Полный текст (2 122 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
شدة حر جهنم وعظم دخانها وشررها
من صفات النار شدة حرها وعظم دخانها وشررها، يقول : ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ * فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ * وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ * لا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ﴾ [الواقعة:٤١ - ٤٤].
فالناس في الدنيا إذا أرادوا أن يتمتعوا بالجو الطيب فغالب عناصر هذه المتعة هي الماء والهواء والظل، فحال أهل النار على الضد من هذا تماماً، فالماء عندهم هو الحميم، وهو الماء الذي اشتد حره، ووصل إلى أقصى الغليان.
أما هواؤهم فهو السموم، وهي الريح الحارة الشديدة.
أما ظلهم فمن يحموم، أي: قطع من الدخان لها ظل، ودخان النار وصفه الله بقوله : ﴿انطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ * لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ * إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ * كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ﴾ [المرسلات:٣٠ - ٣٣].
أي أن الدخان الذي يتصاعد من جهنم دخان ضخم جداً يعلو حتى ينقسم إلى ثلاثة أقسام.
وهذه النار شررها عظيمة، يقول تعالى: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾ [المرسلات:٣٢] يعني كالحصون الضخمة، أو كالإبل السود: ﴿كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ﴾ [المرسلات:٣٣].
ويقول : ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ [القارعة:٨ - ١١].
ويقول : ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ * لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ * عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر:٢٦ - ٣٠].
стр. 772
شدة لهيب جهنم وازدياد عذابها مع الوقت
بين النبي ﷺ شدة لهيب جهنم أعاذنا الله وإياكم منها بمنه وكرمه.
يقول ﷺ : (ناركم هذه التي توقدون جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم)، أي أن نار جهنم ضعف نار الأرض التي نراها الآن سبعين مرة، (فضج الصحابة رضوان الله تعالى عليهم وقالوا: يا رسول الله! والله إن كانت لكافية، فقال ﷺ : فإنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءاً كلهن مثل حرها) متفق عليه.
ومن صفات نار جنهم أنها لا تخبو مع طول الزمان، فأي نار تشتعل فإنها بعد وقت تنطفئ أو تخف إلا نار جهنم، فإنها بمرور الزمان يزداد لهيبها وشرها، يقول : ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾ [النبأ:٣٠]، فالعذاب في حالة ازدياد مستمر بمرور الزمن، وتأملوا كلمة (ذوقوا) أي أنه عذاب له طعم! ويقول : ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ [الإسراء:٩٧].
ويقول : ﴿فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنصَرُونَ﴾ [البقرة:٨٦].
وقال ﵊ في بيان مواقيت الصلاة: (ثم صلوا فإن الصلاة مشهودة حتى يستقل الظل بالرمح، ثم أقصروا عن الصلاة فإنه حينئذ تسعر جهنم، فإذا أقبل الفيء فصلوا).
والشاهد: أن النار كل يوم يزاد في سعيرها ولهيبها.
وقال ﷺ : (إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة؛ فإن شدة الحر من فيح جهنم) فهذا الحر الذي نلقاه في الدنيا هو نفس من أنفاس جهنم فقط! ويقول : ﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ﴾ [التكوير:١٢] يعني: أوقدت وأحميت.
стр. 773
النار تسمع وتبصر وتتكلم
النار خلق من مخلوقات الله يعلم تفاصيله الله ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤]، وقد أخبرنا الله أن النار مخلوقة تبصر وتتكلم وتشتكي: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء:١٢٢]، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء:٨٧].
فالنار حينما ترى أهلها قد أقبلوا عليها من مكان بعيد تطلق الأصوات المرعبة التي تدل على شدة حنقها وغيظها على هؤلاء المجرمين الذين أشركوا بالله ، يقول : ﴿إِذَا رَأَتْهُم مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا * وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا * لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ [الفرقان:١٢ - ١٤].
ويقول الرسول ﷺ : (يخرج يوم القيامة عنق من النار له عينان تبصران وأذنان تسمعان ولسان ينطق، يقول: إني وكلت بثلاثة: بكل جبار عنيد، وبكل من دعا مع الله إلهاً آخر، وبالمصورين) رواه الإمام أحمد والترمذي، فيخرج هذا العنق من النار حتى يعذب هؤلاء الثلاثة.
وقال ﷺ : (رأيت النار فلم أر كاليوم منظراً قط أفظع! ورأيت أكثر أهلها النساء) رواه البخاري ومسلم.
وقال ﷺ : (رأيت النار فإذا امرأة تخمشها هرة)، وفي الحديث الآخر: (عذبت امرأة في هرة حسبتها، فلا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض) فلذلك تعذب هذه المرأة بسبب هذه القطة.
ويقول ﷺ : (اشتكت النار إلى ربها) وهذا يدل على أن النار تشتكي وتتكلم: (اشتكت النار إلى ربها فقالت: رب أكل بعضي بعضاً، فأذن لها بنفسين: نفس في الشتاء ونفس في الصيف، فهو أشد ما تجدون من الحر، وأشد ما تجدون من الزمهرير)؛ لأن النار فيها كل ما يتخيله الإنسان من الضيق والظلام والحر الشديد والزحام وغير ذلك، فالحر الشديد يحرق، والبرد الشديد يحرق، فالزمهرير تعذيب بالبرد الشديد، فأشد ما تجدون من الحر في وقت الحر هو مجرد نفس فقط يخرج من جهنم حتى تتنفس قليلاً؛ لأنه أكل بعضها بعضاً من شدة الحر، وأشد ما تجدون من البرد القارس هو نفس من أنفاس جهنم والعياذ بالله!
стр. 774
النار خالدة لا تفنى أبداً
النار خالدة لا تبيد أبداً بإجماع أهل السنة، بل هي باقية وأهلها خالدون فيها، ولا يخرج منها إلا عصاة الموحدين الذين ماتوا بدون توبة من ذنوبهم وكبائرهم، فهؤلاء يبقون في النار مدة يعذبون، لكن لا يخلدون فيها، إنما يخلد فيها الكفرة والمشركون.
يقول الله : ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ * لَوْ كَانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الأنبياء:٩٨ - ٩٩].
وقال : ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ * وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ * وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف:٧٤ - ٧٧].
ويقول : ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ [فاطر:٣٦].
ويقول ﷺ : (يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، ثم يقوم مؤذن بينهم يصيح: يا أهل النار خلود ولا موت، ويا أهل الجنة! خلود ولا موت).
وقال ﷺ أيضاً: (إذا صار أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار جيء بالموت حتى يجعل بين الجنة والنار، ثم يذبح، ثم ينادي مناد يا أهل الجنة خلود ولا موت، ويا أهل النار خلود ولا موت، فيزداد أهل الجنة فرحاً إلى فرحهم ويزداد أهل النار حزناً إلى حزنهم، ثم تلا ﷺ قوله تعالى: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [مريم:٣٩]).
وقال ﵊: (إذا كان يوم القيامة أتي بالموت كالكبش الأملح، فيوقف بين الجنة والنار فيذبح وهم ينظرون، فلو أن أحداً مات فرحاً لمات أهل الجنة، ولو أن أحداً مات حزناً لمات أهل النار).
والنار دار إقامة لهؤلاء الذين يعذبون فيها، فهي مثوى ومأوى ومقيل، يقول : ﴿وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران:١٥١].
ويقول : ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾ [العنكبوت:٦٨]، ويقول سبحانه: ﴿فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [البقرة:٢٠٦].
стр. 775
أوصاف تتعلق بالنار وما يوجب دخولها
стр. 776
دعاة جهنم
هناك دعاة يدعون إلى النار كما قال : ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّار﴾ [القصص:٤١]، وقال الله أيضاً: ﴿أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٢١]، وقال : ﴿أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ [لقمان:٢١]، وقال عن الشيطان: ﴿إِنَّمَا يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر:٦]، وقال في فرعون: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ [هود:٩٨]، وقال مؤمن آل فرعون: ﴿يَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾ [غافر:٤١].
فكل من دعا إلى الشرك أو صد عن سبيل الله أو زين معاصي الله للمؤمنين فهو من الدعاة إلى جهنم، ولذلك قال النبي ﷺ في حديث حذيفة لما سأله عن الشر الذي يكون في آخر الزمان، قال: (دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها)، فهؤلاء كأنهم واقفون على أبواب جهنم ينادون الناس إليها، قال حذيفة: (يا رسول الله! صفهم لنا جلهم لنا، فقال ﷺ : هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا)، فتجد الرجل يحمل اسم الإسلام ويكون ألد الأعداء للإسلام، وأشد المحاربين لدين الله ولسنة رسوله ﵌! فكل أصحاب المبادئ الضالة والمذاهب المنحرفة والأحزاب الشيطانية من دعاة جهنم والعياذ بالله!
стр. 777
الجرائم الموجبة لدخول جهنم
جرائم الداخلين في جهنم كثيرة منها: فمنها الكفر والشرك، يقول : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ [غافر:١٠]، ويقول الله : ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ * إِذِ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ * فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ [غافر:٧٠ - ٧٢].
ومن أسباب العذاب في جهنم: عدم القيام بالتكاليف الشرعية، يقول : ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ [المدثر:٤٢ - ٤٧].
ومما يئول بالناس إلى هذا العذاب الأليم: طاعة الزعماء والكبراء في معصية الله ، يقول : ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [فصلت:٢٥].
ومن أسباب الخلود في جهنم: النفاق، يقول الله : ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [التوبة:٦٨]، ويقول : ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء:١٤٥].
والكبر من الأسباب التي تئول بصاحبها إلى النار، يقول الله : ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الأعراف:٣٦]، وفي الحديث: (اشتكت النار إلى الله فقالت: يدخلني الجبارون والمتكبرون، فرد الله عليها وقال: أنت عذابي أعذب بك من أشاء)، وقال ﷺ : (ألا أخبركم بأهل النار؟ كل عتل جواظ مستكبر).
ومما يدخل النار: الكفر والحسد والكذب والخيانة والظلم والفواحش والغدر، وقطيعة الرحم وعقوق الوالدين، والجبن عن الجهاد في سبيل الله ، والبخل والرياء، واليأس من رحمة الله والأمن من مكر الله ، والجزع عند المصائب، والاستهزاء بآيات الله وأحكامه، وكتمان العلم، والقتل والربا والزنا، وأكل مال اليتيم وقذف المحصنات إلى آخر الكبائر والذنوب المعروفة.
стр. 778
تعيين الداخلين جهنم
هناك أشخاص معينون نحكم عليهم بأسمائهم بأنهم في النار، وهم الذين دل الوحي في القرآن أو في السنة على أنهم سيدخلون النار خالدين فيها، أما من عدا هؤلاء من الكافرين فنحكم عليهم في الظاهر بالكفر، أما أنهم الآن في النار أم ليسوا في النار؟ فلا يجوز أن ندعي ما ليس لنا به علم، لأن الأعمال بالخواتيم والخواتيم مغيبة، يقول الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ [البروج:١٠] فاشترط عدم التوبة، وقال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ [محمد:٣٤]، فالشرط أن يموت الإنسان على الكفر حتى يستحق النيران، ولا يجوز أن نحكم على فلان باسمه أنه الآن في جهنم حتى لو مات في الظاهر على الكفر؛ لأننا لا ندري كيف كانت الخاتمة، والخواتيم مغيبة.
كذلك في حق المؤمنين نحن نرجو لهم الجنة ونخاف على العاصين منهم، لكننا لا نقطع لأحد منهم بجنة ولا نار إلا من نص الوحي على أنه من أهل الجنة كالعشرة المبشرين بالجنة، ومهما بلغ المؤمن من الأعمال الصالحة والتقوى والاستقامة فلا يجوز أن نقطع له بالجنة، لأن خاتمته إلى الله، وإنما الأعمال بالخواتيم.
فمن هؤلاء الذين أخبرنا لله أنهم في النار فرعون، يقول : ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ [هود:٩٨].
ومنهم امرأة نوح وامرأة لوط، يقول : ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾ [التحريم:١٠].
وأبو لهب نص الوحي على أنه من أهل النار: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ [المسد:١ - ٥].
وعمرو بن لحي الخزاعي الذي كان أول من سيب السوائب في الجاهلية، قال النبي ﷺ : (رأيته يجر أمعاءه في النار) والعياذ بالله.
كذلك قاتل عمار بن ياسر وسالبه في النار كما أخبر ﵌.
كذلك أيضاً كفرة الجن يدخلون النار، يقول : ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا * ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ [مريم:٦٨ - ٦٩].
وقال : ﴿وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ﴾ [فصلت:٢٥]، وقال : ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ * وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾ [الشعراء:٩٤ - ٩٥].
стр. 779
رءوس الذنوب التي تدخل النار
أما رءوس الذنوب التي تدخل أصحابها النار من غير المشركين، بل من الموحدين كثيرة، فأولها من انحرف عن عقيدة أهل السنة والجماعة، فمن حاد عن عقيدة ومفاهيم أهل السنة والجماعة والفرقة الناجية، وانحرف عن منهج السلف الصالح لاسيما بالذات في مسائل العقيدة والاتباع؛ فإنه يكون في النار كما قال النبي ﵊: (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة) وهي من كان على ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه وأئمة الدين المهديين.
ومن ذلك أيضاً: عدم الهجرة من ديار الكفر إلى ديار الإسلام، يقول : ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ [النساء:٩٧] إلى آخر الآيات.
ومن ذلك أيضاً الكبر، يقول الله في الحديث القدسي: (الكبرياء ردائي والعظمة إزاري، فمن نازعني واحداً منهما أدخلته النار).
ومن ذلك قتل النفس: يقول النبي ﵊: (إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار).
ومن ذلك آكل الربا قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٢٧٥].
وأيضاً المصورون: يقول النبي ﵊: (أشد الناس عذاباً عند الله المصورون)، وقال ﷺ : (كل مصور في النار، يجعل له بكل صورة صورها نفساً، فيعذبه الله بها في جهنم).
والميل إلى الظالمين وموالاة الظالمين والكافرين: يقول : ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود:١١٣]، وقال ﷺ : (صنفان من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات رءوسهن كأسنمة البخت المائلة -المتبرجات-، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا)، وقال ﵊: (العنوهن فإنهن ملعونات).
ومن الذنوب التي توجب النار: طلب العلم رياء وسمعة، وكذلك الصدقة رياء وسمعة، وكذلك الجهاد رياء وسمعة.
ومنها أيضاً: الشرب في أواني الذهب والفضة: يقول عليه والصلاة والسلام: (إن الذي يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم) والعياذ بالله.
أيضاً مما يوجب النار: الانتحار: وهو إن الإنسان يقتل نفسه، يقول ﷺ : (من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يجأ بها بطنه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن قتل نفسه بسم فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن تردى من جبل فقتل نفسه فهو يتردى في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً).
стр. 780
كثرة أهل النار
النار واسعة جداً، ومما يدل على ذلك كثرة عدد أهلها، يقول الله : ﴿لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص:٨٥]، ويقول الله : ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف:١٠٣]، ويقول ﵊: (عرضت علي الأمم فرأيت النبي ومعه الرهط) استجاب له عدد قليل من الناس (ورأيت النبي ومعه الرجل، ورأيت النبي ومعه الرجلان، ورأيت النبي وليس معه أحد).
إذاً: الإنسان مسئول أن يبلغ دعوة الحق، لكنه غير مسئول أن يستجيب له الناس، فبعض الأنبياء أتوا إلى قومهم ولم يؤمن بهم إلا واحد أو اثنان، وهناك أنبياء لم يستجب لدعوتهم أحد! وقال النبي ﵊ مبيناً كثرة أهل النار حينما كان جالساً مع أصحابه: (إن الله ينادي آدم يوم القيامة فيقول: يا آدم! أخرج بعث النار من ذريتك، فيقول آدم: وما بعث النار يا رب؟ فيقول الله : من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين! يقول ﵊: فذاك حين يشيب الصغير ﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:٢] فضج الصحابة رضوان الله عليهم وشق ذلك عليهم، فقال لهم النبي ﷺ : إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة، فقالوا: الحمد لله والله أكبر، قال: والذي نفسي بيده! إني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة، فقالوا: الحمد لله والله أكبر، فقال ﷺ : ما مثلكم في الأمم إلا كمثل الشعرة البيضاء في مسك -جلد- الثور الأسود أو كالرقمة -الحلقة- في ذراع الحمار).
ما سبب كثرة أهل النار يوم القيامة؟ أهل النار أنواع، فمنهم قوم كفروا بالرسل وكذبوا المرسلين.
وقوم أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر وهم المنافقون.
وهناك قوم أظهروا الإيمان وأبطنوا الإيمان، ولكنهم تلبسوا ببعض البدع الضالة التي أخرجتهم من الفرقة الناجية.
وهناك أقوام ممن سلموا من الكفر وسلموا من النفاق وسلموا من البدع، لكنهم وقعوا في الشهوات والكبائر، فهؤلاء أيضاً يستحقون النار، يقول النبي ﷺ : (حفت النار بالشهوات) يعني: أحاطت بها الشهوات، فتتزين الشهوات للإنسان فيتبعها فتلقيه في جهنم والعياذ بالله! وأكثر أهل النار النساء، قال ﷺ : (اطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء، فقلن: وبم يا رسول الله؟ قال: لأنكن تكثرن اللعن، وتكفرن العشير) يعني: تكفر المرأة إحسان الزوج إليها، يقول النبي ﷺ : (تحسن إلى إحداهن الدهر، فإذا ما رأت منك شراً قالت: ما رأيت منك خيراً قط!)، إذا رأت منك شيئاً تكرهه تنسى كل الإحسان السابق وتذكر هذه السيئة الواحدة.
стр. 781
عظم خلق أهل النار
خلْق أهل النار يعظم حتى إن ضرس الكافر يكون مثل جبل أحد، وقال ﵊: (ما بين منكبي الكافر في النار مسيرة ثلاثة أيام للراكب المسرع).
ويقول ﵊: (وغلظ جلده مسيرة ثلاث).
ويقول ﵊: (إن مجلسه من جهنم ما بين مكة والمدينة) أي: المكان الذي يجلس عليه في جهنم والعياذ بالله .
وفي بعض الروايات: (عرض جلده سبعون ذراعاً)، والحكمة من هذا التضخيم أن يزداد عذابه، ويزداد إحساسه بالآلام، يقول : ﴿لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء:٥٦].
أما طعامهم فقد قال تعالى: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية:٦] وهو شوك ﴿لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ [الغاشية:٧].
ويقول : ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾ [الدخان:٤٣ - ٤٦]، ويقول : ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد:١٥]، ويقول : ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالًا وَجَحِيمًا * وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا﴾ [المزمل:١٢ - ١٣].
ويقول ﷺ : (لو أن قطرة من الزقوم قطرت في دار الدنيا لأفسدت على أهل الأرض معايشهم؛ فكيف بمن يكون طعامه).
وثيابهم تكون أيضاً من النار، فنعوذ بالله من النار.
стр. 782
الأعمال التي تتقى بها النار
ما هي الأعمال التي تتقي بها النار؟ أعظم ما يتقى به عذاب النار هو الإيمان والعمل الصالح، وهذا هو الذي توسل به المؤمنون: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ﴾ [آل عمران:١٩٣].
ومن ذلك الصيام: يقول ﷺ : (الصيام جنة) يعني: وقاية تقي العبد من النيران.
ومنه الذكر: فالباقيات الصالحات هي: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، يقول ﵊: (خذوا جنتكم من النار؛ قولوا: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، فإنهن يأتين يوم القيامة مقدمات -يعني: إلى الأمام- ومعقبات -من الخلف- ومجنبات - تحميك من الجانبين - وهن الباقيات الصالحات).
أيضاً مما ينجي من النار محبة الله : ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾ [المائدة:١٨] فالمحب لا يعذب حبيبه.
ومما ينجي من عذاب الله البكاء من خشية الله : يقول ﷺ : (لا يلج النار من بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع، ولا يجتمع على عبد غبار في سبيل الله ودخان جهنم)، ويقول ﷺ : (من صام يوماً في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفاً).
ومما ينجي من النار الجهاد في سبيل الله والاستجارة من عذاب النار: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ [الفرقان:٦٥]، ويقول ﷺ : (ولا استجار مسلم من النار ثلاثاً إلا قالت النار: اللهم أجره مني).
فنسأل الله العظيم الكريم أن يجيرنا وإياكم من عذاب النار.
стр. 783
أوصاف الجنة
الجنة هي دار نعيم كامل لا يشوبه نقص، ولا يعكر صفوه كدر، يقول : ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧].
ويقول ﷺ : (موضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها).
ويقول : ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران:١٨٥] هذا هو الفوز العظيم والفوز المبين.
ويقول : ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر:٧٣]، ويقول ﵊: (يخلص المؤمنون من النار -بعدما يمرون على الصراط- فيحبسون على قنطرة بين الجنة وبين النار، فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة، فوالذي نفس محمد بيده! لأحدهم أهدى لمنزله في الجنة منه لمنزله كان في الدنيا) رواه البخاري.
يعني إذا دخل أهل الجنة الجنة يسرع كل منهم إلى مكانه في الجنة ويعرفه أعظم مما كان يعرف بلده بعد أن يرجع من السفر في الدنيا، وهذا يدخل في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف:٤٣]، ويدخل في قوله: ﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ [محمد:٦] على أحد التفسيرين لقوله: ((عَرَّفَهَا))، قيل: هي هذه الهداية، وقيل: هي من العرف، وهو الرائحة الطيبة.
ويقول ﷺ : (أستفتح باب الجنة فيقال لي: من؟ فأقول: محمد، فيقال: بك أمرت ألا أفتح لأحد قبلك) ﵌.
ويقول ﵊: (أنا أول من يقرع باب الجنة).
ويقول ﷺ : (نحن الآخرون الأولون يوم القيامة) يعني: نحن آخر الأمم ونحن أول الأمم دخولاً الجنة.
وقال ﵊ لـ أبي بكر ﵁: (يا أبا بكر! إنك أول من يدخل الجنة من أمتي) أي: بعد الأنبياء.
ويقول ﷺ : (أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر، لا يبصقون فيها ولا يمتخطون ولا يتغوطون، آنيتهم فيها الذهب، وأمشاطهم من الذهب والفضة، ومجامرهم الألوة، ورشحهم المسك -أي: عرقهم-، ولكل واحد منهم زوجتان يرى مخ سوقهما من وراء اللحم من الحسن) الإنسان لو تصور أنه يرى النخاع الذي داخل العظام من وراء البشرة ربما استقبح هذا الأمر، فيريد الرسول ﵊ أن يوجه نظرنا إلى أن هذا يكون من غاية الحسن فقال: (يرى مخ سوقهما من وراء اللحم من الحسن) يعني: من الجمال البارع الذي عليه الحور العين.
يقول ﵊: (لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم قلب رجل واحد، يسبحون الله بكرة وعشياً) فاللهم اجعلنا منها! ويقول ﷺ : (إن فقراء المهاجرين يسبقون الأغنياء إلى الجنة بأربعين خريفاً)، حتى الأغنياء الذين سيدخلون الجنة لا يدخلون مع الفقراء؛ لأنهم يحبسون حتى يحاسبوا، فالمدة الزمنية بين دخول الفقراء والأغنياء الجنة أربعون خريفاً، فما أعظم السلامة التي لا يعدلها شيء.
ويقول ﷺ : (أول ثلاثة يدخلون الجنة: شهيد، وعتيق متعفف، وعبد أحسن عبادة ربه ونصح مواليه).
ويقول ﵊: (يخرج قوم من النار بشفاعة محمد ﷺ فيدخلون الجنة يسمون الجهنميين).
وقال النبي ﵊: (يخرج من النار من كان يقول: لا إله إلا الله، فتعرفهم الملائكة)، كيف تعرف الملائكة الذين كانوا يقولون: لا إله إلا الله؟ تعرفهم الملائكة بأثر السجود؛ لأنه لا يتصور أن يقول المرء: لا إله إلا الله ويكون تاركاً للصلاة، وفي الأثر: (لا خير في دين لا ركوع فيه).
وفي الحديث: (يخرج من النار من كان يقول: لا إله إلا الله، تعرفهم الملائكة) أي: تبحث في داخل النار عن أثر السجود في الوجه، وليس أثر السجود هو هذه العلامة التي قد تظهر بين عيني من هو أقسى قلباً من فرعون كما قال بعض السلف؛ لكن المقصود سمت الخشوع والتواضع الذي يكون في وجوه أهل الصلاة وأهل التوحيد.
يقول النبي ﷺ : (يخرج من النار من يقول: لا إله إلا الله فتعرفهم الملائكة بأثر السجود، تأتيهم الملائكة وقد امتحشوا -تفحموا من النار-، ثم يصب عليهم ماء الحياة؛ فينبتون كما تنبت الحبة حميل السيل، ويدخلون الجنة).
وهل يوجد ناس دخلوا الجنة قبل يوم القيامة؟ نعم، دخل الجنة آدم كما أخبرنا الله في القرآن، ودخل الجنة الفقراء كما في الحديث: (اطلعت في الجنة فرأيت أهلها الفقراء)، ودخل الجنة الشهداء: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران:١٦٩]، ومن مات عرض عليه مقعده من الجنة ومقعده من النار بالغداة والعشي.
стр. 784
خلود الجنة وخلود أهلها وجزاؤهم
الجنة خالدة، وأهلها خالدون، لا يرحلون عنها أبداً، ولا يملون منها، وفي الدنيا لو أن الإنسان سكن أعظم قصر على وجه الأرض فلابد أن يصيبه الملل! أما الجنة فأهلها خالدون فيها لا يبغون عنها حولاً، فلا يملون أبداً كما يأتي الملل في هذه الحياة الدنيا، يقول ﵊: (من يدخل الجنة ينعم ولا يبأس، لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه)، فالجنة نور يتلألأ، وريحانه تهتز، وقصر مشيد، ونهر مطرد، وفاكهة نضيجة، وزوجة حسناء جميلة، وحلل كثيرة في مقام أبد في حبرة ونضرة، في دور عالية كريمة بهية، يقول الله : ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ [الإنسان:٢٠].
ويقول في الحديث القدسي: (أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر).
فمن حبس نفسه في الدنيا عن الشهوات وعن المعاصي عوضه الله في الجنة، يقول النبي ﷺ : (الدنيا سجن المؤمن، وجنة الكافر)، الكافر مطلق في الدنيا، يرتع في الشهوات والأهواء مثل البهائم، ولا يبالي بيوم القيامة، بينما يعيش المؤمن في الدنيا مثل السجين؛ قبل أن يشرب يبحث عن المشروب أحلال هو أم حرام؟ فيعوضه الله في الجنة، والجزاء من جنس العمل.
فمن شرب الخمر في الدنيا حرم منها في الآخرة، والحرير والذهب لا يلبسهما الرجل المؤمن في الدنيا؛ فيعوضه الله في الجنة، فيلبس المؤمن في الجنة الحلل والحرير والذهب والفضة وما هو أعظم من ذلك.
كذلك من يصبر عن النظر إلى الأجنبيات وإلى ما يحرم النظر إليه، يعقبه الله في الجنة بالزواج من الحور العين.
والذي يصون أذنه عن سماع الموسيقى والأغاني ومعازف الشيطان، يرزقه الله بالحور العين اللاتي يغنين له أحسن ما يكون من الغناء، وكما قال في الحديث القدسي: (ولا أذن سمعت)، فيعوضه الله بذلك لأنه حبس نفسه عما حرم الله في الدنيا، والجزاء من جنس العمل.
هؤلاء الذين يعبدون الله ويخفون عبادتهم في الليل كما يقول : ((تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ))، كأن بينه وبين الفراش خصام، فتتجافى جنبه عنه ويهجره ابتغاء مرضات الله ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [السجدة:١٦]، فما ثوابهم؟ الجزاء من جنس العمل، كما أخفوا عبادتهم في جوف الليل أخفى الله لهم الثواب فقال: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧].
стр. 785
أبواب الجنة ودرجاتها
الجنة لها ثمانية أبواب، قال النبي ﵊: (في الجنة ثمانية أبواب، منها باب اسمه الريان لا يدخل منه إلا الصائمون).
وقال ﵊: (إن ما بين المصراعين في الجنة مسيرة أربعين سنة، وليأتين عليه يوم وإنه لكظيظ) يعني: من شدة الزحام عليه.
والجنة درجات كما أن النار دركات، يقول : ﴿فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلى﴾ [طه:٧٥].
ويقول : ﴿وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء:٢١].
ويقول ﵊: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير)، لكن القوي درجاته عند الله أعلى.
ويقول : ﴿أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً﴾ [الحديد:١٠].
ويقول: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:١١].
ويقول: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن:٤٦]، ومع ذلك قال: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن:٦٢]، وكل هذه الآيات تدل على تفاوت أهل الجنة في الدرجات.
أعلى منزلة في الجنة هي الوسيلة، يقول النبي ﵊: (ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد واحد، وأرجو أن أكون أنا هو).
ومن الذين ينزلون الدرجات العلى: الشهداء الذين يقاتلون في الصفوف الأولى، والساعي على الأرملة والمسكين، وكافل اليتيم، بل دعاء الأبناء لآبائهم بعد الموت يرفع آباءهم ويرفع درجاتهم، فإن المؤمن يرفع في درجته، فيقول: بم رفعت درجتي؟ فيقال له: بدعاء ابنك لك في الدنيا.
стр. 786
أنهار الجنة وترابها وأشجارها وظلالها
تراب الجنة هو الزعفران وأنهارها كثيرها، ومنها: نهر الكوثر، وقال الله: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ [محمد:١٥].
أيضاً فيها الظلال، وفيها العيون، ومنها عين الكافور وعين التسنيم وعين السلسبيل.
وفيها القصور ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ [الصف:١٢]، ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ [الرحمن:٧٢].
ويقول ﷺ : (من بنى لله مسجداً ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتاً في الجنة)، ويقول ﷺ : (من صلى في اليوم والليلة اثنتي عشرة ركعة تطوعاً بنى الله له بيتاً في الجنة)، ويقول ﷺ : (من قرأ ((قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)) [الإخلاص:١] عشر مرات بنى الله له بيتاً في الجنة).
أيضاً في الجنة أشجار مثل العنب والنخيل والرمان والسدر والطلح، ويقول ﷺ : (إن في الجنة شجرة يسير الراكب الجواد المضمر السريع مائة عام ما يقطعها!) يمشي في ظلها مائة عام ولا تكفي المائة العام ليقطع مسافتها، وذلك قوله تعالى: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة:٣٠].
ويقول ﷺ : (ما في الجنة شجرة إلا وساقها من ذهب).
ويقول ﵊: (لقيت إبراهيم ﵇ ليلة أسري بي، فقال لي: يا محمد! أقرئ أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة عذبة الماء وأنها غراس، وأن غراسها: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر).
стр. 787
أعمال أهل الجنة
أعمال أهل الجنة هي الصبر على مشقة التكاليف؛ لأن أصل التكاليف الشرعية هي أن تؤمر بشيء فيه مشقة على نفسك، لكن هذه المشقة تدخل في طاقتك، فإن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها.
فأن تستقيم على دين الله من التوحيد والعبادات هذا هو أعظم طريق يوصلك إلى الجنة، لكن بعض الناس يريدون ديناً يوافق أهواءهم، ويقولون: الدين يسر، ويقولون: (الرسول ﵊ ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما)، وهذا صحيح؛ لكن تكملة الحديث: (ما لم يكن إثماً) أي: ما لم يكن هذا الشيء حراماً، فالتخيير إنما يكون في مجالات التطوع وفي الأشياء الاختيارية، أما الواجبات فلا تختار: هل تصلي أم لا، هل تحجب بناتك أم لا، هل تحج أم لا، هل تزكي أم لا! فلابد من مشقة حتى تمتحن، لكنها مشقة تدخل في طاقتك البشرية، فطريق الجنة شاق كما قال النبي ﵊: (من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة).
أيضاً أهل الجنة يرثون نصيب أهل النار من الجنة، فلكل إنسان منا مقعد في الجنة ومقعد في النار، فبعدما يدخل في القبر ويسأل ويمتحن يفتح له باب إلى النار ويقال له: هذا مقعدك من النار لو مت على غير الإسلام، ثم يفتح له باب إلى الجنة ويقال: هذا مقعدك من الجنة، ويأتيه من روح الجنة وطيبها ونعيمها إلى يوم القيامة.
والكافر كان له مقعد في الجنة، لكنه لم يؤمن فأخذ مقعده في النار، ومقعده في الجنة يرثه المؤمنون، وهذا تصديق قوله : ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون:١٠ - ١١].
فالمؤمنون يرثون مقاعد الكافرين الذين ماتوا على غير التوحيد.
стр. 788
من أوصاف الجنة وأهلها
أكثر أهل الجنة الضعفاء والفقراء والمساكين، ولابد أن نؤمن أن الجنة ليست ثمناً للعمل الصالح، فالعمل الصالح سبب فقط في دخول الجنة، قال ﵊: (لن يدخل أحداً منكم الجنة عمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل)، فالمؤمن يدخل الجنة بفضل الله ورحمته لا بعمله، لكن العمل سبب في دخول الجنة ولابد منه.
أيضاً نساء الجنة وصفهن الله بأنهن حور مقصورات الخيام، وفي آيات أخرى: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ﴾ [ص:٥٢]، فيمدح الله الحور العين بصفتين: صفة العفة وصفة الجمال؛ لأن هذا أعظم ما يكون، فصفة العفة في قوله: ﴿مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ [الرحمن:٧٢] تقصر طرفها وعينيها على زوجها فقط، ولا تنظر إلى غيره.
وأفضل النعيم الذي يؤتاه أهل الجنة هو رؤية الرب حين يتجلى لهم في الآخرة، فهذا هو الهدف الأعظم والأسمى من دخول الجنة، وذلك حين يكشف الحجاب ويتجلى لهم الرحمن ، فلا يلتفتون حينئذ لأي شيء من نعيم الجنة ما داموا يتمتعون بالنظر إلى وجه الرب ، يقول : ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣].
وآخر ما يختتم به دعاء المؤمنين في الجنة: الحمد لله رب العالمين، فهذه الأمة أمة الحمد، ونبيها محمد ﷺ هو أحمد، وهو حامل لواء الحمد يوم القيامة، وافتتح الله كتابه بالحمد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢]، ويختتم دعاء المؤمنين بالحمد: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس:١٠]، وأمته الحمادون ﵌.
стр. 789
الجمع بين الخوف والرجاء
الإنسان لابد أن يجمع بين الترغيب وبين الترهيب، يجمع بين الآيات التي تخوفه من عذاب الله مثل قوله : ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ﴾ [الرحمن:٣١]، وكذلك يتذكر الإنسان آيات الرجاء والطمع في رحمة الله ، يقول ﵊: (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله .
فالخوف من النار والخوف من الله المقصود منه حث النفس على العمل، كالدابة حينما تضربها وتخوفها فإنها تسعى وتكد، كذلك الإنسان إذا تذكر عذاب الله وبطش الله وانتقامه كان ذلك حافزاً له على العمل، لكن لا ينبغي أن يزداد هذا الخوف حتى ينقلب إلى يأس وقنوط من رحمة الله.
فمن رحمة الله بنا أنه يسد علينا جميع الأبواب إلا باب التوبة، يقول العلماء: تأخير التوبة ذنب يجب التوبة منه، فالمبادرة إلى التوبة وإلى الأعمال الصالحة واجبة، فما دام في الإنسان قدرة على أن يعمل ويسعى، وما دامت روحه تتردد فلا يأمن مكر الله ولا ييأس من روح الله: ﴿إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ﴾ [يوسف:٨٧].
كذلك يحتاج الإنسان إلى نصوص الرجاء إذا زاد عليه الخوف وخشي أن يقع في القنوط، فعليه أن يروح قلبه بنصوص الرجاء في القرآن والسنة.
وإذا حضر الإنسان مسلماً يحتضر فهل يخوفه ويقول: أنت كنت تفعل كذا، أنت كنت مقصراً في كذا، إنك سترى ربنا وسيفعل بك كذا وكذا؟ لا يجوز هذا، ولا ينبغي تخويفه وهو في هذه الحال؛ لأن هذا التخويف قد ينقلب إلى اليأس والقنوط، بل السنة إذا حضرت مسلماً يحتضر أن تلقنه لا إله إلا الله حتى يكون آخر كلامه، وأن تذكره بأعماله الصالحة، فتقول: أنت كنت تحافظ على صلاة الجماعة، أنت كنت تذكر الله، أنت كنت تجتنب محارم الله ، وتذكره بأعماله الصالحة من أجل أن تعينه على حسن الظن؛ لأن العبد إذا ظن بالله خيراً يعطيه الله خيراً، وإلا فلا.
стр. 790
اختلاف العلماء في أرجى آية في القرآن
ما هي أعظم آية رجاء ينبغي أن نستحضرها من الآيات التي تطمعنا في رحمة الله، وتفتح قلوبنا لأبواب الرجاء في الله ؟ اختلف العلماء في هذه المسألة: فبعضهم قال: أرجى آية في القرآن هي آية الدين.
قد تستغربون كيف تكون آية الدين هي أعظم آية رجاء في القرآن! قال بعض العلماء: إنها أرجى آية في القرآن للعصاة؛ لأن هذه الآية تبين كيف احتاط الله لحفظ مال المسلم حتى لو كان دريهمات قليلة، فمع أن الدنيا بكل ما فيها من كنوز وأموال لا تزن عند الله جناح بعوضة، لكن الله شرع ما يحفظ حق المؤمن، فحفظ مصلحة المؤمن ورحم حاجاته في الدنيا بهذه الآية التي هي أطول آية في القرآن.
فالله أرحم بعبده المؤمن في الآخرة منه به في الدنيا، وإذا كان لمصلحته في الدنيا أنزل أطول آية في القرآن، فكيف يكون أملنا في رحمة الله في مصالح الآخرة؟ وقال بعض العلماء: أرجى آية هي قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ * أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٥٣ - ٥٦] إلى آخر الآيات.
وقال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: أرجى آية في القرآن قوله في سورة الشورى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:٣٠]، فيخبر الله أن ذنوب المؤمن بين حالتين: إما ذنوب يعاقب بها في الدنيا: ((وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ))، فما عاقب الله عليه العبد في الدنيا فهو أحلم من أن يثني عليه العقوبة في الآخرة، فالذنب الذي عوقبت عليه في الدنيا فلن تعاقب عليه مرة ثانية في الآخرة، والذنب الآخر يعفو الله عن كثير منه، فما عفا الله عنه فهو أكرم من أن يعذب عليه في الآخرة.
وقال بعض العلماء: أرجى آية في القرآن قوله : ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى:٥] قالوا: لن يرضى رسول الله ﷺ وواحد من أمته في النار، ونظمها بعضهم في بيتين فقال: ولقد قرأنا في الضحى ولسوف يعطي فسر قلوبنا ذاك العطاء وحاشا يا رسول الله ترضى وفينا من يعذب أو يساء وقال بعضهم: إن أرجى آية في القرآن قوله في سورة النور: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور:٢٢] هذه الآية نزلت في مسطح لما وقع في حديث الإفك في حق عائشة رضي الله تعالى عنها، فعاقبه أبو بكر بأن منع عنه العطاء الذي كان يعطيه إياه، وهو قريب له؛ فنزلت هذه الآية تعاتب أبا بكر: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النور:٢٢]، فرغم وقوع مسطح في كبيرة القذف إلا أن ذلك لم يحبط جهاده السابق، فقال الله: ((وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ))، فأثبت له صفة الهجرة في سبيل الله، وهذا دليل على أن المؤمن لا يكفر بالذنب كما يظن الخوارج.
وقال بعض العلماء: إن أرجى آية في القرآن هي قول الله : ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر:٣٢].
فهنا أخبر الله أن هؤلاء الذين أورثهم الكتاب مصطفون، أي: مختارون أراد الله بهم خيراً، وفسمهم إلى ثلاثة أقسام: ((ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ))، ثم ذكر ذكر بعد ذلك ثواب هؤلاء الثلاثة فقال: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ [فاطر:٣٣] فلذلك قال بعض العلماء: حق هذه الواو أن تكتب بماء العين، لأن هذه الواو تعود على الثلاث الطوائف: ((فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ)).
والرجاء في رحمة الله من الأمور التي أمرنا بها، لكن الرجاء لابد أن يستتبع العمل، أما الرجاء الذي لا يستتبع عملاً فهذا غرور كما قال الله: ﴿وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [الحديد:١٤]، فالرجاء يطلق عليه رجاء إذا اقترن به عمل وإلا فهو أماني وأحلام.
يقول الحسن البصري: ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي، ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل، وإن قوماً خرجوا من الدنيا ولا حسنة لهم، قالوا: نحن نحسن الظن بالله، وكذبوا! لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل.
يقول : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ [فاطر:٢٩]، لم يصفهم برجاء إلا بعد العمل الصالح، فأنت تعمل ثم تطمع في رحمة الله، أما أن تفرط في طاعة الله ثم ترجو رحمة الله فهذا من تلبيس إبليس ومن تزيين الشيطان.
نسأل الله أن يرزقنا وإياكم الجنة وما قرب إليها من قول وعمل، وأن يعيذنا جميعاً من النار وما قرب إليها من قول وعمل.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 791
الأسئلة
стр. 792
التوفيق بين مغفرة الذنوب جميعاً وعدم مغفرة الشرك في الآيات
السؤال
يقول الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٥٣] والشرك أعظم الذنوب، فكيف نوفق بين هذه الآية وبين قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء:٤٨]؟
الجواب
لابد أن نفهم هذه الآية في ضوء تلك الآية، فنجمع القرآن ولا نضرب آيات الله بعضها ببعض، فالمقصود أن الله يغفر كل الذنوب إلا ذنب الشرك ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣]، فقوله : ((إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا)) يعني: ما سوى الشرك، أو يغفر الشرك إن تاب المشرك، والدليل قوله : ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال:٣٨]، ويقول ﷺ : (الإسلام يجب ما كان قبله)، فالآية تعم كل الذنوب ((إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا)) لمن تاب منها، فباب التوبة مفتوح حتى للمشركين والمنافقين واليهود والنصارى، فإنهم إن تابوا تقبل الله توبتهم، فلا تعارض بين الآيات حتى نتكلف التوفيق.
стр. 793
معنى حديث: (ما أسفل الكعبين من الإزار ففي النار)
السؤال
ما معنى حديث: (ما أسفل الكعبين من الإزار ففي النار)؟
الجواب
من الكبائر أن تتجاوز ثياب المؤمن الكعبين، وهما العظمان الناتئان في جانبي القدم، فلا يجوز ذلك، وهذا الحديث يدل أن كل مسبل يكون في النار أو ما جاوز الكعبين من إزاره فهو في النار فقط، وعلى كل حال فهذا الوعيد يفيد أن هذا الفعل من الكبائر، وصاحبه مستحق للعقوبة.
стр. 794
مستمع الغيبة والمغتاب مشتركان في الإثم
مستمع الغيبة والمغتاب شريكان في الإثم، فقد روي عن أبي هريرة ﵁ قال: (جاء الأسلمي إلى رسول الله ﷺ -وهو ماعز - فشهد على نفسه بالزنا أربع شهادات يقول: أتيت امرأة حراماً، وفي كل ذلك يعرض عنه رسول الله ﷺ ، فذكر الحديث إلى أن قال له النبي ﵊: (فما تريد بهذا القول؟ قال: أريد أن تطهرني) ومعروف أنه إذا بلغ الحد الإمام فلا رجوع فيه، وهنا
السؤال
من أتى ذنباً يستوجب حداً في مثل هذا الزمان الذي لا تقام فيه الحدود إلا نادراً في بعض البلاد، هل يعمل مثل ماعز.
الجواب
لا، حتى لو كان في مجتمع الصحابة رضي الله تعالى عنهم -الذين هم خير أمة أخرجت للناس-، فلو كانت الحدود تقام فليس على كل من فعل ذنباً أن يذهب إلى الخليفة ويعترف عنده ليقام عليه الحد، بل الواجب عليه أن يستر نفسه حتى في ظل الدولة الإسلامية التي تقيم الحدود، وهو يكافأ إن ستر على نفسه في الدنيا أن يستر الله في الآخرة، فيقرره الله بذنوبه يوم القيامة فيقول له: أتذكر كذا؟ أتذكر كذا؟ فإذا ظن أنه هالك لا محالة، يقول الله له: (فأنا أسترها عليك اليوم كما سترتها عليك في الدنيا)، فإن الله حيي ستير يحب الحياء والستر، ومن أعظم ما يحبه أن يستر العبد على نفسه وعلى إخوانه.
فإذا ابتلي الإنسان بشيء من هذه المعاصي أو القبائح فينبغي أن يستر على نفسه ولا يحدث بذلك أحداً، وقد جاء في الحديث: (كل أمتي معافى إلا المجاهرون)، والمجاهرون هم الذين يأتي أحدهم الذنب بالليل فإذا أصبح يهتك ستر الله عليه ويقول: قد فعلت كيت، ويحكي للناس ما فعل، فهذا يعاقب بأن الله لا يغفر له ولا يعافيه؛ لأنه ضاد الله فيما يحبه، فالله ستير يحب الستر، وفي الحديث: (من ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة)، فينبغي الاهتمام بهذا الأمر، حتى ولو في ظل دولة الخلافة الإسلامية، فالعاصي غير مطالب بأن يذهب للإمام ويهتك ستر نفسه، لكنه مطالب طلباً أكيداً أن يستر على نفسه، ويرجو رحمة الله وعفوه، وإن جهر بذلك وفضح نفسه فإنه يعاقب، فإذا بلغت توبته إلى هذا الحد، وحرص على أن يطهره الله، وبلغ الإمام ذنبه؛ فلا رجوع في الحد، لذلك لما اعترف ماعز بالزنا أراد النبي ﵇ أن يدفع عنه ذلك فقال له: (لعلك فعلت كذا أو كذا)، بما هو أخف من الفاحشة، فأقر وصرح تصريحاً لا لبس فيه بأنه أتى بالفعل هذا الحرام، فقال له النبي ﷺ : (فما تريد بهذا القول؟ قال: أريد أن تطهرني، فأمر به رسول الله ﷺ أن يرجم فرجم، فسمع رسول الله ﷺ رجلين من أصحابه يقول أحدهما لصاحبه: انظروا إلى هذا الذي ستر الله عليه فلم تدعه نفسه حتى رُجِمَ رَجْمَ الكلب! قال: فسكت رسول الله ﷺ ، فمر بجيفة حمار شائل برجله -والشائل: هو كل ما ارتفع، والارتفاع ينشأ من التعفن والغازات في داخل أمعاء الحمار فتتراكم فترفع الرجلين، فالعضلات تتصلب، والغازات تدفعه من شدة التعفن- فقال: أين فلان وفلان؟ فقالا: ها نحن يا رسول الله! فقال لهما: كلا من جيفة هذا الحمار، فقالا: يا رسول الله! غفر الله لك، من يأكل من هذا؟! فقال رسول الله ﷺ : ما نلتما من عرض هذا الرجل آنفاً أشد من أكل هذه الجيفة، فوالذي نفسي بيده إنه الآن في أنهار الجنة) وقوله: (أشد) بصيغة أفعل التفضيل، فما وجه هذه التفضيل؟ معناه أن الذنب الذي ارتكبتماه بغيبة هذا المسلم الذي أقيم عليه الحد وطهر منه أشد عند الله من أكل جيفة الحمار المتعفن؛ لأن من يأكل جيفة الحمار لا يكون قد آذى مسلماً، لكن من وقع في الغيبة فقد آذى مسلماً، وانتهك عرضه، وانشغلت ذمته بحقوق العباد، فهذا خير ممن يأكلون لحوم البشر! وقول النبي ﵊: (كلا من جيفة هذا الحمار) فخاطب المتكلم وجليسه، وقال: (ما نلتما)، استعمل صيغة المثنى، مع أن الذي اغتاب كان واحداً، لكن الآخر استمع وأقر ولم ينكر عليه، فهذا نذير خطر؛ وما أكثر ما يجلس الإنسان في مجالس آكلي لحوم البشر! وهذه بلية موجودة حتى في أهل الدين والطاعة، كيف تجلس في مجالس الغيبة وتسكت وتقر، إما أن تزيل المنكر وتنكر على هذا المتكلم وإما أن تترك المكان وتفارقه، وإن كنت لا تقوى على هذين الأمرين فاتق مخالطة الناس ما استطعت، فإن من أكثر المخالطة لا يكاد يسلم في هذا الزمان من الوقوع في الغيبة.
والمغتاب لو أنه في كل مجلس يجد من يزجره أو يهجره ويترك المجلس؛ لانتبه وأحس بجريمته، فإن كان لا يستحي من الله فقد يخشى هجرة الناس إياه، فلو أنه في كل مجلس وجد من يزجره لتوقف عن الغيبة وانتهى عنها، لكن نحن نساعده بالسكوت والإقرار إن لم يكن بالمشاركة والمؤازرة.
إذاً: هذا الحديث دليل على أن الذي يسمع المنكر ويسكت ويقر كمرتكب الجريمة، وكلاهما سواء في الوزر؛ ولذلك قال: (كلا) وقال: (ما نلتما من عرض أخيكما) فنسب الوزر إليهما جميعاً.
ومثله قوله تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا﴾ [الشمس:١٤] هل عقر الناقة كل القبيلة أم واحد؟ هو واحد، لكن الباقون كانوا مقرين وموافقين، فنسب الفعل إليهم أجمعين.
وعن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: (كانت العرب يخدم بعضهم بعضاً في الأسفار، وكان مع أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما رجل يخدمهما، فاستيقظا ولم يهيئ لهما طعاماً، فقال أحدهما لصاحبه: إن هذا ليوائم نوم بيتكم -يعني: أن نومه يشبه نوم البيت لا نوم السفر، يريد بذلك أن يعيبه بكثرة النوم، يعني: أنه ينبغي له في حالة السفر أن ينام نوماً خفيفاً ويكمل الرحلة- فلما تأخر عن إعداد الطعام لهما، قال أحدهما لصاحبه: إن هذا ليوائم -يعني: يوافق- نوم بيتكم، فأيقظاه، فقالا: ائت رسول الله ﷺ فقل له: إن أبا بكر وعمر يقرئانك السلام وهما يستأدمانك -يعني: يطلبان منك الإدام، وهو ما يؤكل مع الخبز- فلما ذهب الرجل الخادم إلى الرسول ﵊ قال له: إن أبا بكر وعمر يقرئانك السلام وهما يستأدمانك، فقال الرسول رداً عليه: إنهما قد ائتدما، فلما رجع وأخبرهما فزع أبو بكر وعمر وجاءا مسرعين إلى الرسول ﷺ فقالا: يا رسول الله! بعثنا إليك نستأدمك، فقلت قد ائتدما، فبأي شيء ائتدمنا؟! قال: بلحم أخيكما، والذي نفسي بيده! إني لأرى لحمه بين أنيابكما)، وفي رواية: (والذي نفسي بيده! إني لأرى لحمه من ثناياكما، قالا: فاستغفر لنا، قال: هو فليستغفر لكما) يعني: صاحب الحق هو الذي يطلب عفوه، ويستغفر لكما.
فقول النبي ﵊: (قد ائتدما)، وقوله أيضاً: (بين أنيابكما)، وقوله: (هو فليستغفر لكما)، كل هذا يدل على أنهما سواء في الوزر، مع أن الذي تكلم واحد، والآخر لم ينكر عليه.
يقول الإمام النووي رحمه الله تعالى: اعلم أن الغيبة كما يحرم على المغتاب ذكرها يحرم على السامع استماعها وإقرارها، فيجب على من سمع إنساناً يبتدئ بغيبة محرمة أن ينهاه إن لم يخش ضرراً ظاهراً، فإن خافه وجب عليه الإنكار بقلبه، ومفارقة ذلك المجلس إن تمكن من مفارقته، فإن قدر على الإنكار بلسانه أو على قطع الغيبة بكلام آخر لزمه ذلك، فإن لم يفعل عصى، فإن قال بلسانه: اسكت وهو يشتهي بقلبه استمرارها -ويحب أن يزود الكلام ليتشفى، خاصة إذا كان بينه وبينه عداوة، ويقول ذلك نفاقاً؛ لا يخرجه عن الإثم، ولابد من كراهته بقلبه، يعني: لو كان يشتهي الزيادة، فمعنى ذلك أن قلبه يحب المعصية، ومعلوم أن إنكار المنكر بالقلب فرض عين على كل مسلم، لا يعذر فيه أحد أبداً، لكن الإنكار باللسان وباليد أحياناً لا يستطيعه الإنسان، لذلك يقول الرسول ﷺ : (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)، ثم سكت بعده؛ لأن القلب لا سلطان لأحد عليه، لكن قال: (وذلك أضعف الإيمان)، فلابد أن يكره المسلم الإثم بقلبه، ومتى اضطر إلى المقام في ذلك المجلس الذي فيه الغيبة وعجز عن الإنكار أو أنكر فلم يسمع منه ولم يمكنه المفارقة بطريق؛ حرم عليه الاستماع والإصغاء للغيبة، وفي هذه الحالة طريقه: أن يذكر الله تعالى بلسانه أو بقلبه، ويفكر في أمر آخر ليشتغل عن استماعها، ولا يضره بعد ذلك السماع من غير استماع وإصغاء في هذه الحالة المذكورة، فإن تمكن بعد ذلك من المفارقة وهم مستمرون في الغيبة وجب عليه المفارقة، قال الله : ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام:٦٨].
وعن عمرو بن عتبة بن أبي سفيان أنه قال لمولى له: نزه سمعك عن استماع الخنا، كما تنزه لسانك عن القول به، فإن المستمع شريك القائل: وسمعك صن عن سماع القبيح كصون اللسان عن النطق به فإنك عند سماع القبيح شريك لقائله فانتبه
стр. 795
عدم تخليد آكل الربا في النار
السؤال
قوله : ﴿وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٢٧٥]، هل آكل الربا يخلد في النار؟
الجواب
نحن إذا رجعنا إلى الآيات التي قبلها نفهم ما المقصود من قوله: (وَمَنْ عَادَ)، أي: من عاد إلى استحلال الربا؛ لأن استحلال الحرام والحكم على الحرام بأنه حلال كفر.
أي أن الشخص الذي يشرب الخمر ولا يستحلها أخف من الشخص الذي لا يشربها، ولكن يقول: هي حلال، فاعتقاد أن الخمر حلال كفر؛ لأنه معارضة لحكم الله ، لكن الشخص الذي يعتقد أنها حرام ويخالف الأمر نتيجة الهوى والشهوة فهذا ارتكب ذنباً وكبيرة، لكن دون كبيرة الكفر.
فأكل الربا من السبع الموبقات، ومن أشد الذنوب المهلكة، يقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ * وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة:٢٧٨ - ٢٨٠]، والآية الأخرى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة:٢٧٥]، فقوله : ((وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ)) يعود إلى قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة:٢٧٥] فمن قال: إن الربا حلال مثل البيع، وزعم أنه حلال، فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون.
стр. 796
حكم حلق اللحية
السؤال
عدم حلق اللحية سنة مؤكدة! ولكن صدرت فتوى بأن حلقها ليس فيه إثم؟
الجواب
هذا زمن العجائب! من قال: إن عدم حلق اللحية سنة مؤكدة؟! إعفاء اللحية سنة واجبة، لأن كلمة السنة تأتي لعدة معان، نذكر منها معنيين: فالسنة تأتي بمعنى الطريقة، سواء كانت مرضية أو غير مرضية، وسنة رسول الله ﷺ إما أن تكون سنة بمعنى الشيء الذي أنت مخير بين فعله وتركه، فإذا فعلته أثبت، وإذا تركته لم تعاقب مثل ركعتي الفجر وسنة الظهر القبلية وسنة المغرب وصيام الخميس والإثنين؛ فهذه كلها سنن بمعنى أنها مستحبة أو مندوبة.
والمندوب هو الشيء الذي يطلب منك، لكن تؤمر به أمراً غير جازم، وتثاب إذا فعلته ولا تعاقب إذا لم تفعله؛ هذا معنى السنة المندوبة.
وهناك سنة واجبة بأن تقول مثلاً: الحج سنة المسلمين، وتقول في الزكاة: هي سنة النبي ﷺ ، أي: طريقته، لكن ليس معناه أن الحج أو الصلاة على سبيل الندب والاستحباب.
فإذا قلنا: صلاة الفجر والظهر والعصر والمغرب والعشاء سنة عن رسول الله ﷺ ، فالمقصود أنها طريقة رسول الله، أما من حيث الأحكام التكليفية الخمسة فهي واجبة وفريضة.
فكذلك إذا قلت: اللحية سنة، أي: هي طريقة رسول الله ﷺ ، وطريقة رسول الله ﷺ إما أن تكون واجبة، وأما أن تكون مستحبة، وإما أن تكون أفعالاً جبلية طبيعية فطرية؛ فاللحية لا شك أنها واجبة، ولم يقل بأنها عادة إلا بعض المحدثين في هذا الزمان، والمفروض أننا نتكلم على الخلاف الذي يعتد به، وذلك عندما كان الأئمة متوافرين يملئون الأقطار، فهؤلاء إذا اختلفوا فهناك قيمة لاختلافهم، أما نحن الآن في المسجد مائة شخص أو أكثر، فإذا اختلفنا ما قيمة اختلافنا؟! يقولون هذا غير جائز عندنا فمن أنتم حتى يكون لكم عند من نحن حتى نختلف؟! من هم شيوخ هذا الزمان حتى يخالفوا الأئمة الأربعة أو الصحابة والتابعين وأحاديث الرسول ﵊؟ إذا كان الأئمة الأربعة قد حذرونا من أن نتبع أقوالهم إذا خالفت أحاديث النبي ﵌ فكيف بمن يأتي بعدهم؟ المقصود أن حلق اللحية حرام، وأن إعفاء اللحية واجب وفريضة، فيأثم من يحلقها بدون عذر كالتداوي مثلاً، فالأدلة على هذا الحكم واضحة، يقول النبي ﵌: (خالفوا المشركين، أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى)، وقد ورد الأمر بإعفاء اللحية في خمس صور: (أعفوا اللحى) (وفروا اللحى) (أرخوا اللحى) (أرجوا اللحى) (أوفوا اللحى).
فهذه الروايات معناها كلها أن تترك على حالتها، فمن من الصحابة حلق لحيته؟ نريد واحداً فقط من الصحابة أو من الأئمة حلق لحيته! الأنبياء أنفسهم كانوا يعفون لحاهم، والدليل من القرآن قول الله في حق هارون ﵇: ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي﴾ [طه:٩٤].
إذاً: كانت له لحية بحيث يمسكها موسى ﵇، فكان من سنة الأنبياء أنهم يعفون اللحى، ورسولنا ﵊ أمرنا بأن نتبع هؤلاء الأنبياء، ومنهم موسى وهارون، فبعد أن ذكر الله طائفة عظيمة من الأنبياء ومنهم موسى وهارون في سورة الأنعام قال في آخر الآية: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام:٩٠] فأمر النبي ﵊ أن يقتدي بالأنبياء، وهؤلاء الأنبياء -كما جاء في قصة موسى وهارون- كان لهم لحى، ثم أمرنا نحن بالاقتداء بنبينا: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:٢١].
أيضاً: حلق اللحية تشبه بالنساء؛ لأن الله ميز الرجل عن المرأة بعدة خصال: منها أن الرجل ينبت في لحيته شعر فلا ينبغي أن يزيله؛ لأن الشرع لم يأذن له في ذلك، لكن أذن له في إزالة غيره، فكأن الإنسان يتهم الله في حكمته حيث ميز الرجل عن المرأة باللحية، كأنه يصيح من اللحية ويقول: الله خلق هذه اللحية في وجهي عبثاً وبدون فائدة؛ فلذلك فهو يحلقها.
الله خلقها لأنها من كمال الرجولة وكمال الفحولة وبها يتميز الرجال عن النساء.
أيضاً فيها مخالفة للمشركين: (خالفوا المجوس) (خالفوا المشركين).
كذلك حلقها فيه تغيير لخلق الله، وقد بين الله أن الذي يأمر بتغيير خلق الله هو إبليس، حكى الله عن إبليس أنه قال: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء:١١٩]، ولا يجوز تغيير خلق الله إلا بإذن من الشرع، مثل قص الأظافر، فقصها من خصال الفطرة التي أمرنا بها، فلذلك نغير خلق الله بتصريح من الله ، وكذلك في الاستحداد أو نتف الإبط، لكن أين التصريح بحلق اللحى؟ قال النبي ﵊: (عشر من الفطرة: -وذكر منها- إعفاء اللحى)، وقال الله : ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة:١٢٤] ومن هذه الكلمات إعفاء اللحى.
أيضاً: اللحية نعمة من نعم الله على الإنسان، فهي تعطي الإنسان الوقار والهيبة، وتعينه على حفظ دينه في هذا المجتمع الفاسد.
وكان الصحابة يقولون: (كان ﷺ يقرأ في صلاة الظهر، قيل: كيف كنتم تعرفون قراءته؟ قالوا: باضطراب لحيته) يرونه من خلفه وهو يقرأ؛ لأن لحيته تتحرك وهو يقرأ القرآن في نفسه ﵌، كذلك أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وسائر الصحابة ما عرفوا حلق اللحى، والمسلمون ما عرفوا حلق اللحى إلا بعدما احتكوا بالأوروبيين، وأرادوا أن يتشبهوا بالإنجليز.
ما عرفنا حلق اللحى إلا لما أردنا تقليد الكفار تقليداً أعمى، فهي ليست من سنن المسلمين، فيحرم حلق اللحى باتفاق المذاهب الأربعة، ومن ادعى خلاف ذلك فليأت بالدليل
стр. 797
تعريف الجلالة
السؤال
ما هي الجلالة؟
الجواب
الجلالة هي الدابة التي يغلب على طعامها النجاسة، فإن كان أغلب أكلها النجاسة فعليك أن تعزلها فترة حتى يطيب لحمها ثم تذبحها، فإن كانت نسبة النجاسة قليلة فليست بجلالة، والله أعلم.
стр. 798
السلفيون هم أهل السنة والجماعة
السؤال
هل السلفيون هم أهل السنة والجماعة، وما حكم من يطلق هذا الاسم تعصباً على غيرهم؟
الجواب
السلفيون هم أهل السنة والجماعة ولا يستطيع أحد أن ينازعنا في هذا الاسم، لأن أهل السنة والجماعة هم الفرقة الناجية الذين جاء وصفهم في هذا الحديث: (وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة هي الجماعة)، وهم جماعة المسلمين إذا اجتمعوا على إمام، وكذلك إجماع المؤمنين، وأي معنى من معاني الجماعة لابد أن نلتزمه.
فأهل السنة والجماعة اسم لا يختلف عليه، وإذا ادعيناه لأنفسنا فنحن نملك السند الذي يثبت استحقاقنا لهذا الوصف، وهو أن عقيدتنا عقيدة أهل السنة والجماعة التي تميزت عن أهل البدع والافتراق، فأهل السنة والجماعة هم من كان منهجهم منهج الصحابة، وسلوكهم في فهم الإسلام سلوك الصحابة.
والألقاب إذا لم يخش منها تلبيس الحقائق على الناس فلا بأس بها، بدليل أن الإسلام يعرف الألقاب ويعرف الصفات، هناك لقب المهاجرين ولقب الأنصار، وهناك سيف الله المسلول خالد بن الوليد لقبه به رسول الله ﷺ ، وهناك أمين الأمة أبو عبيدة بن الجراح ﵁، وهناك الصديق أبو بكر، وهناك الفاروق عمر، وهناك ذو النورين عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه.
المقصود أن الألقاب عرفت في الإسلام، وأشرف هذه الألقاب كما نعلم المهاجرون والأنصار، فمدح الصحابة رضوان الله عليهم بهذا الوصف في القرآن قال : ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة:١٠٠]، والسابق هو: الذي سلف وتقدم، فهؤلاء هم السلف، والذي ينتسب إليهم ويمشي على طريقتهم هو السلفي، فهذا معنى كلمة (السابقون).
وقال تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلآخِرِينَ﴾ [الزخرف:٥٦]، سَلَفًا: أي: متقدمين عليهم هذا معنى السالف.
فالسلفية ليس معناها الرجوع إلى الوراء كما يزعم أعداء الإسلام بأنها رجعية ورجوع إلى الوراء، بل السلفية هي ارتفاع ورقي إلى مستوى السلف حيث شكلوا النموذج الأعلى لفهم الإسلام وتصديقه والجهاد في سبيل الله .
وإذا استعملت كلمة المهاجرين والأنصار استعمالاً جاهلياً عصبياً فحينئذ تسمى جاهلية، رغم أن اللقب شريف، لكن إن استعمل في غير موضعه فقد نبذه رسول الله ﷺ ، فعن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال: (كسع رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار -ضربه على مؤخرته- فصاح فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فغضب، فقال: ما بال دعوى الجاهلية! دعوها فإنها منتنة) فسمى التنادي باللقب الشريف في غير موضعه دعوى الجاهلية؟ والرسول ﵊ قال في حديث آخر في خطبة الوداع: (كل شيء من أمر الجاهلية موضوع تحت قدمي هاتين).
وقال ﵊ أيضاً: (ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية) وهذه دعوة جاهلية تفرق المسلمين.
أيضاً: أمر بترك التنادي بهذه الألقاب فقال: (دعوها)، وعلل الحكم بقوله: (فإنها منتنة) يعني: خبيثة، وجاء في صفة النبي ﷺ في التوراة والإنجيل أنه يحرم عليهم الخبائث، ومن الخبائث التنادي بالعصبية، كأن يقال: هذا مصري، وهذا يمني، أو هذا سوداني، وهذا ليبي، وهذا عراقي.
كل هذه العصبيات جاهلية، يقول النبي ﷺ : (لينتهين أقوام يفتخرون بآبائهم الذين ماتوا إنما هم فحم جهنم، أو ليكونن أهون على الله من الجعل الذي يدهده الخراء بأنفه، إنما الناس رجلان: رجل تقي وفاجر شقي؛ كلكم لآدم وآدم خلق من التراب).
فالإسلام يحارب هذه العصبيات التي تفرق المسلمين، فإن كانت العبارة موهمة أو استعملها بعض الناس استعمالاً سيئاً فهو مخطئ.
стр. 799
سبب نشأة تسميات الفرق الإسلامية
السؤال
ما السبب في نشأة هذه التسميات للفرق الإسلامية مع أنه كان يكفي اسم الإسلام؟
الجواب
بسبب انتشار البدع والضلالات والفرق التي عادت من جديد تحت أسماء مستعارة، فهناك خوارج في هذا الزمان، لكن تحت اسم جديد وهو التكفير والهجرة، هناك مرجئة تحت أسماء أخرى، هناك معتزلة قدرية، هناك جهمية، وهناك كثير من الضلالات موجودة، لكن تحت أسماء حديثة، والحقيقة واحدة.
فإذا قلنا: إن الإسلام يكفي فبأي اسم نميز أنفسنا عن هذه الضلالات لنقوم بالإسلام كما فهمه الصحابة الذين تربوا على يدي الرسول ﷺ ، وكما تلقته الأمة وفهمته وطبقته وجاهدت في سبيله حتى اجتمعت على إمامة أئمتها العدول؛ كالإمام أحمد والإمام أبي حنيفة والإمام مالك والإمام الشافعي، وكـ البخاري وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة والليث بن سعد، وكأئمة السنن والمسانيد والصحاح؛ كل هؤلاء اتفقت الأمة على أنهم أئمة وعدول، والأمة حينما تتفق على شيء وتجتمع فإنها معصومة من الضلالة.
فالأمة اجتمعت على إمامة هؤلاء القوم، فنتلقى عنهم ديننا، وهو دين له سند وله نسب، فهو دين أتى لنا بعقيدة مسندة وليست مخترعة.
بعض الناس ينسب إلى شيخ الإسلام ابن تيمية أنه مؤسس المذهب السلفي، فنقول: السلفية ليست مذهباً؛ لأنها هي الإسلام الصحيح، هي الفهم القويم للإسلام كما تلقاه السلف وكما فهموه وكما طبقوه.
شيخ الإسلام كان له دور أساسي وهو أنه أزال الغبار عن هذه الدعوة، فـ شيخ الإسلام جدد شباب الدعوة السلفية، ولكن الذي أسس الدعوة السلفية هو الله ، بدأ تأسيسها في شهر رمضان في غار حراء في الليلة التي نزل فيها الوحي، وبدأ تأسيسها بكلمة ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق:١]، وانتهت بـ ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ﴾ [المائدة:٣]، فإذا فهمنا حقيقة هذه الكلمة علمنا أنه لا ينجو إلا من كان سلفياً.
ولذلك تجد كل جماعة تريد أن تنسب إلى هذا الاسم، كل شخص يقول: نحن نتبع السلف، نحن نقتدي بالسلف، ولكن ينطبق عليهم قول بعض الشعراء: والدعاوى إن لم تقيموا عليها بينات أصحابها أدعياء لذلك كانت السلفية هي الترسانة التي حفظت تراث الأمة من التحريف، وتصدت لكل صور الانحراف وبالذات الانحراف في العقيدة.
علماء السلفيين في كل عصر من العصور يذبون عن هذه العقيدة، ويبذلون حياتهم من أجلها، فالإمام أحمد بن حنبل عذب حوالى سبع عشرة سنة من أجل مسألة واحدة فقط في العقيدة، ولم يفت بما يوافق أهواء الناس ليذب عن هذه العقيدة.
فالسلفيون أعظم الناس اهتماماً بأعظم ركن في الإسلام وهو العقيدة والتوحيد، ثم اتباع سنة النبي ﷺ ، وهم أبرأ الناس من البدع، وأشدهم تمسكاً وعلماً ومعرفة بأحاديث رسول الله ﵌، وهم منتشرون الآن في أقطار الأرض شرقها وغربها، معروفون بهذه العلامات البارزة: ١ - محبتهم للسلف.
٢ - احترامهم للصحابة.
٣ - تقديم قول النبي ﵊ على قول غيره من البشر كائناً من كان: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء:٧١] وإمامهم محمد ﷺ لا غير.
٤ - احترامهم للآداب الشرعية.
٥ - عدم استهزائهم بسنن النبي ﷺ أو التهوين من شأنها.
٦ - الإلمام بما يجد من مشكلات العصر وصدور فتاوى اجتهادية من كثير من العلماء السلفيين لحل هذه المشكلات والإفتاء فيها.
٧ - الجهاد في سبيل الله في كل عصر ومصر، ويكفي أن الدعوة الوحيدة التي استطاعت أن تقيم دولة منذ انحطاط قوة الخلافة الإسلامية هي الدعوة الوهابية التي قامت على المفاهيم السلفية وعقيدة التوحيد واتباع سنة الرسول ﵌، وإن كانت كلمة (وهابية) مصطلحاً محدثاً ولكننا نقول: أولئك آبائي فجئني بمثلهم إذا جمعتنا يا جرير بن عطية الخطفي المجامع فالسلف هم أفضل الأمة على الإطلاق بنص القرآن، ومن ادعى اتباعه لهم أو الانتساب إليهم، فعليه أن يأتي بالدليل من الاهتمام بالتوحيد الذي هو مفتاح دعوة الرسل، وهو ركن الدين الأصيل؛ والاهتمام بالسنة والبراءة من البدع والبراءة من الشركيات بشتى صورها، والاهتمام بتزكية النفس طبقاً لسنة النبي ﷺ لا طبقاً لخزعبلات المبتدعين من الصوفية أو المترهبنين أو غيرهم من أهل البدع.
فهذا هو الطريق الواضح، وهو طريق ثابت، وكل من تحرى الوصول إلى الحق في هذا الطريق فإنه يستطيع أن يصل بلا أدنى مشقة.
стр. 800
وفاة الرسول وتفسير سورة النصر
بعد أن أكمل الله هذا الدين بالنصر والفتح وانتشار الإسلام أمر نبيه ﷺ بلزوم التسبيح والاستغفار، فكان آخر ما نزل عليه ﵊ سورة النصر، وفيها الأمر له بالتسبيح والاستغفار؛ حتى تقتدي به أمته، فعوضاً عن أن يُتبعوا انتصاراتهم بالغناء والرقص فإنهم يختمونها بالتسبيح والاستغفار، فالنعم لابد تشكر بالطاعة لا بالمعصية.
стр. 801
بيان أعظم مصيبة أصيبت بها أمة محمد ﷺ
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
وبعد: فيقول رسول الله ﷺ : (إذا أصيب أحدكم بمصيبة فليذكر مصيبته بي؛ فإنها أعظم المصائب).
هذا الحديث رواه ابن سعد والترمذي مرسلاً، ورواه أبو نعيم عن ابن عباس ﵄ مرفوعاً، وله شواهد، منها: عند ابن ماجه عن عائشة ﵂ قالت: (فتح رسول الله ﷺ باباً بينه وبين الناس في مرض وفاته ﷺ ، فإذا الناس يصلون وراء أبي بكر، فحمد الله على ما رأى من حسن حالهم، ورجا أن يخلفه الله فيهم، فقال: يا أيها الناس! أيما أحد من الناس -أو من المؤمنين- أصيب بمصيبة فليتعز بمصيبته بي عن المصيبة التي تصيبه بغيري، فإن أحداً من أمتي لن يصاب بمصيبة بعدي أشد عليه من مصيبتي).
وهذا الحديث وإن كان ضعيفاً لكنه يعد شاهداً من شواهد الحديث الأول.
فقوله: (يا أيها الناس أيما أحد من الناس -أو من المؤمنين- أصيب بمصيبة فليتعز بمصيبته بي عن المصيبة التي تصيبه بغيري) قاله لأن النبي ﷺ أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وقد قال ﷺ : (لا يؤمن أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ولا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين).
فمقتضى هذا المعنى أن المصاب بموت النبي ﷺ هو أعظم مصيبة مرت على المسلمين؛ لأن بموته انقطع الوحي والرسالة، فيرشد النبي ﷺ إلى أن الإنسان إذا أصيب في أي شيء من فقد عزيز عليه بموت أو غيره فإنه يتعزى بالمصاب الأكبر الذي أصاب الأمة، ألا وهو موت النبي ﵌، يقول ﷺ : (فإن أحداً من أمتي لن يصاب بمصيبة بعدي أشد عليه من مصيبتي).
ومن شواهده -أيضاً-: ما رواه ابن المبارك في الزهد عن القاسم بن محمد مرسلاً: (ليعز المسلمون في مصائبهم المصيبة بي)، وذلك لأنها -كما ذكرنا- أعظم المصائب، وقال بعضهم: اصبر لكل مصيبة وتجلد واعلم بأن المرء غير مخلد فإذا ذكرت مصيبة تسلو بها فاذكر مصابك بالنبي محمد ﷺ .
والحديث يرشد إلى أسلوب من أساليب التعزي والصبر عند حلول المصائب، فلا بد من أن يتفطن المؤمن؛ لأن الصبر صبران: صبر محمود وصبر مذموم، وليس كل صبر محموداً، لكن هناك صبر محمود وهناك صبر مذموم، فالصبر المحمود هو الصبر على قدر الله عند حلول أي شيء من الكوارث أو المصائب القدرية، فهذا هو الذي ينبغي الصبر عليه، ويكون ذلك بحبس اللسان عن الشكوى، وحبس القلب عن التسخط المحذور، وحبس الجوارح عن الوقوع في المعاصي كلطم الوجه وشق الجيوب وهذه الأشياء.
أما الصبر المذموم فهو الصبر الذي يدفع الإنسان إلى السكوت على محارم الله، وعدم الغيرة على حرمات المسلمين إذا انتهكت، فهذا ليس صبراً محموداً، ولكنه من الصبر المذموم الذي لا يرضاه الله .
стр. 802
وقفة مع سورة النصر ووجه تعلقها بوفاة النبي ﷺ
السورة التي نقف عندها -إن شاء الله- هي سورة النصر، وهي سورة مدنية آيها ثلاث، ولها عدة أسماء، فهي تسمى سورة النصر، وتسمى سورة (إذا جاء (، وتسمى سورة التوديع.
وهذه السورة يقال: إنها آخر سورة نزلت.
كما روي عن ابن عباس ﵄، وروى البيهقي أيضاً عن ابن عباس ﵄ أنه قال: قال رسول الله ﷺ لما نزلت هذه السورة: (إنه قد نعيت إلي نفسي) يعني أن الله يخبره بأنه قد اقترب أجله ﵌.
يقول بعض الصحابة: (فكان بعد نزول هذه السورة يفعل فعل مودع، وامتثل أمر الله : ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ [النصر:٣]، فما كان يصلي بعد نزول هذه السورة صلاة إلا دعا فيها في الركوع والسجود: سبحانك -اللهم- ربنا وبحمدك، اللهم! اغفر لي.
يتأول القرآن).
فهذه السورة -كما ذكرنا- كانت توطئةً وإرهاصاً بين يدي ذلك المصاب الجلل، وهو أول قاصمة أصيبت بها الأمة الإسلامية، وهي موت النبي ﵌.
وسنعيد تذكر الأيام الأخيرة من حياة النبي ﵌، فما أن عاد رسول الله ﷺ إلى المدينة المنورة بعد حجة الوداع حتى أمر المسلمين بالتهيؤ لغزو الروم، واختار رسول الله ﷺ لإمرة هذا الغزو أسامة بن زيد ﵄، وكان أسامة ﵁ شاباً حدثاً، فأمره رسول الله ﷺ أن يسير إلى موضع مقتل أبيه زيد بن حارثة ﵁، وأن يوطِئ الخيل أرض البلقاء والداروم من أرض فلسطين، وذلك مع بدء شكواه ومرضه الذي توفي فيه، فانتهز المنافقون هذه الفرصة وقالوا: أمرّ النبي ﷺ حدثاً على جلة المهاجرين والأنصار.
فلما علم النبي ﷺ بهذا الكلام الذي أثاره المنافقون والمرجفون عصب رأسه الشريف وخرج إلى الناس وخطب فيهم قائلاً: (إن تطعنوا في إمارة أسامة بن زيد فقد طعنتم في إمارة أبيه من قبله، وأام الله إن كان لخليقاً بها -يعني أن أباه زيد بن حارثة كان خليقاً بالإمارة- وايم الله إن هذا لها لخليق -يعني: أن أسامة بن زيد ﵁ جدير بالإمارة- وايم الله إن كان لأحبهم إلي من بعده، فأوصيكم به فإنه من صالحيكم)، فتجهز الناس وأوعب مع أسامة المهاجرين والأنصار، وخرج أسامة بن زيد بالجيش إلى ظاهر المدينة فعسكر بالجرف، وهو مكان قريب من المدينة، فلما تجهز المسلمون للخروج لغزو الروم اشتدت برسول الله ﷺ علته التي قبضه الله فيها، فأقام الجيش هناك ينتظر ما الله قاض في هذا الأمر.
стр. 803
أحداث في مرض وفاته ﷺ
وكان بدء شكواه ما رواه ابن إسحاق وابن سعد عن أبي مويهبة -وهو مولى رسول الله ﷺ قال: (بعثني رسول الله ﷺ من جوف الليل فقال: يا أبا مويهبة قد أمرت أن أستغفر لأهل هذا البقيع فانطلق معي، فانطلقت معه، فلما وقفنا عليهم قال: السلام عليكم يا أهل المقابر، ليهنأ لكم، لا أصبحتم فيما أصبح الناس فيه، أقبلت الفتن مثل قطع الليل المظلم يتبع آخرها أولاها، الآخرة شر من الأولى، ثم أقبل عليّ، فقال: إني قد أعطيت مفاتيح خزائن الأرض والخلد فيها فخيرت بين أن أمتلك مفاتيح خزائن الأرض والخلود في هذه الأرض والجنة وبين لقاء ربي والجنة.
فقلت: بأبي أنت وأمي فخذ مفاتيح خزائن الدنيا وتخلد فيها ثم الجنة! قال: لا -والله- يا أبا مويهبة، قد اخترت لقاء ربي والجنة، ثم استغفر لأهل البقيع ثم انصرف).
فابتدأ رسول الله ﷺ وجعه الذي قبض فيه، وكان أول وجعه صداعاً شديداً في رأسه، فقد روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: (إنه ﷺ لما رجع من البقيع استقبلته وهي تقول: وارأساه -كانت ﵂ تشتكي رأسها- فقال لها النبي ﷺ : بل أنا -والله- يا عائشة وارأساه)، وكان بدء مرضه ذلك في أواخر صفر من السنة الحادية عشرة للهجرة، وكانت عائشة ﵂ ترقيه خلال ذلك بمعوذات من القرآن.
روى البخاري ومسلم عن عروة ﵁ أن عائشة ﵂ أخبرته (أن رسول الله ﷺ كان إذا اشتكى نفث على نفسه بالمعوذات) وهذا دليل من أدلة مشروعية الرقية.
والفرق بين الرقية والدعاء أن الرقية يكون فيها نفث في اليد ونفح على الجسد، تقول ﵂: (فكان إذا اشتكى نفث على نفسه بالمعوذات، فلما اشتكى وجعه الذي توفي فيه لم يطق ﷺ ذلك، فطفقت أنفث على نفسه بالمعوذات وأمسح بيد النبي ﷺ عنه)، فشعرت نساؤه ﷺ برغبته في أن يمرض في بيت عائشة ﵂ لما يعلمن من محبته لها وارتياحه إليها، فأذنَّ له في ذلك، فخرج إلى بيتها من عند ميمونة يتوكأ على الفضل بن العباس وعلي بن أبي طالب ﵄، وفي بيت عائشة ﵂ اشتد به وجعه، وكان قد شعر بقلق أصحابه وحزنهم عليه فقال: (أهريقوا علي من سبع قرب لم تحلل أوكيتهن لعلي أعهد إلى الناس) وهذا يشبه الكمادات بالماء البارد حتى تخف الحمى فيستطيع أن ينهض إلى الناس ويعهد إليهم ويوصيهم، قالت عائشة ﵂: (فأجلسناه في مخضب ثم طفقنا نصب عليه من تلك القرب، حتى طفق يشير إلينا بيده أن: قد فعلتن.
ثم خرج ﷺ عاصباً رأسه فجلس على المنبر، فكان أول ما تكلم به أن صلى على أصحاب أحد واستغفر لهم، ثم قال: عبد خيره الله بين أن يأتيه زهرة الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عنده، فبكى أبو بكر ﵁؛ لأنه علم ما يقصده النبي ﷺ من ذلك، وناداه قائلاً: فديناك بآبائنا وأمهاتنا.
فقال ﷺ : على رسلك يا أبا بكر، ثم قال: أيها الناس! إن أمن الناس علي في ماله وصحبته أبو بكر، ولو كنت متخذاً خليلاً، لاتخذت أبا بكر خليلاً ولكن أخوة الإسلام) لأن مرتبة الخلة لا تنبغي إلا لله ، ولأن الخلة أعلى درجات المحبة، كما قال: الشاعر: قد تخللت مسلك الروح مني وبها تمنى الخليل خليلاً أي: بلغت المحبة إلى حيث تبلغ الروح في جسد الإنسان، فهذه المرتبة من المحبة لا تليق إلا بالله ، ولو كانت جائزة لكان أولى الناس بها أبا بكر ﵁، فيقول النبي ﷺ : (أيها الناس! إن أمن الناس عليّ في ماله وصحبته أبو بكر، ولو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن أخوة الإسلام، لا تبقين في المسجد خوخة إلا خوخة أبي بكر) والخوخة هي باب صغير بين البيتين، فأمر بسد كل باب يؤدي إلى المسجد ما عدا الباب الذي يؤدي إلى بيت أبي بكر، ثم قال: (وإني فرط لكم -يعني: أنا أسبقكم إلى الله وأنا شهيد عليكم، وإني -والله- لأنظر إلى حوضي الآن، وإني أعطيت مفاتيح خزائن الأرض، وإني -والله- ما أخاف أن تشركوا من بعدي، ولكن أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوا فيها)، وعاد رسول الله ﷺ إلى بيته ثم اشتد به وجعه وثقل عليه مرضه، تقول عائشة ﵂: (قال لي رسول الله ﷺ في مرضه: ادعي لي أبا بكر أباك وأخاك حتى أكتب كتاباً، فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول قائل: أنا أولى، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر)، وهذا رواه البخاري ومسلم واللفظ لـ مسلم.
قوله: (ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر) هذا نص من النبي ﷺ على إمامة أبي بكر، وأنه أولى الصحابة بالإمامة، ثم تلا ذلك إجماع الصحابة ﵃.
وجاء عن ابن عباس ﵄ أنه قال: (لما اشتد برسول الله ﷺ المرض قال لرجال كانوا في البيت: هلموا أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده، فقال بعضهم: إن رسول الله ﷺ قد غلبه الوجع، وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله، فاختلف أهل البيت واختصموا، فمنهم من يقول: قربوا كتاباً يكتب لكم، ومنهم من يقول غير ذلك، فلما أكثروا اللغو والاختلاف قال رسول الله ﷺ : قوموا) رواه البخاري.
إذاً: الخلاف والمجادلة يرفعان البركة دائماً، فلما رآهم اختلفوا أمرهم بأن يقوموا وأن ينصرفوا، وكذلك لما تخاصم رجلان وقد علم من الوحي بتعيين ليلة القدر، فلما تخاصم هذان الرجلان رفع علم ليلة القدر، فبسبب الجدل والاختلاف والتنازع ترفع البركة وتمحق.
стр. 804
شدة مرضه ﷺ وصبره على ذلك
كان ﵊ بين يديه ركوة فيها ماءٍ، فجعل يدخل يديه في الماء فيمسح بهما وجهه ويقول: (لا إله إلا الله، إن للموت لسكرات) فمن السنة إذا احتضر الميت أن يفعل كما فعل النبي ﷺ وأن يقول مثل ما يقول: (لا إله إلا الله إن للموت لسكرات) فيجعل آخر كلامه (لا إله إلا الله).
وكانت فاطمة ﵂ إذا رأت منه ذلك قالت: (وا كرب أباه)، فيقول لها ﷺ : (ليس على أبيك كرب بعد اليوم)، قالت عائشة ﵂: (إن الله جمع بين ريقي وريقه عند موته، فقد دخل عليّ عبد الرحمن وبيده سواك وأنا مسندة رسول الله ﷺ فرأيته ينظر إليه، وعرفت أنه يحب السواك، فقلت: آخذه لك؟ فأشار برأسه أن: نعم.
فناولته فاشتد عليه، فقلت: ألينه لك؟ فأشار برأسه أن: نعم.
قالت: فلينته) أي: لينته بريقها.
(فكان بين يديه ركوة، فجعل يدخل يديه في الماء فيمسح وجهه ويقول: لا إله إلا الله إن للموت لسكرات، ثم رفع يده فجعل يقول: في الرفيق الأعلى.
حتى قبض ومالت يده ﷺ .
стр. 805
شدة مرضه ﷺ وصبره على ذلك
كان ﵊ بين يديه ركوة فيها ماءٍ، فجعل يدخل يديه في الماء فيمسح بهما وجهه ويقول: (لا إله إلا الله، إن للموت لسكرات) فمن السنة إذا احتضر الميت أن يفعل كما فعل النبي ﷺ وأن يقول مثل ما يقول: (لا إله إلا الله إن للموت لسكرات) فيجعل آخر كلامه (لا إله إلا الله).
وكانت فاطمة ﵂ إذا رأت منه ذلك قالت: (وا كرب أباه)، فيقول لها ﷺ : (ليس على أبيك كرب بعد اليوم)، قالت عائشة ﵂: (إن الله جمع بين ريقي وريقه عند موته، فقد دخل عليّ عبد الرحمن وبيده سواك وأنا مسندة رسول الله ﷺ فرأيته ينظر إليه، وعرفت أنه يحب السواك، فقلت: آخذه لك؟ فأشار برأسه أن: نعم.
فناولته فاشتد عليه، فقلت: ألينه لك؟ فأشار برأسه أن: نعم.
قالت: فلينته) أي: لينته بريقها.
(فكان بين يديه ركوة، فجعل يدخل يديه في الماء فيمسح وجهه ويقول: لا إله إلا الله إن للموت لسكرات، ثم رفع يده فجعل يقول: في الرفيق الأعلى.
حتى قبض ومالت يده ﷺ .
стр. 806
وصاياه ﷺ لأصحابه وأمته في مرض موته
كان النبي ﷺ أثناء ذلك يطرح خميصة على وجهه، فإذا اغتم وآلمه المرض كشفها عن وجهه ﷺ ، فكان النبي ﷺ في هذه اللحظات الأخيرة من حياته يقول: (لعنة الله على اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) فكانت هي الوصية الأخيرة للنبي ﷺ ، كما في بعض الروايات عن عائشة ﵂: (يحذر ما صنعوا) تعني: يحذر هذه الأمة من أن تصنع مثل صنيع اليهود والنصارى، فعجباً لغربة الإسلام وإعراض المسلمين عن هدي نبيهم ﷺ ، واقتحامهم وانتهاكهم الحرمات! وذلك باستحلال هذا الفعل القبيح وهو إدخال القبور في المساجد.
ثم بعد ذلك اقترب رسول الله ﷺ أكثر إلى حكم الله الذي أجراه على عباده كلهم: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠].
دخل فجر يوم الإثنين الثاني عشر من شهر ربيع الأول من العام الحادي عشر من الهجرة، وبينما الناس في المسجد يصلون خلف أبي بكر ﵁ إذا بالستر المضروب على حجرة عائشة قد كشف، وبرز رسول الله ﷺ من ورائه، فنظر إليهم وهم في صفوف الصلاة، ثم تبسم يضحك، فنكص أبو بكر على عقبه إلى الصف، فقد ظن أن رسول الله ﷺ يريد أن يخرج إلى الصلاة، وما كان النبي ﷺ يريد أن يصلي، ولكن كان يلقي عليهم هذه النظرة الأخيرة ليطمئن على أصحابه، فهمَّ المسلمون حينئذ أن يفتنوا في صلاتهم فرحاً برسول الله ﷺ ، فأشار بيده أن: أتموا صلاتكم.
ثم دخل الحجرة وأرخى الستر، وانصرف الناس من صلاتهم وهم يحسبون أن النبي ﷺ قد برئ من مرضه، ولكن تبين أنها كانت نظرة وداع منه ﷺ إلى أصحابه، فقد عاد ﷺ فاضطجع إلى حجر عائشة ﵂ وأسندت ﵂ رأسه إلى صدرها، وجعلت تتغشاه سكرة الموت.
وفي بعض الأحاديث: أن الرسول ﵊ نطق بوصيتين في آخر لحظة من حياته حيث قال: (الصلاة وما ملكت أيمانكم، الصلاة وما ملكت أيمانكم) فكانت هذه وصيته الأخيرة لأصحابه وأمته ﷺ .
стр. 807
أمره ﷺ لأبي بكر بالصلاة بالناس في مرض وفاته
ولم يعد رسول الله ﷺ يطيق الخروج إلى الصلاة مع الناس، فقال: (مروا أبا بكر فليصل بالناس، فقالت عائشة ﵂: يا رسول الله! إن أبا بكر رجل أسيف -تعني: رجل رقيق القلب- وأنه إذا قام مقامك لم يكد يسمع الناس من شدة بكائه، فقال: إنكن صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصل بالناس) فـ عائشة ﵂، خشيت أن يتشاءم الناس من أبيها، فتعللت بشيء ليس هو العلة التي في نفسها، فمن أجل ذلك قال النبي ﷺ : (إنكن صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصل بالناس) فكان أبو بكر هو الذي يصلي بالناس بعد ذلك، وخرج النبي ﷺ ذات مرة وقد شعر بخفة فأتى وأبو بكر قائم يصلي بالناس، فاستأخر أبو بكر لما أحس بالنبي ﷺ ، فأشار إليه رسول الله ﷺ أن امكث مكانك في الصلاة، فجلس رسول الله ﷺ إلى جنب أبي بكر، فكان أبو بكر يصلي بصلاة رسول الله ﷺ وهو جالس، وكان الناس يصلون بصلاة أبي بكر ﵁، واستبشر الناس خيراً لخروجه ﷺ إذ ذاك، ولكن البرحاء اشتدت عليه، وكان ذلك آخر مرة يصلي فيها مع الناس.
стр. 808
موقف أبي بكر والصحابة من وفاته ﷺ
لقد انتشر خبر وفاته ﷺ في الناس، وأقبل أبو بكر ﵁ على فرس من عوالي المدينة، فقد كان له منزل في ذلك المكان، ذهب وهو على أمل أن الرسول ﵊ قد شفي من مرضه، فأتى فدخل المسجد ولم يكلم الناس حتى دخل على عائشة ﵂ ورسول الله ﷺ مغطى بثوب حبرة، فكشف عن وجهه ثم أكب عليه فقبله وبكى ثم قال: (بأبي أنت وأمي لا يجمع الله عليك موتتين، أما الموتة التي كتبت عليك فقد متها) ثم خرج ﵁ وعمر يكلم الناس أن رسول الله ﷺ لم يمت، ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران، وأنه ﷺ لا يموت حتى يفني الله المنافقين، فأقبل أبو بكر ﵁، وهنا يظهر مقام أبي بكر وثباته وصموده أمام هذه المحنة الشديدة، وهكذا ينبغي أن يكون المسلمون على بصيرة وعلى فطنة في تلقي مثل هذه المصائب الكبيرة.
أقبل أبو بكر يقول له: على رسلك يا عمر، أنصت.
ولكنه استمر في كلامه، فلما رآه أبو بكر لا ينصت أقبل على الناس فأقبلوا إليه وتركوا عمر، فقال أبو بكر: أما بعد: أيها الناس! من كان منكم يعبد محمداً ﷺ فإن محمداً قد مات، ومن كان منكم يعبد الله فإن الله حي لا يموت، قال الله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا﴾ [آل عمران:١٤٤]، فكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر رضي الله تعالى عنه، فتلقاها منه الناس كلهم، فما سمعها بشر من الناس إلا وأخذ يتلوها، قال عمر ﵁: والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعقرت -أي: كأنه قطعت ساقاه- لا تحملني رجلاي، فأهويت إلى الأرض حين سمعته تلاها وعلمت أن النبي ﷺ قد مات.
هكذا توفي النبي ﷺ عن ثلاثة وستين عاماً من العمر، قضى أربعين منها قبل البعثة، وثلاثة عشر عاماً يدعو إلى الله في مكة، وعشر سنين قضاها في المدينة بعد الهجرة، وكانت وفاته في أول العام الحادي عشر للهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم.
روى البخاري عن عمرو بن الحارث قال: (ما ترك رسول الله ﷺ ديناراً ولا درهماً ولا عبداً ولا أمة، إلا بلغته البيضاء التي كان يركبها وسلاحه، وأرضاً جعلها لابن السبيل صدقة)، فهذه قصة وداع النبي ﷺ لهذه الدنيا وانتقاله إلى الرفيق الأعلى.
فهذه السورة كما ذكرنا تسمى سورة التوديع التي جاء فيها نعي رسول الله ﵌.
стр. 809
تفسير قوله تعالى: إذا جاء نصر الله والفتح
يقول الله : ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر:١] يأتي في الآية النصر والفتح، مع أن كلاً منهما مرتبط بالآخر، فمع كل نصر فتح ومع كل فتح نصر، فجاء النصر مضافاً إلى الله تعالى، والفتح جاء مطلقاً.
وقد اتفقوا على نزول هذه السورة بعد فتح مكة، ومعلوم أنه سبق فتح مكة عدة فتوحات، منها فتح خيبر، ومنها صلح الحديبية، قال عن صلح الحديبية: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح:١] وقال الله : ﴿فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح:٢٧].
والنصر يكون في معارك القتال، ويكون بالحجة والبيان، فيكون بكف العدو كما في سورة الأحزاب، يقول الله : ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب:٢٥]، وكما قال في شأن اليهود: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا * وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب:٢٦ - ٢٧].
إن النصر من عند الله العزيز الحكيم، ولقد علم المسلمون ذلك كما جاء في قوله تعالى: ﴿مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢١٤] فجاءهم
الجواب
﴿ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة:٢١٤].
فدائماً النصر يضاف إلى الله ، فقال عنهم: ﴿مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢١٤] ثم قال: ﴿أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة:٢١٤] وقال : ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر:١].
وقال ﷺ (نصرت بالرعب مسيرة شهر) وقد قال الله لموسى ولأخيه هارون: ﴿لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦]، فهذا -أيضاً- من نصر المعية، وكذلك الفتح يكون بانتشار دين الإسلام، وكما نعلم أن أعظم الفتوح في الإسلام فتحان: فتح الحديبية، وفتح مكة، ففتح الحديبية كان تمهيداً للثاني، والثاني كان قضاءً على دولة الشرك في الجزيرة.
стр. 810
تفسير قوله تعالى: ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً
يقول الله : ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ [النصر:٢] هذا القول من الله يدل على إرادة العموم، فقوله: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ [النصر:١] عام لكل نصر وفي كل فتح، بدليل العطف بقوله: ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ [النصر:٢]، فكان الناس يأتون من كل جهة حتى اليمن أقبلت لتدخل في دين الله، فهذا يدل على أن الدعوة قد بلغت كمالها وأن الرسالة قد بلغت وأن الأمانة قد أديت، لذلك استنبط ابن عباس ﵄ وكثير من الصحابة استنبطوا من هذه الآية أن فيها إشارة إلى اقتراب أجل النبي ﷺ ، وأن رسالتك قد تمت، وأديت ما عليك، فتهيأ للقاء ربك.
ويدل لهذا المعنى في السورة قوله قبل ذلك بحوالي ثلاثة أشهر في حجة الوداع: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣] أي: كمل الدين، وتمت النعمة، ورضي الله لنا الإسلام ديناً، فلذلك بكى عمر ﵁ حينما نزلت هذه الآية، وعلم ذلك لأنه ما من شيء يبلغ الكمال إلا ويئول إلى النقصان.
قوله: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر:١] الفتح قيل: المراد به هنا فتح مكة، وقيل: فتح المدائن والبلاد كلها، يقول ابن كثير رحمه الله تعالى: المراد بالفتح هاهنا فتح مكة قولاً واحداً، فإن أحياء العرب كانت تتلوم بإسلامها فتح مكة، يقولون: إن ظهر على قومه فهو نبي، فلما فتح الله عليه مكة دخلوا في دين الله أفواجاً.
فهم يعلمون أن من شأن مكة أن لا يسلط الله عليها أي كافر أو كذاب، كما فعل الله مع أبرهة الحبشي، حيث قال تعالى: ((أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل:١ - ٥].
ثم يقول ﵀: فلم تمض سنتان حتى استوثقت جزيرة العرب إيماناً، ولم يبق في سائر قبائل العرب إلا مظهر للإسلام، فلله الحمد والمنة.
وقد روى البخاري في صحيحه عن عمرو بن سلمة ﵁ قال: كنا بماء ممر للناس، وكان يمر بنا الركبان فنسألهم ما للناس؟ ما هذا الرجل؟ فيقولون: يزعم أن الله أرسله وأوحى إليه بكذا، فكنت أحفظ ذلك الكلام، وكأنما يقر في صدري، وكانت العرب تلوم بإسلامهم الفتح، فيقولون: اتركوه وقومه فإن ظهر عليهم فهو نبي صادق، فلما فتح الله عليه مكة بادر كل قوم بإسلامهم، وبدر أبي قومي بإسلامهم، فأسلم قوم عمرو بن سلمة بعد ما وقع ما كانوا ينتظرونه من دخول الناس في دين الإسلام.
وقيل أيضاً: إن الفتح عامٌّ في فتوح البلاد كلها، وتقدمت الإشارة إلى فتوحات قبل مكة.
следующие страницы →