← Джавами‘

Джавами‘ · id 37018

دروس الشيخ محمد إسماعيل المقدم

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (2 122 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

مصطفى محمود ونظرية داروين وقد فُتن مصطفى محمود من بداية المراهقة المبكرة بنظرية داروين، وتبنى هذه النظرية، وبدأت مرحلة الرفض في حياته، وعمّقتها نزاعات التمرد عند المراهق وأقرانه الذين كانوا يشاركونه في معاناة تجربته العنيفة، وقد عانى من الشك الحاد في النبوات والرسالات الإلهية، وكان هذا رد فعل للمظاهر الشاذة التي رآها من زوار ضريح البدوي وغيره في طنطا، فظن أن الدين ليس إلا هذه الخزعبلات، ولم يستطع أن يفرق بين الأصيل والدخيل. ثم غلبت عليه ثورة داخلية فرحل إلى إحدى مدن المغرب سنة ١٩٤٨م يلاحق رجال التصوف؛ بحثاً عن الحقيقة كما يقول، فالتمس الري من كئوس أصحاب الطرق وشطحاتهم، وتخرج من كلية الطب سنة ١٩٥٢م، وتخصص بعد ذلك في الأمراض الصدرية، ثم تفرغ للأدب والفكر، وأول دواسير مؤلفاته مجموعة قصصية تسمى: (أكل عيش) وذلك في سنة ١٩٥٤م، وتلاها سنة ١٩٥٥م كتاب (الله والإنسان)، وفيه محاولة التشكيك في كبرى اليقينيات، والتشكيك في الرسالة والرسل، وعكس هذا الكتاب الصراع الذي كان يطحنه بين قراءته غير الناضجة وشواذ بيئة طنطا التي أفسدت تصوراته عن حقيقة الدين، وضميره وبقايا إيمانه القليل من جهة ثالثة، كذلك عانى الصراع النفسي بين التشكك في القرآن نفسه وبين الاطمئنان إليه، وقد دفع ثمن تلك الشطحات، فنهض الأزهر بواجبه وصودرت معظم نسخ الكتاب، وقُدَّم مصطفى محمود إلى محكمة أمن الدولة، ولكنه نجا من هذه المحاكمة حيث كان القضاة متصوفين، وكان محاميه متفلسفاً، فرافع بأن الكتاب يسجل بداية المتصوف لا تهجمات ملحد، فاكتُفي بمصادرة الكتاب، والكف عن ملاحقة مؤلفه. وألف كتابه (إبليس) سنة ١٩٥٨م، وحاول أن يفسر قصة إبليس على طريقة فاضل عباس المهداوي، الذي أعلن في إحدى محاكماته أنه لا وجود لذات اسمها إبليس، وإنما هو رمز للنزغات الشريرة في النفس البشرية، ثم حكم المؤلف نفسه على هذا الكتاب فيما بعد بأنه هو وكتاب (الله والإنسان) كانا تعبيراً عن ذروة الشك، ومتعاطفين مع الفكر المادي الذي كفر به فيما بعد، وقال مصطفى محمود: صودر الأول وهو كتاب (الله والإنسان) ولم يطبع ثانية، فصادرت أنا الثاني (إبليس)، فلا أسمح بإعادة طبعه، ولقد اعتاد الكاتب أن يخلط أو أن يخبط ويشوش ويضطرب ببعض كتاباته المرفوضة التي تترك في القلوب الهشة جراحاً ليس من اليسير تضميدها، وإن رفع عقيرته بإنكارها فيما بعد، أو بتراجعه عنها، فإنه يتوب من بعضها في حين يبقى كثير من الناس تؤذيهم وتجرحهم هذه الكتب، فنخلص من هذه المحطة إلى أن مصطفى محمود ليس مصدراً آمناً لتلقي الحق، فهو كـ أبي حامد الغزالي تماماً. وهكذا نجد أن من فسد ابتداؤه بأن فتح عينيه على الضلالات والفلسفات وأهل الكلام والتصوف والبدع فإنه يتلون: كل يوم تتلون غير هذا بك أجمل وهكذا كانت سيرة الجويني والرازي والغزالي وكثير من المعاصرين، وعلى أي الأحوال فالأمر كما قال بعض السلف: إن هذا الأمر دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم، فالاضطراب والتشويش والحيرة سمة من سمات هذه الشخصية: ولن يستقيم الظل والعود أعوج ثم تولى هو محاكمة كتابه (إبليس)، أو كتاب (الله والإنسان)، فقطع بأنه عمل متهور لا يرضى عنه قلبه ولا عقله، ثم أكبّ على الفلسفة قديمها وحديثها، وعلم النفس بنظرياته، ونظريات فرويد على الخصوص، ثم انتهى إلى أن الفلسفة لا تعدو كونها حجَراً يُلقى في بحيرة مجهولة فيضاعف عكرتها، ولا يرجع منها بصيد. ثم انتقد الفرويدية والماركسية؛ لأنهما يحشران الإنسان في حظيرة البهائم، ويجريان عليه كل الأحكام التي تخص الحيوان، وانتهى إلى أن العلم المادي ليس في مقدوره تقديم أجوبة مقنعة على أسئلة النفس حول الدين، فذهب ينشد الهدى من خلال مباحث الأديان، فراح يبحث عنه في الوثنيات الهندية، مروراً بالديانات ذات الأصل السماوي، إلى النحل المعاصرة: البادية، والبهائية، والقاديانية، وانتهت هذه السياحة برسو زورقه الحائر على شاطئ القرآن البليغ. وإذا نظرنا أين تعلم؟ وعلى يد من تعلم؟ ولمن قرأ؟ فسنستخلص أنه ليس من أهل العلم، وبالتالي فكلامه ككلام الذي يقف في السوق ويقول: أنت تقدم، وأنت تسجن خمسة وعشرين عاماً، وأنت تسجن ثلاثة أشهر إلى آخره، فهذا كلام في الهواء، فما كان ينبغي لنا أن ننشغل بالرد عليه بهذه الطريقة. فبدأ اعتناءه بالقرآن والتفسير، وتأثر بـ سيد قطب ﵀ في كتابه (في ظلال القرآن)، و (الظلال) فيه كثير من الأخطاء الشديدة، وليس هذا موضوعنا الآن، وكذلك تأثر بـ ابن كثير في تفسيره، وقرأ (الإحياء) و (المنقذ من الضلال) وأنا لا أسميه أبداً: (إحياء علوم الدين)؛ لأن بعض العلماء سموه: (إماتة علوم الدين) فسنسميه: (الإحياء) اختصاراً، وهذا حديث له موضع آخر، وكتاب (المضنون به على غير أهله)، وكل هذه الكتب للغزالي، وكذلك حِكَم ابن عطاء الله السكندري، فانتهى إلى أن التصوف هو البحر الذي تصب فيه سائر الجداول، ولا شك أن هذا كلام صحيح، فالتصوف هو البحر الذي تصب فيه كل المصارف والجداول، ويتسع للجيف واللآلئ، ويجمع بين الغثاء والجواهر. ولا يحسن التمييز بين الجيف واللآلئ، ولا بين الغثاء والجواهر إلا الحذاق من أهل الفرقان، والقادرون على الغوص إلى الأعماق. إنّ علاج هذه الحيرة موجود في منهج أهل الحديث، وعقيدة أهل السنة والجماعة، لكنه حرم من تراث علماء السنة وبخاصة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وتلاميذ مدرسته العدول المجددين الذين طهر الله بهم الدين من تحريفات الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين.

стр. 702

ربطه القرآن بالنظريات العلمية الحديثة هناك محطة أخرى من محطات حياته وهي محطة كتابه: (القرآن محاولة لفهم عصري)، وغالباً ما تثير كتبه صجة، وهناك كتاب اسمه: (شطحات مصطفى محمود في كتابه: القرآن محاولة لفهم عصري)، وهذا الكتاب اتسم بالجرأة على ربط المضمون القرآني بأفكار وتصورات قابلة للتبديل والتعديل، فحاول أن يربط القرآن بنظريات علمية حديثه ما زالت في حيّز النظريات ولم تصل إلى رتبة الحقائق، فإذا رُبط القرآن بها وثبت بعد ذلك أن هذه النظريات كانت خاطئة فإننا نعرض القرآن للتشكيك. وهذا منهج ليس بجديد، فقد سبق نظيره في مدرسة محمد عبده وغيره من المبهورين بالاكتشافات الغربية، وأبشع ما يكون هذا المنهج في كتاب (الجواهر) لـ طنطاوي زهري. فهؤلاء طرقوا ظواهر القرآن إلى تأويلات مهزوزة لم تعط فيها الكلمة الأخيرة، ولقد صفق لهذا الكتاب بعض الحاقدين على علماء الإسلام الذين وقفوا لمؤلفه بالمرصاد، وكان في هذا الكتاب يتحكم في الغيب الذي لا تبلغه العقول، ولم يوجد لأئمة التفسير فيه قول يؤنسه في هذه الوحشة التي شذ بها.

стр. 703

من شطحاته زعمه أن الجنة والنار ألوان من ضرب المثال ومن شطحاته: قطعه في هذا الكتاب بأن كل ما جاء عن الجنة والجحيم فما هو إلّا ألوان من ضرب المثال، وألوان من الرمز، أي: أن نعيم الجنة وعذاب النار ما هو إلّا رمز، وليس له حقيقة، فهوجم كعادته، ورد عليه العلماء، ثم خفف هذه الدعوة وتراجع عنها فيما بعد في كتابه (حوار مع صديقي الملحد)، وما أدري كيف يكون صديقه وهو ملحد؟! وكيف يوالي هذا الملحد؟! فيقول في هذا الكتاب: ولا يجب أن يفهم من هذا الكلام أننا ننكر العذاب الحسي ونقول بالعذاب المعنوي. وعلى أي الأحوال: فلعله تراجع، وهذا شيء جيد. ويقول الشيخ محمد المجذوب في كتابه (علماء ومفكرون عرفتهم) -وقد طبع هذا الكتاب سنة ١٩٧٧م-: إنه -أي: مصطفى محمود - أحياناً ليلقي بالرأي الشخصي كأنه تقرير في قضية قد فرغ منها، دون أن يكون له سند من قول مأثور، أو قياس على نظير، وأقل ما يقال في هذا: إنه ضرب من التفسير بالرأي -يعني: الرأي المذموم- الذي أجمع علماء القرآن على أنه أخطر ما يعامل به كتاب الله .

стр. 704

ومن شطحاته زعمه أن هناك آدمين اثنين ومن تخبطه وتخمينه: القول بآدمين اثنين، أي: أن هناك اثنين آدم وليس واحداً، وهذه أخذها من طريقة أبي العلاء المعري الذي سبقه إلى مثل هذا التخليط بقوله: وما آدم في مذهب العقل واحد ولكنه عند العقول أوادم وقد اعترف مصطفى محمود يوماً بأن الشكوك التي أحاطت به إنما كان مردها إلى غواش حالت بين بصيرته وبين الرؤية الصحيحة، واعترف بأن للنقص العلمي أثره في التمكين لهذه العوارض. ويقول في كتاب (حوار مع صديقي الملحد) في (ص٣١) بعد أن تحدث عن أهل النار وموجبات عذابهم بكلام رائع، ثم ما يلبث أن يشطح فيقرر قول ابن عربي من إن هؤلاء سيتعودون على النار، فتصبح بيئتهم الملائمة، ثم يقول: إن التعذيب في الآخرة ليس تجبراً من الله على عباده، وإنما هو تطهير وتقويم ورحمة! فأين هذا من قول الله : ﴿لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾ [آل عمران:٨٨]، وقول الله : ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء:٥٦]، فلفظة ((كُلَّمَا)) تدل على أن هذا العذاب متجدد ومستمر إلى الأبد، فأين التطهير؟ وأين التقويم؟ إنما يكون التطهير والتقويم في الدنيا حيث تنفع التوبة. ويذكر الله ﵎ عن أهل النار أنهم يدعونه فيقولون: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ [فاطر:٣٧]، فيزجرهم الله قائلاً: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [فاطر:٣٧]. وقد تأثر بهذه الفكرة -أعني: أنهم سيتعودون على النار وتصبح بيئتهم الملائمة- بالشاعر محمد إقبال في كتابه (تجديد الفكر الديني في الإسلام)، فإن إقبالاً ابتدع في هذا الكتاب من عجائب التفاسير للجنة والنار ما لا أصل له، وليس له مستند من قرآن ولا حديث، كقوله عن النار: إنها تجربة للتقويم قد تجعل النفس المتحجرة تحس مرة أخرى بنفحات حية من رضوان الله. أقول: لا، ليست نفحات، بل هي لفحات. فالجنة والنار في تفسير محمد إقبال الفلسفي حالتان لا مكانان، فالنار -بزعمه- هي: إدراك أليم؛ لإخفاق الإنسان، وأما الجنة فهي: سعادة الفوز على قوى الانحلال. ولو لاحظ مصطفى محمود أن إقبالاً كان مزدوج الشخصية لما قلده؛ لأن إقبالاً كان في شعره منتظم الخطى في الطريق السوي، حتى إذا عمد إلى التفلسف اضطربت به الخطى، وشط بعيداً عن المنطلق الإسلامي.

стр. 705

قصوره الكبير في العلم الشرعي ومن شطحات مصطفى محمود في حواره مع صديقه الملحد: أنه ينقل عن شخص اسمه محمد بن عبد الجبار أن الله يقول له في حديث قدسي: (كيف تيأس مني وفي قلبك سفيري ومتحدثي؟!) فهو لا يعرف معنى الحديث القدسي، وإنسان يصل قصوره في العلم إلى أنه لا يعرف معنى الحديث القدسي أمره عجيب!! ويحكي عن واحد من هؤلاء أنه قال: إن الله خاطبه في حديث قدسي!! وهل هناك وحي لغير النبي ﷺ حتى يسمى حديثاً قدسياً؟! ويستدل أيضاً في (ص٩٤) بما يدعي أنه حديث قدسي: (عبدي أطعني أجعلك ربانياً تقول للشيء: كن فيكون)، ويستدل على صحة هذا اللغو البارد بالخوارق التي أجراها الله على يد المسيح ﵇، ويتقبل أيضاً ادعاءات الصوفية دون أي مناقشة، فيقبل تفسيرهم للكرسي بأنه قلب المؤمن، ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [البقرة:٢٥٥] يقول: الكرسي هو قلب المؤمن، والعرش هو العقل، وفي تفسير قوله تعالى: ﴿اخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ [طه:١٢] أنّ نعلي موسى هما: النفس والجسد، وما إلى ذلك من غرائب فهمه الذي يسميه فهماً عصرياً، فقد أنزل القرآن بلسان عربي مبين، لا بطلاسم المشعوذين والمضللين، ولا شك أن تفسير القرآن هذا نوع من السفارة بين الله وبين خلقه؛ لأن المفسر يقول للناس: إن الله يريد بقوله كذا: كذا وكذا، فإذا أخطأ في هذه السفارة فهو من الكذب على الله .

стр. 706

بعض دعاواه في تقسيم الزكاة والصدقات ويقول أيضاً: وللفقير نصيب يؤخذ زكاة وإنفاقاً من: ٢. ٥% إلى ٩٠% جبراً واختياراً. فنقول: أنواع المزكيات ومقاديرها معروفة، وليس فيها ما يخرج منه ٩٠%، وربما يقصد التطوع، فمن الممكن أن يتطوع بـ٩٠%، لكن كان ينبغي عليه أن يسوقه بغير تحديد؛ لأن الصديق تبرع بكل ماله للنبي ﷺ ، فالمتطوع يجوز له أن يتبرع بكل ماله، وأما تحديده بـ٩٠% فمن أين جاء به؟!

стр. 707

جرأته في التكلم عن النبي ﷺ ومما يكشف عن حظه من العلم أنه يصف القرآن العظيم في (ص١٢٥) فيقول: إن القرآن العظيم أتى على يد رجل بدوي، في أمة متخلفة بعيدة عن نور الحضارات. وهذا الأسلوب في الكلام عن النبي ﵊ فيه سوء أدب مع النبي ﵇، وفيه منافاة لقوله تعالى: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح:٩]، فالنبي ﷺ لم يكن بدوياً على الإطلاق؛ لأن البدو هم القبائل الرحل الذين ليس لهم قرار ولا استيطان، وأما الذين يقيمون في مكان ما فهؤلاء حضر وليسوا بدواً، والسر في ذم البدو والأعراب في القرآن الكريم: أنهم يتنقلون؛ بحثاً عن المراعي والأمطار، ولا يقيمون على الإطلاق في مكان، ولا يتخذون لهم وطناً، وذلك يؤدي إلى أن يشيع فيهم الجهل إلا من رحم الله، وقد كانت مكة في مقدمة مدن الحضارة في زمن البعث، وكانت عاصمة التجارة في جزيرة العرب، ولذا سماها الله (أم القرى)، وقد قال النبي ﵊: (من بدا فقد جفا)، أي: من تحول إلى البداوة فإنه يجفو وتكون فيه غلظة في أخلاقه، فأين البداوة ممن قال الله في حقه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤]، وقال في حقه: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩].

стр. 708

شطحاته في عبادة الله تعالى ويقول أيضاً في (ص٩٤): ونحن لا نعبده -أي: الله تعالى- بأمر تكليف، ولكنا نعبده لأننا عرفنا جماله وجلاله. وهذه من شطحات الصوفية كما هو معروف، وهذا يعني أن العبادة ليست تكليفاً! مع أن الله تعالى يقول: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء:٩٠]، وقال: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء:٧٨]، فهل الأوامر والنواهي في القرآن الكريم والسنة المطهرة ليست تكليفاً؟!! ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩] فهذا تكليف للرسول نفسه!!!

стр. 709

فتحه باب الزيادة في الدين ويقول أيضاً: وكل شيء في ديننا يقبل التطوير ما عدا جوهر العقيدة، وصلب الشريعة، وما عدا ذلك فالدين مفتوح للفكر والاجتهاد والإضافة والتطوير على مصراعيه لكل من هب ودب، وهذا ضلال مبين، كيف يكون الدين مفتوحاً للإضافة وهو لا يقبل الزيادة على الإطلاق؟! فإن الزيادة فيه بدع وضلال، يقول النبي ﵊: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)، ويقول: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)، ويقول الله : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]، فهل ما أكمله الله تعالى يقبل الزيادة والإضافة كما يزعم هذا الإنسان؟! وإنما تكون الإضافة في الإسلام في مجال الاجتهاد فقط، أي: في مجال اجتهاد الفقهاء المتخصصين فيما يجدّ ويستحدث من الأمور التي تحتاج للاجتهاد حسب الأصول والقواعد والضوابط.

стр. 710

ومن شطحاته في القرآن حساب الأحرف في كل سورة ومن شطحاته قضية الحروف والأعداد: فموضوع الرقم تسعة عشر والإعجاز العددي الذي ابتدعه مسيلمة الإسلام رشاد خليفة فجاء ببلاء مبين ابتدعه وضل به، وعملية ربط الحروف المقطعة في أوائل السور بمواطن ورودها في السورة، ومعروف أن هذا الرجل ادعى النبوة، فهذه من شطحاته التي انبهر بها مصطفى محمود.

стр. 711

طعنه وأمثاله في السنة وإثارة الشبه حولها إن هؤلاء الذين يفتحون لأنفسهم باب الاجتهاد رحباً فسيحاً واسعاً يحلو لهم الطعن في السنة؛ لأن السنة تزعجهم دائماً، وكذلك أيضاً يحرص أعداء الإسلام حرصاً شديداً جداً على القضاء على السنة، وكل من أراد أن يطعن في الدين من الخلف لا يجد أسهل من طريق الطعن في سنة النبي ﷺ ، وتراهم يشغبون ببعض الشبهات مثل قولهم: إن هذه الأحاديث ما هي إلّا كلام أناس، وتراهم يتكلمون على الإمام البخاري رحمه الله تعالى بطريقة مضحكة تدل على جهلهم الكبير، وهذا الرجل نفسه كما في مقالة له سنقرؤها فيما بعد إن شاء الله يتكلم عن البخاري وكأنه كان بائع فجل، فيتكلم عن البخاري بكلام ليس فيه توقير لأئمة الإسلام وعلماء المسلمين، ولجهله أيضاً يقول: إن البخاري قد دون هذه الأحاديث بعد الثلاثمائة سنة أو في القرن الثالث، فأين كانت السنة قبل ذلك؟ فهذا الغبي الجاهل الذي يتكلم بمثل هذا الكلام ليس له أن يتكلم في الدين على الإطلاق، فالكتابة كانت وسيلة لحفظ السنة، وكذلك القرآن لم يكن مدوناً ولا مجموعاً في عهد الرسول ﵇، ثم جمع في عهد عثمان رضي الله تعالى عنه، فهل معنى ذلك أن هذه الفترة لم يكن فيها قرآن؟! فوسائل حفظ العلم كثيرة ومتعددة، وأقواها عند العرب حفظ الصدور؛ بسبب قوة حافظتهم وذاكرتهم، ثم انضم إلى ذلك الحفظ بالكتابة والتدوين، فهذا الكلام الذي قاله جهل فاحش يبطل الثقة تماماً بأي كلام له علاقة بالدين.

стр. 712

شبهة والجواب عنها ومن شبهاتهم: قولهم: دعونا من الأحاديث، وأريحونا من قولكم في الأحاديث: ضعيف وموضوع، ولا داعي إلى أن نلجأ إلى الأحاديث ونحتج بها!! و الجواب أن الأحاديث تختلط على الجاهل، وأما العالم الصيرفي الناقد الخبير المحدث فلا تختلط عليه، وإنما تختلط على من لا علم له ممن أمرهم النبي ﵊ في حديث البيعة بقوله: (وألا ننازع الأمر أهله)، فأهل العلم بالحديث والمختصين هم الذين يتكلمون في ذلك، وأما من عداهم فعليهم أن يمتثلوا قول الحافظ العراقي رحمه الله تعالى في شأن علم الحديث: فاعنى به ولا تخذ بالظن ولا تقلد غير أهل الفن وهذا غير التقليد المذموم، وهو من باب قبول خبر العدل، فإذا أخبرك العدل بأن هذا الحديث حسن فهو حسن، وهذا الحكم لم يخرج سبهللاً، وإنما هو نتيجة دراسة، وتحرٍّ، وجمع للطرق، ونظر في رجال الإسناد إلى آخر، فهذه الجهود الجبارة لم تعرف لها البشرية نظيراً على الإطلاق. يقول العلامة محمد ناصر الدين الألباني حفظه الله تعالى: وقد يقول قائل: إذا كان المؤلف -وهو الخطيب البغدادي - بتلك المنزلة العالية في المعرفة بصحيح الحديث ومطروحه، فما بالنا نرى كتابه هذا (اقتضاء العلم العمل) وغيره من كتبه قد شحنها بالأحاديث الواهية؟ و الجواب إن القاعدة عند علماء الحديث: أن المحدث إذا ساق الحديث بسنده فقد برأت عهدته منه، ولا مسئولية عليه في روايته مادام أنه قد قرن معه الوسيلة التي تمكن العالم من معرفة ما إذا كان الحديث صحيحاً أو غير صحيح؛ ألا وهي الإسناد، نعم كان الأولى بهم أن يتبعوا كل حديث ببيان درجته من الصحة أو الضعف، ولكن الواقع يشهد أن ذلك غير ممكن بالنسبة إلى كل واحد منهم وفي جميع أحاديثه على كثرتها؛ لأسباب كثيرة لا مجال لذكرها الآن، لكن أذكر منها أهمها وهو: أن كثيراً من الأحاديث لا تظهر صحتها أو ضعفها إلا بجمع الطرق والأسانيد، فإن ذلك مما يساعد على معرفة علل الحديث، وما يصح من الأحاديث بغيره، ولو أن المحدثين كلهم انصرفوا إلى التحقيق وتمييز الصحيح من الضعيف لما استطاعوا -والله أعلم- أن يحفظوا لنا هذه الثروة الضخمة من الحديث والأسانيد، ولذلك انصبت همم جمهورهم على مجرد الرواية إلا فيما شاء الله، وانصرف الآخرون إلى النقد والتحقيق مع الحفظ والرواية وقليل ما هم: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة:١٤٨]. فلذلك ينبغي ألا يحكم على حديث ما بأنه ضعيف بمجرد الإطلاع على سند واحد، لكن يجوز أن تقول: ضعيف بهذا السند، ولا تقول ضعيف مطلقاً إلا بعد أن تتحرى جميع الطرق وتدرسها؛ لأنه ربما يكون في هذه الطرق ما يقويه.

стр. 713

شبهة أخرى والرد عليها وبيان جهود المحدثين في حفظ السنة ومن شبههم: أنهم يتعللون بوجود الأحاديث الموضوعة بسبب النزاعات السياسية، وما وضعه الزنادقة، ووجود الإسرائيليات وغير ذلك مما دخل في الدين، فاختلط الحق بالباطل. فنقول: هناك أحاديث كثيرة بهذا الوصف لا ننكرها وبعض الناس تضيق عقولهم عن فهم هذا الأمر فيقولون: قال الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]، ولم يقل هذا في السنة، فنقول: إن الذكر يشمل القرآن والسنة، وهذا الحفظ له أسباب، وهناك حكم وراء عدم وجود السنة خالية من الضعيف كالقرآن الكريم، والحكمة: أن هذا يفتح أبواباً من التعبد والجهاد والرحلة في طلب العلم والتحديث، وهذه كلها تدخل تحت قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت:٦٩]، وكما قلنا: إن هذه الأمور لا تختلط إلا على الجاهل الذي ينازع الأمر أهله، لكن إذا رجع إلى العلماء فإنه يسهل جداً الحكم على هذه الأحاديث. جاء عن حماد بن زيد أنه قال: وضعت الزنادقة على رسول الله ﷺ اثني عشر ألف حديث، وجيء إلى هارون الرشيد بزنديق فأمر بقتله -وهارون الرشيد رحمه الله تعالى يستحق أن تُدرس سيرته بمنتهى الدقة؛ حتى تصحح الصورة المشوهة التي وضعها له أعداء الإسلام؛ ليبغضوا في الخلافة الإسلامية، فقد كانت سيرته عطرة، وفيها أشياء كثيرة جداً ينبغي أن نعلمها؛ لنصحح صورته المشوهة، ومن ذلك غيرته الشديدة على السنة- فقال له: يا أمير المؤمنين! أين أنت من أربعة آلاف حديث وضعتها فيكم: أحرم فيها الحلال، وأحلل فيها الحرام، ما قال النبي ﷺ منها حرفاً؟! فقال له الرشيد: أين أنت يا زنديق! من عبد الله بن المبارك، وأبي إسحاق الفزاري ينخلانها نخلاً، فيخرجانها حرفاً حرفاً. فالناقد البصير الذي عنده خبرة هو الذي يستطيع أن يميز الزائف من الصحيح. وقد اختلطت الأحاديث فعلاً في مرحلة من المراحل صحيحها بضعيفها، فقام العلماء ووقفوا منها الموقف الإسلامي الصحيح، فلم يقبلوا الأحاديث كلها؛ لأنهم لو فعلوا ذلك لحرفوا دين الله ففيها المكذوب، ولم يتركوها كلها؛ لأنهم لو فعلوا ذلك لضيعوا دين الله ففيها الصحيح، ولكنهم شمروا عن ساعد الجد، وصرفوا في سبيل ذلك كل أوقاتهم، فتتبعوا أحوال الرواة؛ لأن ذلك يساعد في عملية النقد وتمييز الطيب من الخبيث، ودونوا في ذلك المدونات، وأحصوا فيها أحوال كل راو من حيث ولادته، وبأي بلد ولد، وكيف هو في الدين والأمانة والعقل والمروءة والحفظ؟ ومتى شرع في الطلب؟ ومتى سمع؟ وكيف سمع؟ ومع من سمع؟ وهل رحل؟ وإلى أين رحل؟ وذكروا شيوخه الذين يحدث عنهم وبلدانهم ووفياتهم، ووضعوا قواعد لنص المتن أحكموها؛ حتى يتبين لهم الحديث الصحيح من الضعيف، وهكذا استطاع هؤلاء العلماء أن ينفوا عن أحاديث رسول الله ﷺ المكذوب الموضوع، وبذلك تحقق وعد الله بحفظ هذه الشريعة، وحمايتها من كل ما أصاب غيرها من عوامل التحريف والبطلان، حتى نُقل عن مارجليوث، وهو مستشرق يهودي خبيث، وكان شديد الحقد على الإسلام، لكنه لم يستطع أن يكتم هذه العبارة التي قال فيها: ليفتخر المسلمون ما شاءوا بعلم حديثهم، وما زالوا في جد واجتهاد حتى استطاعوا أن يصلوا إلى قواعد نقدية راقية، بها يميزون الخبيث من الطيب من الحديث، وكانت هذه القواعد أرقى ما يمكن أن يصل إليها عقل بشري في تحقيق نسبة الأقوال إلى أصحابها. فقد شهد بذلك القريب والبعيد، والصديق والعدو، و ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد:٢١]. وقيل لـ عبد الله بن المبارك: هذه الأحاديث الموضوعة، فقال: يعيش لها الجهابذة، ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]، فالذكر هنا يشمل القرآن والسنة، والذي تعهد بحفظ القرآن هو الذي تعهد أيضاً بحفظ السنة. ومر الإمام أحمد على نفر من أصحاب الحديث وهم يعرضون كتاباً له فقال: ما أحسب هؤلاء إلا ممن قال رسول الله ﷺ فيهم: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق حتى تقوم الساعة). قال ابن حبان: ومن أحق بهذا التأويل من قوم فارقوا الأهل والأوطان، وقنعوا بالكسر والأطمار في طلب السنن والآثار، يزورون البراري والقفار، ولا يبالون بالبؤس والإقتار، متبعين لآثار السلف الماضين، وسالكين نهج محجة الصالحين، برد الكذب عن رسول رب العالمين، ونبذ الزور عنه حتى وضح للمسلمين المنار، وتبين لهم الصحيح من الموضوع والزور من الأخبار.

стр. 714

كلام السلف في حجية السنة، والغيرة عليها لن نطيل الكلام في موضوع حجية السنة؛ لأننا قد وفينا هذا الموضوع حقه تماماً قريباً، ولكني هنا أجتزئ بعض النصوص التي تكفينا في هذا المقام. فعن عمران بن حصين ﵁ أنهم كانوا يتذاكرون الحديث، فقال رجل: دعونا من هذا وجيئونا بكتاب الله! فقال عمران: إنك أحمق، أتجد في كتاب الله الصلاة مفسرة؟ أتجد في كتاب الله الصيام مفسراً؟ إن القرآن أحكم ذلك، والسنة تفسره. وقد سبق أن قلنا في محاضرة (حجية السنة): إنّ ما عُلَّق على شرطين فلا يتم بأحدهما، والعصمة من الضلال عُلَّقت على التمسك بأمرين: الكتاب والسنة، (تركت فيكم ما إن تمسكتم به فلن تضلوا بعدي أبداً: كتاب الله وسنتي)، فمن زعم أو زيّن له الشيطان أنه عندما يقول: إنه يعتز بالقرآن، وأنه يعظم القرآن، أنه بذلك يدافع عن الإسلام، فهو في ضلال مبين، كما قال أيوب السختياني: إذا حدثت الرجل بالسنة فقال: دعك من هذا وأجبني عن القرآن، فاعلم أنه ضال، فهذه علامة الضلال، فمن يكذَّب بالسنة فلا بد أن يأخذ هذا الصفة مباشرة وهي: الحكم بضلاله؛ لأن الأمان من الضلال لا يتحقق إلا بالقرآن والسنة، وسنضيف ضابط الضابط عما قريب، فيكون القرآن والسنة بفهم السلف الصالح. وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لـ علي ﵁ لما طلب منه أن يخرج لمناظرة الخوارج: يا أمير المؤمنين! فأنا أعلم بكتاب الله منهم؛ ففي بيوتنا نزل، فقال له علي: صدقت، ولكن القرآن حمال ذو وجوه، فتقول ويقولون، أي: لا تجادلهم بالقرآن؛ لأن القرآن ذو وجوه، فبعض الآيات مجملة، فتحتاج إلى أن تشرح وتفصل بالسنة، أو بآيات أخرى، ولذلك قال بعض العلماء: وكم من فقيه خابط في ضلالة وحجته فيها الكتاب المنزل لذلك: فعامة أهل البدع يحتجون بالقرآن على بدعهم، لكنهم ينحرفون في فهم القرآن الكريم، فهم لا ينكرون القرآن؛ لأن من أنكر القرآن فقد كفر، لكنهم يؤولون ويفسدون الآيات، فبعض الآيات تكون طيعة، أي: مجملة أو عامة، فالمفروض أن تبين أو تخصص، فهم يستدلون بهذه المجملات أو العمومات فيقعون في الضلال، لذلك لما قال ابن عباس لـ علي: أنه سيخرج إلى الخوارج كي يناظرهم بالقرآن، قال: صدقت، لكن القرآن حمال ذو وجوه، فتقول ويقولون، ولكن حاججهم بالسنن، فإنهم لن يجدوا عنها محيصاً، فخرج إليهم فحاجهم بالسنن، فلم يبق بأيديهم حجة. وعن ابن شهاب عن رجل من آل خالد بن حسين أنه سأل عبد الله بن عمر فقال: يا أبا عبد الرحمن! إنا نجد صلاة الخوف وصلاة الحضر في القرآن ولا نجد صلاة السفر، فقال ابن عمر: يا ابن أخي! إن الله بعث محمداً ﷺ ولا نعلم شيئاً، وإنما نفعل كما رأيناه يفعل. يقول الإمام ابن حزم رحمه الله تعالى: ولو أن امرأً قال: لا نأخذ إلا ما وجدنا في القرآن لكان كافراً بإجماع الأمة، ولكان لا يلزمه إلى ركعة ما بين دلوك الشمس إلى غسق الليل، وأخرى عند الفجر؛ لأن ذلك هو أقل ما يقع عليه اسم الصلاة، ولا حد للأكثر في ذلك، وقائل هذا كافر مشرك حلال الدم والمال. انتهى كلام الإمام ابن حزم. وقال عمر ﵁: إياكم وأصحاب الرأي فإنهم أعداء السنن، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها، وتفلتت منهم أن يعوها، فسئلوا فأفتوا برأيهم، فضلوا وأضلوا، فإياكم وإياهم. وقال ﵁: سيأتي أناس يجادلونكم بشبهات القرآن فخذوهم بالسنن، فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله. لذلك فهم يريدون القضاء على السنة؛ حتى يستريحوا من هذه المعارضة والمساومة. وعن أيوب السختياني: أن رجلاً قال لـ مطرف بن عبد الله بن الشخير: لا تحدثونا إلا بما في القرآن، فقال له مطرف: إنا والله! ما نريد بالقرآن بدلاً، ولكنا نريد من هو أعلم بالقرآن منا وهو رسول الله ﷺ . وعن أيوب قال: إذا حدثت الرجل بسنة فقال: دعنا من هذا وحدثنا عن القرآن فاعلم أنه ضال. ومما يناسب موضوعنا أيضاً ما أخرجه البيهقي في (المدخل) من طريق شديد بن أبي فضالة المكي أن عمران بن حصين ﵁ ذكر الشفاعة فقال رجل من القوم: يا أبا نجيد! إنكم تحدثوننا بأحاديث لم نجد لها أصلاً في القرآن، فغضب عمران وقال للرجل: قرأت القرآن؟ قال: نعم، قال: فهل وجدت فيه صلاة العشاء أربعاًََ، ووجدت المغرب ثلاثاً، والغداة ركعتين، والظهر أربعاً، والعصر أربعاً؟ قال: لا، قال: فعمن أخذتم ذلك؟ ألستم عنا أخذتموه، وأخذناه عن رسول الله ﷺ ؟ أوجدتم فيه: في كل أربعين شاة شاة، وفي كل كذا من الإبل كذا، وفي كل كذا درهماً كذا، قال: لا، قال: فعمن أخذتم ذلك؟ ألستم عنا أخذتموه، وأخذناه عن النبي ﷺ ؟ وقال: وفي القرآن: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٢٩]، أوجدتم فيه فطوفوا سبعاً؟ واركعوا ركعتين خلف المقام؟ أوجدتم في القرآن لا ذنب ولا جنب ولا صغار في الإسلام؟ أوما سمعتم الله قال في كتابه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧]، قال عمران: لقد أخذنا عن رسول الله ﷺ أشياء ليس لكم بها علم. وأخرج الدارمي عن سعيد بن جبير أنه حدث يوماً بحديث عن النبي ﷺ ، فقال له رجل: في كتاب الله ما يخالف هذا، فقال: لا أراني أحدثك عن رسول الله ﷺ وتعرض فيه بكتاب الله! كان رسول الله ﷺ أعلم بكتاب الله منك. فإذا كانت حجة الله على عباده لا تقوم إلا بحفظ رسالته وشرعه فإن هذا الحفظ لا يتم إلا بحفظ القرآن والسنة التي تبينه وتشرحه للناس، فلزم من ذلك لزوماً حتمياً أن يحفظ الله السنة، ويتعهد ببقائها. وقد حدّث أبو معاوية يوماً هارون الرشيد أمير المؤمنين عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة بحديث احتجاج آدم وموسى، وهو حديث القدر المعروف، فقال عمّ الرشيد معلّقاً: أين التقيا يا أبا معاوية؟! ألست تقول: حج آدم موسى، وتناظر آدم مع موسى؟ فاعترض على الحديث وقال: أين التقيا يا أبا معاوية؟! فغضب الرشيد من ذلك غضباً شديداً وقال: أتعترض على الحديث؟! عليَّ بالنِّطع والسيف، أي: أنه سيضرب عنقه، فأُحضر ذلك، فقام الناس إليه يشفعون فيه، فقال الرشيد: هذه زندقة، ثم أمر بسجنه، وأقسم ألا يخرج حتى يخبرني من ألقى إليه هذا؟ فأقسم عمه بالأيمان المغلظة ما قال هذا له أحد، وإنما كانت هذه الكلمة بادرة منه، وأنه يستغفر الله ويتوب إليه منها، فأطلقه.

стр. 715

العصمة من الضلال منوطة باتباع القرآن والسنة على فهم السلف سبق أن ذكرنا أن العصمة من الضلال منوطة باتباع القرآن والسنة: (تركت فيكم ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً: كتاب الله، وسنتي)، فالعصمة من الضلال لابد فيها من القرآن والسنة معاً، وليس هذا فحسب، بل لا بد أن يكون ذلك بفهم الصحابة ومن تبعهم بإحسان رضي الله تعالى عنهم، وقد ناقشت هذا بالتفصيل في محاضرة (السلفية لماذا؟)، وقلنا: إن أهل السنة والجماعة هم الميزان، ولن نستطيع أن نفصل ذلك الآن، لكن نذكركم ببعض العناوين، فقد ذكرنا أن الانتماء إلى أهل السنة والجماعة ليس مسألة اختياريه كما تختار في الفاكهة والألوان والطعام والشراب، بل هي مسألة ليس فيها اختيار، ففرض لازم على كل إنسان أن ينتمي إلى منهج أهل السنة والجماعة، فالسلفية منهج ملزم على كل مسلم، وهي تقوم على الكتاب والسنة بفهم الصحابة وتابعيهم بإحسان. وقلنا: بفهم الصحابة والتابعين لنسدّ باب انحراف أهل البدع الذين انحرفوا في فهم كتاب الله، فالكتاب والسنة يستطيع كل أحد أن يفهمها فهماً، وأن يفسرهما تفسيراً، وأن يؤلهما تأويلاً يوافق هواه وبالعكس، فلا بد من سدّ الطريق على أهل الباطل بقولنا: الكتاب والسنة بفهم السلف؛ لأن السلف الصالح معهم حق كل فرقة، وهم برآء من ضلال كل فرقة، وقد زكاهم الله فقال: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء:١١٥]، وخير أمة أخرجت للناس هم الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء:١١٥]، وقد زكى الله إيمان الصحابة وقطع بصحته، واشترط في نجاة من بعدهم من الفتن والاختلاف أن يكون إيمانه مثل إيمانهم، فقال الله في القرآن الكريم: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُمْ بِهِ﴾ [البقرة:١٣٧]، فكلمة (مثل) هي السلفية، ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾ [البقرة:١٣٧]، فالهداية محصورة في الإيمان بمثل ما كان عليه الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ((بِمِثْلِ مَا آمَنتُمْ بِهِ)) أيها الصحابة! ((فَقَدِ اهْتَدَوا))، ومفهوم الآية أن من انحرف عن مثل ما كان عليه الصحابة فقد ضل ضلالاً مبيناً. ولذلك قلنا: إن معرفة ما كان عليه النبي ﵇ إما أن تكون بالمعاينة والمعاصرة، وإما أن تكون بالإسناد، فالرواية تنقل إلينا بالأسانيد، لذلك فالإسناد هو شريان الحياة في منهج أهل السنة والجماعة، وقلنا: إن اتباع السلف هو المنهج الذي يعصم من الحيرة والتلون، فالذي يتمسك بمنهج أهل السلف فإنه في الغالب -إلا ما شاء الله- لا يرجع مرة ثانية، بل إنه يمشي إلى أن يصل -إن شاء الله- إلى النجاة في الآخرة، ولا يكون من الفرق النارية، وإنما يكون من الفرقة الناجية بإذن الله ﵎، فهذا المنهج يتميز بالبصيرة: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨]، وهو يعصم من الحيرة والتلون، ولذلك لا نكاد نجد واحداً فقه المنهج السلفي واتبعه على بصيرة ثم تراجع وانتكس عنه، وذلك مصداق لقول هرقل لـ أبي سفيان لما سأله: هل يرتد أحد منهم سخطةً لدينه بعد أن يدخل فيه؟ قال: لا، ثم قال له بعد ذلك: وسألتك هل يرتد أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه فذكرت ألّا، وكذلك الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب، فهذه هي دعوة الفطرة والبصيرة والاتباع والدليل والإنصاف والعدل والتوحيد إلى آخر هذه المحاسن المعروفة، لذلك: من يمشي على هذا المنهج السلفي فإنه يمشي في اتجاه واحد، ولا يرجع عنه في الغالب إلا أن يشاء الله ، في حين أن من بدأ بغير المنهج السلفي فإنه يتلون، وقد رأينا ذلك بأعيننا في الفرق الضالة التي كانت موجودة إلى عهد قريب، فقد كانت تحصل فيهم انشطارات داخلية، فالفرقة تنقسم إلى فرق، والفرق تنقسم إلى فرق وهكذا إلى ما لا حصر له ولا عدد، وقد وجدنا في ذلك نماذج كثيرة جداً كما هو معروف من حال أبي حامد الغزالي، فإنا إذا درسنا مراحل حياته لوجدنا كيف يكون التلون سمة بارزة لمن انحرف عن منهج السلف، وحرم مما كان عليه السلف، فقد ظل الغزالي ينتقل من منهج الفلاسفة إلى منهج أهل الكلام، وإلى منهج الباطنية، وإلى منهج الصوفية إلى آخره، وللأسف الشديد فإنه لم يكتشف الحقيقة إلا في آخر حياته رحمه الله تعالى، فمات وصحيح البخاري على صدره، وكأنه يريد أن يقول: هاأنذا حتى هذه اللحظة الأخيرة أريد أن أكفر عن انشغالي عن منهج أهل السنة والجماعة. وكذلك كان حال الرازي والجويني وكثير من علماء الكلام، فإنهم ندموا عند الموت على خوضهم في علم الكلام.

стр. 716

إثبات الشفاعة في الآخرة يقول العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى في قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة:٤٨]: ظاهر هذه الآية عدم قبول الشفاعة مطلقاً يوم القيامة. وسنلاحظ في كلام مصطفى محمود أنه -للأسف الشديد- بسبب قصوره وعدم علمه كيف أنه ضرب آيات الله بعضها ببعض دون أن يتطرق إلى خبر العلماء الحكماء في الجمع بين الآيات، ومعلوم أن الرسول ﷺ لما خرج وبعض الصحابة يحتج بآيات في القدر، والبعض الآخر يرد بآيات أخرى مخالفة لها في الظاهر غضب غضباً شديداً، واحمر وجهه حتى كأنما فقيء في وجهه حبّ الرمان، وقال: (بهذا هلكت الأمم من قبلكم؛ أنهم ضربوا كتاب الله بعضه ببعض) إلى آخر الحديث. فهذا المنهج الثقيل -أعني: ضرب الآيات بعضها ببعض- منهج يدل على عدم الفقه والعلم، ويدل على عدم إتقان علم الجمع بين الأدلة عند التعارض. يقول الشنقيطي في قوله تعالى: ((وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ)): ظاهر هذه الآية عدم قبول الشفاعة مطلقاً يوم القيامة، ولكنه بيّن في مواضع أخر أن الشفاعة المنفية هي الشفاعة للكفار. إذاً فهناك نوعان من الشفاعة المنفية: النوع الأول: الشفاعة للكفار. والنوع الثاني: الشفاعة بغير إذن الله ورضاه، فهذه لا يمكن أن تحصل، وأما الشفاعة للمؤمنين بإذنه سبحانه فهي ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع، فنص على عدم الشفاعة للكفار بقوله: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء:٢٨]، وقد قال : ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر:٧]، إذاً: فالكفار ليسوا ممن ﵃، لذلك فإنهم يحرمون من الشفاعة. وقال ﵎ مقرراً لقول الكافرين: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء:١٠٠ - ١٠١]، وقال تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر:٤٨]، وغير ذلك من الأدلة، فهذا في حق الكفار، والشفاعة بدون إذنه منفية أيضاً، قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وقال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم:٢٦]، فيأتي هذا الرجل بقصوره ويقول: نحن نقول في الصلاة عن الله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤]، وأنتم تجعلوا الرسول ﵊ هو مالك يوم الدين؛ لأنه يشفع للناس!! وهذا شيء غريب جداً، فنحن نقول: إنّ الشفاعة المثبتة لا تكون إلا بإذن الله، ولا تكون إلا عمن يرضى عنه الله، فكيف تزعم بعد ذلك أن الرسول ﵊ أصبح مالكاً ليوم الدين!! فما هذا الجهل المطبق؟!! وهو لم يتراجع عن هذا، بل أصر وعاند وكابر، وقد أخطأ بعض الإخوة حين فهموا منه أنه تراجع، فإنه لم يتراجع كما سنبين، وادعاء شفعاء عند الله من كفار، أو بغير إذنه من أنواع الكفر به جل وعلا كما صرح به في قوله: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس:١٨]. يقول الشنقيطي: وهذا الذي قررنا من أن الشفاعة للكفار مستحيلة شرعاً مطلقاً يستثنى منها شفاعته ﷺ لعمه أبي طالب في نقله من محل من النار إلى محل آخر منها، كما ثبت عنه ﷺ في الصحيح، فهذه الصور التي ذكرنا من تخصيص الكتاب بالسنة لا تتناقض مع قوله تعالى: ((وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ))؛ لأن هذه الشفاعة ليست في إخراجهم من النار، وإنما في نقلهم من موضع إلى موضع منها. إذاً: فالشفاعة الثابتة في الشرع هي التي يجتمع فيها شرطان: إذن الله للشافع، والرضى عن المشفوع له، ولا يرضى الله عن الكافر كما قال تعالى: ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر:٧]، فالكافر لم يتوفر فيه هذا الشرط، والشفاعة لا تكون إلا من بعد إذن الله ، سواء في ذلك شفاعة نبينا ﷺ وشفاعة من دونه، وذلك الإذن يتعلق بالشافع والمشفوع فيه، فلا يَشفع إلا من أذن له في الشفاعة، ولا يُشفع إلا فيمن أذن الله أن يشفع فيه، قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٤٤]، وقال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وقال: ((فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ))، وهذا في الكفار.

стр. 717

أنواع الشفاعة وأما أنواع الشفاعة: فالشفاعة العظمى هي شفاعته ﷺ إلى الله لأهل الموقف؛ لفصل القضاء بينهم، وهي خاصة به ﷺ ، وهي المقام المحمود الذي ذكره الله له، ووعده إياه، كما قال تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء:٧٩]، وجاء في الحديث: (من قال حين يسمع النداء وفيه: حلت له شفاعتي يوم القيامة)، وأحاديث الشفاعة متواترة تواتراً معنوياً، وسنتجاوز ذكر هذه الأحاديث اختصاراً؛ فأنتم على علم بها إن شاء الله تعالى. وهناك شفاعة في إخراج العصاة الموحدين من النار، وقد أنكر هذه الشفاعة الخوارج والمعتزلة، وقد جاء في بعض الأحاديث: (ثم أشفع، فيحدّ لي حد فأخرجهم فأدخلهم الجنة)، فشفاعة الرسول ﷺ هنا بحد وعدد معين بإذن الله ﵎، وهناك أنواع أخرى من الشفاعة أعتقد -إن شاء الله- أنكم على علم بها؛ لأن كتب العقيدة كلها تهتم بهذه المسألة وتذكر أدلتها بالتفصيل. لـ مصطفى محمود مقالتان: المقالة الأولى بتاريخ (١/ ٥/١٩٩٩م)، وعنوانها: ((وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ)). وطريقته فيها هي نفس طريقة الضُلّال الذين يريدون أن يطيروا بجناح واحد وهو جناح القرآن، ولا يلتفتون إلى الجناح الآخر وهو السنة، فيقعون على أم رءوسهم.

стр. 718

جهله بالسنة وكتبها وعلمائها يقول في هذه المقالة: ويقول الله لمحمد ﵊ في سورة الزمر: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ [الزمر:١٩]، فيقول: هذا استفهام إنكاري. فنقول له: هل ينقذ النبي ﷺ من في النار بإرادته أم بإذن الله؟ ثم أيضاً قد أثبت الله الشفاعة في القرآن، ومن ذلك قوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وأحاديث الشفاعة تقول: (إنه يستأذن ربه) إلى آخر الحديث كما هو معلوم. وهذا الرجل -كعادة أهل الأهواء- يكتب ماله ويسكت عما هو عليه، فأتى بالآيات التي تؤيد مذهبه الضال فقط، مع أنه يقول: أنا أتبع القرآن فقط ولا أتبع السنة، فنقول له: إنّ القرآن نفسه يرد عليك؛ لأن هناك آيات -كما ذكرنا- تنفي الشفاعة، وهناك آيات أخرى تثبت الشفاعة بالشرطين السابقين، فالقرآن يثبت الشفاعة، وهو لا يستطيع أن يتخلص من هذا المخرج، وهو لا يحسن فهم كلام الله . يقول: وهذه الثوابت القرآنية، يعني: قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [المائدة:٣٧]-وهذه الآية في الكفار، وهم ليس لهم شفاعة- فيقول: أهل النار في سورة المؤمنون ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ * قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٧ - ١٠٨]، ويقول في سورة البقرة: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة:١٦٧]، يقول: هذه الثوابت القرآنية تتناقض تماماً مع مرويات الأحاديث النبوية في كتب السيرة. فهنا يسمي كتب الحديث بكتب السيرة!! فهو لا يعرف عنوان هذا العلم!! مع أن الفرق شاسع بين كتب السيرة وبين كتب علم الحديث التي من ضمنها كتاب السيرة، فهذا يدل على أنه لا يفقه حتى عناوين العلوم الشرعية. يقول: وهذه الثوابت القرآنية تتناقض تماماً مع مرويات الأحاديث النبوية في كتب السيرة من إخراجه مَن يشاء من أمته من النار، ومما يؤكد أن هذه الأحاديث موضوعة ولا أساس لها من الصحة، ولا يمكن أن تكون قد صدرت عن النبي ﷺ هكذا يقول الشبعان وهو متكئ على أريكته: (بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه من حلال حللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه، وإن ما حرم رسول الله ﷺ كما حرمه الله). ثم يأتي بآيات من القرآن الكريم هي في حق الكفار أيضاً، ولا نطيل بذكر كلامه، ثم يقول: إذاً فالشفاعة ينفرد الله بها وحده، وعلينا أن نفهم الشفاعة في هذه الحدود، والقرآن هو الكتاب الوحيد الذي تولى رب العالمين حفظه بنفسه من أي تحريف فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]، ولم يقل لنا رب العالمين: إنه حفظ البخاري أو غيره من كتب السيرة، يقول: وما يقوله البخاري مناقض للقرآن لا يلزمنا في شيء، وسيسأل عنه البخاري يوم الحساب، ولا نسأل نحن عنه. أقول: هذا الرجل مسكين في العلم، وهل هذا كلام البخاري؟!! لقد قام البخاري بجمع الأحاديث، واشترط شروطاً في غاية الدقة لصحة الحديث، وهذه الأحاديث مروية بالأسانيد التي تميزت به هذه الأمة. ويقول: ولم يكن البخاري هو الوحيد الذي خاض في موضوع السيرة النبوية، لكن كتّاب السيرة كثيرون، وقد تناقضوا واختلفوا مع بعضهم البعض، وامتلأت كتب السيرة بالموضوع والمدسوس من الأحاديث، والعجيب والمنكر من الإسرائيليات، وقرأنا في أكثر من كتاب من كتب السيرة أن النبي ﵊ مات ودرعه مرهونة عند يهودي! وهذا كذب وافتراء لا يعقل إلى آخر الكلام. وهذا قصور في عقله وفهمه، فالرسول ﷺ كان يتعامل مع اليهود، وهو مشرع للأمة، وفعله هذا فيه تشريع، ويؤخذ منه جواز مثل هذا التعامل والرهن مع اليهود، وهذا الحديث صحيح ليس فيه أي إشكال. ويقول: إذا كان ربنا يقول: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى:٥] ألا يعطيه ما يستغني به عن اليهود؟! فهو يفهم بعقله القاصر أن المراد بالإعطاء في هذه الآية أن يعطيه الفلوس والأموال، ولم يدر أن الرسول ﷺ زهد في الدنيا ورفضها، فقد خيره الله بين أن يحول له جبال مكة ذهباً، وبين أن يكون عبداً نبياً، فاختار أن يكون عبداً نبياً، فالرسول ﵊ لم يكن يطمح إلى أن يعطى الأموال. ثم يقول: والعمدة المعتمد في جميع أمور الملة هو القرآن المجيد، نتمسك به، ونحتكم إليه في كل صغيرة وكبيرة. فنقول له: هذه اللافتة تصل بها نفسك؛ لأنك من أهل البدع والضلال، فمن قال هذا فهو ضال كما بينا، (لن تضلوا بعدي ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي)، فقطعاً أنت ضال ما دمت تقول هذه العبارة، وأنت من الفرقة الضالة التي أخبر النبي ﵇ عن ظهورها فقال: (ألا يوشك شبعان متكئ على أريكته) أي: أنه لم يرحل، ولم يسافر، ولم يجع، ولم يجب القفار والصحراء ليحقق الحديث، ثم يزعم أنه يكتفي بالقرآن! فإذا حدثت الرجل بحديث فقال: دعك من هذا وأجبني عن القرآن، فهذا ضال. يقول: ونحتكم إليه -أي: القرآن- في كل صغيرة وكبيرة، وما تناقض في كتب السيرة مع القرآن لا نأخذ به؛ فالذين كتبوا السيرة بشر مثلنا يخطئون ويصيبون. أقول: هذا الرجل مسكين، فهو يظن أنهم كتبوا من تلقاء أنفسهم، فهو لا يعرف ما هي الأسانيد، ولا ما هي الأحاديث، ولا من هو البخاري، ولا ما هي السيرة، فهو مغرق في الجهل، فكيف يتكلم في الدين بهذه الطريقة؟! ويقول: أما القرآن فهو الكتاب المحفوظ من رب العالمين، وهو الكتاب الوحيد الموثق بين كل ما تبقى من الكتب المقدسة. ومن ثم يستدل على أنه ليس هناك شيء اسمه سنة، فالقرآن فقط هو المأخوذ به، فيقول: ألم يقل ربنا ﵎ لمحمد ﵊ في سورة آل عمران: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران:١٢٨]، ففهم هذا المسكين من قوله تعالى: ((لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ)) أنه لا يوجد تشريع اسمه سنة، وإنما التشريع هو في القرآن فقط!! فلم يعرف سبب نزول الآية، وأنها كانت في القنوت على بعض الناس إلى آخر القصة المعروفة. ثم يقول: فكيف نقلب الأمر ونجعل من النبي ﷺ صاحب الأمر يوم القيامة، والمنفرد بالشفاعة من دون الله؟! أقول: هل يوجد أحد من أهل السنة والجماعة -ولو من عوامهم- قال: إن الرسول ﵊ يتفرد يوم القيامة بالشفاعة من دون الله؟! وأين الآيات التي تشترط أن يرضى الله عمن يشفع فيه، وأن يأذن لمن يشاء أن يشفع؟! فهذا كله كذب وافتراء وتدليس لا يقبل. يقول: فكيف نقبل الأمر ونجعل من النبي ﷺ صاحب الأمر يوم القيامة، والمنفرد بالشفاعة من دون الله، وهو الذي قال له معاتباً: ((لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ)) إلى آخر كلامه.

стр. 719

إصراره على إنكار الشفاعة في الآخرة أما المقالة الثانية فعنوانها: (الردود الغاضبة والعاتبة)، وقد كانت في (١٥/مايو)، يقول فيها: الردود الغاضبة والعاتبة على موضوع الشفاعة بالمئات، وأنا لم أفهم سبباً واحداً لهذا الغضب، فالله -بكرمه وحلمه- فتح لنا باب التوبة؛ حتى نتوب عن ذنوبنا، ونتطهر من أوزارنا، وجعل هذه التوبة مفتوحة إلى النفس الأخير، فلا يغلق بابها إلى ساعة الحشرجة، وهذه التوبة تجبُّ كل الذنوب، واقرءوا معي سورة البروج إلى آخر كلامه. فقد بدأ يوهم القارئ بأنه يتوب عن هذه المقالة، مع أنه لا يريد أن يقول ذلك، بل هو يريد أن يقول: إن باب التوبة مفتوح، لكن باب الشفاعة مغلق، فهو معاند ومصر على ما قاله، ثم يقول: وهل يريد الغاضبون والعاتبون أن يفعلوا ما يشاءون من الذنوب والخطايا، وأن يسترسلوا في ذنوبهم وآثامهم وشرورهم إلى آخر العمر ثم يموتوا دون توبة، ويلفظوا أنفاسهم دون ندم، ثم يريدوا ساعة البعث أن يستخدموا رسولهم ليشفع لهم، فإذا قلنا لهم: ضيعتم فرصتكم الوحيدة في التوبة في حياتكم ضجوا واحتجوا ورمونا بالجهل، وجاءوا بعشرات الأحاديث لعشرات من الرواة يقولون هذا، وذاك من عجيب القول، ولا سلطان عندنا في مثل هذه الأمور الغيبية إلى لكلمة القرآن، ثم يقول: إني لا أرى مكاناً للاختلاف، ولا موضعاً للاشتباك، وإنما كل منا يعمل بإيمانه، وكل فريق يعمل على شاكلته، فالموضوع لا يصلح فيه الجدل، فهو موضوع غيبي يتناول الآخرة، والآخرة لله وحده يفعل فيها ما يريد؛ فهي شأنه. فنقول: المشكلة أنك تكذب خبر رسول الله ﵇ الذي تواتر، والرسول ﷺ يقول: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، ويؤمنوا بي وبما جئت به)، فمن أركان الإيمان: (ويؤمنوا بي وبما جئت به). ويقول أيضاً: والقرآن لا يفتح باباً إلّا ويسده. أقول: هو لا يريد أن يرمي القرآن بالتناقض والعياذ بالله، لكنه يريد: أن هناك آيات تفتح باب الشفاعة، لكن لا تلبث أن تأتي آيات وتسد هذا الباب، وهذا كلام المسكين القاصر في فهم الآيات. يقول: والقرآن لا يفتح باباً إلّا وسده, فهو يقول: ﴿وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ:٢٣]، لكن لا يلبث أن يقول في موضع آخر: قال تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء:٢٨]، ولذلك عاد فأغلق الباب فجعله مقصوراً على أهل الرضا، أي: المرضي عنهم، ويستدل بالآية: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ [السجدة:٤]، فقوله: ((مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ)) أي: من دون الله، ((وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ)). فنقول له: إن الشفاعة التي تحصل إنما تكون بإذن الله، فتنسب إلى الذي أذن وهو: الله ، فهذا عيسى ﵇ لما كان يخلق من الطين كهيئة الطير قال: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران:٤٩]، فكل مرة كان يذكر هذا القيد: ((بِإِذْنِ اللَّهِ))، فهذا ليس من فعل عيسى، ولكنه فعل الله. ثم يقول أيضاً: وهل خرج قادة الإسلام الأوائل وأبطاله إلا من هذه المشكاة: (مشكاة القرآن)، وما كان عن يمينهم كتب سيرة، ولا رواة سيرة، ولكنهم كانوا يشهدون السيرة بأعينهم من معينها الحي، من النبي نفسه الذي كان يخرج معهم في غزواتهم. أي: أنه يحصر كل السنة في السيرة، وهذا شيء عجيب، ويقول: والآن قد ترقّى بنا الزمن، وأصبحنا نقرأ عن وعن وعن إلى آخر العنعنات التي لا يعلم بها إلا الله، واختلف أهل هذه العنعنات، والقرآن بين أيدينا لا اختلاف فيه، فآياته المحكمة كالسيف تقطعنا عن أي شك إلى آخره. ثم يقول: وأضعف الإيمان أن نتدبر آيات القرآن الكريم ولا نغلق باب الاجتهاد في فهمها أبداً، فكل كتاب يؤخذ منه ويرد إلا هذا الكتاب، فهو خزينة العلم كله، وما أضر الإسلام والمسلمين إلا إغلاقهم باب الاجتهاد في دينهم، وتحويلهم لمرويات السيرة والأحاديث إلى مسلمات ومقدسات ومحظورات لا تمس ولا تناقش كأنها مومياوات محنطة. أي: أنه يصف أحاديث الرسول ﷺ كأنها مومياوات محنطة، ثم انظروا إلى هذا الذي يطعن في البخاري والأئمة، انظروا إلى ثقافته الضحلة أين ستصل به، فإنه يقول: وما حثني على الكتابة في موضوع الشفاعة إلا حديث رسولنا العظيم الذي قال فيه: (من يترك العمل ويتكل على الشفاعة يورد نفسه المهالك، ويحرم من رحمة الله)، فمن أين -أيها الوضاع! - أتيت بهذا الحديث؟! فهذا شيء غريب، فتراه يرفع هذا الخبر إلى رسول الله ﷺ ولم يذكر السند، ولا من أخرجه، ولم يسمع أحد بهذا الحديث في أي كتاب من الكتب التي تكلمت عن الشفاعة، فإذا كان هذا حظه من الجهل بالسنة فكيف يتجاسر على أن يسجل على نفسه هذه المقولة المحدثة؟! ويقول أيضاً: موضوع الشفاعة غيبي، ومكانها وزمانها يوم القيامة، ولا يستطيع أحد أن يدعي الإحاطة بما سيجري في هذا اليوم، ولا نملك بعد استعراض القرآن والسنة إلّا الاجتهاد في الفهم، واحتمال الخطأ وارد. وسبق في أثناء الكلام ذكر من الذي له حق الاجتهاد في فهم النص، أو في الاجتهاد الفقهي المعروف. ولا شك أن موضوع الشفاعة غيبي، وهو داخل في الإيمان باليوم الآخر، لكن ربنا قال: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [البقرة:١٧٧]، ومعنى الإيمان بالله واليوم والآخر أن تصدق بالأخبار التي وردت بشأن اليوم الآخر ومنها أخبار الشفاعة، (حتى يؤمنوا بي وبما جئت به)، فتؤمن بما أخبر به النبي ﵇ ولا تكذبه، وقد قال الإمام أحمد: من كذب حديث رسول الله ﷺ فهو على شفا هلكة، فهذا موضوع غيبي والغيب أتانا من طريق الوحي، سواء كان القرآن أو السنة؛ لأن السنة وحي كما بينا ذلك بالتفصيل من قبل، فمعنى كونه موضوعاً غيبياً أنه ليس للعقل ولا للاجتهاد فيه مجال، وإنما هو خبر، وواجبنا أن نصدق هذا الخبر ونسلم به، قال الإمام الزهري: من الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم، فنقول: سمعنا وأطعنا، فهذا هو واجب المؤمن. ثم يقول في نهاية الكلام: نكتفي بما قلناه، ونختم الموضوع مؤثرين الإيمان على الجدل، والتفويض على تبادل التهم، فبحور العلم بلا شاطئ، وأعماقها بلا أغوار. والله وحده الهادي، ونسأله المغفرة. فنقول له: فعلاً إن بحور العلم بلا شاطئ، وأعماقها بلا أغوار، ومن سار في بحر الشبهات كما سرت أنت دون أن يتمسك بطوق النجاة، أو رام النجاة في غير سفينة أهل السنة والجماعة فلن يسلم من الغرق، فإن السنة هي سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم. سبحانك اللهم ربنا وبحمدك! أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

стр. 720

اختصام أهل النار ما أحسن أن يطيع الإنسان ربه ومولاه! فيعيش في الدنيا سعيداً مطمئناً ملكاً، ويفوز في الآخرة بجنات النعيم. وما أسوأ أن يعيش الإنسان في هذه الدنيا معرضاً عن دين الله وشرعه، فيعيش في تيه وضياع وضلال وتعاسة، ثم يدخل قبره حاملاً ذنوباً كالجبال، فكيف ينجو من الفتَّان في القبر! ثم يصلى جهنم، فيخاصم ويجادل أسياده وأتباعه، بل ويخاصم أعضاءه وجسده، وذلك هو الخسران المبين.

стр. 721

بين يدي الموضوع الحمد لله الذي ليس سواه واجب الوجود، الذي وعد الذين سعدوا بدوام النعيم في جنات الخلود، وتوعد الذين شقوا بالأبدية في النار ذات الوقود، وأخبرهم أنه يبدلهم جلوداً ليذوقوا العذاب كلما نضجت منهم الجلود. وأشهد أن لا إله إلا الله شهادة تدافع عن قائلها إذا كانت الأعضاء هي الشهود، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صاحب المقام المحمود، في يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله الركع السجود، وعلى أصحابه الداعين إلى التوحيد، الساعين للنصح للقريب والبعيد. عن أبي هريرة ﵁ قال: (قالوا: يا رسول الله! هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: هل تضارون في رؤية الشمس في الظهيرة ليست في سحابة؟ قالوا: لا، قال: فهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ليس في سحابة؟ قالوا: لا، قال: فوالذي نفسي بيده! لا تضارون في رؤية ربكم إلا كما تضارون في رؤية أحدهما). وقال رسول الله ﷺ : (سيلقى العبد ربه، فيقول الله: ألم أكرمك، وأسودك، وأزوجك، وأسخر لك الخيل والإبل، وأذرك ترأس وتربع؟ فيقول: بلى أي رب! فيقول: أفظننت أنك ملاقي؟ فيقول: لا، فيقال: إني أنساك كما نسيتني، ثم يلقى الثاني فيقول له مثل ذلك، ثم يلقى الثالث فيقول له مثل ذلك، فيقول: آمنت بك، وبكتابك، وبرسولك، وصليت، وصمت، وتصدقت، ويثني بخير ما استطاع، فيقول: ألا نبعث شاهدنا عليك؟ فيفكر في نفسه: من الذي يشهد علي؟ فيختم على فيه، ويقال لفخذه: انطقي، فتنطق فخذه، ولحمه، وعظامه بعمله ما كان؛ وذلك ليعذر من نفسه، وذلك المنافق، وذلك الذي يسخط عليه). هذا الحديث رواه الإمام مسلم في صحيحه، والترمذي وابن مردويه والبيهقي. قول أبي هريرة ﵁: (قالوا) يعني: قال بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم، (يا رسول الله! هل نرى ربنا يوم القيامة؟) إنما قيدوا الرؤية بيوم القيامة للإجماع على أنه تعالى لا يُرى في الدنيا؛ لأن الذات الباقية لا ترى بالعين الفانية، وهذا الاستفهام للاستعلام والاستخبار، فأجاب النبي ﷺ عن ذلك فقال: (هل تضارون في رؤية الشمس في الظهيرة ليست في سحابة؟) يعني: إذا اجتمعتم وأردتم أن تنظروا إلى الشمس هل يحصل لكم تزاحم وتنازع يتضرر به بعضكم من بعض من شدة الزحام حتى تتمكنوا من رؤية هذه الشمس ليست دونها سحابة؟ بل الرؤية تكون واضحة، فيستطيع الإنسان في أي مكان أن يراها دون زحام أو ضرر. و (الظهيرة): هي نصف النهار. وقوله: (ليست في سحابة) يعني: ليست في غيم تحجبها عنكم، وهذا الاستفهام للتقرير، والمقصود منه حمل المخاطب على الإقرار؛ لأنهم لا يضارون في ذلك، لذلك قالوا: لا، (قال: فهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ليس في سحابة؟ قالوا: لا) أي: أنكم لا تضارون. ولفظ: (تضارون) بتشديد الراء، وهناك لفظ آخر: (تضارون) بالراء المخففة، وهذا مشتق من الضير، أي: تكون الرؤية جلية لا تقبل مراء ولا مرية، أي: هل إذا اجتمعتم ونظرتم إلى الشمس في الظهيرة ليس دونها سحاب، وكذلك القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب، هل يخالف بعضكم بعضاً في رؤيتهما، ويكذب بعضكم بعضاً في ذلك؟ فكما لا يشك في رؤية الشمس والقمر في هاتين الحالتين، فكذلك لا يشك يوم القيامة في رؤية الله . والمقصود من هذا الحديث: تشبيه الرؤية بالرؤية، ووجه الشبه: الوضوح التام الكامل في الجلاء والظهور الذي لا نزاع فيه، وليس المقصود تشبيه المرئي بالمرئي، أي: ليس المقصود منه تشبيه الشمس أو القمر بالله ، فإن الله ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير، لكن المقصود: أن رؤية الله في الآخرة تكون مثل رؤية الشمس في الظهيرة ليس دونها سحاب، ومثل رؤية القمر في ليلة البدر ليس دونه سحاب في الوضوح، فوجه الشبه: الوضوح والجلاء وعدم الخفاء. وفي لفظ آخر: (هل تضامون) بتشديد الميم، أي: هل ينضم بعضكم إلى بعض في طلب رؤية القمر لإشكاله وخفائه؟ فإن الناس عند استطلاع الهلال مثلاً ينضم بعضهم إلى بعض؛ لاستشكال رؤية الهلال كما في بداية مولده، فلذلك يجتمعون حتى ينضم بعضهم إلى بعض طلباً لرؤيته، فالمقصود: أنكم حينما تريدون رؤية القمر ليلة البدر وليس دونه سحاب -أي: أن السماء صافية- فإنكم لا تحتاجون إلى أن ينضم بعضكم إلى بعض حتى تستوثقوا من هذه الرؤية، وكذلك الشمس في وسط النهار، أو أن المقصود: لا يضمّكم شيء يحول دون رؤيته كبناء أو سقف، أي: هل هناك شيء يحول بينكم وبين رؤية الشمس في الظهيرة، أو القمر في ليلة البدر؟ الجواب لا. فهذا على رواية: تضامون بتشديد الميم، أما على رواية تخفيف الميم فإنها تكون من الضيم، أي: لا ينالكم ضيم في رؤيته فيراه بعضكم ولا يراه البعض، بل أنتم تشتركون في ذلك كلكم، فكل هذه الألفاظ المقصود منها تشبيه الرؤية بالرؤية في الوضوح والجلاء وعدم الخفاء. ثم قال ﷺ بعد أن استقررهم على هذا الأمر: (فوالذي نفسي بيده! لا تضارون في رؤية ربكم إلا كما تضارون في رؤية أحدهما) يعني: في هذه الهيئة، وكان الظاهر أن يقال: لا تضارون في رؤية ربكم كما لا تضارون في رؤية أحدهما، ولكنه أخرج مخرج قول الشاعر: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب فهو هنا يمدح قوماً مدحاً في صورة الذم، فهو من المدح الذي ظاهرة الذم، لكنه في الحقيقة مدح عظيم، أي: أنه ليس في هؤلاء الناس غير عيب واحد، وهو: أن سيوفهم بهن فلول أي: أنها مثلمة من صراع الكتائب، فهو يريد أن يصفهم بالشجاعة، لكن بصورة غير مباشرة، أي: أنه لا عيب فيهم، كذلك قوله هنا: (فوالذي نفسي بيده! لا تضارون في رؤية ربكم إلا كما تضارون في رؤية أحدهما) المقصود: كما أنكم لا تضارون في رؤية أحدهما فكذلك لا تضارون في رؤية الرب . وقول رسول الله ﷺ : (فيلقى العبد ربه فيقول الله له: ألم أكرمك، وأسودك، وأزوجك، وأسخر لك الخيل والإبل، وأذرك ترأس وتربع؟) قول الله تعالى: (ألم أكرمك) يعني: ألم أفضلك على سائر الحيوانات. (وأسودك) أي: جعلتك رأساً لقومك. (وأزوجك) يعني: امرأة من جنسك، وأمكنك منها، وجعلت بينك وبينها مودة ورحمة، وألفة وسكينة. (وأسخر لك الخيل والإبل) يعني: أذللها لك، وخص الخيل والإبل بالذكر؛ لأنهما أصعب الحيوانات. (وأذرك ترأس) يعني: وأدعك تكون رئيساً على قومك. (وتربع) قال بعض العلماء: معناه: تأخذ رباعهم، والرباع: هي ربع الغنيمة، فقد كان ملوك الجاهلية يأخذونه لأنفسهم، وقيل: تركتك مستريحاً لا تحتاج إلى مشقة وتعب، وذلك من قولهم: اربع على نفسك، أي: ارفق بها، (فيقول: بلى أي رب!) أي: فيقول العبد بعد ذكر كل هذه النعم: قد أنعمت علي بهذه النعم كلها. والمقصود أنه يقول بعد كل واحدة منها: بلى يا رب! أو بعد ذكر كل النعم. فيقول: (أفظننت أنك ملاقي؟ يعني: أفعلمت أنك ملاقي؟ فيقول: لا، فيقول: إني أنساك كما نسيتني) أي: أتركك من رحمتي، فنسيان الله له أن يتركه من رحمته. قوله: (كما نسيتني) يعني: كما تركت في الدنيا طاعتي.

стр. 722

المشاكلة في اللغة العربية مع أمثلة لها المشاكلة باب من أبواب البلاغة، فمن أساليب العرب المشاكلة بين الألفاظ، فيوضع لفظ لغير معناه الموضوع له؛ مشاكلة للفظ آخر مقترن به في الكلام مثل قول الشاعر: قالوا اقترح شيئاً نجد لك طبخه قلت اطبخوا لي جبة وقميصاً أي: أنهم عرضوا عليه أن يقترح عليهم شيئاً من طعام يجيدون له الطبخ، فأجابهم قائلاً: قلت: اطبخوا لي جبة وقميصاً، والمقصود: خيطوا لي؛ لأن الجبة والقميص لا يطبخان، لكن لما حصل الاقتران في اللفظ ذكر الطبخ في نفس السياق، وهذا نوع من المشاكلة، فاستعمل الكلمة في غير معناها، فاستعمل هنا كلمة (اطبخوا) مكان كلمة (خيطوا)؛ لوجود المشاكلة في النظم. ومثال ذلك أيضاً قول جرير: هذه الأرامل قد قضَّيت حاجتها فمن لحاجة هذا الأرمل الذكر وهذا على القول بأن الأرامل في اللغة العربية لا تطلق إلا على الإناث، فالرجل لا يسمى أرمل، فهنا أيضاً استعمل المشاكلة بناء على أن الأرمل لا تطلق إلا على النساء. وقد وجدت المشاكلة في كثير من آيات القرآن وفي كثير من الأحاديث كالحديث السابق: (إني أنساك كما نسيتني) فهذا من باب المشاكلة، ومن ذلك قوله : ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:١٩٤]، فقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:١٩٤] هذا عدوان في الحقيقة، لكن هل مقابلة العدوان بمثله يسمى عدواناًَ؟ هو ليس بعدوان في حقيقة الأمر، بل هو انتصار أو عقوبة عاجلة، لكن سماها اعتداء، فقال: (فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) فسمي عدواناً على سبيل المشاكلة. وقوله أيضاً: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى:٤٠]، وفي الحقيقة أن السيئة التي يفعلها الإنسان على وجه المقابلة هي من العدل، ومن الانتصار من الظالم، لكن لأجل اقترانهما في النص، جرت هذه المشاكلة دون أن يقصد أنها سيئة، فمعاملة الظالم بما يستحقه هي في الحقيقة حسنة وليست سيئة. ومن ذلك أيضاً: قوله : ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل:١٢٦]، فهل العقوبة بمثل ما عوقبتم به يسمى عقوبة؟ لا، فإذا بدأ الإنسان بأذيتك فلك أن تعاقبه بمثل ما أساء إليك، فسمى هذه الإساءة عقوبة من باب المشاكلة أيضاً. ومثال ذلك قوله : ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾ [الحج:٦٠] يعني: بمثل ما أسيء إليه ابتداء وليس مقابلة، وهو أيضاً من باب المشاكلة. والمقصود: أن قوله حينما يسأل العبد: (أفظننت أنك ملاقي؟ فيقول: لا، فيقول: إني أنساك كما نسيتني) هو من المشاكلة، والمقصود: إني أنساك، أي: أتركك من رحمتي كما نسيتني، يعني: كما نسيتني في الدنيا من طاعتي، ثم يلقى رجلاً ثانياً فيقول له مثل ذلك، يعني: من سؤال الله سبحان وتعالى له، ويجيب الثاني بنفس هذا الجواب، ثم يلقى شخصاً ثالثاً من الناس فيقول له مثل ذلك، فيقول: (آمنت بك وبكتابك وبرسولك، وصليت، وصمت، وتصدقت، ويثني بخير ما استطاع) يعني: يمدح نفسه بما استطاع من الخير، فيقول الرب : (ألا نبعث شاهدنا عليك؟) فأنت تدعي هذه الدعوة وتنكر ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام:٢٣] أي: ما كنا نعمل من سوء، ويحلفون على ذلك، فيقول الله له: (ألا نبعث شاهدنا عليك؟) فيفكر هذا العبد الكذاب في نفسه، ويقول: من الذي يشهد علي؟ (فيختم على فيه) أي: على فمه (ويقال لفخذه: أنطقي، فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بعمله ما كان)، وقوله: وعظامه أي: العظام المتعلقة بالفخذ. قوله: (وذلك ليعذر من نفسه) ليعذر أي: من الإعذار، والمعنى: يزيل الله عذره من قبل نفسه؛ لكثرة ذنوبه، وشهادة أعضائه عليه، بحيث لم يبق له عذر يتحجج به بعد شهادة أعضائه. قوله: (وذلك المنافق) يعني: ذلك الرجل الثالث الذي يقول: صمت، وصليت، وتصدقت وكذا، لا يقول كما قال الأول والثاني عندما سأل الله كل واحد منهما (أفظننت أنك ملاقي؟ فيقول: لا)، أما هذا المنافق فيدعي ويزعم أنه صام، وصلى، وأطاع الله ، فهذا يقول فيه الرسول ﵊: (وذلك المنافق، وذلك الذي يسخط عليه).

стр. 723

مخاصمة الكافر لأعضائه هناك حديث يبين حواراً يجري بين العبد وبين ربه يوم القيامة، كان موضع عجب واستغراب من رسول الله ﷺ ، حتى أضحك هذا الموقف رسول الله ﵌، ففي صحيح مسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال: (كنا عند رسول الله ﷺ فضحك، قال: هل تدرون ممّ أضحك؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: من مخاطبة العبد ربه، يقول: يا رب! ألم تجرني من الظلم؟ فيقول: بلى، فيقول: فإني لا أجيز على نفسي إلا شاهداً مني، قال: فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك شهيداً، وبالكرام الكاتبين شهوداً، ثم يختم على فيه، فيقال لأركانه: انطقي، فتنطق بأعماله، قال: ثم يخلى بينه وبين الكلام، فيقول: بعداً لكن وسحقاً! فعنكن كنت أناضل). قوله: (أن النبي ﵌ كان جالساً مع أصحابه ﵃ فضحك) وفيه إيماء إلى أنه لا ينبغي للإنسان أن يضحك إلا لأمر غريب، أو لحكم عجيب، فلهذا الحكم العجيب ضحك النبي ﵌. قوله: (فقال: هل تدرون مم أضحك؟ قال: قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: من مخاطبة العبد ربه، يقول يا رب! ألم تجرني من الظلم؟)، يعني: ألم تؤمّنّي من الظلم في قولك: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء:٤٠] وكما في الحديث القدسي: (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي)، وقوله : ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦]، إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث التي فيها أن الله لا يظلم شيئاً. (فيقول العبد: يا رب! ألم تجرني من الظلم؟ يقول: بلى) يعني: بلى أجرتك من الظلم، (فيقول: فإني لا أجيز على نفسي) يعني: لا أقبل ولا أجيز شهادة أحد علي، بل لا أقبل إلا شهادة نفسي. فيقول: (فإني لا أجيز على نفسي إلا شاهداً مني) أي: من جسمي، وهنا يومئ هذا العبد الظالم إلى أن الملائكة تنبئوا علينا الفساد قبل الإيجاد، فيقول من أجل ذلك: لا أقبل شهادة الملائكة علي؛ بناءً على أن الملائكة قالوا عنا قبل أن نوجد في هذا الوجود: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة:٣٠]، فمن أجل ذلك يزعم هذا الظالم أنه لا يقبل إلا شاهداًَ من نفسه، ولا يقبل شهادة الكرام الكاتبين، فيعطيه الله تعالى ما طلبه وأراده، فيقول له: (كفى بنفسك اليوم عليك شهيداً) أي: سوف أجعلك تشهد على نفسك، ثم زاد الله هذه الشهادة تأكيداً وتقريراً فقال: (وبالكرام الكاتبين شهوداً) يعني: الكاتبين لصحائف عملك شهوداً. وهذا يدل على أن الظالمين سوف يزعمون بعض الدعاوى، ويتكلمون في بداية الأمر كما جاء في قوله تعالى: ﴿قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام:٢٣] أي: ما كنا ندعو من دونك من شيء، وكقولهم: ﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾ [النحل:٢٨]، فيتبرءون مما كانوا يعملون، وآخر يقول: قد صمت، وصليت، وتصدقت، وفعلت كذا وكذا فحينما يطلبون الشهادة من أنفسهم على أنفسهم يختم على أفواههم، ويحول الله دون فم العبد ودون الكلام. قال بعض العلماء: إنه يختم على فيه لكن يخلق الله تعالى في لسانه إرادة ونطقاً، بحيث ينطق اللسان والفم مطبق، وهذا من قدرة الله . وبعضهم يقول: إن بعض الذنوب يختم بسببها على فم الإنسان وتنطق أركانه وأعضاؤه كما يأتي إن شاء الله فيما شاكلها من الآيات. قوله: (ثم يختم على فيه، فيقال لأركانه -يعني: لأعضائه وجوارحه-: انطقي، قال: فتنطق بأعماله) يعني: كل عضو ينطق بالعمل الذي باشر العبد به هذا العمل بهذه الأعضاء والأركان. قال: (ثم يخلى بينه وبين الكلام) يعني: يترك، وتعاد إليه القدرة على الكلام، فيُرفع الختم عن فيه حتى يتكلم، وشهادة الألسنة ثابتة كما في قوله : ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور:٢٤]، والمقصود كلام يأتي على خرق العادة، وليس كلاماً بإرادة الإنسان كما في كلامه الطبيعي، وحينما تعاد إليه القدرة على النطق ويرفع الختم من على فيه يقول: (بعداً لكن وسحقاً) أي: هلاكاً لكن أيتها الأعضاء! (فعنكن كنت أناضل) أي: من أجل خلاصكن من العذاب كنت أناضل، أي: أجادل وأخاصم وأدافع، وأصل المناضلة المراماة بالسهام، والمراد بالمناضلة هنا أي: المحاجة بالكلام، وأما جواب الأعضاء فمحذوف، وتقديره دل عليه قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [فصلت:٢١ - ٢٣]، فكان هذا جواباً لهذه الأعضاء كما دلت عليه آيات سورة فصلت. وقد فسر بعض العلماء قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النور:٢٣]، وكذلك الحديث الذي فيه قول النبي ﵊: (اجتنبوا السبع الموبقات) وذكر منها: (وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات)، بأن المراد بذلك: الأنفس، فتعم الرجال والنساء، فقذف المحصنات الغافلات المؤمنات يعني: قذف الأنفس المحصنات الغافلات المؤمنات، سواء كانت هذه النفوس المحصنات من المؤمنين أو من المؤمنات، من الرجال أو من النساء، وهذا يدل على أن القذف كبيرة في حق الرجال والنساء، لكنه يكون أشد في حق النساء. وقد ذكر الله في حق هؤلاء الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات أنهم لعنوا في الدنيا والآخرة، ولهم عذاب عظيم، ثم قال : ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور:٢٤]، فذكر أن الألسنة أنفسها تشهد، والجمع بين ذلك وبين الختم على الأفواه أنه يختم على الفم، فينطق اللسان بقدرة الله والفم مختوم عليه، فيشهد بما عمله. وسياق الآيات في سورة النور في الإنكار على من افترى حديث الإفك، فمن أجل ذلك كان مناسباً أن تنطق ألسنتهم التي باشرت وتداولت حديث الإفك، وخاضت فيه. وقد بين في سورة (يس) أن بعض أجزاء الكافر تشهد عليه غير اللسان، كقوله : ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس:٦٥]. وقال : ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [فصلت:١٩ - ٢١] إلى آخر الآيات. ومن الآيات المتعلقة بهذا الحدث العظيم قوله في أحداث يوم القيامة والحساب: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء:٤٢] فيتمنون أن يستووا بالأرض فيكونون تراباً مثلها. قوله: (لو تسوى بهم الأرض) يعني: بأن يكونوا تراباً مثل تراب الأرض، ويشهد لذلك قوله : ﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا﴾ [النبأ:٤٠] يتمنى أن يكون تراباً. قوله: (وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا) بين الله أن عدم الكتم المذكور هنا إنما هو باعتبار إخبار أيديهم وأرجلهم، فعدم الكتمان ليس بإرادتهم، وليس كلاماً عادياً منهم، لكن المقصود به ما أتى في سورة (يس)، وسورة (النور)، وسورة (فصلت) من أن أعضاءهم تنطق وتعترف بكل فعل وذنب اقترفوه في الدنيا، (وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا) أي: رغماً عنهم، وذلك بقدرة يخلقها الله في أعضائهم، فتصرح وتفشي، ويفتضح أمرهم على رءوس الخلائق، وبين يدي الله . فالمقصود: أن عدم الكتم المذكور هنا إنما هو باعتبار إخبار أيديهم وأرجلهم بكل ما عملوا وذلك عند الختم على أفواههم، فحينئذ يتكلمون بقدرة الله، وتنطق جوارحهم، ولا يكتمون الله حديثاً، فهم إذا أنكروا شركهم ومعاصيهم وقالوا: (مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ)، (وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ)، أو يقول المنافق: صمت، وصليت، وتصدقت، وفعلت وفعلت، فحينئذ يختم الله على أفواههم، وتنطق جوارحهم، يقول : (الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)، فلا يتنافى قول الله : (وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا) مع قوله حاكياً عن المشركين أنهم يقولون: (وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ)، فقولهم: (وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ) هذا في بداية الحساب، أعني: حلفهم وتبرئهم من أفعالهم، وكذلك قولهم: (مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ)، وقولهم: ﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئًا﴾ [غافر:٧٤]، فهذا يكون أولاً، وحينئذ يختم الله على أفواههم ثم لا يكتمون الله حديثاً، وهذا على الوجه الذي

стр. 724

خطر إشاعة الفواحش ونشرها وهنا ننبه على أمر من الأمور المهمة جداً وهو: أن عدم الستر في حكاية الفواحش والحوادث يدخل في الوعيد الوارد في قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ [النور:١٩]، فمحبة إشاعة الفاحشة ونشرها وحكايتها أمر خطير، فتجد كثيراً من الناس حتى من الملتزمين بدينهم وللأسف يقعون في هذا الأمر، فإذا سمع أي نوع من الحوادث سواء كان قتلاً، أو من الفواحش كالزنا وشرب الخمر أو أي نوع من الحوادث التي تجري، ليحكيها ويقول: حدث كذا وكذا، وفلان فعل كذا وكذا، فهذا يدخل في هذه الآية: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ)، فالإنسان إذا سمع بشيء من هذه الأشياء فلا ينشره، ولا يحكيه أبداًَ، بل يصبر؛ حتى لا تتعود القلوب على سماع المنكرات، وبالتالي يموت استقباح هذه المنكرات، واستقباح تنفيذها. فلا شك أن الصحف والمجلات التي تسخِّر صفحات طويلة وعريضة للكلام في هذه الأمور، وإشاعة الفاحشة بين الناس، أنها واقعة في الكبائر التي حرمها الله ، فتراهم يحكون وينشرون هذه الفواحش: فلان فعل، وفلان فعل، وفلانة قتلت زوجها، وأشياء أخرى تؤذي مشاعر أي إنسان ولو كان غير مسلم، فلا شك أن هذا من إشاعة الفاحشة، فالمسلم لا يحكي هذه الحوادث أبداً، ومتى شعر أن مسلماً ارتكب ذنباً فإنه يستر عليه؛ فالله ستير يحب الستر. وبعض الناس يظنون أن إشاعة هذه الأمور من إنكار المنكر، بل هذا من إشاعة الفاحشة، وهتك ستر المسلم، يقول النبي ﷺ : (من ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة)، فهذا التنبيه من باب شيء يذكر بالشيء، وقد خرجنا عن موضوعنا الأصلي.

стр. 725

مقت الكافر لنفسه في النار إن ما يقع من المخاصمة بين العبد وبين جوارحه يمثل ذورة الخصام الذي يقع يوم القيامة، وقد ورد في قوله : ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ [ص:٦٤]، فمخاصمة الإنسان بينه وبين نفسه، ومخاصمته ومناظرته مع أعضائه وجوارحه تعد قمة التخاصم الذي يجري لأهل النار يوم القيامة. هناك تخاصم آخر يقع من أهل النار يوم القيامة، فحينما يعاين أعداء الله الكفرة ما أعد لهم من العذاب، وما هم فيه من الأهوال، فإنهم يمقتون أنفسهم -أي: يكرهون أنفسهم- كما أنهم يمقتون أحبابهم وخلانهم في الحياة الدنيا، بل كل محبة لم تقم على أساس من الإيمان فإنها تنقلب في ذلك الوقت إلى عداء، قال الله : ﴿الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٦٧]، وقال أيضاً: ﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [العنكبوت:٢٥]، فعندئذ ﴿يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ [غافر:١٠]، وحينئذ يخاصم أهل النار بعضهم بعضاً، ويحاج بعضهم بعضاً، فيقع كثير من التخاصم والتجادل بين أهل النار، فيخاصم العابدون المعبودين، ويخاصم الأتباع السادة المتبوعين، ويخاصم الضعفاء المتكبرين، ويخاصم الإنسان قرينه، ويخاصم الكافر أعضاءه، بل تخاصم الروح البدن، ويمقتون أنفسهم، ويمقتون أنصارهم.

стр. 726

مخاصمة العابدين للمعبودين أول صورة نذكرها من صور المخاصمة: مخاصمة العابدين للمعبودين، يقول الله : ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ * وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ * فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ * وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ * قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ * تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ﴾ [الشعراء:٩١ - ٩٩]، فيخاطبون آلهتهم التي كانوا يعبدونها في الدنيا، معترفين بضلالهم إذ كانوا يعبدونها، ويسوون بينها وبين الخالق ، وقد خاب وخسر كل من يرفع المخلوق إلى رتبة الخالق، وكل من عبد من دون الله آلهة فقد سوى بين الخالق والمخلوق، وكل من اتخذ إلهاً من الآلهة الباطلة دون الله فقد عدل بين الله وبين خلقه في هذه العبادة، وهذا هو عين الظلم العظيم، كما حكى الله عن لقمان الحكيم أنه قال لابنه: ﴿وإذ قال لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣]، فهذه المناظرة والمخاصمة التي تحصل بين العابدين والمعبودين هي في حق الآلهة الباطلة كالأوثان أو الشياطين أو نحوها من الآلهة الباطلة، وأما الصالحون الأخيار الذين عُبدوا وهم لا يعلمون فكما قال الله: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة:١١٦ - ١١٧]، ولم يعبد المسيح ولا عزير ولا الأولياء والصالحون فقط، بل قد عُبد نبينا محمد ﷺ وهو لا يرضى بهذا الكفر وهذا الشرك، فكثير من المسلمين أشركوا وعبدوا رسول الله ﷺ الذي أتى ليدلنا على الطريق إلى الله، فعبده بعض الناس الذين ينتسبون إلى الإسلام بالمدح المحذور، والإطراء المنهي عنه، كما يقول بعضهم في مدح النبي ﷺ : فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم فهذا مدح لا يرضاه رسول الله ﵌، وكل من عبد بغير رضاه كالملائكة، والصالحين، والأنبياء فإنهم يتبرءون من عابديهم، ويكذّبون زعم هؤلاء العابدين، ويبينون افتراءهم، فالملائكة لم تقبل هذه العبادة، ولم ترض بها، والذين طلبوا هذه العبادة هم الجن؛ كي يضلوا البشر ويوبقوهم، فهؤلاء الضالون عابدون للجن لا للملائكة كما قال سبحانه: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ:٤٠ - ٤١]، وعيسى بن مريم ﵇ -كما بينا آنفاً- يتبرأ من كل من عبده واتخذه إلهاً من دون الله ، يقول عن جميع هؤلاء: ﴿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ * وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [النحل:٨٦ - ٨٧]. وقال : ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ * فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ * هُنَالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [يونس:٢٨ - ٣٠].

стр. 727

تجادل وتخاصم الأتباع مع قادة الضلال من المفكرين وأصحاب المبادئ المناقضة لدين الإسلام وفي النار يتخاطب الأتباع مع قادة الضلال من أصحاب الفكر، والنظريات، والفلسفات الضالة، وأصحاب كل مبدأ يناقض دين الإسلام، فيتخاصم هؤلاء الأتباع والمتبوعين من أهل المدارس الفكرية التي فرحوا بها، واغتروا بمسالكها، فكانوا في غفلة عن دين الإسلام، وهذه الأشياء التي اغتروا بها -كالفلسفة- تهدم دين الإسلام وتناقضه، يقول الله : ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ * وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ * هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ * احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ * وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ * مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ * بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ * وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالُوا إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾ [الصافات:١٩ - ٢٨]، أي: من باب القوة ﴿قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ * وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بَلْ كُنتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ * فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ * فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ * فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ * إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الصافات:٢٩ - ٣٥]، فكانوا إذا دعوا إلى عبادة الله وحدة، وإلى التمسك بدينه وحده، والإعراض عما خالفه من الأديان والفلسفات والنظريات والمبادئ الهدامة لدين الله، فإنهم يستكبرون عن الانقياد لطاعة الله ، ويفرح بعضهم ببعض، ويظنون أنهم على شيء. فتحصل الملاومة، والعتاب الشديد، والندم بين أهل النار في عرصات القيامة، فالأتباع يقولون لقادة الضلال: أنتم الذين كنتم تزينون لنا هذا الباطل، وأنتم الذين كنتم تؤزوننا إلى مخالفة الحق، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ [البقرة:٢٥٧]، فكل من حرف الناس عن نور الوحي وعن دين الإسلام إلى هذه الظلمات فهو طاغوت؛ لأنه طغى وتجبر وزاد عن حده بأن رفع نفسه إلى مقام الألوهية، ونازع الله في أسمائه وصفاته، إلا أن القادة ورجال الفكر والزعماء يرفضون هذا حينما يقول لهم الأتباع: أنتم الذين أضللتمونا، أنتم الذين أغويتمونا، أنتم الذين قلتم لنا: ﴿ما أريكم إلا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر:٢٩]، فحينئذ يرد عليهم هؤلاء الزعماء قائلين: بل أنتم تتحملون نتيجة أعمالكم؛ لأنكم اخترتم الكفر، ولم يكن لنا من سلطان عليكم، فطغيانكم واستكباركم هو الذي أوصلكم إلى هذه النهاية.

стр. 728

تخاصم الضعفاء مع ساداتهم من الملوك والأمراء وغيرهم ومن التخاصم الذي يقع بين أهل النار يوم القيامة: تخاصم الضعفاء مع السادة من الملوك والأمراء وشيوخ العشائر والقبائل الذين كانوا يتسلطون على العباد، وكان الضعفاء يشدون من أزرهم، وكلما وجدت واحداً من أعوان هؤلاء الظالمين وأنكرت عليه فإنه يقول لك: أنا عبد مأمور، يعني: أنه مجبر على هذا النوع من الظلم، وما يستحيي من هذه الكلمة! الإمام أحمد رحمه الله تعالى قال له السجان يوماً: هل أنا من أعوان الظلمة؟ قال: لا، بل أنت من الظلمة! فتجد كل إنسان يرتكب نوعاً من الظلم يقول: أنا عبد مأمور، فيعترف بهذه العبودية لهؤلاء المعبودين، ويظن أن هذا مبرر، وأن هذا يسوغ له ظلمه للناس، وإعراضه عن الحق، فهؤلاء هم الضعفاء، وأما القادة والزعماء وأصحاب الرتب فكل هؤلاء هم السادة المستكبرون الذين يتسلطون على العباد، ولولا أن هؤلاء الضعفاء يشدون أزرهم لما كان لهم أن يتمكنوا من ظلم العباد كما قال تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ [القصص:٨]، فهؤلاء الضعفاء يعينونهم على باطلهم بالنفس والمال، يقول الله : ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾ [إبراهيم:٢١]، ثم نجد أن المستضعفين كثرة، وأن الطواغيت قلة، فمن الذي طيّع هذه الكثرة للقلة؟! لقد طيّعها ضعف الروح، وسكون الهمة، وقلة النخوة، فهذا الاستذلال لا يحدث إلا من قابلية، كما يقول الشيخ ناجي بن ناجي ﵀ حينما كان يتكلم على ظاهرة الاستعمار في البلاد الإسلامية، فقال: ليست المشكلة في الاستعمار، ولكن المشكلة في القابلية للاستعمار، وذلك بأن توجد في الإنسان قابلية للتذلل والاستعباد، فهذه القابلية هي التي يعتمد عليها هؤلاء الطغاة؛ فمن هنا يقولون لهم يوم القيامة: ﴿إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [إبراهيم:٢١]، فيظنون أن هذا يغني عنهم يوم القيامة من عذاب الله من شيء، أي: نحن اتبعناكم فانتهينا إلى هذا المصير الأسود الأليم فهل تنفعوننا الآن بشيء؟ فيرد الذين استكبروا: ﴿لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾ [إبراهيم:٢١]. وقال الله: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [إبراهيم:٢٢]. وفي موضع آخر يذكر الله تخاطب السادة المتكبرين مع المستضعفين فيقول: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾ [غافر:٤٧ - ٤٨]. ويقول الله أيضاً: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ [العنكبوت:١٢]، وما أكثر الذين يصنعون مثل هذا الصنيع في هذا الزمان، فترى أحدهم يقول مثلاً للمرأة المنتقبة: اخلعي الحجاب والذنب علي، افعل كذا وأنا أتحمل الإثم! فهذا نفس ما حكاه الله عن هؤلاء الهالكين: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [العنكبوت:١٢ - ١٣]. ويقول في موضع آخر: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنتُمْ مُجْرِمِينَ * وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الأَغْلالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سبأ:٣١ - ٣٣]، فالأتباع والضعفاء يتهمون السادة والزعماء قائلين لهم: أنتم الذين حُلتم بيننا وبين الإيمان، فلولاكم لكنا من الذين اتبعوا ما أنزل الله إلينا، ولكن المستكبرين يرفضون هذه التهمة، ويقولون: بل أنتم المجرمون، فكل ما في الأمر أننا دعوناكم فاستجبتم لنا، ولم يكن لنا عليكم من سلطان، فتقول الشعوب المستضعفة الضالة: بل إن مكركم بنا في الليل والنهار هو الذي أضلنا وحرفنا عن جادة الصواب، فالمؤامرات والمؤتمرات ووسائل الإعلام في مختلف العصور هي التي تصور الحق باطلاً والباطل حقاً، وكذلك أيضاً ما كان يلقيه الزعماء من شبهات ومزاعم ضالة، كل ذلك أضلنا وجعلنا نكفر بالله تعالى، ونشرك به، والحق أن الجميع خاطئون، وأنهم غير معذورين في ضلالهم وكفرهم. وأما عند دخول النار فيصف الله هذا التخاصم أيضاً قائلاً: ﴿هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ * هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ * وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ * هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ * قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ * قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ * وَقَالُوا مَا لَنَا لا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الأَشْرَارِ * أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأَبْصَارُ * إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ [ص:٥٥ - ٦٤]، فهؤلاء الذين كان يرحب بعضهم ببعض في دار الدنيا، ويوقر بعضهم بعضاً، يتحول ويتغير حالهم في ذلك اليوم، فيقول بعضهم لبعض: لا مرحباً بكم، ويتمنى كل فريق على الله أن يزيد هؤلاء الذين كانوا يحبونهم في الدنيا من العذاب والآلام، فيدعو كل فريق على الآخر: ﴿رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ﴾ [ص:٦١]، إن هذا التخاصم بين أهل النار حق كائن لا شك فيه، فهذا قول الله ، وهذا حكمه .

стр. 729

تخاصم الكافر مع قرينه من الجن ومن التخاصم الذي يقع بين أهل النار: الخصام بين الكافر وبين قرينه من الجن، يقول الله : ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ * أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ * مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ * الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ * قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ * قَالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ * مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق:٢٣ - ٢٩].

стр. 730

تخاصم الروح مع البدن قد ذكرنا أن هذا التخاصم يبلغ ذروته، فيتخاصم الإنسان مع أعضائه، ويكون هو شهيداً على نفسه. ويروى عن ابن عباس ﵄ أن هناك تخاصماً يكون بين الروح والبدن، فيقول ابن عباس: يختصم الناس يوم القيامة حتى تختصم الروح مع الجسد، فتقول الروح للجسد: أنت فعلت، ويقول الجسد للروح: أنت أمرت، وأنت سولت، فيبعث الله ملكاً يفصل بينهما، فيقول لهما: إن مثلكما -يعني: الروح والجسد- كمثل رجل مقعد بصير -أي: لا يستطيع المشي؛ لأنه مقعد، لكنه بصير يرى-، وآخر ضرير -يعني: لا يرى، لكنه يستطيع أن يمشي- دخلا بستاناً، فقال المقعد للضرير: إني أرى هاهنا ثماراً ولكن لا أَصِل إليها، فقال له الضرير: اركبني فتناولها، فركبه فتناولها، فأيهما المعتدي؟ فيقولان: كلاهما، فيقول لهما الملَك: فإنكما قد حكمتما على أنفسكما. فالمقصود أن الجسد للروح كالمطية، فهي تركبه.

стр. 731

مقت أصحاب النار لأنفسهم أخيراً: في ذلك الموقف يمقت أصحاب النار أنفسهم، ويكرهونها، ويبغضونها، يقول الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ [غافر:١٠]، ويمقتون أيضاً كل الذين كانوا لهم أنصاراً وخلاناً في الدنيا، بل يدعون عليهم، ويطلبون لهم المزيد من العذاب: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا * وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب:٦٦ - ٦٨]، ولشدة حنقهم على من أضلهم يسألون الله أن يريهم هؤلاء الذين أضلوهم؛ ليدوسوهم بأقدامهم، فهؤلاء الذين كانوا يرفعونهم فوق الرءوس، ويفدونهم بالروح والدم، يوم القيامة يدعون الله أن يحضر لهم هؤلاء حتى يدوسوا على رءوسهم بأقدامهم، يقول الله : ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الأَسْفَلِينَ﴾ [فصلت:٢٩]، فعندما يدخلون النار ترتفع أصواتهم، ويلعن بعضهم بعضاً، ثم يتمنى بعضهم لبعض مزيداً من العذاب ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٣٨]. هذه الآيات تبين التخاصم الذي وصفه الله بقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ [ص:٦٤]، وقمة الخصام يكون بين الإنسان وبين أعضائه كما ورد في سورة يس في قوله : ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس:٦٥]، وقد بينا صوراً أخرى من هذا الخصام كخصام العابدين والمعبودين، وخصام الأتباع للسادة المتبوعين، وخصام الضعفاء للمتكبرين، وخصام الإنسان لقرينه، وخصام الكافر لأعضائه، بل وخصام الروح والبدن، وكيف أنه ينتهي بهم الأمر إلى أنهم يمقتون أنفسهم، ويمقتون أنصارهم. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم. سبحانك -اللهم- ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

стр. 732

المرأة مجاهدة صابرة لقد كانت المرأة قبل الإسلام لا قيمة لها، فلما جاء الإسلام رفع من شأنها ومكانتها، وبرزت في مجالات شتى في العلم والجهاد والصبر والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإن المتصفح للتاريخ الإسلامي ليجد نماذج من النساء المجاهدات الصابرات اللاتي بذلن الغالي والنفيس في سبيل الله، بل بلغ ببعضهن الحال إلى أن سبقن الرجال في بعض المواقف، ومن هؤلاء النساء الأفذاذ سمية أم عمار، وأم عُمارة، وأم سُليم، وغيرهن كثير.

стр. 733

انبهار المرأة وتأثرها بتكريم الإسلام لها الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم! صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم! بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. لقد انبهرت المرأة المسلمة بتكريم الله ﵎ لها في الكتاب وفي السنة على لسان نبيه ﷺ ، فقد رفع ذكر المرأة ومكانتها في الإسلام إلى أبعد مما يطمح خيالها ويصبو أملها، وقد ساق الله لها من آي الذكر الحكيم ما بهر سناه بصرها، وملكت محجته نفسها، واستقادت بلاغته وحسن مساقه قلبها، وأنصفت المرأة بما وصف به الله رحمته وعزته وناره وجنته وما أعد للصابرات والمحسنات من جزيل الأجر ورفيع المنزلة. كيف انبهرت المرأة بهذا التكريم لها الذي جاء في الكتاب والسنة؟! لقد أثار ذلك عاطفتها، وأصاب وجدانها، وأنار بصيرتها، فكان حقاً لذلك أن يصيب حبة قلبها، ويجول في مجال دمها، ويتأسد بين أحناء ضلوعها، فكيف انبهر النساء بهذا الإسلام وبهذا الدين وبهذا التوحيد؟! ثم ماذا كان المقابل الذي بذلته المرأة في سبيل هذا التكريم؟! لقد كان أول قلب خفق بالإسلام وبهذا الدين حينما جاء به النبي ﷺ وتألق بنوره قلب امرأة من نساء العرب، إنها خديجة رضي الله ﵎ عنها. ما كانت خديجة بنت خويلد ﵂ امرأة من سواء النساء، بل لقد هُيئ لها من جلال الحكمة وبعد الرأي إلى زكاء الحسب وذكاء القلب ما عز على الأكثرين من الرجال، فلم تأخذ الدين مشايعة، ولم تتلقه مجاملة، بل أخذته عن تأثر به وظمأ إليه، فتأثرت أم المؤمنين خديجة رضي الله ﵎ عنها بهذا الدين تأثراً نفذ إلى قلب النبي ﷺ ، فكان يبعث الغبطة والسكينة عند تدافع النوب واشتداد الخطوب، ثم أعقبها جمهور النساء، فتأثرن بهذا الدين تأثراً هان وراءه كل شيء. فعن عبد الله بن جعفر قال: سمعت علياً ﵁ يقول عن رسول الله ﷺ أنه قال: (خير نسائها مريم بنت عمران، وخير نسائها خديجة). وعن عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ لا يكاد يخرج من البيت حتى يذكر خديجة، فيحسن عليها الثناء). وكما جاء في الحديث: (إن حسن العهد من الإيمان). وتقول عائشة أيضاً: (كان ﵊ وفياً أشد الوفاء لـ خديجة، خاصة بعد موتها ﵂، فكان يحسن عليها الثناء، فذكرها يوماً من الأيام فاحتملتني الغيرة -أي: أخذتها الغيرة- من خديجة فقلت: هل كانت إلا عجوزاً قد أخلف الله لك خيراً منها. فغضب ﷺ حتى اهتز مقدم شعره من الغضب، ثم قال: لا والله ما أخلف الله لي خيراً منها؛ لقد آمنت بي إذ كفر الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله أولادها إذ حرمني أولاد النساء. فقلت بيني وبين نفسي: لا أذكرها بسوء أبداً،) ويكفي خديجة رضي الله تعالى عنها أن الله أمر النبي ﷺ أن يبشرها ببيت في الجنة، حيث يقول: (بشر خديجة بنت خويلد ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب). فبشرت بالجنة ﵂ في حياتها. إذاً: فأول قلب تلقى هذه الدعوة بالتصديق والإيمان واليقين هو قلب امرأة، وهي خديجة رضي الله ﵎ عنها.

стр. 734

نماذج من النساء اللاتي صبرن على التعذيب والقتل في سبيل الله وكذلك أول من سبق إلى هذا الدين بعد خديجة ﵂ طوائف من نساء العرب اللائي استهن بما أصابهن في سبيل الله من ظلم وذل وآلام، لقد كان لقريش انبساط بالأذى على من آمن من أولئك الضعاف، حتى لقد تجاوزوا به حد التعذيب والإيلام إلى التأنق في التمثيل. ومن أولئك النساء اللواتي استعذبن العذاب في سبيل عقيدتهن وإيمانهن سمية بنت خياط أم عمار بن ياسر ﵃ أجمعين، كانت سابعة سبعة في الإسلام، فكما كان أول قلب خفق بالإسلام هو قلب أم المؤمنين خديجة ﵂ فقد كان أول دم أريق في سبيل الله هو دم سمية بنت خياط ﵂، فهي أول شهيد في الإسلام، وقد كان بنو مخزوم إذا اشتدت الظهيرة والتهبت الرمضاء خرجوا بـ سمية مع عمار ابنها وزوجها ياسر إلى الصحراء وألبسوهم دروع الحديد، وأهالوا عليهم الرمال الملتهبة، وأخذوا يرضخونهم بالحجارة، وكان رسول الله ﷺ يمر بـ عمار وأمه وأبيه وهم يعذبون بالأبطح في رمضاء مكة فيقول: (صبراً آل ياسر، فإن موعدكم الجنة). حتى إن عماراً -وهو رجل- أخذ بالرخصة، حيث أجرى على لسانه كلمة الكفر عند الإكراه وقلبه مطمئن بالإيمان، وقد عذره الله وأمثاله بقوله ﵎: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل:١٠٦]. أما أمه سمية وهي امرأة فإنها لم تترخص بهذه الرخصة، وإنما صبرت على العذاب في سبيل الله، وأبت أن تعطي القوم ما سألوا من الكفر بعد الإيمان، ثم إن الخبيث النذل أبو جهل بن هشام أنفذ حربته في موضع العفة منها فماتت ﵂، وكانت أول شهيدة في الإسلام. قال الحافظ ابن حجر: أخرج ابن سعد بسند صحيح عن مجاهد قال: (أول شهيد في الإسلام سمية والدة عمار بن ياسر وكانت عجوزاً كبيرة ضعيفة، ولما قتل أبو جهل يوم بدر قال النبي ﷺ لـ عمار: قتل الله قاتل أمك). وغير سمية كثيرات احتملن فوق ما احتمل الرجال، فمن المؤمنات الأوائل من كانت تلقى ثم تحمى لها مكاوي الحديد ثم توضع بين أعطاف جلدها، ويدعون الأطفال يعبثون بعينها حتى يذهب بصرها، وقد عذب بهذا العذاب زنيرة جارية عمر بن الخطاب ﵁، وكان هو وجماعة من قريش يتولون تعذيبها كما ذكرنا، ولما ذهب بصرها من لعب الأطفال بعينها قال المشركون: ما أزال بصرها إلا اللات والعزى. فقالت لهم: والله ما هو كذلك، وما تدري اللات والعزى من يعبدهما، ولكن هذا أمر من الله، والله قادر على أن يرد علي بصري. قيل: فرد الله عليها بصرها، فقالت قريش: هذا من سحر محمد). فبدل أن يعتقدوا أن هذه الكرامة من الله لهذه المرأة الصالحة قالوا -والعياذ بالله-: هذا من سحر محمد. وقد قام أبو بكر ﵁ بشرائها ثم أعتقها، فهي من الذين اشتراهم وأعتقهم أبو بكر ﵁، فقد كان أعتق سبعة ممن كانوا يعذبون في الله في بداية الإسلام، منهم: بلال وعامر بن فهيرة وزنيرة، وجارية بني مؤمل، والنهدية وابنتها. وأم عبيس من هؤلاء المؤمنات اللاتي كان المشركون يعذبونهن، فقد كانوا يجعلونها تشرب كمية كبيرة من العسل، ثم يوثقونها بالأغلال ثم يلقونها بين الرمال ولها حر يذيب اللحم ويصهر العظم، حتى تموت من العطش ويقتلها الظمأ، وممن فعلوا بهن ذلك أم شريك بنت جابر بن حكيم، قال ابن عباس ﵄: (وقع في قلب أم شريك الإسلام وهي بمكة فأسلمت، ثم جعلت تدخل على نساء قريش سراً فتدعوهن وترغبهن في الإسلام، حتى ظهر أمرها لأهل مكة، فأخذوها وقالوا لها: لولا قومك لفعلنا بك وفعلنا، ولكنا سنردك إليهم. قالت: فحملوني على بعير ليس تحتي شيء لا موطأ ولا غيره، ثم تركوني ثلاثاً لا يطعموني ولا يسقوني، فنزلوا منزلاً، فكانوا إذا نزلوا وقفوني في الشمس واستظلوا، وحبسوا عني الطعام والشراب حتى يرتحلوا، فبينما أنا كذلك إذا بأثر شيء بارد وقع علي منه ثم عاد، ففي المرة الثانية تناولت بيدي، فإذا هو دلو ماء، فشربت منه قليلاً ثم نزع مني، ثم عاد فتناولته فشربت منه قليلاً ثم رفع، فصنع ذلك مراراً حتى رويت، ثم صببت سائره على جسدي وثيابي من شدة الحر، فلما استيقظوا فإذا هم بأثر الماء ورأوني حسنة الهيئة، فقالوا لي: فككت الوثاق والقيود وأخذت سقاءنا فشربت منه! فقلت: لا والله ما فعلت ذلك، ولكن كان من الأمر كذا وكذا. فقالوا: لأن كنت صادقة فدينك خير من ديننا، فنظروا إلى الأسقية فوجدوها كما تركوها، فأسلموا من ساعتهم) وهذا -أيضاً- كرامة من الله لهذه المرأة الصالحة. وكان عمر بن الخطاب ﵁ قبل أن يسلم يتولى تعذيب جارية مسلمة لبني مؤمل، فلا يزال يضربها بالسياط حتى إذا مل وتعب من كثرة الضرب قال لها: إني أعتذر إليك أني لم أتركك إلا ملالاً. فتقول له: كذلك فعل الله بك. أي: بل الله هو الذي يصرفك عني. وهذه أم كلثوم بنت عقبة -وعقبة أبوها هو سيد من سادات قريش- هي الوحيدة التي آمنت في بيتها أول الإسلام، وفارقت خدرها ومستقر أمنها تحت جنح الليل، خرجت وحدها فريدة شريدة تطوي بها قدماها ثنايا الجبال وأغوار التهائم بين مكة والمدينة، إلى مفزع دينها ودار هجرتها، إلى رسول الله ﷺ ، ثم أعقبتها بعد ذلك أمها. وهذه أم حبيبة أم المؤمنين ﵂ حينما أتاها أبوها أبو سفيان ولم يكن قد أسلم بعد، فدخل عليها، فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله ﷺ طوته، فقال: يا بنية! ما أدري: أرغبت بي عن هذا الفراش أو رغبت به عني؟! فقالت: هو فراش رسول الله ﷺ وأنت مشرك نجس، فلم أحب أن تجلس على فراشه ﷺ .

стр. 735

نماذج من مواقف النساء الأوائل في الصبر على المصائب والجهاد ودفع المنكر تأثرت المرأة كذلك بأدب الإسلام، وخرجت عما احتكم به في الجاهلية من العادات النافرة والتقليد الذميم، ومعلوم جزع النساء عند المصائب وما يصدر منهن فيها -خاصة في أيام الجاهلية- من العويل والنواح والصراخ ونحو ذلك لمدة طويلة تصل إلى سنة وأكثر، فجاء الإسلام وتأثرت المرأة بهداية الإسلام واعتصمت بالصبر، وغير الإسلام هذه العادات الجاهلية التي كانت مستقرة في النساء.

стр. 736

موقف الخنساء من المصائب في الجاهلية والإسلام إذا تأملنا قصة الخنساء رضي الله ﵎ عنها، وما ذهب به الدهر من حديث جزعها وتصدع قلبها واضطراب حشاها على أخيها صخر لوجدنا عجباً، ومعلومة مراثيها لأخيها صخر، لكن عندما صارت مؤمنة استحال كل ذلك الجزع والفزع من قضاء الله إلى صبر صاغه الإيمان وجمله التقى، فلم تأس على فائت من متاع الحياة الدنيا، فهاهم أبناؤها وهم أشطار كبدها ونياط قلبها خرجوا إلى وقعة القادسية، وكانوا أربعة أبناء، فكان مما أوصتهم به قولها: (يا بني! إنكم أسلمتم طائعين، وهاجرتم مختارين، والله الذي لا إله إلا هو إنكم لبنو رجل واحد كما أنكم بنو امرأة واحدة، ما هجنت حسبكم وما غيرت نسبكم، واعلموا أن الدار الآخرة خير من الدار الفانية، اصبروا وصابرو ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون، فإذا رأيتم الحرب قد شمرت عن ساقها وجللت ناراً على أرواقها فيمموا وطيسها - الوطيس هو المعركة أو الضرب فيها- وجالدوا رئيسها -أي: أصلها- عند احتدام خميسه تظفروا بالغنم والكرامة في دار الخلد والمقامة). فلما كشرت الحرب عن أنيابها تدافعوا إليها وتواقعوا عليها، وكانوا عند ظن أمهم بهم، حتى قتلوا واحداً في إثر واحد، ولما وافتها النعاة بخبر أبنائها الأربعة لم تزد على أن قالت: (الحمد لله الذي شرفني بقتلهم، وأرجو من الله أن يجمعني بهم في مستقر رحمته). فانظر كيف غير الإسلام والإيمان سلوكها، من هذه المراثي التي ملأت بها الدنيا لأخيها صخر في الجاهلية إلى هذه الكلمة العظيمة التي قالتها في الإسلام.

стр. 737

موقف معاذة العدوية من مقتل زوجها وولدها في الجهاد عن حماد بن سلمة قال: حكى ثابت البناني أن صلة بن أشيم -وكان رجلاً من الصالحين- كان في مغزى، وكان معه ابن له، أي: كانا يجاهدان في سبيل الله. فقال: أي بني! تقدم فقاتل حتى أحتسبك. فحمل ابنه على الأعداء فقاتل حتى قتل، ثم تقدم صلة بن أشيم نفسه فقتل ﵁، فاجتمعت النساء عند امرأته معاذة العدوية -وهي من النساء الصالحات- فقالت لهن: إن كنتن جئتن لتهنئنني فمرحباً بكن، وإن كنتن جئتن لغير ذلك فارجعن. وقالت أم الأسود بنت يزيد العدوية -وكانت معاذة قد أرضعتها-: قالت لي معاذة لما قتل أبو الصهباء وقتل ولدها: والله -يا بنية- ما محبتي لبقائي في الدنيا لرغيد عيش ولا لروح نسيم، ولكن والله أحب البقاء لأتقرب إلى ربي بالوسائل، لعله يجمع بيني وبين أبي الصهباء وولده في الجنة. فهي رحمها الله تتمنى أن يطول عمرها حتى تستكثر الأعمال التي تبلغ بها درجتي ولدها وزوجها الشهيدين.

стр. 738

موقف أم سليم من موت ابنها وصبرها على ذلك وهذه أم سليم الرميصاء أو الغميصاء من الصالحات العظيمات اللائي لهن شأن عظيم جداً، وكانت من السابقات إلى الإسلام؛ لأنها أسلمت ورسول الله ﷺ في مكة، فبايعته حين مقدمه إلى المدينة، وكان إسلامها مراغمة لزوجها مالك بن النضر، وكان ولدها أنس بن مالك يومئذ طفلاً رضيعاً، فكانت تقول له: قل: لا إله إلا الله. قل: أشهد أن محمداً رسول الله. فجعل ينطق بذلك أول ما ينطق، فكان ذلك مما يثير الغضب في نفس مالك أبيه، فيقول لها: لا تفسدي عليّ ولدي. فتقول: إني لا أفسده. ثم إنه خرج عنها إلى الشام، وهنالك لقي عدواً له فقتله عدوه، فلما بلغها قتله وكانت شابة حدثة وكثر خطابها قالت: لا جرم لا أفطم أنساً حتى يدع ثديي، ولا أتزوج حتى يجلس في المجالس ويأمرني. فوفت بعهدها وبرت، وكان ولدها أنس بن مالك يعرف لها تلك المنة ويقول: جزى الله أمي عني خيراً لقد أحسنت ولايتي. حتى إذا شب أنس تقدم لخطبتها أبو طلحة زيد بن سهل وكان مشركاً فأبت، ثم قالت له يوماً: أرأيت حجراً تعبده لا يضرك ولا ينفعك، أو خشبة تأتي بها النجار فينجرها لك هل يضرك؟ هل ينفعك؟ وأكثرت من عتبه، فوقع في قلبه الذي قالت، فأتاها فقال: لقد وقع في قلبي الذي قلت. وآمن بين يديها فقالت: إني أتزوجك ولا أريد منك صداقاً غير الإسلام. قال ثابت: فما سمعت من امرأة قط كانت أكرم مهراً من أم سليم لقد كان مهرها الإسلام. نعم لقد كان أكرم وأشرف وأغلى مهر في الدنيا؛ لأنها تزوجته على أن يدخل في دين الإسلام. حدث أنس بن مالك عن أمه أم سليم بنت ملحان الأنصارية زوج أبي طلحة زيد بن سهل قال: (مرض أخ لي من أبي طلحة يدعى أبا عمير، فبينا أبو طلحة في المسجد مات الصبي، فهيأت أم سليم أمره وقالت: لا تخبروا أبا طلحة بموت ابنه. فرجع من المسجد وقد تطيبت له وتصنعت، فقال: ما فعل ابني؟ قالت: هو أسكن مما كان. وقدمت له عشاءه فتعشى هو وأصحابه الذي قدموا معه، ثم أتما ليلتهما على أحسن حال، فلما كان آخر الليل قالت: يا أبا طلحة! ألم تر إلى آل فلان استعاروا عارية فتمتعوا بها، فلما طُلبت منهم شق عليهم! قال: ما أنصفوا. قالت: فإن ابنك فلاناً كان عارية من الله فقبضه إليه. فاسترجع وحمد الله وقال: والله ما أدعك تغلبينني على الصبر. حتى إذا أصبح غدا على رسول الله ﷺ ، فلما حضر عنده اشتكى له كيف أنها تصنعت له حتى وقع عليها وابنه ميت، فقال النبي ﷺ : بارك الله لكما في غابر ليلتكما) فحملت منه تلك الليلة عبد الله بن أبي طلحة، ولم يكن في الأنصار شاب أفضل منه، ولم يمت عبد الله بن أبي طلحة حتى رزق عشرة من البنين كلهم حفظ القرآن وأبلى -أي: جاهد في سبيل الله ﵎ واستشهد عبد الله بن أبي طلحة في الجهاد بفارس.

стр. 739

موقف نفيسة بنت الحسن من ظلم الولاة ومناصحتهم من مواقف النساء المسلمات -أيضاً- في الصبر والجهاد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ما وقع من السيدة نفيسة بنت الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵃، أقامت بمصر مع زوجها إسحاق بن جعفر الصادق، وقيل: مع أبيها الحسن الذي عين والياً على مصر من قبل أبي جعفر المنصور وفي ذات يوم هرع إليها أهل مصر يشكون من ظلم أحمد بن طولون، فقالت لهم: متى يركب؟ قالوا: في الغد. فكتبت رقعة ووقفت بها في طريقه وقالت: يا أحمد بن طولون. فلما رآها عرفها فترجل عن فرسه، وأخذ منها الرقعة وقرأها، وكانت قد كتبت له في هذه الرقعة: ملكتم فأسرتم، وقدرتم فقهرتم، وخولتم فعسفتم، وردت إليكم الأرزاق فقطعتم، هذا وقد علمتم أن سهام الأسحار نافذة غير مخطئة، لا سيما في قلوب أوجعتموها، وأكباد جوعتموها، وأجساد عريتموها، فمحال أن يموت المظلوم ويبقى الظالم، اعملوا ما شئتم فإنا صابرون، وجوروا فإنا مستجيرون، واظلموا فإنا إلى الله متظلمون، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ [الشعراء:٢٢٧] فرجع عن ظلمه لوقته.

стр. 740

موقف أم عقيل حين عزيت بموت ولدها عقيل وحكى -أيضاً- الإمام أبو الفرج بن الجوزي قال: قال الأصمعي: خرجت أنا وصديق لي إلى البادية فضللنا الطريق، فإذا نحن بخيمة عن يمين الطريق فقصدناها فسلمنا، فإذا امرأة ترد علينا السلام، قالت: ما أنتم؟ قلنا: قوم ضالون عن الطريق أتيناكم فأنسنا بكم. فقالت: يا هؤلاء! ولوا وجوهكم عني حتى أقضي من حقكم ما أنتم له أهل. ففعلنا، فألقت لنا مسحاً -أي: فراشاً- فقالت: اجلسوا عليه إلى أن يأتي ابني. ثم جعلت ترفع طرف الخيمة وتردها، إلى أن رأت شخصاً قادماً من بعيد، فقالت: أسأل الله بركة المقبل، أما البعير فبعير ابني وأما الراكب فليس بابني. فوقف الراكب عليها فقال: يا أم عقيل! أعظم الله أجرك في عقيل. قالت: ويحك مات ابني؟! قال: نعم. قالت: وما سبب موته؟ قال: ازدحمت عليه الإبل فرمت به في البئر، فقالت: انزل فاقض ذمام القوم. تعني: انزل حتى تؤدي حق الضيافة لهؤلاء القوم. ودفعت إليه كبشاً فذبحه وأصلحه وقرب إلينا الطعام، فجعلنا نأكل ونتعجب من صبرها، فلما فرغنا خرجت إلينا وقد تكورت -أي: لبست مثل العمامة على رأسها- فقالت: يا هؤلاء! هل فيكم من يحسن من كتاب الله شيئاً؟ قلت: نعم. قالت: اقرأ علي من كتاب الله آيات أتعزى بها. قلت: يقول الله في كتابه: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٥٥ - ١٥٧]. قالت: آلله إنها لفي كتاب الله هكذا؟ قلت: آلله إنها لفي كتاب الله هكذا. قالت: السلام عليكم. ثم صفت قدميها وصلت ركعات، ثم قالت: إنا لله وإنا إليه راجعون، عند الله أحتسب عقيلاً -تقول ذلك ثلاث مرات- اللهم! إني فعلت ما أمرتني به فأنجز لي ما وعدتني.
следующие страницы →