق المآرب، وعقوق الآباء تحرر، وبر الوالدين ظلم، وطاعة الزوج رق واستعباد، والنشوز حق، والعفة كبت، والدياثة فن راق وذوق رفيع، وهي أسرع وسيلة للإثراء، ولا ريب أن موالاة عرض الجرائم والإلحاح في ذلك يوماً بعد يوم هو من أخطر ما يدرب القلوب على التهوين من شأنها وقبول الانحراف والتعايش معه والتدرج والانخراط في سلك أهله، وصارت هذه الفضائح مألوفة عند الإنسان، فهو عندما يسمع عن جرائم الذي قتل أباه والذي قتل أمه، كل ذلك يجعله يتجرأ على هذه الجرائم.
وهذا الدكتور السعدي فرهود حكى في حوار له مع إحدى الجرائد يقول: أظنكم سمعتم أو قرأتم أن شخصاً يملك منزلاً اتفق مع مقاول على أن ينسف السلم، وفعلاً أرسل المقاول ابنه بفتيل من الديناميت ووضعه على السلم، واختار وقتاً مناسباً وهو وقت انشغال الناس بمشاهدة مباراة كرة القدم، وانفجر الفتيل، لكنه لم يهدم إلا حجرة واحدة، فمن أين عرف المقاول هذه الطريقة؟! عرفها من أحد الأفلام في السينما التي عرضت في التلفزيون.
وهكذا فإن كثيراً من الأفلام الأجنبية تعلم أحدث وسائل ارتكاب الجريمة.
انتهى كلام الدكتور فرهود.
وقد توصلت الدراسات التحليلية إلى أن التلفاز بما يعرضه من أفلام سينمائية تحتوي على مناظر إجرامية أو انحلالية قد يؤدي إلى انحراف كثير من الناس عن طريق ما تخلقه هذه الأفلام من خيالات يعيشها من يشاهدها، كما تبين من مجموعة ذكور منحرفين تناولتهم تلك الدراسة أن أحد الأفلام التي عرضها التلفاز قد أثار فيهم الرغبة في حمل السلاح، وعلمهم كيفية ارتكاب السرقات وتضليل الشرطة، وشجعهم على المخاطرة بارتكاب الجرائم.
ويحكي الدكتور عبد العزيز كامل ما يدلل به على أثر مشاهدة العنف والجريمة التي يعرضها التلفاز على الشباب، ويذكر مشهداً تكرر في أكثر من فيلم، حينما يهاجم أحد الشباب زميلاً له في مشرب أو مقهى، فيمسك بيده زجاجة فارغة ويضرب قاعدتها فتنكسر تاركة وراءها أطرافاً مسننة كل منها كأنها خنجر، ويهاجم بها خصمه في رقبته أو وجهه.
ويحكي مشهداً واقعياً آخر رآه، يقول: كان هناك جمع من الطلبة يلعبون بالكرة في فناء قريب أراه من نافذة مسكني، واختلفوا، فإذا بشاب منهم هو أقواهم قد تقمصته روح التمثيل، فرفع كتفيه وأحنى رأسه قليلاً إلى الأمام وباعد مرفقيه، وأمسك زجاجة وكسرها على سور قريب، ولكن الكسر لم يكن فنياً، فإذا هي تنكسر في يده، واندفع الدم منها، واندفع الشاب يصرخ بشدة طالباً النجدة، هو يريد أن يقلد المشهد الذي رآه، وسارع زملاؤه إلى رفع يده وحمله إلى أقرب مستوصف طبي، وتحول مشهد التمثيل إلى حقيقة دامية.
حتى المرأة لم تسلم من وسوسة أُستاذ الإجرام (التلفاز) الذي أفسد فطرتها وشوه هويتها، فرأينا بعضهن ممن كانت بالأمس جنساً لطيفاً فصارت اليوم بعد أن تخرجت من مدرسة الجريمة وحشاً عنيفاً وخطراً مخيفاً.
رأت فتاة في الخامسة عشرة من عمرها في برنامج تلفزيوني قاتلاً يقص فرامل السيارة فقلدته، وحاولت قص فرامل سيارة أبويها لتقتلهما، واكتشف الأبوان الأمر قدراً؛ لأن الفتاة أخطأت فقطعت سلكاً آخر أضاء إشارة إنذار حمراء، ولم يعرفا من الذي حاول قتلهما، فجربت الفتاة خطة أخرى، إذ ألقت صفيحة من البنزين على السيارة في (الكراج) فانفجرت، وانتبه الأبوان في آخر لحظة فأسرعا يفتشان (المرقاب) أو (الكراج) في البيت خوفاً على ابنتهما، وكادا يختنقان لكثافة الدخان، واكتشفا أن الفاعل ابنتهما، وعندما سئلت الفتاة عن السبب قالت: أبواي يضغطان عليّ كثيراً للمذاكرة، وأخي أخفق في الدراسة، وهما يريدان مني تعويض إخفاقه، فنظرت إلى التلفزيون فتعلمت منه الجريمة.
وعقب عرض مسرحية تسمى (ريا وسكينة) تكررت حوادث تخدير الضحايا وسرقة ما معهم من مصوغات ذهبية، ومن ذلك ما وقع لامرأة ضريرة من دمياط استدرجتها امرأتان إلى بورسعيد، فوضعتا كمية من المخدر في كوب ليمون تشربه، ثم استولتا على ست (غوايش) ذهبية قيمتها ألف جنيه، وبعد غيبوبة ثلاثة أيام في المستشفى العام ببورسعيد أدلت المجني عليها ببعض المعلومات، حيث تمكن رجال الأمن من القبض على المرأتين، وتبين أنهما تحضران إلى بورسعيد لصيد الضحايا، وقد اعترفت المرأتان بقيامهما بسرقات سابقة مماثلة، وقد تعلمت المرأتان هذا الأسلوب بعد مشاهدتهما مسرحية (ريا وسكينة).
أما تأثيره على النشء فمعروف، وأتذكر أثناء الحملة على الحجاب والنقاب أنه كانت بعض الجرائد تأتي بصور طفلات صغيرات محجبات، ثم تتكلم عن اغتيال براءة الطفولة، أي أن البنت الصغيرة حين تتحجب فهذا اغتيال لبراءة الطفولة، فلنتأمل من الذي يغتال براءة الطفولة ويسلب فطرتها؟! إننا نعلم تأثير هذا الجهاز على هذه البراءة واغتيالها، وانتزاعه من الأبوين زمام التربية، فأخذت القيم التي تبثها الأسرة تذوى وتضمحل وتضمر لتحل محلها قيم تلفزيونية مشتقة من الأفلام والمسرحيات والتمثيليات، فشاع التحرر من القيود الأخلاقية، وظهر التمرد على الكبار، وانتشر ازدراء المعلمين واحتقار المدرسين والسخرية منهم، وصارت الاستقامة والطهارة أمراً يثير الضحك والاستهزاء والاستخفاف، وتشبع الأطفال بالروح الإجرامية والميول العدوانية.
وهنا نستدل بشاهد من أهلها، فهذا قاض فرنسي يعمل في ميدان الأحداث يقول: لا يخالجني أي تردد في أن لبعض الأفلام -خاصة الأفلام البوليسية المثيرة- معظم الأثر الضار على غالبية حالات الأحداث المنحرفين، وأننا لهذا لسنا بحاجة إلى البحث عن أسباب عميقة وراء السلوك الإجرامي عند هؤلاء الأطفال أو المراهقين.
يعني أنَّ السبب معروف.
وفي تجربة عملية عرض فيلم عنيف على مجموعة من الأطفال، ثم قدمت لهم دمى تشبه تلك التي عرضت في الفيلم، فعاملوها كما عاملها الممثلون فمزقوها إرباً إرباً.
ومعروف أن الاختبارات النفسية أحياناً تؤدى عن طريق اللعب أو الدمى.
وفي مرة أخرى قدمت هذه الدمى لأطفال لم يشاهدوا الفيلم فلم يعاملوها بعنف.
وهذا الأستاذ مروان كجك له كتاب رائع اسمه (الأسرة المسلمة أمام الفيديو والتلفاز) استفدت كثيراً منه في هذا الموضوع، يقول: ما أكثر ما نرى ونسمع بين الحين والآخر أو نقرأ عن أطفال دفعتهم موحيات البرامج التلفزيونية إلى سلوك شائن مخيف، أو حملتهم على ارتكاب جريمة ظنوها ألعوبة من تلك الألعاب التي تظهر على الشاشة، وهي ليست في حقيقتها سوى دروس وتوجيهات تبذر الشر أو توقظه في نفوس هؤلاء الأطفال البرآء من قصد الجريمة، غير أن هذا لا يمنع أن يصبح ذلك أسلوباً وطريقاً لديهم يشبون عليه، بل قد يشيبون وهم يحملون قيمه بين جوانحهم وتؤكده فعالهم.
ويذكر شارلز آر رايس أن أجهزة معينة تشجع المسلك الشيطاني للأطفال الذين يقلدون أفعال الشخصيات الروائية، ويذكر عادة لتعزيز هذا الاتهام حادث الطفل الذي شنق نفسه وسط كتبه الفكاهية، بنفس الطريقة التي وردت في الرواية، مقلداً سلوك الشخصية.
كذلك تذكر حادثة أخرى، وهي أن طفلاً أصيب أو قتل وهو يحاول أن يطير في الفضاء كما يفعل سوبر مان في الأفلام الكرتونية (الكتاب الفكاهي).
إذاً: هذا يذكرنا بما حدث منذ سنوات حينما قدم التلفاز شخصية بطل خارق غير طبيعي، فقام أحد الأطفال فطار من شرفة منزله في مصر محاولاً تقليد هذا البطل العجيب فأودى بحياته.
ويذكر الباحثون المتخصصون أمثلة أخرجها الواقع لا التخمين لتأييد هذه الحقيقة، وهؤلاء الباحثون ينقلون كثيراً جداً عن كتاب (أربع مناقشات لإلغاء التلفزيون) مترجم للعربية لمؤلف يدعى جوري مندر كان له وظيفة عالمية مرموقة في أمريكا، ويحذر أشد التحذير من التلفاز.
من هذه الوقائع أنه كثر في حي معين في إحدى المدن حوادث إصابة الأطفال بجروح وكسور في مؤخرة الرأس، وحولت حالات متتابعة إلى المستشفى القريب، واسترعى هذا نظر الجهاز الطبي فيها، فأجرى بحثاً عاجلاً لمعرفة السبب، فظهر أن فيلماً معيناً شاهده الأطفال وتأثروا به، وفيه مشهد شاب قوي الجسم تعود أن ينتصر على زملائه بأن يطرح أحدهم أرضاً ثم يضرب مؤخرة الرأس في حافة رصيف فقام هؤلاء الأطفال يقلدون هذا المشهد.
وفي واشنطن قام أحد الصغار بسحب وقود سيارة جارهم وصبه عليه وهو نائم، ثم أشعل الثقاب ورماه على الجار الذي أخذ يركض والنار تلتهمه، وعمر هذا المجرم الصغير ست سنوات.
وفي (بوسطن) رسب طفل عمره تسع سنوات في معظم مواد الدراسة، فاقترح على والده أن يرسل صندوقاً من الحلوى المسمومة إلى المدرسة، وعندما استوضحه والده عن ذلك قال: إنه أخذ الفكرة من برنامج تلفزيوني.
وفي فرنسا أطلق طفل عمره خمس سنوات رصاصة على جار له عمره سبع سنوات، وأصابه إصابة خطيرة بعد أن رفض الأخير أن يعطيه قطعة من اللبان، وذكر في أقواله للشرطة أنه تعلم كيف يحشو بندقية والده عن طريق مشاهدة الأفلام في التلفزيون.
والحقيقة أن الأمثلة كثيرة جداً، سواء في بلادنا أو في غيرها، وليس هدفنا أن نفصل، لكن كلها تحوم حول هذا.
فمجموعة من الأطفال في مدرسة يرون جريمة ترتكب بطريقة معينة فيعتبرون ذلك نموذجاً مثالياً ويطبقونه في المدرسة.
وهنا قصة، وهي أن مدرسة أبي بكر الإعدادية بحلوان تعرضت خلال الليل لتسلل من عدة أشخاص، وقاموا بأعمال تخريبية، إذ حطموا الدواليب والخزائن التي تضم أوراق ومستندات تلاميذ المدرسة، وكذلك أتلفوا في الأوراق والكتب والملفات والشهادات، وتركوا ورقة صغيرة كتبوا عليها عبارة صبيانية تقول: البرادع
стр. 635
دور التلفاز في تخريب الأسر وتفككها ووسائله في ذلك
روى الإمام مسلم في صحيحه بسنده عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الشيطان يضع عرشه على الماء، ثم يبعث سراياه في الناس، فأقربهم عنده منزلة أعظمهم عنده فتنة، يجيء أحدهم فيقول: مازلت بفلان حتى تركته وهو يقول كذا وكذا.
فيقول إبليس: لا والله ما صنعت شيئاً.
ويجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين أهله -يعني: حتى طلق امرأته- قال: فيقربه ويدنيه ويقول: نعم أنت) وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول ﷺ قال: (من أفسد امرأة على زوجها فليس منا).
وعن بريدة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (ومن خبب على امرئ زوجته أو مملوكه فليس منا) (خبب) أي: أفسد الزوجة على زوجها.
أما تطبيق هذا الكلام على التلفاز وتوأمه الفيديو في تمزيق الحياة الزوجية فله وسائل متعددة: الوسيلة الأولى: أنه قد يدفع الزوجة دفعاً إلى أن تقارن بين بيتها المتواضع وبين تلك القصور الفارهة والبيوت الواسعة والفرش الوثيرة والثروات النفيسة والملابس الفخمة، وما أدراك ما الملابس عند أولئك النساء! ثم توازن بين مستواها المعيشي المحدود وبين ما تراه على شاشة التلفاز من خدم وحشم وما لذ وطاب من ألوان الطعام والشراب، فتتأفف من حالها، وتزدري نعمة الله عليها، ثم تجحد فضل زوجها عليها، وقد قال ﷺ : (لا ينظر الله إلى امرأة لا تشكر لزوجها وهي لا تستغني عنه).
وقال ﷺ للنساء يوماً: (إياكن وكفر المنعمين.
فقالت أسماء بنت زيد ﵂: يا رسول الله! وما كفر المنعمين؟ فقال: لعل إحداكن تطول أيمتها من أبويها -يعني: تبقى بدون زوج مدة طويلة عند أبويها- ثم يرزقها الله زوجاً ويرزقها منه ولداً، فتغضب الغضبة فتكفر، فتقول: ما رأيت منك خيراً قط) وهذا هو كفران العشير الذي تُوعدن عليه بالنار، فقد يدفعها ما تراه إلى أن تطالبه بما هو فوق طاقته فترهقه من أمره عسراً.
ويقول ﷺ : (إن أول ما هلك بنو إسرائيل أن امرأة الفقير كانت تكلفه من الثياب ما تكلف امرأة الغني).
وتنسى المسكينة التي تتعرض لهذا الإغراء التلفزيوني، فيحصل نوع من التقمص أو الاندماج مع الشيء الذي تراه، بحيث تصدق في الحقيقة، وهي لا تتفطن إلى أن هذا عبارة عن خيال لا ظل له من الحقيقة، فما هو إلا تمثيل، وما هذه الفخامة والأبهة إلا صالات يستأجرها المنتجون لتصوير الأفلام والمسلسلات فيها، وليست بيوتاً حقيقية، وما هي إلا أثاثات استأجروها من محلات الأثاث أو الملابس وكذا.
الوسيلة الثانية في إفساد ما بين الرجل وامرأته: أن الرجل إذا رأى النساء كلهن محجبات مستورات ولم ير في التلفزيون ولا في الشارع ولا في العمل النسوة المتفرغات للتبرج بهذه الصورة الشنيعة فلاشك أنه سيقنع بزوجته ويرضى بما كتب الله له، فإذا كان يتطلع باستمرار إلى من هي أجمل فهذا -بلا شك- يزهده في امرأته ويجعله لا يغض البصر عما حرم الله إن لم يكن عنده خوف وورع من الله .
الوسيلة الثالثة من وسائل الإفساد بين الرجل وامرأته: إبراز الزوجة التلفزيونية في صورة هي غاية في الرقة واللطف في معاملة زوجها، وكذلك إبراز هذا الزوج التلفزيوني في صورة العاشق الموله بزوجته التلفزيونية، المتزلف لديها بكل ما يرضيها، فتنبعث مشاعر التألم والحسرة في قلب الزوج المشاهد، وهو يرى زوجته منهمكة في خدمة البيت والأولاد، وتثور مشاعر الحرمان في قلب الزوجة المشاهدة وهي ترى زوجها المكافح منهمكاً في السعي وراء الرزق الحلال، مطحوناً في أتون مسئوليته نحو بيته وأولاده، وقد شغل حتى عن نفسه، وينسى الاثنان أن الأمر لا يعدو أن يكون تمثيلاً خيالياً، وأن هؤلاء الممثلين والممثلات متفرغون لمهنة التمثيل، ومحترفون لهذا النوع من التزوير، وأنهم في الحقيقة وفي الأعم الأغلب لا يعرفون حياة الأسرة ولا قيمها، وإنما يتقنون تمثيلها فقط، ولا يخفى على أحد أن هذا الذي يسمى بالوسط الفني يعتبر أكثر طبقات المجتمع شقاء وتفككاً وتعرضاً للأمراض النفسية والجسمية، فضحكات أهله صناعة، وبسماتهم أوامر من المخرجين، وأزياؤهم ملك لشركات الإنتاج.
الوسيلة الرابعة من وسائل إفساد ما بين المرء وزوجه: أن برامج التلفاز والفيديو يقوم بأدائها رجال ونساء، وهم بواسطة ما يسمى بالمكياج يبدون في أشد مظاهر الفتنة، ولابد للمشاهد الرجل من أن يتأثر بدرجة ما بالمذيعة أو الممثلة أو المطربة، ولابد للمرأة التي تشاهد الفيديو أو التلفزيون من التأثر بدرجة ما بنفس الطريقة، ومن أراد أن ينفي هذا الأمر فإنما هو مكابر مغالط، أو أنه غير سوي جسدياً أو نفسياً أو عقلياً، ومثل هؤلاء لا يعول عليهم ولا يعتد بآرائهم.
يقول بعض الفضلاء في صيف إحدى السنوات: عندما كنت أقيم في إحدى المدن كان يزورنا أحد الأصدقاء لمشاهدة التلفزيون وهو متزوج وله أولاد، وفي إحدى المرات كان يرنو إلى المذيعة التي كانت تختم البرامج، فحدق فيها طويلاً واتجه إلينا قائلاً: بالله عليكم أهذه -يعني: زوجته- امرأة؟! فهذا أثر طبيعي لا افتراء فيه، وهذا واقع.
وقد حكى الشيخ محمد الزمزمي في كتابه: (المرأة العصرية) أن امرأة لما خرجت من السينما قالت لمن معها من النساء: كيف يمكنني أن أرجع إلى ذلك الوجه الكئيب -تقصد زوجها- بعد رؤية هذه الوجوه التي نراها في شاشة السينما؟! إلى غير ذلك من الكلام الذي ذكرته.
следующие страницы →