Полный текст (2 122 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
موقف الخنساء من المصائب في الجاهلية والإسلام
إذا تأملنا قصة الخنساء رضي الله ﵎ عنها، وما ذهب به الدهر من حديث جزعها وتصدع قلبها واضطراب حشاها على أخيها صخر لوجدنا عجباً، ومعلومة مراثيها لأخيها صخر، لكن عندما صارت مؤمنة استحال كل ذلك الجزع والفزع من قضاء الله إلى صبر صاغه الإيمان وجمله التقى، فلم تأس على فائت من متاع الحياة الدنيا، فهاهم أبناؤها وهم أشطار كبدها ونياط قلبها خرجوا إلى وقعة القادسية، وكانوا أربعة أبناء، فكان مما أوصتهم به قولها: (يا بني! إنكم أسلمتم طائعين، وهاجرتم مختارين، والله الذي لا إله إلا هو إنكم لبنو رجل واحد كما أنكم بنو امرأة واحدة، ما هجنت حسبكم وما غيرت نسبكم، واعلموا أن الدار الآخرة خير من الدار الفانية، اصبروا وصابرو ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون، فإذا رأيتم الحرب قد شمرت عن ساقها وجللت ناراً على أرواقها فيمموا وطيسها - الوطيس هو المعركة أو الضرب فيها- وجالدوا رئيسها -أي: أصلها- عند احتدام خميسه تظفروا بالغنم والكرامة في دار الخلد والمقامة).
فلما كشرت الحرب عن أنيابها تدافعوا إليها وتواقعوا عليها، وكانوا عند ظن أمهم بهم، حتى قتلوا واحداً في إثر واحد، ولما وافتها النعاة بخبر أبنائها الأربعة لم تزد على أن قالت: (الحمد لله الذي شرفني بقتلهم، وأرجو من الله أن يجمعني بهم في مستقر رحمته).
فانظر كيف غير الإسلام والإيمان سلوكها، من هذه المراثي التي ملأت بها الدنيا لأخيها صخر في الجاهلية إلى هذه الكلمة العظيمة التي قالتها في الإسلام.
стр. 737
موقف معاذة العدوية من مقتل زوجها وولدها في الجهاد
عن حماد بن سلمة قال: حكى ثابت البناني أن صلة بن أشيم -وكان رجلاً من الصالحين- كان في مغزى، وكان معه ابن له، أي: كانا يجاهدان في سبيل الله.
فقال: أي بني! تقدم فقاتل حتى أحتسبك.
فحمل ابنه على الأعداء فقاتل حتى قتل، ثم تقدم صلة بن أشيم نفسه فقتل ﵁، فاجتمعت النساء عند امرأته معاذة العدوية -وهي من النساء الصالحات- فقالت لهن: إن كنتن جئتن لتهنئنني فمرحباً بكن، وإن كنتن جئتن لغير ذلك فارجعن.
وقالت أم الأسود بنت يزيد العدوية -وكانت معاذة قد أرضعتها-: قالت لي معاذة لما قتل أبو الصهباء وقتل ولدها: والله -يا بنية- ما محبتي لبقائي في الدنيا لرغيد عيش ولا لروح نسيم، ولكن والله أحب البقاء لأتقرب إلى ربي بالوسائل، لعله يجمع بيني وبين أبي الصهباء وولده في الجنة.
فهي رحمها الله تتمنى أن يطول عمرها حتى تستكثر الأعمال التي تبلغ بها درجتي ولدها وزوجها الشهيدين.
стр. 738
موقف أم سليم من موت ابنها وصبرها على ذلك
وهذه أم سليم الرميصاء أو الغميصاء من الصالحات العظيمات اللائي لهن شأن عظيم جداً، وكانت من السابقات إلى الإسلام؛ لأنها أسلمت ورسول الله ﷺ في مكة، فبايعته حين مقدمه إلى المدينة، وكان إسلامها مراغمة لزوجها مالك بن النضر، وكان ولدها أنس بن مالك يومئذ طفلاً رضيعاً، فكانت تقول له: قل: لا إله إلا الله.
قل: أشهد أن محمداً رسول الله.
فجعل ينطق بذلك أول ما ينطق، فكان ذلك مما يثير الغضب في نفس مالك أبيه، فيقول لها: لا تفسدي عليّ ولدي.
فتقول: إني لا أفسده.
ثم إنه خرج عنها إلى الشام، وهنالك لقي عدواً له فقتله عدوه، فلما بلغها قتله وكانت شابة حدثة وكثر خطابها قالت: لا جرم لا أفطم أنساً حتى يدع ثديي، ولا أتزوج حتى يجلس في المجالس ويأمرني.
فوفت بعهدها وبرت، وكان ولدها أنس بن مالك يعرف لها تلك المنة ويقول: جزى الله أمي عني خيراً لقد أحسنت ولايتي.
حتى إذا شب أنس تقدم لخطبتها أبو طلحة زيد بن سهل وكان مشركاً فأبت، ثم قالت له يوماً: أرأيت حجراً تعبده لا يضرك ولا ينفعك، أو خشبة تأتي بها النجار فينجرها لك هل يضرك؟ هل ينفعك؟ وأكثرت من عتبه، فوقع في قلبه الذي قالت، فأتاها فقال: لقد وقع في قلبي الذي قلت.
وآمن بين يديها فقالت: إني أتزوجك ولا أريد منك صداقاً غير الإسلام.
قال ثابت: فما سمعت من امرأة قط كانت أكرم مهراً من أم سليم لقد كان مهرها الإسلام.
نعم لقد كان أكرم وأشرف وأغلى مهر في الدنيا؛ لأنها تزوجته على أن يدخل في دين الإسلام.
حدث أنس بن مالك عن أمه أم سليم بنت ملحان الأنصارية زوج أبي طلحة زيد بن سهل قال: (مرض أخ لي من أبي طلحة يدعى أبا عمير، فبينا أبو طلحة في المسجد مات الصبي، فهيأت أم سليم أمره وقالت: لا تخبروا أبا طلحة بموت ابنه.
فرجع من المسجد وقد تطيبت له وتصنعت، فقال: ما فعل ابني؟ قالت: هو أسكن مما كان.
وقدمت له عشاءه فتعشى هو وأصحابه الذي قدموا معه، ثم أتما ليلتهما على أحسن حال، فلما كان آخر الليل قالت: يا أبا طلحة! ألم تر إلى آل فلان استعاروا عارية فتمتعوا بها، فلما طُلبت منهم شق عليهم! قال: ما أنصفوا.
قالت: فإن ابنك فلاناً كان عارية من الله فقبضه إليه.
فاسترجع وحمد الله وقال: والله ما أدعك تغلبينني على الصبر.
حتى إذا أصبح غدا على رسول الله ﷺ ، فلما حضر عنده اشتكى له كيف أنها تصنعت له حتى وقع عليها وابنه ميت، فقال النبي ﷺ : بارك الله لكما في غابر ليلتكما) فحملت منه تلك الليلة عبد الله بن أبي طلحة، ولم يكن في الأنصار شاب أفضل منه، ولم يمت عبد الله بن أبي طلحة حتى رزق عشرة من البنين كلهم حفظ القرآن وأبلى -أي: جاهد في سبيل الله ﵎ واستشهد عبد الله بن أبي طلحة في الجهاد بفارس.
стр. 739
موقف نفيسة بنت الحسن من ظلم الولاة ومناصحتهم
من مواقف النساء المسلمات -أيضاً- في الصبر والجهاد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ما وقع من السيدة نفيسة بنت الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵃، أقامت بمصر مع زوجها إسحاق بن جعفر الصادق، وقيل: مع أبيها الحسن الذي عين والياً على مصر من قبل أبي جعفر المنصور وفي ذات يوم هرع إليها أهل مصر يشكون من ظلم أحمد بن طولون، فقالت لهم: متى يركب؟ قالوا: في الغد.
فكتبت رقعة ووقفت بها في طريقه وقالت: يا أحمد بن طولون.
فلما رآها عرفها فترجل عن فرسه، وأخذ منها الرقعة وقرأها، وكانت قد كتبت له في هذه الرقعة: ملكتم فأسرتم، وقدرتم فقهرتم، وخولتم فعسفتم، وردت إليكم الأرزاق فقطعتم، هذا وقد علمتم أن سهام الأسحار نافذة غير مخطئة، لا سيما في قلوب أوجعتموها، وأكباد جوعتموها، وأجساد عريتموها، فمحال أن يموت المظلوم ويبقى الظالم، اعملوا ما شئتم فإنا صابرون، وجوروا فإنا مستجيرون، واظلموا فإنا إلى الله متظلمون، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ [الشعراء:٢٢٧] فرجع عن ظلمه لوقته.
стр. 740
موقف أم عقيل حين عزيت بموت ولدها عقيل
وحكى -أيضاً- الإمام أبو الفرج بن الجوزي قال: قال الأصمعي: خرجت أنا وصديق لي إلى البادية فضللنا الطريق، فإذا نحن بخيمة عن يمين الطريق فقصدناها فسلمنا، فإذا امرأة ترد علينا السلام، قالت: ما أنتم؟ قلنا: قوم ضالون عن الطريق أتيناكم فأنسنا بكم.
فقالت: يا هؤلاء! ولوا وجوهكم عني حتى أقضي من حقكم ما أنتم له أهل.
ففعلنا، فألقت لنا مسحاً -أي: فراشاً- فقالت: اجلسوا عليه إلى أن يأتي ابني.
ثم جعلت ترفع طرف الخيمة وتردها، إلى أن رأت شخصاً قادماً من بعيد، فقالت: أسأل الله بركة المقبل، أما البعير فبعير ابني وأما الراكب فليس بابني.
فوقف الراكب عليها فقال: يا أم عقيل! أعظم الله أجرك في عقيل.
قالت: ويحك مات ابني؟! قال: نعم.
قالت: وما سبب موته؟ قال: ازدحمت عليه الإبل فرمت به في البئر، فقالت: انزل فاقض ذمام القوم.
تعني: انزل حتى تؤدي حق الضيافة لهؤلاء القوم.
ودفعت إليه كبشاً فذبحه وأصلحه وقرب إلينا الطعام، فجعلنا نأكل ونتعجب من صبرها، فلما فرغنا خرجت إلينا وقد تكورت -أي: لبست مثل العمامة على رأسها- فقالت: يا هؤلاء! هل فيكم من يحسن من كتاب الله شيئاً؟ قلت: نعم.
قالت: اقرأ علي من كتاب الله آيات أتعزى بها.
قلت: يقول الله في كتابه: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٥٥ - ١٥٧].
قالت: آلله إنها لفي كتاب الله هكذا؟ قلت: آلله إنها لفي كتاب الله هكذا.
قالت: السلام عليكم.
ثم صفت قدميها وصلت ركعات، ثم قالت: إنا لله وإنا إليه راجعون، عند الله أحتسب عقيلاً -تقول ذلك ثلاث مرات- اللهم! إني فعلت ما أمرتني به فأنجز لي ما وعدتني.
стр. 741
موقف امرأة عبد الله بن الفرج حين مات زوجها عبد الله
لما مات عبد الله بن الفرج لم تعلم زوجته إخوانه بموته، وكان إخوانه جالسين بالباب ينتظرون الدخول عليه في علته، فلما مات لم تجزع، بل صبرت صبراً عظيماً، حيث قامت وغسلته وكفنته في كساء كان له، ونزعت فرد باب من أبواب بيته وشدته بشريط، ثم قالت لإخوانه: قد مات وقد فرغت من تجهيزه، فدخلوا فاحتملوه إلى قبره، وأغلقت الباب خلفهم.
стр. 742
موقف صفية بنت عبد المطلب وصبرها على أخيها حمزة
نذكر صبر صفية بنت عبد المطلب عمة النبي ﷺ والدة الزبير بن العوام أحد العشرة المبشرين بالجنة، وشقيقة حمزة، وأمها هالة بنت وهب خالة رسول الله ﷺ ، وقد جاء في أحداث أحد عن بعض الرواة قوله: (خرجت صفية يوم أحد في طليعة النسوة اللواتي خرجن في خدمة المجاهدين ومداواة الجرحى، ولما انهزم المسلمون بعد أن خالف الرماة أمر رسول الله ﷺ بالثبات، سواء أكان النصر أم كان غير ذلك، وانفض أكثر الناس عن رسول الله ﷺ ، ولم يبق حوله سوى القلائل من أصحابه قامت صفية ﵂ وبيدها رمح تضرب به في وجوه الفارين من الأعداء المشركين، وتقول لهم: انهزمتم عن رسول الله ﷺ ! فلما رآها رسول الله ﷺ أشفق عليها، فقال لابنها الزبير بن العوام: القها فأرجعها، لا ترى ما بشقيقها حمزة وقد مثل به، فلقيها الزبير فقال: يا أم! إن رسول الله ﷺ يأمرك أن ترجعي.
فقالت صفية: ولم؟! فقد بلغني أنه مثل بأخي وذلك في الله قليل، فما أرضانا بما كان من ذلك، لأحتسبن ولأصبرن إن شاء الله تعالى.
وعاد الزبير إلى رسول الله ﷺ فأخبره بذلك، فقال: خل سبيلها، فأتت صفية حمزة فنظرت إليه وصلت عليه واسترجعت واستغفرت، ثم أمر رسول الله ﷺ به فدفن).
стр. 743
موقف صفية بنت عبد المطلب وشجاعتها يوم الخندق
صفية عمة النبي ﷺ هي أول امرأة قتلت رجلاً من المشركين، فإنه لما خرج النبي ﷺ إلى الخندق جعل نساءه في حصن يقال له: فارع.
فجاء إنسان من اليهود فرقى الحصن حتى أطل على النساء، فقالت صفية بنت عبد المطلب: فقمت إليه فضربته حتى قطعت رأسه، فأخذت رأسه فرميت به عليهم.
حتى توقع الرعب في اليهود.
وفي رواية أخرى: فأخذت عموداً فنزلت إليه حتى فتحت الباب قليلاً قليلاً فحملت عليه بالعمود فقتلته.
فانظر إلى شجاعتها.
стр. 744
موقف نساء الأنصار من قتلى أحد وتفضيلهن سلامة النبي ﷺ
في طريق عودة النبي ﷺ من غزوة أحد إلى المدينة خرج الناس من المدينة للاستفسار عن النبي ﷺ وعن ذويهم الذين اشتركوا معه في معركة أحد، وكان من بينهم امرأة من بني دينار قتل يوم أحد أبوها وزوجها وأخوها وابنها، فلما نعوا إليها لم تكترث كثيراً، وإنما كانت قلقة على حياة النبي ﷺ ، وأنساها هذا القلق كل أحد، فكانوا يقولون لها: قتل أبوك.
فتقول: ما فعل رسول الله ﷺ ؟ ويقولون لها: قتل ابنك.
فتقول: ما فعل رسول الله ﷺ ؟ ويقولون: قتل أخوك.
فتقول: ما فعل رسول الله؟ ويقولون: قتل زوجك.
فتقول: ما فعل رسول الله ﷺ ؟ فيقولون لها: خيراً يا أم فلان، فهو بحمد الله كما تحبين.
فقالت: أرونيه حتى أنظر إليه.
فلما رأته سالماً قالت: كل مصيبة بعدك جلل يا رسول الله.
أي: قليلة وحقيرة في جانب سلامته ﷺ .
وفي رواية: أن الدينارية هذه جاءت إلى مصارع القوم في المعركة، فمرت بأبيها وابنها وأخيها وزوجها وهم صرعى، وكلما مرت على واحد منهم سألت وقالت: من هذا؟ قيل لها: هذا أبوك هذا ابنك هذا زوجك هذا أخوك.
فلم تكترث، بل صارت تقول: ما فعل رسول الله ﷺ ؟ فيقولون: هو أمامك.
حتى جاءته، وأخذته بناحية ثوبه ثم جعلت تقول: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لا أبالي إذا سلمت من عطب.
أي: إذا سلمت فما أبالي بما يصيبني بعد ذلك.
رضي الله ﵎ عنها.
(وقبل أن يدخل النبي ﷺ المدينة جاءت أم سعد بن معاذ سيد الأنصار ﵁ تعدو نحو رسول الله ﷺ وهو على فرسه، وسعد آخذ بلجامها، فقال سعد: يا رسول الله! أمي.
فقال: مرحباً بها، فوقف لها، فلما دنت من رسول الله ﷺ عزاها بابنها عمرو بن معاذ؛ لأنه استشهد في غزوة أحد وله اثنتان وثلاثون سنة، فقالت: أما إذ رأيتك سالماً فقد اشتريت المصيبة.
ثم دعا رسول الله ﷺ لأهل من قتل بأحد وقال لـ أم سعد: يا أم سعد! أبشري وبشري أهلهم أن قتلاهم ترافقوا في الجنة جميعاً، وقد شفعوا في أهلهم جميعاً، فقالت: رضينا يا رسول الله ومن يبكي عليهم بعد هذا؟! ثم قالت: يا رسول الله! ادع لمن خلفوا منهم، فقال ﵊: اللهم! أذهب حزن قلوبهم، واجبر مصيبتهم، وأحسن الخلف على من خلفوا).
стр. 745
موقف نسيبة بنت كعب في غزوة أحد وما بعدها
وهذه نسيبة بنت كعب المازنية رضي الله ﵎ عنها، -وكنيتها أم عمارة - الفاضلة المجاهدة الأنصارية الخزرجية النجارية المازنية المدنية، كان أخوها عبد الله بن كعب المازني من البدريين، وكان أخوها عبد الرحمن من البكائين.
يقول: الحافظ الذهبي في ترجمتها في سير أعلام النبلاء: شهدت أم عمارة ليلة العقبة وأحداً والحديبية ويوم حنين ويوم اليمامة.
وجاهدت وفعلت الأفاعيل، قطعت يدها في الجهاد رضي الله ﵎ عنها، شهدت أحداً مع زوجها غزية بن عمرو ومع ولديها، خرجت يوم أحد تسقي الظمأى وتسقي الجرحى، وكانت غرة الحرب وطلعتها للمسلمين، ثم أشاحت بوجهها عنهم فتناوشتهم سيوف المشركين تنهل من نحورهم وتطعن في ظهورهم، فانكشفوا وولوا مدبرين إلا عشرة أو نحوهم وقفوا يدرءون عن رسول الله ﷺ ويحولون دون الوصول إليه، هنالك جاء دور نسيبة، فانتضت سيفها واحتملت قوسها، وذهبت تصول وتجول بين يدي رسول الله ﷺ ، تنزع عن القوس، وتضرب بالسيف، وحولها من الغر المذاويد علي وأبو بكر وعمر وسعد وطلحة والزبير وعباس وولداها وزوجها، فكانت من أظهر القوم أثراً وأعظمهم موقفاً، كانت لا ترى الخطر يدنو من رسول الله ﷺ حتى تكون سداده وملء لهوته، حتى قال: ﵊ (ما التفت يمينا ًولا شمالاً إلا وأنا أراها تقاتل دوني).
وكان ضمرة بن سعيد المازني يحدث عن جدته -وكانت قد شهدت أحداً- أنها قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لمقام نسيبة بنت كعب خير من مقام فلان وفلان).
وكانت تراها يومئذ تقاتل أشد القتال، وإنها لحاجزة ثوبها على وسطها حتى جرحت ثلاثة عشر جرحاً، وكانت تقول: (إني لأنظر إلى ابن قمئة وهو يضربها على عاتقها، وكان أعظم جراحها، فداوته سنة -تعني أن هذا الكافر ضربها على عنقها ضربة ظلت جرحاً تتداوى منه سنة كاملة- ثم نادى منادي رسول الله ﷺ : إلى حمراء الأسد.
فشدت عليها ثيابها فما استطاعت من نزف الدم) ﵂ ورحمها.
تقول أم عمارة: رأيتني وانكشف الناس عن رسول الله ﷺ ، فما بقي إلا في نفير ما يتمون عشرة، أنا وابناي وزوجي بين يديه نذب عنه، والناس يمرون به منهزمين، ورآني ولا ترس معي، فرأى رجلاً مولياً ومعه ترس، فقال: ألق ترسك إلى من يقاتل.
فألقاه فأخذته، فجعلت أترس عن رسول الله ﷺ ، وإنما فعل بنا الأفاعيل أصحاب الخيل، لو كانوا رجالة مثلنا أصبناهم إن شاء الله.
تقول: غلبنا من كانوا يركبون الخيول من الكفار، لكن لو كانوا يقاتلوننا على الأرض كما نفعل نحن لأصبناهم إن شاء الله.
فتعتذر عن شدة القتال بأن الكفار كانوا أصحاب خيل.
ثم تقول: فيقبل رجل على فرس فيضربني، وترست له فلم يصنع شيئاً وولى، فأضرب عرقوب فرسه فوقع على ظهره، فجعل النبي ﷺ يقول: يا ابن أم عمارة! أمك أمك، لما وقع ذلك الرجل من الفرس، قالت: فعاونني عليه أي أن ابنها عاونها على ذلك الكافر، تقول: فعاونني عليه حتى أوردته شعوب)، وشعوب اسم من أسماء الموت كالمنية، أي: أوردته موارد الموت والهلكة.
يقول عبد الله بن زيد: (جرحت يومئذ جرحاً، وجعل الدم لا يرقأ، فقال النبي ﷺ : اعصب جرحك.
فتقبل أمي إلي ومعها عصائب في حقوها، فربطت جرحي والنبي ﷺ واقف، وبعدما ربطت جرحي قالت: انهض بني فضارب القوم.
وجعل يقول النبي ﵊: من يطيق ما تطيقين يا أم عمارة؟! فأقبل الذي جرح ابنها، فقال رسول الله ﷺ : هذا ضارب ابنك.
قالت: فأعترض له فأضرب ساقه فبرك، فرأيت رسول الله ﷺ يبتسم حتى رأيت نواجذه، وقال: استقدت يا أم عمارة -يعني: أخذت القود والقصاص من ضارب ولدك- تقول: ثم أقبلنا نعله بالسلاح حتى أتينا على نفسه، فقال النبي ﷺ : الحمد لله الذي أظفرك) ويقول عبد الله بن زيد بن عاصم أيضاً: (شهدت أحداً، فلما تفرقوا عن رسول الله ﷺ دنوت منه أنا وأمي نذب عنه، فقال: ابن أم عمارة! قلت: نعم.
قال: ارم فرميت بين يديه رجلاً بحجر وهو على فرس، فأصبت عين الفرس، فاضطرب الفرس فوقع هو وصاحبه، فجعلت أعلوه بالحجارة والنبي ﷺ يبتسم، ونظر إلى جرح أمي على عاتقها فقال: أمك أمك، اعصب جرحها، اللهم! اجعلهم رفقائي في الجنة.
فبعدما سمع هذا الدعاء قال: قلت: ما أبالي ما أصابني من الدنيا).
وكان لأم عمارة ولدان: أحدهما: عبد الله بن زيد بن عاصم المازني الذي حكى وضوء النبي ﷺ ، وهو الذي قتل يوم الحرة، والثاني: حبيب بن زيد بن عاصم الذي أرسله النبي ﵊ رسولاً إلى مسيلمة الكذاب، فكان مسيلمة يقول له: أتشهد أني رسول الله؟ فيقول له: لا أسمع.
فيقول: وما تقول في محمد؟ يقول: أشهد أنه رسول الله ﷺ .
فقطع جسده عضواً عضواً ليرتد عن دينه، لكنه لم يرتد حتى مات تحت العذاب وهو ثابت على دينه.
وبلغها مقتله فاحتسبته عند الله، وأقسمت أن تقاتل مسيلمة حتى يقتل أو تقتل، فذهبت إلى اليمامة واشتركت في الموقعة التي قتل فيها مسيلمة، وأبلت بلاءً حسناً حتى قطعت يدها، ثم عادت من المعركة بيد واحدة، واستمر جرحها ينزف دماً حتى أدركتها الوفاة رضي الله ﵎ عنها.
стр. 746
موقف أم إبراهيم في دفع ولدها للجهاد والاستشهاد
وحديث النساء المجاهدات يطول جداً، لكن نقتصر نختم بهذه القصة التي رواها صاحب (فكاهة الأذواق من مشارع الأشواق في فضائل الجهاد).
يقول: كان بالبصرة نساء عابدات، وكان منهن أم إبراهيم الهاشمية، فأغار العدو على ثغر من ثغور الإسلام، فانتدب الناس للجهاد، فقام عبد الواحد بن زيد أحد الأئمة البصريين في الناس خطيباً، فحضهم على الجهاد، وكانت أم إبراهيم هذه حاضرة مجلسه، وتمادى عبد الواحد في كلامه مرغباً الناس في الجهاد، ثم ذكر الحور العين وذكر ما قيل فيهن، وكان مما قال في وصف حوراء: غادة ذات دلال ومرح يجد الناعت فيها ما اقترح خلقت من كل شيء حسن طيب فالليث فيها مطرح زانها الله بوجه جمعت فيه أوصاف غريبات الملح وبعين كحلها من غنجها وبخد مسكه فيه رشح ناعم يجري على صفحته نضرة الملك ولألاء الفرح أترى خاطبها يسمعها إذ تدير الكأس طوراً والقدح في رياض مونق نرجسها كلما هبت له الريح نفح وهي تدعوه بود صادق ملئ القلب به حتى طفح يا حبيباً لست أهوى غيره بالخواتيم يتم المفتتح لا تكونن كمن جد إلى منتهى حاجته ثم جمح لا فما يخطب مثلي من سها إنما يخطب مثلي من ألح فماج الناس بعضهم في بعض واضطرب المجلس، فوثبت أم إبراهيم من وسط الناس، وقالت لـ عبد الواحد: يا أبا عبيد! ألست تعرف ولدي إبراهيم ورؤساء أهل البصرة يخطبونه على بناتهم وأنا أضن به عليهن؟ فقد والله أعجبتني هذه الجارية، وأنا أرضاها عروساً لولدي، فكرر ما ذكرت من حسنها وجمالها.
فأخذ عبد الواحد في وصف حوراء ثم أنشد: تولد نور النور من نور وجهها فمازج طيب الطيب من خالص العطر فلو وطأت بالنعل منها على الحصى لأعشبت الأقطار من غير ما قطر ولو شئت عقد الخصر منها عقدته فغصن من الريحان ذي ورق خضر ولو تفلت في البحر شهد رضابها لطاب لأهل البر شرب من البحر يكاد اختلاس اللحظ يجرح خدها بجارح وهم القلب من خارج الستر فاضطرب الناس أكثر، ووثبت أم إبراهيم وقالت لـ عبد الواحد: يا أبا عبيد! قد والله أعجبتني هذه الجارية، وأنا أرضاها عروساً لولدي، فهل لك أن تزوجه منها هذه الساعة وتأخذ مني مهرها عشرة آلاف دينار، ويخرج معك في هذه الغزوة فلعل الله يرزقه الشهادة، فيكون شفيعاً لي ولأبيه في يوم القيامة؟ فقال لها عبد الواحد: لأن فعلت لتفوزن أنت وولدك وأبو ولدك فوزاً عظيماً.
ثم نادت ولدها: يا إبراهيم، فوثب من وسط الناس وقال لها: لبيك يا أماه قالت: أي بني! أرضيت بهذه الجارية زوجة ببذل مهجتك في سبيله وترك العود في الذنوب؟ فقال الفتى: إي والله -يا أماه- رضيت أي رضا.
فقالت: اللهم! إني أشهدك أني زوجت ولدي هذا من هذه الجارية ببذل مهجته في سبيل الله وترك العود في الذنوب، فتقبله مني يا أرحم الراحمين.
ثم انصرفت فجاءت بعشرة آلاف دينار وقالت: يا أبا عبيد! هذا مهر الجارية تجهز به وجهز الغزاة في سبيل الله تعالى.
وانصرفت فابتاعت لولدها فرساً جيداً، واستجادت له سلاحاً، فلما خرج معه عبد الواحد خرج إبراهيم يعدو إلى الجهاد، والقراء حوله يقرءون: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة:١١١].
قال: فلما أرادت فراق ولدها دفعت إليه كفناً وحنوطاً.
-والحنوط: الطيب الذي مع الكفن- وقالت له: يا بني! إذا أردت لقاء العدو فتكفن بهذا الكفن وتحنط بهذا الحنوط، وإياك أن يراك الله مقصراً في سبيله، ثم ضمته إلى صدرها وقبلته بين عينيه، وقالت له: يا بني! لا جمع الله بيني وبينك إلا بين يديه في عرصات القيامة.
قال عبد الواحد: فلما بلغنا بلاد العدو ونودي في النفير وبرز الناس للقتال برز إبراهيم في المقدمة، فقتل من العدو خلقاً كثيراً، ثم اجتمعوا عليه فقتل.
قال عبد الواحد: فلما أردنا الرجوع إلى البصرة قلت لأصحابي: لا تخبروا أم إبراهيم بخبر ولدها حتى ألقاها بحسن العزاء؛ لئلا تجزع فيذهب أجرها.
قال: فلما وصلنا البصرة خرج الناس يتلقوننا، وخرجت أم إبراهيم فيمن خرج.
قال عبد الواحد: فلما نظرت إلي قالت يا أبا عبيد! هل قبلت مني هديتي فأهنأ أم ردت علي فأعزى؟ فقلت لها: قد قبلت هديتك، إن إبراهيم حي مع الأحياء يرزق.
قال: فخرت ساجدة لله شكراً وقالت: الحمد لله الذي لم يخيب ظني وتقبل نسكي مني.
وانصرفت، فلما كان من الغد أتت إلى مسجد عبد الواحد فنادت: السلام عليك يا أبا عبيد! بشراك، فقلت: لا زلت مبشرة بالخير.
فقالت له: رأيت البارحة ولدي إبراهيم في روضة حسناء وعليه قبة خضراء وهو على سرير من اللؤلؤ وعلى رأسه تاج وإكليل وهو يقول: يا أماه! أبشري فقد قبل المهر وزفت العروس.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، سبحانك -اللهم- ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
стр. 747
أهمية الوقت
إن من أعظم النعم التي أنعم الله بها على الإنسان نعمة الفراغ، وكثير من الناس مغبون في هذه النعمة التي لا يمكن أن تستوعب وصفها الأقلام والكتب؛ ولذلك أقسم الله بأجزاء من الوقت في غير ما آية من القرآن الكريم.
فالعاقل من عرف شرف زمانه، وانقضاء أيامه، فدفعه ذلك إلى استغلال وقته بأحسن ما يمكن من الأعمال، وأفضل ما يستطيعه من الطاعات والقربات.
стр. 748
قيمة الوقت في حياة المسلم
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: فأعظم ما يؤثر في الإنسان بيئته، ولا يرتفع تأثير البيئة عن الإنسان إلا بعامل أقوى، وهو عامل (العقيدة) أو (الدين)، فأقوى ما يؤثر في الإنسان الوسط أو الجو الفكري أو البيئة التي يعيش فيها.
فالبيئة إن شاع فيها النظام التزم الجميع بالنظام، وإن شاعت فيها الفوضى فالأمر كذلك، والعامل الأقوى من تأثير البيئة، وهو العامل الوحيد الذي يلغي تأثير البيئة ويسيطر على الإنسان: هو عامل العقيدة، فالعقيدة هي التي تقضي على التأثيرات المنحرفة لهذه البيئة.
هذه المنطقة التي تضم الأمة الوسط -وهي الأمة الإسلامية- شرقاً وغرباً، يذكر المؤرخون أنها عُرفت بالفوضى والتخلف والجهل، ولم يرتفع شأنها، ولم يكن لها ذكر إلا بتأثير العامل الأقوى من البيئة وهو عامل العقيدة، حينما أنزل الله هذا الكتاب الذي قال فيه : ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء:١٠].
فالقرآن فيه الرفعة، وفيه الفوز، وفيه القوة، وفيه الكرامة، فلم يزل وصف التخلف والمذلة والفوضى والهمجية عن الأمة التي تعيش في هذه المنطقة إلا حينما بزغ فيها فجر العقيدة والتوحيد، فكانت خير أمة أخرجت للناس.
فهذه سنة الله في هذه الأمة خاصة، فإنها إذا تخلت عن العقيدة عادت إلى التأثير الأصلي للبيئة، وهو تأثير الفوضى والهمجية والتخلف، ولا يرتفع عنها هذا الوصف إلا بالعودة إلى الإسلام، وليس لها عز في غيره، كما قال عمر ﵁: إنا كنا أذل قوم، فأعزنا الله بهذا الدين، فمهما نبتغي العز في غيره أذلنا الله.
فإذا ابتغت هذه الأمة النهوض والإصلاح في أي منهج خلاف منهج الإسلام، فاحكم عليه مسبقاً بأنه فاشل، وإلى ضياع، وإلى خراب، وإلى فساد.
فنقدم هذه المقدمة بين يدي هذا البحث، والوقت من الأمور المهمة، إذ إن قيمة الوقت عظيمة، وينبغي معرفة حقيقة الوقت، وخطورته في حياة المسلم، هذه القيمة لو عرفناها حق معرفتها، وقدرناها حق قدرها؛ لاحتجنا إلى أن ترضعها الأمهات مع لبن الأطفال؛ حتى يتشربها الجيل، وتؤسس الأمة على هذا المفهوم الخطير الذي إذا انحرفت فيه كان الخسران، وكان الضياع للأمة، كما نرى الآن في الإحصائيات الأخيرة أن المدة التي يستغلها العامل المسلم في الإنتاج: سبع وعشرون دقيقة في اليوم أي: أقل من نصف ساعة!! فطالما استمرت هذه الأمة بعيدة عن الإسلام فلا يمكن أن تنهض، وهذه العقيدة لا تزعزع ولا تتقلب، وهذه كلها سنن من الله .
كل منا يمر برحلة على هذه الأرض، يقطع رحلة لابد له منها، هذه الرحلة بدايتها لحظة الميلاد، ونهايتها ساعة الموت ومغادرة هذه الدار إلى الدار الآخرة.
هذا الوقت ما بين ساعة الميلاد وساعة الموت هو العمر هو الزمن هو الدهر هو الوقت الذي خصه الله بخصائص وصفات ليست في غيره من الأشياء.
стр. 749
خصائص الوقت
стр. 750
الوقت من أنفس النعم التي أنعم الله بها على الإنسان
من أراد أن يعرف خطر الوقت وقيمته، فليتخيل رجلاً عاش ستين سنة مثلاً في معاصٍ، وفي فواحش، وفي كبائر، وفي كفر والعياذ بالله! ثم تاب في اللمحة الأخيرة قبل أن تأتيه الغرغرة، ثم قبض من ساعته بعد التوبة النصوح، فإنه بهذه اللحظات القليلة القصيرة التي تاب فيها يغفر له الله ما قد سلف: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال:٣٨]، فانظر إلى شرف الوقت وخطورة الوقت! لحظات تاب فيها إنسان فهدمت كل علاقة له بماضيه الطويل في الكفر والفسوق والعصيان.
وهذا يدل على أنه من التقصير في حق الوقت أن نقول: الوقت من ذهب، لماذا؟ لأن الوقت أغلى من الذهب الوقت هو الحياة هو أنفاسك: ﴿إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ [مريم:٨٤] العد: عدد الأنفاس التي قدر لك أنك ستتنفسها من هذا الهواء، فآخر هذا العدد خروج روحك وانقطاع نفسك، وهذا هو العدد الذي يعد لكل منا، وهو مكتوب لكل إنسان بقدره.
فأول خصائص الوقت: أنه أنفس نعمة وأعظم نعمة أنعم الله بها على الإنسان، فتراه أرخص ما يكون عند الجهال، وتراه أغلى ما يكون عند العلماء والعقلاء.
وقيمة الوقت قضية تحتاج إلى أن ترضع للأطفال مع لبن الأمهات إذا أردنا الإصلاح فعلاً وأردنا التربية الصحيحة.
هناك لحظتان مما يجسد قيمة الوقت وخطورته: اللحظة الأولى: لحظة الاحتضار حينما يحتضر الإنسان وتخرج روحه ويقول: ﴿يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٥٦] حينئذ ما من إنسان يأتيه ملك الموت إلا ويود لو أنه يمهل ولو قليلاً حتى يتزود من العمل الصالح، يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المنافقون:٩ - ١١].
اللحظة الثانية التي تتجلى فيها قيمة الوقت وخطورته: حينما يأوي أهل الجنة إلى منازلهم، ويأوي أهل النار إلى منازلهم، ويرتفع صراخ أهل النار: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٧].
يقول الحسن البصري رحمه الله تعالى: (يا ابن آدم! إنما أنت أيام) أي: لست جسداً قوياً، ولست مالاً، لكنك تساوي أيام، أي: تساوي زمناً وأوقاتاً، ولم يقل: إنما أنت سنوات؛ إشارة إلى قصر العمر، وأنه سرعان ما يمر: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ * قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قليلاً لَوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنون:١١٢ - ١١٤].
(يا ابن آدم! إنما أنت أيام، كلما ذهب يوم ذهب بعضك) كل يوم ينقص منك، ويقل حظك من الدنيا، ومن هنا فلنا أن نرثي لحال هؤلاء القوم الذين يحتفلون كلما مرت بهم سنة بما يسمى بدعة عيد الميلاد، لا يمكن لمؤمن يؤمن بالقضاء والقدر أن يسمي عيد الميلاد عيداً فضلاً عن أن يحتفل به بالطريقة المعهودة المشابهة لطريقة المشركين؛ لأن المؤمن يصدق بأنه حينما كان جنيناً في بطن أمه، وبعد أن مر عليه في بطن أمه عشرون ومائة يوم يأتيه الملك، فيؤمر بكتب أربع كلمات، بكتب: هل هو ذكر أم أنثى؟ شقي أم سعيد؟ ما رزقه؟ ما أجله؟ فيكتب الأجل لكل نفس لها أجل مقدور عند الله منذ الأزل.
فكل إنسان له كمية من الأيام، وكمية من العمر، وعدد محدود من الأنفاس، فكل زفير وشهيق معدود، وكل إنسان له رزق مقسوم من هذه الحياة، وكلما امتد العمر كلما نقصت هذه الكمية التي أحصاها الله من الأنفاس، ولا ندري نحن بحقيقتها.
فأنت بتقدم السنوات تزداد اقتراباً من القبر، وفي الحقيقة عمرك ينقص وليس يزيد؛ لأنك تؤمن بالقدر، وتصدق خبر النبي ﵌، فكلما مضى يوم كلما ذهب بعض منك، وكلما نقص عمرك كلما زاد اقترابك من حفرتك.
ولكي ندرك قيمة الوقت، علينا أن نتأمل قول النبي ﵌: (إن في يوم الجمعة لساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله تعالى شيئاً من أمر الدنيا أو الآخرة إلا أعطاه إياه)، والقول الراجح الذي يدل عليه الحديث أنها آخر ساعة بعد صلاة العصر، وهي ساعة قصيرة قبل غروب الشمس يوم الجمعة.
من يستطيع أن يعيد لحظات من هذا اليوم الذي انصرم؟ ما ولى لا يمكن أن يعود، وهذا يؤكد خطورة الوقت، وأهمية المحافظة على الوقت.
سمعنا كلام الحسن البصري رحمه الله تعالى الذي عاصر كثيراً من الصحابة ﵃، وقد قال فيه بعض السلف: ذلك الرجل الذي يشبه كلامه كلام الأنبياء! مع أنه من التابعين، لكنه آتاه الله الحكمة، قيل: إن سبب ذلك أنه رضع من أم سلمة رضي الله تعالى عنها؛ فكلامه يشبه كلام الأنبياء، حتى إن كثيراً من الناس يحفظون عبارات يظنونها أحاديث وما هي إلا عبارات نطق بها الحسن البصري رحمه الله تعالى.
قال الحسن: أدركت أقواماً كان أحدهم أشحّ على عمره منه على درهمه! كانوا يبخلون بالوقت أكثر مما يبخلون بالدرهم والدينار؛ لأن العمر إذا ضاع فات ولن يعوض، والدرهم إذا ارتحل يوماً يمكن أن تعوضه في يوم آخر.
يقول الإمام الشافعي ﵀: إذا ما مضى يوم ولم أصطنع يداً ولم أقتبس علماً فما ذاك من عمري فهذا اليوم الذي لم أجد فيه قرباً من الله، ولم أصنع يداً أو معروفاً، ولم أكتسب فيه علماً جديداً، فلا يحتسب ذلك اليوم من عمري!! وكان الوزير ابن هبيرة -وهو شيخ الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى- يقول: والوقت أنفس ما عنيت بحفظه وأراه أسهل ما عليك يضيعُ إذاً: أول خصيصة من خصائص الوقت: أنه من أعظم النعم التي أنعمها الله على الإنسان؛ لأن الوقت هو الحياة.
стр. 751
الوقت ما مضى منه لا يعود
يقول الحسن البصري: ما من يوم ينشق فجره إلا ينادي: يا ابن آدم! أنا خلق جديد، وعلى عملك شهيد، فتزود مني، فإني إذا مضيت لا أعود إلى يوم القيامة.
ومما ينبغي التنبه له: أن مجرد اشتغالك بالندم على وقت ضيعته من قبل، يعتبر تفويتاً للحظة الحاضرة التي أنت فيها، فلا ينبغي أصلاً أن تنشغل بالندم على وقت فات، بل عمِّر هذا الوقت بالأعمال الصالحة، والتزود للمعاد.
قال الإمام الهروي في ذكر أنواع الغيرة: منها: الغيرة على وقت فات، فيتذكر وقتاً ضاع منه في اللهو في العبث في الإفراط؛ فيضيع لحظته الحاضرة في التندم والتأسف على اللحظة الفائتة، فهذه غيرة قاتلة، فإن الوقت سريع التقدم -أي: سريع الانقضاء- أبي الجانب، بطيء الرجوع.
فمن فاته وقت لا يمكنه استدراكه البتة؛ لأن الوقت الآتي لن يجيء بدون واجبات، فكلما أتى وقت جاء معه عمله الخاص، فإذا فاتتك اللحظة الماضية فلا سبيل إلى تداركها، كما جاء في المسند مرفوعاً -وإن كان الحديث ضعيفاً-: (من أفطر يوماً من رمضان متعمداً من غير عذر لم يقضه عنه صيام الدهر وإن صامه).
ومما ثبت في نفس هذا المعنى قول أبي بكر ﵁ لـ عمر ﵁ حين استخلفه: إن لله حقاً بالنهار لا يقبله بالليل، ولله حق في الليل لا يقبله في النهار.
وقال عمر ﵁: إني لأكره أن أرى أحدكم سبهللاً، لا في عمل دنيا ولا في عمل آخرة.
بعض الناس يقول: نحن نقتل الوقت! هو في الحقيقة يقتل نفسه هو ينتحر انتحاراً بطيئاً دون أن يشعر! يقول بعض الشعراء: وما المرء إلا راكب ظهر عمره على سفر يفنيه باليوم والشهر يبيت ويضحي كل يوم وليلة بعيداً عن الدنيا قريباً من القبر
стр. 752
من خصائص الوقت: سرعة انقضائه
يقول بعض الشعراء: مرت سنين بالوصال وبالهنا فكأنها من قصرها أيامُ ثم انثنت أيام هجرٍ بعدها فكأنها من طولها أعوامُ ثم انقضت تلك السنون وأهلها فكأنها وكأنهم أحلامُ! فما دام الموت نهاية كل حي، فمهما طال عمر الإنسان فهو قصير، فإن البعيد ما ليس بآتٍ، لكن كل ما هو آتٍ فهو قريب، يقول بعضهم: وإذا كان آخر العمر موتاً فسواء قصيره والطويلُ ومما يروى في الآثار: أن نوحاً ﵇ أتاه ملك الموت، فقال له: يا أطول الأنبياء عمراً -عاش ألف سنة- كيف وجدت الدنيا؟ قال: وجدتها كدارٍ لها بابان، دخلت من أحدهما وخرجت من الآخر!! يقول الله -مشيراً إلى سرعة انقضاء الوقت-: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ [النازعات:٤٦]، كل عمر الدنيا هذا كأنه عشية أو ضحاها!! ويقول : ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ [يونس:٤٥].
فالمقصود: أن هذه الخصائص المهمة للوقت لابد من تذكرها، وعدم الالتفات إلى قول البعض بأنهم يقتلون الوقت، وما هو إلا انتحار بطيء كما ذكرنا.
وأيضاً: لابد أن ننتبه إلى أنه لا يوجد شيء اسمه فراغ؛ لأن الفراغ لا يبقى فراغاً، لكنه لابد أن يملأ بخير أو بشر، ويوضح هذا قول الحسن البصري: نفسك إن لم تشغلها بالحق، شغلتك بالباطل.
فإذا كان هناك إنسان فارغ فلابد أن ينشغل، فإن لم يبادر ويشغل نفسه بالحق شغلته بالباطل.
قال بعض السلف: الفراغ للرجال غفلة، وللنساء غلمة، أي: يحرك الشهوات.
وقال بعضهم: إن الشباب والفراغ والجِدَة مفسدة للمرء أي مفسدة فهذه معادلة، ومعنى الجدة أي: توافر المال ويسر الحال، فهذه الأمور الثلاثة تساوي: مفسدة للمرء أي مفسدة.
وقال آخر: لقد هاج الفراغ عليه شغلاً وأسباب الفراغ من البلاءِ أي: تسبب له في أن تعلق قلبه بالشهوات وأحلام اليقظة!
стр. 753
الوقت في القرآن والسنة
стр. 754
الوقت في القرآن الكريم
نقف مع بعض النصوص التي تبين قيمة الزمن، من القرآن ومن السنة: يقول الله : ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [النحل:١٢]، وقال : ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ [إبراهيم:٣٣]، وقال سبحانه: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾ [الإسراء:١٢]، وقال سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان:٦٢] (خِلْفة) أي: يخلف أحدهما الآخر، فمن فاته عمل في أحدهما حاول أن يتداركه في الآخر، هذا هو المقصود من كلمة: (خلفة) أي: يخلف الليل النهار، ويخلف النهار الليل، بحيث من فاته عمل الليل حاول أن يتداركه ويعوضه في النهار، وهكذا.
أيضاً: معلوم أن الله إذا أقسم بشيء من خلقه، فإنما يقسم سبحانه به ليلفت نظر الخلق إلى أهمية هذا الشيء، وينبههم على منفعته وآثاره، فأقسم الله بأزمان وبأوقات معينة؛ ليدل على شرف هذا الزمان؛ لأنه آية من آيات الله، ونعمة من نعم الله على الإنسان، قال : ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر:١ - ٢]، فأقسم الله بالفجر وليال عشر، وهذه أزمنة وأوقات.
وقال : ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ [الليل:١ - ٢].
وقال : ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ [الضحى:١ - ٢].
وأقسم بما هو أعم من ذلك، وهو العصر (الزمن والدهر)، فقال : ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:١ - ٣].
فالمقصود بالعصر هنا: الدهر أو الزمن؛ وذلك لشرفه وقيمته، فالله يقسم بالعصر؛ لأنه لا شيء أنفس من العمر، وفي تخصيص القَسَم بالعصر إشارة إلى أن الإنسان يضيف المكاره والموارد إليه، وبعض الناس حينما يسبون الدهر يقولون: يا خيبة الدهر! يا ويل الدهر! فالله يقسم به ليبين أن العيب فيكم، ويحل بكم العقاب بسبب أعمالكم أنتم، وليس للدهر شأن في ذلك، ولذلك قال ﵊: (لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر).
فالمقصود: أن الله أقسم بالدهر؛ ليبين شرفه ومكانته، وأنه نعمة من نعم الله وآياته، فمن ذم الدهر فلتفريطه في جنب الله، وليس لأن الدهر هو السبب في ذلك.
يقول الإمام الرازي في هذه الآية: إن الدهر مشتمل على الأعاجيب؛ لأنه يحصل فيه السراء والضراء، والصحة والسقم، والغنى والفقر، فلو ضيعت ألف سنة، ثم تبت في اللمحة الأخيرة من العمر لكنت في الجنة أبد الآباد! فعلمت حينئذ أن أشرف الأشياء حياتك في هذه اللمحة، فكان الدهر والزمان من أعظم النعم.
جاء في الحديث الصحيح: أن مشركاً أتى النبي ﷺ فأسلم وشهد الشهادتين، ثم لم يلبث أن نودي للجهاد، فخرج في الغزوة فقتل فدخل الجنة، فهذا رجل امتد عمره في الشرك والكفر، فأتى تائباً وأسلم، وشهد الشهادتين، ولم يُصلّ حيث لم يأت عليه وقت صلاة؛ لأنه أسلم منذ لحظات، فبمجرد أن أسلم خرج للجهاد، فقتل في سبيل الله، فقال ﷺ : (عمل قليلاً وأجر كثيراً).
فهذا العصر وهذا الزمن بمضيه ينتقص العمر، فإن لم يكن في مقابله انتقاص العمر كسب وأعمال صالحة، صار ذلك النقصان هو عين الخسران!! ولذلك قال سبحانه: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر:٢]، فالأصل أن كل بني آدم خاسرون، واستثنى هؤلاء الطائفة المهدية: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:٣].
وهناك آيات أخر تؤكد هذا المعنى، ومنها قول الله : ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ﴾ [فاطر:٣٧]، وذلك حينما يتمنى أهل النار الخروج كما قال الله عنهم: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ [فاطر:٣٧]، فيجيبهم الله بأنه امتن عليهم بنعمة العمر ونعمة الوقت، ولكنكم ضيعتموها: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [فاطر:٣٧]، وقال : ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة:١٢]، لكنه يقين لا يفيد، ولات حين مندم.
وقال : ﴿وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [سبأ:٥٢]، كيف إذا أتاهم الموت يطلبون الإيمان، ويقولون: آمنا؟! فهم كحال الشخص الذي يتناول شيئاً من مكان بعيد، فهل يقع في يده وهو بعيد عنه؟! كذلك هُم بعيدون من التوبة، وبعيدون من الإيمان في مثل هذا الموقف، ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [سبأ:٥٤] ليس المقصود: ما يشتهون من الشهوات، والأطعمة، والأشربة، والأنكحة، ونحو هذه الأشياء!! لكن المقصود أنه في حالة احتضار الكفار حيل بينهم وبين ما يشتهون من التوبة، ومن الرجوع ليستدركوا ما فاتهم.
﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ﴾ [سبأ:٥٤]، فالدنيا دار امتحان، والآخرة دار ظهور نتائج، فالإنسان في هذه الدار في حالة امتحان، وكل إنسان آتاه الله سبحانه العقل، وفطره على الإسلام، وقد أقام الله في السماوات والأرض آيات وبراهين واضحة على وحدانيته ، وأرسل الله الرسل، وضمن للعباد ألا يعذبهم حتى يأتيهم الرسل، فجاء الرسل: ﴿مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥]، ومع ذلك غرتهم الحياة الدنيا، وفرحوا بما عندهم من العلم، فهم ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:٧]، وكما قال ﷺ : (إن الله يبغض كل جعظريّ جوّاظ، صخّاب في الأسواق، جيفة بالليل حمار بالنهار، عالم بأمر الدنيا جاهل بأمر الآخرة)، وهذا حال أكثر الناس في هذا الزمن، قد اغتروا بما لديهم من قوة، ومن علم، ومن بيوت، ومن أموال، ونسوا هذه الحقيقة، ونسوا ما ينتظرهم من الحساب، وهؤلاء أنفسهم سوف يصطرخون إن لم يتوبوا ويقولون: (ربنا أخرجنا)، ويقولون: ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:١٠٢]، فيجابون: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨].
ومن شرف الوقت أن السعداء -أهل الجنة- يقطفون ثمرة الوقت، ثم يقال لهم في الجنة: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة:٢٤]، وتأملوا كلمة: (الأيام) فهي الوقت والزمان الذي تعيشون أنتم فيه الآن.
أما الأشقياء فيقال لهم في النار: ﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ [غافر:٧٥].
من أجل ذلك أمر الله المؤمنين بالتنافس في هذا المضمار، والمسابقة والمسارعة في الخيرات؛ لأن الإنسان يجري والموت يجري وراءه، ولابد أن يدركه كما في الحديث: (لو أن ابن آدم يهرب من رزقه كما يهرب من أجله لأدركه رزقه كما يدركه الموت).
فأجلك يعدو خلفك، وسيلحقك في موعد محدد، لا يفرق بين جنين في بطن أمه، ولا يفرق بين صبي لم تكتب عليه خطيئة، ولا بين شيخ وشاب، ولا بين رجل وامرأة، ولا بين مسلم وكافر، ولا بين صالح وطالح: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ [المنافقون:١١].
فمن أجل ذلك، ومن أجل خطورة الوقت، كان التعبير دقيقاً في هذه الآيات التي نتلوها، قال الله : ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة:١٤٨]، انظر كلمة: الاستباق: (فاستبقوا الخيرات) أي: ابذلوا أقصى ما في وسعكم لتحصيل ما أمكنكم من الخيرات.
ويقول الله في مدح الأنبياء: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ [الأنبياء:٩٠].
ويقول : ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ [الذاريات:٥٠].
وقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:٩]، وليس المقصود الجري، إنما المقصود: المسارعة إلى الأعمال الصالحة، أما في الأمور المضمونة كالرزق، فقال: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ [الملك:١٥]، وأما في أمور الآخرة فقال: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة:٩]، وقال : ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأ
стр. 755
الوقت في السنة النبوية
الأدلة من السنة كثيرة على أهمية الوقت، ومنها ما رواه معاذ بن جبل ﵁ عن النبي ﷺ قال: (ليس يتحسر أهل الجنة على شيء) أهل الجنة في النعيم، والسلامة من التنغيص والآلام والنكد، فما هو الشيء الوحيد الذين يتحسرون عليه؟ يقول ﵌: (ليس يتحسر أهل الجنة على شيء، إلا على ساعة مرت بهم لم يذكروا الله فيها).
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة -أي: نخلة صغيرة- فإن استطاع ألا يقوم حتى يغرسها فليفعل) هل هناك دليل يدل على عظمة الوقت أكثر من هذا؟ حتى لو أذن الله بخراب الدنيا وقيام الساعة، وبدأ إسرافيل بالنفخ في الصور ليقضي على كل مظاهر الحياة في الكون، فمع ذلك يقول النبي ﵌: (إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع ألا يقوم حتى يغرسها فليغرسها)، وهذا فيه إشارة إلى أن الإنسان يقوم بحق الوقت الحاضر، ويعيش اللحظة الذي هو فيها، ويقطع النظر عن الماضي، فلا يفوت وقته الحاضر بالتندم والتحسر على الماضي، ويقطع نظره أيضاً عن المستقبل، حتى لو كان هذا المستقبل لحظة، أو جزءاً يسيراً جداً من اللحظة يوشك بعده أن تقوم الساعة وينفخ في الصور.
وعن عمارة بن خزيمة بن ثابت الأنصاري ﵄ قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول لأبي: ما يمنعك أن تغرس أرضك؟ فقال له أبي: أنا شيخ كبير أموت غداً، فقال له عمر: أعزم عليك لتغرسنها -يعني: أحلف عليك لابد أن تحرث الأرض وتزرعها-، يقول: فلقد رأيت عمر بن الخطاب يغرسها بيده مع أبي.
ويحكون عن كسرى فارس أنه خرج يوماً يصطاد، فوجد شيخاً كبيراً يغرس شجر الزيتون -وشجر الزيتون يثمر بعد ما يقارب ثلاثين سنة-، فوقف عليه وقال له: يا هذا! أنت شيخ هرم، والزيتون لا يثمر إلا بعد ثلاثين سنة، فلم تغرسه؟ فقال: أيها الملك! زرع لنا من قبلنا فأكلنا، فنحن نزرع لمن بعدنا ليأكلوا! فحتى لو كنت أنت لم تحصد هذه الثمرة، فكما حصدت ثمرة من غرس من قبلك، فاغرس لمن بعدك.
وقصة عمر ﵁ في قصته مع خزيمة بن ثابت ﵁ تبين لنا خطورة الزمن والوقت.
وعن معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تزول قدما عبد يوم القيامة) أي: لا ينطلق من بين يدي الله إلا بعد الحساب، إذ لابد لكل إنسان أن يحاسب، ويسأل أسئلة إجبارية وليست اختيارية: (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع خصال: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن علمه ماذا عمل به).
فتأمل! أربعة أسئلة إجبارية، منها سؤالان في مادة الوقت في مادة الزمن: (عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه) مع أن الشباب يدخل في العمر! لكن خص النبي ﷺ الشباب؛ لما له من قيمة متميزة، باعتباره سن الحيوية، وسن القوة بين ضعفين: ضعف الطفولة، وضعف الشيخوخة.
فالشباب هو سنّ الثبات، وسنّ العمل، وسن التحصيل، بعكس ما يفهم بعض السفهاء في هذا الزمان، فيقول: تمتع بشبابك! أنت ما زلت في مقتبل العمر! وإذا أردت أن تمنع نفسك من اللهو، والفسق، والمعاصي المنتشرة قال لك: أنت ما زلت شاباً! ويقال للمرأة: تحجبي، فتقول: أنا ما زلت صغيرة! ما زلت شابة! حتى أكبر! مع أن المرأة العجوز لا تشتهى، ولا يسمع في الغالب أنها تفتن أحداً، فكأنهم قلبوا معنى الآية، وهذا من تلبيسات الشيطان على الناس.
وبعض الناس يقول: ساعة لقلبك، وساعة لربك! فعندهم: ساعة لربك أي: نعبد ربنا، ونصلي، ونفعل ما علينا!! وساعة لقلبك، أي: يعصي الله فيها! فكأنها نوع من المعادلة، فيقسمون الوقت ساعة لربهم، وساعة لشيطانهم! فمن تلبيس الشيطان على الناس أن يظن بعضهم أن فترة الشباب فترة العبث واللهو، وبعدما يعجز يتوب!! يقول بعض الشعراء: ألا ليت الشباب يعود يوماً فأخبره بما صنع المشيبُ عبر بـ: (ليت) التي فيها تمني المستحيل؛ لأن (كل داء أنزله الله له دواء إلا الهرم) أي: الشيخوخة، فلا يعود الشباب أبداً، فهذه أعظم فرص التحصيل، وهي فرصة الشباب، وهل كان أصحاب رسول الله ﷺ إلا شباباً؟ ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ﴾ [يونس:٨٣] يعني: ذرية من الشباب، وأصحاب الكهف كانوا من الشباب: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ [الكهف:١٠]، وتقول حفصة بنت سيرين رحمها الله: يا معشر الشباب! خذوا من أنفسكم وأنتم شباب؛ فإني ما رأيت العمل إلا في الشباب.
الطفل لا يعمل، والعجوز لا يقوى على ما يقوى عليه الشباب.
ومن الأحاديث التي تبين قيمة الوقت: حديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس)، والغبن: أن يشتري الإنسان السلعة بأضعاف الثمن، أو يبيع بدون ثمن المثل، فالإنسان إما بائع أو مشتري، فإذا اشترى شيئاً بأضعاف ثمنه الحقيقي فقد غبن، وإذا باع شيئاً بأقل من سعر المثل فقد غبن، أي: في الحالتين تحصل خسارة.
فهاتان نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس، إذ إن رأس مال الإنسان في هذه الدنيا أمران: الصحة، والفراغ -الوقت-، فالصحة ضيف عابر يعقبها السقم، والفراغ يعقبه الشغل، فمن جمع الله له هاتين النعمتين فوضعهما في موضعهما فهو المغبوط على هذا، وإلا فهو المغبون مصداقاً لقوله ﷺ : (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ).
وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (اغتنم خمساً قبل خمس) أي: أدرك هذه الغنيمة، ولا تدعها تهرب منك؛ فإنها ضيف عابر ينزل عليك ثم سرعان ما يخلفه غيره: (شبابك قبل هرمك)، فاغتنم شبابك؛ لأنه وقت الطاعات، ووقت تحصيل الأعمال، (اغتنم شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أعذر الله إلى امرئ أخر أجله حتى بلغه ستين سنة) رواه البخاري، الإعذار: إزالة العذر، والمعنى: أن هذا الشخص لم يبق له عذر؛ لأن الله أمهله، أنت كلما نمت واستيقظت هذه نعمة؛ لذلك كان ﵊ أول ما يستيقظ يقول: (الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور)، ويقول: (الحمد لله الذي رد علي روحي، وعافني في جسدي، وأذن لي بذكره)، فهذه الروح تخرج عند النوم، لأن النوم أخو الموت، وهو الموتة الصغرى، فتخرج هذه الروح من البدن بكيفية معينة الله يعلمها، فأنت في حالة النوم ميت، فالنوم شقيق الموت، فإذا خرجت روحك فمن يعيدها إليك؟ الله .
إذاً: الله يمن عليك كل يوم بأن يرد إليك روحك ليمهلك، ويستعتبك، ويعطيك فرصة، فمن أعظم النعم أنك ترى نفسك في الصباح ما زلت حياً، فهذه فرصة جديدة تفتح لك الأبواب: (إن الله يبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، ويبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار)، فنعم الله لا تنفد، ونعمه على العباد لا تنقطع، ولا تعد ولا تحصى، فهذه من أعظم النعم عليك؛ لأنه كان من الممكن أن يأخذ روحك، وما أكثر ما نسمع عن إنسان نام فلم يقم!! تزود من التقوى فإنك لا تدري إذا جنّ ليل هل تعيش إلى الفجر فكم من سليم مات من غير علة وكم من سقيم عاش حيناً من الدهر وكم من فتى أمسى وأصبح ضاحكاً وقد نسجت أكفانه وهو لا يدري فهذا الحديث مما يبين خطورة الوقت؛ لأن الله إذا أمهل الإنسان، ومد له في عمره حتى بلغه ستين سنة، فليس له عذر عند الله، ولم يبق له أي موضع اعتذار إذا تمادى في المعاصي، (أعذر الله إلى امرئ أخر أجله حتى بلغه ستين سنة).
ولعل هذه هي الحكمة من قول النبي ﵌: (أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين، وأقلهم من يجوز ذلك) (أعمار أمتي) أي: أغلب هذه الأمة أعمارها تكون بين الستين والسبعين، (وأقلهم من يجوز ذلك)، فهذه من منن الله على هذه الأمة أن يمهل لهم، ويمد لهم في الأجل حتى يتوبوا.
ومما يبين قيمة الوقت أيضاً من السنة: أن النبي ﵌: (مر مع الصحابة ﵃ على قبر، فوقف، وقال لهم: ركعتان خفيفتان مما تحقرون وتنفلون، يزيدهما هذا في عمله، أحب إليه من بقية دنياكم)، (ركعتان خفيفتان مما تحقرون) تصلي ركعتين وتقول: هذه طاعة يسيرة (مما تحقرون وتنفلون) أي: نافلة وسنة، (يزيدهما هذا الرجل في عمله) أي: يتمنى لو يخرج إلى الدنيا فقط ليصلي ركعتين، ويعاد في القبر، يتمنى أن ينتهز هذا الزمن اليسير -خمس أو ثلاث دقائق- ليصلي ركعتين، وهذا أحب إليه من بقية دنياكم.
ولما بنى النبي ﷺ مسجده من الجريد وسعف النخل، قيل له: (يا رسول الله! هلا اتخذت لبناً؟ -أي: هلا بنيت المسجد من الطوب؟ - فقال رسول الله ﷺ : بل عريش كعريش موسى، ثمام وخشبات، والأمر أعجل من ذلك)!! وقال ﷺ : (من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل) (أدلج) يعني: مشى بالليل، كان الناس من قبل يسافرون على الدواب والجمال والخيول ونحوها، فكان إذا خاف الإنسان ألا يصل إلى البلدة التي يسافر إليها في الموعد، فلا ينام بالليل، ويظل يدلج، أي: يسير في الليل.
فيقول النبي عليه الصلاة وا
стр. 756
أسباب ضياع الوقت
стр. 757
فضول المجالسة والمخالطة
فضول المجالسة والمخالطة، مثل ما يسمى بجلسات الدردشة، والآن التجارة يكاد يحتكرها النصارى، فكثير من المسلمين اليوم يقضون وقت فراغهم في أكل اللب الأصفر والأبيض والأحمر والحمص وهذه الأشياء التي تسمى تسالي، لا داعي للب وللحمص، هذه الأشياء عدوة الذكر، عدوة العلم، أنا ما أقول: إنها حرام، لكننا نستسهلها لأننا نعيش في فراغ، ولو أن الإنسان قرأ في جلوسه آية من القرآن لكان خيراً له، فالحرف الواحد بعشر حسنات.
إذاً: هذا عمى في البصيرة، وقلة تفكر، ومن كان هذا حاله فإنه لا يفقه ولا يعقل، إذ كيف يضيع الساعات الطوال في سهرات أمام التلفزيون، ويقول لك: نقتل الوقت؟! وكذلك: الولائم الدعوات السياحة السفر كل هذه الأشياء يقتلون بها الوقت!! وما يقتلون إلا أنفسهم وما يشعرون! فضول المجالس مما يفسد الوقت، قال بعض السلف: إذا طال المجلس كان للشيطان فيه نصيب.
كيف كان احترام السلف للوقت؟ سنعجب إذا ذكرنا نماذج من ذلك، فلقد أصبحنا غرباء عنها تماماً.
كان بعض العلماء إذا خرج إلى الخلاء أعطى ولده الكتاب، ويقول له: اقرأ علي.
فيتعلم حتى في أثناء جلوسه في الخلاء؛ لأنه يحرم عليه أن يذكر الله وهو في الخلاء، فيجعل ولده يقرأ له حتى لا يضيع هذا الوقت!! الرسول ﵊ كان يقول إذا خرج من الخلاء: (غفرانك)، ماذا قال العلماء في تفسيرها؟ قالوا: إن الرسول ﷺ تمنعه هذه الحالة من الاستغفار، وتمنعه من ذكر الله ، وقد كان يداوم على الذكر في كل آناء الليل وأطراف النهار، فلما انقطع لسانه عن الذكر في هذه الحالة عدّ هذا من التقصير في جنب الله، فجبرها حينما خرج بقوله: (غفرانك) أي: اغفر لي هذا الانقطاع عن ذكرك في هذه اللحظات! فمن فضول المخالطة أن تعتكف في مجالس الدردشة على اللهو، والعبث، والفسق، والغيبة، والنميمة، وكل هذا الباطل الذي يقضي على الفراغ، وينبغي للمسلم ألا يكون عنده شيء اسمه: فراغ؛ لأنك إن لم تشغل نفسك بالحق ستشغلك نفسك بالباطل.
يقول بعض السلف: شتان بين أقوام موتى تحيا القلوب بذكرهم، وبين أقوام أحياء تموت القلوب برؤيتهم.
فهناك قوم موتى قد دفنوا في التراب: من الصحابة من العلماء من السلف ﵃، إذا ذُكروا تحيا القلوب بذكرهم وهم أموات!! وقوم أحياء تموت القلوب بمخالطتهم.
ففضول المخالطة والهمجية في تضييع الوقت في مجالس الدردشة، والتسلية، والفكاهات، والنوادر، والمسرحيات، وغيرها؛ كل هذه الأشياء -حتى لو افترضنا أن فيها أشياء مباحة- من الخسران، فما بالك إذا انضم إليها الفساد، والفسق، والعصيان؟!
стр. 758
فضول الكلام
فضول الكلام من أعظم ما يضيع الوقت، فإذا كانت الحاجة تنتهي بشيء يسير من الكلام، فلا داعي لإطالة الكلام، وفي الحديث: (كان النبي ﷺ ينهى عن قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال)، وقال ﷺ : (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت).
стр. 759
فضول الطعام
يقول النبي ﵌: (إن المؤمن يأكل في معي واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء)، فالمؤمن يأكل من أجل أن يعيش، أما الكافر فيعيش ليأكل! ولو اطلعت على الكتب المتخصصة في كيفية صناعة الأطعمة، سترى الذين يعيشون للدنيا، عالمون بأمر الدنيا، جاهلون بأمر الآخرة: ﴿كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان:٤٤]، تجد كل همه في الشهوات، والطعام في ذاته مجرد شهوة من الشهوات، فيعيش ليتنعم، ويعتبر التأنق في الطعام لذة من اللذات، فهمه أن ينظر إلى منظر الطعام، وهو مرتب بطريقة معينة بألوان معينة، وكأنه يعيش من أجل أن يأكل: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ﴾ [محمد:١٢]، كما تأكل الأنعام لتسمن ﴿وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [محمد:١٢] لتأكل أجسادهم.
стр. 760
الانشغال بالمفضول عن الفاضل
لابد من معرفة مراتب الأعمال، فهناك أعمال لها مراتب، فهناك فاضل، وهناك مفضول هناك فرض، وهناك نفل، فمن التضييع والخسران أن الإنسان يشتغل بالعمل المفضول عما هو أفضل منه من الأعمال الصالحة، فهذا يحتاج لفقه دقيق في تحديد وظيفة الوقت.
يقول الله : ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر:١٧ - ١٨]، كلمة: (أحسنه) إشارة إلى هذا المعنى، وهو تقديم الفاضل على المفضول من الأعمال.
يقول بعضهم: وإذا طلبت العلم فاعلم أنه حمل فأبصر أي شيء تحملُ وإذا علمت بأنه متفاضل فاشغل فؤادك بالذي هو أفضل ومما ورد في السنة من بيان قيمة الوقت وخطورته حديث عقبة بن الحارث ﵁ قال: (صليت وراء النبي ﷺ بالمدينة العصر، فسلم ثم قام مسرعاً يتخطى رقاب الناس إلى بعض حجر نسائه، ففزع الناس من سرعته، فخرج عليهم، فرأى أنهم قد عجبوا من سرعته؛ فقال: ذكرت شيئاً من تبر عندنا -أي: قطع من الذهب من مال الصدقة- فكرهت أن يحبسني فأمر بقسمته)، يعني: خشيت أن يشغلني الفكر فيه عن الإقبال على الله ، فانظر كيف تعجل النبي ﷺ إبراء ذمته من هذا المال؟! وعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: (ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي به، يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عند رأسه)، وهذه أيضاً مبادرة، خشية حضور الأجل، وانقطاع العمر.
стр. 761
التسويف
التسويف من آفات الوقت، وثمنه فادح، وهنا قاعدة: الأصل أن العمل المؤجل ضائع! فهذه قاعدة في أي مسلك يسلكه الإنسان، فالعمل المؤجل ضائع في الأصل، فالعاقل لا يؤجل العمل مطلقاً إلا عند الضرورة.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
стр. 762
صفة الجنة والنار
لقد أمر الله الناس بالإيمان، ووعدهم على ذلك بالجنة، وحذرهم من الكفر والعصيان، وتوعدهم إن خالفوا شرعه بالنار، وقد جاءت في الكتاب والسنة نصوص كثيرة تصف النار وما أُعد لأهلها من عذاب وأهوال؛ حتى يفزع الناس منها إلى الطاعة، كما جاءت نصوص كثيرة في وصف الجنة وما أعد الله لأهلها؛ حتى يدفع بالناس إلى المسارعة في الخيرات.
стр. 763
الإيمان بالجنة والنار وما يتعلق بهما
الحمد لله، نحمده ونستغفره ونستهديه، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
إن الله لم يخلقنا عبثاً، ولم يتركنا سدى، وإنما خلق كلاً منا لإحدى الدارين، ويستقر في أحد المستقرين، إما في جنة عرضها السماوات والأرض، وإما في نار أعدت للكافرين.
التفكر في المستقبل دائماً يشغل بني آدم في فترة تواجدهم المحدودة في هذه الحياة الدنيا، لكن المؤمن كما قال ﷺ : (كيس فطن)، ومن كياسة المؤمن وفطانته أنه دائماً ينظر إلى المستقبل الحقيقي والنهاية الأبدية في جنة الرضوان، فهذا هو هدف المؤمن وهذا هو مستقبله، وقد جعل رسول الله ﷺ الإيمان باليوم الآخر أحد أركان الإيمان الستة حينما سأله جبريل ﵇: (ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره من الله .
فأحد أركان الإيمان: الإيمان باليوم الآخر، واليوم الآخر يشمل الإيمان به عدة أمور لابد أن تجتمع في قلب كل مؤمن حتى يصح أن يوصف بأنه مؤمن بالله واليوم الآخر، فإن اليوم الآخر من الغيب الذي مدح المؤمنون بالإيمان به، ولا يمكن الإيمان بهذه الغيبيات إلا أن تكون صحيحة، ولا تكون صحيحة إلا بنسبتها إلى الله وإلى رسوله ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى.
فيدخل في الإيمان باليوم الآخر الإيمان بالقيامة الصغرى في حق كل إنسان وهي الموت، فمن مات قامت قيامته، وكذلك التصديق بأشراط الساعة، وبعلامات القيامة الكبرى والصغرى، فمن العلامات الكبرى خروج المسيح الدجال ونزول عيسى بن مريم ﵇ وخروج المهدي ويأجوج ومأجوج وطلوع الشمس من المغرب إلى آخر العلامات المعروفة.
ثم تأتي نفخة الصعق ونفخة الفزع حيث تنتهي بها الحياة على وجه هذه الأرض، ثم يكون بعد ذلك ما شاء الله أن يكون، ثم تنفخ نفخة البعث والنشور، وتبدأ مرحلة أخرى من الإيمان باليوم الآخر، هذه المرحلة هي الإيمان بالقيامة الكبرى، وتفاصيل ما يحدث من حشر الأجساد والميزان والمرور على الصراط والشفاعة العظمى لنبينا محمد ﷺ والورود على الحوض لأتباعه ومحبي سنته إلى آخر التفاصيل التي تقع في يوم القيامة الكبرى.
ثم ينتهي يوم القيامة الكبرى بانتقال الناس إلى أحد الدارين، فأما الذين سبقت لهم من الله الحسنى فأولئك يبعدون عن النار ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران:١٨٥]، وأما الآخرون فيساقون إلى الجحيم والعياذ بالله.
وحتى يصح أن نكون مؤمنين بالجنة والنار لابد أن نعرف تفاصيل الحياة في الجنة والنار كما أخبر بها الله ورسوله ﵌.
стр. 764
أوصاف النار
النار هي الدار التي أعدها الله للكافرين، وهي عذاب الله وسجنه الذي يسجن فيه المجرمين، وهي الخزي الأكبر والخسران العظيم، يقول الله : ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة:٦٣]، والنار فيها ما يعجز اللسان عن وصفه من الآلام مع الخلود الدائم بلا نهاية والعياذ بالله، يقول حاكياً عن حال عباد الرحمن: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ * إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ [الفرقان:٦٥ - ٦٦].
ويقول : ﴿هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [ص:٥٥ - ٥٦].
стр. 765
الجنة والنار مخلوقتان
الجنة والنار مخلوقتان موجودتان الآن، وليس كما يعتقد بعض الضالين المبتدعين أنهما تخلقان وتوجدان يوم القيامة، فمن أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة: الاعتقاد بأنهما موجودتان فعلاً الآن، لظواهر كثير من الآيات والأحاديث، مثل قوله : ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:١٣١] يعني: فرغ من إعدادها وفرغ من خلقها، وحديث المعراج فيه ما يكشف هذا المعنى.
وقال في الجنة: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:١٣٣]، فكلمة (أُعِدَّتْ) ظاهرها أنها مخلوقة وموجودة الآن.
стр. 766
خزنة جهنم
خزنة جهنم هم الملائكة الذين يحرسونها، أي: يقفون على أبوابها، ويتولون تعذيب أهلها، يقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦] فهؤلاء الملائكة الغلاظ الشداد هم خزنة جهنم.
ويقول : ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ * لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ * عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ * وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [المدثر:٢٦ - ٣١].
فخزنة النار هم الملائكة الذين يتولون تعذيب أهلها، وقد اغتر المشركون وظنوا أنه يمكنهم مدافعة هؤلاء الملائكة، فكان هذا الخبر في القرآن فتنة وامتحاناً لهؤلاء الكافرين، فإنه حينما أخبرهم الله أن النار عليها تسعة عشر ملكاً قالوا: كل واحد منا يتولى قهر ملك من هؤلاء الملائكة، ولا يعلمون أن ملكاً واحداً من ملائكة الله لا يمكن البشر كلهم مقاومته ومدافعته.
ويقول الله : ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٩] وفي هذه الآية إثبات أن هناك خزنة لجهنم وهم هؤلاء الملائكة.
﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف:٧٧] ومالك ﵇ هو كبير الملائكة الذين يتولون أمر جهنم والعياذ بالله.
стр. 767
سعة جهنم
النار واسعة بعيد قعرها، مترامية أطرافها، والدليل على ذلك أن عدد داخليها لا يحصيه إلا الله ، ومع أنهم بهذا العدد الهائل فإن خلق الواحد منهم يتعاظم ويكبر كبراً شديداً حتى يكون ضرسه مثل الجبل، يقول النبي ﷺ : (ضرس الكافر في النار مثل جبل أحد)، وجبل أحد طوله حوالى ستة آلاف متر! والمسافة بين منكبيه مسيرة ثلاثة أيام بسرعة الجواد، ومع هذا فإن جهنم تتسع لكل هذا العدد من البشر ومن الجن الذين سوف يعذبون فيها وهم بهذه الضخامة في الجثث وفي الحجم، بل يبقى فيها مكان لغيرهم، والدليل على ذلك قول الله : ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق:٣٠].
ويقول الرسول ﷺ : (لا تزال جهنم يلقى فيها وهي تقول: هل من مزيد؟ حتى يضع رب العزة فيها قدمه فينزوي بعضها إلى بعض فتقول: قط قط بعزتك وكرمك) متفق عليه.
ومما يبين سعة جهنم وعظم خلقها أن النبي ﷺ كان جالساً يوماً مع أصحابه رضوان الله تعالى عليهم فسمعوا وجبة، أي: سمعوا صدى صوت اصطدام جسم شديد فقال لهم النبي ﷺ : (أتدرون ما هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، فقال ﵌: هذا حجر رمي به في النار منذ سبعين خريفاً فهو يهوي في النار إلى الآن) رواه مسلم.
وقال ﵊: (لو أن حجراً مثل سبع خلفات ألقي من شفير جهنم هوى فيها سبعين خريفاً لا يبلغ قعرها) يعني: يمكث أكثر من سبعين سنة حتى ينتهي إلى قعرها.
ومن الأدلة على عظم خلق جهنم وكبرها -والعياذ بالله تعالى منها- كثرة الملائكة الموكلون بها، يقول الله : ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ [الفجر:٢٣]، كيف يجاء بجهنم؟ بين ذلك رسول الله ﷺ فقال: (يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك) رواه مسلم في صحيحه.
ومن الأدلة على عظم خلق جهنم: أن الشمس والقمر -وهما مخلوقان عظيمان- يكونان كطبقين في جهنم، كما قال ﷺ : (الشمس والقمر ثوران مكوران في النار يوم القيامة)، هذا وحجم الشمس مثل حجم الأرض مليون مرة، فمع ذلك تكون الشمس والقمر ثورين مكورين في النار يوم القيامة.
стр. 768
دركات جهنم
دركات جهنم كثيرة، وقد عدد الله كثيراً من أسمائها حتى ينبهنا إلى تعداد صفاتها، فمن أسمائها: جهنم ولظى والحطمة والسعير وسقر والجحيم والهاوية، فالنار ليست درجة واحدة، بل هي دركات تذهب سفلاً، كلما نزل في النار سفلاً اشتد عذابها وازداد حرها والعياذ بالله ، يقول الله : ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء:١٤٥]، ويقول : ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ [الأنعام:١٣٢] يعني: أهل الجنة درجات وأهل النار دركات، ويقول : ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ * هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٦٢ - ١٦٣]، فدرجات الجنة تذهب علواً، ودرجات النار تذهب سفلاً.
стр. 769
أبواب جهنم
النار لها سبعة أبواب، قال : ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر:٧١]، ويقول : ﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر:٧٢]، ويقول : ﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ﴾ [البلد:٢٠] يعني: مغلقة.
والشاهد من هذه الآيات: أن جهنم لها أبواب تغلق وتؤصد وتقفل على أصحابها حتى يحبسوا فيها.
ويقول : بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ * الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ * يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ * كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ * نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ * إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُوصَدَةٌ * فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ [الهمزة:١ - ٩].
وهذه الأبواب تغلق في شهر رمضان، يقول ﵌: (إذا دخل رمضان صفدت الشياطين، وفتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار).
стр. 770
وقود جهنم
وقود النار الناس والحجارة، يقول : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم:٦]، ويقول : ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٤]، والناس المقصود بهم هنا المشركون الكافرون.
أيضاً: توقد النار بالآلهة التي كانوا يعبدونها من دون الله في الدنيا، يقول الله : ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ * لَوْ كَانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الأنبياء:٩٨ - ٩٩].
стр. 771
شدة حر جهنم وعظم دخانها وشررها
من صفات النار شدة حرها وعظم دخانها وشررها، يقول : ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ * فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ * وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ * لا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ﴾ [الواقعة:٤١ - ٤٤].
فالناس في الدنيا إذا أرادوا أن يتمتعوا بالجو الطيب فغالب عناصر هذه المتعة هي الماء والهواء والظل، فحال أهل النار على الضد من هذا تماماً، فالماء عندهم هو الحميم، وهو الماء الذي اشتد حره، ووصل إلى أقصى الغليان.
أما هواؤهم فهو السموم، وهي الريح الحارة الشديدة.
أما ظلهم فمن يحموم، أي: قطع من الدخان لها ظل، ودخان النار وصفه الله بقوله : ﴿انطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ * لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ * إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ * كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ﴾ [المرسلات:٣٠ - ٣٣].
أي أن الدخان الذي يتصاعد من جهنم دخان ضخم جداً يعلو حتى ينقسم إلى ثلاثة أقسام.
وهذه النار شررها عظيمة، يقول تعالى: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾ [المرسلات:٣٢] يعني كالحصون الضخمة، أو كالإبل السود: ﴿كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ﴾ [المرسلات:٣٣].
ويقول : ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ [القارعة:٨ - ١١].
ويقول : ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ * لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ * عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر:٢٦ - ٣٠].
стр. 772
شدة لهيب جهنم وازدياد عذابها مع الوقت
بين النبي ﷺ شدة لهيب جهنم أعاذنا الله وإياكم منها بمنه وكرمه.
يقول ﷺ : (ناركم هذه التي توقدون جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم)، أي أن نار جهنم ضعف نار الأرض التي نراها الآن سبعين مرة، (فضج الصحابة رضوان الله تعالى عليهم وقالوا: يا رسول الله! والله إن كانت لكافية، فقال ﷺ : فإنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءاً كلهن مثل حرها) متفق عليه.
ومن صفات نار جنهم أنها لا تخبو مع طول الزمان، فأي نار تشتعل فإنها بعد وقت تنطفئ أو تخف إلا نار جهنم، فإنها بمرور الزمان يزداد لهيبها وشرها، يقول : ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾ [النبأ:٣٠]، فالعذاب في حالة ازدياد مستمر بمرور الزمن، وتأملوا كلمة (ذوقوا) أي أنه عذاب له طعم! ويقول : ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ [الإسراء:٩٧].
ويقول : ﴿فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنصَرُونَ﴾ [البقرة:٨٦].
وقال ﵊ في بيان مواقيت الصلاة: (ثم صلوا فإن الصلاة مشهودة حتى يستقل الظل بالرمح، ثم أقصروا عن الصلاة فإنه حينئذ تسعر جهنم، فإذا أقبل الفيء فصلوا).
والشاهد: أن النار كل يوم يزاد في سعيرها ولهيبها.
وقال ﷺ : (إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة؛ فإن شدة الحر من فيح جهنم) فهذا الحر الذي نلقاه في الدنيا هو نفس من أنفاس جهنم فقط! ويقول : ﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ﴾ [التكوير:١٢] يعني: أوقدت وأحميت.
стр. 773
النار تسمع وتبصر وتتكلم
النار خلق من مخلوقات الله يعلم تفاصيله الله ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤]، وقد أخبرنا الله أن النار مخلوقة تبصر وتتكلم وتشتكي: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء:١٢٢]، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء:٨٧].
فالنار حينما ترى أهلها قد أقبلوا عليها من مكان بعيد تطلق الأصوات المرعبة التي تدل على شدة حنقها وغيظها على هؤلاء المجرمين الذين أشركوا بالله ، يقول : ﴿إِذَا رَأَتْهُم مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا * وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا * لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ [الفرقان:١٢ - ١٤].
ويقول الرسول ﷺ : (يخرج يوم القيامة عنق من النار له عينان تبصران وأذنان تسمعان ولسان ينطق، يقول: إني وكلت بثلاثة: بكل جبار عنيد، وبكل من دعا مع الله إلهاً آخر، وبالمصورين) رواه الإمام أحمد والترمذي، فيخرج هذا العنق من النار حتى يعذب هؤلاء الثلاثة.
وقال ﷺ : (رأيت النار فلم أر كاليوم منظراً قط أفظع! ورأيت أكثر أهلها النساء) رواه البخاري ومسلم.
وقال ﷺ : (رأيت النار فإذا امرأة تخمشها هرة)، وفي الحديث الآخر: (عذبت امرأة في هرة حسبتها، فلا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض) فلذلك تعذب هذه المرأة بسبب هذه القطة.
ويقول ﷺ : (اشتكت النار إلى ربها) وهذا يدل على أن النار تشتكي وتتكلم: (اشتكت النار إلى ربها فقالت: رب أكل بعضي بعضاً، فأذن لها بنفسين: نفس في الشتاء ونفس في الصيف، فهو أشد ما تجدون من الحر، وأشد ما تجدون من الزمهرير)؛ لأن النار فيها كل ما يتخيله الإنسان من الضيق والظلام والحر الشديد والزحام وغير ذلك، فالحر الشديد يحرق، والبرد الشديد يحرق، فالزمهرير تعذيب بالبرد الشديد، فأشد ما تجدون من الحر في وقت الحر هو مجرد نفس فقط يخرج من جهنم حتى تتنفس قليلاً؛ لأنه أكل بعضها بعضاً من شدة الحر، وأشد ما تجدون من البرد القارس هو نفس من أنفاس جهنم والعياذ بالله!
стр. 774
النار خالدة لا تفنى أبداً
النار خالدة لا تبيد أبداً بإجماع أهل السنة، بل هي باقية وأهلها خالدون فيها، ولا يخرج منها إلا عصاة الموحدين الذين ماتوا بدون توبة من ذنوبهم وكبائرهم، فهؤلاء يبقون في النار مدة يعذبون، لكن لا يخلدون فيها، إنما يخلد فيها الكفرة والمشركون.
يقول الله : ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ * لَوْ كَانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الأنبياء:٩٨ - ٩٩].
وقال : ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ * وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ * وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف:٧٤ - ٧٧].
ويقول : ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ [فاطر:٣٦].
ويقول ﷺ : (يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، ثم يقوم مؤذن بينهم يصيح: يا أهل النار خلود ولا موت، ويا أهل الجنة! خلود ولا موت).
وقال ﷺ أيضاً: (إذا صار أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار جيء بالموت حتى يجعل بين الجنة والنار، ثم يذبح، ثم ينادي مناد يا أهل الجنة خلود ولا موت، ويا أهل النار خلود ولا موت، فيزداد أهل الجنة فرحاً إلى فرحهم ويزداد أهل النار حزناً إلى حزنهم، ثم تلا ﷺ قوله تعالى: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [مريم:٣٩]).
وقال ﵊: (إذا كان يوم القيامة أتي بالموت كالكبش الأملح، فيوقف بين الجنة والنار فيذبح وهم ينظرون، فلو أن أحداً مات فرحاً لمات أهل الجنة، ولو أن أحداً مات حزناً لمات أهل النار).
والنار دار إقامة لهؤلاء الذين يعذبون فيها، فهي مثوى ومأوى ومقيل، يقول : ﴿وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران:١٥١].
ويقول : ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾ [العنكبوت:٦٨]، ويقول سبحانه: ﴿فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [البقرة:٢٠٦].
стр. 775
أوصاف تتعلق بالنار وما يوجب دخولها
следующие страницы →