Полный текст (2 122 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
سبب تسابق الغربيين على نقل البث المباشر إلى ديار المسلمين
لماذا يتسابق على رءوسنا أو على عقولنا هؤلاء الغربيون حينما يتصدقون علينا وعلى البلاد الإسلامية بمنحة البث المباشر وتدعيم أجهزة البث المباشر؟! هل هذا لوجه الله؟! وهل يريدون بنا خيراً؟! لا، وإنما يعرفون أن هذا أخطر بكثير من الغزو العسكري بلا شك.
إن المقصود من ذلك كله هو تدمير شباب الأمة، وشغلهم بالشهوات والمفاسد والأفكار المسمومة.
إن شعوب الغرب معروف ما عندها من الوعي السياسي، فإذا كانت الحكومات تدفع الملايين من أجل تدعيم البث المباشر وتقديمه ليصل إلى بيوت المسلمين، فهل كان رعاياها الذين يعلمون أن هذه الميزانية تقتطع من الضرائب التي تؤخذ منهم سيسكتون أن يسكتوا لو كان في ذلك نوع من الإحسان إلى المسلمين؟! لا، لكن عرفوا أن هذه لها أشد التأثير في إضعاف المسلمين.
стр. 632
الانفصام بين ديانة بعض المسلمين وواقع أعمالهم
إن من المسلمين من يرحب بالبث المباشر وسرعة إدخاله بحيث يصل إلى كل بيت دون حاجة إلى الأطباق المعروفة فرحين ومهللين ويقولون: نحن سننفتح على العالم وكذا وكذا.
وهذا يذكرني بقول الله : ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأحقاف:٢٤ - ٢٥].
هناك شبه كثيرة عند هؤلاء الذين يرحبون بهذه النيران التي لا تبقي على أخضر ولا على يابس، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فنحن لا نعجب إذا رأينا في زماننا قوماً حرموا من نعمة الهداية، فمنهم من أشرب في قلبه حب عبادة الأبقار، والتفاني في سبيل الانتصار لها بالروح والدم، حتى إن غاندي ظل يقارن بين أمه وبين البقرة التي يعبدها من دون الله ففضلها على أمه! وليس بعد الكفر ذنب.
فالناس وصلوا إلى هذا المستوى من الانحطاط الفكري والعقائدي والشرك بحيث عبدوا البقر.
وحكى بعض الناس أنه رأى معابد من الرخام الأبيض في بلاد شرق آسيا في منتهى الفخامة يعبد فيها الفئران، وحكى بعض الإخوة أنه رأى بعض الناس في مناطق من شرق آسيا من شدة تعظيمهم للفئران أن أحدهم يأكل والفأر يصعد على رأسه وعلى كتفه ولا يستطيع أن يؤذيه؛ لأن هذا إلهه في نظره.
فهل نعجب حينما نرى أمثال هؤلاء الناس في الشرق أو إخوانهم في الغرب ممن انتكسوا وارتكسوا وصاروا في مستوى أقل من البهائم والعجماوات في أخلاقهم وعقائدهم وأفكارهم؟! هل نعجب من أن هؤلاء يقعون بالمرة في حمأة التلفزيون والفيديو وهذه الرذائل؟! هذا لا يستغرب؛ لأن الشيء من معدنه لا يستغرب، فهؤلاء أولى الناس بهذه المهالك وهذه المآسي.
لكن العجب الذي لا ينقضي منه العجب أن نرى مسلمين حنفاء موحدين يشربون في قلوبهم حب التلفزيون والفيديو! تجد المسلم يجلس ويرى هذه المناظر القبيحة أمام بناته وأمام زوجته وأمام أبنائه ولا يتحرك ولا يبالي، وصار الشيء كأنه أمر عادي جداً، لا إحساس ولا غيرة ولا حياء، فكيف يستوي المسلم الذي يؤمن بالآخرة ويخشى حساب الله في الآخرة مع هؤلاء الملاحدة؟! إذاً: نحن لا نستغرب أن يقع من هؤلاء الكفار في الشرق أو في الغرب أو في الشمال أو في الجنوب مثل هذا الإسفاف وهذا الانحلال، هذا لا يستغرب؛ لأن هذا ثمرة خبيثة من ثمار عقائدهم الفاسدة وانحرافهم عن منهج الله ، ولذلك قال تعالى: ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ [الأنعام:١١٣] لأنهم لا يؤمنون بالآخرة، ولذلك خصهم بنفي الإيمان بالآخرة؛ لأن الأيمان بالآخرة ينعكس في سلوك الإنسان، أما هؤلاء فلا نستغرب من أفعالهم؛ لأنهم لا يؤمنون بالآخرة.
والحقيقة أن مما يتألم منه المسلم الحق أشد الألم ويشعر بالخزي ويشعر بالهوان ما يتكرر على أسماعنا بين وقت وآخر أن أختاً أسلمت، وقالت: أريد أن أهاجر إلى بلاد المسلمين حيث العلم وحيث الشريعة وحيث الالتزام بالدين، ثم يأتي أمثالها ويصدمون بالواقع الذي نحن عليه، فمنهم كما حكى لي ذلك بنفسه الأخ يوسف إسلام المغني الشهير الذي كان يسمى قبل إسلامه كات ستيفن وهو مطرب إنجليزي مشهور، حكى لي أنه أتى إلى مصر ليفزع إلى بلاد المسلمين ويجد البيئة الإسلامية والأحلام التي يتخيلها، فبمجرد أن نزل القاهرة ورأى الفساد في الشوارع، ورأى الانحلال والبعد عن الدين فزع إلى بريطانيا وقال: إن ديني في بريطانيا أقوى من تواجدي هنا.
لأنه يحاصر نفسه مع طائفة من إخوانه المتدينين الذين ما زالت عندهم طاعة الله أقوى من هؤلاء الذين ينتسبون إلى الإسلام انتساباً اسمياً أو جغرافياً.
стр. 633
أسباب عدم الإحساس بخطر المعاصي والذنوب
لماذا نحن لا نحس بذلك الإحساس؟! لأنه حصل تعايش سلمي بيننا وبين المعاصي، حصل المصطلح السياسي الجديد الذي يسمى التطبيع، ليس التطبيع مع الخنازير والقردة، بل التطبيع مع قطاع الطريق إلى الله .
صارت عادة طبيعية أن يجلس الأب والبنات والأولاد أمام التلفزيون ليعطيهم دروساً خصوصية في كل أنواع الفساد، يصحب الأولاد إلى أماكن الإدمان، يصحبهم إلى عصابات السرقة والقتل والفساد الخلقي، فهل هذا هو الواقع الذي نعيشه الآن أم أننا نكذب ونفتري؟ فنحن لا نحس بخطورة الحد الذي وصلنا إليه مثل جحا الذي كان يقطع فرع الشجرة ولا يحس أنه سيسقط، ويستغرب من شخص يقول له: سوف تسقط بعد حين.
فنحتاج إلى أن نتحرر من سلطان هذا المجال كي نحسن الحكم على هذه الفتنة.
ألا تنظر إلى الخشوع والرهبة والصمت عند من يشاهد المباريات، ولو أن طفلاً صغيراً أو واحداً من الحاضرين صرخ بصوت عال لأسكته الجميع، ألا تنظر إليهم خاشعين وهم ينتظرون ضربة جزاء، ويدعون الله: يا رب يا رب يا رب! وكأنهم على وشك أن يفتحوا القدس وأن يحرروا فلسطين؟! إنه مرض نفسي أن يصل الأمر إلى أن يعتقد أن البطولة هي في الرقص والغناء والكرة، وأن الهدف هو أن نغلب الجزائر أو نغلب دولة كذا وكذا، وصارت المصائب هي انهزام مصر في الكرة أمام دولة أخرى، وتماسيح النيل أو فراعنة مصر لابد أن يفوزوا، وإذا رأيت حال القوم فكأنهم في معبد يتهجدون ويتبتلون، وكأن قلوبهم لا تنشغل بشيء أبداً، يستغرق هذا عقولهم وقلوبهم وفكرهم، حتى لا يحس الإنسان بالجوع ولا بالعطش، وربما لا يحس بألم، ولا يحس بمن يسلم عليه، فضلاً عن أن يذكر ربه وصلاته وعبادته، وتبقى هذه المشاهد الأثيمة يختزنها في ذاكرته، ثم إن الشيطان يستدعي ما اختزنه الإنسان في ذاكرته من تلك الصور التي رآها حتى تعرض له في الصلاة، وفي مرضه، وفي مشيه، وفي كلامه، بل ربما تعرض له عند موته ويكون عليها سوء خاتمته -والعياذ بالله- وهو في وقت أحوج ما يكون إلى ذكر ربه ، فالشيطان بهذا يريد أن يصد الناس عن ذكر الله وعن الصلاة، فهل أنتم منتهون؟! كما أن سماع المكاء والتصدية والأغاني والموسيقى وغيرها من الأشياء لا تقرب إلى الله ولا تزيد الإيمان، بل العكس هو الصحيح، فلو سألنا أي إنسان وكان صادقاً: إذا جلست أمام الفيلم أو المسرحية فهل يزيد الإيمان أم ينقص فما نظن أنه سوف يخالف في الإجابة التي نقطع بها جميعاً، وهي: زين لنا سوء أعمالنا، وكيف نفكر في أن نتوب منها؟! نحن نستحسنها ونستمتع بها، ولا نتصور الحياة بدونها.
مع أنه يتصور الحياة أحياناً بدون صلاة، وبدون صيام، وبدون حجاب، ولا يقلق ولا يشعر بأنه مرتكب كبيرة، لكن لا يتصور أن يعيش بدون هذه الأجهزة، فنحن لم ننته عن المنكر ولم ننه عنه، بل فعلنا المنكر وتواصينا به ونظرنا إليه على أنه عنصر ضروري لحياتنا لا نتصور الحياة بدونه.
بل قد يقتطع بعض الناس من قوت أولادهم الضروري حتى يقتنوا الفيديو أو التلفاز، ففي بعض المساكن العشوائية في الإسكندرية التي تبنى من الطوب ونحوه لكون البيوت تهدمت ولا يجد أصحابها أموالاً يصلحونها، اجتمع سكان هذه المناطق العشوائية وضربوا فيما بينهم حصصاً معينة على كل واحد مقيم واشتروا ما يسمى بالدش، وهذه سفاهة ما بعدها سفاهة.
فنحن في الحقيقة لم نسكت عن إنكار المنكر فحسب، بل أحببنا المنكر، ونحن راغبون فيه، حبب إلينا الكفر والفسوق والعصيان، ولذلك لما قيل لبعض السلف: ما بال أهل الأهواء شديدي المحبة لأهوائهم؟ قال: ألم تر إلى قوله ﵎: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة:٩٣].
يعني أن عبادة العجل وحب العجل جرى في أبدانهم كما يجري الدم في العروق، كذلك حب أهل هذه الأهواء للأهواء، ونتذكر هنا قول النبي ﵌: (تعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عوداً عوداً، فإيما قلب أشربها -يعني: أحبها ورضي بها- نكتت فيه نكتة سوداء، وأيما قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء) فإذا أنكرت هذه الفتنة وقلت: اللهم! إن هذا منكر لا يرضيك ونهيت عنه، أو فعلت غير ذلك من المواقف الإيمانية فحينئذ ينكت في قلبك هذا النور الأبيض، أما من أحب المنكر ورضيه فحينئذ ينكت في قلبه نكتة سوداء.
ثم يقول ﵊ مبيناً تمايز القلوب إلى معسكرين: (حتى تصير القلوب إلى قلبين: قلب أسود مرباداً كالكوز مجخياً لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً إلا ما أشرب من هواه، وقلب أبيض لا تضره فتنة مادامت السماوات والأرض) رواه مسلم.
стр. 634
دور التلفاز في انحراف الأحداث والأطفال
هناك طبيب يدعى تسيفن بانا في جامعة كولومبيا غير مسلم، يقول: إذا كان السجن هو جامعة الجريمة فإن التلفزيون هو المدرسة الإعدادية لانحراف الأحداث.
يعني: عندما يدخل الإنسان السجن مع المجرمين فإنه يرتقي إلى جامعة الإجرام؛ لأنه هناك يتعلم كل شيء، لكن التلفزيون هو المدرسة الإعدادية لانحراف الأحداث.
فمن أخطر مخاطر التلفاز أنه يشيع الفاحشة، وينفث روح الجريمة، ويقلب القيم رأساً على عقب، فاللصوصية بطولة تثير الإعجاب، والغدر سياسة، والخيانة فطانة، والعنف هو الوسيلة المثلى والأقل تكلفة لتحقيق المآرب، وعقوق الآباء تحرر، وبر الوالدين ظلم، وطاعة الزوج رق واستعباد، والنشوز حق، والعفة كبت، والدياثة فن راق وذوق رفيع، وهي أسرع وسيلة للإثراء، ولا ريب أن موالاة عرض الجرائم والإلحاح في ذلك يوماً بعد يوم هو من أخطر ما يدرب القلوب على التهوين من شأنها وقبول الانحراف والتعايش معه والتدرج والانخراط في سلك أهله، وصارت هذه الفضائح مألوفة عند الإنسان، فهو عندما يسمع عن جرائم الذي قتل أباه والذي قتل أمه، كل ذلك يجعله يتجرأ على هذه الجرائم.
وهذا الدكتور السعدي فرهود حكى في حوار له مع إحدى الجرائد يقول: أظنكم سمعتم أو قرأتم أن شخصاً يملك منزلاً اتفق مع مقاول على أن ينسف السلم، وفعلاً أرسل المقاول ابنه بفتيل من الديناميت ووضعه على السلم، واختار وقتاً مناسباً وهو وقت انشغال الناس بمشاهدة مباراة كرة القدم، وانفجر الفتيل، لكنه لم يهدم إلا حجرة واحدة، فمن أين عرف المقاول هذه الطريقة؟! عرفها من أحد الأفلام في السينما التي عرضت في التلفزيون.
وهكذا فإن كثيراً من الأفلام الأجنبية تعلم أحدث وسائل ارتكاب الجريمة.
انتهى كلام الدكتور فرهود.
وقد توصلت الدراسات التحليلية إلى أن التلفاز بما يعرضه من أفلام سينمائية تحتوي على مناظر إجرامية أو انحلالية قد يؤدي إلى انحراف كثير من الناس عن طريق ما تخلقه هذه الأفلام من خيالات يعيشها من يشاهدها، كما تبين من مجموعة ذكور منحرفين تناولتهم تلك الدراسة أن أحد الأفلام التي عرضها التلفاز قد أثار فيهم الرغبة في حمل السلاح، وعلمهم كيفية ارتكاب السرقات وتضليل الشرطة، وشجعهم على المخاطرة بارتكاب الجرائم.
ويحكي الدكتور عبد العزيز كامل ما يدلل به على أثر مشاهدة العنف والجريمة التي يعرضها التلفاز على الشباب، ويذكر مشهداً تكرر في أكثر من فيلم، حينما يهاجم أحد الشباب زميلاً له في مشرب أو مقهى، فيمسك بيده زجاجة فارغة ويضرب قاعدتها فتنكسر تاركة وراءها أطرافاً مسننة كل منها كأنها خنجر، ويهاجم بها خصمه في رقبته أو وجهه.
ويحكي مشهداً واقعياً آخر رآه، يقول: كان هناك جمع من الطلبة يلعبون بالكرة في فناء قريب أراه من نافذة مسكني، واختلفوا، فإذا بشاب منهم هو أقواهم قد تقمصته روح التمثيل، فرفع كتفيه وأحنى رأسه قليلاً إلى الأمام وباعد مرفقيه، وأمسك زجاجة وكسرها على سور قريب، ولكن الكسر لم يكن فنياً، فإذا هي تنكسر في يده، واندفع الدم منها، واندفع الشاب يصرخ بشدة طالباً النجدة، هو يريد أن يقلد المشهد الذي رآه، وسارع زملاؤه إلى رفع يده وحمله إلى أقرب مستوصف طبي، وتحول مشهد التمثيل إلى حقيقة دامية.
حتى المرأة لم تسلم من وسوسة أُستاذ الإجرام (التلفاز) الذي أفسد فطرتها وشوه هويتها، فرأينا بعضهن ممن كانت بالأمس جنساً لطيفاً فصارت اليوم بعد أن تخرجت من مدرسة الجريمة وحشاً عنيفاً وخطراً مخيفاً.
رأت فتاة في الخامسة عشرة من عمرها في برنامج تلفزيوني قاتلاً يقص فرامل السيارة فقلدته، وحاولت قص فرامل سيارة أبويها لتقتلهما، واكتشف الأبوان الأمر قدراً؛ لأن الفتاة أخطأت فقطعت سلكاً آخر أضاء إشارة إنذار حمراء، ولم يعرفا من الذي حاول قتلهما، فجربت الفتاة خطة أخرى، إذ ألقت صفيحة من البنزين على السيارة في (الكراج) فانفجرت، وانتبه الأبوان في آخر لحظة فأسرعا يفتشان (المرقاب) أو (الكراج) في البيت خوفاً على ابنتهما، وكادا يختنقان لكثافة الدخان، واكتشفا أن الفاعل ابنتهما، وعندما سئلت الفتاة عن السبب قالت: أبواي يضغطان عليّ كثيراً للمذاكرة، وأخي أخفق في الدراسة، وهما يريدان مني تعويض إخفاقه، فنظرت إلى التلفزيون فتعلمت منه الجريمة.
وعقب عرض مسرحية تسمى (ريا وسكينة) تكررت حوادث تخدير الضحايا وسرقة ما معهم من مصوغات ذهبية، ومن ذلك ما وقع لامرأة ضريرة من دمياط استدرجتها امرأتان إلى بورسعيد، فوضعتا كمية من المخدر في كوب ليمون تشربه، ثم استولتا على ست (غوايش) ذهبية قيمتها ألف جنيه، وبعد غيبوبة ثلاثة أيام في المستشفى العام ببورسعيد أدلت المجني عليها ببعض المعلومات، حيث تمكن رجال الأمن من القبض على المرأتين، وتبين أنهما تحضران إلى بورسعيد لصيد الضحايا، وقد اعترفت المرأتان بقيامهما بسرقات سابقة مماثلة، وقد تعلمت المرأتان هذا الأسلوب بعد مشاهدتهما مسرحية (ريا وسكينة).
أما تأثيره على النشء فمعروف، وأتذكر أثناء الحملة على الحجاب والنقاب أنه كانت بعض الجرائد تأتي بصور طفلات صغيرات محجبات، ثم تتكلم عن اغتيال براءة الطفولة، أي أن البنت الصغيرة حين تتحجب فهذا اغتيال لبراءة الطفولة، فلنتأمل من الذي يغتال براءة الطفولة ويسلب فطرتها؟! إننا نعلم تأثير هذا الجهاز على هذه البراءة واغتيالها، وانتزاعه من الأبوين زمام التربية، فأخذت القيم التي تبثها الأسرة تذوى وتضمحل وتضمر لتحل محلها قيم تلفزيونية مشتقة من الأفلام والمسرحيات والتمثيليات، فشاع التحرر من القيود الأخلاقية، وظهر التمرد على الكبار، وانتشر ازدراء المعلمين واحتقار المدرسين والسخرية منهم، وصارت الاستقامة والطهارة أمراً يثير الضحك والاستهزاء والاستخفاف، وتشبع الأطفال بالروح الإجرامية والميول العدوانية.
وهنا نستدل بشاهد من أهلها، فهذا قاض فرنسي يعمل في ميدان الأحداث يقول: لا يخالجني أي تردد في أن لبعض الأفلام -خاصة الأفلام البوليسية المثيرة- معظم الأثر الضار على غالبية حالات الأحداث المنحرفين، وأننا لهذا لسنا بحاجة إلى البحث عن أسباب عميقة وراء السلوك الإجرامي عند هؤلاء الأطفال أو المراهقين.
يعني أنَّ السبب معروف.
وفي تجربة عملية عرض فيلم عنيف على مجموعة من الأطفال، ثم قدمت لهم دمى تشبه تلك التي عرضت في الفيلم، فعاملوها كما عاملها الممثلون فمزقوها إرباً إرباً.
ومعروف أن الاختبارات النفسية أحياناً تؤدى عن طريق اللعب أو الدمى.
وفي مرة أخرى قدمت هذه الدمى لأطفال لم يشاهدوا الفيلم فلم يعاملوها بعنف.
وهذا الأستاذ مروان كجك له كتاب رائع اسمه (الأسرة المسلمة أمام الفيديو والتلفاز) استفدت كثيراً منه في هذا الموضوع، يقول: ما أكثر ما نرى ونسمع بين الحين والآخر أو نقرأ عن أطفال دفعتهم موحيات البرامج التلفزيونية إلى سلوك شائن مخيف، أو حملتهم على ارتكاب جريمة ظنوها ألعوبة من تلك الألعاب التي تظهر على الشاشة، وهي ليست في حقيقتها سوى دروس وتوجيهات تبذر الشر أو توقظه في نفوس هؤلاء الأطفال البرآء من قصد الجريمة، غير أن هذا لا يمنع أن يصبح ذلك أسلوباً وطريقاً لديهم يشبون عليه، بل قد يشيبون وهم يحملون قيمه بين جوانحهم وتؤكده فعالهم.
ويذكر شارلز آر رايس أن أجهزة معينة تشجع المسلك الشيطاني للأطفال الذين يقلدون أفعال الشخصيات الروائية، ويذكر عادة لتعزيز هذا الاتهام حادث الطفل الذي شنق نفسه وسط كتبه الفكاهية، بنفس الطريقة التي وردت في الرواية، مقلداً سلوك الشخصية.
كذلك تذكر حادثة أخرى، وهي أن طفلاً أصيب أو قتل وهو يحاول أن يطير في الفضاء كما يفعل سوبر مان في الأفلام الكرتونية (الكتاب الفكاهي).
إذاً: هذا يذكرنا بما حدث منذ سنوات حينما قدم التلفاز شخصية بطل خارق غير طبيعي، فقام أحد الأطفال فطار من شرفة منزله في مصر محاولاً تقليد هذا البطل العجيب فأودى بحياته.
ويذكر الباحثون المتخصصون أمثلة أخرجها الواقع لا التخمين لتأييد هذه الحقيقة، وهؤلاء الباحثون ينقلون كثيراً جداً عن كتاب (أربع مناقشات لإلغاء التلفزيون) مترجم للعربية لمؤلف يدعى جوري مندر كان له وظيفة عالمية مرموقة في أمريكا، ويحذر أشد التحذير من التلفاز.
من هذه الوقائع أنه كثر في حي معين في إحدى المدن حوادث إصابة الأطفال بجروح وكسور في مؤخرة الرأس، وحولت حالات متتابعة إلى المستشفى القريب، واسترعى هذا نظر الجهاز الطبي فيها، فأجرى بحثاً عاجلاً لمعرفة السبب، فظهر أن فيلماً معيناً شاهده الأطفال وتأثروا به، وفيه مشهد شاب قوي الجسم تعود أن ينتصر على زملائه بأن يطرح أحدهم أرضاً ثم يضرب مؤخرة الرأس في حافة رصيف فقام هؤلاء الأطفال يقلدون هذا المشهد.
وفي واشنطن قام أحد الصغار بسحب وقود سيارة جارهم وصبه عليه وهو نائم، ثم أشعل الثقاب ورماه على الجار الذي أخذ يركض والنار تلتهمه، وعمر هذا المجرم الصغير ست سنوات.
وفي (بوسطن) رسب طفل عمره تسع سنوات في معظم مواد الدراسة، فاقترح على والده أن يرسل صندوقاً من الحلوى المسمومة إلى المدرسة، وعندما استوضحه والده عن ذلك قال: إنه أخذ الفكرة من برنامج تلفزيوني.
وفي فرنسا أطلق طفل عمره خمس سنوات رصاصة على جار له عمره سبع سنوات، وأصابه إصابة خطيرة بعد أن رفض الأخير أن يعطيه قطعة من اللبان، وذكر في أقواله للشرطة أنه تعلم كيف يحشو بندقية والده عن طريق مشاهدة الأفلام في التلفزيون.
والحقيقة أن الأمثلة كثيرة جداً، سواء في بلادنا أو في غيرها، وليس هدفنا أن نفصل، لكن كلها تحوم حول هذا.
فمجموعة من الأطفال في مدرسة يرون جريمة ترتكب بطريقة معينة فيعتبرون ذلك نموذجاً مثالياً ويطبقونه في المدرسة.
وهنا قصة، وهي أن مدرسة أبي بكر الإعدادية بحلوان تعرضت خلال الليل لتسلل من عدة أشخاص، وقاموا بأعمال تخريبية، إذ حطموا الدواليب والخزائن التي تضم أوراق ومستندات تلاميذ المدرسة، وكذلك أتلفوا في الأوراق والكتب والملفات والشهادات، وتركوا ورقة صغيرة كتبوا عليها عبارة صبيانية تقول: البرادع
стр. 635
دور التلفاز في تخريب الأسر وتفككها ووسائله في ذلك
روى الإمام مسلم في صحيحه بسنده عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الشيطان يضع عرشه على الماء، ثم يبعث سراياه في الناس، فأقربهم عنده منزلة أعظمهم عنده فتنة، يجيء أحدهم فيقول: مازلت بفلان حتى تركته وهو يقول كذا وكذا.
فيقول إبليس: لا والله ما صنعت شيئاً.
ويجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين أهله -يعني: حتى طلق امرأته- قال: فيقربه ويدنيه ويقول: نعم أنت) وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول ﷺ قال: (من أفسد امرأة على زوجها فليس منا).
وعن بريدة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (ومن خبب على امرئ زوجته أو مملوكه فليس منا) (خبب) أي: أفسد الزوجة على زوجها.
أما تطبيق هذا الكلام على التلفاز وتوأمه الفيديو في تمزيق الحياة الزوجية فله وسائل متعددة: الوسيلة الأولى: أنه قد يدفع الزوجة دفعاً إلى أن تقارن بين بيتها المتواضع وبين تلك القصور الفارهة والبيوت الواسعة والفرش الوثيرة والثروات النفيسة والملابس الفخمة، وما أدراك ما الملابس عند أولئك النساء! ثم توازن بين مستواها المعيشي المحدود وبين ما تراه على شاشة التلفاز من خدم وحشم وما لذ وطاب من ألوان الطعام والشراب، فتتأفف من حالها، وتزدري نعمة الله عليها، ثم تجحد فضل زوجها عليها، وقد قال ﷺ : (لا ينظر الله إلى امرأة لا تشكر لزوجها وهي لا تستغني عنه).
وقال ﷺ للنساء يوماً: (إياكن وكفر المنعمين.
فقالت أسماء بنت زيد ﵂: يا رسول الله! وما كفر المنعمين؟ فقال: لعل إحداكن تطول أيمتها من أبويها -يعني: تبقى بدون زوج مدة طويلة عند أبويها- ثم يرزقها الله زوجاً ويرزقها منه ولداً، فتغضب الغضبة فتكفر، فتقول: ما رأيت منك خيراً قط) وهذا هو كفران العشير الذي تُوعدن عليه بالنار، فقد يدفعها ما تراه إلى أن تطالبه بما هو فوق طاقته فترهقه من أمره عسراً.
ويقول ﷺ : (إن أول ما هلك بنو إسرائيل أن امرأة الفقير كانت تكلفه من الثياب ما تكلف امرأة الغني).
وتنسى المسكينة التي تتعرض لهذا الإغراء التلفزيوني، فيحصل نوع من التقمص أو الاندماج مع الشيء الذي تراه، بحيث تصدق في الحقيقة، وهي لا تتفطن إلى أن هذا عبارة عن خيال لا ظل له من الحقيقة، فما هو إلا تمثيل، وما هذه الفخامة والأبهة إلا صالات يستأجرها المنتجون لتصوير الأفلام والمسلسلات فيها، وليست بيوتاً حقيقية، وما هي إلا أثاثات استأجروها من محلات الأثاث أو الملابس وكذا.
الوسيلة الثانية في إفساد ما بين الرجل وامرأته: أن الرجل إذا رأى النساء كلهن محجبات مستورات ولم ير في التلفزيون ولا في الشارع ولا في العمل النسوة المتفرغات للتبرج بهذه الصورة الشنيعة فلاشك أنه سيقنع بزوجته ويرضى بما كتب الله له، فإذا كان يتطلع باستمرار إلى من هي أجمل فهذا -بلا شك- يزهده في امرأته ويجعله لا يغض البصر عما حرم الله إن لم يكن عنده خوف وورع من الله .
الوسيلة الثالثة من وسائل الإفساد بين الرجل وامرأته: إبراز الزوجة التلفزيونية في صورة هي غاية في الرقة واللطف في معاملة زوجها، وكذلك إبراز هذا الزوج التلفزيوني في صورة العاشق الموله بزوجته التلفزيونية، المتزلف لديها بكل ما يرضيها، فتنبعث مشاعر التألم والحسرة في قلب الزوج المشاهد، وهو يرى زوجته منهمكة في خدمة البيت والأولاد، وتثور مشاعر الحرمان في قلب الزوجة المشاهدة وهي ترى زوجها المكافح منهمكاً في السعي وراء الرزق الحلال، مطحوناً في أتون مسئوليته نحو بيته وأولاده، وقد شغل حتى عن نفسه، وينسى الاثنان أن الأمر لا يعدو أن يكون تمثيلاً خيالياً، وأن هؤلاء الممثلين والممثلات متفرغون لمهنة التمثيل، ومحترفون لهذا النوع من التزوير، وأنهم في الحقيقة وفي الأعم الأغلب لا يعرفون حياة الأسرة ولا قيمها، وإنما يتقنون تمثيلها فقط، ولا يخفى على أحد أن هذا الذي يسمى بالوسط الفني يعتبر أكثر طبقات المجتمع شقاء وتفككاً وتعرضاً للأمراض النفسية والجسمية، فضحكات أهله صناعة، وبسماتهم أوامر من المخرجين، وأزياؤهم ملك لشركات الإنتاج.
الوسيلة الرابعة من وسائل إفساد ما بين المرء وزوجه: أن برامج التلفاز والفيديو يقوم بأدائها رجال ونساء، وهم بواسطة ما يسمى بالمكياج يبدون في أشد مظاهر الفتنة، ولابد للمشاهد الرجل من أن يتأثر بدرجة ما بالمذيعة أو الممثلة أو المطربة، ولابد للمرأة التي تشاهد الفيديو أو التلفزيون من التأثر بدرجة ما بنفس الطريقة، ومن أراد أن ينفي هذا الأمر فإنما هو مكابر مغالط، أو أنه غير سوي جسدياً أو نفسياً أو عقلياً، ومثل هؤلاء لا يعول عليهم ولا يعتد بآرائهم.
يقول بعض الفضلاء في صيف إحدى السنوات: عندما كنت أقيم في إحدى المدن كان يزورنا أحد الأصدقاء لمشاهدة التلفزيون وهو متزوج وله أولاد، وفي إحدى المرات كان يرنو إلى المذيعة التي كانت تختم البرامج، فحدق فيها طويلاً واتجه إلينا قائلاً: بالله عليكم أهذه -يعني: زوجته- امرأة؟! فهذا أثر طبيعي لا افتراء فيه، وهذا واقع.
وقد حكى الشيخ محمد الزمزمي في كتابه: (المرأة العصرية) أن امرأة لما خرجت من السينما قالت لمن معها من النساء: كيف يمكنني أن أرجع إلى ذلك الوجه الكئيب -تقصد زوجها- بعد رؤية هذه الوجوه التي نراها في شاشة السينما؟! إلى غير ذلك من الكلام الذي ذكرته.
стр. 636
حكم مشاهدة الفيديو والتلفاز
نستطيع أن نجزم على أساس ما سبق بأن العلاقة بين المشاهدين وبين الفيديو والتلفاز هي علاقة آثمة في كثير من صورها، ولا ينفي هذا إلا مكابر أو مغالط، هي علاقة معصية وعلاقة ما سماه النبي ﷺ بزنا العين، وإن كل مشاهد شجاع يستطيع أن يكون صريحاً مع نفسه ويعترف بهذه الحقيقة، وإنه يعلم أنه -على أقل تقدير- سيقع في خائنة الأعين بالنظر إلى ما حرم الله النظر إليه، وما تخفي صدورهم أكبر.
فأين هؤلاء من قوله ﵎: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور:٣٠] إلى قوله : ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور:٣١] إلى آخر الآية؟! أين هم من مجتمع الصحابة الأبرار الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه؟! مجتمع الطهارة والنقاء والعفة، مجتمع لم يكن للرجال فيه سبيل إلى النظر إلى النساء إلا بنظرة الفجأة.
عن جرير ﵁ قال: (سألت رسول الله ﷺ عن نظر الفجأة فأمرني أن أصرف بصري)، فأين نظر الفجأة من نظرة العمد؟! وأين رؤية الوجه من رؤية ما عداه مما حرم الله كشفه؟! وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تباشر المرأة المرأة فتنعتها لزوجها كأنه ينظر إليها).
فعلى المرأة أن تجلس مع أختها بثياب المهنة التي تجلس بها في البيت؛ حتى لا تخرج هذه الأخت إلى زوجها أو أخيها وتصف هذه المرأة وتقول: شعرها كذا وجهها كذا وشكلها كذا.
فمن شدة الوصف كأنه ينظر إليها.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 637
الموت خاتمتك أيها الإنسان
الموت كأس سيشرب منه كل الناس، فمن الناس من يشرب شربة هنيئة، ومنهم من يشرب شربة فيها من الغصص والمرارة ما الله به عليم، ولكل من الحالتين أسباب، فمن صلح عمله، وصدق في إيمانه أحسن الله خاتمته، وشرب تلك الشربة الهنيئة، ومن كان على غير ذلك لم تحسن خاتمته، ووجد تلك الغصص والمرارات.
стр. 638
علامات حسن الخاتمة
الحمد لله الذي قهر بالموت رقاب الجبابرة، وكسر به ظهور الأكاسرة، وقصّر به آمال القياصرة؛ حتى جاءهم الوعد الحق فأرداهم في الحافرة، فنقلوا من القصور إلى القبور، ومن ضياء المهود إلى ظلمة اللحود، ومن ملاعبة الجواري والغلمان إلى مقاساة الهوام والديدان، ومن التنعم بالطعام والشراب إلى التمرغ في التراب، ومن أنس العشرة إلى وحشة الوحدة، ومن المضجع الوثير إلى المصرع الوبيل، فانظر هل وجدوا من الموت حصناً وعزاً؟ وهل اتخذوا من دونه حجاباً وحرزاً؟ وانظر هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزاً؟ فسبحان من انفرد بالقهر واستأثر باستحقاق البقاء، وأذل ضعاف الخلق بما كتب عليهم من الفناء، ثم جعل الموت مخلصاً للأتقياء وموعداً في حقهم للقاء، وجعل القبر سجناً للأشقياء وحبساً ضيقاً عليهم إلى يوم الفصل والقضاء، فله الإنعام بالنعم المتظاهرة، وله الانتقام بالنقم القاهرة، وله الشكر في السماوات والأرض، وله الحمد في الأولى والآخرة، والصلاة على محمد ذي المعجزات الظاهرة والآيات الباهرة، وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
стр. 639
النطق بالتوحيد عند الموت
عن الأغر أبي مسلم أنه شهد على أبي هريرة وأبي سعيد ﵄ أنهما شهدا على النبي ﷺ قال: (إذا قال العبد: لا إله إلا الله، والله أكبر قال الله : صدق عبدي، لا إله إلا أنا، وأنا أكبر، وإذا قال العبد: لا إله إلا الله وحده، قال: صدق عبدي، لا إله إلا أنا وحدي، وإذا قال: لا إله إلا الله لا شريك له، قال: صدق عبدي، لا إله إلا أنا، ولا شريك لي، وإذا قال: لا إله إلا الله له الملك وله الحمد قال: صدق عبدي، لا إله إلا أنا، لي الملك ولي الحمد، وإذا قال: لا إله إلا الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله قال: صدق عبدي، لا إله إلا أنا، ولا حول ولا قوة إلا بي، من رزقهن عند موته لم تمسه النار) أخرجه الترمذي وابن ماجة وابن حبان وأبو يعلى في مسنده وعبد بن حميد في المنتخب، وقال الترمذي: حديث حسن غريب، وقال الألباني: إسناده صحيح.
وفي رواية أخرى زيادة: (ومن قال في مرضه -يعني: ذلك كله- ثم مات لم يدخل النار) وإسناده جيد.
هذا الحديث ينبئ أن الإنسان إذا وفق إلى النطق بهؤلاء الكلمات عند حضور الموت وعند انقضاء الأجل، فإن هذه عصمة له من النار، فهذه إحدى علامات حسن الخاتمة، فعلى الإنسان أن يحفظ هذه الأذكار ليختم به حياته، أو إذا شاهد رجلاً يحتضر وقد قارب الموت، فليلقنه هؤلاء الكلمات؛ طمعاً في هذا الثواب العظيم والفضل الجزيل.
(من رزقهن عند موته لم تمسه النار) أي: من وفق إليها عند موته لم تمسه النار.
فما من شك أن هذا العلم مما يحتاج إليه في أشد الأوقات صعوبة على الإنسان، وهذه اللحظة لا يوجد إنسان على وجه الأرض ينكر أنه لن تأتيه هذه اللحظة آجلاً أو عاجلاً.
إنك ميت وابن ميتٍ وذو نسبٍ في الهالكين عريق فكلٌ منا كما مات آباؤه وأجداده سوف تأتيه هذه اللحظة، فليستعد لها بما ينجيه من الأهوال التي بعدها، وأول ذلك أن يحفظ هذه الكلمات ويحفظها من يحبهم ومن يلوذون به، لعلهم ينجون بذلك، وجماع هذا الذكر أن يقول: لا إله إلا الله والله أكبر، لا إله إلا الله وحده، لا إله إلا الله لا شريك له، لا إله إلا الله له الملك وله الحمد، لا إله إلا الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
والتوفيق إلى النطق بهذه الكلمات عند الموت من علامات حسن الخاتمة.
ويقودنا الكلام في هذا الأمر إلى علامات أخرى مما يستأنس ويستدل بها على حسن خاتمة الإنسان، وقد بين النبي ﵌ بعض هذه العلامات في جملة من الأحاديث الصحيحة، وأعظم هذه العلامات أن يوفق إلى النطق بهذه الأذكار.
وقال النبي ﷺ : (من كان آخر كلامه لا إله الله دخل الجنة)، وعن طلحة بن عبيد الله ﵁ قال: (رأى عمر طلحة بن عبيد الله ثقيلاً، فقال: مالك يا أبا فلان! لعلك ساءتك ابنة عمك يا أبا فلان؟! -يعني: هل زوجتك ضايقتك فأنت ثقيل من أجل هذا؟ - قال: لا، وأثنى على أبي بكر، ثم قال: فإني سمعت من رسول الله ﷺ حديثاً ما منعني أن أسأله عنه إلا القدرة عليه حتى مات، سمعته يقول: إني لأعلم كلمة لا يقولها عبد عند موته إلا أشرق لها لونه، ونفس الله عنه كربته، فقال عمر: إني لأعلم ما هي.
قال: وما هي؟ قال: تعلم كلمة أعظم من كلمة أمر بها عمه عند الموت: لا إله إلا الله، قال طلحة: صدقت! هي والله هي).
أخرجه الإمام أحمد وإسناده صحيح.
فمن أعظم علامات حسن الخاتمة أن يوفق الإنسان للنطق بكلمة لا إله إلا الله؛ بحيث تكون آخر كلامه، والعلماء مختلفون هل يتمها فيقول: لا إله إلا الله، محمد رسول الله؟ والأقرب إلى الأحاديث أن يقتصر على شهادة التوحيد، فيكون آخر كلامه: لا إله إلا الله.
فمن حضر إنساناً يحتضر فعليه أن يلقنه إياها بلطف، فإذا حصل منه بعد أن نطق بكلمة التوحيد كلاماً آخر، فعليه أن يوجهه إلى تكرارها؛ حتى تكون آخر كلامه.
عرق جبين الإنسان عند الموت إحدى علامات حسن خاتمته؛ لحديث بريدة بن الحصيب ﵁: أنه كان بخراسان وعاد أخاً له وهو مريض، فوجده للموت، فإذا هو يعرق جبينه، فقال: الله أكبر، سمعت رسول الله ﷺ يقول: (موت المؤمن بعرق الجبين)، فهذه علامة موت المؤمن، وهي أيضاً من علامات حسن الخاتمة.
стр. 640
الموت برشح الجبين
عرق جبين الإنسان عند الموت إحدى علامات حسن خاتمته؛ لحديث بريدة بن الحصيب ﵁ أنه كان بخراسان وعاد أخاً له وهو مريض، فوجده للموت، فإذا هو يعرق جبينه، فقال: الله أكبر، سمعت رسول الله ﷺ يقول: (موت المؤمن بعرق الجبين)، فهذه من علامات حسن الخاتمة.
стр. 641
الموت يوم الجمعة أو ليلتها
العلامة الثالثة: الموت ليلة الجمعة أو نهارها: لقوله ﷺ : (ما من مسلم يموت يوم الجمعة أو ليلة الجمعة إلا وقاه الله فتنة القبر).
стр. 642
الاستشهاد في ساحة القتال
العلامة الرابعة: الاستشهاد في ساحة القتال: قال الله ﵎: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٦٩ - ١٧١].
وفي ذلك أحاديث منها قوله صلى الله عليه وآله سلم: (للشهيد عند الله ست خصال: يغفر له في أول دفعة من دمه، ويرى مقعده من الجنة، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويحلى حلة الإيمان، ويزوج من الحور العين، ويشفع في سبعين إنساناً من أقاربه)، وهذه كلها للشهيد.
ومن أجل ذلك وجدنا المجاهدين في جميع الأعصار يتسابقون إلى الموت في سبيل الله ﵎؛ لأن هذا أكثر ما يضمن به الإنسان غفران ذنوبه، ويؤمن أنه سوف ينتقل إلى الجنان وإلى النعيم في جوار الرحمن ﵎، وأعظم ما يفزع أعداء المسلمين أن تستيقظ فيهم حاسة الجهاد، وينادى فيهم بالجهاد المقدس في سبيل إعلاء كلمة الله ﵎، حتى اليهود في هذا الزمان وفي هذه الأوضاع التي نعيشها اليوم، أخوف ما يخافون أن يعود النداء الديني أو الجهاد الديني المقدس، فهذا هو الذي يهابونه، أما العلمانيون، أما الفلسطينيون الذين يريدون أن يحرروا الأرض، ويقيمون الدولة العلمانية، وينالون المآرب؛ فهؤلاء لا يساوون عند اليهود جناح بعوضة، لكن أخوف ما يخافه اليهود -مع الضعف الذي عليه المسلمون الآن- أن يعود المسلمون إلى الجهاد في سبيل الله ﵎، فهم يعلمون أن ذلك كائن، كما نعلم ذلك نحن أيضاً.
لما رفعت راية الجهاد نقية من الشوائب في أفغانستان، هرع آلاف الشباب من جميع أقطار الأرض يلبون ذلك النداء ويبذلون دماءهم، حتى كان بعض الإخوة ﵏ إذا نزلوا في المطار في باكستان يمزقون جوازات السفر، إمعاناً في إشهاد الله أنهم لا يريدون العودة من حيث أتوا، وإنما يريدون أن يذهبوا إلى الجنة من خلال الجهاد في سبيل الله ﵎، فكان ما كان من إعادة لنماذج السلف الصالح ﵃ في البذل والتضحية في سبيل هذا الدين.
فانظر كيف يكون الأمر لو كان هذا الجهاد في القدس أو في سبيل تحرير المسجد الأقصى، أو استعادة فلسطين المسروقة المبيعة، فما من شك أن اليهود لهم حق في أن يخافوا من عودة النداء للجهاد الإسلامي في سبيل الله ﵎، وما من شك أن هذا كائن لا محالة، ونجزم بذلك تماماً كما نجزم بأن الشمس ستشرق غداً من المشرق.
الشاهد أن الذي يدفع المسلم إلى الجهاد، وخوض ساحات القتال في سبيل الله؛ هو الطمع في الثواب، واليقين بأن ما عند الله خير وأبقى.
من لم يمت بالسيف مات بغيره تنوعت الأسباب والموت واحد ويعلم أيضاً أنه لن يموت إلا بأجل قد كتبه الله وقدره، كما يقول الشاعر: أي يومي من الموت أفر يوم لا قدر أو يوم قدر يوم لا قدر لا أرهبه ومن المقدور لا ينجو الحذر وكما قال أبو بكر ﵁ ناصحاً خالداً ﵁: احرص على الموت توهب لك الحياة.
وقال خالد رضي الله تعالى عنه وهو يحتضر: ما من موضع في بدني إلا وفيه ضربة بسيف أو طعنة برمح، وهأنذا أموت على سريري كما يموت البعير! فلا نامت أعين الجبناء.
والسر الذي لا يفقهه أعداء الإسلام، أن المسلم إذا قتل عدواً من أعداء الله أو قتله عدو الله؛ فإن له الثواب الجزيل عند الله ﵎، يقول ﵊: (للشهيد عند الله ست خصال: يغفر له في أول دفعة من دمه) ربما تقاعس الإنسان عن الجهاد في سبيل الله خشية أن يلقى الله فيؤاخذه الله بذنوبه، فمهما كانت ذنوبه إذا أقبل على الشهادة في سبيل الله، فالشهادة ضمان وتأمين أن تغفر جميع ذنوبه بأول دفعة تخرج من دمه، كما قال ﵊: (إن السيف محاءٌ للخطايا).
(ويرى مقعده من الجنة، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويحلى حلية الإيمان، ويزوج من الحور العين، ويشفع في سبعين إنساناً من أقاربه).
وعن رجل من أصحاب النبي ﷺ : (أن رجلاً قال: يا رسول الله! ما بال المؤمنين يفتنون في قبورهم إلا الشهيد؟! قال ﷺ : كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة).
فمن أجل فتنته وامتحانه واقتنائه لأسمى الجهاد، فإن الجزاء من جنس العمل، فإن الله يقيه الفتنة إذا نزل في قبره بخلاف كل مؤمن، فإن كل مؤمن يفتن في قبره، ويضيق عليه حتى تختلف أضلاعه -أي: ضلوع الصدر تتشابك من شدة الضغط-، فهذه الضغطة لا ينجو منها أحد، ولو نجا منها أحد لنجا منها سعد بن معاذ، ولنجا منها هذا الصبي كما أخبر ﵊.
أيضاً ترجى هذه الشهادة لمن سألها مخلصاً من قلبه ولو لم يتيسر له الاستشهاد في المعركة، بدليل قوله ﷺ : (من سأل الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء، وإن مات على فراشه).
فالعبرة بالصدق وبالنية، فمن طلب الله الشهادة وكان صادقاً وجازماً بأنه إذا رفعت راية الجهاد في سبيل الله، فإنه لن يتقاعس وسيقدم على بذل روحه ومهجته، فإن الله يكافئه بهذه النية، فيبلغه منازل الشهداء وإن مات على فراشه.
стр. 643
الموت في الغزو
من علامات حسن الخاتمة: الموت غازياً في سبيل الله: يقول ﷺ : (ما تعدون الشهيد فيكم؟ قالوا: من قتل في سبيل الله فهو شهيد، قال: إن شهداء أمتي إذاً لقليل.
قالوا: فمن هم يا رسول الله؟ قال: من قتل في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في الطاعون فهو شهيد، ومن مات في البطن فهو شهيد، والغريق شهيد) أخرجه مسلم.
стр. 644
الموت بالطاعون
ومن هذه العلامات: الموت بالطاعون: فعن حفصة بنت سيرين قالت: قال لي أنس بن مالك ﵁: بم مات يحيى بن أبي عمرة؟ قلت: بالطاعون.
قال: قال رسول الله ﷺ : (الطاعون شهادة لكل مسلم) أخرجه البخاري.
وعن عائشة ﵂: (أنها سألت رسول الله ﷺ عن الطاعون، فأخبرها نبي الله ﷺ : أنه كان عذاباً يبعثه الله على من يشاء، فجعله الله رحمة للمؤمنين، فليس من عبد يقع في الطاعون فيمكث في بلده صابراً يعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له، إلا كان له مثل أجر الشهيد) أخرجه البخاري وغيره.
стр. 645
الموت بداء البطن
ومنها أيضاً: الموت بداء البطن: وفيه حديثان: الأول: قوله ﵊: (ومن مات في البطن فهو شهيد) والظاهر أنه التهاب بالبرتوريا أو نحو هذا.
الثاني: عن عبد الله بن يسار قال: كنت جالساً وسليمان بن صرد وخالد بن عرفطة، فذكروا أن رجلاً مات ببطنه، فإذا هما يشتهيان أن يكونا شهداء جنازته، فقال أحدهما للآخر: ألم يقل رسول الله ﷺ : (من يقتله بطنه فلن يعذب في قبره) فقال الآخر: بلى، وفي رواية: صدقت.
стр. 646
الموت بالغرق أو النفاس
أما العلامتان الثامنة والتاسعة فالموت بالغرق والهدم: لقوله ﷺ : (الشهداء خمسة: المطعون، والمبطون، والغريق، وصاحب الهدم، والشهيد في سبيل الله) متفق عليه.
ومن هذه العلامات أيضاً: موت المرأة في نفاسها: أي: بسبب ولدها؛ لحديث عبادة بن الصامت ﵁: (أن رسول الله ﷺ عاد عبد الله بن رواحة قال: فما تحوز له عن فراشه، فقال: أتدري من شهداء أمتي؟ قالوا: قتل المسلم شهادة.
قال: إن شهداء أمتي إذاً لقليل، قتل المسلم شهادة، والطاعون شهادة، والمرأة يقتلها ولدها جمعاء شهادة، يجرها ولدها بسرره إلى الجنة).
(المرأة يقتلها ولدها جمعاء) يعني: تموت في أثناء الوضع، فيخرج الولد وتموت أثناء ذلك فهذه شهيدة، ولها أجر الشهداء في سبيل الله، وتكافأ يوم القيامة بأن ولدها هذا يجرها بسرره إلى الجنة، وسرره هو الحبل السري.
стр. 647
الموت بالحرق وذات الجنب
العلامتان الحادية عشرة والثانية عشرة: الموت بالحرق وذات الجنب: وفيها أحاديث أشهرها حديث جابر بن عتيك مرفوعاً: (الشهداء سبعة سوى القتل في سبيل الله: المطعون شهيد، والغرق شهيد، وصاحب ذات الجنب شهيد، والمبطون شهيد، والحرق شهيد، والذي يموت تحت الهدم شهيد، والمرأة تموت بجمع شهيدة).
стр. 648
الموت دفاعاً عن المال أو الدين أو النفس
أيضاً من هذه العلامات وهي الثالثة عشرة: الموت في سبيل الدفاع عن المال المراد غصبه: مثل إنسان يهجم عليك يريد أن يغتصب مالك، فأنت تدفع هذا الصائل، فلو قتلت في حالة الدفاع؛ فأنت شهيد، يقول النبي ﷺ : (من قتل دون ماله فهو شهيد).
وفي رواية: (من أريد ماله بغير حق فقاتل فقتل فهو شهيد) أخرجه الشيخان.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: (جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: فلا تعطه مالك.
قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: قاتله.
قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: فأنت شهيد.
قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: هو في النار) أخرجه مسلم.
العلامتان الرابعة عشرة والخامسة عشرة: الموت في سبيل الدفاع عن الدين والنفس: يقول ﷺ : (من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد).
стр. 649
الموت في الرباط
العلامة السادسة عشرة: الموت مرابطاً في سبيل الله: والرباط أن يذهب إلى ثغر من ثغور المسلمين التي تواجه الأعداء، ويقف حارساً لهذه الثغور، فهذا هو الرباط، قال ﷺ : (رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأجري عليه رزقه، وأمن الفتان) رواه مسلم والنسائي وغيرهما.
وقال ﷺ : (كل ميت على عمله إلا الذي مات مرابطاً في سبيل الله؛ فإنه ينمى له عمله إلى يوم القيامة، ويأمن فتنة القبر).
стр. 650
الموت على عمل صالح
العلامة السابعة عشرة: الموت على عمل صالح: أي: أن يموت الإنسان على عمل من الأعمال الصالحة، لقوله ﷺ : (من قال: لا إله إلا الله ابتغاء وجه الله ختم له بها دخل الجنة، ومن صام يوماً ابتغاء وجه الله ختم له به دخل الجنة، ومن تصدق بصدقة ابتغاء وجه الله ختم له بها دخل الجنة).
هذه هي العلامات التي يمكن حصرها، ولعل غيرها كثير؛ لكن هذا ما أمكن حصره كما جمعها الشيخ الألباني -حفظه الله- في كتابه: (أحكام الجنائز وبدعها).
وإذا كان الإنسان لا يضمن متى يأتيه أجله، فعليه أن يكون مستعداً بالأعمال الصالحة والنوايا الصالحة، حتى إذا ما جاءه الأجل كان مستعداً للقاء الله ﵎.
стр. 651
أسباب سوء الخاتمة
ذكر الدكتور عمر الأشقر -حفظه الله- في كتابه (القيامة الصغرى) فصلاً جيداً يناقش فيه سوء الخاتمة، وهناك حكايات عظيمة جداً في هذا الباب، والعبرة فيما سنحكيه -إن شاء الله- بصدق الراوي، وهذه الأشياء لا بأس بحكايتها، وإنما العمدة أن يكون الراوي صادقاً وحاكياً بصدق، وهذا لا يبعد وقوعه، وأن يكشف الله ﵎ بعض هذه العلامات، فإن في ذلك عبرة ونذيراً من النذر التي تقوم بها الحجة على من بلغته.
قبل أن نستعرض بعض هذه الوقائع نذكر أسباب سوء الخاتمة كما ذكرها الدكتور عمر الأشقر يقول: بعض الذين يظهرون الإسلام ويعملون به يختم لهم -والعياذ بالله- بخاتمة سيئة، وقد تبدو تلك الخاتمة من بعض من حضرهم الموت، وقد تحدث الشيخ صديق حسن خان ﵀ عن سوء الخاتمة فقال: ولها أسباب يجب على المؤمن أن يحترز عنها.
منها الفساد في الاعتقاد.
стр. 652
فساد الاعتقاد
من أعظم أسباب سوء الخاتمة: منها الفساد في الاعتقاد، يعني: أن تكون عقيدة الرجل فاسدة والعياذ بالله، حتى لو كان رجلاً صالحاً مجتهداً في الزهد والعبادة والورع لكن عنده فساد في العقيدة، فهذا من أعظم الأسباب التي تجلب له سوء الخاتمة.
فإن كان له فساد في اعتقاده مع كونه قاطعاً به متيقناً به غير ظانٍ أنه أخطأ فيه، فقد ينكشف له في حال سكرات الموت بطلان ما اعتقده من الاعتقادات، وحينئذ يهتز ذلك الاعتقاد في تصوره حينما ينكشف له، فإن كان عنده اعتقادات أخرى صائبة ربما اهتزت هي أيضاً ووقع في الريبة والعياذ بالله.
وما من شك أن الريبة تنافي الإيمان كما قال الله ﵎: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ [الحجرات:١٥]، فإذا دخل الإيمان شك ولو للحظة وقبض الإنسان عليه ضاع كل هذا الإيمان، فيكون بطلان بعض اعتقاداته سبباً لزوال بقية اعتقاداته الصائبة، وخروج روحه في هذه الحالة قبل أن يتدارك ويعود إلى أصل الإيمان خاتمة سوء؛ لأنه يخرج من الدنيا بغير إيمان.
فالعقيدة الفاسدة تنكشف لصاحبها عند الموت كما يشهد بذلك قوله ﵎ في حق المسيح ﵇: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء:١٥٩] على أحد التفسيرين، فإذا كان الضمير يعود إلى أهل الكتاب فيكون معناها: قبل أن يموت أي إنسان من أهل الكتاب فإنه ينكشف له بطلان اعتقاده، فإن كان نصرانياً يعبد المسيح فإنه قبل أن يموت وتخرج روحه تنكشف له الحقيقة، ويظهر له بطلان ما كان عليه من العقيدة عند موته.
والتفسير الآخر أن (الهاء) في قوله: (قبل موته) تعود إلى المسيح ﵇، فيكون المعنى: وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته حين ينزل من السماء في آخر الزمان، وحينئذ لا يقبل المسيح إلا الإسلام، فيضع الجزية، ويقتل الخنزير، ويكسر الصليب؛ كما تواترت بذلك الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله سلم.
وقد سبق أن بينا في مناسبات أخرى أن الشيطان يحضر المؤمن عند الموت، ومن دعاء النبي ﷺ : (وأعوذ بك أن يتخبطني الشيطان عند الموت)، فيأتي الشيطان ويكون ملبساً له ما هو عليه، ويحرص على أن يختم له بسوء ما دام فيه نفس، وما دام فيه روح، وقد حكي في ترجمة الإمام أحمد أنه عند احتضاره ﵁ كان يقول: لا بعد، لا بعد، فأغمي عليه ثم أفاق فقال له ابنه: يا أبت! إنك قلت كذا وكذا فما سبب ذلك؟ فقال الإمام ﵀: ذاك شيطان عبر لي في جانب الحجرة يعد أنامله ويقول: يا أحمد! فتني -يعني: فاتني أن أضلك وأنت حي- فكان يجيب الإمام ويقول: لا بعد.
يعني: ليس بعد ما دام فيّ نفس وروح، فأنا قابل لأن أبتلى بك، وهذا من فقهه ووعيه رضي الله ﵎ عنه.
يقول الله ﵎ في هؤلاء الذين يصابون بفساد العقيدة: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر:٤٧].
ويقول ﵎: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف:١٠٣ - ١٠٤].
فكل من اعتقد شيئاً على خلاف ما هو عليه، فهو واقع في هذا الخطر، ولا ينفعه الزهد والصلاح، وإنما ينفعه الاعتقاد الصحيح المطابق لكتاب الله وسنة رسول الله ﵌؛ لأن العقائد الدينية لا يعتد بها إلا إذا كانت مأخوذة من الكتاب والسنة.
стр. 653
الإصرار على المعاصي
السبب الثاني: الإصرار على المعاصي: فإن من أصر عليها يحصل في قلبه إلفها، وجميع ما ألفه الإنسان في عمره يذكره عند موته، فإن كان ميله إلى الطاعات أكثر يكون أكثر ما يحضره عند الموت ذكر الطاعات، والذي يغلب على القلب هو مقياس لحظ الإنسان من الخير أو غيره، كما قال الشاعر: أآخر شيء أنت في كل هجعة وأول شيء أنت عند هبوبي يتحدث عن غلبة ذكر محبوبه له في حالتي النوم واليقظة! والإنسان إذا مات فآخر ما يفكر فيه هو أحب شيء إليه، وأكثر شيء كان يشغل باله وعقله، سواء كانت تشغله التجارة، أو يشغله المال، أو تشغله الدنيا، أو تشغله النساء، وهكذا فأكبر ما يلتصق بقلبك ويعمر قلبك هو الذي يشغلك في هاتين الحالتين: حالة اليقظة، وبداية النوم.
والمؤمن إذا أراد أن يختبر إيمانه فلينظر ما هو الشيء الذي يسبق إلى قلبه، فأحب شيء إليك هو الذي يقفز إلى ذهنك في هذه اللحظة، إن كان هو ذكر الله فإنك تستيقظ لذكر الله، لقيام الليل، لصلاة الفجر، للدعاء، أو للعمل والوظيفة، لملاقاة الأصدقاء والأحباب، وهكذا فما يغلب على قلبك يظهر في هاتين اللحظتين.
وكذلك يظهر ما تحبه عند الموت، فيغلب على قلبك ما عودت هذا القلب أن يدخله وأن يعمره، فمن اعتاد على المعاصي وألف المعاصي والأغاني والتلفزيون والفيديو والممثلين والرياضة والكرة ونحوها ظهر ذلك عند الموت، حتى رأينا من يرتبط بالموسيقى والغناء إلى آخر لحظة، ويقول: ادفنوني وضعوا معي العود الذي طالما صددت به عن سبيل الله، ويدفن معه العود الذي كان يعزف به في حياته سنوات كثيرة! فإن كان ميله إلى الطاعات أكثر، يكون أكثر ما يحضره عند الموت ذكر الطاعات، وإن كان ميله إلى المعاصي أكثر، يكون أكثر ما يحضره عند الموت ذكر المعاصي، فربما تغلب عليه حين نزول الموت به شهوة ومعصية من المعاصي، ويتقيد قلبه بها، وتصير حجاباً بينه وبين ربه وسبباً لشقاوته في آخر حياته، وقد جاء في الأثر: المعاصي بريد الكفر.
والذي لم يرتكب ذنباً أصلاً أو ارتكب وتاب فهو بعيد عن هذا الخطر، وأما الذي ارتكب ذنوباً كثيرة حتى كانت أكثر من طاعاته ولم يتب منها، بل كان مصراً عليها، فهذا الخطر في حقه عظيم جداً؛ إذ قد يكون غلبة الإلف بها سبباً لأن يتمثل في قلبه صورتها، ويقع منه ميل إليها، وتقبض روحه عليها، فتكون سبباً لسوء خاتمته.
ينتقل إلى الدار الآخرة وهو عظيم الحسرة على متاع الدنيا الذي سيفارقه، فيستحسر لفراق خلانه وأصدقائه ومحبوباته من أعراض الدنيا.
ويعرف ذلك بمثال: وهو أن الإنسان يرى في منامه من الأحوال التي ألفها طول عمره، حتى إن الذي قضى عمره في العلم يرى من الأحوال المتعلقة بالعلم والعلماء، والذي قضى عمره في الخياطة يرى من الأحوال المتعلقة بالخياطة والخياط، إذ لا يحضر في حال النوم إلا ما حصل له مناسبة مع قلبه لطول الإلف.
والموت وإن كان فوق النوم، ولكن سكراته وما يتقدمه من الغشي قريب من النوم، فطول الإلف بالمعاصي يقتضي تذكرها عند الموت وعودها في القلب وتمثلها فيه وميل النفس إليها، وإن قبض روحه في تلك الحالة يختم له بالسوء.
قال الذهبي في الكبائر: قال مجاهد: ما من ميت يموت إلا مُثِّل له جلساؤه الذين كان يجالسهم، فاحتضر رجل ممن كان يلعب بالشطرنج فقيل له: قل: لا إله إلا الله.
فقال: شاهك -يبدو أن هذه عبارات يستعملها لاعبو الشطرنج- ثم مات، فغلب على لسانه ما كان يعتاده حال حياته في اللعب، فقال عوض كلمة التوحيد: شاهك.
وإنسان آخر كان يجالس شراب الخمر حين حضره الموت جاءه إنسان يلقنه الشهادة - يقول له: قل: لا إله إلا الله- فقال له: اشرب واسقني، ثم مات، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
فبعض الناس يتصور أن النطق بكلمة الشهادة (لا إله إلا الله) سهل عند الموت، كلا، لقد جاء في الحديث: (من رزقهن) فهذا رزق وهذا توفيق، ولن تكون الحركة إرادية كما هي الآن، حركة اللسان الآن إرادية إن أردت أن تتكلم تكلمت، وإن أردت أن تسكت ملكت لسانك، لكن في تلك اللحظة لا سلطان لك على لسانك، وإنما الموفق من وفقه الله، والسعيد من أسعده الله ﵎، فوفقه وأجرى لسانه بهذه الكلمة الشريفة أن ينطق بـ (لا إله إلا الله).
الإنسان إذا أصابه مرض شديد أو ثقيل أحياناً يريد أن يذكر الله فلا يستطيع من شدة الإعياء ومن شدة المرض الذي يصيبه، فلا يقوى على ذلك، فكيف عند معاناة سكرات الموت التي قال فيها أحب الخلق إلى الله ﵎: (لا إله إلا الله، إن للموت لسكرات) ويضع يده في الماء ثم يضعها على جبهته ويقول: (اللهم أعني على سكرات الموت) فكيف يفعل من هو دون سيد الخلق ﵌؟ فهذا ليس في طاقة الإنسان، فبعض الناس تسوف له نفسه ويقول: حينها سأقول: لا إله إلا الله وأدخل الجنة! يمنيه الشيطان ويغره!
стр. 654
كلام ابن القيم عن آفات المعاصي
ألف الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى كتاب (الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي)، وهذا الكتاب مما ينبغي أن يهتم به الإخوة اهتماماً شديداً جداً، فهو من الكتب الأساسية في نصيحة المسلمين للفرار من الذنوب والمعاصي إلى الله ﵎.
وقد ألفه ﵀ جواباً على سؤال وجه إليه يقول فيه السائل: ما تقول السادة العلماء وأئمة الدين ﵃ أجمعين في رجل ابتلي ببلية علم أنها إن استمرت به أفسدت عليه دنياه وآخرته، وقد اجتهد في دفعها عن نفسه بكل طريق فما يزداد إلا توقداً وشدة، فما الحيلة في دفعها؟ وما الطريق إلى كشفها؟! رحم الله من أعان مبتلى! (والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه)، أفتونا مأجورين رحمكم الله تعالى! وإن الإنسان ليغبط هذا الرجل الذي سأل هذا السؤال؛ لأنه بهذا السؤال سن سنة حسنة، وبسبب سؤاله ألف الإمام ابن القيم هذا الكتاب المبارك النافع المفيد؛ فننتفع به إلى ما شاء الله ﵎، فننصح الإخوة جميعاً أن يهتموا جداً بهذا الكتاب (الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي).
ومن فطنة هذا السائل أنه لم يحدد داءً معيناً، فمكن ذلك الإمام ابن القيم ﵀ أن يوسع الجواب ويتكلم في كل احتمال من أمراض القلب أو الجوارح التي يعاني منها هذا السائل فجاء الجواب مفيداً، ويسمى هذا الكتاب أيضاً: (الداء والدواء).
يذكر ابن القيم ﵀ من آفات المعاصي أنها تخون العبد أحوج ما يكون إلى نفسه.
ثم قال ﵀: هذا وثم أمر أخوف من ذلك وأدهى وأمر، وهو أن يخونه قلبه ولسانه عند الاحتضار والانتقال إلى الله تعالى، فربما تعذر عليه النطق بالشهادة، كما شاهد الناس كثيراً من المحتضرين أصابهم ذلك؛ حتى قيل لبعضهم ممن كان يسرف على نفسه بالمعاصي ولا يتوب حتى حضره الموت: قل: لا إله إلا الله.
فقال: آه، آه، لا أستطيع أن أقولها.
سبحان الله! ينطق لسانه بكل هذه الجملة ولا يستطيع أن يقول: لا إله إلا الله؛ يحال بينه وبينها! كما قال تعالى: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [سبأ:٥٤] وبعض الناس يفهم أن المراد من الطعام والشراب والشهوات، بل المقصود حيل بينهم وبين ما يشتهون من التوبة والرجوع إلى الدنيا والاستدراك.
وقيل لآخر: قل: لا إله إلا الله، قال: شاه رخ غلبتك -وهذه من أحجار الشطرنج-؛ لأنه كان في حياته مفتوناً بلعبة الشطرنج، ثم قضى ومات.
وقيل لآخر: قل: لا إله إلا الله فقال: يا رب قائلة يوماً وقد تعبت كيف الطريق إلى حمام منجاب ثم قضى.
وقصة هذا الرجل أنه أراد سوءاً بامرأة قالت له: كيف الطريق إلى حمام منجاب؟ فدلها على مكان، ثم دخلت هذا المكان فأغلق عليها الباب، ففطنت المرأة لما يريده، فخدعته وقالت له: دعني أتهيأ وأحضر أشياء وأعود إليك، ففرت منه المرأة وسلمت من أذاه، فكان يهيم في الطرقات وينشد هذا الشعر متحسراً على أنه تركها تخدعه وتفر منه، فكان يمشي في الطرقات ويقول: يا رب قائلة يوماً وقد تعبت كيف الطريق إلى حمام منجاب فأجابه بعض الشعراء: هلا جعلت سريعاً إذ ظفرت بها حرزاً على الدار أو قفلاً على الباب الشاهد أنه عند احتضاره كان يقال له: قل: لا إله إلا الله، فكان يردد هذا البيت.
وقيل لآخر: قل: لا إله إلا الله.
فجعل يهذي بالغناء؛ لأن الغناء والموسيقى غلبت على حياته- وكان يقول: تاتا تنتنا، حتى قضى.
وقيل لآخر: قل: لا إله إلا الله.
فكان يجيب: ما ينفعني ما تقول، ولم أدع معصية إلا ركبتها؟! ثم قضى ولم يقلها والعياذ بالله.
وقيل لآخر: قل: لا إله إلا الله.
فقال: وما يغني عني وما أعرف أني صليت لله صلاة؟! ولم يقلها.
وقيل لآخر ذلك: فقال: هو كافر بما تقول.
وقيل لآخر ذلك: فقال: كلما أردت أن أقولها لساني يمسك عنها! والعياذ بالله.
يقول ابن القيم: أخبرني من حضر بعض الشحاذين عند موته، فجعل يقول: لله فلس لله فلس؛ حتى قضى.
وأخبرني بعض التجار عن قرابة له أنه احتضر وهو عنده، وجعلوا يلقنونه: لا إله إلا الله.
وهو يقول: هذه القطعة رخيصة، هذا مشترىً جيد، هذه كذا حتى قضى.
يقول: سبحان الله! كم شاهد الناس من هذا عبراً، والذي يخفى عليهم من أحوال المحتضرين أعظم وأعظم، فإذا كان العبد في حال حضور ذهنه وقوته وكمال إدراكه قد تمكن منه الشيطان واستعمله بما يريده من معاصي الله، وقد أغفل قلبه عن ذكر الله ، وعطل لسانه عن ذكره، وجوارحه عن طاعته؛ فكيف الظن به عند سقوط قواه، واشتغال قلبه ونفسه بما هو فيه من ألم النزع، وجمع الشيطان له كل قوته وهمته، وحشد عليه بجميع ما يقدر عليه لينال منه فرصته؛ فإن ذلك آخر العمل، فأقوى ما يكون عليه شيطانه ذلك الوقت، وأضعف ما يكون هو في تلك الحالة، فمن ترى يسلم من ذلك؟! فهناك: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧] فكيف يوفق لحسن الخاتمة من أغفل الله سبحانه قلبه عن ذكره واتبع هواه وكان أمره فرطاً، فمن كان قلبه غافلاً عن الله، متبعاً لهواه، أسيراً لشهواته، ولسانه يابس من ذكره، وجوارحه معطلة من طاعته مشتغلة بمعصيته؛ فبعيد أن يوفقه الله للخاتمة الحسنى، ولقد قطع خوف الخاتمة ظهور المتقين، وكأن المسيئين الظالمين قد أخذوا توقيعاً بالأمان: ﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ * سَلْهُم أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ﴾ [القلم:٣٩ - ٤٠] كما قيل: يا آمناً من قبيح الفعل يصنعه هل أتاك توقيع أم أنت تملكه جمعت شيئين أمناً واتباع هوى هذا وإحداهما في المرء تهلكه والمحسنون على درب المخاوف قد ساروا وذلك درب لست تسلكه فرطت في الزرع وقت البذر من سفه فكيف عند حصاد الناس تدركه هذا وأعجب شيء منك زهدك في دار البقاء بعيش سوف تتركه من السفيه إذاً بالله أنت أم ال مغبون في البيع غبناً سوف تدركه
стр. 655
العدول عن الاستقامة
يذكر الشيخ صديق حسن خان من أسباب سوء الخاتمة: العدول عن الاستقامة: فإن من كان مستقيماً في ابتدائه ثم تغير عن حاله وخرج مما كان عليه في ابتدائه، يكون ذلك سبباً لسوء خاتمته، فمن سلك الطريق ثم أعرض فالإعراض بعد الإقبال من علامات الخذلان والعياذ بالله ﵎، لكن الإنسان لا ييئس من روح الله، ما دام الإنسان يرى أن حسناته تسره وسيئاته تسوءه، فما زال في قلبه حياة، كما في الحديث: (أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ : ما الإيمان؟ قال: إذا سرتك حسنتك وساءتك سيئتك فأنت مؤمن).
فما دام الإنسان يشعر بعدم الرضا عن نفسه، وتسوءه السيئة إذا ارتكبها، وتسره وتفرحه الحسنة إذا فعلها، فهذا إنسان فيه أمل، وفيه مطمع أن يعود إلى الاستقامة؛ بل إلى أعظم مما كان، فلا يقنط الإنسان من رحمة الله ومن روح الله ﵎.
لكن الإعراض بعد الإقبال أمر ليس بالهين، فإنه يبتلى بموت القلب في هذه الحالة؛ لأنه إذا أعرض عن الله فإلى أين يتجه؟! كان ماشياً على طريق الله؛ يكره التلفزيون، ويكره الموسيقى، ويكره الأغاني، ويكره كل ما يشغله عن الله، ثم يحيد عن هذا الطريق بعد ذلك، أئلى خيرٍ من الله؟ هل وجد في أصحاب الرياضة والكرة والشطرنج واللهو واللعب أفضل مما وجده في الكتاب وفي السنة وفي سير الصالحين؟! إبليس كان في ابتدائه رئيس الملائكة ومعلمهم وأشدهم اجتهاداً في العبادة، ثم لما أمر بالسجود لآدم أبى واستكبر وكان من الكافرين! وبلعام بن باعوراء آتاه الله آياته فانسلخ منها وأخلد إلى الأرض واتبع هواه وكان من الغاوين.
وبرصيصا العابد الذي قال له الشيطان: اكفر.
فلما كفر قال: إني بريء منك، إني أخاف الله رب العالمين، فالشيطان أغراه على الكفر، فلما كفر تبرأ منه مخافة أن يشاركه في العذاب، ولم ينفعه ذلك كما قال تعالى: ﴿فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ [الحشر:١٧].
стр. 656
ضعف الإيمان
ومن أسباب سوء الخاتمة: ضعف الإيمان.
فإن كان في إيمانه ضعف فإنه ضعف حب الله تعالى فيه، ويقوي حب الدنيا في قلبه ويستولي عليه، بحيث لا يبقى فيه موضع لحب الله تعالى، إلا من حيث حديث النفس بحيث لا يظهر له أثره في مخالفة النفس، ولا يؤثر في الكف عن المعاصي، ولا في الحث على الطاعات، فينهمك في الشهوات وارتكاب السيئات، فتتراكم ظلمات الذنوب على القلب، فلا تزال تطفئ ما فيه من نور الإيمان مع ضعفه، فإذا جاءت سكرات الموت يزداد حب الله ضعفاً في قلبه، لما يرى أنه يفارق الدنيا وهي محبوبة له، وحبه إياها غالب عليه، لا يريد تركها ويتألم من فراقها، ويرى ذلك من الله تعالى، فيُخشى أن يحصل في باطنه بغض لله تعالى بدل الحب! فهو يكره أن يفارق الدنيا، والإنسان يكره مفارقة محبوبه، فإذا أقبل على الله وهو لا يحب الله، ففي هذه الحالة يغلب عليه ما أحبه من الدنيا، فيخشى عليه أنه إذا أيقن بلقاء الله يبغض الله، وفي الحديث: (من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن أبغض لقاء الله أبغض الله لقاءه).
فإذا خرجت روحه في هذه الحالة الخطرة فقد ختم له بالسوء، وهلك هلاكاً مؤبداً.
والسبب في هذا هو حب الدنيا والركون إليها مع ضعف الإيمان الموجب لضعف حب الله ﵎، فإذا خرجت روحه في تلك الحالة يكون قلبه ملتفتاً إلى الدنيا، ووجهه مصروفاً إليها، ويحصل بينه وبين ربه حجاب.
حكي أن سليمان بن عبد الملك لما دخل المدينة حاجاً قال: هل بها رجل أدرك عدة من الصحابة؟ قالوا: نعم، أبو حازم.
فأرسلوا إليه، فلما أتاه قال: يا أبا حازم! ما لنا نكره الموت؟ قال: إنكم عمرتم الدنيا وخربتم الآخرة؛ فتكرهون الخروج من العمران إلى الخراب.
قال: صدقت.
ثم قال: ليت شعري ما لنا عند الله تعالى؟ قال: اعرض عملك على كتاب الله.
قال: فأين أجده؟ قال: في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار:١٣ - ١٤]، قال: فأين رحمة الله؟ قال: ﴿قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف:٥٦].
قال: يا ليت شعري كيف العرض على الله غداً؟ قال: أما المحسن فكالغائب الذي يقدم على أهله، وأما المسيء فكالآبق يقدم على مولاه -أي: كالعبد الهارب عندما يقدم على مولاه-، فبكى سليمان حتى علا صوته واشتد بكاؤه، ثم قال: أوصني.
قال: إياك أن يراك الله تعالى حيث نهاك أو يفقدك حيث أمرك.
стр. 657
حكايات من سوء الخاتمة
نذكر بعض الحوادث التي حُكيت ممن حضر بعض الناس عند موتهم.
يقول الشيخ أبو عبد الله بن عبد الله السعيدان في كتابه (تذكرة الإخوان بخاتمة الإنسان): اعلم أن سوء الخاتمة -أعاذنا الله منها- لا تكون لمن استقام ظاهره وصلح باطنه، ما سمع بهذا وما علم به والحمد لله، وإنما تكون لمن كان له فساد في العقد أو إصرار على الكبائر وإقدام على العظائم، فربما غلب ذلك عليه؛ حتى ينزل به الموت قبل التوبة، فيصطلمه الشيطان عند تلك الصدمة، ويختطفه عند تلك الدهشة والعياذ بالله.
أو يكون ممن كان مستقيماً ثم تغير عن حاله فيكون ذلك سبباً لسوء خاتمته وشؤم عاقبته.
وقد خذل خلق كثير عند الموت، فمنهم من أتاه الخذلان من أول مرضه فلم يستدرك قبيحاً مضى، وربما أضاف إليه جوراً في وصيته، ومنهم من فاجأه الخذلان في ساعة اشتداد الأمر، فمنهم من كفر، ومنهم من اعترض وتسخط، نعوذ بالله من الخذلان! ولسوء الخاتمة أسباب تتقدم على الموت، مثل البدعة والنفاق والكبر، ونحو ذلك من الصفات المذمومة.
وسوء الخاتمة على رتبتين: إحداهما أعظم: وهي أن يغلب على القلب شك أو جحود عند سكرات الموت وأهواله، فيقتضي ذلك العذاب الدائم.
الثانية دونها: وهي أن يتسخط الأقدار، أو يتكلم بالاعتراض، أو يجور في وصيته، أو يموت مصراً على ذنب من الذنوب، وسأذكر لك بعض الحوادث الدالة على سوء الخاتمة لعل النفس تعتبر بحال من مضى من مصارع القوم، فإن في ذلك عبرة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
стр. 658
قصة تعذيب من أدخل التلفزيون على أهله
ونحن سنذكر بعض القصص، ونذكركم قبل ذلك بقصة فيها زجر لكثير من الذين يتساهلون في الجلوس عاكفين كالعباد الخاشعين المتبتلين أمام هذا الصنم الذي ملأ البيوت (التلفزيون) وشقيقه (الفيديو) الذي ينتشر الآن في بيوت المسلمين، وفتن الناس به فتنة شديدة.
وهذه قصة يحكيها بعض الشيوخ في كتاب (قصص التائبين) يقول: شيخ كبير في السن كان سبباً في هداية أسرة كاملة كانت غافلة لاهية تقضي معظم وقتها أمام شاشة التلفاز، لمشاهدة الصور المحرمة ومسلسلات الحب والغرام والهيام، فما هي تفاصيل القصة؟ هذه القصة ذكرها الشيخ صالح المالك في موعظة له في المسجد نقلاً عن رجل كان من الحاضرين، وأشار إلى أن هذا هو الشخص الذي حكى لي هذه القصة.
يقول: في يوم من أيام شهر رمضان المبارك كنت نائماً في المسجد بعد صلاة الظهر، فرأيت فيما يرى النائم رجلاً أعرفه من أقاربي قد مات، ولم أكن أعلم أن في بيته تلفازاً، فجاءني فضربني بقدمه ضربة كدت أصرع من ضربته وقال لي: يا فلان! اذهب إلى أهلي وقل لهم: أخرجوا التلفاز من بيتي.
قال الشيخ: وكنت أرى هذا التلفاز في بيته وكأنه كلب أسود -والعياذ بالله-، فاستيقظت من نومي مذعوراً، واستعذت بالله من الشيطان الرجيم وعدت إلى نومي، فجاءني في المنام مرة ثانية وضربني ضربة أقوى من الأولى، وقال لي: قم واذهب إلى أهلي وقل لهم: أخرجوا التلفاز من بيتي لا يعذبونني به، قال: فاستيقظت مرة ثانية وهممت أن أقوم، ولكني تثاقلت وعدت إلى نومي، فجاءني في المرة الثالثة وضربني في هذه المرة ضربة أعظم من الضربتين الأوليين وقال لي: يا فلان! قم واذهب إلى أهلي، وقل لهم: خلصوني مما أنا فيه، خلصك الله! قال: فاستيقظت من نومي وعلمت أن الأمر حقيقة، فلما صليت التراويح من ذلك اليوم ذهبت إلى بيت صاحبي -وهو قريب لي- فلما دخلت إذا بأهله وأولاده قد اجتمعوا على التلفاز ينظرون إليه وكأن على رءوسهم الطير -ينظرون إلى هذا الإله الجديد الصنم- فجلست، فلما رأوني قالوا مستغربين: ما الذي جاء بك في هذا الوقت، فليس هذا من عادتك؟! قال: فقلت لهم: جئت لأسألكم سؤالاً: لو جاءكم مخبر فأخبركم أن أباكم يعذب في قبره، هل ترضون بذلك؟! قالوا: لا، بل ندفع كل ما نملك مقابل نجاة أبينا من العذاب.
قال: فأخبرتهم بما رأيته في المنام من حال أبيهم، فانفجروا جميعاً بالبكاء، وقام كبيرهم إلى ذلك الجهاز (التلفاز) وكسره تكسيراً أمام الجميع معلناً التوبة، ولكن القصة لم تنته بعد! قال الشيخ: فرأيته بعد ذلك في النوم فقال لي: خلصك الله كما خلصتني! فهذه عبرة لمن يعتبر.
الإنسان لو أتى ببترول أو بنزين وسكبه على أولاده وأحرقهم، أهون من أن يجلسهم أمام أفسق الفساق الذي يعلمهم فنون الفساد، ويفسد عقائدهم، ويقطع عليهم الطريق إلى الله ﵎.
الحقيقة نحن نتمنى اليوم الذي نرى فيه جميع المسلمين يخرجون ويكومون هذا الجهاز ويكسرونه على أكوام القمامة، فهذا هو المكان الوحيد اللائق به، ويطهرون بيوتهم من هذا الصنم الجديد الذي يفسد عليهم دينهم، ويفسد عليهم دنياهم.
стр. 659
من علامات سوء الخاتمة في عهد السلف
أما ما وقع من علامات سوء الخاتمة في عهد السلف الصالح، فكثير من العلماء يذكرون أن الله إذا شاء أن يطلع بعض عبيده على شيء من هذا، فإن هذا يقع بالفعل.
يقول شيخ الإسلام: قد سمع غير واحد أصوات المعذبين في قبورهم، وقد شوهد من يخرج من قبره وهو يعذب.
وقال ابن رجب ﵀: قد أطلع الله من شاء من عباده على كثير مما ورد في هذه الأحاديث، حتى سمعوه وشاهدوه عياناًً.
أما في زمن النبي ﷺ فعن زيد بن ثابت ﵁ قال: (بينما النبي ﷺ في حائط لبني النجار على بغلة له ونحن معه، إذ حادت به فكادت تلقيه، وإذا أقبر ستة أو خمسة أو أربعة، فقال: من يعرف أصحاب هذه الأقبر؟ فقال رجل: أنا.
قال: فمتى مات هؤلاء؟ قال: ماتوا في الإشراك.
فقال: إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، فلولا ألا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه، ثم أقبل علينا بوجهه فقال: تعوذوا بالله من عذاب النار.
قالوا: نعوذ بالله من عذاب النار.
فقال: تعوذوا بالله من عذاب القبر.
قالوا: نعوذ بالله من عذاب القبر.
قال: تعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن.
قالوا: نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن.
قال: تعوذوا بالله من فتنة الدجال.
قالوا: نعوذ بالله من فتنة الدجال).
وعن أبي أيوب الأنصاري ﵁ قال: (خرج رسول الله ﷺ بعدما غربت الشمس فسمع صوتاً فقال: يهود تعذب في قبورها).
وعن ابن عباس ﵄ قال: (مر رسول الله ﷺ على قبرين فقال: أما إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله، فدعا بعسيب رطب فشقه باثنين، ثم غرس على هذا واحداً وعلى هذا واحداً ثم قال: لعله أن يخفف عنهما ما لم ييبسا).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: (افتتحنا خيبر ولم نغنم ذهباً أو فضة، إنما غنمنا البقر والإبل والمتاع والحوائط، ثم انصرفنا مع رسول الله ﷺ إلى وادي القرى ومعه عبد له يقال له: مدعم، أهداه له أحد بني الضباب، فبينما هو يحط رحل رسول الله ﷺ إذ جاءه سهم عائر حتى أصاب ذلك العبد، فقال الناس: هنيئاً له الشهادة، فقال رسول الله ﷺ : والذي نفسي بيده! إن الشملة التي أصابها يوم خيبر من المغانم لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه ناراً! فجاء رجل حين سمع ذلك من النبي ﷺ بشراك أو بشراكين فقال: هذا شيء كنت أصبته، فقال رسول الله ﷺ : شراك - أو شراكان - من نار).
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: (كان منا رجل من بني النجار قد قرأ البقرة وآل عمران، وكان يكتب لرسول الله ﷺ ، فانطلق هارباً حتى لحق بأهل الكتاب قال: فرفعوه قالوا: هذا قد كان يكتب لمحمد فأعجبوا به، فما لبث أن قصم الله عنقه فيهم، فحفروا له فواروه فأصبحت الأرض قد نبذته على وجهها، ثم عادوا فحفروا له فواروه فأصبحت الأرض قد نبذته على وجهها، ثم عادوا فحفروا له فواروه فأصبحت الأرض قد نبذته على وجهها، فتركوه منبوذاً).
وعن جابر ﵁: (أن رسول الله ﷺ قدم من سفر، فلما كان قرب المدينة هاجت ريح شديدة تكاد أن تدفن الراكب، فزعم أن رسول الله ﷺ قال: بعثت هذه الريح لموت منافق! فلما قدم المدينة فإذا منافق عظيم من المنافقين قد مات).
стр. 660
من علامات سوء الخاتمة بعد العهد النبوي
أما ما وقع في غير زمن النبي ﷺ من علامات تدل على سوء الخاتمة فهي كثيرة، فبعضهم يظهر عليه ذلك عند اشتداد المرض، فيظهر عليه التسخط والاعتراض على قضاء الله والعياذ بالله.
ومنهم من يظهر عليه عند احتضاره بحيث يتلفظ بكلام يغضب الله تعالى أو يحال بينه وبين كلمة التوحيد، وربما يظهر بعض ذلك عند تغسيله كالتغير في اللون ونحو ذلك.
ومنهم من تظهر هذه العلامات عند إنزاله ودخوله في القبر، والبعض الآخر بعد دفنه في القبر، كما حصل لهذا المنبوذ الذي نبذته الأرض، فأبت أن يستقر فيها، نعوذ بالله من ذلك كله.
يقول الشيخ: حدثني أبو عبد الرحمن اليماني -رجل صالح أحسبه كذلك والله حسيبه- وهو جار لي، أنه لقن رجلاً ساعة الاحتضار شهادة أن لا إله إلا الله، فكان الرجل يحرك رأسه يميناً وشمالاً وهو لا يتكلم وكأنه يقول لي: لا، لن أقولها! يقول: وحدث ذلك لي مرتين.
قال ابن أبي الدنيا ﵁: حدثنا ابن أحمد الفقيه قال: نزل الموت برجل كان عندنا فقيل له: استغفر الله.
فقال: ما أريد.
فقيل له: قل: لا إله إلا الله.
فقال: ما أقول؟ ثم مات.
يقول: وسمعت أن رجلاً كان كثير الصوم والتعبد اشتد به الألم فافتتن، فسمعته يقول: لقد قلبني في أنواع البلاء، فلو أعطاني الفردوس ما وفى بما يجري علي، ثم صار يقول: وأي شيء في هذا الابتلاء من المعنى؟! إن كان موتاً فيجوز، أما هذا التعذيب فأي شيء المقصود به؟! والعياذ بالله.
وسمعت شخصاً آخر يقول وقد اشتد به الألم -وأنا أستغفر الله من نقله-: ربي يظلمني! وهذه حالة من لم ينعم الله عليه بالتوفيق والثبات.
وقال القرطبي رحمه الله تعالى: ولقد رأيت بعض الحساب وهو في غاية المرض يعقد بأصابعه ويحسب!
стр. 661
كلام ابن القيم في سوء الخاتمة
قال ابن القيم ﵀: أخبرني رجل عن قرابة له أنه حضره عند الموت، وكان تاجراً يبيع القماش، قال: فجعل يقول: هذه قطعة جيدة، هذه على قدرك، هذه مشتراها رخيص يساوي كذا وكذا، حتى مات.
والحكايات في هذا كثيرة جداً كما يقول الإمام ابن القيم، فمن كان مشغولاً بالله وبذكره ومحبته في حال حياته وجد ذلك أحوج ما هو إليه عند خروج روحه إلى الله، ومن كان مشغولاً بغيره في حال حياته وصحته فيعسر عليه اشتغاله بالله وحضوره معه عند الموت؛ ما لم تدركه عناية من ربه.
ولأجل هذا كان جديراً بالعاقل أن يلزم قلبه ولسانه ذكر الله حيثما كان لأجل تلك اللحظة، كما قال ﵊: (إخواني! لمثل هذا اليوم فأعدوا)، إذا عودت قلبك الذكر فإنك توفق وتسهل عليك هذه الكلمة في أحوج لحظة أنت محتاج إليها فيها.
وأنا أعرف بعض الناس كان يواظب على الذكر حتى وهو نائم، فكان يسمع صوته وهو يذكر الله ، فمن أدمن الذكر غلب عليه الذكر، وكان قريباً من الله ﵎، فإذا فاتته كلمة لا إله إلا الله في تلك اللحظة أو ختم له بالسوء شقي شقاوة الأبد، فنسأل الله أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته.
قال موسى ﵇: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا * إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا﴾ [طه:٢٩ - ٣٥].
ولولا أن الذكر محتاج لمعونة لما قال ﵊: (أعني على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك).
أما ما ظهر عند التغسيل فكثير أيضاً، يقول الشيخ القحطاني في محاضرة له: إن بعض الأموات عندما كنت أغسلهم كان بعضهم تنقلب بشرته إلى السواد، وبعضهم يقبض يده اليمنى، وبعضهم يدخل يده في فرجه، وبعضهم يشم رائحة الإحراق تخرج من فرجه، وبعضهم تسمع كأن أسياخاً من نار قد أدخلت في فرجه، ولقد جيء بميت فلما ابتدأنا بتغسيله؛ انقلب لونه كأنه فحمة سوداء، وكان قبل ذلك أبيض البشرة، فخرجت من مكان التغسيل وأنا خائف، فوجدت رجلاً واقفاً فقلت: هذا الميت لكم؟ قال: نعم.
قلت: أنت أبوه؟ قال: نعم.
قلت: ما شأن هذا الرجل؟ قال: هذا الرجل كان لا يصلي.
فقلت له: خذ ميتك فاغسله.
ولقد حدثني عدد ممن يغسلون الموتى من مناطق مختلفة عن بعض ما شاهدوه أثناء التغسيل من هذه العلامات.
وإذا حضر الإنسان ميتاً ورأى شيئاً من هذه العلامات فينبغي ألا ينشرها إذا كانت علامات سيئة؛ بل ينبغي عليه أن يستر على ذلك الميت، ويمكن أن يحكي ذلك دون أن يعين شخصاً أو يفهم الناس من المقصود، لذلك يستحبون أن يقوم بالتغسيل رجل صالح فقيه؛ لأنه إذا رأى خيراً نشره وإذا رأى شراً ستره.
فليس معنى ما نحكيه من هذه الأشياء أنه إذا حضر أحدنا تغسيل شخص يخرج ويقول: رأيت كذا وكذا من علامات السوء، إذا رأى شراً يستره، وإذا رأى خيراً ينشره، أما إذا حكى في بعض المجالس للتذكير دون أن يعين وبدون أن يفهم منه من هو ذلك الشخص؛ فلا بأس بذلك للعبرة.
стр. 662
من حكايات الشيخ القحطاني عن سوء الخاتمة
يقول الشيخ القحطاني: إن الرجل الذي يموت على الخير يبدو وكأنه نائم، أما من مات على خلاف ذلك فيظهر عليه الفزع وخوف الموت مع تغير في وجهه، وبعضهم يخرج منه مثل الزفت الأسود، وبعضهم مثل ماء الحناء، وبعضهم يخرج من فمه روائح كريهة مع أن الجثة لا تزال طرية! يقول: وغسلت رجلاً وكان لونه مصفراً، وفي أثناء التغسيل أخذ لونه يتغير إلى السواد من رأسه إلى وسطه، فلما انتهيت من التغسيل إذا به قد أصبح كالفحمة السوداء! وميت آخر كان وجهه أثناء التغسيل متوجهاً نحو كتفه الأيسر، فكلما أرجعته نحو الكتف الأيمن عاد إلى الجهة اليسرى، حتى لما وضعته في قبره ووجهته نحو القبلة، انصرف وجهه عنها إلى أعلى.
وحدثني مغسل آخر أنه غسل رجلاً وكان لونه مصفراً، فلما فرغ من التغسيل اسود وجه ذلك الرجل، فقلت له: أسود مثل لحيتي؟! قال: أسود كالفحم! قال: ثم صار يخرج من عينه دم أحمر، وكأنه يبكي الدم والعياذ بالله! قال: وهذا كان معي -وأشار إلى صاحبه- فقلت له: أرأيت ذلك؟ قال: نعم.
قلت: هل تغير لون جسمه؟ قال: لا، وجهه فقط.
وحدثني مغسل آخر فقال: دخلت ذات مرة على بعض الإخوان وهم يغسلون ميتاً، فرأيت وجهه مسوداً كأنه قرص محترق، وجسمه أصفر، ومنظره مخيف، ثم جاء بعض أهله لينظروا إليه، فلما رأوه على تلك الصورة فروا هاربين خوفاً منه! أما ما ظهر عند الإنزال في القبر فحدثني أحد المغسلين فقال: غسلت عدداً كبيراً من الموتى لسنين طويلة، وأذكر أني وجهت أكثر من مائة ميت نحو القبلة، ولكنهم كلهم صرفت وجوههم عن القبلة.
وحدثني مغسل آخر قال: عندما وضعت أحد الموتى في قبره ووجهته نحو القبلة، رأيت وجهه قد تحول إلى أسفل وأدخل أنفه في التراب، ثم وجهته إلى القبلة ووضعت تحت رأسه تراباً ولكنه عاد وأدخل أنفه في التراب، ثم وضعت رملاً أكثر في هذه المرة؛ حتى لا يعود ولكنه عاد وأدخل أنفه في التراب، ولم أزل معه حتى تكرر الأمر خمس مرات، فلما يئست منه تركته وأغلقت القبر.
وقال الشيخ القحطاني: خرجت ذات يوم من المقبرة بعد صلاة العصر وكنا قد قبرنا رجلاً، وكان الطين عالقاً في يدي فأردت أن أغسلها، إذ جاءت جنازة وكانوا في حدود الخمسين رجلاً فقال أحدهم: بالله عليك ساعدنا في قبر هذا الرجل، فوالله لا نحسن الدفن، فسللت الرجل من جهة الرجلين وكان ثقيلاً فأعانني عليه بعضهم فوضعته في القبر، وتركت لبنة أضعها تحت رأسه، وحللت الأربطة فنظرت فإذا برأس هذا الميت قد تحول عياذاً بالله من القبلة هكذا، -فحول الشيخ رأسه- فقمت برد هذا الميت إلى القبلة، وأخرجت اللبنة الثانية ولكني في هذه المرة وجدت عينيه قد فتحتا، وأنفه وفمه يصبان الدم الأحمر القاني، فداخلني الخوف والوجل حتى لم تستطع رجلاي أن تحملاني داخل القبر، وقد رأى معي اثنان أو ثلاثة هذا المشهد الغريب الخطير، ثم أعطوني اللبنة الثالثة، فوجدت أنه تحول في المرة الثالثة فتركته وهربت من القبر نهائياً، فقام الذين كانوا معي وتولوا عملية الدفن فردموه بالتراب ولم يغلقوا اللحد من شدة الخوف، ثم صرت أرى هذا الميت في المنام سبعاً أو ثمان مرات حتى سكن الله قلبي إلخ.
قال: وميت آخر أنزلته في قبره، فكانت تخرج رائحة الدخان والتعميرة -الشيشة- وكأن شخصاً قد أشعل دخاناً أو تعميرة في القبر، وكل من كان معي كان يشم هذه الرائحة تخرج من ذلك الكفن، وقد تحول عن القبلة بجسمه كله!
стр. 663
حكايات أخرى في سوء الخاتمة
قال ابن أبي الدنيا: حدثني رجل أنه ماتت له ابنة فأنزلها القبر، فذهب يصلح لبنة فإذا هي قد حولت عن القبلة، قال: فاغتممت لذلك غماً شديداً، فرأيتها في النوم فقالت: عامة من حولي من أهل القبور محولون عن القبلة قال: كأنها تريد الذين ماتوا على الكبائر.
وحكى القرطبي حادثة فقال: أخبرني صاحبنا الفقيه العالم أبو عبد الله محمد بن أحمد القصري ﵀ أنه توفي بعض الولاة فحفر له، فلما فرغوا من الحفر وأرادوا أن يدخلوا الميت القبر إذا بحية سوداء داخل القبر، فهابوا أن يدخلوه فيه، فحفروا له قبراً آخر، فلما أرادوا أن يدخلوه إذا بتلك الحية فيه، فحفروا له قبراً آخر فإذا بتلك الحية، فلم يزالوا يحفرون له نحواً من ثلاثين قبراً وإذا بتلك الحية تتعرض لهم في القبر الذي يريدون أن يدفنوه فيه، فلما أعياهم ذلك، سألوا ما يصنعون؟ فقيل لهم: ادفنوه معها.
نسأل الله السلامة والستر في الدنيا والآخرة! أما ما ظهر من علامات بعد الدفن فقد قال ابن القيم رحمه الله تعالى: حدثني صاحبنا أبو عبد الله محمد بن الرزيز الحراني أنه خرج من داره بعد العصر بآمد إلى بستان، قال: فلما كان قبل غروب الشمس توسطت القبور، فإذا بقبر منها وهو جمرة نار مثل كوز الزجاج والميت في وسطه، فجعلت أمسح عيني وأقول: أنائم أنا أم يقظان؟! ثم التفت إلى سور المدينة وقلت: والله ما أنا بنائم، ثم ذهبت إلى أهلي وأنا مدهوش، فأتوني بطعام فلم أستطع أن آكل، ثم دخلت البلد فسألت عن صاحب القبر، فإذا به مكاس قد توفي ذلك اليوم.
المكاس هو: الذي يأخذ الضرائب أو قاطع الطريق.
وقال أبو محمد عبد الحق: حدثني الفقيه أبو الحكم بن برجان وكان من أهل العلم والعمل ﵀ أنهم دفنوا ميتاً بقريتهم في شرق إشبيلية، فلما فرغوا من دفنه قعدوا ناحية يتحدثون ودابة ترعى قريباً منهم، فإذا الدابة قد أقبلت مسرعة إلى القبر فجعلت أذنها عليه كأنها تسمع، ثم ولت فارة، كذلك فعلت مرة بعد أخرى، قال أبو الحكم ﵀: فذكرت عذاب القبر وقول النبي ﷺ : (إنهم ليعذبون عذاباً تسمعه البهائم) والله أعلم بما كان من أمر ذلك الميت! يقول: وحدثني رجل فقال: مات رجل في بلادنا اسمه محمد يزعم أنه مسلم، ولكنه كان لا يصلي ويتعامل بالربا، وأكثر من تبع جنازته من اليهود، فلما دفنوه وابتعدوا عن القبر مسافة عشرة أمتار تقريباً إذا بانفجار يحدث داخل القبر، ثم خرجت نار تتأجج من القبر فقلت له: هل شاهدت ذلك؟ قال: لا، ولكني لما سمعت بالذي حدث ذهبت إلى الذين حضروا المشهد فسألتهم عن ذلك، فكلهم حدثوني بهذا.
وحدثني أحد المغسلين فقال: دفنا ميتاً ذات مرة بعد صلاة العشاء، فلما نمت إذا برجل يأتيني في المنام ويصرخ في وجهي ويقول: قم أدرك الميت الذي دفنته فإنهم يسحبونه من القبر، فقمت فزعاً من نومي، فتعوذت بالله من الشيطان الرجيم، ثم قمت وصليت ما كتب الله لي ثم عدت إلى فراشي، فعاد مرة أخرى، فقمت فزعاً ولم أستطع بعدها أن أنام، فلما أصبحت ذهبت إلى المقبرة ووقفت على قبر ذلك الميت، فإذا أثر سحب فوق القبر من رأس الميت إلى خارج القبر مسافة خمسة أمتار، والقبر على حاله لا يظهر عليه آثار حفر ولا غيره! نعوذ بالله من سوء الخاتمة، ونسأله سبحانه الستر في الدنيا والآخرة؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
стр. 664
ضوابط التبديع
إن كثيراً من طلبة العلم قد أطلقوا لألسنتهم العنان في تصنيف الناس وتبديعهم وتفسيقهم، وهذا يدل على عدم فقههم لأحكام الشرع، ودلالات النصوص، وضوابط التبديع والتفسيق التي وضعها أهل العلم، ولذا كانت الحاجة ماسة إلى بيان ضوابط التبديع والتفسيق والتكفير؛ فقد كثر الزلل في هذه المسائل.
стр. 665
الحديث عن البدعة
الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: فإن هذه العبارة التي نرددها دوماً في خطبة الحاجة وهي قولنا: (أصدق الحديث أو أحسن الكلام كلام الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ هي عبارة مقصودة، ولا تقال عبثاً، وقد جعلها النبي ﵌ في صدر الأمور والحاجات المهمة.
يجب أن يكون شعار كل مسلم (خير الهدي هدي محمد ﷺ ، وينبغي أن يرفع هذا الشعار، وأن يشاع الاستدلال بهذا الشعار، ويدرأ به في نحر كل من يتجاسر على مخالفة هديه أو استحسان البدع التي تخالف هديه ﷺ .
ومن المعلوم أن الله جعل النجاة في كلمة مكونة من شقين: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، ولا ينجو إنسان إلا إذا حقق هاتين الكلمتين.
فالأولى: تشمل توحيد الله ، وهو توحيد المعبود.
والثانية: توحيد الطريق الموصلة إلى الله .
لا إله إلا الله يعني: لا يستحق أن يعبد إلا الله وحده، لا إله حق إلا الله، فإذا قال إنسان: أنا أريد أن أعبد الله وحده، لكن كيف أعبده؟ كيف أعرف الذي يرضيه والذي يسخطه حتى أتجنبه؟ فلا ينبغي أن ننظر فقط إلى قوله ﵎: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، بل وننظر إلى آيات أخرى كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:٢١]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور:٥٤]، وغير ذلك من الآيات التي تحتم على المسلم ألا يعبد إلا الله من خلال ما شرع، ولا يعبده بالبدع.
فهذان التوحيدان لا نجاة إلا بهما: توحيد المعبود، وتوحيد المتبوع ﷺ ، توحيد الطريق الموصلة إلى الله، فمنذ أن بعث رسول الله ﷺ سدت جميع الطرق المؤدية إلى الجنة إلا طريقاً واحداً على رأسه رسول الله محمد ﵌.
وقد أفتى العلماء بكفر من زعم أن هناك طريقاً إلى الجنة مخالفاً لطريق رسول الله ﷺ بعد بعثته الشريفة، فمن ادعى أن هناك طريقاً إلى النجاة وإلى الجنة يخالف طريق النبي ﵊ فإنه قد خرج من ملة الإسلام، وكما يقدح الشرك في توحيد العبادة كذلك يقدح الابتداع في توحيد الاتباع، وكما ينافي التوحيد أعمال الشرك -وهي عبادة غير الله أو صرف شيء من العبادة لغير الله- كذلك ينافي ويضاد شهادة أن محمداً رسول الله الأخذ بالبدع وتقديمها على السنن.
نبدأ هذا البحث ببعض المقدمات اليسيرة التي تتعلق بالبدع؛ لأنه لابد من تمهيد للموضوع الأساسي الذي هو ضوابط التبديع؛ لأنه يحصل خلط في هذا الباب كما يحصل خلط في قضايا التكفير نتيجة عدم إحكام ضوابط التكفير، فكما أن هناك ضوابط للتكفير فكذلك التبديع له ضوابط، ولابد أن نلم بها حتى لا يحصل منا شطط وخروج عن المنهج.
стр. 666
تعريف البدعة لغة
البدعة من الناحية اللغوية: أصل مادتها بدع، ويعبر بها عن الاختراع على غير مثال ومنه قوله ﵎: ﴿بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [البقرة:١١٧] يعني: خالقهما على غير مثال سابق لهما، ومنه قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف:٩] يعني: لست أول من جاء بالرسالة من الله إلى العباد، بل تقدمني كثير من الرسل، فلست بدعاً من الرسل.
ويقال: ابتدع فلان بدعة، يعني: ابتدع واخترع طريقة لم يسبقه إليها أحد، وتقول: هذا شيء بديع أو أمر بديع، إذا كنت تستحسنه وتريد أن تقول: إنه لا مثال له في الحسن، فكأنه لم يتقدمه ما هو مثله أو ما يشبهه.
أما البدعة في المعنى الشرعي فهي: طريقة في الدين مخترعة تنافي الشرعية، ويقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله .
وعندما توصف البدعة بالمعنى اللغوي لابد من التفريق بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي، فالبدعة بالمعنى اللغوي لا تذم على الإطلاق؛ لأنها تشمل كل ما يخترع على غير مثال سابق، فاختراع أي جهاز مثلاً فإنه يعتبر بدعة، لكن هل هي البدعة المذمومة شرعاً؟ كلا، بل قد تكون واجبة في بعض الأحيان، حسب كونها وسيلة تؤدي إلى مقصود، وإذا كان المقصود مباحاً فهي مباحة، وإذا كان واجباً فهي واجبة، وهذا فيما يتعلق بالبدعة اللغوية.
стр. 667
تعريف البدعة شرعاً
البدع الشرعية كلها مذمومة، وهي التي سنناقشها، وليس كلامنا الآن في البدعة من حيث المعنى اللغوي.
والبدعة كما عرفها الشاطبي في الاعتصام: طريقة في الدين مخترعة، تضاهي الشرعية، يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله .
والطريقة والطريق والسنن كلها بمعنى واحد: وهو ما رسم للسلوك عليه.
قوله: (في الدين) الدين: هو ما شرعه الله تعالى على لسان رسوله ﷺ من العقائد والعبادات والمعاملات.
والطرائق في الدين نوعان: هناك طريقة لها أصل في الدين، وطريقة ليس لها أصل في الدين، فالطريقة التي لها أصل في الدين ليست مخترعة، فمثلاً العلوم الخادمة للعلوم الشرعية مثل علم النحو والصرف مفردات اللغة أصول الفقه مصطلح الحديث، كل هذه طرق جيدة في الدين، السلف لم يدرسوا هذه العلوم بهذه الطريقة المدرسية التي ندرسها الآن، أو التي وجدت بعدهم، فهي طريقة في الدين لكنها ليست مخترعة؛ لأن لها أصلاً في الدين.
فأصل هذه العلوم موجود في الشرع وإن لم توجد في الصدر الأول بنفس الكيفية؛ لأن الصحابة من سليقتهم كانوا فصحاء بلغاء، ولا يمكن أن يلحن الواحد منهم، فلما وقع اللحن وضعت هذه العلوم، فهي طريقة في الدين لكنها ليست مخترعة، فهي عبارة عن تسهيل وتخفيف وتيسير لطلبة العلم.
أما النوع الثاني من الطرائق في الدين فهو: طريقة في الدين لا أصل لها، وهي طريقة في الدين مخترعة.
فقولنا: (مخترعة) احترازاً من الطريق التي لها أصل في الدين.
فهي طريقة ابتدعت على غير مثال سابق من الشرع، فهذا معنى مخترعة.
(تضاهي الشرعية): يعني: أنها تشبه الطريقة الشرعية، فمن المعلوم أن الباطل لا يقبل إلا إذا كان فيه شيء من الحق، فلو أن المبتدع أو المضل أخرج الباطل باطلاً محضاً لا يخالطه حق، فإنه يسهل كشفه ولا ينتفع به أحد، لكن لابد للمبطل أن يخلط الباطل بشيء من الحق حتى تروج بضاعته على الناس، فلذلك عندما نقول: إن البدعة طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية بمعنى: أنها تشبه الطريقة الشرعية لكنها في الحقيقة ليست شرعية، فهي مجرد مشابهة، لكن في الحقيقة ليست طريقة شرعية، بل هي تتصادم مع الطريقة الشرعية من أوجه شتى.
فالبدعة فيها وضع حدود خاصة للتعبدات، مثل رجل يريد أن يعبد الله فينذر أن يصوم، ويظل مع صومه قائماً ضاحياً في الشمس لا يستظل، فوضع كل هذه الكيفيات المخترعة للتعبد بدعة في الدين، ومثل الإنسان الذي يتعبد بالاقتصار على نوع معين من الملبس أو المأكل، فهذه أيضاً طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية من غير أن تكون في الحقيقة كذلك.
كذلك التزام كيفية معينة من ذكر أو عدد معين أو صفة معينة والمحافظة عليها فهذه أيضاً طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية، وهكذا فالمبتدع دائماً يخلط البدعة بشيء من الحق، حتى يموه على الناس، ويسهل إضلالهم بها.
قوله: (تضاهي الشرعية) أي: أنها طرائق تضاهي الشرعية كما حصل من كفار قريش عندما كانوا يبتدعون في الدين أشياء يزيدونها على ملة إبراهيم ﵇ ينطبق عليها معنى البدعة، فمثلاً عندما كانوا يعبدون مع الله سبحانه الآلهة الباطلة، كانوا يستدلون على هذه العبادة بقولهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣].
كذلك أيضاً كانوا يطوفون بالبيت عراة، وهذا الفعل سماه الله تعالى فاحشة في قوله: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٢٨]، ويقولون: لا نطوف بثياب عصينا الله فيها، فهذا فيه مضاهاة للطريقة الشرعية.
كذلك كان المتشددون من قريش في الجاهلية يرفضون الخروج إلى عرفات، ويصورون عدم خروجهم إلى عرفات بأنهم يعظمون الحرم، ويقولون: نحن لا نخرج من الحرم تعظيماً للحرم، ويرفضون الخروج إلى عرفات، فهذا أيضاً من بدعهم.
كذلك من هذه الطرق المبتدعة في الدين ما يدعيه الصوفية من أنهم يعبدون الله لا خوفاً من ناره ولا طمعاً في جنته، ولكن حباً فيه، وهذا من الطرق المبتدعة في الدين.
قوله: (يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله ، هذه من أركان تعريف البدعة، فالمبتدع ينظر إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، فيظن أن المقصود هو العبادة، لكنه يغفل عن حقيقة أخرى غير استحقاق الله وحده للعبادة، وهي أنه كما نوحد الله بالعبادة كذلك يجب أن نوحد رسوله بالاتباع والاقتداء، فلا نقتدي بغير رسول الله ﵌، فنعبد الله بما شرع، ولا نعبده بالبدع؛ لأننا إذا تقربنا إلى الله بغير ما شرعه على لسان رسول الله ﵊ فمعنى ذلك أننا نتهم الشرع بالنقص، وأن الرسول ما استوفى وسعه في نصيحتنا، وأنه كانت هناك أشياء تقربنا إلى الجنة وتباعدنا من النار؛ وهو ﵊ -وحاشاه- قد كتمها ولم يدلنا عليها! فهذا اتهام للشرع بالنقصان.
قوله: (يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله معنى ذلك: أن البدع لا تدخل في العادات؛ لأن الفارق بين العادة والعبادة هو النية، فإذا انضاف إليها نية التقرب إلى الله كانت بدعة.
مثلاً: إذا كان إنسان لا يأكل اللحم؛ لأنه لا يعجبه أو يؤذيه من الناحية الصحية أو لا يحبه بطبعه فليس عليه الحرج ما دام في نطاق العادات، أما إذا امتنع رجل آخر من اللحم تعبداً، ويقول: أتقرب إلى الله بترك اللحم، فهذا هو الذي يدخل في حد البدعة، والفرق بينهما النية، ولذلك قال الشاطبي في التعريف: يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله .
стр. 668
ذم السلف للبدع والتحذير منها
الأدلة على ذم البدعة والتحذير منها كثيرة متواترة سواء في القرآن أو في سنة الرسول ﵌، أما القرآن فإن أكثر الأدلة الآمرة بطاعة الرسول صلى عليه وسلم مقرونة بطاعة الله .
أما في السنة فالأحاديث مشهورة، ويكفي قوله ﵊: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)، وقوله: (كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار)، فلا يقبل أبداً من أي شخص أن يأتي ببدعة وقد قال الرسول ﵊: (كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار)، (فكل) صيغة عموم، وفي الحديث الآخر: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)، وهذا أيضاً صيغة عموم، فكل البدع باطلة مردودة على صاحبها، فلا يليق أن يأتي من يدعي الإسلام ويسمع قول النبي ﵊: (كل محدثة بدعة)، ثم يقول: لا، ليست كل محدثة بدعة، ولا كل بدعة ضلالة، بل منها ما هو حسن! ولذلك قال الإمام مالك رحمه الله تعالى: من ابتدع بدعة وزعم أنها حسنة فقد زعم أن محمداً خان الرسالة ﵊.
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: الاقتصاد في السنة خير من الاجتهاد في البدعة.
وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: النظر إلى الرجل من أهل السنة يدعو إلى السنة وينهى عن البدعة عبادة.
وقال الأوزاعي: اصبر نفسك على السنة، وقف حيث وقف القوم، وقل بما قالوا، وكف عما كفوا عنه، واسلك سبيل سلفك الصالح، فإنه يسعك ما يسعهم.
وعن أيوب السختياني قال: إني لأخبر بموت الرجل من أهل السنة فكأني أفقد بعض أعضائي.
وعنه أيضاً قال: إن من سعادة الحدث والأعجمي أن يوفقهما الله تعالى لعالم من أهل السنة.
لماذا؟ لأن الإنسان يتعصب لأول شيخ علّمه، ولأول كتاب قرأه.
فمن علامات السعادة والتوفيق أن الحدث -وهو الشاب الصغير- إذا تاب وأناب، أن يكون ذلك ابتداء على عالم سني حتى يقتصر على الطريق السوي، ولا يضيع عمره في التجول بين الطوائف المختلفة، فإن من علامات السعادة: أنه منذ البداية وضع قدمه على الطريق الصحيح، ولا يضيع بضاعة العمر بالتجول في الفرق الضالة.
وقال ابن شوذب: إن من نعمة الله على الشاب إذا نسك أن يوافي صاحب سنة يحمله عليها.
وقال الجنيد بن محمد رحمه الله تعالى: الطريق إلى الله مسدودة على خلق الله تعالى، إلا على المقتفين آثار رسول الله ﷺ ، والتابعين لسنته، كما قال : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١].
وعن معمر قال: كان طاوس جالساً وعنده ابنه، فجاء رجل من المعتزلة فتكلم في شيء -بدأ يتكلم في بدعته- فأدخل طاوس أصبعيه في أذنيه وقال: يا بني! أدخل أصبعك في أذنيك حتى لا تسمع من قوله شيئاً؛ فإن هذا القلب ضعيف.
فلا ينبغي أبداً للإنسان أن يعرض نفسه لبلاء لا يطيقه، فإن كنت غير راسخ في العلم فلا تسمح لمبتدع أن يحادثك أو يعرض عليك بدعته، فلعله أن يشوش عليك ولا تملك دفعاً لها، وإذا ملكت لسانك لم تملك قلبك فإنه قد يتأثر بهذه البدع والضلالات خاصة، وإذا كان لديك لسان وجدل فليست البطولة أن تصغي إلى مبتدع ضال، بل البطولة ألا تعرض نفسك أصلاً لهذه الفتنة.
فهذا طاوس لم يسمع لهذا المبتدع، وقال: إن هذا القلب ضعيف، وما زال يقول: أي بني! اثبت، أي بني! اثبت حتى قام الرجل المعتزلي.
وعن صالح المري قال: دخل رجل على ابن سيرين وأنا شاهد، ففتح باباً من أبواب القدر فتكلم فيه فقال ابن سيرين: إما أن تقوم وإما أن أقوم.
وعن سلمان بن أبي مطيع قال: قال رجل من أهل الأهواء لـ أيوب -هكذا كانوا يسمون أهل البدعة، ما كانوا يسمونهم بالعقلانيين ولا غير ذلك من المسميات الموجودة الآن، لكن كانوا يسمونهم أهل الأهواء قال - لـ أيوب السختياني: أكلمك بكلمة قال: لا، ولا نصف كلمة! وعن أيوب السختياني قال: ما ازداد صاحب بدعة اجتهاداً إلا ازداد من الله بعداً.
وقال أبو قلابة: لا تجالسوا أهل الأهواء، ولا تحادثوهم، فإني لا آمن أن يغمروكم في ضلالتهم أو ينكسوا عليكم ما كنتم تعرفون.
وعن سفيان الثوري قال: البدعة أحب إلى إبليس من المعصية، المعصية يتاب منها والبدعة لا يتاب منها، يعني: يرجع منها.
وعن مؤمل بن إسماعيل قال: مات عبد العزيز بن أبي داود وكنت في جنازته حتى وضع عند باب الصفا فصف الناس، وجاء الثوري فقال الناس: جاء الثوري، فجاء حتى خرق الصفوف والناس ينظرون إليه، فتجاوز الجنازة ولم يصل عليها؛ لأنه كان يرمى بالإرجاء.
وعن سفيان بن عيينة قال: ليس في الأرض صاحب بدعة إلا وهو يجد ذلة تغشاه -لابد أن المبتدع يشعر بنوع من المذلة- قال: وهو في كتاب الله -يعني: الدليل على هذا في كتاب الله- قالوا: وأين هو في كتاب الله؟! قال: أما سمعتم قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الأعراف:١٥٢]؟! قالوا: يا أبا محمد! هذه لأصحاب العجل خاصة! قال: كلا، اتلوا ما بعدها: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ [الأعراف:١٥٢] أي: الكذابين المبتدعين، فهي لكل مفتر ومبتدع إلى يوم القيامة.
وعن حسان قال: ما ابتدع قوم بدعة في دينهم إلا نزع الله من سنتهم مثلها، ثم لا يعيدها إليهم إلى يوم القيامة.
وعن سفيان الثوري قال: من سمع من مبتدع لم ينفعه الله بما سمع، ومن صافحه فقد نقض الإسلام عروة عروة.
وعن سعيد قال: مرض سفيان الثوري فبكى في مرضه بكاءً شديداً، فقيل له: ما يبكيك؟ أتجزع من الموت؟ قال: لا، ولكني مررت على قدري فسلمت عليه، فأخاف أن يحاسبني ربي عليه.
وعن الفضيل بن عياض قال: من جلس إلى صاحب بدعة فاحذروه.
وعنه قال: من أحب صاحب بدعة أحبط الله عمله، وأخرج نور الإسلام من قلبه.
وعنه قال: إذا رأيت مبتدعاً في طريق فكن في طريق آخر، ولا يرفع لصاحب البدعة إلى الله عمل، ومن أعان صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام.
وعن بشر بن الحارث قال: جاء موت هذا الذي يقال له: المريسي وأنا في السوق، فلولا أن الموضع ليس موضع سجود لسجدت شكراً أي: حمداً لله الذي أماته! وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم، يعني: أتاكم من الدين ما يكفيكم قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة:٣].
وقال أيضاً: تعلموا العلم قبل أن يقبض، وقبضه ذهاب أهله، ألا وإياكم والتنطع والتعمق والبدع! وعليكم بالعتيق، يعني: القديم.
وعنه قال: أيها الناس! إنكم ستحدثون ويحدث لكم، فإذا رأيتم محدثة فعليكم بالأمر الأول.
وعن عمر قال: يهدم الإسلام زلة عالم، وجدال المنافق بالقرآن، وحكم الأئمة المضلين.
وعنه قال: سيأتي ناس يجادلونكم بشبهات القرآن، فخذوهم بالسنن، فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله ﵎.
وعن محمد بن مسلم قال: من وقر صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام.
وعن ابن عمر ﵄ قال: كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة.
وقال إبراهيم النخعي: ما أعطاكم الله خيراً أخبئ عنهم، وهم أصحاب رسوله وخيرته من خلقه -يعني: لا يمكن أن يصطفيكم بخير يكون قد حجبه عن الصحابة- فكل خير هم كانوا أولى به، فلا تحسنوا الظن بأنفسكم أنكم أفضل ناصحاً، فهم أصحاب النبي وخيرته من خلقه، أفضل أولياء الله، فلا يمكن أن يكون هناك خير منعوا منه وحزتم أنتم بما ابتدعتم في الدين.
وروي أن رجلاً قال لـ مالك بن أنس: من أين أحرم؟ قال: من حيث أحرم رسول الله ﷺ ، قال الرجل: فإن أحرمت من أبعد منه؟ قال: فلا تفعل، فإني أخاف عليك الفتنة، قال: وأي فتنة في زيادة الخير؟! قال مالك: فإن الله تعالى يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣] وأي فتنة أعظم من أن ترى أنك خصصت بفضل لم يخص به رسول الله ﷺ ؟! وقال الأوزاعي: بلغني أن من ابتدع بدعة خلاه الشيطان والعبادة، وألقى عليه الخشوع والبكاء لكي يصطاد به.
وعن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى قال: قف حيث وقف القوم - أي: السلف- فإنهم عن علم وقفوا، وببصر نافذ كفوا، ولهم على كشفها كانوا الأقوى، وبالفضل لو كان فيها أحرى، فلئن قلتم: حدث بعدهم فما أحدثه إلا من خالف هديهم، ورغب عن سنتهم، وقد وصفوا منه ما يشفي، وتكلموا منه بما يكفي، فما فوقهم فحسر، وما دونهم مقصر، لقد قصر عنهم قوم فجفوا، وتجاوزهم آخرون فغلوا، وإنهم فيما بين ذلك لعلى هدىً مستقيم.
وقال محمد بن عبد الرحمن لرجل تكلم ببدعته ودعا الناس إليها: هذه البدعة التي تدعو إليها، هل علمها رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي أم لم يعلموها؟ قال: لم يعلموها، قال: فشيء لا يعلمه هؤلاء أعلمته أنت؟! قال الرجل: فإني أقول قد علموها، قال: أفوسعهم ألا يتكلموا بها ولا يدعوا الناس إليها أم لم يسعهم؟ قال: بلى وسعهم، قال: فشيء
стр. 669
أقسام البدع
تكلمنا في حد البدعة، وفي التنفير منها، وفي ذكر النصوص في ذمها، فما هي الضوابط التي تحكم مسألة الحكم على أحد بالبدعة، وكيفية معاملته وغير ذلك؟ فالبدعة تنقسم باعتبارات إلى أقسام عدة: بدعة فعلية وبدعة تركية، بدعة كلية وبدعة جزئية، بدعة عادية وبدعة عبادية، بدعة حقيقية وبدعة إضافية.
стр. 670
البدعة الفعلية والتركية
البدعة الفعلية والتركية: مبنية على أساس الفعل والترك، فالإنسان قد يترك أشياء أباحها الله له، لكنه يتركها تعبداً كما يفعل الذين ينقطعون للعبادة ويستدلون بقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩]، فيتركون بعض المباحات تديناً، فهذه من البدع التركية.
следующие страницы →