← Джавами‘

Джавами‘ · id 37018

دروس الشيخ محمد إسماعيل المقدم

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (2 122 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

تعريف البدعة لغة البدعة من الناحية اللغوية: أصل مادتها بدع، ويعبر بها عن الاختراع على غير مثال ومنه قوله ﵎: ﴿بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [البقرة:١١٧] يعني: خالقهما على غير مثال سابق لهما، ومنه قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف:٩] يعني: لست أول من جاء بالرسالة من الله إلى العباد، بل تقدمني كثير من الرسل، فلست بدعاً من الرسل. ويقال: ابتدع فلان بدعة، يعني: ابتدع واخترع طريقة لم يسبقه إليها أحد، وتقول: هذا شيء بديع أو أمر بديع، إذا كنت تستحسنه وتريد أن تقول: إنه لا مثال له في الحسن، فكأنه لم يتقدمه ما هو مثله أو ما يشبهه. أما البدعة في المعنى الشرعي فهي: طريقة في الدين مخترعة تنافي الشرعية، ويقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله . وعندما توصف البدعة بالمعنى اللغوي لابد من التفريق بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي، فالبدعة بالمعنى اللغوي لا تذم على الإطلاق؛ لأنها تشمل كل ما يخترع على غير مثال سابق، فاختراع أي جهاز مثلاً فإنه يعتبر بدعة، لكن هل هي البدعة المذمومة شرعاً؟ كلا، بل قد تكون واجبة في بعض الأحيان، حسب كونها وسيلة تؤدي إلى مقصود، وإذا كان المقصود مباحاً فهي مباحة، وإذا كان واجباً فهي واجبة، وهذا فيما يتعلق بالبدعة اللغوية.

стр. 667

تعريف البدعة شرعاً البدع الشرعية كلها مذمومة، وهي التي سنناقشها، وليس كلامنا الآن في البدعة من حيث المعنى اللغوي. والبدعة كما عرفها الشاطبي في الاعتصام: طريقة في الدين مخترعة، تضاهي الشرعية، يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله . والطريقة والطريق والسنن كلها بمعنى واحد: وهو ما رسم للسلوك عليه. قوله: (في الدين) الدين: هو ما شرعه الله تعالى على لسان رسوله ﷺ من العقائد والعبادات والمعاملات. والطرائق في الدين نوعان: هناك طريقة لها أصل في الدين، وطريقة ليس لها أصل في الدين، فالطريقة التي لها أصل في الدين ليست مخترعة، فمثلاً العلوم الخادمة للعلوم الشرعية مثل علم النحو والصرف مفردات اللغة أصول الفقه مصطلح الحديث، كل هذه طرق جيدة في الدين، السلف لم يدرسوا هذه العلوم بهذه الطريقة المدرسية التي ندرسها الآن، أو التي وجدت بعدهم، فهي طريقة في الدين لكنها ليست مخترعة؛ لأن لها أصلاً في الدين. فأصل هذه العلوم موجود في الشرع وإن لم توجد في الصدر الأول بنفس الكيفية؛ لأن الصحابة من سليقتهم كانوا فصحاء بلغاء، ولا يمكن أن يلحن الواحد منهم، فلما وقع اللحن وضعت هذه العلوم، فهي طريقة في الدين لكنها ليست مخترعة، فهي عبارة عن تسهيل وتخفيف وتيسير لطلبة العلم. أما النوع الثاني من الطرائق في الدين فهو: طريقة في الدين لا أصل لها، وهي طريقة في الدين مخترعة. فقولنا: (مخترعة) احترازاً من الطريق التي لها أصل في الدين. فهي طريقة ابتدعت على غير مثال سابق من الشرع، فهذا معنى مخترعة. (تضاهي الشرعية): يعني: أنها تشبه الطريقة الشرعية، فمن المعلوم أن الباطل لا يقبل إلا إذا كان فيه شيء من الحق، فلو أن المبتدع أو المضل أخرج الباطل باطلاً محضاً لا يخالطه حق، فإنه يسهل كشفه ولا ينتفع به أحد، لكن لابد للمبطل أن يخلط الباطل بشيء من الحق حتى تروج بضاعته على الناس، فلذلك عندما نقول: إن البدعة طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية بمعنى: أنها تشبه الطريقة الشرعية لكنها في الحقيقة ليست شرعية، فهي مجرد مشابهة، لكن في الحقيقة ليست طريقة شرعية، بل هي تتصادم مع الطريقة الشرعية من أوجه شتى. فالبدعة فيها وضع حدود خاصة للتعبدات، مثل رجل يريد أن يعبد الله فينذر أن يصوم، ويظل مع صومه قائماً ضاحياً في الشمس لا يستظل، فوضع كل هذه الكيفيات المخترعة للتعبد بدعة في الدين، ومثل الإنسان الذي يتعبد بالاقتصار على نوع معين من الملبس أو المأكل، فهذه أيضاً طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية من غير أن تكون في الحقيقة كذلك. كذلك التزام كيفية معينة من ذكر أو عدد معين أو صفة معينة والمحافظة عليها فهذه أيضاً طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية، وهكذا فالمبتدع دائماً يخلط البدعة بشيء من الحق، حتى يموه على الناس، ويسهل إضلالهم بها. قوله: (تضاهي الشرعية) أي: أنها طرائق تضاهي الشرعية كما حصل من كفار قريش عندما كانوا يبتدعون في الدين أشياء يزيدونها على ملة إبراهيم ﵇ ينطبق عليها معنى البدعة، فمثلاً عندما كانوا يعبدون مع الله سبحانه الآلهة الباطلة، كانوا يستدلون على هذه العبادة بقولهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣]. كذلك أيضاً كانوا يطوفون بالبيت عراة، وهذا الفعل سماه الله تعالى فاحشة في قوله: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٢٨]، ويقولون: لا نطوف بثياب عصينا الله فيها، فهذا فيه مضاهاة للطريقة الشرعية. كذلك كان المتشددون من قريش في الجاهلية يرفضون الخروج إلى عرفات، ويصورون عدم خروجهم إلى عرفات بأنهم يعظمون الحرم، ويقولون: نحن لا نخرج من الحرم تعظيماً للحرم، ويرفضون الخروج إلى عرفات، فهذا أيضاً من بدعهم. كذلك من هذه الطرق المبتدعة في الدين ما يدعيه الصوفية من أنهم يعبدون الله لا خوفاً من ناره ولا طمعاً في جنته، ولكن حباً فيه، وهذا من الطرق المبتدعة في الدين. قوله: (يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله ، هذه من أركان تعريف البدعة، فالمبتدع ينظر إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، فيظن أن المقصود هو العبادة، لكنه يغفل عن حقيقة أخرى غير استحقاق الله وحده للعبادة، وهي أنه كما نوحد الله بالعبادة كذلك يجب أن نوحد رسوله بالاتباع والاقتداء، فلا نقتدي بغير رسول الله ﵌، فنعبد الله بما شرع، ولا نعبده بالبدع؛ لأننا إذا تقربنا إلى الله بغير ما شرعه على لسان رسول الله ﵊ فمعنى ذلك أننا نتهم الشرع بالنقص، وأن الرسول ما استوفى وسعه في نصيحتنا، وأنه كانت هناك أشياء تقربنا إلى الجنة وتباعدنا من النار؛ وهو ﵊ -وحاشاه- قد كتمها ولم يدلنا عليها! فهذا اتهام للشرع بالنقصان. قوله: (يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله معنى ذلك: أن البدع لا تدخل في العادات؛ لأن الفارق بين العادة والعبادة هو النية، فإذا انضاف إليها نية التقرب إلى الله كانت بدعة. مثلاً: إذا كان إنسان لا يأكل اللحم؛ لأنه لا يعجبه أو يؤذيه من الناحية الصحية أو لا يحبه بطبعه فليس عليه الحرج ما دام في نطاق العادات، أما إذا امتنع رجل آخر من اللحم تعبداً، ويقول: أتقرب إلى الله بترك اللحم، فهذا هو الذي يدخل في حد البدعة، والفرق بينهما النية، ولذلك قال الشاطبي في التعريف: يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله .

стр. 668

ذم السلف للبدع والتحذير منها الأدلة على ذم البدعة والتحذير منها كثيرة متواترة سواء في القرآن أو في سنة الرسول ﵌، أما القرآن فإن أكثر الأدلة الآمرة بطاعة الرسول صلى عليه وسلم مقرونة بطاعة الله . أما في السنة فالأحاديث مشهورة، ويكفي قوله ﵊: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)، وقوله: (كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار)، فلا يقبل أبداً من أي شخص أن يأتي ببدعة وقد قال الرسول ﵊: (كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار)، (فكل) صيغة عموم، وفي الحديث الآخر: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)، وهذا أيضاً صيغة عموم، فكل البدع باطلة مردودة على صاحبها، فلا يليق أن يأتي من يدعي الإسلام ويسمع قول النبي ﵊: (كل محدثة بدعة)، ثم يقول: لا، ليست كل محدثة بدعة، ولا كل بدعة ضلالة، بل منها ما هو حسن! ولذلك قال الإمام مالك رحمه الله تعالى: من ابتدع بدعة وزعم أنها حسنة فقد زعم أن محمداً خان الرسالة ﵊. وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: الاقتصاد في السنة خير من الاجتهاد في البدعة. وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: النظر إلى الرجل من أهل السنة يدعو إلى السنة وينهى عن البدعة عبادة. وقال الأوزاعي: اصبر نفسك على السنة، وقف حيث وقف القوم، وقل بما قالوا، وكف عما كفوا عنه، واسلك سبيل سلفك الصالح، فإنه يسعك ما يسعهم. وعن أيوب السختياني قال: إني لأخبر بموت الرجل من أهل السنة فكأني أفقد بعض أعضائي. وعنه أيضاً قال: إن من سعادة الحدث والأعجمي أن يوفقهما الله تعالى لعالم من أهل السنة. لماذا؟ لأن الإنسان يتعصب لأول شيخ علّمه، ولأول كتاب قرأه. فمن علامات السعادة والتوفيق أن الحدث -وهو الشاب الصغير- إذا تاب وأناب، أن يكون ذلك ابتداء على عالم سني حتى يقتصر على الطريق السوي، ولا يضيع عمره في التجول بين الطوائف المختلفة، فإن من علامات السعادة: أنه منذ البداية وضع قدمه على الطريق الصحيح، ولا يضيع بضاعة العمر بالتجول في الفرق الضالة. وقال ابن شوذب: إن من نعمة الله على الشاب إذا نسك أن يوافي صاحب سنة يحمله عليها. وقال الجنيد بن محمد رحمه الله تعالى: الطريق إلى الله مسدودة على خلق الله تعالى، إلا على المقتفين آثار رسول الله ﷺ ، والتابعين لسنته، كما قال : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١]. وعن معمر قال: كان طاوس جالساً وعنده ابنه، فجاء رجل من المعتزلة فتكلم في شيء -بدأ يتكلم في بدعته- فأدخل طاوس أصبعيه في أذنيه وقال: يا بني! أدخل أصبعك في أذنيك حتى لا تسمع من قوله شيئاً؛ فإن هذا القلب ضعيف. فلا ينبغي أبداً للإنسان أن يعرض نفسه لبلاء لا يطيقه، فإن كنت غير راسخ في العلم فلا تسمح لمبتدع أن يحادثك أو يعرض عليك بدعته، فلعله أن يشوش عليك ولا تملك دفعاً لها، وإذا ملكت لسانك لم تملك قلبك فإنه قد يتأثر بهذه البدع والضلالات خاصة، وإذا كان لديك لسان وجدل فليست البطولة أن تصغي إلى مبتدع ضال، بل البطولة ألا تعرض نفسك أصلاً لهذه الفتنة. فهذا طاوس لم يسمع لهذا المبتدع، وقال: إن هذا القلب ضعيف، وما زال يقول: أي بني! اثبت، أي بني! اثبت حتى قام الرجل المعتزلي. وعن صالح المري قال: دخل رجل على ابن سيرين وأنا شاهد، ففتح باباً من أبواب القدر فتكلم فيه فقال ابن سيرين: إما أن تقوم وإما أن أقوم. وعن سلمان بن أبي مطيع قال: قال رجل من أهل الأهواء لـ أيوب -هكذا كانوا يسمون أهل البدعة، ما كانوا يسمونهم بالعقلانيين ولا غير ذلك من المسميات الموجودة الآن، لكن كانوا يسمونهم أهل الأهواء قال - لـ أيوب السختياني: أكلمك بكلمة قال: لا، ولا نصف كلمة! وعن أيوب السختياني قال: ما ازداد صاحب بدعة اجتهاداً إلا ازداد من الله بعداً. وقال أبو قلابة: لا تجالسوا أهل الأهواء، ولا تحادثوهم، فإني لا آمن أن يغمروكم في ضلالتهم أو ينكسوا عليكم ما كنتم تعرفون. وعن سفيان الثوري قال: البدعة أحب إلى إبليس من المعصية، المعصية يتاب منها والبدعة لا يتاب منها، يعني: يرجع منها. وعن مؤمل بن إسماعيل قال: مات عبد العزيز بن أبي داود وكنت في جنازته حتى وضع عند باب الصفا فصف الناس، وجاء الثوري فقال الناس: جاء الثوري، فجاء حتى خرق الصفوف والناس ينظرون إليه، فتجاوز الجنازة ولم يصل عليها؛ لأنه كان يرمى بالإرجاء. وعن سفيان بن عيينة قال: ليس في الأرض صاحب بدعة إلا وهو يجد ذلة تغشاه -لابد أن المبتدع يشعر بنوع من المذلة- قال: وهو في كتاب الله -يعني: الدليل على هذا في كتاب الله- قالوا: وأين هو في كتاب الله؟! قال: أما سمعتم قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الأعراف:١٥٢]؟! قالوا: يا أبا محمد! هذه لأصحاب العجل خاصة! قال: كلا، اتلوا ما بعدها: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ [الأعراف:١٥٢] أي: الكذابين المبتدعين، فهي لكل مفتر ومبتدع إلى يوم القيامة. وعن حسان قال: ما ابتدع قوم بدعة في دينهم إلا نزع الله من سنتهم مثلها، ثم لا يعيدها إليهم إلى يوم القيامة. وعن سفيان الثوري قال: من سمع من مبتدع لم ينفعه الله بما سمع، ومن صافحه فقد نقض الإسلام عروة عروة. وعن سعيد قال: مرض سفيان الثوري فبكى في مرضه بكاءً شديداً، فقيل له: ما يبكيك؟ أتجزع من الموت؟ قال: لا، ولكني مررت على قدري فسلمت عليه، فأخاف أن يحاسبني ربي عليه. وعن الفضيل بن عياض قال: من جلس إلى صاحب بدعة فاحذروه. وعنه قال: من أحب صاحب بدعة أحبط الله عمله، وأخرج نور الإسلام من قلبه. وعنه قال: إذا رأيت مبتدعاً في طريق فكن في طريق آخر، ولا يرفع لصاحب البدعة إلى الله عمل، ومن أعان صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام. وعن بشر بن الحارث قال: جاء موت هذا الذي يقال له: المريسي وأنا في السوق، فلولا أن الموضع ليس موضع سجود لسجدت شكراً أي: حمداً لله الذي أماته! وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم، يعني: أتاكم من الدين ما يكفيكم قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة:٣]. وقال أيضاً: تعلموا العلم قبل أن يقبض، وقبضه ذهاب أهله، ألا وإياكم والتنطع والتعمق والبدع! وعليكم بالعتيق، يعني: القديم. وعنه قال: أيها الناس! إنكم ستحدثون ويحدث لكم، فإذا رأيتم محدثة فعليكم بالأمر الأول. وعن عمر قال: يهدم الإسلام زلة عالم، وجدال المنافق بالقرآن، وحكم الأئمة المضلين. وعنه قال: سيأتي ناس يجادلونكم بشبهات القرآن، فخذوهم بالسنن، فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله ﵎. وعن محمد بن مسلم قال: من وقر صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام. وعن ابن عمر ﵄ قال: كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة. وقال إبراهيم النخعي: ما أعطاكم الله خيراً أخبئ عنهم، وهم أصحاب رسوله وخيرته من خلقه -يعني: لا يمكن أن يصطفيكم بخير يكون قد حجبه عن الصحابة- فكل خير هم كانوا أولى به، فلا تحسنوا الظن بأنفسكم أنكم أفضل ناصحاً، فهم أصحاب النبي وخيرته من خلقه، أفضل أولياء الله، فلا يمكن أن يكون هناك خير منعوا منه وحزتم أنتم بما ابتدعتم في الدين. وروي أن رجلاً قال لـ مالك بن أنس: من أين أحرم؟ قال: من حيث أحرم رسول الله ﷺ ، قال الرجل: فإن أحرمت من أبعد منه؟ قال: فلا تفعل، فإني أخاف عليك الفتنة، قال: وأي فتنة في زيادة الخير؟! قال مالك: فإن الله تعالى يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣] وأي فتنة أعظم من أن ترى أنك خصصت بفضل لم يخص به رسول الله ﷺ ؟! وقال الأوزاعي: بلغني أن من ابتدع بدعة خلاه الشيطان والعبادة، وألقى عليه الخشوع والبكاء لكي يصطاد به. وعن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى قال: قف حيث وقف القوم - أي: السلف- فإنهم عن علم وقفوا، وببصر نافذ كفوا، ولهم على كشفها كانوا الأقوى، وبالفضل لو كان فيها أحرى، فلئن قلتم: حدث بعدهم فما أحدثه إلا من خالف هديهم، ورغب عن سنتهم، وقد وصفوا منه ما يشفي، وتكلموا منه بما يكفي، فما فوقهم فحسر، وما دونهم مقصر، لقد قصر عنهم قوم فجفوا، وتجاوزهم آخرون فغلوا، وإنهم فيما بين ذلك لعلى هدىً مستقيم. وقال محمد بن عبد الرحمن لرجل تكلم ببدعته ودعا الناس إليها: هذه البدعة التي تدعو إليها، هل علمها رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي أم لم يعلموها؟ قال: لم يعلموها، قال: فشيء لا يعلمه هؤلاء أعلمته أنت؟! قال الرجل: فإني أقول قد علموها، قال: أفوسعهم ألا يتكلموا بها ولا يدعوا الناس إليها أم لم يسعهم؟ قال: بلى وسعهم، قال: فشيء

стр. 669

أقسام البدع تكلمنا في حد البدعة، وفي التنفير منها، وفي ذكر النصوص في ذمها، فما هي الضوابط التي تحكم مسألة الحكم على أحد بالبدعة، وكيفية معاملته وغير ذلك؟ فالبدعة تنقسم باعتبارات إلى أقسام عدة: بدعة فعلية وبدعة تركية، بدعة كلية وبدعة جزئية، بدعة عادية وبدعة عبادية، بدعة حقيقية وبدعة إضافية.

стр. 670

البدعة الفعلية والتركية البدعة الفعلية والتركية: مبنية على أساس الفعل والترك، فالإنسان قد يترك أشياء أباحها الله له، لكنه يتركها تعبداً كما يفعل الذين ينقطعون للعبادة ويستدلون بقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩]، فيتركون بعض المباحات تديناً، فهذه من البدع التركية.

стр. 671

البدعة العملية والاعتقادية قسم آخر للبدع: بدع عملية وبدع اعتقادية، والعملية هي التي تكون متعلقة بالعمل، والعمل متعلق بالجوارح، فمثلاً الطواف حول الأضرحة بدعة عملية؛ لأنها متعلقة بالجوارح، والذكر أمام الجنازة بدعة عملية، وغير ذلك من أنواع البدع كالتوسل وغيره من الأشياء المخترعة. والبدعة العملية تكون متعلقة بالنية كمن يصلي ركعتين بنية طول العمر أو يصلي صلاة يسمونها مؤنس القبر أو صلاة بر الوالدين وغير ذلك من الصلوات المخترعة التي ﴿مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [الأعراف:٧١]، ومثلها صلاة الأيام: صلاة يوم السبت، صلاة يوم الأحد، وهذه كلها موجودة، وهي من البدع العملية. أما البدع الاعتقادية فهي: تكون باعتقاد الشيء على خلاف المعروف من سنة النبي ﷺ ، لا على سبيل المعاندة، ولكن بسبب شبهة، كما يمسح الشيعة -مثلاً- على الرجلين، فلو رأيت شيعياً يتوضأ فستجد أنه إذا وصل إلى القدمين فإنه لا يغسلهما بالماء، وهو لا يلبس جورباً، فيمسح القدم ولا يغسلها! فهذه بدعة اعتقادية، فهو يعتقد أن هذا هو هدي الرسول ﵊، وعنده شبهة في ذلك، ومع هذا ينكرون المسح على الخفين بشدة؛ ولذلك العلماء ينصون على هذه المسألة في متون العقيدة؛ لأنها متواترة ومقطوع بصحتها عن النبي ﵇، فلذلك أدخلوها في مسائل العقيدة، كما في متن العقيدة الطحاوية: ونرى المسح على الخفين في الحضر والسفر. ومن البدع الاعتقادية: بدعة المشبهة والمجسمة والقدرية وغيرهم من فرق الضلال. وهناك بدع متنوعة باعتبار الأزمنة والأمكنة والإحرام، كالموالد والأعياد والمواسم والجنائز والأضرحة والضيافة والعبادة والمعاشرة والعادات.

стр. 672

البدعة الحقيقية والإضافية هناك قسم آخر للبدع، وهو أخطر أنواع البدع، وهو سبب المشاكل عموماً بين الناس في باب البدع، وهو قسم البدع الحقيقية والبدع الإضافية، وهذا قسم مهم جداً، فقضيتنا هي موضوع ضوابط التسمية في البدعة الحقيقية والبدعة الإضافية. فالبدعة الحقيقية: هي ما كان الابتداء فيها من جميع وجوهها ليس له أصل، يعني: إذا نظرت للعمل من أي زاوية لا ترى له أصلاً في الشرع، فهو بدعة حقيقة بمعنى أن الابتداع فيها من جميع وجوهها، فهي بدعة محضة ليس فيها جهة تنطبق بها في السنة، وهي التي لم يدل عليها دليل شرعي من كتاب أو سنة أو إجماع أو استدلال، ولذلك سميت بدعة حقيقة؛ لأنها مخترعة على غير مثال سابق، وهي بعيدة عن الشرع، خارجة عنه من كل وصف. من أمثلة البدع الحقيقية: بدعة التقرب إلى الله بالرهبانية، وترك التزوج مع وجود الأمور الداعية إليه، وعدم المانع الشرعي منه كرهبانية النصارى، والله يقول: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾ [الحديد:٢٧] وهذا استثناء منقطع، والمعنى: لكن كتبنا عليهم ابتغاء رضوان الله. ومن هذه البدع: تعذيب النفس بألوان العذاب الشنيع والتمثيل الفضيع، كما يحصل من الهنود في الإحراق بالنار وغير ذلك، وكما يفعله الشيعة الروافض يوم عاشوراء من تعذيب أنفسهم، وإدخال أسياخ الحديد في أجسادهم، وشق أيديهم وصدورهم ورءوسهم حتى تخرج الدماء، فهذه أيضاً من البدع الحقيقية التي لا يمكن أبداً أن تندمج في الدين، ولا يمكن أبداً أن يباح للإنسان أن يعذب نفسه بهذه الطريقة التي يفعلها الشيعة يوم عاشوراء من خدش الرءوس والوجوه، ولطم الخدود، والنياح لقتل الحسين رضي الله تعالى عنه، فيقيمون هذه المآتم زاعمين أن ذلك يقربهم إلى الله سبحانه تعالى! ومن البدع الحقيقية: تحكيم العقل في أخبار القرآن والسنة كما هو معروف في التيارات الاعتزالية. ومن البدع الحقيقية: الطواف حول الأضرحة، والوقوف على غير عرفة، وإقامة الهياكل على القبور، وتعليق الشموع والمصابيح حول الأضرحة، فهذه كلها لا يمكن أبداً من أي جهة أن تندمج بالشرع أو تكون لها شبهة من أدلة الشرع، بل هي بدعة محضة لا يمكن أن يكون لها أصل في الدين، فهذه البدعة الحقيقية. أما البدعة الإضافية فهي على خلاف ذلك، فالبدعة الإضافية لها شائبتان: إحداهما: لها من الأدلة متعلق، فلا تكون من هذه الجهة بدعة، والأخرى: ليس لها متعلق في الأدلة إلا مثل ما للبدعة الحقيقية، فالبدعة الإضافية هي باعتبار من الاعتبارات سنة، وباعتبار آخر بدعة، فهي غير خالصة لأحد الطرفين، ولذلك نسميها البدعة الإضافية يعني: حسب ما تضاف إليه، فهي سنة بالنسبة لإحدى الجهتين، وبدعة بالنسبة للجهة الأخرى، فسنة من هذه الزاوية لأنها مستندة إلى دليل، وبدعة لأنها من الزاوية الأخرى ليست مستندة إلى دليل شرعي ولا إلى حتى شبهة، بل غير مستندة إلى دليل أصلاً، وهذا النوع هو مجال النزاع بين أغلب المتكلمين والمؤلفين في السنن والبدع، ولها أمثلة كثيرة كصلاة الرغائب، وصلاة الليل في النصف من شعبان، وصلاة حفظ الإيمان، وصلاة بر الوالدين، وصلاة مؤنس القبر، وصلاة ليلة يوم عاشوراء، فهذا كله لم يثبت أبداً في السنة بوجه من الوجوه، فلماذا نقول: إنه بدعة إضافية؟ لأنه تشيبه شائبتان، فالتقرب إلى الله بالنوافل ثابت في الشرع، يقول ﵊: (الصلاة خير موضوع، فمن استطاع أن يستكثر فليستكثر) فمن هذه الناحية هم يقولون: نحن نصلي ولا نعبث، ومن جهة أخرى: هذا لم يكن ثابتاً في السنة فهو بدعة من جهة، وسنة من جهة أخرى. كذلك بدعة التلحين والتطريب والتغني في الأذان، فهذه بدعة إضافية؛ لأن الأذان في حد ذاته هو سنة مشروعة معروفة، أما باعتبار ما عرض له من التبطيء في كلمات وتلحينها، وإخراجها عن أوضاعها العربية من أجل المحافظة على توقيع الألحان؛ فهي بدعة قبيحة، وهذا لا يحتاج إليه لا في الأذان ولا في قراءة القرآن، فالأذان من حيث كونه أذاناً ليس بدعة، بل هو مشروع، أما من حيث ما أضيف إليه من كيفية فهذا بدعة إضافية. ومن البدع الإضافية القراءة الصمدية مائة ألف مرة، يقرءون: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] مائة ألف مرة، ويسمونها: العتاقة الكبرى، أي: أن من قرأها لنفسه أو لغيره يعتق من النار، فهذه بدعة إضافية؛ لأن قراءة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] ذكر مشروع معروف كقوله ﷺ : (أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن)، وقوله: (من قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] عشر مرات بنى الله له بيتاً في الجنة)، لكن من حيث تسميتها عتاقة وتركيب هذه الفوائد عليها وتشريعها للناس؛ فهي بدعة ليس لها أصل في الدين. ومن البدع الإضافية: النداء بالأذان لصلاة العيدين أو صلاة الكسوف، فإنه لم يثبت في سنة النبي ﷺ أذان لصلاة العيدين وصلاة الكسوف، فالأذان من حيث هو أذان يكون مشروعاً، لكن من حيث جعله لصلاة العيدين أو صلاة الكسوف فهو بدعة من هذه الناحية. كذلك ختم الصلاة بالطريقة الموجودة الآن، وهي أن المصلين يختمون الصلاة بطريقة معينة كما هو المعروف في بعض المساجد، فهذه الأذكار التي تقال في هذا الموطن في حد ذاتها سنة، لكن البدعة طرأت عليها من حيث الكيفية والألفاظ المبتدعة التي يخترعونها.

стр. 673

البدعة الكلية والجزئية وهناك تقسيم آخر للبدعة وهو: البدعة الكلية والبدعة الجزئية. فالبدعة الكلية: هي البدعة التي يكون الخلل الناشئ عنها كلياً في الشريعة، وتتعدى محلها، وتنتظم غيرها حتى تكون أصلاً لها، كأن تكون البدعة عبارة عن قانون أو قاعدة نتحاكم إليها، فبالتالي يترتب على هذا التحاكم كثير جداً من المخالفات. ومن البدع الكلية: بدعة إنكار الأخبار النبوية مطلقاً، والإقرار بالقرآن الكريم فقط، وهؤلاء يقال لهم: قرآنيون، فهل هذه البدعة متعلقة بمخالفة في قضية واحدة أم أنها قاعدة كلية نتحاكم إليها؟ بل هي قاعدة يتحكم بها في الشرع، وتلغى بها سنة الرسول ﵊، فهذه بدعة كلية. ومنها: بدعة عدم الأخذ بأخبار الآحاد، فهي بدعة كلية يترتب عليها مئات المخالفات الشرعية، بسبب إنكار الأحاديث النبوية. ومنها: بدعة إنكار القسم الثالث من السنة، وهو الذي يستقل بتشريع لم يرد في القرآن، فهذه بدعة كلية وليست جزئية، ووجه كون هذه البدعة كلية أنها تشمل ما لا حصر له من فروع الشريعة، ولأن عامة التكاليف مبني عليها. فالأمر يرد على المكلف إما من الكتاب وإما من سنة النبي ﷺ ، فإذا قلنا: إن كان وارداً في السنة فأكثر السنة آحاد، والأحاديث المتواترة قليلة جداً، وكذلك أحكام السنة التي وردت في القرآن قليلة، وأكثرها زائدة على ما في القرآن. فهذا هو الابتداع بعينه أن يتخذ الشخص مثل هذه القواعد الكلية، ويضل بها في مئات الأحكام الشرعية. ومن البدع الكلية: بدعة الخوارج في قولهم: لا حكم إلا لله، وهذه العبارة دليلهم في رفض التحكيم، بناءً على أن اللفظ عام لم يلحقه التخصيص، وهم قد أعرضوا عن قوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء:٣٥]، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة:٩٥]، فلم يراعوا أن العام هنا يكون مخصوصاً. أما البدعة الجزئية: فهي البدعة التي يكون ضررها جزئياً في بعض الفروع دون بعض، ولا تتعدى محلها، ولا تنتظم غيرها حتى تكون بدعة كلية. ومن البدع الجزئية بدعة التغني بالقرآن، وبدعة التلحين في الأذان، فهذه بدعة جزئية؛ لأن ضررها جزئي في موضوع الأذان فقط، ولا تتعدى محلها، ولا تدخل مثلاً في الصلاة، ولا تنتظم غيرها حتى تكون أصلاً لها، فمن هنا كانت جزئية. ومنها: الامتناع عن تناول ما أحل الله من الطعام أو الشراب، فهذه بدعة جزئية.

стр. 674

البدع في العادات هناك بدع في العادات وبدع غير عادية، فيمكن أن تدخل البدع العادية في الأمور العادية مثل الثياب والأكل والشرب والمشي والنوم، فهذه الأمور عادية لا يدخلها الابتداع من جهة كونها عادية، وإنما يدخلها الابتداع من الجهة التعددية، كأن يخالف الوجه المشروع فيها، ويتقرب إلى الله ﵎ بذلك، كأن يتقرب إنسان إلى الله بترك نوع معين من الملابس أو الطعام أو غير ذلك من الأشياء.

стр. 675

أهم ضوابط التبديع البدع ليست كلها على مرتبة واحدة، وبالتالي ينعكس هذا في الحكم على المبتدع نفسه، فبلا شك أن المبتدع بدعة عقائدية أخطر من المبتدع بدعة عملية في الغالب، وكذلك المبتدع بدعة كلية أشد انحرافاً من المبتدع بدعة جزئية، والبدع الحقيقة أخطر من البدعة الإضافية. إذاً: ينبغي أن نعرف أن البدع ليست كلها على مرتبة واحدة، وإنما هي تتفاوت في خطورتها حسب ما تؤدي إليه، فهذا أهم ضابط في التبديع، وهو معرفة أقسام البدع.

стр. 676

لا يجوز التبديع في المسائل الفقهية السائغة القضايا التي يختلف فيها العلماء -لاسيما القضايا الفقهية- خلافاً سائغاً لا يجوز الحكم على المخالف فيها بالابتداع، كأن يقع بعض أفاضل العلماء من أئمة الخير والهدى في هذا الزمان في زلة، كمن قال عن وضع اليدين على الصدر بعد الرفع من الركوع: هذه بدعة وضلالة! فهذه المسألة لا يجوز أن تندرج في ميزان البدعة على الإطلاق، والخلاف فيها خلاف سائغ، والأمر أهون من ذلك بكثير، فهذه لا تدخل بأي حال في حد البدعة أبداً؛ لأن الخلاف سائغ، والحديث محتمل في تفسيره، فالخلاف الفقهي السائغ لا يمكن أبداً أن تطلق على مخالفك فيه وصف البدعة. والخلاف على ثلاثة أنواع: هناك خلاف مذموم، وخلاف ممدوح، وخلاف سائغ. النوع الأول: الخلاف المذموم، وهو خلاف أهل الأهواء لأهل العلم، وخروجهم عن هدي أهل العلم والسنة، كمخالفتهم لأصول العقيدة أو ما علم من الدين بالضرورة، فهذا خلاف مذموم. النوع الثاني: خلاف ممدوح، وهو خلاف أهل العلم لأهل الأهواء، وهذا خلاف ممدوح. النوع الثالث: الخلاف السائغ، وهو خلاف أهل العلم لأهل العلم بالشروط التي سنذكرها إن شاء الله.

стр. 677

ضوابط الخلاف السائغ

стр. 678

خفاء الدليل الراجح مع قصد الحق أول ضابط من ضوابط الخلاف السائغ: خفاء الدليل الراجح مع قصد الحق، فالعالم قد يراجع المسألة وهو يريد الحق، لكن خفي عليه الدليل الواضح الذي يحسم المسألة، فهذا خلاف سائغ. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: إذا كانت المسألة نصاً خفي على بعض المجتهدين، وتعذر عليهم علمه، ولو علم به أحدهم لوجب عليه اتباعه، ولكنه لما خفي عليه اتبع النص الآخر، وهو منسوخ أو مخصوص، وهو لم يعلم بالدليل المخصص أو الناسخ أو لم يصح عنده. وهذا أغلب خلاف الأئمة رحمهم الله تعالى: الإمام الشافعي والإمام أحمد ومالك وأبو حنيفة وغيرهم، فلا يظن بواحد منهم أنه يتعمد مخالفة الدليل. بعض الإخوة السلفيين في قرية، وكان بينهم وبين إمامهم خلاف قوي وقع بقدر الله ، وفي أثناء الحوار اتضح أن الإخوة السلفيين هناك لا يريدون أبداً أن يصلوا خلف الإمام الحنفي، ويضيع أحدهم صلاة الجماعة ولا يصلي خلف إمام مذهبه حنفي! فلما تناقشنا معهم قال: لأن الحنفي يرد سنة الرسول ﵇! فهل يظن بمسلم أن يرد سنة الرسول ﵇؟! فهذا الضابط مهم جداً، فإن العلماء قطعاً يريدون الحق، نعم قد يخالف الحق، لكن هو لا يقصد ذلك ولا يتعمده أبداً. فالشاهد أن أول الضوابط: خفاء الدليل الراجح مع قصد الحق، فهو يقصد الحق وقد يخالف الحق لا عن عمد، لكن عن عذر كخفاء هذا الدليل، أو عدم ظهوره إياه، أو عدم صحته عنده أو تأويله إياه.

стр. 679

التيسير في المسائل الدقيقة التي يكثر فيها احتمال الخطأ الضابط الثاني: ما كان من المسائل الدقيقة التي يكثر فيها احتمال الخطأ، وقل من يسلم منها حتى من كبراء الأمة، فإنه يسهل فيها، فهناك مسائل دقيقة في تفاصيل القضايا الفقهية، ولا يمكن أبداً أن تتفق الأمة كلها في مثل هذه الدقائق، وقل من يسلم من الخطأ في مثل هذه الفروع حتى من كبراء الأمة. قال شيخ الإسلام: ولا ريب أن الخطأ في دقيق العلم مغفور للأمة وإن كان ذلك في المسائل العلمية، ولولا ذلك لهلك أكثر فضلاء الأمة. لأنه ما من أحد من كبراء الأمة إلا ويختلف مع أخيه من العلماء في بعض الفروع الدقيقة جداً، وهذه معروفة لمن درس الفروع الفقهية، وقرأ الموسوعات الفقهية، فإنه يرى شدة الخلاف بين العلماء في هذه المسائل الدقيقة.

стр. 680

عدم مخالفة النص الشرعي أو الإجماع الضابط الثالث: عدم مخالفة النص الشرعي أو الإجماع. حتى يكون الخلاف سائغاً يجب ألا يخالف نصاً شرعياً صريحاً واضحاً، ولا إجماعاً متيقناً معلوماً، فإذا كانت المسألة نصاً أو إجماعاً فأي خروج عن النص أو الإجماع يعتبر خلافاً غير سائغ، فإذا اجتهد الفقيه في مسألة، وبذل فيها وسعه، فإن خالف غيره من العلماء سواء كانوا سابقين أو معاصرين فالخلاف يكون سائغاً ما لم يكن فيها نص أو إجماع. وهذا الضابط مهم جداً، فمثلاً قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء:٢٣]، ﴿اليَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة:٥]، ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة:٣] التعبير بكلمة (تحريم) نص في المسألة، ولا يمكن أن يناقش هذا هل هو حرام أم مكروه، فالنص واضح وجلي في أعلى درجات الوضوح في دلالة الألفاظ: (حرمت) (أحل لكم). فلا يقبل أبداً مخالفة ما جاء فيه نص التحريم، بخلاف الأدلة التي الظاهر منها هو التحريم، وغير ذلك من الدلالات التي هي أقل وضوحاً من النص، ومثل النص الإجماع، فإن الأمة معصومة أن تجتمع على ضلالة، والإجماع يدخل فيه ما علم من الدين بالضرورة. فإن اجتهد الفقيه في مسألة ليس فيها نص ولا إجماع، وبذل فيها وسعه، ولم يترتب عليها مخالفة لإخوانه من العلماء المعاصرين أو السابقين أو اللاحقين؛ فخلافه داخل في دائرة الخلاف السائغ.

стр. 681

لا يكون الخلاف سائغاً إلا من أهل العلم والاجتهاد الضابط الرابع: لا يكون الخلاف سائغاً إلا من أهل العلم والاجتهاد والفقه في الدين. لا يمكن أن يكون الخلاف سائغاً إلا من أهل العلم والبصيرة والاجتهاد في الدين، ولا يفتح باب الاجتهاد على الإطلاق لكل شخص من عوام الناس أو طالب علم، فيقول أحدهم: أنا اجتهدت في هذه المسألة، ورأيت فيها بخلاف كلام هذا الإمام، ويعتبر أن هذا الخلاف سائغ! الخلاف السائغ هو الذي يصدر عن أهل العلم وأئمة الاجتهاد والفقه في الدين. والخلاف السائغ هو خلاف الأئمة وأهل العلم، ويمكن أن يكون الإمام مجتهداً، ويقصر في الاجتهاد، فلابد أن يبلغ الفقيه وسعه في فهم حكم الشرع، فلو أن إماماً من الأئمة المجتهدين أفتى دون أن يبذل وسعه، فهذا غير سائغ؛ لأن ضابط الاجتهاد: أن يبذل العالم أقصى وسعه في تحري الحق وقصده، فإن خالف ففي الحديث: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر). لكن إذا لم يجتهد وأفتى بدون بذل الوسع فلا يدخل تحت هذا الحديث، والآن كل من هب ودب يستدل بهذا الحديث على آرائه واجتهاداته، ويظن أنه مأجور حتى لو أتى الأمر من غير بابه ولم يكن مجتهداً، بل حتى ولا طالب علم ولا مجتهد في العلم، ومع ذلك يقول: أقول، ومذهبنا الذي نرجحه! وغير ذلك من العبارات الرنانة، وهؤلاء لا عبرة بكلامهم على الإطلاق، فإنه لا يكون الخلاف سائغاً إلا إذا كان صادراً من أهل العلم والاجتهاد والفقه والبصيرة في الدين. ذكر شيخ الإسلام أنواع المجتهدين فقال: بخلاف الذين أفتوا المشجوج في البرد بوجوب الغسل فاغتسل فمات، فإنه ﷺ قال: (قتلوه قتلهم الله! هلا سألوا إذا لم يعلموا؟ إنما شفاء العي السؤال)، فأنكر عليهم اجتهادهم. فهم اجتهدوا عن غير أهلية، فليس عندهم مؤهلات للاجتهاد، ولذلك أنكر عليهم النبي ﵊، ولم يقل كما قال في الحديث الآخر: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر)، وإنما قال: (قتلوه قتلهم الله! هلا سألوا إذا لم يعلموا؟ إنما شفاء العي السؤال)، فإن هؤلاء أخطئوا بغير اجتهاد إذ لم يكونوا من أهل العلم.

стр. 682

أن يبذل الفقيه أقصى وسعه في الوصول إلى الحق الضابط الخامس: أن يبذل الفقيه أقصى وسعه وغاية جهده في الوصول إلى الحق، فإذا قصر ذم بتقصيره، ومن التقصير عدم طلب الدليل من الكتاب والسنة.

стр. 683

عدم البغي الضابط السادس: لا يكون الخلاف سائغاً إذا صحبه بغي؛ لأن الإنسان إذا كان يبغي على مخالفه فالبغي يعارض قصد الحق، وقد ذكرنا الضابط الأول من ضوابط الخلاف السائغ، وهو خفاء الدليل الراجح مع قصد الحق. فالشخص الذي يريد أن يبغي على مناظره أو على مخالفه يستدل بأدلة للانتصار لرأيه أو مذهبه، فالبغي يتنافى مع قصد الحق، فقاصد الحق لابد أن يكون متجرداً عن الهوى، ولابد أن يقصد الحق، فإذا كان في بحثه أو في أسلوبه بغي فإن البغي يعارض قصد الحق الذي هو من ضوابط الخلاف السائغ، يقول تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [آل عمران:١٩]. يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: والبغي إما تضييع للحق وإما تعد للحد، فهو إما ترك واجب وإما فعل محرم، فعلم أن موجب التفرق هو ذلك. أي: الذي يحدث التفرق هو البغي، وما هو البغي؟ له صورتان: إما تضييع للحق أي: بترك الواجب، أو تعد للحق بفعل الحرام، والبغي يوجب التفرق بين الناس، فلا يكون الخلاف سائغاً مع البغي، فالبغي يعارض قصد الحق الذي هو من لوازم الخلاف السائغ.

стр. 684

لا يكون الخلاف سائغاً مع ظهور الأدلة الضابط السابع: الخلاف لا يكون سائغاً مع ظهور الأدلة. فلابد أن يكون اجتهاد العلماء واختلافهم في المسائل الفرعية التي لم يدل دليل قطعي على حسمها؛ لأن الدليل الظاهر يحسم مادة الخلاف، فإذا كان الخلاف سائغاً قبل ظهور الدليل فإنه لا يكون كذلك بعد ظهوره؛ وليس هناك تعارض بين هذا وبين الضوابط السابقة؛ لأن العالم معذور في مخالفته للحق -هو يقصد الحق لكن خالفه- ما لم يأته الدليل الصحيح الصريح الذي يحسم الخلاف، فإذا أتى الدليل فهو معذور قبل ذلك، أما إذا ظهر الحق فلم يعد لا يعود الخلاف سائغاً في حقه. ولذلك كان الشافعي رحمه الله تعالى يقول: إذا صح الحديث فهو مذهبي، فالدليل الظاهر هو يحسم مادة الخلاف، فإذا كان الخلاف سائغاً قبل ظهور الدليل فإنه لا يكون كذلك بعد ظهوره. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: فلا يجوز لنا أن نعدل عن قول ظهرت شدته بحديث صحيح وافقه طائفة من أهل العلم إلى قول عالم، وقال: ولهذا اتفق العلماء على أنه إذا عرف شخص الحق لا يجوز له تقليد أحد في سنته. فهذه هي ضوابط الخلاف السائغ، وأهمية هذه الضوابط أن الخلاف السائغ لا يتم على أساسه تبديع للمخالف.

стр. 685

مراتب البدع تتفاوت مراتب البدع، فالبدعة التي تخالف السنن قد تكون في أمور دقيقة، وقد تكون في أمور جلية وعظيمة، ومن ثم يتفاوت أصحاب البدع قرباً وبعداً عن السنة، فأحياناً يرجع الخلاف بينهم إلى النزاع في الألفاظ والأسماء، ويرجعه البعض الآخر إلى النزاع في المعاني والحقائق، فهناك بدعة لا يكفر أصحابها اتفاقاً، وهناك بدعة يكفر أصحابها اتفاقاً، وهناك بدعة مختلف في تكفير أصحابها، فيوجد تفاوت في مراتب البدع.

стр. 686

بدعة لا يكفر أصحابها البدعة التي لا يكفر أصحابها اتفاقاً مثل بدعة المرجئة أو بدعة الشيعة المفضلة، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: أما المرجئة فليسوا من هذه البدع المغلظة، بل قد دخل في قولهم طوائف من أهل الفقه والعبادة، وما كانوا يعدون إلا من أهل السنة حتى تغلظ أمرهم بما زادوه من الأقوال المغلظة، ولما كان قد نسب إلى الإرجاء والتفضيل قوم مشاهير متبعون تكلم أئمة السنة المشاهير في ذم المرجئة المفضلة تنفيراً من مقالتهم. إذاً: من البدع التي لا يكفر أصحابها اتفاقاً المرجئة والشيعة المفضلة الذين يفضلون علياً على الشيخين. يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: أما المرجئة فلا تختلف نصوصه -أي نصوص الإمام أحمد - أنه لا يكفرهم، فإن بدعتهم من جنس اختلاف الفقهاء في الفروع، وكثير من كلامهم يعود النزاع فيه إلى نزاع في الألفاظ والأسماء، ولهذا يسمى الكلام في مسائلهم باب الأسماء. يعني: في كتب العقيدة يقولون: باب الأسماء، ويشيرون إلى مخالفة المرجئة لأهل السنة في بعض الأسماء، مثل الاختلاف في كلمة (التصديق)، ما المقصود بالتصديق؟ هل هو التصديق الانقيادي أم هو مجرد المعرفة؟ إلى غير ذلك من التفاصيل، فهذا نزاع فقهي، لكنه يتعلق بأصل الدين، ولذلك سمي المنازع فيه مبتدعاً وإن كان لا يكفر. ويقول شيخ الإسلام أيضاً: كذلك الشيعة المفضلين لـ علي على أبي بكر، لا يختلف قول الإمام أحمد في أنهم لا يكفرون، فإن ذلك قول طائفة من الفقهاء أيضاً، وإن كانوا يبدعون. وقال أيضاً: السلف والأئمة لم يتنازعوا في عدم تكفير المرجئة والشيعة المفضلة ونحو ذلك، ولم تختلف نصوص أحمد في أنه لا يكفر هؤلاء.

стр. 687

بدعة لا خلاف في تكفير أصحابها القسم الثاني: بدع لا خلاف في تكفير أصحابها، يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: المحفوظ عن أحمد وأمثاله من الأئمة إنما هو تكفير الجهمية المشبهة وأمثال هؤلاء. ويقول شيخ الإسلام أيضاً: المشهور من مذهب الإمام أحمد وعامة أئمة السنة تكفير الجهمية -وهم المعطلة لصفات الرحمن- الذين ينفون صفات الله جميعاً، فإن قولهم صريح في مناقضة ما جاءت به الرسل من الكتاب، وحقيقة قولهم جحود الصانع، فنفي الصفات بهذه الطريقة التي يسلكها الجهمية يئول إلى نفي وجود الله ، ففيه جحود الرب وجحود ما أخبر به عن نفسه على لسان رسوله ﷺ ؛ ولهذا قال عبد الله بن المبارك: إنا لنحكي كلام اليهود والنصارى ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية، يعني: كلام الجهمية أشد عنده من كلام اليهود الذين يقولون: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة:٦٤]، أو الذين يقولون: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران:١٨١]، أو الذين يقولون: ﴿إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة:٧٣]، أو ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة:١٧]. قال غير واحد من الأئمة: إنهم -أي: الجهمية- أكفر من اليهود والنصارى، ولهذا كفروا من يقول: إن القرآن مخلوق، وإن الله لا يرى في الآخرة، وإن الله ليس على العرش، وإن الله ليس له علم ولا قدرة ولا رحمة ولا غضب ونحو ذلك من صفاته. وفي هذا الزمان هناك بدع كثيرة جداً ينبغي أيضاً ألا نختلف في تكفير أصحابها، مثل بدعة العلمانية، فهي أخطر البدع الموجودة في هذا الزمان على الإطلاق، وبدعة العلمانية تعني فصل الدين عن الحياة، وعزله في جدران المساجد، وإبدال كل حدود الله فيما يتعلق ببناء المجتمع على أساس الكتاب والسنة. فهذه بلا شك بدعة مكفرة، ومن يعتقد هذا بعد أن تقوم عليه الحجة يكون خارجاً من ملة الإسلام، فمن يعتقد فصل الدين عن الحياة، لتكون الحياة بالطريقة التي يعتقدها العالم الغربي الجديد، فهو كافر، ولا يمكن أن يجمع بين الإسلام وبين العلمانية، فالعلمانية تشرق والإسلام يغرب، العلمانية تبيح الربا والفواحش، وتبطل قاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتبطل إقامة حدود الله وغير ذلك من المضادة الصريحة والمعاندة الواضحة لدين الله . فالعلمانية من البدع المكفرة. أما البدع المختلف في تكفير أصحابها فمثل بدعة القدرية الذين يقرون بصفة العلم، والروافض الذين ليسوا من الغالية والجهمية والخوارج. فهناك عن الإمام أحمد روايتان في تكفير هؤلاء، مع أنه وارد عن الإمام أحمد التوقف عن تكفير القدرية المثبتين للعلم والخوارج، مع أنه قال: ما أعلم قولاً شراً من الخوارج. والجهمية عند كثير من السلف ليسوا من الثنتين والسبعين فرقة التي افترقت عليها الأمة، لكن لا نستطيع أن نغادر هذا الضابط وهو تقسيم البدعة إلى بدعة مكفرة بالاتفاق، وبدعة غير مكفرة بالاتفاق، وبدعة مختلف في تكفير صاحبها، حتى نضيف ضابطاً آخر ومهماً جداً وهو: التفريق بين كفر النوع وكفر العين. يعني: كفر النوع لا يستلزم كفر العين، البدعة نفسها تكون كفراً لكن لا يكون الشخص المتلبس بها كافراً، فهذه قاعدة سبق أن سردناها بالتفصيل في بحث الكفر والإيمان لكن نشير إليه. فإن أهل السنة والجماعة يفرقون بين الحكم المطلق على أصحاب البدع بالمعصية أو الفسق أو الكفر وبين الحكم على شخص معين ممن ثبت إسلامه بيقين، فالشخص إذا ثبت إسلامه بيقين لا يمكن أن تنفى عنه صفة الإسلام إلا بيقين. فمن صدر عنه إحدى هذه البدع لا يمكن الحكم عليه، لا نقول عليه: كافر أو فاسق أو عاص إلا بتوفر شروط، وانتفاء موانع، فلا يحكمون عليه بذلك حتى يبين له مخالفة قوله للسنة؛ وذلك بإقامة الحجة، وإزالة الشبهة، كمن يفرقون بين نصوص الوعيد المطلقة وبين استحقاق شخص بعينه هذا الوعيد في أحكام الآخرة؛ لأن موضوع التكفير موضوع مرتبط بباب الوعيد؛ لأن التكفير نوع من الوعيد، بل أي فعل يترتب عليه أنه وعيد قد يكون أقل من الكفر، لأن الكفر أشد الأفعال وعيداً. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: إني من أعظم الناس ناهياً عن أن ينسب معين إلى تكفير وتفسيق ومعصية. لأن بعض الناس يعتبرونها بطولة أن يكفر شخصاً بعينه أو يبدعه، وليست بطولة يقول ﷺ : (أمسك عليك لسانك) لا تتكلم إلا بعلم وحجة، لكن تكلم بكلام عام في المواعظ، ودروس العلم، والخطب، وغير ذلك من مقامات الدعوة والترغيب والترهيب، تنفر من البدع بالنصوص الشرعية العامة. لكن أن تكفر الشخص بعينه فهذا لا ينبغي أن تحكم عليه بكفر أو بتفسيق أو ابتداع حتى تستوفي شروطاً معينة، وهذا من خصائص القضاء الشرعي، ولا تنازع الأمر أهله، نريد أن نقول: إن موضوع الحكم على كفر النوع هذا لا يكون على المنابر أو في الدروس والخطب، وبأن الأمر يمكن في مثل هذه المحافل أن يتكلم عنه بصفة عامة تنفيراً من البدع ووصف الكفر بأنه كفر وهذا لا حرج على الإطلاق فيه. لكن في مقام التأصيل والتقعيد والتنظير ومحاكمة الناس ليست المسألة عبثاً ولا هوى، وإنما ينبغي التحقق والتحري والتدقيق والتثبت، فمن هنا نقبل في الحقيقة هذه الكلمة التي قالها المودودي ﵀ في كتابه: (نحن دعاة لا قضاة) فالإنسان عليه أن يدعو، لكن القضاء الشرعي والحكم على الناس بأعيانهم هذه ليست وظيفة الدعاة، وهذه الأحكام يترتب عليها أمور عملية، إذا حكمت عليه بالردة يترتب عليه أنه يجب أن يقتل ويفرق بينه وبين زوجته وغيرها من الأحكام الشرعية المعروفة. فالقضية يجب أن نفرق بين وظيفة الداعية وبين وظيفة القاضي الشرعي، وقد بايع النبي ﵇ الصحابة على ألا ننازع الأمر أهله. يقول شيخ الإسلام: إني من أعظم الناس نهياً عن أن ينسب معين إلى تكفير وتفسيق ومعصية، إلا إذا علم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافراً تارة، وفاسقاً أخرى، وعاصياً أخرى، وإني أقرر أن الله قد غفر لهذه الأمة خطأها؛ وذلك يعم الخطأ في المسائل الخبرية القولية والمسائل العملية. إنما نقل عن السلف والأئمة من إطلاق القول بتكفير من يقول كذا وكذا فهو أيضاً حق يعني: لا تعارض بين العلماء الذين يقولون مثلاً: حكمي في الشخص الذي يقول: لا أعرف أربي في السماء أم في الأرض أنه كافر! كما قال أبو حنيفة: من قال: لا أعرف أربي في السماء أم في الأرض فقد كفر. وقال: حكمي في هؤلاء أن يقتلوا وأن يلقوا يعني: لا يدفنوا لا مع المسلمين، ولا مع اليهود والنصارى، بل يلقون على مزبلة لئلا يتأذى بريحه أهل الإسلام ولا أهل الكتاب أو كما قال، فهذا الكلام في كفر النوع. أما كفر العين في الشخص نفسه فلا يحكم عليه بذلك حتى تستوفى الشروط وتنتفي الموانع. يقول شيخ الإسلام: إنما نقل عن السلف والأئمة من إطلاق القول بتكفير من يقول كذا وكذا فهو أيضاً حق، لكن يجب التفريق بين الإطلاق والتعيين، الإطلاق أن تقول: من قال كذا فله مثلاً عذاب كذا، لكن تعيين أن هذا الشخص بعينه ملعون أو أنه كافر وأنه من أصحاب النار! هذا لا يجوز إلا بنص من وحي، أبداً حتى الكافر الموجود الآن كلينتون، أو بوش أو أي أحد من الكفار، فهذا لا تقول هو في النار؛ لأن الخواتيم مغيبة، والأعمال بالخواتيم، نعم هو في الدنيا تجري عليه أحكام الكفر، لكن لا تقل: هو بعينه من أهل النار؛ لأنك لا تدري بخاتمته، وهذا افتئات على حدود الله وحرماته، لكن تقول: إن مات على الكفر فهو في النار. يقول شيخ الإسلام: لكن يجب التفريق بين الإطلاق والتعيين، وهذه أول مسألة تنازعت فيها الأمة من مسائل الأصول الكبار، وهي مسألة الوعيد، فإن نصوص القرآن في الوعيد مطلقة كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء:١٠]، هذه مطلقة في الذي يأكل مال اليتيم، لكن لما تأتي تحاسب شخصاً باسمه: فلان أكل مال اليتيم، هل تستطيع أن تقول: إنه في النار؟ لا تستطيع أن تقول ذلك، لماذا؟ سيأتي الجواب. كذلك سائر ما ورد من النصوص: من فعل كذا فله كذا مثلاً: (لعن الله الواشمة والمستوشمة) وغير ذلك، فإن هذه مطلقة عادة، وهي بمنزلة قول من قال من السلف: من قال: كذا فهو كذا، تماماً كما لو قال: من قال القرآن مخلوق فهو كافر، من قال كذا فهو كافر، من قال: لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض؟ فقد كفر. هذا هو الحكم من حيث الإطلاق في كلام ابن تيمية، لكن الشخص المعين فقد يلتغي حكم الوعيد فيه بتوبة مثل هذا الشخص الذي قال هذا الفعل سواء كان كفراً أم دون الكفر، فيمكن أن يلغى حكم استحقاقه لهذا الوعيد؛ لأنه ربما يكون تاب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ [البروج:١٠]. فإذاً: الحكم باستحقاقه للوعيد قد يلغى بتوبة يتوب إلى الله ولا يطلع عليها إلا الله، فيمكن أن يلغى بحسنات ماحية، هو ارتكب هذه المعصية لكن في الجهة الأخرى عمل بعض الحسنات التي محت عنه هذا الوعيد، ويمكن أن يلغى هذا الوعيد بمصائب مكفرة يبتليه الله بمصائب تكفر عنه ما استحقه من الوعيد، ويمكن إن لم يكن هذا ولا هذا ولا ذاك أن يلتغي حكم الوعيد بشفاعة مقبولة يشفع فيه النبي ﵊، أو تشفع فيه الملائكة أو يشفع فيه قريب له شهيد، أو يشفع فيه أحد من إخوانه المؤمنين يقول ﷺ : (إن اللعانين ليسوا بشفعاء ولا شهداء يوم القيامة)

стр. 688

البدعة المختلف في تكفير أصحابها القسم الثالث: البدع المختلف في تكفير أصحابها مثل بدعة القدرية الذين يقرون بصفة العلم، والروافض الذين ليسوا من الغالية والجهمية غير الغلاة والخوارج، فهناك عن الإمام أحمد روايتان في تكفير هؤلاء، وقد ورد عن الإمام أحمد التوقف عن تكفير القدرية المثبتين للعلم والخوارج، مع أنه قال: لا أعلم قولاً شراً من الخوارج. والجهمية عند كثير من السلف ليسوا من الثنتين والسبعين فرقة التي افترقت عليها الأمة.

стр. 689

التفريق بين كفر النوع وكفر العين كفر النوع لا يستلزم كفر العين، فالبدعة نفسها تكون كفراً لكن لا يكون الشخص المتلبس بها كافراً، فأهل السنة والجماعة يفرقون بين الحكم المطلق على أصحاب البدع بالمعصية أو الفسق أو الكفر وبين الحكم على شخص معين ممن ثبت إسلامه بيقين، فالشخص إذا ثبت إسلامه بيقين لا يمكن أن تنفى عنه صفة الإسلام إلا بيقين. فمن صدر عنه إحدى هذه البدع لا يمكن الحكم عليه بأن نقول له: كافر أو فاسق أو عاص إلا بتوافر شروط، وانتفاء موانع، فلا يحكمون عليه بذلك حتى يبين له مخالفة قوله للسنة؛ وذلك بإقامة الحجة، وإزالة الشبهة، كما يفرقون بين نصوص الوعيد المطلقة وبين استحقاق شخص بعينه هذا الوعيد في أحكام الآخرة؛ لأن التكفير نوع من الوعيد، وأي فعل يترتب عليه وعيد فقد يكون أقل من الكفر، لأن الكفر أشد الأفعال وعيداً. والآن بعض الناس يعتبرونها بطولة أن يكفروا شخصاً بعينه أو يبدعونه! يقول ﷺ : (أمسك عليك لسانك) فلا تتكلم إلا بعلم وحجة، لكن تكلم بكلام عام في المواعظ، ودروس العلم، والخطب، وغير ذلك من مقامات الدعوة والترغيب والترهيب، فتنفر من البدع بالنصوص الشرعية العامة، لكن أن تكفر الشخص بعينه فهذا لا ينبغي أن تحكم عليه بكفر أو بتفسيق أو ابتداع حتى تستوفي شروطاً معينة، وهذا من خصائص القضاء الشرعي، ولا تنازع الأمر أهله. وفي المنابر أو الدروس والخطب ونحوها من المحافل يتكلم عن الكفر أو البدعة بصفة عامة تنفيراً من الكفر والبدع، ويوصف الكفر بأنه كفر، والبدعة بأنها بدعة، ولا حرج على هذا الإطلاق. لكن في مقام التأصيل والتقعيد والتنظير ومحاكمة الناس فليست المسألة عبثاً ولا هوى، وإنما ينبغي التحقق والتحري والتدقيق والتثبت، فمن هنا نقبل في الحقيقة هذه الكلمة التي قالها المودودي ﵀ في كتابه: (نحن دعاة لا قضاة)، فالإنسان عليه أن يدعو، لكن القضاء الشرعي والحكم على الناس بأعيانهم هذه ليست وظيفة الدعاة، وهذه الأحكام يترتب عليها أمور عملية، فإذا حكمت عليه بالردة فيترتب عليه أنه يجب أن يقتل، ويفرق بينه وبين زوجته، وغير ذلك من الأحكام الشرعية المعروفة. فيجب أن نفرق بين وظيفة الداعية وبين وظيفة القاضي الشرعي، وقد بايع النبي ﵇ الصحابة على ألا ننازع الأمر أهله. يقول شيخ الإسلام: إني من أعظم الناس نهياً عن أن ينسب معين إلى تكفير وتفسيق ومعصية، إلا إذا علم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافراً تارة، وفاسقاً أخرى، وعاصياً أخرى، وإني أقرر أن الله قد غفر لهذه الأمة خطأها؛ وذلك يعم الخطأ في المسائل الخبرية القولية والمسائل العملية. إنما نقل عن السلف والأئمة من إطلاق القول بتكفير من يقول كذا وكذا فهو أيضاً حق يعني: لا تعارض بين العلماء الذين يقولون مثلاً: حكمي في الشخص الذي يقول: لا أعرف أربي في السماء أم في الأرض أنه كافر! كما قال أبو حنيفة: من قال: لا أعرف أربي في السماء أم في الأرض فقد كفر. وقال: حكمي في هؤلاء أن يقتلوا وأن يلقوا يعني: لا يدفنوا لا مع المسلمين، ولا مع اليهود والنصارى، بل يلقون على مزبلة لئلا يتأذى بريحه أهل الإسلام ولا أهل الكتاب أو كما قال، فهذا الكلام في كفر النوع. أما كفر العين في الشخص نفسه فلا يحكم عليه بذلك حتى تستوفى الشروط وتنتفي الموانع. يقول شيخ الإسلام: إنما نقل عن السلف والأئمة من إطلاق القول بتكفير من يقول كذا وكذا فهو أيضاً حق، لكن يجب التفريق بين الإطلاق والتعيين، الإطلاق أن تقول: من قال كذا فله مثلاً عذاب كذا، لكن تعيين أن هذا الشخص بعينه ملعون أو أنه كافر وأنه من أصحاب النار! هذا لا يجوز إلا بنص من وحي، أبداً حتى الكافر الموجود الآن كلينتون، أو بوش أو أي أحد من الكفار، فهذا لا تقول هو في النار؛ لأن الخواتيم مغيبة، والأعمال بالخواتيم، نعم هو في الدنيا تجري عليه أحكام الكفر، لكن لا تقل: هو بعينه من أهل النار؛ لأنك لا تدري بخاتمته، وهذا افتئات على حدود الله وحرماته، لكن تقول: إن مات على الكفر فهو في النار. يقول شيخ الإسلام: لكن يجب التفريق بين الإطلاق والتعيين، وهذه أول مسألة تنازعت فيها الأمة من مسائل الأصول الكبار، وهي مسألة الوعيد، فإن نصوص القرآن في الوعيد مطلقة كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء:١٠]، هذه مطلقة في الذي يأكل مال اليتيم، لكن لما تأتي تحاسب شخصاً باسمه: فلان أكل مال اليتيم، هل تستطيع أن تقول: إنه في النار؟ لا تستطيع أن تقول ذلك، لماذا؟ سيأتي الجواب. كذلك سائر ما ورد من النصوص: من فعل كذا فله كذا مثلاً: (لعن الله الواشمة والمستوشمة) وغير ذلك، فإن هذه مطلقة عادة، وهي بمنزلة قول من قال من السلف: من قال: كذا فهو كذا، تماماً كما لو قال: من قال القرآن مخلوق فهو كافر، من قال كذا فهو كافر، من قال: لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض؟ فقد كفر. هذا هو الحكم من حيث الإطلاق في كلام ابن تيمية، لكن الشخص المعين فقد يلتغي حكم الوعيد فيه بتوبة مثل هذا الشخص الذي قال هذا الفعل سواء كان كفراً أم دون الكفر، فيمكن أن يلغى حكم استحقاقه لهذا الوعيد؛ لأنه ربما يكون تاب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ [البروج:١٠]. فإذاً: الحكم باستحقاقه للوعيد قد يلغى بتوبة يتوب إلى الله ولا يطلع عليها إلا الله، فيمكن أن يلغى بحسنات ماحية، هو ارتكب هذه المعصية لكن في الجهة الأخرى عمل بعض الحسنات التي محت عنه هذا الوعيد، ويمكن أن يلغى هذا الوعيد بمصائب مكفرة يبتليه الله بمصائب تكفر عنه ما استحقه من الوعيد، ويمكن إن لم يكن هذا ولا هذا ولا ذاك أن يلتغي حكم الوعيد بشفاعة مقبولة يشفع فيه النبي ﵊، أو تشفع فيه الملائكة أو يشفع فيه قريب له شهيد، أو يشفع فيه أحد من إخوانه المؤمنين يقول ﷺ : (إن اللعانين ليسوا بشفعاء ولا شهداء يوم القيامة) تعرفون أنواع الشفاعة في الآخرة. فيمكن أن يلتغي الوعيد بسبب شفاعة مقبولة، والتكفير هو من الوعيد، فإنه وإن قال القول تكذيباً لما قاله الرسول ﷺ ، فيمكن شخص أسلم مثلاً في أمريكا أو كندا أو في أي مكان من الأرض، وأتى إلى بلاد المسلمين وهو يقول لك: لا توجد حاجة اسمها صلاة، الدين ليس فيه صلاة، لا يوجد في الدين شيء اسمه الصيام! يمكن مثلاً ينكر تحريم الخمر الذي هو معلوم من الدين بالضرورة لكن هنا توجد شبهة، فهذا القول بحد ذاته كفر أم ليس بكفر؟ كون شخص يقول: الخمر حلال، أو الفواحش حلال، أو السرقة حلال، أو ينكر الصلاة، أو يجحد الصيام، أو يجحد الحج، قطعاً هذا قوله كفر وتكذيب لما أخبر به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لكن هذا الرجل قد يكون صدر منه بسبب أنه حديث عهد بإسلام، أو نشأ في مكان بعيد عن أهل الإسلام، لا يعرف هذه الأشياء المعلومة من الدين بالضرورة، فمثل هذا لا يكفر حتى ولو كان قوله كفراً، هو قوله كفر أم ليس بكفر؟ كفر لكن هل يكفر؟ لا ينبغي أبداً أن يحكم بكفره حتى تقوم عليه الحجة على يد إمام عالم، وهو مقتنع بأنه عالم. إمام عالم يملك الحجة يستطيع أن يدفع عنه جميع الشبهات حتى لا يبقى له ما يدفع الحق أبداً، وقد يكون الرجل لم يسمع تلك النصوص أو سمعها ولم تثبت عنده، يردد كلام بعض الجهلة الذين ينكرون السنة النبوية كلها أو بعضها أو أقساماً منها، فهو يردد ما قاله هؤلاء الضلال المبتدعون وهو لا يتعلم، رد ما قاله الرسول ولكنه مخدوع بتضليل أهل البدع، فربما يكون لم يسمع النصوص أو سمع ولم تثبت عنده في اعتقاده، أو عارضها عنده معارض آخر أوجب تأويلها وإن كان مخطئاً. ويقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في نفس هذا الموضوع: وأصل ذلك أن المقالة التي هي كفر بالكتاب والسنة والإجماع يقال: هي كفر قولاً مطلقاً كما دلت على ذلك الدلائل الشرعية، فإن الإيمان من الأحكام المتلقاة عن الله ورسوله، ليس ذلك مما يحكم فيه الناس بظنونهم وأهوائهم، ولا يجب أن يحكم في كل شخص قال ذلك بأنه كافر حتى يثبت في حقه شروط التكفير وتنتفي موانعه. ومثاله: من قال: إن الخمر أو الربا حلال؛ لقرب عهده بالإسلام، أو لنشوئه في بادية بعيدة، أو سمع كلاماً أنكره ولم يعتقد أنه من القرآن، ولا أنه من أحاديث رسول الله ﷺ كما كان بعض السلف ينكر أشياء حتى يثبت عنده أن النبي ﷺ قالها، وكما كان الصحابة يشكون في أشياء مثل رؤية الله وغير ذلك حتى يسألوا عن ذلك رسول الله ﷺ . ويقول شيخ الإسلام أيضاً في مناسبة أخرى: إن المقالة تكون كفراً كجحد وجوب الصلاة والزكاة والصيام والحج، وتحليل الزنا والخمر والميسر، ونكاح ذوات المحارم، هذا كله كفر، ثم القائل بها قد يكون بحيث لم يبلغه الخطاب وكذا لا يكفر به جاحده كمن هو حديث عهد بالإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة لم تبلغه شرائع الإسلام، فهذا لا يكفر بجحد شيء مما أنزل الله على رسوله إذا لم يعلم أنه أنزل على الرسول، ومقالات الجهمية هي من هذا النوع. يعني: يقول: كلام الجهمية كفر، لكن الجمهية ليسوا كفاراً، وأغلب مقالاتهم هي من هذا النوع. فلذلك وجب التفريق بين كفر النوع وكفر العين، وهذه هي وظيفة القاضي الشرعي أو العالم أو الإمام الذي يستطيع فعلاً إقامة الحجة ومحاسبة الناس والحكم تبعاً لذلك بكفره. يقول: ومقالات الجهمية هي من هذا النوع، فإنها جحد لما هو الرب ﵎ عليه، ولما أنزل الله على رسوله، وتغلظ مقالاتهم من ثلاثة أوجه: أحدها: أن النصوص المخالفة لقولهم في الكتاب

стр. 690

كلام شيخ الإسلام في التفريق بين كفر النوع وكفر المعين يقول شيخ الإسلام: إني من أعظم الناس نهياً عن أن ينسب معين إلى تكفير وتفسيق ومعصية، إلا إذا علم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافراً تارة، وفاسقاً أخرى، وعاصياً أخرى، وإني أقرر أن الله قد غفر لهذه الأمة خطأها؛ وذلك يعم الخطأ في المسائل الخبرية القولية والمسائل العملية. ولا تعارض بين هذا وبين قول بعض العلماء: حكمي في الشخص الذي يقول: لا أعرف أربي في السماء أم في الأرض أنه كافر. وقال أبو حنيفة: من قال: لا أعرف أربي في السماء أم في الأرض فقد كفر. وقال بعضهم: حكمي في هؤلاء أن يقتلوا ويلقوا، ولا يدفنوا مع المسلمين، ولا مع اليهود والنصارى، بل يلقون على مزبلة لئلا يتأذى بريحهم أهل الإسلام ولا أهل الكتاب؛ فهذا الكلام في كفر النوع، أما كفر العين -وهو الشخص نفسه- فلا يحكم عليه بذلك حتى تستوفى الشروط وتنتفي الموانع. يقول شيخ الإسلام: ما نقل عن السلف والأئمة من إطلاق القول بتكفير من يقول كذا وكذا فهو أيضاً حق، لكن يجب التفريق بين الإطلاق والتعيين. والإطلاق مثل أن تقول: من قال كذا فله عذاب كذا، لكن تعيين أن هذا الشخص بعينه ملعون أو كافر أو من أصحاب النار فهذا لا يجوز إلا بنص من الوحي، حتى الكافر الموجود الآن مثل كلينتون أو بوش أو أي كافر لا تقول: هو في النار؛ لأن الخواتيم مغيبة، والأعمال بالخواتيم، نعم هو في الدنيا تجري عليه أحكام الكفر، لكن لا تقل: هو بعينه من أهل النار؛ لأنك لا تدري ما خاتمته، وهذا افتئات على حدود الله وحرماته، لكن تقول: إن مات على الكفر فهو في النار. يقول شيخ الإسلام: لكن يجب التفريق بين الإطلاق والتعيين، وهذه أول مسألة تنازعت فيها الأمة من مسائل الأصول الكبار، وهي مسألة الوعيد، فإن نصوص القرآن في الوعيد مطلقة كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء:١٠]. فهذه الآية مطلقة في الذي يأكل مال اليتيم، لكن عندما تتكلم عن رجل أكل مال اليتيم، هل تستطيع أن تقول: إنه في النار؟ لا تستطيع أن تقول ذلك. كذلك سائر ما ورد من النصوص: من فعل كذا فله كذا، مثل: (لعن الله الواشمة والمستوشمة) وغير ذلك، فإن هذه مطلقة عادة، وهي بمنزلة قول من قال من السلف: من قال: كذا فهو كذا، مثل قول بعضهم: من قال: القرآن مخلوق فهو كافر، ومن قال: لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض فقد كفر. قد يلتغي حكم الوعيد فيه بتوبة سواء كان هذا الفعل كفراً أم دون الكفر، ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ [البروج:١٠]. إذاً: الحكم باستحقاقه للوعيد قد يلغى بتوبة يتوبها إلى الله ، ولا يطلع عليها إلا الله. ويمكن أن يلغى هذا الوعيد بحسنات ماحية، فهو ارتكب هذه المعصية لكن في الجهة الأخرى عمل بعض الحسنات التي محت عنه هذا الوعيد. ويمكن أن يلغى هذا الوعيد بمصائب مكفرة يبتليه الله بها تكفر عنه ما استحقه من الوعيد. وإن لم يكن فعل هذا ولا هذا ولا ذاك فيمكن أن يلغي حكم الوعيد بشفاعة مقبولة من النبي ﵊ أو الملائكة أو قريب له شهيد أو أحد من إخوانه المؤمنين، يقول ﷺ : (إن اللعانين ليسوا بشفعاء ولا شهداء يوم القيامة)، والشفاعة في الآخرة أنواع. ويشترط في التكفير أن يقول القول تكذيباً لما قاله الرسول ﷺ ، فلو كان جاهلاً لا يكفر، كشخص أسلم -مثلاً- في أمريكا أو كندا أو في أي مكان من الأرض، وأتى إلى بلاد المسلمين وهو يقول: الدين ليس فيه صلاة، ولا يوجد في الدين شيء اسمه الصيام أو ينكر تحريم الخمر أو أي شيء معلوم من الدين بالضرورة، فهذا القول بحد ذاته كفر، لكن هذا الرجل قد يكون صدر منه هذا بسبب أنه حديث عهد بإسلام، أو نشأ في مكان بعيد عن أهل الإسلام، ولا يعرف هذه الأشياء المعلومة من الدين بالضرورة، فمثل هذا لا يكفر حتى ولو كان قوله كفراً، ولا ينبغي أن يحكم بكفره حتى تقوم عليه الحجة على يد إمام عالم، وهو مقتنع بأنه عالم، فيأتي إمام عالم يملك الحجة، ويستطيع أن يدفع عنه جميع الشبهات، حتى لا يبقى له ما يدفع الحق أبداً، وقد يكون الرجل لم يسمع تلك النصوص أو سمعها ولم تثبت عنده، فتراه يردد كلام بعض الجهلة الذين ينكرون السنة النبوية كلها أو بعضها أو أقساماً منها، فهو يردد ما قاله هؤلاء الضلال المبتدعون وهو مخدوع بتضليل أهل البدع، فربما يكون لم يسمع بالنصوص أو سمع بعضها ولم تثبت عنده في اعتقاده، أو عارضها عنده معارض آخر أوجب تأويلها وإن كان مخطئاً. يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في نفس هذا الموضوع: وأصل ذلك أن المقالة التي هي كفر بالكتاب والسنة والإجماع يقال: هي كفر قولاً مطلقاً كما دلت على ذلك الدلائل الشرعية، فإن الإيمان من الأحكام المتلقاة عن الله ورسوله، وليس ذلك مما يحكم فيه الناس بظنونهم وأهوائهم، ولا يجب أن يحكم في كل شخص قال ذلك بأنه كافر حتى يثبت في حقه شروط التكفير وتنتفي موانعه. مثاله: من قال: إن الخمر أو الربا حلال؛ لقرب عهده بالإسلام، أو لنشوئه في بادية بعيدة، أو سمع كلاماً أنكره ولم يعتقد أنه من القرآن، ولا أنه من أحاديث رسول الله ﷺ كما كان بعض السلف ينكر أشياء حتى يثبت عنده أن النبي ﷺ قالها، وكما كان الصحابة يشكون في أشياء مثل رؤية الله وغير ذلك حتى يسألوا عن ذلك رسول الله ﷺ . ويقول شيخ الإسلام أيضاً: إن المقالة تكون كفراً كجحد وجوب الصلاة والزكاة والصيام والحج، وتحليل الزنا والخمر والميسر، ونكاح ذوات المحارم، ثم القائل بها قد يكون بحيث لم يبلغه الخطاب؛ فلا يكفر كمن هو حديث عهد بالإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة لم تبلغه شرائع الإسلام، فهذا لا يكفر بجحد شيء مما أنزل الله على رسوله إذا لم يعلم أنه أنزل على الرسول، ومقالات الجهمية هي من هذا النوع. يعني: كلام الجهمية كفر، ولكن الجهمية ليسوا كفاراً، وأغلب مقالاتهم هي من هذا النوع. إذاً: يجب التفريق بين كفر النوع وكفر العين، وهذه هي وظيفة القاضي الشرعي أو العالم أو الإمام الذي يستطيع فعلاً إقامة الحجة ومحاسبة الناس والحكم عليهم. يقول: ومقالات الجهمية هي من هذا النوع، فإنها جحد لما الرب ﵎ عليه، ولما أنزل الله على رسوله، وتغلظ مقالاتهم من ثلاثة أوجه: أحدها: أن النصوص المخالفة لقولهم في الكتاب والسنة والإجماع كثيرة جداً مشهورة وإنما يردونها بالتحريف. الثاني: أن حقيقة قولهم تعطيل الصانع، وإن كان منهم من لا يعلم أن قولهم مستلزم تعطيل الصانع، يعني: يلزم من مذهبهم جحد وجود الله، وتعطيل الصانع ، وإن كان منهم من يرى أن هذا لا يلزم، فيقول: هذا لا ألتزمه، ويؤمن بوجود الله، فكما أن أصل الإيمان الإقرار بالله فأصل الكفر إنكار الله. الثالث: أنهم يخالفون ما اتفقت عليه الملل كلها، وأهل الفطر السليمة كلها. فمثلاً: فوقية الله ، هذه الصفة متفق عليها عند كل أهل الملل، فأنا كنت أتكلم مع رجل كافر علماني، فكان وهو يتكلم بكلام يقول: الله ويشير إلى أعلى، وهو أصلاً لم يتدين بأي دين، وكان يتكلم اللاتينية. فصفة الفوقية مفطور عليها كل أهل الملل، فاليهود والنصارى والمسلمون متفقون على مثل هذه الصفات، والجهمية يخالفون حتى الأشياء التي يتفق عليها أهل الفطر. ويقول شيخ الإسلام: وليس لأحد أن يكفر أحداً من المسلمين وإن أخطأ وغلط حتى تقام عليه الحجة وتبين له المحجة، ومن ثبت إسلامه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك. يعني: من ثبت إسلامه بيقين لم يزل عنه وصف الإسلام بالشك، بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة وإزالة الشبهة، فالناس إما مؤمن وإما كافر، وليس هناك مرتبة بين المرتبتين أو منزلة بين منزلتين أو ما يسمونه الآن بالتوقف، الناس إما مؤمن أو كافر، حتى المنافق في الدنيا تجري عليه أحكام الإسلام وإن كان في الحقيقة زنديقاً كافراً، فالمسلم قد يريد بشيء من أفعال الكفر، وقد يعذر بهذه الأعذار كجهل أو تأويل أو إكراه أو غير ذلك، فلا يحكم بكفره، ولا نتوقف فيه، لكن نستصحب الأصل الذي ثبت لنا يقيناً، وهو أنه من أهل الإسلام، فلا يزول عنه ذلك الوصف بالشك، بل يزول بيقين مثله. وقال شيخ الإسلام: وسبب هذا التنازع -يعني: تنازع أهل السنة في تكفير الجهمية بأعيانهم- تعارض الأدلة، فإنهم يرون أدلة توجب إلحاق أحكام الكفر بهم، ثم إنهم يرون من الأعيان الذين قالوا تلك المقالات من قام به من الإيمان ما يمتنع أن يكون كافراً. يعني: القول قول كافر، لكن حال الرجل يجيب علينا: لست بكافر، فتعارض الدليلان. وهذا مثل من يأخذ بعموم الوعيد في القرآن والسنة، وهم أيضاً أخذوا بعموم كلام الأئمة، مثل قولهم: من قال: القرآن مخلوق فهو كافر. ويقول: كلما رأوهم قالوا: من قال كذا فهو كافر اعتقد المستمع أن هذا اللفظ شامل لكل ما قاله، فمن قال كذا فهو كافر، فهذه صفة عامة، لكن هذا اللفظ لا يشمل كل من قاله، فليس كل من قال بالقول يكون كافراً بعينه، ولم يتدبروا أن التكفير له شروط وموانع قد تنتفي في حق معين. لأن التكفير المطلق لا يستلزم تكفيراً معيناً إلا إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع، ويبين هذا أن الإمام أحمد وعامة الأئمة الذين أطلقوا هذه العمومات لم يكفروا أكثر من تكلم بهذا الكلام بعينه. يعني: أن الإمام أحمد مع أنه كان يقول: من قال: القرآن مخلوق فهو كافر، كيف كان موقفه الفعلي من الخلفاء العباسيين المعتزلة؟ كان يرى إمامتهم، ولم يخرج عليهم، وكان يصلي خلفهم، وكان ينادي الخليفة بأمير المؤمنين. والإما

стр. 691

محطات شطحات إن التمسك بالسنة نجاة من الزيغ والانحراف، فهي كسفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق وهوى، وهي نور يستضاء به في الظلمات، ويستنار به في المدلهمات، لذا لما تمسك بها السلف الصالح نجو من الفتن والأهواء، وكانوا على المحجة البيضاء، وصاروا نبراساً يستضيء به من بعدهم، وقدوة يقتدي بها السائرون والسالكون إلى الله. بينما نجد فئاماً من الناس أعرضوا عن السنة ولم يرفعوا بها رأساً، فلم يرتفعوا لا في علم ولا في عمل، بل انحطوا في درك الأهواء والفتن، والاختلافات والمحن، فصاروا شرّ سلف، وأشأم قدوة، ولا يذكرون إلّا بالسوء والقبيح.

стр. 692

قواعد وفوائد بين يدي الموضوع الحمد لله رب العالمين، الذي لا يهدي كيد الخائنين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له قاصم ظهر الماكرين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله سيد ولد آدم أجمعين، اللهم! صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: ففي مرحلة الغربة التالية التي تنبأ بها رسول الله ﵌ في قوله: (بدأ الإسلام غريباً وسيعود كما بدأ، فطوبى للغرباء)، وفي حال انفتاح ما أخبر به الصادق المصدوق ﵌ في قوله: (ستأتي على الناس سنوات خداعات: يصدَّق فيها الكاذب، ويكذَّب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويخوَّن فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة، قيل: وما الرويبضة؟ قال: الرجل التافه -وفي رواية: السفيه، وفي رواية: الفويسق- يتكلم في أمر العامة). وما أخبر به النبي ﷺ في قوله: (إن الله تعالى لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبقِ عالماً اتخذ الناس رؤساء جهالاً، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا). ففي هذا الحديث الشريف بيان مصدر ضلال الناس، وأن الضلال لا يأتي من قبل العلماء كما قال عمر رضي الله تعالى عنه: ما خان أمين قط، ولكن اؤتمن غير أمين فخان، وكذلك هنا نقول: ما ابتدع عالم قط، ولكن استفتي من لا علم عنده فأضل الناس. وقد روى أبو هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي ﵌ قال: (يكون في آخر الزمان دجالون كذابون يأتونكم من الأحاديث بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم لا يضلونكم ولا يفتنونكم). وفي هذا الحال الذي نعيشه من تداعي حملات الغزو الفكري الداخلي والخارجي علينا من كل حدب وصوب، وغير ذلك مما يعيشه المسلمون في قالب أزمة فكرية غثائية حادة أفقدتهم توازنهم إلا من عصم الله، وزلزلت كيانهم، وشوهت أفكارهم، كلّ بقدر ما عَلَّ من أسبابها ونَهَل، فصار الدَّخَل، وسار الدخن، وضعفت البصيرة، ووجد أهل الأهواء والبدع مجالاً فسيحاً لنشر إفكهم، ونثر بدعهم، حتى أصبحت في كف كل لاقط، فاستشرت في الآفاق، وامتدت من دعاتها الأعناق، وعاثوا في الأرض الفساد، وتجارت الأهواء بأقوام بعد أقوام، إلى غير ذلك من الويلات التي يتقلب المسلمون في حرارتها، ويتجرعون مرارتها. وفي غمار ذلك كله تجسدت الأدلة المادية التي قامت في ساحة المعاصرة على ما ذرّ قرنه من الخوض في شريعة الله بالباطل، وما تولد عن ذلك من فتن تغلي مراجلها؛ لذهاب العلماء، وقعود المتأهلين عن التحمل والبلاغ، وتولي ألسنتهم وأقلامهم يوم الزحف على كرامته: فبقى الذين إذا يقولوا يكذبوا ومضى الذين إذا يقولوا يصدقوا وهانحن نرى بين الحين والآخر سرباً من المبتدعة يحاولون اقتحام بقايا العقبة؛ لتكفيف الأمنية الدينية، وزيادة غربة الإسلام بين أهله، ولو كانت دعوات القوم حبيسة الأوراق، رهينة الأدراج لهان الأمر، ولكان من الخطأ الرد عليها، وتنبيه المسلمين إليها؛ لأنه سيكون حينئذ إشهاراً لفكرة ماتت في مهدها، ولفتاً لأنظار المسلمين لينظروا في زيفها، ولكن: لكل ساقطة في الحي لاقطة وكل كاسدة يوماً لها سوق وهذا بجانب أن هذه الآراء الضالة والإلحادية تنشر على نطاق واسع، ويفتح لها صفحات في الجرائد ووسائل الإعلام، فهذا يحتِّم أن يُحكم عليها الحكم الشرعي اللائق بها.

стр. 693

فائدة الرد على أهل البدع والضلالات كما أن في الرد على هذا الباطل إبطالاً لهذه الضلالات التي شاعت وانتشرت، ففيه أيضاً خير للباهت المتّبع نفسه؛ لأنه يحتمل أن يعود إلى رشده، ويرجع عن غيه إذا كان أُتي من قبل داء الجهل، وأما إذا كان أُتي من قبل داء الهوى، فقد قال الله: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [المائدة:٤١]، خاصة أننا بصدد الرد على مقالة هذا الذي أنكر شفاعة النبي ﵌ في الآخرة، فمن مصلحته أن يرجع ويتوب، فقد صح عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أنه قال: (من كذّب بالشفاعة فليس له منها نصيب). وإن أصرّ على هذا الضلال فإن الرد يعود عليه بالفائدة؛ لأن في هذا الرد تقليلاً من عدد المتورطين المضلَّلين بجهله وفتنته، وإلا فقد قال الله تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [العنكبوت:١٣]، وقال تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [النحل:٢٥]. وقال النبي ﵌: (ومن سن في الإسلام سنة سيئة، فعليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيئاً)، فنحن لا نتعرض لهذه الواقعة بالذات، فالوقائع كثيرة جداً لا تكاد تنحصر، ومن ذلك مقالة أطلعني عليها أحد الإخوة نشرت منذ فترة من شخص يعتزّ بفرعون، ويعز عليه أن القرآن الكريم يحكم بكفر فرعون، فإذا به يلتقط كلاماً من هنا وهناك لبعض الملاحدة الزنادقة كـ ابن عربي الصوفي المارق، فيعقد محاكمة ويجعل ابن عربي هو المحامي الذي يدافع فيها عن فرعون، ويقول: إن فرعون جدي، وأنا رجل مصري قبطي، فكيف يكون جدي في النار؟ وكيف يذم القرآن جدي بهذه الطريقة؟ فمن هذا المنطلق، ومن هذه النعرة والحمية الجاهلية النكراء يعقد محاورة أو محاكمة في صفحة كاملة في جريدة شبه رسمية، ويدافع فيها عن فرعون، ويقول: إن فرعون مات مؤمناً إلى آخر ضلالاته، فهذا يريد أن يقضي على معنى تكفير فرعون، وقام اليهود -من ناحية أخرى- بالمطالبة في فلسطين بحذف الآيات التي تتعرض لبني إسرائيل بالذم، وهكذا نتلقى الصفعات، وكل من أراد أن يطعن فليطعن، فكل من أراد أن يحذف فليحذف إلى غير ذلك مما تعلمون. فنحن نريد أن نجعل هذا الموقف درساً وعبرة؛ لأن الضُّلّال لا ينحصرون، والظلمات كثيرة كما أخبر الله تعالى، ودائماً ما تأتي الظلمات في القرآن بصيغة الجمع، وأما النور فيأتي مفرداً، ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ [البقرة:٢٥٧]، فعلينا أن ننشغل وأن نتعلم هذا النور؛ كي يكفينا شر هذه الظلمات، فقضيتنا ليست أن نتعرض لهذا الكاتب بالتفصيل، ولا لـ أحمد صبحي منصور، ولا لـ رشاد خليفة، ولا للسيد صالح أبي بكر، ولا لـ أبي رية، ولا لغيرهم من هؤلاء المارقين الذين يطعنون الإسلام في الصميم، بل سنحاول أن نعمم العبرة؛ حتى نستطيع أن نتعامل مع ظاهرة العدوان على دين الله بهذه الأقلام المسمومة التي تنفث سمومها بين الحين والآخر.

стр. 694

حكم الرد على أهل البدع والضلالات فإن قيل: إنه يسعنا ما وسع السالف الصالح من أنهم لم يناظروا أهل البدع، وإنما هجروهم وقاطعوهم، وهذه بعض الآثار: فعن سفيان الثوري رحمه الله تعالى قال: من سمع بدعة فلا يحكها لجلسائه؛ لا يلقيها في قلوبهم. وعن أيوب السختياني قال: لست ترد عليهم بشيء أشد من السكوت، وقال الخواص: إذا جاءكم مجادل بغير حق فتصدقوا عليه بالسكوت؛ فإنه يخمد هيجان نفسه، وعن عبد الله بن السري قال: ليست السنة عندنا أن يرد على أهل الأهواء، ولكن السنة عندنا ألا نكلم أحداً منهم، وكتب رجل إلى الإمام أحمد رحمه الله تعالى يستأذنه في أن يضع كتاباً يشرح فيه الرد على أهل البدع، وأن يحضر مع أهل الكلام فيناظرهم ويحتج عليهم، فكتب إليه الإمام أحمد رحمه الله تعالى كتاباً فيه: الذي كنا نسمع وأدركنا عليه من أدركنا من أهل العلم: أنهم كانوا يكرهون الكلام والجلوس مع أهل الزيغ، وإنما الأمر في التسليم والانتهاء إلى ما كان في كتاب الله، أو سنة رسول الله ﷺ ، لا في الجلوس مع أهل البدع والزيغ لترد عليهم، فإنهم يلبّسون عليك وهم لا يرجعون، فالسلامة إن شاء الله في ترك مجالستهم والخوض معهم في بدعتهم. فنقول: إنّ الحق والصدق أن هذا هو مسلك السلف رحمهم الله تعالى في التعامل مع أهل البدع، فقد كانوا يهجرونهم، وينابذونهم، ونقول: نعم يسعنا ما وسع السلف رحمهم الله تعالى إن كانت ظروفنا مثل ظروفهم، لكن إن ابتلينا بما عافاهم الله تعالى منه فلا شك أن الموقف يختلف، فقد غاب السلطان الشرعي الذي كان يضرب على أيدي المبتدعة ويحجر عليهم، وقعد كثير من أهل العلم عن التصدي للمبتدع الذي أذاع بدعته على نطاق واسع، وتحقق حصول الضرر من نشاط هؤلاء الناس على العوام وبعض الخواص، ومع ذلك فلنا أسوة في أهل العلم في كل زمان ممن تصدوا لأهل البدع بالرد والتفنيد. فهذا الإمام مسلم رحمه الله تعالى يقول في مقدمة صحيحة: وقد تكلم بعض منتحلي الحديث من أهل عصرنا في تصحيح الأسانيد وتقسيمها، بقول لو ضربنا عن حكايته وذكر فساده صفحاً لكان رأياً متيناً، ومذهباً صحيحاً، إذ الإعراض عن القول المطَّرح أحرى لإماتته، وإخماد ذكر قائله، وأجدر ألا يكون ذلك تنبيهاً للجهال عليه، غير أنا لما تخوفنا شرور العواقب، واغترار الجهلة بمحدثات الأمور، وإسراعهم إلى اعتقاد خطأ المخطئين، والأقوال الساقطة عند العلماء، رأينا الكشف عن فساد قوله، ورد مقالته بقدر ما يليق بها من الرد أجدى على الأنام، وأحمد للعاقبة إن شاء الله. وأنكر الإمام أحمد على الحارث المحاسبي تصنيفه في الرد على المعتزلة، فقال الحارث: الرد على البدعة فرض، فقال الإمام أحمد: نعم، ولكن حكيت شبهتهم أولاً ثم أجبت عنها، فلا يؤمن أن يطالع الشبهة من تعلق بفهمه، ولا يلتفت إلى الجواب، أو ينظر في الجواب ولا يفهم كنهه. إن الطائفة الوحيدة التي تتصدى لأهل البدع هم أهل العلم المختصون، وأما طالب العلم القليل البضاعة فضلاً عن العوام الذين لا يدركون حقائق هذه الأشياء فلا شك أن دخولهم في مثل هذا دخول في قول النبي ﷺ : (إذا استشرفت للفتن استشرفت لك) أي: إذا نظرت إلى الفتن بعين واحدة فإنها ستهجم عليك، وترحب بك، وتدخلك في بطنها، وهنا أذكر نصيحة لعموم الإخوة جميعاً وهي: أن من سمع شيئاً في وسائل الإعلام فيه طعن، أو تكذيب، أو بعض الشبهات، فالواجب عليه أن يخمده ما استطاع ولا يذيعه أو ينشره، إلا إذا أُذيع ونُشر رغماً عنا، ففي هذه الحالة يتعيّن الجواب العام، لكن لا نشغل أنفسنا بالرد على كل من ألقى حجَراً؛ لأننا سنكون بذلك قد أذعنا هذه البدع ونشرناها، وعممنا ضررها. قال الغزالي معلقاً على كلام الإمام أحمد: وما ذكره أحمد حق، ولكن في شبهة لم تنتشر ولم تشتهر، وأما إذا انتشرت فالجواب عنها واجب، ولا يمكن الجواب إلا بعد الحكاية. ولا شك أن الحجْر على أهل البدع ممن يعيثون في الأرض فساداً هو أولى من الحجر الصحي لاستصلاح الأبدان، فإن المبتدع إذا زجر وهجر بات كالثعلب في جحره، وأما تركه يحديث ببدعته وضلاله فهذا فيه تزكية له، وتغرير بالعامة، إذ العامي مشتق من العمى، فهو بيد من يقوده غالباً.

стр. 695

نوع الاختلاف الموجود عند أهل السنة والجماعة ولا شك أن الخلافات في مثل هذه الأشياء هي من سنة الله التي مضت في خلقه، فما من الناس إلا راد ومردود عليه، ومحق ومبطل، والله تعالى يقول: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود:١١٨ - ١١٩]، والمقصود بهذا الاستثناء هم أهل الإسلام، وأهل السنة والجماعة على الخصوص، فإن أهل السنة والجماعة لا يختلفون اختلافاً يضرهم، فقد يختلفون في بعض الأمور لكنه اختلاف لا يضرهم، كالخلاف الاجتهادي في قضايا الفروع، وأما في الإيمان وقضايا الأصول والعقيدة فهم فرقة واحدة، وأما في الفقه والفروع فالأمر أيسر، فهم مذاهب شتى تصل إلى سبعة أو ثمانية أو أكثر من ذلك من المذاهب الفقهية، إذاً: فأهل السنة لا يختلفون في الأصول ولا يختلفون في الفروع اختلافاً يضرهم، وإنما يختلفون اختلافاً سائغاً. وهنا نذكر قول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى وهو يناقش تلميذه الإمام المحقق ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى، وقد جعل يورد عليه إيراداً بعد إيراد، فيناقشه ويدلي بالشبه، وكلما أجابه بشيء أورد عليه شبهة أخرى، فعلّق شيخ الإسلام على أسلوب تلميذه الإمام ابن القيم معلماً ومرشداً، فقال: لا تجعل قلبك للإيرادات والشبهات مثل السفنجة يتشربها فلا ينضح إلا بها، ولكن اجعله كالزجاجة المصمتة، تمر الشبهات بظاهرها ولا تستقر فيها، فيراها بصفائه، ويدفعها بصلابته، وأما إذا أشربت قلبك كل شبهة تمر عليه فإنه سيصير مقراً للشبهات، أو كما قال شيخ الإسلام. يقول ابن القيم: فما أعلم أني انتفعت بوصية في دفع الشبهات كانتفاعي بذلك، وإنما سميت الشبهة شبهة لاشتباه الحق بالباطل فيها، فإنها تلبس ثوب الحق على جسم الباطل.

стр. 696

ذم التعالم ونصدَّر أيضاً الكلام في هذه القضية بالكلام في ذم التعالم، فقد قال الله : ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ﴾ [الأنعام:١٤٤] أي: لا أحد أظلم، ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِين﴾ [الأنعام:١٤٤]، وقال ﷺ : (إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور العلماء، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبقِ عالماً اتخذ الناس رءوساً جهالاً، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا)، فالتعالم الكاذب هو عتبة الدخول إلى جريمة القول على الله بغير علم، وهذه الجريمة محرمة لذاتها تحريماً أبدياً في جميع الشرائع، وهذا مما علم من الدين بالضرورة، وهو مما حذّرناه رسول الله ﷺ أشد التحذير حين قال: (يظهر الإسلام حتى تختلف التجار في البحار، وحتى تخوض الخيل في سبيل الله، ثم يظهر قوم يقرءون القرآن، ويقولون: من أقرأ منا، من أعلم منا، من أفقه منا، ثم قال ﷺ لأصحابه: هل في أولئك من خير؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: أولئك منكم -أي: من هذه الأمة- وأولئك هم وقود النار)، وجاء في الحديث الآخر الذي في البخاري أن النبي ﵇ قال في فتن آخر الزمان قال: (دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها) فلما قال له حذيفة: صفهم لنا، جلهم لنا؟ قال ﵊: (هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا)، وهذا هو الواقع الذي نلمسه الآن، فالذين يطعنون في الإسلام هم من جلدتنا، وممن يتكلم بألسنتنا ولغتنا. وجاء أن النبي ﷺ قام ليلة بمكة فقال: (اللهم! هل بلغت ثلاث مرات، فقام عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه -وكان آوه، أي: كثير الدعاء- فقال: اللهم نعم! وحرضت وجاهدت ونصحت، فقال ﵊: ليظهرن الإيمان حتى يرد الكفر إلى مواطنه، ولتخاضن البحار بالإسلام، وليأتين على الناس زمان يتعلمون فيه القرآن، فيتعلمونه ويقرءونه ثم يقولون: قد قرأنا وعلمنا، فمن ذا الذي هو خير منا؟ فهل في أولئك من خير؟ قالوا: يا رسول الله! من أولئك؟ قال: أولئك منكم، وأولئك هم وقود النار). وقال ﷺ : (إن بين يدي الساعة أياماً ينزل فيها الجهل، ويرفع فيها العلم، ويكثر فيها الهرج). وقال ﷺ : (إن من أشراط الساعة أن يقل العلم، ويظهر الجهل). ويقول بعض الفضلاء من المتأخرين: وجدت جميع العلوم في ازدياد إلا علم الدين، فعلمت أنه المقصود في الحديث. قلت: صدق، فهاهو العلم في زماننا قد استدبر، وهاهو البغاث بأرضنا قد استنسر: قد أعوز الماء الطهور وما بقي غير التيمم لو يطيب صعيدا وذكر أبو عمر بن عبد البر عن مالك ﵀ أنه قال: أخبرني رجل أنه دخل على ربيعة فوجده يبكي، فقال: ما يبكيك، أمصيبة دخلت عليك؟ وارتاع لبكائه، فقال: لا، لكن اسُتفتي من لا علم له، وظهر في الإسلام أمر عظيم، وَلَبعض من يفتي ههنا أحق بالحبس من السرّاق. أي: أنه أحق بأن يحبس ويسجن من اللصوص. وقال غير واحد من السلف: ليحذر أحدكم أن يقول: أحل الله كذا، أو حرم الله كذا، فيقول الله: كذبت، لم أحل كذا ولم أحرمه، وقال القاسم بن محمد: لئن يعيش الرجل جاهلاً خير له من أن يقول على الله ما لا يعلم. وقال ابن حزم ﵀: لا آفة على العلوم وأهلها أضر من الدخلاء فيها، فهم من غير أهلها، فإنهم يجهلون ويظنون أنهم يعلمون، ويفسدون ويقدّرون أنهم يصلحون. وهذه الكلمة ينبغي أن تكتب بخط عريض في كل مكان؛ حتى لا تغيب عن الناس. وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: إذا تكلم المرء في غير فنه أتى بهذه العجائب. وفي كتب الحنفية: أن أبا حنفية ﵀ كان يرى الحجْر على المفتي المتلاعب، ويسمونه المفتي الماجن، فيمنعه الإمام من الإفتاء. وقال ابن الجوزي: يلزم ولي الأمر أن يمنع هؤلاء من الإفتاء كما فعل بنو أمية، وقال: إذا تعين على ولي الأمر منع من لا يحسن التطبيب ومداواة المرضى، فكيف بمن لم يعلم الكتاب والسنة، ولم يتفقه في الدين؟! وقال الخطيب البغدادي ﵀: ينبغي للإمام أن يتصفح أحوال المفتين، فمن صلح للفتيا أقره، ومن لا يصلح منعه ونهاه أن يعود، وتوعده بالعقوبة إن عادة، قال ابن القيم: ومَن أقرهم مِن ولاة الأمور فهو آثم. وكان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى يرى أنه ينبغي أن يكون على المفتين محتسب، فقال رحمه الله تعالى: يكون على الكذابين والطباخين محتسب ولا يكون على الفتيا محتسب!! وقال بعض المصنفين: والانفراد عن أهل العلم برأي في الشرع، والقول بما لم يقل به أحد ينبئان عن خلل في العقل. وقال زفر بن الهذيل ما معناه: إني لا أناظر أحداً حتى يسكت، بل أناظره حتى يذل، قالوا: وكيف ذلك؟ قال: يقول بما لم يقل به أحد، قال: وأرى من الواجب الديني أن أوصيه -أي: الشخص الذي يرد عليه- أن يترك الكتابة في الفقه والحديث؛ لأنه استبان من كتاباته ما يقضي عليه قضاء لا مرد له أنهما ليسا من صناعته، والعاقل يترك ما لا يحسنه، وقد قال الشاعر العربي: خلق الله للحروب رجالاًً ورجالاً لقصعة وثريد والغلط فيهما غلط في صميم الدين، والطيش فيهما هلاك في الدنيا والآخرة. وقال علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب: ليس ما لا يُعرف من العلم، إنما العلم ما عرف، وتواطأت عليه الألسن، وقال إبراهيم بن أبي عبلة: من حمل شاذ العلم حمل شراً كثيراً. وقال الشاطبي ﵀: قلما تقع المخالفة لعمل المتقدمين إلا ممن أدخل نفسه في أهل الاجتهاد غلطاً أو مغالطة. وأما الآن؛ فباب الاجتهاد مفتوح على مصراعيه لكل من هب ودب، وهذه مشكلة عظيمة، ويعطون أنفسهم هذا الحق فيقولون: فتح باب الاجتهاد إلى آخره، فنقول: نعم إن باب الاجتهاد مفتوح، ولكن من الذي يجتهد؟ فلو كان هناك رجل أمي جاهل ليس عنده أي علم فوقف في السوق وجعل يقول: أنت تُعدم، وأنت تسجن خمسة وعشرين عاماً، وأنت تجلد أربعين جلدة، وأنت كذا، فماذا يقول عنه الناس؟ لاشك أنهم سيعرضون عنه، فكلامه ليس له أي تأثير، بل هو لغو فارغ كلغو العصافير؛ لأن هذا الرجل ليس ممن يجتهد، ولا ممن يصدر الأحكام، فكلامه لا وزن له.

стр. 697

معرفة قدر الناس قبل الكلام فيهم ذكرنا سابقاً أنه يجب على الإنسان قبل أن ينتقد شخصاً أن يعرف قدره، فهذا عمر يقول: رحم الله امرأ عرف قدر نفسه، وهذا يكون من الجانبين، أي: أن تعرف قدر نفسك، وأن تعرف قدر من تتكلم فيه، فنحن نعرف قدر العلماء الأفاضل، وندرس سيرتهم قبل أن نتكلم عنهم، فإن معرفة قدر الرجل الذي تتكلم عنه له تأثير في أسلوب كلامك معه، وحسن ظنك به، فالماء إذا بلغ قلتين لم يحمل الخبث، وأما إذا كان غالب القلتين خبث، وفيهما القليل من الماء الطاهر فإن الأمر ينعكس. إذاً: فرحم الله امرأ عرف قدر نفسه ولم يناطح العلماء الجبال، وإذا كان هو دجاجة تمشي على الأرض فلا يناطح النسور في عنان السماء. إن هذا الأمر في غاية الأهمية، فعلينا أن نعرف أقدار العلماء وسيرهم وحياتهم؛ كيلا نبخسهم حقهم، وعلينا أن نستصحب الأصل؛ فالرسول ﷺ استصحب الأصل مع الناقة البهيمة، وذلك حينما قال الصحابة: (خلأت القصواء، فقال: خلأت القصواء وما ذلك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل) فدافع عن عرض الناقة، وقال: (وليس لها ذلك بخلق)، فكيف بعالم جليل من علماء المسلمين؟! أننصت إلى من يرجف بالإشاعات والأكاذيب والتضليل ولا نستصحب هذا الأصل؟! حتى وإن أخطأ فهذا مغمور في بحر علمه وفضله، فيجب علينا أن ننصف في حكمنا على الناس، وفي الجانب الآخر أن نعرف هذا الذي يتكلم وينعق كالغراب الناعق، ويشذ عن أهل السنة والجماعة، ويأتي بهذه الأفكار الضالة المضلة أن نعرف ما هو حظه من العلم؟ ونحتاج أن نعرف ترجمته وحياته وعلمه؛ لنعطيه حجمه الذي يستحقه. يقول الشاطبي رحمه الله تعالى: قلما تقع المخالفة لعمل المتقدمين إلا ممن أدخل نفسه في أهل الاجتهاد غلطاً أو مغالطة. وقال شكيب أرسلان: ومن أعظم أسباب تأخر المسلمين: العلم الناقص، فهو أشد خطراً من الجهل البسيط؛ لأن الجاهل إذا قيض الله له مرشداً عالماً أطاعه، ولم يتفلسف عليه، وأما صاحب العلم الناقص فهو لا يدري، ولا يقتنع أنه لا يدري، وكما قيل: ابتلاؤكم بمجنون خير من ابتلاؤكم بنصف مجنون، وأقول: ابتلاؤكم بجاهل خير من ابتلاؤكم بشبه عالم.

стр. 698

الاجتهاد الممدوح والاجتهاد المذموم وننهي هذه المقدمة -وإن طالت لكنها مهمة- ببيان المقصود من هذا الحديث المظلوم الذي يتعلق به كل من أراد أن يطعن في الإسلام، وهو قوله ﷺ : (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر)، فهذا الحديث وارد في شأن القاضي، وألحق به المفتي بجامع أن كل واحد منهما مأمور بأن يصدر عن حكم شرعي، ولذلك يعذر كلاهما في الخطأ، فالمفتي إذا كان من أهل العلم ممن اجتمعت فيهم شرائط الفتيا، وبذَل وسعه للوصول إلى الحق، ثم أفتى بما غلب على ظنه أنه الحق بمقتضى الأدلة فأخطأ فلا إثم عليه في هذا الخطأ؛ لدخوله في القاعدة الذهبية التي دل عليها قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب:٥]، ولدخوله في هذا الحديث الشريف المشار إليه، فأجر اجتهاده باقٍ محفوظ لا يبطل بخطئه، فله أجران إن أصاب، وأجر إن أخطأ. وأما إذا بلغ العالم مرتبة الاجتهاد وقصر في بذل الوسع، فأفتى وتكلم بدون أن يُعمِل هذه الإمكانيات التي عنده، ولم يبذل غاية وسعه للوصول إلى الحكم الشرعي في هذه المسألة، فلا ينطبق عليه هذا الحديث، بل إذا أخطأ فإنه يكون آثماً؛ لأن الحديث يقول: (إذا اجتهد فأخطأ فله أجر)، فلابد من أن يجتهد ويبذل وسعه، وبعد الاجتهاد وبذل الوسع: إذا أصاب فله أجران، وإذا أخطأ فله أجر واحد على اجتهاده، وخطؤه مغفور له؛ لأن الشرع يأمره بأن يفتي؛ لوجوب الإفتاء، وقد فعل ما أمر به، فاستحق بذلك الأجر على العمل الذي قام به، لكن لا يكون أجره كأجر المصيب، فالمصيب دل على الحق، وهذا المخطئ لم يدل عليه. وأما إذا أفتى من ليس أهلاً للفتيا فأخطأ فإنه لا يكون معذوراً بذلك، إذاً: من أفتى وليس أهلاً للفتيا فأخطأ، أو كان أهلاً للفتيا لكنه لم يبذل جهده لإحقاق الحق فأخطأ، فإنه لا يكون معذوراً بذلك، بل يكون آثماً؛ لأنه أضل عن سبيل الله، وقد قال الله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [النحل:٢٥]، وفي الحديث: (حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رؤساء جهالاً، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا). قال ابن المنذر رحمه الله تعالى: وإنما يؤجر الحاكم إذا أخطأ إذا كان عالماً بالاجتهاد فاجتهد، وأما إذا لم يكن عالماً فلا، واستدل بحديث: (القضاة ثلاثة)، وفي هذا الحديث يقول النبي ﵊: (القضاة ثلاثة: قاضٍ في الجنة، وقاضيان في النار، فأما الذي في الجنة فقاضٍ قضى بالحق فهو في الجنة، وأما القاضيان اللذان في النار: فقاضٍ قضى بغير حق فهو في النار) أي: أنه تعمد الإضلال والظلم والجور فهو في النار. والنوع الثاني من القاضيين اللذين يدخلان النار: (وقاض قضى وهو لا يعلم فهو في النار) أي: أنه قضى وهو ليس أهلاً للقضاء فيكون آثماً ولو أصاب؛ لأن هذا ليس من تخصصه. قال الخطابي ﵀: إنما يؤجر المجتهد إذا كان جامعاً لآلة الاجتهاد، فهو الذي نعذره بالخطأ، بخلاف المتكلف فيخاف عليه. وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: لا يلزم من ردّ حكمه أو فتواه إذا اجتهد فأخطأ أن يأثم بذلك، بل إذا بذل وسعه أجر، فإن أصاب ضوعف أجره، لكن لو أقدم فحكم أو أفتى بغير علم لحقه الإثم. وينبغي أن تكون الردود على الضلالات بعلم، وبما يليق بحال المردود عليه، فمثلاً لما حصلت ضجة حول نجيب محفوظ في روايته (أولاد حارتنا) وما فيها من الإلحاد والكفر بالله، وبالأنبياء، وبالإسلام، نجد بعض الشيوخ أو الناس يفتي ويقول: إن الأستاذ الفاضل أو الأديب الكبير العالمي نجيب محفوظ له وجهة نظر في هذا، ولكن إلى آخر هذا الأسلوب المتميع، فكل واحد منهم يريد أن يكون جنتل مان، فيترخصون في التلفظ بطريقة فظيعة جداً، نعم أن الحِلْم حسن لكنه في مثل هذا الموضع جهالة، فأسلوب الترفق بهؤلاء المجرمين الصادين عن سبيل الله، والطاعنين في دينه غير صحيح، فأقل شيء أن تُظهر حقيقته، وأن يكشف ويفضح جهله للناظرين؛ كي لا يلبَّس على الناس، وأما أن نقول: الأستاذ الكبير، والأديب العالمي فلان الفلاني، الذي يقول كذا، وهو له وجهة نظر في هذا، فهذا غير صحيح، ونفس هذا الأمر حصل في موضوع الشفاعة، فأحد الشخصيات الدينية البارزة يقول في مقدمة مقاله: وبعض الكتاب يرون -انطلاقاً من اجتهاد شخصي، ورؤية خاصة قد تكون صواباً وقد لا تكون- أنه لا شفاعة للنبي ﷺ في العصابة المذنبين من أمته يوم القيامة إلى آخره، فهذا أسلوب في غاية الرقة، مع أن هذا المنكر للشفاعة لا يستحق هذا التلطف، ثم كيف يقال: قد تكون صواباً وقد لا تكون وهو يكذب بالأحاديث المتواترة في الشفاعة، والآيات القرآنية التي أساء فهمها ذلك الجاهل بجهله، وهذا القاصر بقصوره حتى يرد هذا الرد؟!! ونجد أن الشيخ نفسه في آخر الكلام يقول: وعلى أية حال فالمعروف أن فرقة المعتزلة تعطي العقل أحياناً أكثر من حجمه، أقول: هم دائماً يعطون العقل فوق حجمه وليس أحياناً. ويقول أيضاً: ولو صح أن هذه الفرقة أنكرت شفاعة النبي ﷺ ، أقول: لا يصح أن نقول هذا في المعتزلة؛ لأن هذا من أصول المعتزلة والخوارج الواضحة المعروفة. قوله: فنحن نخالفهم في ذلك مخالفة تامة، ونرى أنه لا يصح الاستشهاد برأي مرجوح وترك الرأي الراجح، أقول: القضية ليست راجحاً ومرجوحاً، فالراجح والمرجوح في قضايا الفقه، وأما هنا فحق وباطل، بل ولا نقول: صواب وخطأ، وإنما هو حق وباطل، هكذا الأمر في قضايا العقيدة، وأما قضايا الفقه والفروع فهي التي نقول فيها: خطأ وصواب، وراجح ومرجوح.

стр. 699

من أراد الله به خيراً قيض له رجلاً من أهل السنة من أول أمره والآن سنتعرف على هذا الشخص الذي تكلم بهذا الكلام، والمفروض علينا ألّا ننشغل بالكلام على أحد، لكن سنحاول إن شاء الله تعالى أن ننصفه؛ لأن هذا في الأصل مأخوذ من هذا العنوان الذي سميته: (محطات شطحات)، فهي محطات في حياة هذا الكاتب والأديب تثبت لنا أن الشطحات هي سمة من سمات شخصيته، وعلامة من علامات توجهه؛ لنأخذ العبرة، ولندرك أن هذه الشطحة ربما تكون خفيفة بالنسبة لغيرها من الشطحات التي وقف فيها في محطات الشطحات، فهو لم يستطع إلى اليوم أن يتحرر من أمواج الشطط التي طالما رمت به بعيداً عن شاطئ الأمان. وليؤخذ من ذلك عبرة مهمة، بل هي في غاية الأهمية، وهي: أن فساد الانتهاء من فساد الابتداء، فمثلاً إذا أردت أن تسافر فوقفت على تقاطع طرق، وكل طريق يؤدي إلى اتجاه مغاير تماماً للآخر، فلابد أن تحسن اختيار الطريق الذي تقصده في بداية الأمر، وكذلك لابد أن يهتم الإنسان بنقطة البداية في طلبه للعلم؛ لأن الإنسان يتعصب لأول شيخ تعلم على يديه، ويتعصب لأول كتاب قرأه وهكذا. فمن أراد الله به خيراً قيض له رجلاً من أهل السنة؛ كي يأخذ بيديه، ويوفر عليه ضياع العمر في الحيرة والتلون والشطحات، وإذا عرفنا قدر هذا الرجل فإنا نردد قول العلماء: إذا سكت من لا يعلم قل الخلاف، فمشكلتنا أن كل من أراد أن يتكلم فإنه يتكلم، ولا يوجد أي حجر على الكلام. والشخص الذي سنتكلم عنه هو الدكتور مصطفى محمود.

стр. 700

مصطفى محمود وبعض شطحاته اسمه: مصطفى كمال بن محمود حسين، وهو مشهور بـ مصطفى محمود، وقد ولد في ٢٧/ ١٢/١٩٢١م في شبين الكوم، ثم انتقل بعد أيام من ميلاده إلى طنطا، حيث فتح عينيه على مقام البدوي تحج إليه الوفود، وتساق إليه النذور، ويرى التمائم والزيارات وغيرها من البلايا، وفي سن الثالثة عشرة -وهي سن المراهقة- اتصل بمؤلفات: شبلي شميل وإسماعيل مظهر وسلامة موسى، وسن المراهقة هي سن تموج دائماً بالاضطرابات إلا من رحم الله، وهنا محطة فساد الابتلاء، ففي هذه السن الحديثة اتصل بمؤلفات هؤلاء الضالين، ولو ذهبنا نتكلم على كل واحد منهم على حدة لطال بنا الموضوع جداً، فـ شبلي شميل معروف بضلاله وانحرافه، وخاصة أنه هو وسلامة موسى كانا ممن تحمسا جداً لفكرة النشوء والارتقاء.

стр. 701

مصطفى محمود ونظرية داروين وقد فُتن مصطفى محمود من بداية المراهقة المبكرة بنظرية داروين، وتبنى هذه النظرية، وبدأت مرحلة الرفض في حياته، وعمّقتها نزاعات التمرد عند المراهق وأقرانه الذين كانوا يشاركونه في معاناة تجربته العنيفة، وقد عانى من الشك الحاد في النبوات والرسالات الإلهية، وكان هذا رد فعل للمظاهر الشاذة التي رآها من زوار ضريح البدوي وغيره في طنطا، فظن أن الدين ليس إلا هذه الخزعبلات، ولم يستطع أن يفرق بين الأصيل والدخيل. ثم غلبت عليه ثورة داخلية فرحل إلى إحدى مدن المغرب سنة ١٩٤٨م يلاحق رجال التصوف؛ بحثاً عن الحقيقة كما يقول، فالتمس الري من كئوس أصحاب الطرق وشطحاتهم، وتخرج من كلية الطب سنة ١٩٥٢م، وتخصص بعد ذلك في الأمراض الصدرية، ثم تفرغ للأدب والفكر، وأول دواسير مؤلفاته مجموعة قصصية تسمى: (أكل عيش) وذلك في سنة ١٩٥٤م، وتلاها سنة ١٩٥٥م كتاب (الله والإنسان)، وفيه محاولة التشكيك في كبرى اليقينيات، والتشكيك في الرسالة والرسل، وعكس هذا الكتاب الصراع الذي كان يطحنه بين قراءته غير الناضجة وشواذ بيئة طنطا التي أفسدت تصوراته عن حقيقة الدين، وضميره وبقايا إيمانه القليل من جهة ثالثة، كذلك عانى الصراع النفسي بين التشكك في القرآن نفسه وبين الاطمئنان إليه، وقد دفع ثمن تلك الشطحات، فنهض الأزهر بواجبه وصودرت معظم نسخ الكتاب، وقُدَّم مصطفى محمود إلى محكمة أمن الدولة، ولكنه نجا من هذه المحاكمة حيث كان القضاة متصوفين، وكان محاميه متفلسفاً، فرافع بأن الكتاب يسجل بداية المتصوف لا تهجمات ملحد، فاكتُفي بمصادرة الكتاب، والكف عن ملاحقة مؤلفه. وألف كتابه (إبليس) سنة ١٩٥٨م، وحاول أن يفسر قصة إبليس على طريقة فاضل عباس المهداوي، الذي أعلن في إحدى محاكماته أنه لا وجود لذات اسمها إبليس، وإنما هو رمز للنزغات الشريرة في النفس البشرية، ثم حكم المؤلف نفسه على هذا الكتاب فيما بعد بأنه هو وكتاب (الله والإنسان) كانا تعبيراً عن ذروة الشك، ومتعاطفين مع الفكر المادي الذي كفر به فيما بعد، وقال مصطفى محمود: صودر الأول وهو كتاب (الله والإنسان) ولم يطبع ثانية، فصادرت أنا الثاني (إبليس)، فلا أسمح بإعادة طبعه، ولقد اعتاد الكاتب أن يخلط أو أن يخبط ويشوش ويضطرب ببعض كتاباته المرفوضة التي تترك في القلوب الهشة جراحاً ليس من اليسير تضميدها، وإن رفع عقيرته بإنكارها فيما بعد، أو بتراجعه عنها، فإنه يتوب من بعضها في حين يبقى كثير من الناس تؤذيهم وتجرحهم هذه الكتب، فنخلص من هذه المحطة إلى أن مصطفى محمود ليس مصدراً آمناً لتلقي الحق، فهو كـ أبي حامد الغزالي تماماً. وهكذا نجد أن من فسد ابتداؤه بأن فتح عينيه على الضلالات والفلسفات وأهل الكلام والتصوف والبدع فإنه يتلون: كل يوم تتلون غير هذا بك أجمل وهكذا كانت سيرة الجويني والرازي والغزالي وكثير من المعاصرين، وعلى أي الأحوال فالأمر كما قال بعض السلف: إن هذا الأمر دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم، فالاضطراب والتشويش والحيرة سمة من سمات هذه الشخصية: ولن يستقيم الظل والعود أعوج ثم تولى هو محاكمة كتابه (إبليس)، أو كتاب (الله والإنسان)، فقطع بأنه عمل متهور لا يرضى عنه قلبه ولا عقله، ثم أكبّ على الفلسفة قديمها وحديثها، وعلم النفس بنظرياته، ونظريات فرويد على الخصوص، ثم انتهى إلى أن الفلسفة لا تعدو كونها حجَراً يُلقى في بحيرة مجهولة فيضاعف عكرتها، ولا يرجع منها بصيد. ثم انتقد الفرويدية والماركسية؛ لأنهما يحشران الإنسان في حظيرة البهائم، ويجريان عليه كل الأحكام التي تخص الحيوان، وانتهى إلى أن العلم المادي ليس في مقدوره تقديم أجوبة مقنعة على أسئلة النفس حول الدين، فذهب ينشد الهدى من خلال مباحث الأديان، فراح يبحث عنه في الوثنيات الهندية، مروراً بالديانات ذات الأصل السماوي، إلى النحل المعاصرة: البادية، والبهائية، والقاديانية، وانتهت هذه السياحة برسو زورقه الحائر على شاطئ القرآن البليغ. وإذا نظرنا أين تعلم؟ وعلى يد من تعلم؟ ولمن قرأ؟ فسنستخلص أنه ليس من أهل العلم، وبالتالي فكلامه ككلام الذي يقف في السوق ويقول: أنت تقدم، وأنت تسجن خمسة وعشرين عاماً، وأنت تسجن ثلاثة أشهر إلى آخره، فهذا كلام في الهواء، فما كان ينبغي لنا أن ننشغل بالرد عليه بهذه الطريقة. فبدأ اعتناءه بالقرآن والتفسير، وتأثر بـ سيد قطب ﵀ في كتابه (في ظلال القرآن)، و (الظلال) فيه كثير من الأخطاء الشديدة، وليس هذا موضوعنا الآن، وكذلك تأثر بـ ابن كثير في تفسيره، وقرأ (الإحياء) و (المنقذ من الضلال) وأنا لا أسميه أبداً: (إحياء علوم الدين)؛ لأن بعض العلماء سموه: (إماتة علوم الدين) فسنسميه: (الإحياء) اختصاراً، وهذا حديث له موضع آخر، وكتاب (المضنون به على غير أهله)، وكل هذه الكتب للغزالي، وكذلك حِكَم ابن عطاء الله السكندري، فانتهى إلى أن التصوف هو البحر الذي تصب فيه سائر الجداول، ولا شك أن هذا كلام صحيح، فالتصوف هو البحر الذي تصب فيه كل المصارف والجداول، ويتسع للجيف واللآلئ، ويجمع بين الغثاء والجواهر. ولا يحسن التمييز بين الجيف واللآلئ، ولا بين الغثاء والجواهر إلا الحذاق من أهل الفرقان، والقادرون على الغوص إلى الأعماق. إنّ علاج هذه الحيرة موجود في منهج أهل الحديث، وعقيدة أهل السنة والجماعة، لكنه حرم من تراث علماء السنة وبخاصة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وتلاميذ مدرسته العدول المجددين الذين طهر الله بهم الدين من تحريفات الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين.

стр. 702

ربطه القرآن بالنظريات العلمية الحديثة هناك محطة أخرى من محطات حياته وهي محطة كتابه: (القرآن محاولة لفهم عصري)، وغالباً ما تثير كتبه صجة، وهناك كتاب اسمه: (شطحات مصطفى محمود في كتابه: القرآن محاولة لفهم عصري)، وهذا الكتاب اتسم بالجرأة على ربط المضمون القرآني بأفكار وتصورات قابلة للتبديل والتعديل، فحاول أن يربط القرآن بنظريات علمية حديثه ما زالت في حيّز النظريات ولم تصل إلى رتبة الحقائق، فإذا رُبط القرآن بها وثبت بعد ذلك أن هذه النظريات كانت خاطئة فإننا نعرض القرآن للتشكيك. وهذا منهج ليس بجديد، فقد سبق نظيره في مدرسة محمد عبده وغيره من المبهورين بالاكتشافات الغربية، وأبشع ما يكون هذا المنهج في كتاب (الجواهر) لـ طنطاوي زهري. فهؤلاء طرقوا ظواهر القرآن إلى تأويلات مهزوزة لم تعط فيها الكلمة الأخيرة، ولقد صفق لهذا الكتاب بعض الحاقدين على علماء الإسلام الذين وقفوا لمؤلفه بالمرصاد، وكان في هذا الكتاب يتحكم في الغيب الذي لا تبلغه العقول، ولم يوجد لأئمة التفسير فيه قول يؤنسه في هذه الوحشة التي شذ بها.

стр. 703

من شطحاته زعمه أن الجنة والنار ألوان من ضرب المثال ومن شطحاته: قطعه في هذا الكتاب بأن كل ما جاء عن الجنة والجحيم فما هو إلّا ألوان من ضرب المثال، وألوان من الرمز، أي: أن نعيم الجنة وعذاب النار ما هو إلّا رمز، وليس له حقيقة، فهوجم كعادته، ورد عليه العلماء، ثم خفف هذه الدعوة وتراجع عنها فيما بعد في كتابه (حوار مع صديقي الملحد)، وما أدري كيف يكون صديقه وهو ملحد؟! وكيف يوالي هذا الملحد؟! فيقول في هذا الكتاب: ولا يجب أن يفهم من هذا الكلام أننا ننكر العذاب الحسي ونقول بالعذاب المعنوي. وعلى أي الأحوال: فلعله تراجع، وهذا شيء جيد. ويقول الشيخ محمد المجذوب في كتابه (علماء ومفكرون عرفتهم) -وقد طبع هذا الكتاب سنة ١٩٧٧م-: إنه -أي: مصطفى محمود - أحياناً ليلقي بالرأي الشخصي كأنه تقرير في قضية قد فرغ منها، دون أن يكون له سند من قول مأثور، أو قياس على نظير، وأقل ما يقال في هذا: إنه ضرب من التفسير بالرأي -يعني: الرأي المذموم- الذي أجمع علماء القرآن على أنه أخطر ما يعامل به كتاب الله .

стр. 704

ومن شطحاته زعمه أن هناك آدمين اثنين ومن تخبطه وتخمينه: القول بآدمين اثنين، أي: أن هناك اثنين آدم وليس واحداً، وهذه أخذها من طريقة أبي العلاء المعري الذي سبقه إلى مثل هذا التخليط بقوله: وما آدم في مذهب العقل واحد ولكنه عند العقول أوادم وقد اعترف مصطفى محمود يوماً بأن الشكوك التي أحاطت به إنما كان مردها إلى غواش حالت بين بصيرته وبين الرؤية الصحيحة، واعترف بأن للنقص العلمي أثره في التمكين لهذه العوارض. ويقول في كتاب (حوار مع صديقي الملحد) في (ص٣١) بعد أن تحدث عن أهل النار وموجبات عذابهم بكلام رائع، ثم ما يلبث أن يشطح فيقرر قول ابن عربي من إن هؤلاء سيتعودون على النار، فتصبح بيئتهم الملائمة، ثم يقول: إن التعذيب في الآخرة ليس تجبراً من الله على عباده، وإنما هو تطهير وتقويم ورحمة! فأين هذا من قول الله : ﴿لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾ [آل عمران:٨٨]، وقول الله : ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء:٥٦]، فلفظة ((كُلَّمَا)) تدل على أن هذا العذاب متجدد ومستمر إلى الأبد، فأين التطهير؟ وأين التقويم؟ إنما يكون التطهير والتقويم في الدنيا حيث تنفع التوبة. ويذكر الله ﵎ عن أهل النار أنهم يدعونه فيقولون: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ [فاطر:٣٧]، فيزجرهم الله قائلاً: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [فاطر:٣٧]. وقد تأثر بهذه الفكرة -أعني: أنهم سيتعودون على النار وتصبح بيئتهم الملائمة- بالشاعر محمد إقبال في كتابه (تجديد الفكر الديني في الإسلام)، فإن إقبالاً ابتدع في هذا الكتاب من عجائب التفاسير للجنة والنار ما لا أصل له، وليس له مستند من قرآن ولا حديث، كقوله عن النار: إنها تجربة للتقويم قد تجعل النفس المتحجرة تحس مرة أخرى بنفحات حية من رضوان الله. أقول: لا، ليست نفحات، بل هي لفحات. فالجنة والنار في تفسير محمد إقبال الفلسفي حالتان لا مكانان، فالنار -بزعمه- هي: إدراك أليم؛ لإخفاق الإنسان، وأما الجنة فهي: سعادة الفوز على قوى الانحلال. ولو لاحظ مصطفى محمود أن إقبالاً كان مزدوج الشخصية لما قلده؛ لأن إقبالاً كان في شعره منتظم الخطى في الطريق السوي، حتى إذا عمد إلى التفلسف اضطربت به الخطى، وشط بعيداً عن المنطلق الإسلامي.

стр. 705

قصوره الكبير في العلم الشرعي ومن شطحات مصطفى محمود في حواره مع صديقه الملحد: أنه ينقل عن شخص اسمه محمد بن عبد الجبار أن الله يقول له في حديث قدسي: (كيف تيأس مني وفي قلبك سفيري ومتحدثي؟!) فهو لا يعرف معنى الحديث القدسي، وإنسان يصل قصوره في العلم إلى أنه لا يعرف معنى الحديث القدسي أمره عجيب!! ويحكي عن واحد من هؤلاء أنه قال: إن الله خاطبه في حديث قدسي!! وهل هناك وحي لغير النبي ﷺ حتى يسمى حديثاً قدسياً؟! ويستدل أيضاً في (ص٩٤) بما يدعي أنه حديث قدسي: (عبدي أطعني أجعلك ربانياً تقول للشيء: كن فيكون)، ويستدل على صحة هذا اللغو البارد بالخوارق التي أجراها الله على يد المسيح ﵇، ويتقبل أيضاً ادعاءات الصوفية دون أي مناقشة، فيقبل تفسيرهم للكرسي بأنه قلب المؤمن، ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [البقرة:٢٥٥] يقول: الكرسي هو قلب المؤمن، والعرش هو العقل، وفي تفسير قوله تعالى: ﴿اخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ [طه:١٢] أنّ نعلي موسى هما: النفس والجسد، وما إلى ذلك من غرائب فهمه الذي يسميه فهماً عصرياً، فقد أنزل القرآن بلسان عربي مبين، لا بطلاسم المشعوذين والمضللين، ولا شك أن تفسير القرآن هذا نوع من السفارة بين الله وبين خلقه؛ لأن المفسر يقول للناس: إن الله يريد بقوله كذا: كذا وكذا، فإذا أخطأ في هذه السفارة فهو من الكذب على الله .
следующие страницы →